كيف تهزم المصالح المبادئ في واشنطن؟

عبده موسى

مراجعة كتاب أمريكا والثورة المصرية

المؤلف: محمد المنشاوي عنوان الكتاب: أمريكا والثورة المصرية، من 25 يناير إلى ما بعد 3 يولية، شهادة من واشنطن

الملخص

الناشر: القاهرة، دار الشروق،.2015 عدد الصفحات: 380

كيف يمكننا رؤية تطوّر العلاقات المصرية - الأميركية في ظلّ الربيع العربي؟ وكيف تعاملت واشنطن مع تحديات هذه المرحلة؟ وكيف تعامل الفرقاء السياسيون في مصر مع واشنطن بوصفها اللاعب الخارجي الأكثر تأثيرًا في الساحة المصرية؟ للإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها يقدّم الصحافي والخبير في العلاقات المصرية - الأميركية محمد المنشاوي سرديةً تفصيليةً تحكي أحداث مصر؛ من ممهدات ثورة 25 يناير 2011 وحتى مشهد الانقلاب في عام 2013، وأصداء ذلك. على الرغم من أنّ الكتاب ليس فحصًا أكاديميًّا لمحددات العلاقة بين واشنطن والقاهرة، وإنما هو أقرب إلى شهادة خاصة ونتاج متابعة ذاتية من كاتبه عبر مقالات وتقارير صحافية له نشرت أغلبيتها في الشروق جريدة المصرية، فإنه يظلّ من اللافت للنظر وجود محاجّة واحدة تنظُم أجزاءه الأربعة، وهي تغلّب منظور الواقعية السياسية على السياسة المبدئية في هذه العلاقة.

الواقعية ومنظورها الضيّق للمصلحة الأميركية

طوال الفترة العصيبة التي مرّت فيها مصر بمسارات متعرّجة بين أمل التغيير الديمقراطي وكابوس عودة الحكم السلطوي، ظلّت المصالح كما تراها واشنطن، هي الغالبة، ولا تغادر صيغتها التقليدية. وعلى ضيقها وتحدّدها، ظلّت صيغتها الشبيهة بالصفقة تضطلع بدور الحكم الأخير عند كلّ منحنى مرّت به العلاقات المصرية - الأميركية. في حين ظلّ خطاب المبادئ الذي صعد في سياق الحرب على الإرهاب كلامًا، إذ لم تستجب واشنطن للصرخات التي تنطلق من قلب المنطقة، ولم تطبّق نصائح دوائر البحوث والاستشارات في واشنطن التي تحثّها على خلق توازنٍ بين المصلحة والمبدأ. وهذه الصيغة، بحسب ما يلخصها المنشاوي، كانت تكمن في "معادلة المساعدات في مقابل التعاون" التي تدور على المحاور الثلاثة التالية، حسب أهميتها، وهي: التعاون العسكري؛ فقد حصلت مصر بموجبه على نحو 75 مليار دولار، منذ توقيع اتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية في نهاية السبعينيات. وفي المقابل، حصلت الولايات المتحدة الأميركية على حزمة من التسهيلات العسكرية، أبرزها عبور القطع العسكرية الأميركية من قناة السويس، واستخدام سلاح الطيران الأميركي للأجواء المصرية، فضلً عن المناورات العسكرية المشتركة، والأهم، بطبيعة الحال، ضمان هيمنة الولايات المتحدة على واردات السلاح المصرية. التعاون الاستخباري؛ إذ يلاحظ المنشاوي أنه استمر من دون انقطاع يُذكر، منذ محاولة تفجير مركز التجارة العالمي عام 1993 التي اتُّهم فيها جهاديون مصريون. وعلى الرغم ممّ اعتور العلاقات بين البلدين من فتور وتوترات، ظلّ ذلك التعاون الاستخباري فاعلً، وغطّى نطاقًا واسعًا من التهديدات، خصوصًا الحركات الجهادية المسلّحة. وفي هذا السياق، عدّت واشنطن القاهرة حليفًا رئيسًا في ما عُرف بإستراتيجية الحرب على الإرهاب. ونشطت كذلك أوجه من هذا التعاون في مواجهة التحركات المناوئة للولايات المتحدة على صعيد المنطقة، سواء من الدول كإيران مثلً أو من جماعات دون الدولة كحزب الله والمنظمات الجهادية. دعم الإستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط في عمومها، والمساهمة في تأمين المصالح الأميركية بالمنطقة. وتتقاطع مع هذا المحور بالخصوص، مسألة الحفاظ على أمن إسرائيل التي وضعتها الولايات المتحدة بين أولوياتها في المنطقة، وعدّتها محكًّا لصعود مؤشر علاقاتها بمصر وهبوطه.

مسارات التأرجح بين المبادئية والبراغماتية السياسية

يرصد المؤلف في الجزء الأول من كتابه ممهدات الثورة التي ترسمها أحداث عاينها من واشنطن، بوصفه صحافيًّا ومعلّقًا سياسيًّا يعيش فيها، ويعرف جيدًا أروقتها. ويبين كيفية رفع الولايات المتحدة راية المبادئ في مواجهة مبارك، وممارستها ضغوطًا على القاهرة

فترةً محدودةً؛ من أجل أن تشرع في انفتاح سياسي وإنجاز تغيير ديمقراطي حقيقي. وقد حاولت القاهرة استيعاب تلك الضغوط عبر مشروع شكلاني للانفتاح السياسي الطابع، كان يستر مشروعًا لتوريث الحكم لنجل مبارك. كلّ هذا من دون تأثير حقيقي في مساحة التبادل المصلحي. في هذا التوقيت، كان يشدّ العلاقات إطار للمصالح الإستراتيجية الإقليمية، وجد من يسنده في واشنطن، وتمكن من وقاية نظام مبارك من آثار الضغوط الجديدة، وجعل عدّة تحديات تمرّ بسلاسة مبقيًا ما عُدّ خلافًا ضمن حدود آمنة، متجاوزًا ملفّات ملتهبةً؛ كملف أقباط المهجر، وقضية الواقع المتردي لحقوق الإنسان، وغيرها من الملفات التي كانت تزعج مبارك وتضع علاقته بواشنطن على المحك. في الجزء الثاني، نرى تداعيات الحدث الثوري على واشنطن؛ إذ إن البيت الأبيض، ومجلس الأمن القومي، والكونجرس، ووزارات الدفاع، والخارجية - وحتى مراكز البحوث - راوحت بين المصلحة والمبدأ. وفي إيقاع متسارع، يضعنا المؤلف أمام جملة من الحقائق المثيرة التي تندرج تحت عنوان عريض هو "ارتباك واشنطن" (ص. 95) فالقرار الأميركي في هذه الفترة القصيرة قد قام على ردّة الفعل، وإيثار التعامل مع التداعيات السريعة للثورة بحذر، واستمرار الاعتماد على دوائر تسيير العلاقات القديمة.

وفي ظلّ ارتفاع توقعات التغيير واتساع تأييدها الدولي، وضعت الثورة تلك العلاقات المحكومة بصفقة مصلحية في اختبار حقيقي، أكّدت نتائجه مبدأ واشنطن في التعامل مع حلفائها الإقليمين عمومًا والقاهرة خصوصًا، ومفاده أنه بغضّ النظر عن طبيعة الطرف في العلاقة معها، فإنّ محكّ هذه العلاقة هو التزام هذا الطرف بالمصالح وضمان تحصيل الولايات المتحدة لها. شهدت هذه الفترة طفرةً من الاهتمام بما يجري في الميادين، والتأثير الشديد لمشهد سقوط مبارك. وتوهّم بعضهم أثناء ذلك أنّ الصوت المصلحي المنادي بالحفاظ على المصالح الإستراتيجية الضيقة مع مصر قد دُفع دفعًا إلى الانزواء، وأنّ صوتًا مبادئيًّا مؤيّدًا للتغيير الديمقراطي العميق قد حلّ محلّه. لكنّ الحقيقة، بحسب ما يبين المنشاوي، كان عنوانها ارتباك واشنطن إزاء الحدث الثوري. وليس الأمر نتيجةً لفجائية الحدث، بل بالأحرى لنكوص أدوات السياسة الخارجية والاستخبارات المشغولة بمعادلة المصالح عن توقعه ورؤية مآلاته. تخبّطت الإدارة مع سرعة تطوّر الحدث الثوري، ليبقى الموقف الأميركي يراوح في المكان، ويبرز في صورة ردّات أفعالٍ تتعامل بالقطعة تارةً، وتكون في هيئة خطبٍ تستثمر تطورات الميدان تارةً أخرى. هكذا تحركت المواقف من موقع داعم لمبارك، فقد كشفت ذلك تصريحات هيلاري كلينتون في الأيام الأولى للثورة، إذ أكّدت إيلاء الثقة لمبارك بقولها: "تقديراتنا تؤكِّد أنّ الحكومة المصرية مستقرة وتبحث عن طرائق للتجاوب مع الحاجات المشروعة للشعب المصري ومصالحه" (ص. 95) هذا، مع الاكتفاء بإطلاق نصائح تقليدية توحي بحياد نسبي لواشنطن، مثل ضبط النفس والاستماع للغاضبين. وفي هذا الوقت، لم تكن مؤشرات الغضب ومقدار قوّة الحراك الشعبي رقمً مهمًّ في الحساب الأميركي. لكن ما إن أثبتت هذه العوامل قوّتها في الشارع حتى أخذ الموقف الأميركي في التحرك بعيدًا عن مبارك، ورأينا تخلّيًا واضحًا عنه، بل مطالبةً علنيّةً من أوباما ب "أنّ كلّ هذا يجب أن ينتهي الآن"1، في حين كانت أدوات السياسة الخارجية الأكثر عمقًا، تُعيد بهدوء ضبط رهانات قديمة - جديدة على المؤسسة العسكرية، بدأت برجل النظام القوي عمر سليمان، وتأييد حلوله محلّ الديكتاتور العجوز. ثمّ لاحقًا، ومع اكتساح إرادة الميادين، انتقل هذا الرهان إلى محمد حسين طنطاوي ومجلسه العسكري. وظل هدف رعايتها لتغيير حقيقي وعميق في مصر، وقيامها بممارسة ضغط فاعل في لحظه استثنائية، ديباجةً وجزءًا من خطاب سعى لمغازلة القوى الثورية فحسب، من دون ترجمة ذلك بالفعل على الأرض. من أبرز ما يكشفه الكتاب الذي يعتمد منهجًا للتتبع التحقيبي، ذلك الانعكاس لجدلية المبادئ - المصالح على بناء القرار المتعلّق بالشرق الأوسط. وهو يسرد ملامح لذلك الصراع المكتوم الذي جرى بين جيلين داخل الإدارة الأميركية عشية اندلاع الثورة، وملامح انفصالهما. وفي الجزء الثاني، نرى تأثير هذه الفجوة الجيلية، والكيفية التي مايزت بين ما يريده فريق أصغر سنًّا من فاعلي مؤسسات القرار في البيت الأبيض والخارجية والدفاع، تراوح أعمار أفراده بين أوائل الثلاثينيات وأوائل

  1. كان الخطاب يكرّس توجّهًا نحو انتقال السلطة، وبدا داعمً لحلول عمر سليمان محل مبارك على نحوٍ سريع، وتصاعد الضغط وتكرّر المعنى نفسه في مكالمة أوباما ومبارك الأخيرة قبل يومٍ من تنحّيه؛ إذ أعلن أنه قد أبلغ نظيره المصري "أنّ عملية انتقال السلطة سلميًّا في مصر يجب أن تبدأ الآن"، وإن لم يدعُه مباشرةً إلى التنحّي. انظر: Christiane Amanpour et al, “Barak Obama Urges Hosni Mubarak's Departure, Calls Egyptian Protestors 'Inspiration',” abc , 11/2/2011, at: http://abcn.ws/1WtdaS0

الخمسينيات وفريق أكبر سنًّا راوحت أعماره بين أوائل الستينيّات حتى أواخر السبعينيّات. وقد اعتمد الفريق الأول منظور المبادئ، طارحًا ضرورة إنهاء القمع وانتهاكات حقوق الإنسان التي أثارت غضبة الجماهير، مع تكريس نموذج جديد للديمقراطية موسوم بأنه استيعابيّ. أمّا الفريق الثاني من الأجيال الكبرى، فقد استمسك بنظرة محافظة ومصلحية، حفّزتها هواجس أكثر ما دفعتها طموحات، ويعزو المؤلف الأمر إلى خبرة الولايات المتحدة المؤلمة في التعامل مع الثورة الإيرانية أواخر السبعينيات، وهواجس تحذر من حلول الإخوان محلّ ملالي الخميني. وعلى الرغم من ذلك، لم يقلّل أيّ منهما الحقيقة المتعلّقة بصعوبة عملية الانتقال الديمقراطي في مصر وتعقّدها. ومن جهة الفاعلين، انصبت رهانات الفريق الأصغر من مسؤولي الإدارة الأمريكية على الشباب الثائر، وعملوا على دعم حراكهم، محاولين حث أوباما على المبادرة بخطوات قوية لدعم هؤلاء، والإنصات لصوتهم، بمعالمه الليبرالية الواضحة والمثيرة للذائقة الأميركية. في حين استمسك الفريق الثاني باستثمارات واشنطن القديمة التي تتيح تحصيل جملة من المصالح الإستراتيجية، محذرًا من أنّ الرهان على القوى الجديدة قد يعني المغامرة بفقدان هذه المصالح. وكانت رسائل تعكس، في جانب منها، ظلال الفزع الإسرائيلي، والممارسات الضاغطة للوبي الإسرائيلي الداعم لمطالب بنيامين نتنياهو، وقد لخّصها نصحه لأوباما ب "الوقوف مع مبارك مهما حدث"2. وفي الجزء الثالث، يتابع المؤلف تعامل واشنطن مع حقيقة أنّ السُلطة قد أقلقتها انفجارات يناير الجماهيرية في الشارع، وأنّ "الشعب" لم يعُد رقمً مغيبًا في معادلة السياسة في القاهرة، بل صار لاعبًا رئيسًا، وحكمً بين المتنافسين، في حين لم يحصل أيٌّ من هؤلاء جميعًا على ثقة الشعب الكاملة. وينتقل المؤلف إلى عام محمد مرسي في الحكم، وإلى الكيفية التي بدا من خلالها مسار الوصول إليه من زاوية واشنطن. ويعود إلى جذور تفاعل واشنطن مع الإخوان، وبدايات نشوء أوّل نظام حكم إسلامي في مصر، وموقع واشنطن من الصراع بين الجماعة والنظام الذي وصل في بعض فصوله إلى قلب واشنطن ذاتها. ويشير إلى حضور اللوبي اليهودي على خطّ الأزمة، وكيفية تحوّل مصر إلى قضية انتخابية أميركية في انتخابات أوباما في فترته الثانية، ويعرج إلى تفاصيل التقارب بين واشنطن ومرسي في عُقب وساطته الناجحة التي أفضت إلى وقف العدوان الإسرائيلي على غزة، وكذلك مسألة المساعدات الاقتصادية وتسهيل القروض، والتقارب بين رجال الأعمال والإخوان والإدارة. وفي الفصل الرابع الأخير، وهو في رأيي أهمّ فصل من فصول هذا الكتاب ويحتاج إلى التعمق في تفاصيله، يسرد المؤلف كيفية استمرار الارتباك الأميركي إزاء لحظة الانقلاب، وكيفية انتهاء الحال – كالعادة - بتوكيد مركزية المصالح الإستراتيجية، ومن ثمّ دعْم حُكم الجيش، ورئاسة السيسي في ما بعد. وهو الأمر الذي ربما يراه بعضهم ترجيحًا أميركيًّا لأمر كان خارج تأثير واشنطن، وواقعًا لا مناص من القبول به؛ إذ إنه يعكس معادلات القوة في القاهرة.

لكنّ المؤلف يتحدى هذه النظرة، ويُثبت بالوقائع والتفاصيل، أنه على الرغم من إحجام أوباما الواضح عن التعامل مع السيسي والنظام، والتلكؤ في دعمه، فإنّ القرار الأميركي في الأخير قد استند إلى ثوابته المصلحية، تاركًا الأمور تمضي في مسار صعود السيسي. وكانت المؤشرات الخمسة التي اعتمدتها واشنطن للحكم في النظام الجديد، تشمل تنافسية الانتخابات الرئاسية ونزاهة نتائجها، والنجاح في مكافحة الإرهاب في سيناء، والخروج من الأزمة المالية الخانقة، وضمان تحصيل الدعم الخليجي، وناشطية مصر في حلّ قضايا المنطقة، وهو ما يثير لدينا سؤالً، هو: كيف ترى الولايات المتحدة نتائج هذه المؤشرات على حدة، بعد عامين من ترك الأمور تمضي في انقلابٍ على الديمقراطية؟ في هذا الفصل نتنبه لمسألة بالغة الأهمية، تتعلق بتعاطي النُخب في مصر (وربما في كلّ البلدان العربية المرتبطة بالسياسة الأميركية)، ضمن ما يسميه المنشاوي "أوهام القاهرة." فالتحركات التي قامت بها قوى إسلامية، وأقطاب جماعة الإخوان، وحتى مناوئوهم في النظام تأسست على توهّم قدرة واشنطن على التحكم الكامل، وامتلاكها إستراتيجيةً متكاملةً وخططًا مُفصّلة للتعامل مع ما يجري. وقام المقبلون من القاهرة بمخاطبة الدوائر الأميركية وفق هذا التوهم. وكان التصور المبسّط والمجتزأ لدى هؤلاء يعوقهم عن

  1. كيرر أحمر للرئيس مرسي.. والرد عليه محمد المنشاوي، "خط أم"، ال وررق، 2012/11/2، في: http://bit.ly/1Sw24MT

فهم كيفية التأثير في "دولاب" صنع القرار في العاصمة الأميركية، ويعمّق عجزهم عن فهم طبيعة حركة واشنطن التي تقوم في كثير من الأزمات - على غرار أزمة الانقلاب - على حسابات الموقف الآني. وتحاول تطبيق تكتيكات حركية غايتها الحدّ من الخسائر، وفي خلفية تفكيرها بنية المصالح الإستراتيجية. لقد كان قلق واشنطن منصبًّا على تلك العلاقات الخاصة بالجيش والرغبة في الإبقاء عليها، وعلى التعاون الإستراتيجي الذي كان يدفع بقطاع الواقعيين في واشنطن إلى تصدير مخاوفه في كل لحظة من صعود الإسلاميين. وقد لاحظ المؤلف "الحميمية المكتومة" بين المكون العسكري في واشنطن والقاهرة، وكيف أنّ مبيعات السلاح الأميركية لمصر لم تتأثر طوال فترة المجلس العسكري التي تلَت سقوط مبارك، على الرغم ممّ بدا على السطح من توترات وضغوط. وهنا، تكون أداة الدعم العسكري والمبيعات العسكرية أداةً فاعلة.ً

ارتباك أم تعطيل متعمد لأدوات الضغط؟

الجزء الإشكالي بالنسبة إلى هذا الكتاب، في ما نرى، هو الذي يتعرض كيرر من حراك للموقف الأم 30 يونيو 2013، ومن ثمّ الانقلاب العسكري. ويربط المنشاوي "ارتباك" الولايات المتحدة سواء مع يوليو 2013، أو مع يناير 2011، بتعقّد آلية صنع القرار في الإدارة الأميركية، ومما يزيدها تعقيدًا تقاطعها والمؤسسات التمثيلية وجماعات الضغط وأصحاب المصالح الكبرى في واشنطن وضغوط الحلفاء. ويرى أنّ فهم هذا الطابع المعقّد هو المقدمة اللازمة لإدراك مواقف واشنطن تجاه مصر. ويعُدّ هذا الارتباك إثباتًا لضعف قدرة الإدارة الأميركية على التأثير في مجريات الأحداث داخل مصر، وأنها - بعكس ما يتوهم بعضهم - تقف على الرغم من قدراتها الفائقة على التواصل والتأثير في نخبة القرار وأطراف الأزمات، حائرةً أمام مثل هذه الأحداث الكبرى. ههنا، نخالفه الرأي؛ فما يعدّه ارتباكًا عِلّته فجائية الأحداث وضعف قدرات التوقّع لدى أجهزة الاستخبارات، قد يكون مفهومًا في البداية. لكن أن يستمر هذا الارتباك والتخبط، فهذا أمر يطرح في حدّ ذاته عدّة أسئلة لا تتعلّق ب "إرادةٍ ما" دفعت عمدًا نحو تجميد قدرات واشنطن على التأثير؛ ما جعل الإدارة خلال المداولة حول الموقف من الانقلاب تظهر أوّلً على أنها مفتقرة إلى الرغبة في حماية تغيير ديمقراطي في مصر، علاوةً على الاستعداد للقيام بذلك. إنّ تأمّل تفاصيل أوردها الكتاب حول مسار الانتقال الأميركي من الوساطة بين الفرقاء في النصف الثاني من عام حكم مرسي، إلى إيلاء الدعم الصريح لفريق رأته الإدارة أقرب إلى مصالح الولايات المتحدة في ما بعد استقرار حال الانقلاب، يعزّز تساؤلنا. ولسنا نجد لحجج واشنطن الأكثر تسيّدًا منطقًا متماسكًا، سواء بنسب المسؤولية إلى تعنّتٍ من جهة مرسي في الاستجابة لمطلبية الإصلاح العاجل، أو تفاوض ما على إدماج عناصر جديدة في السُلطة تقضي على مناخ الإقصاء الذي تحدثت عنه الأوساط المعارضة والقوى الدولية، أو بنسب المسؤولية إلى تعمد الجيش الهرولة لإنجاز انقلابه من دون استشارة واشنطن. فالسببان لا يستقيمان لتبرير مقبول لهذا الارتباك في لحظة مفصلية كهذه، ولا يستقيمان كذلك للاستمرار في ما بعد ذلك وصول إلى العودة بقبول واقعي بنظام السيسي.

المساعدات أو ورقة التوت المهترئة

أكثر ما يبين عدم رغبة واشنطن في حَفْز أدواتها الضاغطة لمنع الانقلاب، تكشفه ورقة التوت المسمّ ة بتعليق المساعدات. فذلك الوضع الذي وصفته الإدارة بالمعقد والصعب للحكم في ما جرى بوصفه انقلابًا من عدمه، وبالخصوص بعد "رابعة"، قد انتهى من ناحيتها بفعل وحيد خافت التأثير؛ وهو إصدار قرار بتعليق المساعدات العسكرية.

إنّ من يتأمّل مجريات تطور هذه المسألة أيضًا سيدرك أنها استُخدمت كورقة توت لستْ خطوات لا يمكن فهمها إلا بوصفها تلكُّؤًا في مواجهة الانقلاب، ونيةً لعدم خوض أيّ مواجهة حاسمة مع السُلطة الجديدة من شأنها أن تفرض عمليةً سياسيةً حقيقيةً تحقّق الشروط التي رسمتها واشنطن بنفسها. لقد منح تلكُّؤ واشنطن، فترة

مطولةً لمناورة النظام الجديد، وتكريس حقيقة الانقلاب، وتحويلها إلى فعل على الأرض أنتج تجفيفًا تامًّا للمجال السياسي، وقمعًا واسعًا، وسمح للنظام في القاهرة وداعميه الإقليميين بممارسة أكبر قدر من الضغوط داخل واشنطن. فكان منطقيًّا أن تنتهى الحال من دون إلزامٍ بتلك "المشروطية الديمقراطية" التي وضعتها واشنطن عشية عزل مرسي، في حين تشير حقيقة الوضع ومؤشرات تصاعده، إلى حالة موات بالنسبة إلى الضمانات التي تكفل فرض هذه المشروطية، وإنجازها في المستقبل.

صحيح أنّ المساعدات قضية بالغة التعقيد، وأنها أداة مركزية يرر  الأم لتحقيق الارتباط الم -كيرر، والإلزام بمعاهدات السلام المصرية - الإسرائيلية، عبر أربعة عقود. ومن وجهة واقعية، لا يمكن للمرء فهم سبب تضحية واشنطن بمسألة استقرار النظام، وهي مسألة مضمرة في بنية المصالح التي تفترض وجود نظام قوي في البلاد، ليكون فاعلً وقادرًا على أداء أدواره من جهة حفظ المصالح الأميركية، وهو أمرٌ يتخطى إلحاح الاتجاه الواقعي على عزل المصالح الأميركية عمّ يتعلق بالتطور الديمقراطي، أو تحسين وضعية حقوق الإنسان في مصر. لكنّ ترك الانقلاب، والسماح بصعود نظام بهذه الوجهة الاستبدادية وبهذه الصفة القمعية، يدفعان إلى إعادة أسباب الغضب الشعبي والانفجار، مرةً أخرى، في مواجهة العوامل ذاتها التي سببت الانفجار الأول. ومن ثمّ، فإنّ ما جرى حمل في طياته إضعافًا شديدًا للنظام في مصر، بما يشمله ذلك من عجز واضح عن الدفاع عمّ تراه الولايات المتحدة مصلحة.ً تظهر مراوغات الإدارة الأميركية في تلك اللحظة التي تيقنت فيها من وصول السيسي إلى منصب الرئاسة، والتي ترجمتها كلمة الرئيس الأم كيرر عشية بدء الانتخابات الرئاسية في مصر، والتي ألقاها بحسب الكتاب في أكاديمية ويست بوينت العسكرية، وفيها قال: "إننا نعترف بأنّ علاقتنا ببلد مثل مصر ترتكز على المصالح الأمنية؛ من معاهدة السلام مع إسرائيل إلى تقاسم الجهد المبذول لمكافحة التطرف العنيف. لذا لم نقطع التعاون مع الحكومة الجديدة، ولكن يمكننا الضغط وسوف نستمر في ذلك، من أجل تحقيق الإصلاحات التي يطالب بها الشعب المصري"3. غير أنّ الضغط "من أجل تحقيق الإصلاحات" تقلَّص إلى وقف المساعدات جزئيًّا، في حين أكّدت الولايات المتحدة "الاستمرار في تقديم المساعدات المدنية كلّها، والجزء من المساعدات العسكرية المتعلّقة بما تراه ضروريًّا، كتأمين الحدود ومكافحة الإرهاب، ومنع الانتشار النووي، وتأمين سيناء." ولا شكّ في أنّ "تأمين سيناء" يتعلق مباشرةً بأمن إسرائيل، "كما تستمر الشركات الأميركية المتعاقدة على توريد قطع الغيار والتدريب العسكري"4. وما وُضع رهن التعليق وطُلبت مراجعته ما يتعلّق بتسليم أسلحة متقدمة، وهي صفقة كان من المقرر تسليم مصر 4 طائرات من طراز إف 16، و 16 طائرةً مروحيةً من طراز أباتشي، إضافةً إلى حزمة مساعدات عاجلة، كانت وعدت بها الحكومة الأميركية الجانب المصري تبلغ قيمتها عام 2014 نحو 260 مليون دولار. وجرى رهن كلّ ذلك بحدوث تقدّم موثوق على طريق إقامة حكومة مدنية غير إقصائية ومنتخبة ديمقراطيًّا. يتعلّق الجزء الثاني هنا بنقد الاكتفاء بورقة المساعدات والتلويح بتعليقها. وكلّ مَن في واشنطن يعلم المحدودية الشديدة لتأثير ورقة المساعدات المدنية والعسكرية، منذ حكم بوش الابن وكيف أنها استخدمت في ملفات ساخنة كملف الأقباط في مصر، وهو ما أوصل الحال إلى قانون اعتمده الكونجرس يُلزم الإدارة اتخاذَ إجراءات مع الحكومة المصرية بصددها، وتعليق جزئي للمساعدات العسكرية على خلفية عدم إنصات القاهرة لمطالب واشنطن وتل أبيب في ما يتعلّق بالعمل الجدّي على وقف تهريب الأسلحة عبر أنفاق الحدود بين رفح وغزة. ولاحقًا جرى تمرير هذه الضغوط باستجابات التعاون الاستخباري، أو الإجراءات العسكرية، أو بعض الاستجابات الرمزية والشكلية على المستوى السياسي. وقد كان شرط "إذا كان هذا في مصلحة الولايات المتحدة" بابًا لتمرير قانوني للمساعدات على الرغم من مخالفة المشروطية الديمقراطية الجديدة. وكما استخدمت ذلك كونداليزا رايس عام 2008، استخدمه جون كيري في آذار/ مارس 2015 لرفع تعليق المساعدات العسكرية، وإنهاء استخدامها كورقة ضغط.