جيوسياسية الهجرة السرية بحوض البحر الأبيض المتوسط: أبعاد الظاهرة وخلفيات الاقتراب الأوروبي
الملخّص
خ لاا الأعوام الأخيرة أخذ بعض السياسيين أو الباحثين، أو كلاهما، في استخدام مصطلح "أزمة الهجرة"، أو "الهجرة غير القانونية"، أو "غير الشرعية"، أو "غير النظامية"، لوصف تصاعد حركات الهجرة إلى أوروبا. ونظرًا إلى أنّ القانون الدولي للهجرة واللجوء لا يورد هذه المصطلحات؛ ذلك أنّ الأصل في الهجرة هو الشرعنة، بموجب قواعد هذا القانون نفسه، "الهجرة السرية"، بوصفها هجرة فإن هذه الورقة سوف تعتمد وصف الظاهرة ب غير مصرّح بها. فالجدل الدائر حول مثل هذه التسميات ليس سوى توصيفات لواقعِ تسل ل المهاجرين عبر الحدود أو دخولهم أراضي الدول سرًّا. وتبرز أهمية هذا الموضوع، بالخصوص، في كونه يستجلي تغوّل الطرف الأوروبي في الربط الميكانيكي بين الهجرة والتطرف. وهو ما دفع أوروبا إلى المراهنة أكثر فأكثر على تقوية سياسة الستار الحديدي لمجابهة تهافت المنكوبين الجنوبيين على أراضيها، من دون تكل ف عناء التمييز بين اللاجئين من ضحايا النزاعات المسل حة التي ترتبت على عسكرة الثورات العربية، وغيرهم من راكبي موجة المدّ الهجروي، بدعوى تجفيف المنابع و"المفاقس" الأولية لإنتاج ظاهرة الهجرة السرية. وترى الورقة أن هذين التوجهين هما، في الحالتين، سواءٌ في السوء.
مقدمة
بما أنّ الهجرة لم يعد يُنظر إليها على أنها قضية سوسيو - اقتصادية محضة؛ ذلك أنها تحولت في ظلّ سيولة التفاعلات الإقليمية الجارية إلى قضية سياسية أمنية عابرة للحدود الدولية، وجب تناولها من زاوية تقاطع الحقول المعرفية، من خلال مقاربة جيوسياسية لا تكتفي بوضع الظاهرة المدروسة في آنيّتها وتموجاتها، بل تضعها في سياق أوسع زمنيًّا ومكانيًّا، على نحوٍ يُتيح لنا، من خلال مفهوم "الجيوسياسي"، أن نحلّل تجاذبات الهجرة السرّية بين المجالات الحضارية لحوض البحر الأبيض المتوسط. وقد برزت هذه الظاهرة بين ضفتي المتوسط في سياق الرفض المتناهي للأجانب تحت دوافع يتداخل فيها ما هو أمني واقتصادي وسياسي وديموغرافي، وذلك في إشارة إلى عدم مطاوعة التقييدات الأوروبية وتجاوزها لتقنين حركات الهجرة المقبلة إليها من الجنوب وضبطها.
فهذا الأسلوب الذي يتحدّى الحدود والقيود يتجاوز القنوات الرسمية للهجرة. وإنْ كان مدفوعًا بانسداد الآفاق أمام المهاجرين، فهو يعني من جملة ما يعنيه أنّ موسم الهجرة إلى الشمال قُدّر له أن يكون لانهائيًّا. فالمنطقة المتوسطية تُعَدّ من أهمّ بؤر الهجرة السرية في العالم، وإحدى المحطات الرئيسة والمفضلة لعبور قوس متنوع من المهاجرين غير النظاميين نحو أوروبا. ولذلك أصبح يُنظر إلى الهجرة المتعلّقة بهذه المنطقة، من الناحية السياسية، بوصفها قضيةً ذات شأنٍ توازي قضايا عالميةً جوهريةً أخرى وتتشابك معها. تصف مصطلحات "اللاجئ" أو "المهاجر" أو "طالب اللجوء" أكثر من نصف مليون شخص وصل إلى أوروبا بطريقة غير شرعية (بين كانون الثاني/ يناير وتشرين الأول/ أكتوبر)2015 مقبلً من بلاد دمرتها الحروب أو تعاني تدهور الأوضاع المعيشية. ولا تعكس هذه المصطلحات صورة الناجين من عبور البحر الأبيض المتوسط أو من ويلات الحرب فقط1، بل إنها تشير كذلك إلى كيفية تعامل الأوروبيين معهم من خلال خطابات وسياسات تحركها هواجس الأمن المجتمعي الهوياتي، أكثر مما تحركها عوامل أخرى. ولذلك فأمام تنامي ضغط هذه التيارات وتصاعدها، بالموازاة مع تعزيز السياسة الأمنية ومراقبة الحدود والضغط الداخلي والأزمة الاقتصادية في بلدان الاستقبال، كان من الضروري طرح الإشكالية على المستوى الجماعي2 في إطار إشراك جميع الأطراف المعنية وخصوصًا دول الجوار، ولكن من منظور إحلال هذه الدول في موقع المنطقة الحاجزة للتهديدات المرتبطة بالهجرة السرية. بناءً على ذلك، أصبح موضوع الهجرة السرية يشكّل أهمّ الموضوعات في أجندة العلاقات شمال - جنوب المتوسط. فالاتحاد الأوروبي، بوصفه يمثّل دُولَ مقصدٍ، يريد وقف تدفق المهاجرين نحوه بأيّ ثمنٍ. أمّا دول المنشأ الغارقة في التوترات السياسية ودول العبور التي تكابد اقتصاديًّا، فلا تملك القدرة على كبح سيل هذه الهجرة ولا قدرة القضاء على أسبابها، وفي هذه المعادلة تتفاعل العلاقات بين الأطراف الثلاثة. وقد تفاعلت تلك العلاقات، بالفعل، مع المناخ الذي أفرز الأحداث الدموية التي ضربت مؤخرًا فرنسا، وأصبحت "العلاقة المحتملة بين المهاجرين والتطرف" من أهمّ المسائل المقلقة لأوروبا. وفي هذا الشأن تبين وجود أعضاء جماعات متطرفة من بين المهاجرين، على أنّ الشبهات تحوم حول المسلمين على وجه التحديد. فعمليات التقتيل التي تنتمي إلى جيل "تنظيم الدولة الإسلامية"، المعروف إعلاميًّا ب "داعش"، أعادت إلى الأذهان مجموعة أحداث مماثلة شهدتها بعض الدول الأوروبية من قبلُ على عهد تنظيم القاعدة. وتلك العمليات التي ارتبطت، في أغلب الأحيان، بضلوع مسلمين منها، جعلت دول الاتحاد الأوروبي تُعيد النظر في الجماعات المسلمة وثقافتها، وتحاول الحدّ من زيادة تأثير الإسلام عبر الهجرة التي تزيد من عدد السكان المسلمين في أوروبا. استنادًا إلى ما سبق، أصبحت إشكالية الهجرة السرية تُعَدّ السؤال الأكثر إرباكًا للحسابات السياسية بين ضفتي المتوسط. فما من لقاء رسمي أو بين مسؤولي الضفتين إلّ ألقت هذه القضية بظلالها عليه، وفي ذلك إشارة إلى حساسية الموضوع وقوته الرمزية والمادية في صَوْغ السياسات المستقبلية وبناء علاقات أوروبا بجيرانها الجنوبيين.
وتبرز أهمية هذا الموضوع بالخصوص من جهة أنه يحاول استجلاء تغوّل الطرف الأوروبي في الربط الميكانيكي بين الهجرة والتطرف، وهو ما دفع أوروبا إلى المراهنة أكثر فأكثر على تقوية سياسة الستار الحديدي لمجابهة تهافت المنكوبين الجنوبيين على أراضيها، من دون تكلّف عناء التمييز بين اللاجئين من ضحايا النزاعات المسلّحة التي ترتبت على عسكرة الثورات العربية وغيرهم من راكبي موجة المدّ الهجروي، وذلك بدعوى تجفيف المنابع و"المفاقس" الأولية لإنتاج ظاهرة الهجرة السرية. وهذان التوجهان هما في الحالتين من السوء سواءٌ.
أولا، تحديد مفاهيمي: المفاصلة بين الهجرة السرية واللجوء
تنطوي ظاهرة الهجرة على إشكالية دقيقة، تتمثّل بمعرفة معيار الفصل بين الهجرة السرية بالمفهوم القانوني وتناميها المطّرد من جهة، واللجوء من جهة أخرى. وبما أنّ اللجوء نفسه طريقة من طرائق الدخول إلى دولة أجنبية بقصد الاحتماء بها من الاضطهاد، أو الملاحقة، أو العنف، أو الحرب، فلا بدّ من تحديد نطاقه (مفهومًا وشروطًا) حتى نستجليَ تداخله النسبيَّ مع الظاهرة المدروسة.
تمييز اللاجئ من المهاجر غير النظامي
في ظل الأوضاع العالمية المتسمة برفع شعار مكافحة الإرهاب، وهيمنة القطب الواحد، وانتشار العولمة، أصبح اللجوء محاطًا بالتحفظ والحذر، وطُرحت بشدّة مشكلة التمييز بين الهجرة غير المشروعة واللجوء3. ففي أغلب الأحيان، يسافر اللاجئون والمهاجرون جنبًا إلى جنب، ويسلكون المسارات نفسها، ويستعملون أنظمة النقل نفسها أيضًا، ويلجؤون كذلك إلى شبكات تهريب البشر، في محاولة لبلوغ البلد المقصود نفسِه، وبذلك فهم يشكّلون ما يُسمّى حركات الهجرة المختلطة4. وتقرن معظم التشريعات المتعلقة بالهجرة السرية هذه الهجرة بعمليات التسلل إلى الدولة أو الخروج منها على السواء، مهما كانت جنسية الشخص المتسلل. فالمهاجر هو شخص يغادر بلده بإرادته من أجل الإقامة في مكان آخر، وقد يكون دافعه هو الرغبة في التغيير أو المغامرة، وربّ ا كانت دوافعه أسبابًا عائليةً أو ذات طابع شخصي. أمّا إذا كانت العوامل الاقتصادية هي دافعه حصرًا، فإنه يكون مهاجرًا اقتصاديًّا، لا لاجئًا. والربط الخاطئ بين هذين المصطلحين كما يسود في أغلب المناقشات الإعلامية والسياسية المتعلّقة بهذا الشأن في أغلب الأحيان، لا يسمح بأيّ مساحة لمناقشة مبادئ الحماية أو الأسباب التي تَعدّ مفهوم اللجوء أمرا مهمًّ. ومن جهة أخرى، إذا كان المهاجرون الاقتصاديون أشخاصًا يغادرون بلدانهم الأصلية لأسباب اقتصادية خالصة، سعيًا وراء التحسين المادي لحياتهم، فإنّ هذا الأمر يختلف عن اللاجئين لأنهم لا يختارون مغادرة بلادهم، بل يُضطرون إلى القيام بذلك. والفارق الرئيس بين المهاجرين الاقتصاديين واللاجئين أنّ المهاجرين الاقتصاديين يحظون بحماية بلدانهم الأصلية، في حين يفتقد اللاجئون ذلك. يُضاف إلى ذلك أنّ المهاجرين الاقتصاديين لا يدخلون في نطاق وضع اللاجئين، وهم بذلك لا يحقّ لهم الاستفادة من الحماية الدولية المتعلّقة باللاجئين5. ومن ثمّ، فإنّ الهجرة السرية تحركها في أغلب الأحيان أسباب سوسيو - اقتصادية، في حين نجد أنّ الأسباب السياسية هي الدافع لطلب اللجوء. لكن ما يبدو للوهلة الأولى أنه بالدرجة القصوى دافعٌ اقتصادي للرحيل قد يشتمل أيضًا على عنصر سياسي؛ ذلك أنّ آراء الفرد السياسية قد تكون هي التي تعرّضه للنتائج الخطرة أكثر ممّ تعرّضه لها اعتراضاته على التدابير الاقتصادية6. فعندما تدمّر التدابير الاقتصادية الوجود الاقتصادي لقسم معين من السكان على خلفية نوايا تستهدف العرق، أو الدين، أو الرأي، ضدّ طائفة معينة، ربما
يجوز للضحايا - تبعًا للأحوال - أن يصبحوا لاجئين لدى مغادرة البلد. وحينما يتخذ عضو في أقلية مضطهدة قرارًا موجعًا بترك وطنه، ويختار أن يلتمس اللجوء في بلد موفور الثروة تكون فيه فُرص التمكّن من إعالة نفسه أكبر وأفضل، فهل يجعله هذا الأمر مهاجرًا اقتصاديًّا؟ قد يُطرح هذا السؤال بحدّة، خصوصًا إذا علمنا أنّ الأشخاص الذين يهربون من بلدان المنشأ خوفًا من الاضطهاد، ينضمّون إلى تيار أكبر من المهاجرين الذين يرحلون بحثًا عن فرص العمل وجمْع شمل الأسرة، أو لأسباب أخرى. يُضاف إلى ذلك أنّ نجاح تدابير منْع الهجرة السرية إلى أوروبا (سياسات التأشيرات الصارمة وفرْض عقوبات على الجهات الناقلة ومعاهدات إعادة القبول.. إلخ) دفع اللاجئين اليائسين الساعين للهرب من الاضطهاد إلى أيدي مهربّي البشر.
فليست هناك حتى الآن دولة نجحت في وضع إستراتيجيات رادعة للمهاجرين السرّيين تمكّنها من التمييز تمييزًا عادلً بين الأشخاص الذين يخافون الاضطهاد أو العنف خوفًا له مبررات بالفعل، وأولئك الذين يسعون للهجرة من أجل دوافع اقتصادية أو غيرها. ومن ثمّ، فإنّه من الطبيعي أن تنجم عن الموقف السياسي للدول من الهجرة غير السرية واللجوء، ردّة فعل على المستوى الوطني أو الدولي، بوصفها محاولةً تشريعيةً للتصدي للظاهرتين. وفي هذا السياق قَدّمت أوروبا، ضمن أولوياتها، محاربة الهجرة السرّية على محاربة أسبابها الجذرية وتحسين طرائق حماية اللاجئين. وهذا المنطق يعكسه ما يُسمى البعد الخارجي لقضايا اللجوء وسياسات الهجرة في الاتحاد الأوروبي إلى ما بعد حدوده؛ وذلك من خلال دمجها في اتفاقياته المختلفة مع الدول حول العالم7. بناءً على ما تقدّم، يتضح أنّ الفصل بين الهجرة غير الشرعية واللجوء لا يعدو أن يكون خيطًا رفيعًا؛ بالنظر إلى التداخل الموجود بين المفهومين. فالهجرة قد تكون الطريق نحو اللجوء استنادًا إلى أنّ كليهما يشكّل نوعًا من دخول الأجنبي وإقامته، وقد ينقلبان إلى هجرة غير مشروعة أو سرية8. فحينما يتمّ رفض طلب اللجوء بعد تقديمه إلى السلطة المتخصّصة من جهة الأجنبي، فإنّ طالب اللجوء لا يجد بُدًّا من البقاء في وضعية غير نظامية على أمل إيجاد وسيلة أخرى قد تسعفه في تسوية وضعيته القانونية. وعلى الرغم من ذلك، لا يمكننا، بوجهٍ عامٍّ، إلا أنْ نعُدّ الوضع القانوني للمهاجر السري مختلفًا عن الوضع المتعلق بطالب اللجوء؛ وذلك من منطلق الدوافع والأسباب لكلّ طرفٍ منهما.
اللجوء: معناه وشروط الحظوة بصفته
بما أنّ اللجوء صورة من صور دخول الأجانب إلى دول المقصد، واستنادًا إلى ما قد يثيره من تداخل بينه وبين الهجرة السرية، فإنّه يطرح اليوم إشكاليات مستعصية في العلاقات الدولية بالنظر إلى تنامي أعداد طالبيه. ويُعرّف اللاجئ بأنه "كل شخص يوجد، بنتيجة أحداث وقعت قبل 1 كانون الثاني/ يناير 1951، وبسبب خوفٍ له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معيّنة أو آرائه السياسية، خارج بلد جنسيته، ولا يستطيع، أو لا يريد بسبب ذلك الخوف، أن يستظل بحماية ذلك البلد، أو كلّ شخص لا يملك جنسيةً ويوجد خارج بلد إقامته المعتادة السابق بنتيجة مثل تلك الأحداث ولا يستطيع، أو لا يريد بسبب ذلك الخوف، أن يعود إلى ذلك البلد"9. غير أنّ البروتوكول المتعلق بالنظام الأساسي للاجئين سنة 1967 مدّد أحكام الاتفاقية السابقة بالنسبة إلى جميع اللاجئين الذين ينطبق عليهم الوصف السالف، من دون الاحتكام إلى التاريخ الأقصى المذكور آنفًا. وقد توسع مفهوم اللجوء مع الاتفاقية الأفريقية سنة 1969؛ إذ عرّفت اللاجئ بأنه ليس الشخص الذي لا يستطيع العودة إلى بلده خوفًا من الاضطهاد فحسب، كما هو معروف في اتفاقية جنيف، بل هو أيّ شخص يفرّ من دولة المنشأ أو الأصل نتيجةً لاحتلال أجنبي أو وقوع عُنف عام10. ومن ثمّ، فإنّه يوجد عدد كبير من المهاجرين غير النظاميين، بحسب الاتفاقية الأفريقية، يُطلق عليهم وصف "لاجئ." في هذا السياق يقول هيفين كرولي: في الوقت الذي حدّدت فيه الأنظمة الأوروبية، وعلى مرّ السنين مفهوم اللجوء من خلال اتفاقية
اللاجئين بدقة متناهية بحيث يتأهل - الآن - للحصول على اللجوء أفرادٌ قليلون فقط من المطالبين به، فإنّ هذا لا يعني أنّ أغلبية طالبي اللجوء هم في الواقع مهاجرون اقتصاديون ولا يحتاجون إلى الحماية. ففي الفترة ما بين 1990 - 2000 جاء نحو 60 % من مجموع طالبي اللجوء في أوروبا من 10 دول فقط، كان فيها نزاع موثّق وانتهاك لحقوق الإنسان وقمع سياسي، وجادل السياسيون وصنّاع القرار في أنّ كلّ هؤلاء الأفراد لم يتأثروا مباشرةً بهذه النزاعات. ولكن يجب ألّ نغفل حقيقةً مفادها أنّ هذه النزاعات تقوّض قدرات الأفراد على العيش من دون خوف11. ومن هذا الوجه، تنطبق على هذه الحالة الصراعات التي تكون مفرطةً في التسلّح ومزمنةً، كما بدا ذلك في الوضع الليبي والحالة في سورية، حيث أخذ مواطنو هذين البلدين يقصدون الحصون الأوروبية مع انزلاق الثورة بهما إلى نزاعات مسلّحة.
وفي وقتٍ أوضحت فيه المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنّ أكثر من 207 آلاف شخص عبروا البحر المتوسط إلى أوروبا عام 2014، نصفهم من سورية وإريتريا، وهو ثلاثة أضعاف العدد الذي كان في عام 2011 والذي بلغ 70 ألف شخص، عندما كانت الحرب الليبية في ذروتها، أعلنت الوكالة الأوروبية لحماية الحدود "فرونتكس"، في 10 آذار/ مارس 2015، أنّ أعداد اللاجئين ارتفعت من 100 ألف لاجئ تقريبًا عام 2013، إلى نحو 275 ألف عام 2014 12. وفي السياق نفسه أيضًا، يقول رايمو هول: إنّ تفسير استمرار قضية اللجوء المتنازع فيها يعدُّ من الأمور المعقدة جدًّا، لأنها تكمن في حقيقة مجملها أنّ اللاجئين وطالبي اللجوء الذين يصلون إلى أوروبا اليوم يسعون للانخراط في مجتمعات أكبر وفي الحركات العالمية الكبيرة المتزايدة للمهاجرين الباحثين عن حياة أفضل في الدول الاقتصادية الكبرى. وبالنظر إلى وجود قنوات قانونية قليلة جدًّا للهجرة إلى أوروبا، فقد لجأ طالبو اللجوء والمهاجرون الاقتصاديون إلى وسائل غير قانونية للوصول إليها، وهي تكون عادةً من خلال شبكات التهريب. وبعد ذلك يبدأ المهاجرون المنتظرون بتقديم طلبات الحصول على اللجوء لأنه الطريقة الوحيدة لتنظيم إقامتهم13. وعلى أيّ حال، إن كان من ضمن مجموعات المهاجرين السرّيين من يستحقون فعلً صفة لاجئين، فلا بدّ من معاملتهم طبقًا لمبدأ منْع الردّ القسري أو الإبعاد القسري الذي يقضي عدم جواز ردّ اللاجئ على أعقابه إلى مكان يتعرض فيه للتعذيب أو الاضطهاد من جديد. وفي هذا الإطار تشجع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين على إعادة التوطين بوصفه أحد الحلول الدائمة لأوضاع اللاجئين، تعبيرًا عن التضامن الدولي وآليةً لتقاسم المسؤولية. وعلى الرغم من ذلك لا يشارك في برامج إعادة التوطين سوى عدد قليل من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. أشارت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى أنّ طالب اللجوء الذي يلجأ إلى أحد مهربي البشر يلحق ضررًا خطرًا بطلب لجوئه في أعين كثير من الدول، لأن ذلك يؤدّي إلى اتهامه بجرم مزدوج. ففي هذه الحال، لا يضرب اللاجئون بالحدود الوطنية عرض الحائط فحسب، بل إنّهم يفعلون ذلك بالتواطؤ مع العصابات الإجرامية للاتجار بالبشر14. لكنّ هذا لا يبرر الاستغلال الفاحش لأوضاع هؤلاء الضحايا من جهة دول المقصد أو العبور بعد أن استنزفتهم عصابات التهريب التي التجؤُوا إليها. ومن أجل اجتناب ذلك، وحتى يتمكن المهاجر من الحظوة بصفة "لاجئ" وبما تخوله من حماية دولية، لا بدّ من توافر شروط إجرائية وأخرى موضوعية. فبالنسبة إلى الشروط الإجرائية، يتعين تقديم طلب لمكتب اللاجئين والمتشردين بوزارة خارجية في بلد المقصد. فهذا المكتب الذي يمتلك السلطة التقديرية في التأكّد من توافر الشروط الموضوعية المنصوص عليها في اتفاقية جنيف 1951 والبروتوكول الملحق بها سنة 1967. وإذا رفض المكتب المذكور الاعتراف بصفة الشخص لاجئًا، جاز لهذا الشخص الطعن أمام لجنة الالتجاء المكونة من وزير العدل رئيسًا، ووزير الشؤون الخارجية، وممثل المندوب السامي لشؤون اللاجئين المنتدب من هيئة الأمم المتحدة لدى حكومة دولة المقصد. وقد أوضحت اتفاقية دبلن 1997 المتعلقة
بالنظام الأوروبي للجوء أنّ على الأفراد الذين يلتمسون اللجوء أن يقدموا طلباتهم في أول بلد عضو في الاتحاد الأوروبي يدخلونه، وهو ما يدفع طالبي اللجوء، في أغلب الأحيان، إلى هجرة ثانوية تكون سريةً في إطار ما يسمى بتسوق اللجوء بين بلدان الاتحاد الأوروبي. أمّا بالنسبة إلى الشروط الموضوعية بشأن اكتساب صفة "لاجئ"، بحسب ما نص عليه الفصل الأول من اتفاقية جنيف، فهي كالتالي: يجب ألا يكون طالب اللجوء قد ارتكب جريمةً أخلّت بالسلام، أو جريمةً من جرائم الحرب، أو جريمةً ضدّ الإنسانية، أو جريمةً خطِرة من الجرائم الداخلة في القانون العامّ؛ وذلك خارج البلاد التي دخلها، قبل أن يقبل فيها بصفة "لاجئ." ألّ يكون طالب اللجوء متّهمً بارتكاب تصرفات تتنافى مع مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها. الخضوع للقوانين والضوابط والتدابير المتخذة للمحافظة على النظام العمومي. وفي حال قبول منْح صفة لاجئ، بناءً على توافر جميع الشروط المطلوبة، يُسلِّم مكتب اللاجئين للمعني بالأمر الوثائق القاضية بتسوية وضعيته القانونية، وبذلك تصير إقامته مشروعةً في البلد الذي منحه تلك الصفة. وهكذا، إذا كان يُحتّم على دولة المقصد عدم طرد اللاجئ بمقتضى القوانين الدولية، فإنه يترتب على الهجرة السرية، على العكس من ذلك، أحكام الاقتياد إلى الحدود والطرد بحسب ما تنص عليه تشريعات الدول ذات الصلة بهذه الظاهرة.
ثانيًا، الهجرة وإلزامية حماية الحدود
تُعَدّ القيود المفروضة على الهجرة ظاهرةً معاصرةً طبعت أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. فهي لم تكن معروفةً خلال القرن التاسع عشر، إذ تساوت حركة المهاجرين مع حركة رؤوس الأموال. يقول الطيب الشرقاوي: "لسَدّ النقص الحاصل في القوة البشرية، تمّ فتح حدود دول الشمال على مصراعيها أمام العمال لا سيما القادمين من دول الجنوب، فكانت تلك انطلاقة الهجرة الجماعية من الجنوب إلى الشمال حيث لم يكن يخامر البلدان المستقبلة والبلدان المصدرة، على السواء، شكّ في كون تدفّق المهاجرين إلى أوروبا ظاهرةً مؤقتةً أملتها ضرورة إعادة الإعمار وبناء اقتصادات تلك الدول، غير أنه بتوالي السنين وتبعًا لازدياد تدفق عدد المهاجرين من دول الجنوب إلى دول الشمال، أصبحت الهجرة السرية هاجسًا ومشكلةً حقيقيةً للدول المستقبلة خلقت انعكاسات سلبيةً على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإنساني والأمني، ممّ دفع بدول الاتحاد الأوروبي تحت الأزمة البترولية الأولى [عام 1973] إلى اتخاذ قرار يقضي بإغلاق حدودها في وجه المهاجرين النازحين"15.
وهكذا نجد أنّ الدول الداعية إلى العولمة، والداعية إلى فتح الحدود، وإلى حرية انتقال رؤوس الأموال والسلع، هي نفسها الدول التي تدعو إلى محاربة الهجرة بدعوى السيادة الوطنية وهذه هي المفارقة. فالمسألة لها جانب قانوني من حيث إنه يوجد في القانون الدولي مبدأ متفرع من سيادة الدولة؛ وهو حقّ الدولة في تنظيم دخول الأجانب وإقامتهم على أراضيها، وهو مبدأ معترف به في القانون الدولي، وهو وليد مبدأ السيادة الإقليمية16. ولكن ينبغي أن تُؤخذ السيادة في شموليتها؛ لأنّ هناك سيادةً واحدةً فقط لا تقبل التجزئة إلى سيادة ضدّ الهجرة، وأخرى مع انتقال المعلومات ورؤوس الأموال. غير أنّ ذلك لا ينفي، من منطلق تطبيق مبدأ السيادة، حق كلّ دولة في حماية حدودها الوطنية والمحافظة على أمنها ونظامها العاميّن. فالاعتراف بحرية تنقّل الأشخاص لا يعني فتح الباب على مصراعيه للمواطنين للتنقل من دون مراقبة. لذا، فإنّ هذه الحرية يجب أن تكون منظمةً ومضبوطةً. فبغضّ النظر عن القيود القانونية التي تفرضها الحكومات، توجد قيود مالية وثقافية تزيد من تعقيد حرية تنقّل الأشخاص الذين يكونون مرغمين، في أغلب الأحيان، على مغادرة بلدانهم الأصلية هربًا من الحروب والفقر والبطالة، وهذا ما دفع بعض المحلّلين إلى الحديث عن الهجرة المفروضة17. علاوةً على ذلك، ستبرز بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 جدلية الهجرة والتطرف، وهو ما سيؤدي إلى تشديد الإجراءات المتعلقة بمراقبة
الحدود والهجرة، بل إنّ الأمر سيمتد إلى درجة التأثير في التشريعات الدولية المتعلقة بالهجرة، غير أنّ هذا الأمر لن يحصد سوى نتائج عكسية. وإذا كان المهاجرون الأوروبيون يعبرون الحدود من دون مراقبة، فإنّ الآخرين من غير الأوروبيين يخضعون لمراقبة شديدة ما إن يصلوا إلى إحدى البلدان الأوروبية؛ إذ يجب عليهم أن يصرّحوا بكامل تحركاتهم داخل فضاء شنغن الذي أصبح موسعًا ومنفتحًا على كامل أوروبا الموحّدة18. وبالعودة إلى تيمة السيادة من حيث تزاحمها وتدافعها مع الهجرة، تتعامل المدرسة الكلاسيكية أو التقليدية في العلاقات الدولية مع الهجرة من منطلق السيادة الكاملة للدولة. فإذا كانت للتحولات الاقتصادية الكبرى آثار كثيرة في سياسات الدول واقتصاداتها، وعرفت سيادة الدول تراجعًا حتى أصبح دورها محدودًا أمام قوة الفاعلين الاقتصاديين ودورهم، فإنّ ذلك لا يعني بالنسبة إلى الدولة المتقدمة انهيار الدولة أو غياب دورها، بل إنّ هذا الدور يتحدد للتكيف مع المتغيرات العالمية19 التي تُعدّ ظاهرة الهجرة السرية إحدى إفرازاتها. ففي الوقت الذي تتعالى فيه أصوات جديدة من حقل العلاقات الدولية داعيةً إلى ربط هذا العلم بالأخلاق، إذ تؤكد المدرسة السلوكية ضرورة مراعاة المشاعر الإنسانية للمهاجرين السرّيين وخصوصًا اللاجئين منهم لأنهم الأكثر عرضةً للمعاناة، لا يسع الغرب المتشدق بتوجهاته الديمقراطية والحقوقية سوى أن ينتهج أسلوب الكيل بمكيالين. فأمْر ازدواجية المعايير لدى الغرب في التعامل مع مكونات النظام العالمي، بصفة عامة، يُعدّ خاضعًا لتوجهاته النفعية المستمدة من الحفاظ على أمنه ومصالحه العليا، عبر كلّ الوسائل المتاحة والممكنة، حتى لو لم تكن مقبولةً لدينا؛ لأنه لا يتعامل معنا وفق ما نراه، بل بناءً على ما يراه هو نفسه. وفي هذا السياق يقول محمد طارق حيون: إذا كان هذا يصدق على كلّ مناطق التماسّ بين الفقر والغنى، بين الشمال العقلاني والجنوب الروحاني، فإنّ الحدود بين أوروبا وأفريقيا والعالمين العربي الإسلامي والغربي العلماني تعرف غياب سياسة أوروبية لمسألة إدارة الحدود البحرية والبرية الخارجية ومسألة الأمن المشترك الأوروبي، حيث المقاربة الحدودية تستجيب للمفهوم الكلاسيكي الذي يربط الحدود بالسيادة الوطنية ممّ جعل من الصعب على الاتحاد الأوروبي – الاقتناع - بالكفّ عن تدبير حدودي يغلب عليه الهاجس الأمني كاستعمال العقوبات واحتلال المجال والمراقبة الإلكترونية20. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ السلطات الوطنية والدولية عبر العالم المعنية بمسألة الهجرة تجمع على نتيجة مفادها أنه يستحيل، من الناحية المادية، ممارسة مراقبة فعّالة للحدود في دول مفتوحة كما هو شأن الدول الصناعية21، الأمر الذي يفسر وجود أعداد كبيرة من المهاجرين السرّيين بالبلدان الأوروبية، حيث لا توجد في الحقيقة معطيات إحصائية دقيقة حولهم22. إنّ الوقوف ضدّ حركة التداول التي يُتيحها العالم المعولم، كما يرى كلّ من الفيلسوف الإيطالي أنطونيو نيغري والناقد الأميركي مايكل هاردت، هو من سمات الفكر الرجعي والفاشي، وهو ما يضع على المحكّ حقيقة الديمقراطية الغربية وتغنّيها بشعارات حقوق الإنسان.
ثالث ا، الهجرة بين ضفتي المتوسط وإشكالية الجوار
يُفضي اندفاع مهاجري الضفة الجنوبية من المتوسط نحو الشمال، بما يحملونه من نظام قيميّ وثقافيّ مغايرٍ لما هو عليه الأمر في بلدان الاستقبال، إلى التساؤل عن إمكان التصادم بين حضارتي الطرفين، فضلً عن الكيفية التي أصبح معها هذا المنظور مؤسسًا للربط الميكانيكي بين الهجرة والتطرف، بعد تورط مهاجرين مسلمين في مجموعة من الأحداث الدموية بأوروبا.
الهجرة وأطروحة صدام الحضارات
تتوقع أوروبا أنّ الخطر مقبل من حدودها الجنوبية المطلّة على البحر الأبيض المتوسط؛ وذلك من خلال تدفق الهجرة غير المشروعة والحركات الإسلامية المتطرفة. كما يربط الأوروبيون بين الهجرة وتهديد ثقافاتهم، بالنظر إلى أنّ المهاجرين يتمسكون بعاداتهم وتقاليدهم ويرفضون تبنّي ثقافات الدول المضيفة لهم، وهو أمرٌ تنتج منه فجوة ثقافية واجتماعية بين المهاجرين من ناحية، والسكان الأصليين من ناحية أخرى23. ومن هذا المنطلق يمكن القول إنّ تعدّد أوجه التحركات التي يقودها الاتحاد في سبيل مكافحة الهجرة السرية، إنما تُفسّ بتخوّف دول الشمال المتوسطي من أن يُصبح هذا الفضاء عربيًّا مسلمً، وبذلك تُضاف مسألة الهجرة إلى القضايا المحركة والمغذّية للصدام بين الحضارات من وجهة النظر الأوروبية. ففي إيطاليا، وقف رئيس الوزراء السابق وزعيم "قوة إيطاليا"، سيلفيو برلسكوني، إلى جانب مراقبة شواطئ البلاد بالسفن الحربية التي ستبدأ بإطلاق الرصاص على السفن المقبلة بطريقة غير شرعية، من دون سابق إنذار. ثمّ إنّ الشخصية البارزة في الحزب المسيحي الديمقراطي في ألمانيا الغربية روتغيرس قادت نضالً ضدّ الهجرة تحت شعار "الأطفال غير هنود"، قاصدةً بذلك أنّ مجيء ممثلي الثقافات الأخرى سيخلق خطرًا بالنسبة إلى جيل الشاب في ألمانيا24. وعلى الوتر نفسه عزف جون ماري لوبين حينما وعد بطرد ثلاثة ملايين مهاجر خلال ترشّحه للرئاسة الفرنسية سابقًا. يقول فرانسيس فوكوياما: "إذا كان هذا التفسير لطبيعة التهديد الهجروي المفترض صحيحًا، فإنه يشتمل على عدد من المضامين لطبيعة الصراع الآتية في المستقبل، حيث إنّ تحوّل بعض المهاجرين في البلدان الأوروبية إلى الراديكالية يُنبئ باحتمالية أن تكون ساحة القتال في أوروبا الغربية، ولكن الذي ينبغي علمه هو أنّ هذا التحول إنما بدأ يمسّ بعضًا من مهاجري الجيل الثاني أو الثالث كردّة فعلٍ منهم على الإخفاق في الاندماج ببلدان الاستضافة، لذلك فالراديكالية الجهادية هي منتج ما يسميه أوليفير روا الإسلام 'المنتزع من المحلية'، الإسلام الذي يجد فيه المسلمون الأفراد أنفسهم معزولين عن التقاليد المحلية الأصلية، وبوصفهم في الغالب أقليات مجتثّةًالجذور في أراضٍ غير إسلامية. وهذا يفسر لماذا لم يأتِ كثيرون جدًّا من الجهاديين من الشرق الأوسط وإنما تربّوا بالأحرى في أوروبا الغربية"25. وعلى الرغم من ذلك، تظلّ القاعدة الملازمة لواقع المهاجرين، خصوصًا ذوي الأصول الإسلامية العربية، متمثّلةً بمزيد من التحريض ضدّهم. لهذا انطلق الهجوم الصهيوني والغربي الإسلامي والسياسي والثقافي - بما يحمل من أكاذيب وافتراءات ضدّ الإسلام - لخلق عدوّ وهميّ، ولتخويف الغرب من الإسلام وعَدّه شرًّا، وعَدّ أتباعه إرهابيين وقتلةً ومتخلفين26، وعدّهم أيضًا متسلطين غير ديمقراطيين، ورجعيين غير متنورين. في الحقيقة، إنّ ما يجري اليوم ليس حرب الديمقراطية ضدّ الشمولية، وليس حرب الحداثة ضدّ التقليدية، بل هو الصدام بين مشروعين إمبراطوريّتين، إمبراطورية الأغنياء التي أصبحت ديكتاتوريتهم والسياج الذي يحميهم من عالم الفقر اليائس، وإمبراطورية المحرومين التي يجب أن تصبح حاميتهم وسيف انتقامهم27. من أجل ذلك تكشف هذه الطبيعة الاجتماعية للصدام بين الشمال الغني والجنوب الفقير عن النية المبطّنة للغرب من خلال تصويره على أنه صدام عرقي أو ديني تحت يافطة "صدام الحضارات"؛ وذلك من أجل إخفاء طبيعة العدوان الغربي العالمي الذي يتخذ شكل صراع؛ للاستيلاء على الموارد الأرضية وانتزاعها من الأغلبية المنهكة غير الغربية، وتسليمها إلى النخبة الغربية الأحقّ بها مادامت تحتكر القوة العارية.
يخلق الغرب بتوسعه المدمر فراغًا اقتصاديًّا في الجنوب، ولكنه هو نفسه، يصبح منطقة فراغ بمقياس آخر هو المقياس الديموغرافي. وثمّة اليوم بين الشمال والجنوب انخفاض ضغط ديموغرافي كبير جدًّا؛ إذ يجري تركيز عملاق للكتلة البشرية في الجنوب الفقير، في حين يتنامى تخلخل الكثافة الديموغرافية في الشمال الغني28. وهكذا فإنّ توسع الجنوب ديموغرافيًّا في اتجاه الشمال إنما يأتي ردًّا على توسّع الغرب
اقتصاديًّا وحضاريًّا على نحوٍ مدمّر في اتجاه الجنوب. ومن أمثلة ذلك التوسع أنّ ثلثي الأطفال الحديثي الولادة في ألمانيا هم من الملونين. إنّ أفضل عقول الغرب لا ترى طريقةً لإيقاف هجرة الفقراء، إلا إذا تمّ إنشاء أسيجة من الأسلاك الكهربائية بتيار عالي التوتر تكون بمنزلة حدود للعالم الغني، ومن دون هذه السياسة لا يمكن إيقاف المهاجرين29. وإنّ السيل الجارف من الجماهير غير المستقرة المتجه من الجنوب الفقير نحو الشمال الغني، يمثّل في الواقع سلاحًا ارتداديًّا، بالنظر إلى أنّ من آثار هذا الأمر صَوْغ مجتمع جديد هجين ذي هوية غير ثابتة في الغرب، نتيجةً للتوسع الديموغرافي الذي يغزوه من جنوب لا يسلم هو أيضًا من نتيجة توسع "الغربنة" فيه. يقول ألكسندر بانارين: كلمّا ازدادت سرعة الممارسات الاستعمارية الجديدة وأفعال ''الإصلاح'' المدمرة التي تقوّض أُسس الوجود الإنساني العادي في الشرق، زادت الكتلة البشرية التي فقدت جذورها ضغطها الكبير، وحقّقت اختراقًا قويًّا من الجنوب إلى الشمال عبر كلّ الموانع والحواجز. ويبيّ يونيتوفسكي، أحد قادة "اليمينيين الجدد" في فرنسا، تأثير قانون ''التناسب العكسي" الديموغرافي المعروف على المستوى الجيوسياسي العولمي، بقوله إنه كان يعيش في شمال البحر الأبيض المتوسط 140 مليون إنسان عام 1950، وإنه كان في جنوبه في بلدان أفريقيا الشمالية العربية 70 مليون إنسان. وقد تغيّ الأمر اليوم فصار 1" إلى 2" لمصلحة الجنوب30.
وعلى الرغم من ذلك، لا مبرر للدول الغربية، ومنها الدول الأوروبية، لانتهاج سياسات عدائية تجاه المهاجرين المقبلين إليها من دول الجنوب، وخصوصًا العرب والمسلمين، وفي المقابل تبقى التنشئة الاجتماعية القائمة على التسامح والتعايش السلمي والحوار، بدلً من الصراع والصدام بين الحضارات والثقافات، الوسيلة المثلى لإيجاد اتجاهات إيجابية تجاه المهاجرين، مهما جنحوا إلى أنواع من السلوك قد تكيّف قانونيًا على أنها إجرامية.
القلق الأوروبي من اللقاء بين الهجرة والتطرف
منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 بنيويورك وواشنطن، خصوصًا بعد الحرب الثانية على العراق، صارت المسألة الأمنية هي الرهان الأساسي لكلّ دول العالم، ولا سيما مع تأثير الإرهاب الدولي من جهة، والأعمال العسكرية من جهة أخرى، في توازن الدول واستقلالها31. وقد تعزّز الهاجس الأمني في ظلّ بروز معطى عسكرة التطرف، وذلك بعد مرور أكثر من عَقدٍ على جيل التطرف المحدود النطاق والآليات؛ إذ صعد شأوُ فاعل عنيف جديد إلى جانب تنظيم "القاعدة" يفوقه قوّةً ودمويّةً؛ كما تجلّ ذلك في أحداث "شارلي إيبدو" في شباط/ فبراير 2015، وأحداث باريس 2015 في تشرين الثاني/ نوفمبر من السّنة نفسها التي عرفت تورّط مهاجرين من أتباع "تنظيم الدولة الإسلامية." يُ ثل تهديدًا حقيقيًّا على مبعدة من أوروبا أو فهذا التنظيم صار على مقربة منها. وعلى أساس هذه الخلفيات، تولّد لدى الغرب ربطٌ مختزلٌ بين وجود المهاجرين وعدم الاستقرار السياسي والأمني. فبالنسبة إلى أوروبا، لن تتُرجم التوترات في بلدان الثورات العربية إلا عبر موجات للهجرة المكثفة إلى بلدان السوق الأوروبية؛ ذلك أنّ تصاعد مدّ الجماعات المقاتلة بكلّ من سورية والعراق وليبيا وتونس ومصر، وتردّي الأوضاع الاقتصادية بهذه الدول عوامل "جعلت البلدان الأوروبية تتخوف من الآثار التي من الممكن أن تنجم عن هاته الأوضاع لا سيما في تلك الظروف التي اتسمت بتغيير في الرؤى الأوروبية التي فضّ لت توجيه مساعداتها إلى البلدان الأوروبية الشرقية على حساب البلدان المتوسطية الجنوبية"32. وممّ يزيد من حدّة التخوفات الأوروبية أنّ خطر المهاجرين غير النظاميين لم يعُد يرتبط بتكاثر أعدادهم فحسب، بل إنّه أبعد من ذلك. فقد أصبح مرتبطًا بعمليات تجنيد الانتحاريين منهم أنفسهم وتهريب الأسلحة إلى داخل فضاء "شنغن"؛ إذ أكدت التحقيقات أنّ أحداث باريس، خلال تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، تمّ التخطيط لها
من بلجيكا، وأنّ من بين المتورطين فيها من المهاجرين عنصر سوري تمّ تسجيله طالبًا لاجئًا. فتاريخيًّا، بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وباستغلال الأحداث التخريبية التي قام بها متشددون مسلمون في مدن أوروبية متفرقة، تصاعد منذ ذلك الوقت نشاط اليمين المتطرف بأوروبا، وخصوصًا في فرنسا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا وإيطاليا، في محاولة - غير مأسوف على إخفاقها - لتشويه صورة المسلمين وتصويرهم على أنهم يمثلون تهديدًا لقيم المجتمع الأوروبي وثقافته.
في هذا السياق، يقول فوكوياما: إنّ أخطر الناس ليسوا المسلمين الأتقياء في الشرق الأوسط، بل إنهم الشباب المعزولون والمستأصلون من جذورهم في هامبورغ أو أمستردام الذين يرون الأيديولوجية، مثلهم مثل الفاشيين والماركسيين من قبلهم (في هذه الحالة الجهادية)، بوصفها الجواب لبحثهم الشخصي عن الهوية. وإنّ تفجيرات مدريد في 11 آذار/ مارس 2004، وقتل مخرج الأفلام الهولندي ثيوفان كوخ في أمستردام على يد محمد بويري في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 2004، وتفجيرات لندن في 7 تموز/ يوليو 2005 على يد مجموعة من مواطنين بريطانيين من أصل باكستاني، كلّها أعمال تؤيّد هذا الرأي33. ولا شكّ في أنّ أحداث "شارلي إيبدو" وأحداث باريس سنة 2015 تؤيّد هذا الرأي أيضًا. إضافةً إلى ذلك، بات البعد الثقافي يطرح الجانب الأهم في الموضوع، بالنظر إلى أنّ المهاجرين هم أصحاب ثقافة ليست بالضرورة مطابقةً لثقافة الفرد الأوروبي، بكلّ الحساسيات التي يثيرها الحضور المتزايد لأعداد المهاجرين المسلمين، ولا سيما في القارة العجوز، ولن تكون آخر تجليات هذه الحساسيات ما كان قد صدر عن جورج غاينز فاين، السكرتير الخاص للبابا السابق بنديكتوس السادس عشر؛ ذلك أنّه حذّر ممّ وصفه ب "أسلمة الغرب"، وطالب ب "عدم تجاهل خطر هذه الأسلمة بالنسبة إلى هوية أوروبا"، مؤكّدًا أنّ خطاب البابا الذي أثار ثائرة العالم الإسلامي، من قبل، كان بمنزلة "رؤية تنبُّئية"34. إنّ نمو النزعات المعادية للأجانب في دول الاتحاد الأوروبي، وتصاعد نسبة التيارات اليمينية المتطرفة في مراكز اتخاذ القرار، وزيادة الضغط الأميركي على الدول الأوروبية لمحاربة ما يُسمّى "إرهابًا"، ومن ثمّ التضييق على الجوالي العربية والإسلامية، من المحددات التي أربكت حرية تنقّل الأفراد من الجنوب إلى الشمال المتوسطي. وفي وقت سقط فيه حائط برلين أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية، يُشيّد سور عازل بقوّة وبسرعة، ما بين ضفتي البحر المتوسط. كما أنّ بعض الأحداث المعزولة قد شكّلت إحدى أدوات تحريك مخزون الحقد والعنصرية، وأعطت مبررات رفضٍ لكلّ أنواع التعاون مع عرب الضفة الأخرى. وهكذا، فإنّ "التموقف" الغربي تحكمه دومًا النظريات التبسيطية التي تعزو مشكلة التطرف إلى الدين أو الثقافة، مع تجاهلٍ لأمر ذي أهمّية مفاده أنّ هذا التطرف إنما هو منتوج للحداثة أكثر ممّ هو دعوة إلى استعادة تعاليم الدين أو الثقافة بحسب المفهومين التقليديين لكلّ منهما، فهي إذن عالمٌ تداوليٌّ تضبطه حركية العولمة. لا شكّ في أنّ الديمقراطية الغربية لن تكون حلًّ قصير الأمد لمشكلة الإرهاب، وأنّ المهاجمين في 11 سبتمبر 2001، وفي مدريد، وفي أمستردام، وفي لندن، وفي باريس عاشوا في مجتمعات حديثة ديمقراطية، ولم يكونوا معزولين غرباء بسبب نقص الديمقراطية في بلاد مولدهم أو بلاد أسلافهم. لقد كان المجتمع الديمقراطي والحديث الذي عاشوا فيه، على نحوٍ دقيق، هو المجتمع الذي وجدوه عازلً سببًا للغربة35. علاوةً على ذلك، كلمّا ازدادت جهود الإصلاحيين الغربيين المحلّية قوّةً في تدمير الأسس السابقة للمجتمع غير الغربي، ازدادت أفواج المتخليّن عن هويتهم بدءًا من تبرير الهروب نحو الآخر؛ بسبب الانجذاب نحو ثقافة الغربي المتفوق القادر على إنتاج أنماط قيمية تنسجم مع واقع التطور التكنولوجي والتقدم العلمي، وتمجّد قيم الديمقراطية والحداثة والحرية. في إجمالٍ، إنّ التوجس الأوروبي باللقاء بين الهجرة والتطرف وإنْ كان أمرًا واردًا، بالنظر إلى أحداث سابقة هزّت عواصم أوروبية، فإنه مبالغ فيه إلى حدّ أنّ جعْله في الصدارة إنما يُراد منه تبرير النزوع الأوروبي المفرط إلى انتهاج المقاربة الأمنية في التعامل مع مشكلة الهجرة السرّية، وانتهاجه تبرير موجة الأعمال العنصرية التي تمارس ضدّ المهاجرين
ببلدان الاستقبال أيضًا. وليست أوروبا معنيّةً وحدها بالتخوف من آثار هذه الهجرة، فحتى البلدان المصدرة للظاهرة قد تمسّها أزمة أمنية يمكن أن تؤدّيَ إلى الفوضى، والنهب، وتعطيل سيَر الحياة اليومية، وشلل الأنظمة السياسية، فضلً عن صعوبة العمل والاستثمار فيها.
خاتمة
تُفضي قراءة واقع الهجرة السرية بحوض البحر الأبيض المتوسط، في سياق تشابكاتها السياسية والأمنية، إلى الملاحظات التالية: ثمّة شبه اتفاق ضمني، بين كلّ الأطراف، على التغاضي عن أسباب الهجرة السرية؛ وذلك على نحوٍ متناغمٍ وبموازاةٍ مع الجهود البادية المقصورة على مكافحة آثارها. سوف تستمر منطقة حوض المتوسط بؤرةً للهجرة بمختلف أبعادها، وليس ذلك في نقاط تماسّ دول الضفة الجنوبية مع المجال الأوروبي، فحسب، بل كذلك من داخل الفضاء العربي، في ظلّ الفوضى الإقليمية التي تواصل فيها الهجرة اتخاذ مسارات غير آمنة بالنسبة إلى النازحين الفارّين من ويلات العنف السياسي والطائفي، وهو أمرٌ تترتب عليه مأساةٌ إنسانية مرشحة للتفاقم بسبب تقصير المجموعة الأوروبية في حمايتهم وتشدّدها في الاعتراف بوضعيتهم كلاجئين. تبدو ظاهرة الهجرة مجاريةً لطبيعة الصراعات المسلحة في بلدان الثورات العربية المطلّة على حوض المتوسط؛ من حيث اجتذابها للمحاور الإقليمية والدولية. فبقدر ما تتدخل مجموعة دول في إدارة الأزمات بتلك البلدان، يجنّد الفاعل "الداعشي" عناصر من بين المهاجرين في عمليات انتقامية، حتى أنّ انجذابهم إلى القتال في ساحات النزاعات المسلحة بالمنطقة العربية لم يكن ليُبعد خطرهم عن الدول الغربية، وخصوصًا في ظلّ تمدّد التنظيمات المتطرفة إلى خطوط الحدود الجنوبية لأوروبا.