المشاركة السياسية والمدنية

وحدة استطلاع الرأي في المركز العربي

أظهرت نتائج المؤشر العربي منذ إطلاقه في عام 2011، سنةً بعد أخرى، أنّ مواطني المنطقة العربية لديهم تصور واضح حول ماهية الديمقراطية وأنهم قادرون على تقديم تعريف ذي محتوى للديمقوراطية. فالديمقراطية، في آراء أغلبية المواطنين، هي ضمان الحريات الأساسية والحريات المدنية والسياسية وإرساء قواعد نظامٍ قوامه أنّ الشعب هو مصدر السلطات، وهي تتمثّل كذلك بضمان الفصل بين السلطات والمحاسبة والمراقبة بينها، وضمان التعددية الفكرية والسياسية، إضافةً إلى أنها تحقيقٌ لمبادئ العدل والمساواة بين المواطنين. ومع هذا التصور الواضح للديمقراطية وماهيتها، فإنّ مواطني المنطقة العربية منحازون إلى النظام الديمقراطي. ومنذ بداية استطلاع آراء المواطنين عام 2011 حتى الآن، في ما يتعلّق بملائمة مجموعة من الأنظمة السياسية لأنْ تُطبَّق في بلدانهم، تشير إلى انحيازهم إلى النظام الديمقراطي، مقارنةً بأنظمة سياسية أخرى. فقد عب 79 % من المستجيبين في المؤشر العربي عام 2015 (أحدث استطلاعات المؤشر) عن أنهم يرون أنّ النظام الديمقراطي التعددي التداولي هو النظام الأكثر ملائمةً لأنْ يُطبق في بلدانهم، كما أنّ مواطني المنطقة العربية يرفضون ربْط غياب الأمن وعدم الاستقرار وسوء الأوضاع الاقتصادية بالنظام الديمقراطي. يُظهر المضيّ قدمًا في التعمق في تحليل اتجاهات الرأي العامّ نحو الديمقراطية أنّ هذا الانحياز إلى الديمقراطية ما يلبث أن يتناقص، عندما تكون الأسئلة المطروحة على المستجيبين حول مدى قبولهم بأن يستلم حزب سياسي لا يتّفقون مع توجهاته الفكرية وبرامجه السلطة في حال حصوله على أصوات تؤهله لتشكيل الحكومة. إذ إنّ نسبة الذين يوافقون على ذلك تُ ثّل نحو 55 % المستجيبين وهي نسبة أقل، على نحوٍ جوهري، من 79 % وهي النسبة التي عبّت عن انحيازها إلى النظام الديمقراطي. وعلى الرغم من أنّ الأكثرية مازالت منحازةً إلى تطبيقات النظام الديمقراطي وقبول تيّار سياسي لا يتفق معه المستجيب لأنْ يحكمه، فإنّ هذا الانخفاض ما بين مؤيدي النظام الديمقراطي، بوجهٍ عامّ، عند مواجهتهم بتحدي ما يتضمّنه التطبيق العملي للنظام الديمقراطي، يشير إلى أنّ نسبة التأييد الأولّي مُعرّضة للانخفاض عند سؤال المستجيب عن حالات تطبيق فعليّ لعناصر أساسية في الديمقراطية. وفي السياق نفسه، يمكن الاستدلال أيضًا على أهميّة على هذا العامل في انقسام المواطنين نحو مدى قبولهم لأنْ يكون رئيس وزرائهم أو رئيس دولتهم من مكوّن ثقافي/ إثني أو ديني/ مذهبي غير مكوّنهم الثقافي أو المذهبي، على الرغم من أن الأغلبيّة تؤيّد الديمقراطية. باختصار، إنّ الصورة التي يقدمها الرأي العامّ نحو الديمقراطية هو انحيازه إليها من الناحية المبدئية وتناقص التأييد لها (وإن كانت الأكثرية تؤيدها) مع طرح سيناريوهات نتائج تطبيقها. وبطبيعة الحال، فإنّ هذا التراجع يمكن فهمه في إطار أنّ مواطني المنطقة العربية ليست لهم تجربة عملية في نظام ديمقراطي؛ أي إنهم غير معتادين على مواجهة التحديات التي يفرضها تطبيق الأنظمة الديمقراطية، بخاصة أنّ المعرفة المتشكلة لهم حول علاقة المواطن بالنظام السياسي غير مرتبطة على الإطلاق بتجربة حكم ديمقراطي، بل إنّ تجاربهم - على النقيض من ذلك - تنطلق من علاقاتهم بأنظمة سلطوية أو شبة سلطوية تقوم بفرض سياستها وأجندتها على المواطنين من دون وجود أُفقٍ لتداول السلطة في ظل مثل تلك الأنظمة. في المُحصّلة النهائية، يكون أحد التحديات الأساسية التي تواجه هذا التأييد المبدئي للديمقراطية هو تطبيقات النظام الديمقراطي. وإضافةً إلى هذا التحدّي، على الرغم من أهميته، فإنّ الانحياز إلى الديمقراطية يواجه تحديًا آخر؛ وهو ذلك المرتبط بمدى انخراط المواطنين في الممارسة السياسية والمدنية التي تمثل شرطًا أساسيًا وضروريًا للممارسة الديمقراطية. فلا يمكن الحديث عن إمكانية القبول بشرعية نظام ديمقراطي والتأييد لإجراءاته ما لم يكن المواطنون مشاركين في آليات عمل النظام الديمقراطي من انتخاباتٍ دوريةٍ، وممارسةٍ لحقوق التجمع والتنظيم، منتظمين من خلالها في التعبير عن آرائهم في وجهات نظرهم، ويشاركون في عملية صنع القرار، ومناضلين من أجل اكتساب شرعية لأفكارهم وبرامجهم. ولا شكّ في أنّ ممارسة حقوقهم المدنية والسياسية، وانحيازهم إلى أن يكونوا مواطنين فاعلين هو شرط أساسي لضمان عمل النظام الديمقراطي من ناحية، وضمان الحفاظ عليه من ناحية أخرى. فعدم القيام بذلك يُحوّل مشاركة المواطنين كأفراد إلى عملية تشظٍّ وانقسام، وأحيانًا يؤدّي إلى فوضى من المؤكَّد أنها غير منتجة، كما أنه يساهم في نزعات سلطوية للحكومات حتى تلك التي تعمل في إطار نظام ديمقراطي. وإذا كان ارتباط الديمقراطية بفاعلية المواطنين وانتظامهم هو واقع الحال في أنظمة ديمقراطية ذات تجربة تاريخية معقولة، فإنّ الأمر يصبح أكثر إلحاحًا في مجتمعات حكمتها أنظمة شبة سلطوية مع وجود حيّز للانفتاح السياسي في بعض مراحلها. بعبارة أخرى إنّ الانحياز إلى الديمقراطية غير كافٍ كمؤشر لإمكانية التحول الديمقراطي. فهذا الانحياز يجب أن يُغذّى بأن يكون المواطنون منخرطين في العمل المدني والسياسي كضمانة لإمكانية التحول الديمقراطي. وفي هذا السياق تناقش هذا الورقة مشاركة المواطنين العرب السياسية والمدنية كأحد التحديات

التي تواجه الانحياز المبدئي إلى الديمقراطية، وهو سياق سوف تناقش فيه مجموعةً من المعطيات المتعلقة بمدى انخراط المواطنين في أنشطة ذات محتوى مدني وسياسي، إضافةً إلى مدى انخراطهم الطوعي في التنظيمات المدنية وكذلك مدى انتظامهم في أحزاب سياسية.

الانخراط في أنشطة ذات محتوى مدنيّ أو سياسيّ

تضمّن المؤشّ العربيّ مجموعةً من المؤشّات لقياس مدى انخراط المواطنين في المجال العامّ؛ وذلك من خلال التعرّف إلى مجموعةٍ من الأنشطة التي يقوم بها المواطنون عادةً، وهي تبُرز مدى انخراطهم في العمل العامّ والنشاط السياسيّ والمدنيّ في بلدانهم بصفةٍ عامّة، أو في إطار الدفاع عن مصالحهم والتعبير عن آرائهم وأفكارهم. وفي هذا السّياق، سُئل مستجيبو المنطقة العربيّة إن كانوا قد قاموا خلال الاثنَي عشر شهرًا السابقة بالمشاركة، مرّةً واحدةً على الأقلّ، أو أكثر، في أيّ نشاط من الأنشطة التالية: توقيع عريضة، أو رسالة، أو وثيقة احتجاج. المشاركة في الانضمام إلى مجموعةٍ ناشطة تعمل على الضغط أو الدّعم أو الحشد من أجل قضيّةٍ مجتمعيّة أو عامّة. المشاركة في الانضمام إلى تظاهرة أو مسيرة سلميّة. وعلى صعيد المشاركة في توقيع عريضة، أو رسالة، أو وثيقة احتجاج خلال الاثنَي عشر شهرًا الماضية، تُظهر نتائج المؤشّ أنّ نسبة 85 % من الرأي العامّ في المنطقة العربيّة لم تشارك في مثل هذه الأنشطة. في المقابل، فإن 5 % من المستجيبين قالوا إنّهم شاركوا في مثل هذا النشاط أكثر من مرّة. وأفاد 7 % أنّهم شاركوا في توقيع عريضة احتجاج مرّةً واحدةً خلال الاثنَي عشر شهرًا الماضية. وعلى الرّغم من انخفاض نسبة الذين أفادوا أنّهم قاموا بمثل هذا النّشاط في المنطقة العربيّة بصفةٍ عامّة، فإنّ تحليل البيانات بحسب بلدان المستجيبين، يُظهر تبايناتٍ تُعبّ عن مدى انخراط مواطني كلّ بلدٍ في المشاركة في توقيع عريضة، أو رسالة، أو وثيقة خلال الاثنَي عشر شهرًا الماضية. ففي حين أنّ نحو 25 % من مستجيبي المغرب، و 19 % من الجزائرييّن، و 18 % من السودانيين، و 16 % لكل من الفلسطينيين والموريتانيين، و 15 % من المصريين، و 13 % من الكويتيين، و 12 % من العراقيين أفادوا أنّهم قاموا بالمشاركة في مثل هذا النّشاط مرّةً واحدةً أو أكثر خلال الاثنَي عشر شهرًا الماضية، فإنّ النّسب في البلدان الأخرى كانت أقلّ من 5 %. وكانت أقلّ نسبة مستجيبين أفادت أنّها قامت بالمشاركة في مثل هذا النشاط في المملكة العربية السعودية.)%2(وعند مقارنة نسبتي الذين شاركوا في توقيع عريضة أو رسالة أو وثيقة احتجاج في استطلاع المؤشر 2015 باستطلاعي 2014 و 2012 - 2013، تظهر النتائج أنّ نسبة المشاركين في هذ الأنشطة (مرةً واحدةً أو أكثر) قد ارتفعت على نحوٍ طفيفٍ من 11 % في استطلاع عام /2012 2013 إلى 14 % في استطلاع 2014، لتعود إلى الانخفاض بنسبة 12 % في استطلاع.2015 وعند مقارنة هذه النسب في استطلاع 2015 بحسب المجتمعات المستطلعة باستطلاع 2014 نجد أنها انخفضت في كلّ من الكويت (بفارق 14 نقطةً مئوية)، والسودان (بفارق 6 نقاط مئوية)، بعد أن كانت قد ارتفعت نِسبُ مشاركتهم على نحوٍ جوهري عام 2014، مقارنةً بعام /2012 2013. كما انخفضت نسبة المشاركين في هذا النوع من الفعاليات في استطلاع عام 2015، مقارنةً باستطلاعات المؤشر السابقة في كلّ من العراق، ومصر، وتونس، ولبنان، والسعودية بفارق طفيف. في حين ارتفعت نِسب الذين شاركوا في هذه الأنشطة عام 2015، مقارنةً باستطلاعي 2014 و 2013-2012 في كلّ من الجزائر، والمغرب، وموريتانيا. أمّا المشاركة في الانضمام إلى مجموعاتٍ ناشطة للضغط أو الدعم أو المدافعة أو الحشد، من أجل قضيّة مجتمعيّة محلّية أو عامّة (والمقصود هنا مجموعات تُؤسَّس لتتفاعل مع قضيّة محدّدة، وقد تنتهي هذه المجموعة بانتهاء الهدف من إنشائها أو تتحوّل إلى مجموعة مؤسّسة)، فقد خلصت نتائج استطلاع المؤشّ العربيّ إلى أنّ نسبة 5 % من مواطني المنطقة العربيّة قد شاركوا أكثرَ من مرّة في الانضمام إلى مجموعاتٍ ناشطة في المدافعة، أو الدّعم، أو الحشد من أجل قضيّة مجتمعيّة أو عامّة، خلال الاثنَي عشر شهرًا الماضية. كما أفاد 4 % أنّهم شاركوا في مثل هذا النشاط مرّةً واحدةً. وعب 87 % من المستجيبين عن عدم مشاركتهم في مثل هذا النشاط. تتباين نِسب المستجيبين الذين أفادوا أنّهم شاركوا في مثل هذا النّشاط من بلدٍ إلى آخر؛ فقد كان الموريتانيون الأكثر مشاركةً في مثل هذا النشاط)%18(، يليهم الفلسطينيون)%17(، فالسودانيون )%16(، فالجزائريون والمغاربة بنسبة 13 % لكل منهما. في حين كانت نسبة الذين شاركوا في مثل هذا النشاط في البلدان الأخرى أقلّ من 10 % من المستجيبين. وكانت أقلّ نِسب المشاركة في الأردن، والسعودية؛

إذ أفاد 2 % أنّهم شاركوا في الانضمام إلى مجموعة ضغطٍ أو دعمٍ أو مدافعة، من أجل قضيّةٍ ما. من خلال مقارنة نسبة الذين شاركوا في الانضمام إلى مجموعة ناشطة تعمل على الضغط والدعم من أجل قضية عامة في استطلاع 2015، باستطلاعي 2014 و 2012 - 2013؛ يظهر أنّ نسبة الذين شاركوا قد ارتفعت ارتفاعًا طفيفًا من 5 % في استطلاع عام /2012 2013 إلى 11 % عام 2014، لتنخفض قليلً عام 2015 إلى 9 .% وفي ما يخصّ المشاركة في تظاهرة أو مسيرة أو تجمّعٍ سلميّ خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، أفاد نحو 8 % أنّهم شاركوا أكثرَ من مرّة، و 6 % أنّهم شاركوا مرّةً واحدةً. وفي المقابل، أفاد 83 % أنّهم لم يشاركوا على الإطلاق. ويشير تحليل البيانات، بحسب بلدان المستجيبين، إلى أنّ المشاركة في مثل هذا النشاط لم تكن عامّةً، ولم تكن كلّها بالنّسب نفسها في البلدان العربيّة. ففي حين أفاد مستجيبو بعض المجتمعات أنّهم شاركوا بنسبٍ مرتفعة في الاعتصامات والتظاهرات، فإنّ هذه النّسب منخفضة ومحدودة عند مجتمعاتٍ أخرى. وعلى صعيد المجتمعات الأكثر فاعليّةً في مثل هذا النّشاط، أفاد نحو ربع مستجيبي المغرب وموريتانيا أنّهم شاركوا في التظاهر والتّجمّع مرّةً واحدةً أو أكثر خلال الاثنَي عشرَ شهرًا الماضية. وجاء المجتمع الفلسطيني في المرتبة الثانية بنسبة 22 %، ثمّ السوداني)%19(، والمصري)%18(،، والجزائري والعراقي %15(و 14 % على التوالي)، والتونسي)%12(. في المقابل، فإنّ أقلّ نسب المستجيبين الذين أفادوا أنّهم شاركوا في التجمّع أو التظاهر السلميّ خلال الاثنَي عشر شهرًا الماضية، سُجّلت في السعودية بنسبة 2 .% إنّ نسب الذين أفادوا أنهم شاركوا في تظاهرات/ مسيرات أو تجمعات في استطلاع 2015 انخفضت على نحوٍ طفيف، مقارنةً باستطلاعي 2014 و 2012 - 2013؛ إذ ارتفعت النسبة من 17 % في استطلاع /2012 2013 إلى 19 % في استطلاع 2014، لتنخفض في استطلاع عام 2015 بنسبة 14 %. ويعود سبب الانخفاض إلى أنّ المجتمعين اليمني والليبي لم يشملهما استطلاع عام 2015 لأسباب أمنية داخلية في هذين البلدين؛ إذ كانت نسب المشاركين في التظاهرات والمسيرات في اليمن وليبيا بحسب نتائج استطلاع عام 2014 بلغت 46 % و 27 % على التوالي. كما أنّ نسب المشاركين في التظاهرات والمسيرات انخفضت، على نحوٍ جوهريّ، في استطلاع عام 2015، مقارنةً باستطلاع عام 2014 في كلّ من الكويت (بفارق 16 نقطةً مئوية)ً، والسودان (بفارق 8 نقاط مئوية)، مقارنةً باستطلاعات المؤشر السابقة. وفي المقابل، ارتفعت نسب المشاركين في التظاهرات والمسيرات في كلّ من موريتانيا والمغرب والجزائر، في استطلاع عام 2015، مقارنةً باستطلاعي 2014 و 2012 - 2013. وكانت النسبة شبه ثابتة أو ذات تغييرات طفيفة في باقي المجتمعات المستطلعة. تُظهر النتائج تدنّ انخراط المواطنين في أنشطة ذات طبيعة مدنية وسياسية. وفي ما يبدو، هناك انخفاض في الإقبال على هذه الأنشطة في استطلاع عام 2015، مقارنةً بالسنوات السابقة. ومن اللافت للانتباه أنّ المشاركة في الاعتصامات والتظاهرات يكاد يساوي ذلك في ما يتعلق بتوقيع عريضة أو الانتظام في مجموعة ضغط، على الرغم من أنّ الاعتصامات والتظاهرات تفترض مستوى أعلى من الناشطين السابقين. وهذا الأمر في حدّ ذاته يشير إلى أنّ المواطنين غير مُعتادين على أسلوب المشاركة إلّ من خلال الاعتصام والتظاهر، وهذا الانطباع يتكون عندما تكون الأساليب الأخرى غير مجدية أو غير منتجة لتحقيق أهدافها.

التفاعل في المجال الافتراضيّ

إضافةً إلى قياس مدى انخراط المواطنين في نشاطٍ ذي محتوى سياسيّ أو مدنيّ من خلال المؤشرات السابقة التي ركّزت في قيامهم بأنشطة معينة (مثل التجمع والتظاهر وتوقيع العرائض)، فهي تفيد أنّهم يعبّ ون عن آرائهم ويدافعون عن مصالحهم. وقد اتّبع المؤشّ قياس مدى تفاعل المواطنين السياسيّ والمدنيّ في المجال الافتراضيّ، ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعيّ، وبخاصّة في ضوء استخدامها المتزايد بصفةٍ عامّة، أو في الأنشطة ذات الطبيعة السياسية والمدنية في البلدان العربية بصفةٍ خاصّة. كما أنّ النّشاط في المجال الافتراضيّ ومن خلال وسائل الاتّصال الاجتماعي، يصبح أكثرَ أهميّةً في ضوء التضييق على النشاط السياسيّ أو المدني المباشر (تجمّعًا، أو انتسابًا) في بعض البلدان العربيّة. وبناءً عليه، جرى استطلاع الرأي العامّ بخصوص استخدام وسائل التّواصل الاجتماعيّ "فيس بوك" و"تويتر"، إضافةً إلى معرفة مدى استخدام المستجيبين بهذه الوسائل في التعبير عن آراء سياسيّة ومدنيّة. وقبل طرح السؤال المتعلّق باستخدام مواقع التواصل الاجتماعيّ بصفةٍ عامّة أو استخدامها للتّفاعل السّياسيّ، كان لا بدّ من معرفة مدى استخدام مواطني المنطقة العربيّة بصفة عامّة، شبكة "الإنترنت"، ومدى تكرار هذا الاستخدام.

استخدام شبكة المعلومات "الإنترنت"

سُئل المستجيبون عن مدى استخدام الإنترنت في المنطقة العربيّة، ومقدار تكرار هذا الاستخدام. وتُظهر النّتائج أنّ المستجيبين في المنطقة العربيّة

)%38(لا تستخدم الإنترنت، مقابل 61 % أفادوا أنّهم يستخدمون الإنترنت بدرجاتٍ متفاوتة، ورفض 2 % الإجابة عن السؤال. أمّا عند تحليل مؤشرات المستجيبين الذين أفادوا أنّهم يستخدمون الإنترنت. فقد أفاد 36 % من الرأي العامّ في المنطقة العربيّة أنّهم من مستخدمي الإنترنت على نحوٍ يوميّ أو شبه يوميّ، و 14 % أنّهم يستخدمون الإنترنت عدّة مرّات في الأسبوع، في حين قال 5 % إنّهم يستخدمون الإنترنت عدّة مرّات في الشّهر، و 6 % أفادوا أنّهم نادرًا ما يستخدمون الإنترنت. إنّ استخدام الإنترنت قد شهد تزايدًا بحسب نتائج المؤشر؛ إذ ارتفعت نسبة الذين يستخدمونها من 42 % في استطلاع عام /2012 2013 إلى 50 % في استطلاع عام 2014، لترتفع إلى 61 % في استطلاع عام 2015. ويعدّ هذا الأمر ارتفاعًا جوهريًا ذا دلالةٍ إحصائية. ومن المهمّ الإشارة إلى أنّ نسبة الذين أفادوا أنهم يستخدمون الإنترنت على نحوٍ يوميّ أو شبه يوميّ ارتفعت من 18 % في استطلاع /2012 2013 إلى 26 % في استطلاع 2014، وإلى 36 % في استطلاع 2015؛ وهو أيضًا ارتفاع جوهريّ. وعند مقارنة نسب استخدام الإنترنت بحسب البلدان المستطلعة في استطلاعات المؤشر، تظهر النتائج أنّ هذه النسب ارتفعت في جميع البلدان، أو أنها كانت شبه ثابتةٍ وضمن ارتفاعٍ طفيف. ومن المهم الإشارة إلى أنّ الارتفاع في نسب استخدام الإنترنت في استطلاع عام 2015 كانت ملحوظةً وجوهريةً في كلّ من العراق، والمغرب، والسودان، والأردن، والسعودية، وفلسطين، ولبنان، ومصر، وموريتانيا. على صعيد انتشار مواقع التواصل الاجتماعيّ بين مواطني المنطقة العربيّة، تشير نتائج استطلاع المؤشّ إلى أنّ أكثريّة مستخدمي الإنترنت لديهم حسابات إمّا على "فيس بوك" أو على "تويتر" أو على كليهما. وتمثّل نسبة من لديهم حسابات على "فيس بوك" نحو أكثر من ضعفي أولئك الذين لديهم حسابات على "تويتر." فقد أفاد 78 % من الذين يستخدمون الإنترنت أنّ لديهم حسابًا على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، مقابل 22 % أفادوا أنّهم ليس لديهم حساب عليه. في حين كانت نسبة الذين أفادوا أنّ لديهم حسابًا على "تويتر" 34 %. وأفاد 66 % من مستخدمي الإنترنت أنّه ليس لديهم حسابات على "تويتر." وتشير النتائج إلى ارتفاع استخدام "فيس بوك" من 62 % من مستخدمي الإنترنت في استطلاع /2012 2013 إلى 71 % في استطلاع 2014، وإلى 78 % في استطلاع 2015. وكذلك ارتفع عدد مستخدمي "تويتر" أيضًا من 23 % في استطلاع /2012 2013 إلى 29 % في استطلاع 2014، لتصل النسبة في استطلاع 2015 إلى نحو ثُلث مستخدمي الإنترنت)%34(ممّن لديهم حساب على "تويتر."

التفاعل مع قضايا سياسية على مواقع التواصل الاجتماعي

سُئل المستجيبون إن كانوا يقومون باستخدام مواقع التواصل الاجتماعيّ من أجل المشاركة أو التفاعل مع قضايا سياسيّة. وتبيّ النتائج أنّ أكثريّة مُستخدِمي موقعَي التواصل الاجتماعيّ، "فيس بوك" و"تويتر"، هي مِن الذين يستخدمون هذين الموقعين من أجل المشاركة أو التفاعل مع قضايا سياسيّة. فقد أفاد 58 % من مستخدمي "فيس بوك" أنّهم يستخدمونه للتفاعل مع قضايا سياسيّة. في حين كانت النسبة 63 % من مُجْمل مستخدمي "تويتر." وبناءً عليه، فإنّ مستخدمي "تويتر" يتفاعلون مع قضايا سياسيّة بنسبةٍ أكثر من تفاعل مستخدمي "فيس بوك." أمّا بالنسبة إلى مستخدمي "فيس بوك" للمشاركة أو التفاعل مع قضايا سياسيّة، بحسب بلدان المستجيبين، فتشير النتائج إلى أنّ أكثريّة مستخدمي "فيس بوك" في كلّ من موريتانيا)%82(، ومصر)%75(، والعراق)%71(، أفادت أنّها تستخدم "فيس بوك" للمشاركة والتفاعل مع قضايا سياسيّة. وأفاد ذلك نحو ثلثيِ الجزائريين)%68(، و 64 % بالنسبة إلى كلّ من المغرب والكويت، وأكثر من نصف السّودانيين 58( )% والسعوديين)%56(والفلسطينيين)%53(. في حين أفادت أكثريّة مستخدمي "فيس بوك" في كلّ من تونس، ولبنان، والأردن، أنّها لا تستخدمه للتفاعل مع قضايا سياسيّة، مع الإشارة إلى أنّ نحو ثلث إلى خُمس مستخدمي الإنترنت في هذه الدول يستخدمونه للتفاعل مع قضايا سياسيّة. إنّ استخدام "فيس بوك" للتفاعل أو المشاركة في قضايا سياسية في استطلاع المؤشر 2015 كان شبه متطابق مع النسب التي سُجلت في استطلاعَي 2014 و 2012 - 2013. إلا أنّ مقارنة النتائج في كلّ مجتمع من المجتمعات المستطلعة يعكس على نحوٍ جلي ارتفاع نسبة مستخدمي "فيس بوك" للتفاعل مع قضايا سياسية كما هي الحال في موريتانيا، والسعودية، والجزائر، والكويت، والأردن والمغرب. وتجدر الإشارة إلى أنّ نسب الزيادة في مستخدمي "فيس بوك" للتفاعل السياسي قد ارتفعت على نحوٍ مستمر وجوهريّ في السعودية من 36 % في عام /2012 2013 إلى 43 % عام 2014، لترتفع النسبة إلى أكثر من نصف السعوديين.)%56(ومقابل هذه المجتمعات التي ارتفعت فيها نسبة مستخدمي "فيس بوك" للتفاعل السياسي، انخفضت في مجتمعات أخرى مثل مصر، وتونس، والسودان. ففي مصر انخفضت من 92 % في عام /2012 2013

إلى 81 % عام 2014، لتصل إلى 75 % عام 2015. وفي تونس، انخفضت النسبة على نحوٍ طفيف في عام /2012 2013 من 59 % إلى 57 % عام 2014، ثم لتنخفض بفارق 14 نقطةً لتصل إلى 43 % عام 2015. وكانت الفوارق في نسبة مستخدمي "فيس بوك" في التفاعل السياسي طفيفةً في كلّ من العراق وفلسطين ولبنان. من الواضح أنّ انخفاض نسبة الذين يتفاعلون سياسيًّا على ال "فيس بوك" في تونس لها أسباب مختلفة عن الأسباب التي في مصر؛ ذلك أنّ الانخفاض في تونس يبدو متوازيًا مع استمرار عملية التحول الديمقراطي ورجوع النظام السلطوي في مصر. لقد تمّت الإشارة سابقًا إلى أن 63 % من مستخدمي "تويتر" أفادوا أنّهم يستخدمونه من أجل المشاركة أو التّفاعل مع قضايا سياسيّة. وخلصت النتائج إلى أنّ أغلبيّة مستخدميه في البلدان المُستطلَعة آراء مواطنيها تقوم باستخدامه للمشاركة والتفاعل مع قضايا سياسيّة، باستثناء الجزائر، ولبنان، والمغرب، وتونس، والأردن. ففي الجزائر ولبنان والمغرب أفاد أكثر من نصف مستخدمي "تويتر" أنّهم لا يستخدمونه للتّفاعل مع قضايا سياسيّة، إذ كانت نسبة من لا يستخدمونه لقضايا سياسية في تونس 66 % والأردن 69 .% وتدلّ هذه النتائج على أنّ انخراط المواطنين في الشأن السياسي في بلدانهم وتفاعلهم مع القضايا العامّة والسياسيّة في المجال الافتراضي، هو أكثر ارتفاعًا، مقارنةً بالأنشطة الأخرى من قبيل التجمّع والتنظيم وتوقيع العرائض والرّسائل. إنّ استخدام "تويتر" للتفاعل مع قضايا سياسية قد ارتفع في استطلاع عام 2015، مقارنةً بعام 2014 ليصبح شبه متطابق مع عام 2012 - 2013؛ إذ كانت نسبة الذين أفادوا أنهم لا يستخدمون حساباتهم على "تويتر" للتفاعل مع قضايا سياسية 35 % ممّن لديهم حسابات في /2012 2013، وارتفعت لتصبح 44 % في استطلاع 2014، إلا أنّ هذه النسبة انخفضت إلى 37 % في استطلاع عام 2015. ومن الجدير بالذكر أنّ نسب أصحاب حسابات "تويتر" الذين يتفاعلون مع قضايا سياسية ع ىى نحوٍ دائمٍ قد ارتفعت في استطلاع عام 2015، مقارنةً باستطلاعي 2014 و 2012 - 2013؛ إذ ارتفعت من 17 % عام /2012 2013 إلى 18 % عام 2014، لتصل إلى 22 % عام.2015 ويأتي هذا التغير الكبير في نسب أصحاب حسابات "تويتر" الذين يتفاعلون مع قضايا سياسية نتيجةً لارتفاع نسبهم في بعض المجتمعات المستطلعة، مقارنةً باستطلاع عام 2014؛ إذ تشير النتائج إلى أنّ مستخدمي "تويتر" للتفاعل مع قضايا سياسية قد ارتفع ارتفاعًا جوهريًّا في استطلاع 2015 مقارنةً باستطلاع 2014، في كلّ من موريتانيا، والعراق، والسعودية، والكويت، في حين ارتفع على نحوٍ طفيف في المغرب. ومقابل هذا الارتفاع، انخفضت نسب مستخدمي "تويتر" في التفاعل مع قضايا سياسية في كلّ من مصر، وتونس، والسودان، والجزائر، ولبنان. وبقيت النسب شبه ثابتة في كلّ من فلسطين والأردن. تظهر النتائج السابقة المُرتبطة بمدى المشاركة في النشاط السياسي والمدني أنّ المشاركة الفعلية منخفضة مقابل المشاركة في المجال الافتراضي. ولعلّ هذا الأمر مرتبط بميلاد وسائل تواصل اجتماعي تُتيح تفاعلً سياسيًّا ومدنيًّا بطرائق جديدة، إلا أنه أمرٌ يعكس، أيضًا، انخراطًا أقلّ من الانخراط الذي تفترضه المشاركة الفعلية من أجل التغيير. بمعنى آخر، هو أقرب تعبير عن الرأي في قضايا سياسية ومدنية من الانخراط في نشاط سياسي ومدني من أجل التغيير والمشاركة.

الانتساب إلى هيئات مدنية وأهلية

إضافةً إلى انخراط المواطنين في أنشطة ذات محتوى مدنيّ وسياسيّ، هدف المؤشّ العربيّ إلى معرفة مدى مشاركة مواطني المنطقة العربيّة في المجال العامّ والشؤون العامّة؛ وذلك من خلال معرفة مدى انتسابهم إلى جمعياتٍ خيريّة ونقابات وأندية ثقافيّة طوعيّة. كما سُئل هؤلاء المواطنون عن انتسابهم إلى جمعيّاتٍ ذاتِ طبيعةٍ عائليّة أو عشائريّة، وهي جمعيات وهيئات غير طوعيّة؛ للمقارنة بين نِسب الانتساب إلى الجمعيات الطوعيّة، ونِسب الانتساب إلى جمعيّات تقليديّة غير طوعيّة. وتُظهر النتائج أنّ أكثريّة مواطني المنطقة العربيّة غير منتسبة إلى جمعياتٍ وهيئاتٍ طوعيّة؛ إذ أفاد أكثر من 87 % أنّهم غير منتسبين إلى جمعيّاتٍ خيريّة أو أهليّة أو نقاباتٍ عماليّة أو زراعيّة أو نقابات مهنيّة أو أندية ثقافيّة. وراوحت نسبة الذين أفادوا أنّهم منتسبون إلى هيئاتٍ طوعيّة خارج إطار العائلة بين 13 % في حدّها الأعلى و 5 % في حدّها الأدنى. وكانت أعلى نسبة انتسابٍ إلى هيئاتٍ طوعيّة في الانتساب إلى الجمعيّات الخيريّة والأهليّة؛ إذ بلغت 13 % من المستجيبين، يليها الانتساب إلى كلّ من الأندية الثقافية والنّقابات المهنيّة %9(لكلٍّ منها)، ثمّ الجمعيات الدينية)%7(، ثمّ النقابات العمّ لية أو الزراعيّة.)%5(

وعند مقارنة نِسب الانتساب إلى جمعيّاتٍ طوعيّة بنِسب الانتساب إلى جمعيّاتٍ وروابطَ عائليّة، تُظهر النّتائج أن 14 % من المستجيبين أفادوا أنهم ينتسبون إلى جمعيّاتٍ وروابطَ عائليّة. وبناءً عليه، فإنّ نسبة المنتسبين إلى هذا النوع من الهيئات غير الطوعيّة كانت أعلى من النسبة التي سجلت في الهيئات الطوعيّة. لقد ارتفعت نسبة الانتساب إلى هيئات طوعية على اختلاف أنواعها بحسب مؤشر عام 2015، مقارنةً بنتائج عامي 2014 و 2012 - 2013، مع أنّ هذا الارتفاع كان طفيفًا. فعلى سبيل المثال، ارتفعت نسبة الانتساب إلى جمعيات خيرية من 9 % في مؤشر /2012 2013 إلى 12 % في مؤشر 2014 و 13 % في مؤشر عام 2015، كما ارتفعت نسبة المنتسبين إلى نقابات مهنية من 5 % في مؤشر /2012 2013 إلى 7 % في مؤشر 2014 وإلى 9 % في مؤشر 2015. وارتفعت نسبة الذين أفادوا أنهم ينتسبون إلى جمعيات/ روابط عائلية من 7 % في مؤشر /2012 2013 إلى 10 % في مؤشر 2014، لتصل إلى 14 % في مؤشر 2015. وبناءً عليه، فإنّ وتيرة الزيادة في الانتساب إلى الجمعيات العائلية هي أعلى من وتيرة الزيادة في الانتساب إلى الجمعيات الطوعية. لا يعني الانتساب إلى منظماتٍ وجمعيّاتٍ طوعيّة – بالضرورة - أنّ هؤلاء المنتسبين هم فاعلون في إطار هذه الجمعيّات أو المنظمّات. وبناءً عليه، سُئل المستجيبون الذين أفادوا أنّهم ينتسبون إلى منظماتٍ وهيئاتٍ طوعيّة عن مدى مشاركتهم في هذه الهيئات. وتشير النتائج إلى انقسام المنتسبين إلى هيئاتٍ طوعيّة إلى ثلاث مجموعاتٍ بحسب تقييمهم الذاتي لمستوى مشاركتهم في هذه المجموعات وأنشطتها، وهي كما يلي: المجموعة الأولى: وهي التي أفاد فيها المستجيبون المنتسبون إلى هذه الهيئات الطوعيّة أنّهم مشاركون دائمون في نشاطها. وتصل نسبة الذين أفادوا أنّهم مشاركون دائمون إلى ما بين 24 % و 40 % من مُجمل المنتسبين إلى الجمعيّات الخيريّة والأندية الثقافيّة والنقابات المهنيّة والعماليّة والجمعيات الدينية. المجموعة الثانية: تضمّ المنتسبين إلى هيئاتٍ طوعيّة، وأفادوا أنّهم "مشاركون إلى حدٍّ ما" في نشاط هذه الهيئات، وكانت نسبة هؤلاء بين 40 % و 48 % من المستجيبين المنتسبين. المجموعة الثالثة: تضمّ المنتسبين إلى الهيئات الطوعيّة والذين أفادوا أنّهم "نادرًا ما شاركوا" في أنشطة هذه الهيئات، أو أنّهم "لم يشاركوا فيها على الإطلاق." ويُ ثّلون نحو ثلث المستجيبين المنتسبين إليها. بناءً على ذلك، يمكن القول إنّ نحو 3 %، في المعدّل العامّ، من المستجيبين في المنطقة العربيّة هم من المنتسبين إلى هيئاتٍ تطوّعية ومن المشاركين الدائمين في أنشطتها. في حين أفاد 4 % أنّهم من المنتسبين والمشاركين "إلى حدٍّ ما" في أنشطة هذه الهيئات. وبذلك، فإنّ نحو 94 % من المستجيبين هم من غير المنتسبين إلى الهيئات الطوعيّة، أو أنهم منتسبون إليها وليس لهم أيّ مشاركة فعليّة في أنشطتها. من المهمّ الإشارة إلى أن 44 % من المستجيبين الذين أفادوا أنّهم منتسبون إلى جمعيّاتٍ وروابطَ عائليّة، قالوا إنّهم مشاركون دائمون في أنشطة هذه الجمعيّات. في حين أفاد 41 % أنّهم مشاركون إلى حدٍّ ما، مقابل 12 % من المنتسبين إلى جمعيّاتٍ وروابطَ عائليّة أفادوا أنّهم نادرًا ما يشاركون، و 3 % أفادوا أنّهم لا يشاركون على الإطلاق. وبناءً عليه، فإنّ المنتسبين إلى هيئاتٍ (غير طوعيّة) هم الأكثر مشاركةً وفاعليّةً في إطار جمعياتهم التقليديّة غير الطوّعيّة من أولئك المنتسبين إلى هيئاتٍ طوعيّة. من المهمّ الإشارة إلى أنّ نِسب المنتسبين إلى جمعياتٍ وروابطَ عائلية في كلّ بلدٍ من البلدان التي شملها الاستطلاع، هي أعلى من نسب المنتسبين إلى جمعياتٍ طوعيّة، باستثناء مصر، والمغرب، ولبنان؛ إذ إنّ نسبة المنتسبين إلى الجمعيات الطوعية في هذه البلدان، كانت أعلى من المنتسبين إلى جمعياتٍ وروابطَ عائلية. وتُشير النتائج السابقة إلى أنّ نسب انتساب المواطنين إلى هيئات طوعية هي نسب متدنيّة إجمالً، وتصبح هذه النسب أقلّ عندما يجري السؤال عن مدى مشاركة المنتسبين في أعمال هذه الهيئات الطوعية. ويبقى الأمر المهمّ الذي يقتضي التأكيد أنّ الانتساب إلى هيئات غير طوعية هو أكثر من الانتساب إلى هيئات طوعية.

الانتساب إلى الأحزاب والتيارات السياسية

إنّ واحدًا من الأساليب الأساسية لمعرفة مدى التفاعل السياسي للمواطنين في مجتمعهم، هو قياس انخراطهم في الأحزاب السياسية أو المجموعات أو التيارات السياسية والفكرية1. وقد هدف المؤشّ العربيّ إلى معرفة مدى انتساب المواطنين إلى الأحزاب السياسيّة في بلدانهم، وذلك من خلال مجموعة من الأسئلة المتتالية؛ إذ سُئل المستجيبون إن كانوا ينتمون إلى أحزابٍ سياسيّة، أو مجموعة سياسيّة

  1. في السّعودية سُئل المستجيبون إن كانوا ينتمون إلى تياراتٍ فكريّة/ سياسية؛ لأنّ الأحزاب محظورة في السعودية. أمّا في الكويت، فقد سُئل المستجيبون عن الانتساب إلى الجمعيّات أو التكتلّات أو المجموعات السياسية. الشكل)7(المستجيبون المنتسبون وغير المنتسبين إلى مجموعة من الهيئات والجمعيات المدنية والطوعية الشّ كل)8(المستجيبون المنتسبون وغير المنتسبين إلى مجموعة من الهيئات والجمعيات المدنية والطوعية في استطلاع 2015 باستطلاعي مقارنة 2014 و 2012 - 2013

وفكريّة. وسُئل المستجيبون الذين أفادوا أنّهم لا ينتمون إلى أحزاب أو مجموعاتٍ سياسيّة إن كانوا ينوون الانضمام إلى مجموعاتٍ أو أحزابٍ أو تيّاراتٍ سياسيّة في المستقبل. أمّا المستجيبون الذين أفادوا أنّهم لا ينتمون إلى أحزابٍ ومجموعاتٍ سياسيّة، ولا ينوون الانتماء في المستقبل، فقد سُئلوا إن كان هناك حزبٌ أو تيّار أو مجموعة فكريّة في بلدانهم تعبّ عن آرائهم ومصالحهم وتطلّعاتهم. وقد أظهرت النتائج أنّ المنتسبين إلى أحزابٍ سياسية يمثّلون نحو 12 % من المستجيبين. في حين قال 3 % من المستجيبين إنّهم غير منتسبين، ولكنّهم ينوون الانتساب إلى أحزابٍ سياسيّة في المستقبل. وأفاد نحو 21 % من المستجيبين أنّهم غير منتسبين إلى أحزاب، إلاّ أنّهم أفادوا أنّ هناك حزبًا/ تيّارًا سياسيًّا أو تيارًا فكريًّا يُعبّ عن آرائهم أو أفكارهم. أمّا الذين أفادوا أنّهم غير منتسبين ولا يوجد حزب يُ ثِّلهم، فنسبتُهم 54 %. في حين كانت نسبة الذين رفضوا الإجابة 11 .% عند مقارنة اتجاهات الرأي العامّ نحو الأحزاب السياسية (من حيث الانتساب أو النية في الانتساب أو وجود حزب يمثلهم) في استطلاع 2015، مقارنةً بنتائج استطلاعَي 2014 و 2012 - 2013، نجد أنّ نسبة الذين أفادوا أنهم منتسبون إلى أحزاب سياسية شبه متطابقة مع استطلاع 2014، وأعلى منها في استطلاع 2012 2013–؛ وذلك ب 3 نقاط مئوية، في حين كانت نسب الذين أفادوا أنهم ينوون الانتساب إلى أحزاب سياسية في المستقبل أو أولئك الذين أفادوا أنهم غير منتسبين ولكن يوجد حزب سياسي يمثّلهم شبه متطابقة في استطلاعات المؤشر. أمّا في ما يتعلق بنسبة الذين أفادوا أنهم غير منتسبين ولا يوجد حزب أو تيار سياسي يمثلهم، فقد انخفضت من 59 % في استطلاع /2012 2013 إلى 50 % في استطلاع 2014، لترتفع على نحوٍ طفيف إلى 54 % في استطلاع 2015. ويعود سبب هذه الفروقات إلى التغييرات في نسبة الذين رفضوا الإجابة عن هذا السؤال؛ إذ ارتفعت من 8 % في استطلاع /2012 2013 إلى 14 % في استطلاع 2014، وعادت إلى الانخفاض بنسبة 11 % في استطلاع.2015 تشير النتائج، سواء على صعيد الانتساب إلى أحزابٍ سياسية أو النيّة في الانتساب إلى أحزاب / مجموعات سياسيّة، أو على صعيد وجود أحزابٍ وتيّارات تُ ثّل مواطني المنطقة العربيّة، إلى أنّ الأحزاب السياسية ضعيفة، وأنّ انخراط مواطني المنطقة العربيّة في قوى وتيّارات وأحزاب سياسية هو انخراطٌ ضعيف.

خلاصة

تعكس اتجاهات الرأي العامّ العربي في المنطقة العربية أنها منحازة إلى النظام الديمقراطي، مقارنةً بأنظمة سياسية أخرى. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ نسبة التأييد ما تلبث أن تنخفض عند اختبار تطبيق الديمقراطية من خلال عدّة مؤشرات، وهو ما يدل على قبول الرأي العامّ العربي للنظام الديمقراطي بالأغلبية، لكنّ انعدام التجربة العملية في نظام ديمقراطي تحول دون انحياز الأغلبية إلى مؤشرات التطبيق الفعلي للديمقراطية. تعكس اتجاهات الرأي العام العربي ضعفَ انخراط المواطنين في المنظمات الطوعية والأحزاب السياسية؛ إذ إنّ أغلبيتهم غير منضوية في حزب سياسي أو هيئة طوعية، كما أنّ أغلبية المستجيبين لا تنوي الانتساب إلى أحزاب سياسية في المستقبل ولا يوجد حزب يمثّلها. إضافةً إلى ذلك، فإنّ ثقة المواطنين في المنطقة بالأحزاب السياسية متدنية، ولا تتجاوز نسبة الذين يثقون بها 25 % من مجمل المستجيبين. إنّ هذا في حدّ ذاته يدلّ على أنّ المواطنين على الرغم من انحيازهم إلى النظام الديمقراطي، فإنهم غير نشيطين في أُطر طوعية سياسية أو مدنية تؤطر أفكارهم ووجهات نظرهم حتى تتيح لهم التنافس مع قوى أخرى للمشاركة في عملية اتخاذ القرار أو الوصول إلى السلطة، أو على الأقل التأثير في آليات صنع القرار. من ناحية أخرى، فإنّ نشاط المواطنين السياسي والمدني المتمحور حول قضايا محدّدة، ومن أجل التأثير في موضوعات معيّنة، هو مُتدنٍّ وضعيف. ومن ثمّ، فإنّ هذا الضعف يعني بالضرورة عدم تمكين الانحياز إلى مبادئ الديمقراطية بأدوات تحمي هذا الانحياز نفسه وتدافع عنه وتعمل على تأسيسه.