المفاوضات المناخية العالمية:
الملخّص
تبرز الدراسة أهم الت طورات التي عرفتها المفاوضات المناخية الدولية، منذ مؤتمر ريو دي جانيرو سنة 1992 إلى مؤتمر باريس في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، التي كان هدفها الأول السيطرة على تصاعد الاحترار العالمي الذي ارتفعت معدلاته، ولا تزال ترتفع ارتفاعًا غير ل تهديدًا خطيرًا ومباشرًا للبشرية جمعاء مسبوق، بوتيرة تمث. وتقدّم الدراسة أهم الإنجازات والتوافقات التي توصّ لت إليها المفاوضات الدولية المناخية، مع رصد أهم النقائص والثغرات التي يمكن أن تحبط الجهود الدولية الرامية إلى تخفيض انبعاثات غازات الدفيئة، وترك ز على أهمية التموقع في المحاور البيئية، وعلى إشكالات تمويل انتقالات الطاقة والاقتصاد حتى تتلاءم مع متطلبات التنمية المستدامة (في الدول النامية تحديدًا.) كلمات مفتاحية: تغير المناخ، المفاوضات المناخية، الاحترار العالمي، بروتوكول كيوتو، اتفاقية باريس This study discusses the most important developments in global climate negotiations since the Rio De Janeiro’s conference of 1992 until the Paris’ conference in November 2015 that main focus was to control global warming rates. Nevertheless, these rates continue to rise in an unprecedented manner posing dangerous direct threat to all humanity. The study shows the most important achievements accomplished and the most important agreements that the international negotiations have arrived to, indicating the main shortcomings and gaps of these negotiation’s that may hinder the international efforts for reducing emissions’ gasses. The study emphasizes the importance of concentrating on environmental aspects, as well as on financing energy and economy so it would fit the needs of sustainable development, especially in developing countries. Keywords: Climate Change, Climate Negotiations,, Kyoto Protocol, Paris Agreement
تنمية في النصوص وشكوك في التطبيق
Global Climate Negotiations: Improving the Legal Aspects and Practice’s Constraints
تقديم عام
تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة UNO()، بدأت المفاوضات المناخية الماراثونية في برلين 1995()، وجنيف 1996()، وكيوتو 1997()، وبوينس آيرس 1998()، وبون 1999()، ولاهاي)2000(، ومراكش 2001()، ونيودلهي 2002()، وميلان 2003()، وبوينس آيرس 2004()، ومونتريال 2005()، ونيروبي 2006()، وبالي)2007(، وبوزنان 2008()، وكوبنهاغن 2009()، وكانكون 2010()، وديربان 2011()، والدوحة 2012()، ووارسوفيا 2013()، وليما)2014(، وباريس 2015(.) ومن المنتظر أن تحتضن مدينة مراكش المغربية النسخة ال 22 من مؤتمر الأطراف COP22() بشأن التغيرات المناخية. وتُسجّل مؤتمرات الأطراف ضمن حشد المساعي الدولية على الاتفاقية - الإطارية للتغيرات المناخية التي تعتمد ثلاث ركائز أساسية، هي: مبدأ الوقاية1، ومبدأ الحق في التنمية2، ومبدأ المسؤوليات المشتركة - المتباينة.)CDR(لقد "أثبتت القضايا البيئية الراهنة بوضوح التعقّد والترابط الكبير الذي يميّز العالم المعاصر؛ فقد تطوّرت مع مرور الوقت من مصادر إزعاج بسيطة وصغيرة إلى أخطار جدّية تحدق بمستقبل الإنسانية كلّها"3. لذلك ارتفعت أصواتٌ عديدة على المسرح الدولي ولا سيما تنظيمات المجتمع المدني وآراء الفقه الدولي كالاقتصادي الهندي أمارتيا سن Amartya Sen 4والأميركية إديث براون ويس Edith Brown Weiss5 لتطالب بإدماج مفاهيم أساسية (في المفاوضات المناخية الكونية) من قبيل الإنصاف ما بين الجيل نفسه والإنصاف ما بين الأجيال. وللحفاظ على الوضع المناخي القائم مثلً تُوصي براون ب "اتخاذ إجراءات للتخفيف من تأثيرات التغييرات المناخية، والتقليص6 من الأضرار المباشرة إلى الحدّ الأدنى، وتوفير الوسائل والموارد الأساسية للأجيال المقبلة لكي تتكيّف مع التغير المناخي"7. وتوصّل علماء المناخ إلى إجماع في الرأي يؤكّد سيناريوهين؛ أحدهما يبقي الزيادة الكونية في درجات الحرارة عند مستوى أقل من درجتين مئويتين، والآخر يضعها في مستوى أعلى من درجتين8. مع وجود اختلافات كثيرة بين مطالب الدول والتزاماتها في المفاوضات المناخية الكونية، إذ إنّ الدول الجزرية الصغيرة تطالب مثلً، بأن تعمل الدول على إنقاص درجات الحرارة إلى حدود 1.5 درجة مئوية. أمّا الدول الأخرى، نظرًا للمشاكل التي تعرفها اقتصادياتها، فترى أن إنقاص درجة الحرارة إلى حدود مستوى 1.5 درجة مئوية سيؤثّر لا محالة في نموّها الاقتصادي. وأمام جدية التهديدات الكونية لتغيّ المناخ، تنبّه المجتمع الدولي إلى خطورة الوضع (ولو ظاهريًا)، وبدأت الاستجابة الدولية السياسية لخطورة التحولات المناخية بتبنّي اتفاقية الأمم المتحدة - الإطارية بشأن تغير المناخ في عام 1992)UNFCCC(9، ولذلك عمل المتفاوضون لمدّة خمس سنوات 1997-1992() للتوصّل إلى بروتوكول كيوتو وتبنّي حزمة من الإجراءات الاقتصادية، مثل آلية التنمية النظيفة (الفصل 12)، وآلية الاتجار في الكربون (المحددة في الفصل)17، وآلية التنفيذ المشترك10. لكن هذه الآليات تعبّ في الأخير عن المنظور الرأسمالي لتغير المناخ؛ إذ يُعتمد في الأساس على آليات السوق (الطلب والعرض) لتدبير القضايا البيئية، بينما تتجاوز التغيرات المناخية هذه الآليات لأنّها لا تعترف بالحدود الوطنية الضيقة، وبذلك تُصنّف ضمن ما يطلق عليه الجيل الثالث لحقوق الإنسان أو حقوق الانتساب كالحق في التّنمية والحق في السلم.
وقبل انطلاق قمة 21 21(COP)، عرفت العاصمة الفرنسية مواجهات بين قوات الأمن والمتظاهرين المحتشدين في وسط العاصمة. وبالتوازي مع ذلك، شهدت مدنٌ عالمية كثيرة تظاهرات؛ مثل سيدني وهونغ كونغ وبرلين ولندن وساو باولو ونيويورك وأوتاوا؛ ومن الطبيعي أن تَتخَلّف المدن العربية عن الركب المناخي. وللإشارة، شارك في القمة نحو 195 دولة إضافةً إلى الاتحاد الأوروبي. تتمثّل الإشكالية الأساسية لهذه الدراسة بمدى نجاح المؤتمرات الدولية المعنية بتغير المناخ في الوصول إلى أهدافها في تخفيض غازات الدفيئة الناتجة من النشاط البشري والمسؤولة عن تنامي خطورة الاحترار العالمي وآثاره الكارثية في الأمن البيئي الدولي؛ مع التركيز على مؤتمر باريس 2015 الذي يمثّل مؤتمرًا تاريخيًا، بحسب العديد من الخبراء البيئيين، دون إهمال أهمية قضايا ردم "الهوة المناخية" بين الشمال والجنوب، لا سيما في سياق تناقض مصالح المحاور البيئية مما يستلزم الالتفاف حول اتفاقية دولية تهدف إلى حماية الكوكب من الاندثار. لمناقشة هذه الإشكالية، قسّمنا الدراسة إلى المحاور التالية: أ ولً: خلفية مختصرة حول اتفاقية الأمم المتحدة - الإطارية بشأن تغير المناخ.)UNFCCC(ثانيًا: مؤتمر باريس 2015: محكّ الفرصة الأخيرة. ثالثًا: الهوّة بين الأغنياء والفقراء ودور المنظمات غير الحكومية في ردمها. رابعًا: العرب وأهمية اقتناص فرص التفاوض. خامسًا: المفاوضات المناخية في سياق تناقض مصالح المحاور البيئية. سادسًا: من أجل اتفاقية دولية منقذة لكوكب الأرض. سابعًا: آفاق حماية المناخ العالمي.
خلفية مختصرة حول اتفاقية الأمم المتحدة - الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)
في حزيران / يونيو 1992، عقد مؤتمر الأمم المتحدة بشأن البيئة والتنمية في ريو دي جانيرو في البرازيل. وكان تجمعًا دوليًا غير مسبوق لممثلي أكثر من 170 بلدًا ومنطقة11(في العالم، حضره أكثر من مئة رئيس دولة وحكومة. ومن بين أهم النتائج التي تمخضت عنه، توقيع اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، إضافةً إلى اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي سنة 1992، وجدول ما يعرف بأعمال القرن 21 21(Agenda)، وإحداث لجنة التنمية المستدامة12. بعد تبنّي اتفاقية الأمم المتحدة - الإطارية بشأن تغير المناخ في عام 1992، اعتمد مؤتمر الأطراف في دورته الثالثة (في كانون الأول/ ديسمبر 1997) بروتوكول كيوتو Protocol(Kyoto )The لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ؛ التزمت بموجبه الدول الصناعية والدول في مرحلة التّحول لاقتصاديات السوق (سابقًا) تخفيض الانبعاثات13 الغازية الضارة بالغلاف الجوي14، خلال الفترة الزمنية الممتدة من 2008 إلى 2012 بمعدل 5 % (مقارنة بالسنة المرجعية وهي 1990.) وتواصلت الجهود الدولية بعد ذلك بهدف الوصول إلى اتفاق دولي بشأن المناخ وعُقدت لهذا السّبب عدّة مؤتمرات للأطراف في الاتفاقية الإطارية بشأن تغيّ المناخ.
مفاوضات 2005 – 2009: طروحات متناقضة ونتائج عملية قليلة
انعقدت الدورة الأولى لمؤتمر الأطراف العامل بوصفه اجتماع الأطراف في بروتوكول كيوتو، في مدينة مونتريال بكندا في عام 2005 حيث تَقَرّر إنشاء الفريق العامل المخصّص المعني بالنظر في الالتزامات الإضافية للأطراف المدرجة في الملحق الأول بموجب مقتضيات المادة 3 الفقرة 9 من بروتوكول كيوتو. وفي سنة 2007، وبالتزامن مع انعقاد المؤتمر الثالث عشر للأطراف المتعاقدة، اتفقت الدول المعنية بالتفاوض على خريطة طريق بالي Map( Road Bali The) المعنية بالقضايا الطويلة الأجل التي رسمت طريق العمل لمرحلة ما بعد سنة 2012 وذلك عبر مَسَارَيْن أساسيين للعمل، همُا: أول؛ مَسار الفريق العامل المتخصص المعني
بالالتزامات الإضافية للأطراف المدرجة في المرفق الأول بموجب بروتوكول كيوتو. و ثانيًا؛ مسار آخر بموجب الاتفاقية، يُعرف باسم الفريق العامل المتخصص المعني بالعمل التعاوني الطويل الآجال15. وتمّ الاتفاق على اختتام المفاوضات المتعلقة بالمسارين السابقين في مؤتمر.)2009(
وفي عام 2009، عُقد مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ في كانون الأول / ديسمبر في مدينة كوبنهاغن (الدانمرك)، وشهد هذا الحدث الرفيع المستوى نزاعًا على مسألة الشفافية16. كما تبينت محدودية بروتوكول كيوتو بعد انسحاب روسيا واليابان ونيوزيلندا وكندا من البروتوكول. ومن ثمّ كان لا بد من وضع صكّ قانوني طموح وملزم يسري على الجميع ليحل محلّ بروتوكول كيوتو. وكان هذا هو هدف مؤتمر الأطراف في كوبنهاغن في عام 2009 الذي تم تأكيده مُجَدّدًا في مؤتمر كانكون في عام 2010، ثمّ في مؤتمر ديربان في عام.201117 فعلى الرغم من مشاركة أكثر من 115 رئيس دولة وحكومة وأكثر من 40000 مشارك حكومي وغير حكومي والآلاف من ممثلي المنظمات المجتمعية والنقابات العمالية والمختبرات العلمية وممثلين عن الديانات المختلفة والعلماء18، لم يتوصّل المؤتمر إلى اتفاق ملزم للأطراف المشاركة بالمساهمة في تخفيض انبعاثات غازات الدفيئة إلى ما دون 1.5 درجة مئوية؛ واكتفت الدول الصناعية بوعود فضفاضة لتمويل الانتقالات الطاقية في الدول النامية.
مفاوضات 2010 - 2014: ماراثونية التفاوض
وتأجيل الالتزامات الدولية
مؤتمر كانكون 2010: اتخذ المشاركون في المؤتمر قرارات تخص توزيع مسؤولية الدول الصناعية والنامية عن تقليص الغازات المؤدية إلى الاحتباس الحراري وتحديدها واعتماد الإجراءات الوقائية الرّامية إلى حماية الغابات في كوكبنا19. كما ساهمت "اتفاقيات" كانكون في إحداث مؤسسات وآليات جديدة، وشملت إطار كانكون للتكيف ولجنة التّكيف وآلية التكنولوجيا التي تتضمن اللجنة التنفيذية للتكنولوجيا ومركز وشبكة تكنولوجيا المناخ. ووافق المشاركون في المؤتمر على مشروع إنشاء ما يسمى "الصندوق العالمي الأخضر"، وذلك بهدف تمويل مشاريع تساعد الدول المتضرّرة من التغيرات المناخية. واتفق المشاركون في المؤتمر على آلية نقل التكنولوجيات "النظيفة" من الدول الصناعية إلى الدول النامية. وبحسب عدد من المتتبعين للشأن البيئي الدولي، فإنّ مؤتمر كانكون سيشكّل لَبِنة لتعزيز خطوات مجابهة (أو على الأقلّ التكيف) التحولات المناخية، والحسم في تمديد بروتوكول كيوتو أثناء انعقاد مؤتمر ديربان (جنوب أفريقيا،.)2011 مؤتمر ديربان 2011: عُقد مؤتمر منظمة الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ في ديربان، في تشرين الثاني / نوفمبر وكانون الأول/ ديسمبر 2011 20(، بحضور 12000 مشارك، من بينهم 5200 مسؤول حكومي، و 5400 ممثل لهيئات الأمم المتحدة والوكالات والمنظمات الحكومية الدولية والمنظمات غير الحكومية21. ومن أهم نتائج مؤتمر ديربان نذكر: الاتفاق على تحديد فترة التزام ثانية 2020-2013() بموجب مقتضيات بروتوكول كيوتو حول التغيرات المناخية. اتخاذ قرار بشأن العمل التعاوني الطويل الأجل بموجب مقتضيات الاتفاقية - الإطارية حول التغيرات المناخية. الاتفاق ع ىىتشغيل الصندوق الأخ ررللمناخ.)-Green Climate Fund-GCF(
"إعداد بروتوكول أو أداة قانونية أخرى متفق عليها ذات قوة بموجب الاتفاقية الإطارية يتمّ تطبيقها على قانونية ملزمة كل الأطراف." ومن المخطط له أن يستكمل الفريق العامل مفاوضاته في سنة 2015 22. وفي مؤتمر ديربان عن التغيرات المناخية، تجدر الإشارة إلى أنّ الحكومات اعترفت بوضوح بضرورة وضع مسودة لاتفاق قانوني عالمي جديد يهدف إلى التصدي لتغير المناخ لفترة ما بعد سنة 2020 23. مؤتمر الدوحة 2012: عقد مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغيّ المناخ في الدوحة (في قطر) في الفترة الواقعة بين 26 تشرين الثاني / نوفمبر و 8 كانون الأول / ديسمبر 201224. ونتج من هذا المؤتمر حزمة من القرارات يُشار إليها ب "بوابة الدوحة للمناخ." وتتضمّن هذه القرارات تعديلات على مقتضيات بروتوكول كيوتو الهادفة إلى تحديد فترة التزام ثانية [أي الاستمرارية القانونية للبروتوكول في نظرنا] والاتفاق على إنهاء عمل الفريق العامل المعني بالنّظر في الالتزامات الإضافية للأطراف المدرجة في المُرْفق (المُلحق) الأول بموجب بروتوكول كيوتو في الدوحة25. على الرغم من كلّ المجهودات التي بذلها منظمو المؤتمر، لم يخرج اجتماع الدوحة ال 18 للدول الأطراف في الاتفاقية - الإطارية للتغيرات المناخية الذي استمر أسبوعين، بأيّ نتيجة جديدة وجدّية. وقد أكّد نتائج اجتماع ديربان، أي تمديد كيوتو (الذي لم يعد ينفع قضية تغيّ المناخ كون الملتزمين به يشكّلون أقل من 15 % من الانبعاثات العالمية) والتّحضير لاتفاق جديد عام 2015 26. وقد تميّزت دول الجنوب بطلب "تعويضات من الدول الصناعية الكبرى في الشمال بسبب الخسائر والأضرار المتعلقة بالتغيرات المناخية"27. وهي إشارة قوية إلى المسؤولية التاريخية للغرب المُصَنّع منذ الثّورة الصناعية الأولى. مؤتمر وارسو:2013 عقدت الدورة التاسعة عشرة لمؤتمر الأطراف في مدينة وارسو COP19() في تشرين الثاني / نوفمبر 2013، وحقّقت تقدّمًا في دعم البُلدان الأضعف، إذ وضع المؤتمر اتفاقًا يتعلق بتمويل مكافحة تغيّ المناخ.28ومن القرارات الرئيسة التي اتُخذت في المؤتمر، نذكر تلك المتعلقة بتعزيز منهج عمل مؤتمر ديربان، وصندوق المناخ الأخضر والتمويل الطويل الأجل، وآلية وارسو الدولية المتعلقة بالخسائر والأضرار29. ومن خلال المناقشات، تَبَيّ أنّ العالم أصبح يدرك حجم المخاطر التي يمكن أن تُسَبّبها ظاهرة الاحتباس الحراري والتّحولات المناخية العالمية، لذلك حاولت الأطراف المتفاوضة العمل على التحضير لاتفاق 2015 يكون العالم بموجبه قادرًا على إنقاذ كوكب الأرض من الدمار. مؤتمر ليما 2014: شَكّلَ مؤتمر الأطراف المتعاقدة في نسخته العشرين COP20() في ليما، عاصمة البيرو، سنة 2014 "الفرصة الأخيرة" لدول العالم للتفاوض بجدية بُغية الحَدّ من انبعاثات الكربون وغازات الدفيئة الأخرى30، وذلك قبل الالتزام نهائيًا في مؤتمر باريس لعام 2015. ومن أهم النتائج المترتبة عن أشغال مؤتمر ليما نذكر، الاتفاق على مطالبة الدول المتعاقدة على تحديد المعلومات والعمليات الخاصة بتقديم المساهمات (المخفضة لغازات الدفيئة) المقررة على المستوى الوطني في أقرب وقتٍ ممكن في 2015. كما اعتمدت الدورة العشرون لمؤتمر الأطراف "نداء ليما للعمل المناخي" الذي يدفع المفاوضات (المناخية الدولية) نحو اتفاق عام 2015 31.
مؤتمر باريس 2015 محك "الفرصة الأخيرة"
تضارب الآراء والمصالح في سياق المسؤولية المشتركة - المتباينة
يُعدّ الاجتماع السّنوي في نسخته الواحدة والعشرين لاتفاقية الأمم المتحدة - الإطارية بشأن تغيُّ المناخ لعام 2015 أكبر تجمع دولي مناخي يهدف إلى التزام مبدئي من الأطراف المتفاوضة، إذ "تعهّد
المجتمع الدولي بحصر ارتفاع درجة حرارة الأرض دون درجتين مئويتين قياسًا على عصر ما قبل الثورة الصّناعية، وبمتابعة الجهود لوقف ارتفاع الحرارة عند 1.5 درجة مئوية"32. وجاء هذا الالتزام المبدئي، بعد نقاشات ومجادلات طويلة وشاقة في مؤتمر باريس 2015 (COP21) إذ تضاربت الآراء وتناقضت المواقف خصوصًا حول كيفية تنفيذ مبدأ المسؤولية المشتركة - المتباينة The Principle of Common But Differentiated Responsibilities، وحول قضية ال 100 مليار دولار التي سبق النص عليها في اجتماع كوبنهاغن سنة 2009، حيت تعهّدت الدول الغنية بدفع 100 مليار دولار أميركي سنويًا في حدود 2020 لمساعدة الدول النامية لتضمن تكيّف الدول النامية مع التغير المناخي؛ لكن إلى حدّ الآن، لا تزال الأسئلة الجوهرية: من سيدفع؟ وكيف؟ ولمن؟ من دون أجوبة دقيقة ومحدّدة.
ومن إيجابيات اتفاق باريس عدّ المناخ همًّ مشتركًا للإنسانية، ما يتطلب من الجميع اتخاذ خطوات مشتركة لمجابهة التغيرات المناخية، وتأكيده قضايا الحق في التنمية والحق في الصحة وحقوق الشعوب الأصلية والإنصاف ما بين الأجيال.
اتفاق باريس وبداية المهمات الصعبة لتمويل المناخ33
أعلن وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس (بوصفه رئيسًا للمؤتمر) في تصريح له، يوم 12 كانون الأول / ديسمبر 2015، بعد الاتفاق الأولّي للأطراف المتعاقدة حول النص النهائي للمعاهدة الجديدة، كون النص جاء عادلً ودائمًا وديناميًا ومتوازنًا وملزمًا جميع الأطراف34، ويهدف إلى كبح الاحترار العالمي في حدود الدرجتين المئويتين ليصل إلى 1.5 درجة في نهاية القرن، وتأكيد التزام الدول الغنية تخصيص 100 مليار دولار لتحفيز انتقال الطاقة في الدول النامية، وذلك ابتداء من سنة 2020، والتزام الدول مراجعة خططها الوطنية الهادفة إلى تخفيض غازات الدفيئة كلّ خمس سنوات. شإإارة، وقّعت ل 175 دولة اتفاق باريس للمناخ في 22 نيسان / أبريل 2016، في مقر منظمة الأمم المتحدة في نيويورك. وقد استغل الأمين العام المناسبة ليؤكد أهمية إسراع الدول في تصديق Ratification() الاتفاقية المناخية لضمان تطبيقها في سنة 2020، وذلك بعد تصديق 55 دولة مسؤولة عن 55 % من انبعاث غازات الاحتباس الحراري في العالم35(، على الاتفاق.
الأولويات والمعوقات وسبل تجاوزها
من الأولويات التي طُرحت على الحاضرين في باريس 2015، أول: تمويل الدول المُعرّضة لتأثيرات التغير المناخي ومنحها الوسائل الضرورية للتكيف مع المناخ؛ و ثانيًا: مراقبة خفض انبعاثات غازات ثالثًا الدفيئة؛ و: اعتماد إطار قانوني يُلزم كلّ الأطراف المتفاوضة بالحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية. ولا شك في أنّ الوثيقة الأولية التي كانت تضم أكثر من 80 صفحة تتناول مواضيع التخفيف (تخفيض غازات الدفيئة)، والتكيف (وضع السياسات والبنى التحتية لتخفيف آثار التغيرات المناخية)، وتحويل التكنولوجيا من الشمال إلى الجنوب، وتطوير الكفاءات (البشرية، والاقتصادية، والمالية، والبنى التحتية... إلخ.) وأثناء انطلاق المفاوضات، رأى بعض المهتمين أنّه - بالنظر إلى الوثائق التحضيرية للمؤتمر والحشد غير المسبوق - يمكن التوصّل إلى اتفاق في باريس 2015 36. لكن جرت الإشارة في دراسات أخرى
إلى وجود ثلاث صعوبات أساسية، هي37: من سيدفع ثمن التكيف مع التغيرات المناخية للدول النامية؟ والطبيعة القانونية للاتفاق في باريس؛ فالولايات المتحدة الأميركية مثلً ترفض التوصّل إلى اتفاقية ملزمة (رفض الكونغرس تصديق إلزام الولايات المتحدة الأميركية بذلك)؛ وطموح الاتفاق: فالتزام المتعهّدين بتخفيض غازات الدفيئة غير كافٍ للحدّ من ارتفاع درجة الحرارة دون الدرجتين المئويتين إلى حدود نهاية هذا القرن مقارنةً بمرحلة ما قبل الثورة الصناعية. ويمكن أن نضيف أنّ الالتزام وحده يظلّ دون جدوى؛ فقد سبق لمجموعة من الدول أن تعهّدت بتخفيض درجة الحرارة وانبعاثاتها الكربونية لكن لم تَفِ بوعودها لعدم وجود رقابة دولية على غازات الدفيئة (محكمة عدل دولية بيئية.) ويكفي أن نذكر ما يلي: تجاوز مجموع غازات ثاني أوكسيد الكربون 35.3 (CO2) مليار طن في سنة 2013 مقابل 23 مليار طن في عام 1990 38. وبحسب تقرير صادر عن الوكالة الهولندية للتقييم البيئي لعام 2014، فخلال 2013 [مقارنة بسنة 2012] "عرفت الولايات المتحدة الأميركية زيادة في نفث غازات أوكسيد الكربون ب 2.5 %؛ والصين ب 4.2 %؛ والهند بأكثر من 4.4 %؛ واليابان ب 6.5 %39.
من المعوقات العملية لهذه القمة، خلال الأيام الأولى، استمرار فرنسا "راعية" هذه المفاوضات في الربط بين الإرهاب والتغيرات المناخية، مما سوّغ لها التحرك ضد الناشطين البيئيين الذين ندّدوا بسقف نتائج المؤتمر. وجاء في افتتاح الرئيس فرانسوا هولاند أنّ مكافحة الإرهاب والاحتباس الحراري هما تحدّيان عالميان يجب معالجتهما40. لذلك يمكن القول، إنّ المفاوضات في أسبوعها الأول طغت عليها النبرة السياسية التي تأثّرت بأحداث باريس. لكن من المنتظر أن تنفتح آفاق جديدة بعد التوصل إلى اتفاق باريس. وبإمكان المجتمع الدولي أن يضغط في اتجاه تمويل حقيقي للمناخ، واستفادة الدول النامية من مساعدات الصندوق الأخضر للمناخ، وتعزيز دور المجتمع المدني للمشاركة في تنفيذ برامج تمويل المناخ والرقابة على سبل تنفيذها. ومن الممكن العمل، أثناء مؤتمر مراكش 2016، على إحداث منظمة دولية للبيئة تكون مهمتها الأساسية تسهيل تمويل المشاريع التنموية والرقابة على طرائق صرفها.
تزايد الهوة بين الأغنياء والفقراء ودور المنظمات غير الحكومية في ردمها
الهوة بين الأغنياء والفقراء
يبدو أنّ الصين (الملوّث الثاني في العالم) والدول النامية تتشبث بمفهوم المسؤولية التاريخية للدول الصناعية؛ كما طالبت الهند - على لسان وزير البيئة - بضمان عدالة مناخية للدول الفقيرة؛ لكنّها أكّدت أنّها ستزيد من إنتاج الفحم بحلول عام 2020 بغية إيصال الكهرباء إلى أكثر من 300 مليون شخص يعيشون دون كهرباء؛ مع الإشارة إلى أنّ الهند تتباطأ في التزام تقليص الكربون مقارنةً بالولايات المتحدة الأميركية والصين؛ ففي الفترة ما بين 1990" و 2012 ازدادت غازات الدفيئة في الهند ب 67 %، وإذا لم تقم الهند بالجهود يمكن أن تتضاعف هذه الغازات بحلول "203041. تخضع دول الجنوب لتأثير التغيرات المناخية من دون الحصول على فوائد التنمية ومزاياها؛ ففي أفريقيا تزحف الصحاري على المناطق الساحلية، مع العلم بأن 620 مليون شخص يعانون عدم وجود الكهرباء. وترجع المسؤولية الكبرى للدول المتقدمة صناعيًا ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية؛ فمنذ 1850، نفثت شركة البترول شيفرون
Chevron أكثر من عشر مرات مجموع غازات الدفيئة للدول الأفريقية جنوب الصحراء (دون احتساب جنوب أفريقيا)42. ولا شك في أنّ الصراع بين الشمال والجنوب لن يهدأ إلّ بالتعاون بين المحورين. ولكن، يبدو أنّ التعاون غير مفضّ ل بين الشمال والجنوب على الرغم من التوصّل إلى اتفاق باريس (كما سنرى أثناء التطرّق لتناقض مصالح المحاور البيئية.)
دور المنظمات الدولية غير الحكومية في ردم الهوة بين الشمال والجنوب
أصبحت المنظمات الدولية غير الحكومية تتحرك بفعالية في المؤتمرات الدولية المخصصة لمناقشة قضايا الاحتباس الحراري، ف"انتشار المنظمات غير الحكومية NGOs() وتعاظم دورها قد أثّر بصورة ملحوظة في الكثير من المفاهيم الأساسية السّائدة في ميدان القانون الدولي، وقد بدأ نطاق هذه المنظمات يتسع باطّراد خلال السبعينيات والثمّانينيات من القرن العشرين لتحقيق أغراض متعددة"43. وتزامن تعاظم هذه الأدوار مع ضغوطها المتواصلة على الدول والحكومات لكي تتبنى مواقف إيجابية من قضايا التغيرات المناخية، والمساهمة في تطوير المبادئ العامة للقانون الدولي البيئي وحثّ الدول على الانضمام للاتفاقيات البيئية الدولية والتصديق عليها، ومساعدة الدول المنكوبة على تدبير الأزمات البيئية أثناء وقوع الكوارث الطبيعية. لكن يلاحظ أحيانًا أنّ المنظمات الدولية غير الحكومية ليست بريئة من الناحية السياسية إذ تقوم في مرّات عديدة بخدمة أجندة الدول الكبرى تحت غطاء تقديم المساعدة وتطوير التعاون الدولي. وعليه، يمكن للمنظمات غير الحكومية المساهمة في تطوير قواعد القانون الدولي البيئي من خلال الاعتراف له بجملة من الحقوق، تتمثل بما يلي44: "المشاركة الفعّالة في المفاوضات الدولية المتعلقة بالاتفاقيات البيئية الدولية سواء بمنح المنظمة غير الحكومية صفة المراقب، أو بالاستعانة بها لتمثّل الدولة ضمن الوفد الرسمي المكلف بالتفاوض"؛ ويمكن لهذا التوجه أن يكون إيجابيًا في تعزيز المفاوضات المناخية الكونية عن طريق تقديم الاقتراحات العملية لتفادي الأخطار البيئية. "تقوم الهيئات الرسمية في بعض الاتفاقيات البيئية كالسكرتارية في اتفاقية تغير المناخ واتفاقية التنوع البيولوجي، بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية لتزويدها بالبحوث والدراسات العلمية والقانونية والاقتصادية التي تساعد في تنفيذ هذه الاتفاقيات"45؛ إذ تمتلك هذه المنظمات البحوث العملية التي تساهم في حماية البيئة على المستويات الدولية والإقليمية والوطنية. "تقوم هذه المنظمات بمراقبة امتثال الدول وتنفيذها التزاماتها وفقًا للقانون البيئي الدولي والاتفاقيات البيئية، ويمكن أن تقوم أيضًا بمراقبة تنفيذ الدول التزاماتها البيئية وفقًا للقانون الوطني"؛46 وعلى هذا الأساس يمكن أن تساهم المنظمات الدولية غير الحكومية في تعزيز مبادئ القانون الدولي البيئي.
العرب وأهمية اقتناص فرص التفاوض المناخي
لا توجد "منطقة في العالم في مأمن من التحديات البيئية، لكن تلك التي تواجه المنطقة العربية ذات طبيعة شديدة الإلحاح بصورة خاصة47"، إذ لا تملك المنطقة العربية بنى تحتية للتكيف مع التغيرات المناخية هدفًا كما أنّ إدماج التغيرات المناخية في السياسات العمومية يبقى بعيد المنال48؛ و"على الرغم من غنى المنطقة العربية ببعض الموارد الطبيعية مثل النفط والغاز، فإنّها تواجه عجزًا خطيرًا في مواردَ أخرى كالماء والأراضي الزراعية لدعم متطلبات النمو49." ونظرًا لهذه المعطيات، كان من المفروض أن يُقدّم العرب ورقة مشتركة أو برامج مشتركة خلال قمة باريس لاستيعاب الإكراهات التي ستكون في قمة مراكش للمناخ 7(- 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.) لقد تعوّدت
الدول العربية أن نظهر بمظهر الضحية وتدافع بحماس عن نظرية المؤامرة، والعدو الوهمي من أجل الهروب إلى الأمام. فالمطلوب مثلً أن "يتمّ تقسيم الوفود العربية المشاركة على المحاور الأساسية للمؤتمر، كما تفعل الوفود المشاركة في الاتحاد الأوروبي"50؛ وبعد ذلك تلتقي الوفود لتنسيق المواقف العربية.
صحيح، لا يشارك العرب إلا بنسبة أقل من 5 % من الانبعاثات العالمية الإجمالية. لكن التقارير والدراسات تجمع على أنّ المنطقة العربية ستكون من أهم المناطق التي ستظهر فيها تداعيات الاحتباس الحراري. وانطلاقًا من هذا المنظور، على الدول العربية مجتمعة أن تنتقل إلى إجراءات ملموسة للتكيف مع التغيرات المناخية التي باتت تهدّد بزيادة الحرارة وارتفاع منسوب مياه البحر والنقص الحاد للمياه، ومن ثمّ، التنوع البيولوجي وزيادة التصحر في الوطن العربي. ومن الحلول المقترحة على الوزارات المكلفة بالمالية واجب إدراج فصول في ميزانيات الدول لتمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية وتعزيز التكنولوجيات النظيفة والطاقات المتجددة؛ فالمال هو عصب الاقتصاد ومن دونه لن تتمكن الدول من تمويل التكيف المناخي. ومن واجبها أيضًا إعادة النظر في مبادئ المالية العامة كمبدأ السنوية؛ فالتغيرات المناخية تحتاج إلى برامج تكيّف لا يمكن أن تخضع لهذا المبدأ. وعليها أيضًا أن تدمج المقاربة الجيلية (الإنصاف ما بين الجيل نفسه Equity Inter-Generational والإنصاف ما بين في التحليل المالي. 51الأجيال)Inter-Generational Equity أمّا عن انعكاس ما جاء في اتفاق باريس 2015، فلعلّ العمل على الحدّ من درجات الحرارة إلى حدود درجتين مئويتين وبذل الجهود لإنقاصها إلى حدود 1.5 درجة مئوية، سيكونان مُفيدَيْن للوطن العربي الذي عليه أن يضغط لتحقيق هذا الهدف بالتعاون مع محور الدول الصغيرة الجُزرية AOSIS()؛ فتحقيق 1.5 درجة مئوية كان من الأهداف التي استطاع محور الدول الجُزُرية الصغيرة إدماجها في النص النهائي.
المفاوضات المناخية في سياق تناقض مصالح المحاور البيئية
توجد محاور52 متعدّدة في مجال المفاوضات المناخية؛ وتختلف هذه المحاور عمّ عُرف خلال الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي (سابقًا.) وبين هذا وذاك، وُجدت دول عدم الانحياز؛ ففي مجال التفاوض البيئي المناخي يصعب حصر عدد الدول؛ فالكونغو مثلً توجد ضمن محور الدول الأفريقية 54(دولة) وتنتمي إلى محور الدول الأقل نموًا 48(دولة)، وهي أيضًا عضو في تحالف دول الغابات الاستوائية 40(دولة.) ويمكن أن نشير إلى أنّ محور دول ال 77 + الصين يضم دولً كثيرة لكن غير منسجمة في مواقفها عكس ما تبدو عليه المحاور الصغيرة الأخرى التي تتميز بالدينامية في العمل والحركية. لكن ما يميز هذه المحاور أو التكتلات أنّها تعبّ عن توازن القوى في التفاوض المناخي؛ فلا يمكن تصوّر انضمام دولة معينة إلى محور معيّ دون حصول توافقات في مواقفها ومصالحها.
الاتحاد الأوروبي (28 دولة)
انضم إلى الاتفاقية الأممية الإطارية للتغيرات المناخية)1992(وبروتوكول كيوتو 1997() الذي دخل حيز التطبيق عام.2005 ويسهم الاتحاد الأوروبي بنسبة 10 % من الانبعاثات العالمية لغازات الدفيئة53. ويعتمد على الحدّ من التغيرات المناخية؛ لذلك يعمل على إنقاص غازات الدول الأعضاء؛ وتشجيع الدول الكبرى ذات التلوث الكبير على اتخاذ إجراءات حقيقية لخفض هذه الغازات؛ ومعالجة الآثار التي لا يمكن تفاديها54.
ولتفعيل هذه الأولويات، حدّد الاتحاد الأوروبي في حدود 2020 الخطوات التالية: إنقاص غازات الدفيئة إلى 20 % مقارنة بمستويات سنة 1990 (وهي السنة المرجعية كما جاء في بروتوكول كيوتو لعام 1997)؛ والعمل على تحقيق ما نسبته 20 % من مصادر الطاقات المتجدّدة؛ وتطوير النجاعة الطاقية ب 20 % من كمية الطاقة الأولية المستهلكة بحسب المستويات المتوقعة55. وإيمانًا بخطورة التغيرات المناخية، يعتمد الاتحاد الأوروبي على تغيير التشريعات الخاصة بالبناء آخذًا في الحسبان العوامل المناخية؛ وبناء المحميات (كالجدران الإسمنتية) لتفادي الفيضانات؛ وتطوير ثقافات مقاومة الجفاف56. ومن الملاحظ أنّ الاتحاد الأوروبي فقد موقعه بوصفه رائدًا في مجال المفاوضات المناخية العالمية من جهة أمام قدرة الولايات المتحدة الأميركية والصين منذ مؤتمر كوبنهاغن 2009 على تدبير الشؤون المناخية الدولية؛ ومن جهة أخرى أمام أعضائه بحيث لا يوجد انسجام تام في الرؤى والمواقف؛ ف"بولونيا مثلً هي أكبر دولة في الاتحاد الأوروبي إنتاجًا واستهلاكًا للفحم لذلك تسعى دائمًا لعرقلة المفاوضات المناخية"57؛ إذ تعتمد بولونيا على الفحم بنسبة 90 %. ومنذ بداية مؤتمر باريس حول المناخ "تعرَّض الاتحاد الأوروبي لانتقادات متعدّدة، منها اتخاذ مواقف غير واضحة ومحتشمة وضعيفة نتيجة وجود اختلافات بين أعضائه"58.
محور دول المظلة
يتكوّن من الدول الأوروبية غير المنتمية للاتحاد الأوروبي ودول كالولايات المتحدة الأميركية (زعيم هذا المحور)، وأستراليا وكندا واليابان ونيوزيلاندا الجديدة وأيسلندا والنرويج وروسيا وأوكرانيا. ويتميّز هذا المحور بالمرونة، لأنّه يجمع بين دولٍ تتخذ مواقف ومواقع متناقضة من قضايا التغيرات المناخية؛ وقد عبّ ت بعض الدول المنضوية تحت لواء المحور عن رفضها تمديد آجال بروتوكول كيوتو (كالولايات المتحدة الأميركية، وكندا)؛ لكن في الوقت نفسه تختلف دول هذا المحور عن مدى "إلزامية" تقديم المؤشرات الوطنية في مجالات التنمية المستدامة، وتوزيع الحصص في غازات الدفيئة. ولا شك في أنّ الولايات المتحدة الأميركية إضافةً إلى الصين (لا سيما بعد اتفاق 2014) تودّان القيام بدورٍ محوري في المفاوضات المناخية العالمية.
محور الاندماج (التكامل) البيئي (GIE)
تكوّن سنة 2000 بمساعدة أعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD() التي لا تتوافق مواقفها مع دول محور المظلة، كسويسرا والمكسيك وكوريا الجنوبية وإمارتَ موناكو وليختنشتاين. ومن الناحية العملية، يلاحظ أنّ هذا المحور لا يؤثّر كثيرًا في المفاوضات المناخية العالمية، وجدير بالذكر أنّ "هذه المجموعة تشارك في المفاوضات بشكل غير رسمي وبصورة متقطعة"59.
مجموعة ال 77 + الصين
هو تحالف تاريخي يمتد إلى بداية الستينيات من القرن العشرين، ويضم 133 دولة عضوًا في المجموعة. وفي سياق المفاوضات المناخية الكونية تتباعد مواقف الدول المشكّلة هذا المحور. وخلال المفاوضات المناخية في باريس، برزت مشكلة تمثيلية الدول النامية في اللقاءات والمحاور الفرعية كعادته، إذ بلغ عددها 50 اجتماعًا كلّ يوم، ما صعّب (من وجهة نظر هذه المجموعة) متابعة تفاصيل كل هذه اللقاءات ومواكبتها. وقد برّرت مجموعة ال 77 + الصين هذه الصعوبة بأنّه كلما زاد عدد اللجان الفرعية ابتعدنا عن الإنصاف في المفاوضات60. وتعقيبًا على هذه النقطة، من حقنا أن نعترف أنّ تمثيلية الدول العربية في المفاوضات مثلً تبقى ضعيفة مقارنة بتمثيلية الدول الصناعية، ما يقتضي - في نظرنا - إعداد الأطر اللازمة وتكثيف الدورات التدريبية في المفاوضات المناخية المقبلة. ويجب أن تنفتح وزارات الخارجية على المؤهلات الجامعية، بإحداث أقطاب لتدريس مواد ترتبط بالديناميات الجديدة للعلاقات الدولية؛ كاقتصاديات التغيرات المناخية، والقانون الدولي البيئي، والمفاوضات الدولية المناخية، وغيرها. وأمام تراجع قيمة مجموعة ال 77 + الصين ودورها، ظهر تحالف الدول الهادفة إلى تعزيز دور مجموعة ال 77 + الصين)LMDC(61. يتكون هذا الحلف من 24 دولة تنتمي إلى العالم العربي، والهند والصين، ومعظم الاقتصاديات الناشئة من آسيا وأميركا اللاتينية
تكونت خلال دورة انعقدت في بون بشأن التغيرات المناخية التي في أيار / مايو 2012. وتهدف دول هذا الحلف إلى تعزيز مجموعة ال 77 + الصين وتوحيدها. من الناحية المبدئية، تطالب بتمويل المشاريع في مجالات النقل والبناء وتدبير الأراضي والغابات إذا استفادت من التمويل. والصندوق الأخضر للمناخ هو المحكّ الأساسي لمعرفة نيات دول الشمال؛ فالالتزامات غير كافية لضخّ الأموال في الصندوق منذ مؤتمر كوبنهاغن 2009 حيث تعهدت الدول الكبرى بضخ 100 مليار دولار سنويًا لتمويل الانتقال الإيكولوجي الطاقي.
محور دول البريكس (BRICS)
يضم هذا المحور البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا. تكوّن في سنة 2009 قبل انعقاد مؤتمر كوبنهاغن بهدف صوغ موقف مشترك من التفاوض المناخي الدولي. ولا يزال المحور يصُرّ على التنمية الاقتصادية أولً؛ فالهند مثلً تقول: "إنّ أولوية الهند هي التنمية"62؛ أمّا البرازيل فتعدّ أول دولة في العالم مسؤولة عن عملية إزالة الغابات، إذ في غضون العشرين سنة المقبلة سوف تفقد البرازيل 10 % من غاباتها63. وقد طالبت دول البريكس مجتمعة "ب ورررة أن يكون الاتفاق المرتقب تحت مظلة منظمة الأمم المتحدة، أي في إطار الاتفاقية الإطارية للتغيرات المناخية ")UNFCCC(64. وخلال مؤتمر الأطراف في باريس، تمسّكت دول البريكس بمبدأ "التمايز، وهو ما أشارت إليه الاتفاقية الإطارية للتغيرات المناخية، وعلى هذا الأساس تطالب الدول ذات المسؤولية التاريخية التي أحدثت تراكمً في غازات الدفيئة، الأخذ بزمام المبادرة لإنقاص غازاتها وتمكين باقي الدول من فعل ذلك؛ فالاتفاقية المرتقبة يجب أن تدمج مبدأ التمايز بين الدول المتقدمة والنامية"65. أصدرت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD() دراسة66، أشارت فيها إلى "توفير 62 مليار دولار في عام 2014 لتمويل انتقال الطاقة في الدول النامية." لكن هذه الأرقام تبدو غير حقيقية؛ فوزير الاقتصاد الهندي يقول إنّ الأرقام التي قدّمتها المنظمة المذكورة أعلاه "مبالغ فيها ومَعيبة للغاية، فالتمويل المناخي بين الشمال والجنوب لا يتجاوز 2.2 مليارَي دولار في الوقت الذي يحتاج فيه تمويل المناخ إلى 400 مليار دولار سنويًا"67. ومن جهتها، رفضت باقي دول البريكس (أي: الصين، والبرازيل، وجنوب أفريقيا) الأرقام التي قدّمتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية68.
محور الدول العربية
يُلحّ هذا المحور (لا سيما الدول النفطية، كالسعودية، والعراق)... على أهمية الأخذ في الحسبان التأثيرات السلبية المحتملة (من تنظيم المجال المناخي، وفرض الرقابة المناخية) في اقتصادياتها. وقد عبّ ت السعودية ودول الخليج عن "عدم اتفاقها على تخفيض درجة الحرارة من درجتين مئويتين إلى 1.5 درجة مئوية، وعدم الرغبة في إدماج مبادئ حقوق الإنسان ضمن صوغ الاتفاقية النهائي"69؛ وترى هذه الدول "أنّ الانتقال إلى الطاقات المتجددة يمثّل تهديدًا لاقتصادياتها التي ترتبط بالطاقات الأحفورية"70.
لكن يبدو أنّ مصالح الدول العربية غير النفطية تختلف وتتقاطع؛ إذ الأولوية في المغرب مثلً لتمويل المشاريع الخضراء وبرامج الطاقات
المتجددة؛ فقد قدّم المغرب إسهامه الوطني بمناسبة قمة الأطراف 21، والتزم خفض غازات الدفيئة ب 13 % في حدود 2030؛ ويمكن أن يصل هذا الالتزام إلى 32 % شرط وجود الدعم المادي الدولي71. ومن الإكراهات التي تعترض هذا المحور عدم التشاور قبيل انعقاد المؤتمرات المناخية. وهو ما يفسّ عدم تقديم ورقة موحّدة تلتزمها جميع الدول العربية، والفرصة مواتية في مراكش عام 2016 للتفكير في مقاربة مناخية مشتركة لربح رهانات المفاوضات المقبلة. محور الدول الجزرية الضعيفة)- Alliance of Small Island States - AOSIS (يضمّ هذا المحور 39 دولة ضمن منظمة الأمم المتحدة (كجزر فيجي، وتيفالي، والباهاماس) وخمسة أعضاء ملاحظين72 (المجموع إذن هو 44) و"هي دول لا تنتمي إلى مناطق جغرافية واحدة، لكنّها تتشابه في مقوّماتها وملامحها الجغرافية"73. وهي مهدّدة باستمرار وبشدّة من جراء التغيرات المناخية، وبخاصة مع ازدياد مستوى البحر وارتفاع درجة حرارة الأرض وتزايد الكوارث الطبيعية. ليس لهذا المحور ميثاق رسمي أو ميزانية منتظمة أو سكرتارية74. لكن، يدافع هذا المحور باستماتة عن حتمية خفض درجة الحرارة العالمية، وتقديم المساعدات لاجتناب غرق هذه البلدان. وقد أعاد المحور مطالبه في قمة باريس 2015 - على لسان ممثّليه - ف "التغيرات المناخية هي واقع معيش في هذه الدول؛ والتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم هو الضمانة الوحيدة للحقّ في الوجود"75. ومن الإيجابيات التي جرى تحقيقها بفضل هذا المحور ما جاء في اتفاق باريس 2015، إذ يجب العمل على إنقاص درجة الحرارة إلى حدود درجتين، والعمل بعد ذلك على إنقاصها إلى 1.5 درجة. وقد رحّبت دول هذا المحور بالتنصيص على 1.5 درجة، وعَدّت اتفاق باريس اتفاقًا تاريخيًا76. وأشارت منظمة الأمم المتحدة في تقرير لها إلى أنّ اللجوء المناخي قد بدأ في جزر الباسفيك؛ ف 10 % من سكان النوري Nauru(15) و % من سكان تيفالي قد انتقلوا بالفعل ما بين 2005 و 2015. ويضيف التقرير أن 70 % من المنازل في كيريباتي Kiribati() وتيفالي، و 35 % في النوري يجب تحويلها للحدّ من الاحتباس الحراري77.
محور الدول الأفريقية
تَكوّن هذا المحور منذ سنة 2000، ويضم 54 دولة من القارة الأفريقية، وينشغل بالقضايا التي تهم المصلحة العامة للدول الأفريقية؛ كالتكيف مع التغيرات المناخية، وتحويل القدرات التكنولوجية والتمويل لإصلاح الأضرار البيئية. ونرى أنّ من حق الدول الأفريقية أن تتكتّل، فقارة أفريقيا الأكثر فقرًا والأشد حاجة إلى تمويل التكيف المناخي على الرغم من أنّها تزخر بموارد طبيعية كبيرة. لقد جرى تهميش الدول الأفريقية خلال مؤتمر كوبنهاغن؛ لكن استعادت هذه الدول عافيتها الدبلوماسية لإيمانها بأنّها يجب أل تظهر دائمًا بمظهر الضحية؛ فعلى العكس من ذلك "تتحمّل أفريقيا تبعات التغيرات المناخية، لكنّها تبقى المحور والجزء الأساسي في الحل المناخي، فهي تسعى إلى التنمية وإمكانياتها عالية في مجالات الطاقات المتجدّدة"78؛ وتؤمن الدول الأفريقية بأهمية التمويل الدولي، لكن ليس على شاكلة الديون التي اكتوت بها في مخططات التقويم الهيكلي Structural adjustment Program (SAP)؛ فمن شأن هذا الوضع أن يُعيد أفريقيا إلى المربع الأول من الديون فهي تخشى أن "تعوّض الديون الممنوحة للتنمية من قبل الديون على المناخ"79. وترى الدول الأفريقية أنّها قامت بجهود تنموية؛ فقد أسست البنى المؤسساتية ووضعت برامج التكيف ومشاريعه، إلا أنّها لم تحصل على تمويل يمكّنها من التكيف مع التغيرات المناخية؛ ف "الدول النامية تقوم بجهود بشأن المناخ، وعلى الدول المتقدمة أن تقوم بجهود بشأن التمويل"80.
محور الدول الأقل نموًّا The Least Developed Countries (LDC)
تكوّن هذا المحور سنة 2001، ويضم 48 دولة 34(دولة في القارة الأفريقية، و 13 دولة في القارة الآسيوية، ودولة واحدة من الكاراييب.) وهي دول متضرّرة من الانحباس الحراري، والأقلّ نموًا من الناحية الاقتصادية. وسعيًا منها في المساعدة على التكيف مع التغير المناخي، التزمت عشر دول في 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2015 ضخ 248" مليون دولار أميركي – انطلاقًا من سنة 2016 - من جانب الولايات المتحدة الأميركية وكندا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وأيرلندا وإيطاليا والسويد وسويسرا والمملكة المتحدة"81، لفائدة الدول الأقل نموًا. لكن هذه الالتزامات ستكون محكًا حقيقيًا في السنوات المقبلة.
تحالف دول الغابات الاستوائية (Coalition for Rainforest nations)
يضم 40 دولة تنتمي إلى أفريقيا الوسطى ودول جنوب شرق آسيا والأمازون. ويهدف هذا التحالف إلى إبراز جهود هذه الدول في مجال إنقاص غازات الدفيئة التي تنتج من إزالة الغابات.
المحور البوليفي من أجل شعوب القارة الأميركية (ALBA)
يضمّ هذا المحور فنزويلا وكوبا وبوليفيا والإكوادور، وتتخذ نيكاراغوا مواقف أكثر محافظة. أمّا "الجمعية المستقلة لدول القارة الأميركية والكاريبي" فتضم الشيلي والبيرو وغواتيمالا. وقد انفصلت هذه الجمعية عن المحور البوليفي من أجل شعوب القارة الأميركية في قمة الدوحة 2012 للتعبير عن مواقف أكثر انفتاحًا وإعطاء نَفَس جديد للمفاوضات المناخية.
محور الدول الأعضاء في منظمة الأوبك OPEC
وهي مجموعة لا تفاوض بصورة رسمية. يتابع أعضاؤها سير المفاوضات خشية تأثير القرارات المتخذة في مستوى الطلب على البترول82. ومن أولويات هذه الدول، في منظورنا، عدم جواز وضع قيود على استخراج النفط والغاز أو الرقابة عليه؛ بل ترى وجوب حماية النفط والغاز على المدى الطويل وحقّ بلدان الأوبك في تحقيق التنمية المستدامة، وفقًا للأولويات الوطنية لكلّ دولة. وترى أيضًا أن من حقها أن تحقّق مستويات أعلى من التنمية الاقتصادية. لذلك لا تأبه بالحديث عن تأثير الطاقات الأحفورية في طبقة الأوزون.
من أجل اتفاقية دولية منقذة لكوكب الأرض
على الرغم من كلّ الاتفاقيات الدولية والمؤتمرات العالمية والنضالات المدنية، تزايدت الكوارث الطبيعية والمآسي الاجتماعية والحروب على الموارد الطبيعية، فلا تزال غازات الدفيئة المسببة للاحترار العالمي ترتفع بسرعة ولا تزال تُهدّد بتعطيل خطير للنظام المناخي لكوكب الأرض، ولا يزال تهديدها متربصًا بالتنمية المستدامة في كلّ الدول. لذا، فتجنّب التغير المناخي الخطير للغاية، يتطلب جهودًا متواصلة وتغيرات عميقة في أنظمة الإنتاج والاستهلاك والطاقة، وأنماط استخدام الأراضي، ومقاربات التنمية الاجتماعية والاقتصادية. فالرهان هو التوصل إلى اتفاق عالمي يَحدّ من الاحتباس الحراري لإنقاذ الأرض ومن عليها. وقد كان مؤتمر باريس "آخر" فرصة ليجنّب العالم مآسي جديدة، الأمر الذي دفع بلجنة دولية علمية أممية (المجلس القيادي لشبكة حلول التنمية المستدامة Leadership Council of the Sustainable Development Solutions (SDSN)، تجمع عددًا كبيرًا من الخبراء وصناع القرار، إلى إطلاق نداء عبر تقرير حديث صدر في آذار / مارس 2015 83 يُقدّم ثمانية مفاتيح أو معايير عملية على المفاوضين في مؤتمر باريس مراعاتها، لتجنّب الكارثة المناخية الوشيكة. ونظرًا لأهميتها وآنيّتها سنحاول أن نذكرها باختصار شديد، وهي: المعيار الأول. على الدول أن تلتزم بوضوح عملها على خفض درجة الاحترار العالمي إلى ما دون درجتين مئويتين: ترى اللجنة الأممية أنّه على الرغم من كلّ الاتفاقيات الدولية والمؤتمرات العالمية المتعلقة بمحاولة كبح الاستهلاك العالمي والإنتاج الصناعي الملوّث للبيئة
والمنتج لغازات الدفيئة، فالوتيرة الحالية ستؤدي إلى زيادة في الاحترار تفوق 4 درجات وقد تصل إلى 6 درجات في حدود سنة.2100 لذلك، حذّر العلماء منذ وقت بعيد من خطورة الاحتباس الحراري بنسبة درجتين، وقد سمح العالم بهذه الزيادة (بدرجتين) للاحترار العالمي كحدّ أقصى في المرحلة الراهنة وليس آخر المبتغى، على أن تُخفّض درجة الحرارة في مرحلة لاحقة إلى 1.5 درجة، ثُمّ بعد ذلك إلى 0 درجة. المعيار الثاني. التزام جميع الحكومات تحقيق صافي الصفر من غازات الدفيئة: بالنظر إلى أفضل الأدلة المتاحة حاليًا، تُقدّر المنظمة ما بين الحكومية المعنية بتغير المناخ IPCC() للحفاظ على تراكمية مقبولة "نوعًا ما" من غازات الدفيئة، أنّ على البشرية ألّ تتجاوز حاجز ال 1000 مليار طن من غاز ثاني أوكسيد الكربون)CO2(إلى حدود 2100. لكن بالمقابل، فإنّ الانبعاثات السنوية الحالية تصل إلى 54 مليار طن. لذلك، يجب أن تنخفض الانبعاثات انخفاضًا كبيرًا بحلول منتصف القرن إلى ما يقارب ثلث المستويات الحالية وتصبح قريبة من الصفر بحلول عام 2070 للبقاء ضمن معدّل الدرجتين المئويتين. المعيار الثالث. نحو تحقيق نسبة 0 من صافي انبعاثات غازات الدفيئة في كل دولة: ينبغي لكلّ حكومة وطنية أن تُوافق على إعداد قوائم توضيحية تبُرز طموحها الوطني العميق في إزالة الكربون NDDP()، وتُبيّ كيف تعتزم التحوّل إلى الطاقة المنخفضة الكربون بحلول سنة 2050 وتحقيق نسبة قريبة من الصفر لصافي انبعاثات غازات الدفيئة في موعدٍ أقصاه 2070. مع إعمال مبدأ "المسؤولية المشتركة، لكن المتباينة"، وتأمين التمويل الضروري لتمكين الدول النامية من تحقيق انتقالها الطاقي النظيف. المعيار الرابع. ينبغي لجميع الدول أن تتّخذ إجراءات قوية في أفق:2030-2025 على كلّ الدول العمل على التزام برامج واقعية وقابلة للتحقيق بخصوص تخفيض استعمال الطاقات المولدة لغازات الدفيئة، ومثال ذلك التزام الاتحاد الأوروبي EU() حدّ انبعاث غازات الدفيئة بنسبة 40 % على أقل تقدير (مقارنة بسنة 1990) بحلول سنة.2030 المعيار الخامس. الوضوح في المشاريع والبرامج البيئية: على الحكومات توضيح برامجها المستقبلية المتعلقة بتحول الطاقة والانتقال إلى الطاقات المتجددة والاقتصاد الأخضر، بدقة وشفافية قدر المستطاع من أجل التتبع وتصحيح البرامج غير المجدية أو قليلة الكفاءة من الناحية البيئية. المعيار السادس. ضمانات التمويل وقضية ال 100 مليار دولار: على الدول المتقدمة أن توضح بدقة كيف تخطط للوفاء بتعهداتها والتزاماتها الخاصة بتعبئة 100 مليار دولار، على الأقل، سنويًا لتمويل تكاليف انتقالات الطاقة المنخفضة الكربون وتنفيذ المشاريع الخضراء في الدول النامية. المعيار السابع. ضرورة إشراك المجتمع المدني الدولي والطاقات غير الحكومية: على الدول الأطراف أن تعترف بالأدوار المهمة التي تقوم بها الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل هيئات المدن والشركات والمستثمرين الماليين، ومنظمات المجتمع المدني، في موضوع خفض انبعاثات غازات الدفيئة، وإشراكها في جدول أعمال ليما - باريس. المعيار الثامن. الشراكات بين القطاع العام والخاص: على جدول أعمال نسخة ليما - باريس إطلاق العديد من الشراكات بين القطاعين العام والخاص PPP() لتشجيع البحوث والتقنيات العالية الجودة التي تقدّم أعلى مردود بأقل التكاليف البيئية84.
آفاق حماية المناخ العالمي
لربح رهانات التغيرات المناخية العالمي، على المجتمع الدولي أن يتبنى مجموعة من الأولويات:
تمويل المناخ
لا شك في أنّ تمويل المناخ كان من بين المواضيع التي وقع بشأنها خلافٌ كبير بين المتفاوضين منذ الجولة الأولى من المفاوضات المناخية العالمية سنة 1995؛ فالمال هو عصب الحرب كما يقال في العلوم المالية. لذلك يرى بعض المتابعين أهمية "أن تُحدث البنوك المركزية للدول مصرفًا دوليًا بشأن تمويل المناخ؛ ويرى هؤلاء إمكانية جمع 3000 مليار دولار سنويًا بهدف عدم تجاوز ارتفاع درجتين مئويتين في حدود سنة 2100. فقد استطاعت البنوك المركزية أن تجمع 1000 مليار سنويًا في محاولة منها لحل الأزمة المالية العالمية منذ بداياتها؛ علاوةً على إمكانية إحداث رسم Tax() على الكربون. وبحسب دراسة لصندوق النقد الدولي، فإنّه يتمّ تخصيص 5300 مليار دولار مساعدات مباشرة أو غير مباشرة لاستغلال الطاقات الأحفورية، لذلك يمكن إعادة توجيه 500 مليار من الاستثمارات المباشرة سنويًا85. والنص في اتفاق باريس على أنّ المسؤولية مشتركة لكنّها متباينة من شأنه أن يحفّز الدول المتطورة اقتصاديًا (دول الشمال، والجنوب
معًا) لمساعدة الدول الأقل نموًا على التكيف مع التغيرات المناخية. وبخصوص مطالبة الدول النامية دول الشمال بدفع ما تُسمّيه "الديْن الإيكولوجي" الذي تراكم عليها منذ الثورة الصناعية وإصرارها على أن 100 مليار دولار سنويًا (حتى ولو توافرت) غير كافية لتمويل برامج التكيف المناخي؛ جاء اتفاق باريس "بحلٍّ مُوَازٍ"، إذ رأى ضرورة تأمين مبلغ قدره 100 مليار دولار إلى حدود سنة 2020، ويجب الاتفاق قبل 2025 على تحديد هدفٍ واضح ومرقّم للمساعدة المالية. ومن منظورنا نرى أنّ هذه الصيغة عامة وغير محددة تحتاج إلى توضيح في مؤتمر مراكش 2016، ولا سيما أنّ نص اتفاق باريس لا يعترف بالتعويض عن الأضرار والخسائر التي تعرّضت لها الدول النامية جرّاء التغير المناخي الذي أحدثته دول الشمال.
هجر الطاقات الأحفورية
من الصعوبة بمكان تحقيق هذا المبتغى، لكن من المعلوم أن الطاقات الأحفورية تسهم بحدّة في التغيرات المناخية؛ وبسبب اعتماد مجموعة من الدول على الطاقات الأحفورية كالصين وبولونيا وغيرهما، تتحدّد مواقف هذه الدول. لذلك من الحلول المقترحة أهمية هجر الطاقات الأحفورية وضمان الانتقال الإيكولوجي نحو الطاقات المتجدّدة. ويشير بعض الدراسات إلى أنّه في حالة وجود إرادة لتفادي الوصول إلى ارتفاع درجتين مئويتين، يجب ترك 80" %:(أي 50 % من الغاز، و 30 % من البترول) من احتياطات الطاقة الأحفورية دون استغلال"86. وعلى الرغم من أهمية هذا المقترح، فإنّ الشركات المتعددة الجنسيات TNC’s() العاملة في حقول البترول والغاز مثلً لن تسمح للدول والمجتمع المدني بإيقاف تمدّدها المالي والتجاري، إضافةً إلى أنّ بعض الاقتصاديات مرتبط بالطاقات الأحفورية.
التفكير في إنجاح مؤتمر الأطراف في مراكش (22)COP وما بعده
تدلّ المعطيات على أنّ المؤتمر المناخي المقبل المزمع عقده في مراكش خلال كانون الأول / ديسمبر 2016 لن يكون سهلً؛ لذا من المفترض إتاحة فرص التفاوض من جديد بعد اتفاق باريس 2015 ل "ضمان نجاحه." والمثال على ذلك، أنّ مجموعة من الدول عبّ ت عن العمل على تخفيض انبعاثات غازات الدفيئة، لكن هل توجد آلية للرقابة على ذلك وتوقيع الجزاء في حالة المخالفة؟ من المؤكد أنّنا سنعيد طرح هذا التساؤل في القمم المناخية المقبلة. ولابد أن نعترف أنّ إنجاح مؤتمر مراكش (والمؤتمرات المقبلة) يتوقف على تغيير براديغم (إطار نظري) للتفاوض؛ وإذا استطاعت الأطراف المتفاوضة فهم تغيير النقلة البراديغمية (إن صح تعبير توماس كوهن)Thomas kuhn87 ستنجح. أمّا إذا عادت للحديث عمّ اتُفق عليه في باريس وتبادل الاتهامات بين المحاور، فستفشل طبعًا. فهل من دبلوماسية جماعية لحماية المشترك بين الدول والأمم؟ في الأخير، نرى أنّ الدبلوماسية المناخية المقبلة، لا سيما بعد الاتفاق في باريس 2015، يجب أن تهتم بتغيير براديغم النقاش؛ إذ يجب: أول، الاهتمام بإيجاد آلية دولية تُوقع الجزاء على المخالفين والنظر في تسوية المنازعات على الموارد الطبيعية. ثانيًا، الاهتمام بتأثيرات التغير المناخي في الأطفال والأجيال المقبلة. ثالثًا، إيجاد الحلول الاقتصادية الناجعة للتخفيف من أعداد اللاجئين بسبب المناخ (نقص المياه، ونقص الغذاء.)... رابعًا، "تأهيل" اقتصاديات الدول الأكثر فقرًا. إنّ الأرضية الأساسية لمؤتمر مراكش 2016، هي الانطلاق ممّ توصّل إليه الفرقاء في باريس 2015، ومحاولة تحديد النقاط التي كانت مبهمة وعامّة؛ وعلى المجتمع الدولي أن يتهيأ لقبول فكرة إنشاء محكمة دولية للبيئة، وإلّ ستضيع فُرَص الالتزامات المناخية المقبلة. وأكيد أنّ هذا العمل شاقّ، لكن حاجات الأجيال المقبلة في البقاء تتطلب التضحية.
خاتمة
حاولنا في هذه الدراسة النظر في الخلفية المؤطرة للتفاوض العالمي بشأن التغيرات المناخية؛ إذ تتبّعنا المحطات المناخية الأساسية لفهم تطوّر الوعي البيئي العالمي ومدى وجود فرص للنجاح ومعوقات التفاوض بشأن التوصل إلى اتفاق شامل وملزم للجميع. وركّزت دراستنا على مؤتمر باريس 2015 بوصفه محطة أساسية يمكن أن تؤدي إلى إنجاح الدبلوماسية البيئية مستقبلً، على الرغم من وجود مصالح متباينة بين الأطراف المتفاوضة. وحاولنا أيضًا تَلَمّس موضوع المفاوضات المناخية من منظور الإقرار بوجود هُوة شاسعة بين محورَي الشمال والجنوب، ودور المنظمات
غير الحكومية في ردم هذه الهُوة، والفرص التي يمكن للعالم العربي أن يفوز بها في المفاوضات المناخية المقبلة. ولفهم أبعاد تباين المصالح والمنافع بين الدول المتفاوضة، حدّدنا المحاور (التكتلات) البيئية الأساسية على الرغم من صعوبة تموقع كلّ دولة في محورٍ معيّ علاوةً على كثرة هذه المحاور، ما يصعّب مهامات الاتفاق المناخي الجماعي. وعلى الرغم من وجود التباين الواسع بين المحاور البيئية على المستوى الدولي، حاولنا الإشارة إلى الأسس الأولية لاتفاقية دولية تستطيع أن تُنقذ الكوكب من الدمار. وحتى نتمكّن من تعزيز سيناريوهات المستقبل المناخي، تطرّقنا لآفاق حماية المناخ العالمي وسُ بل إنجاح المحطات التفاوضية المناخية المقبلة مع تأكيد أهمية تغيير براديغم التفاوض. ويمكن الاعتماد في الجولات المناخية المقبلة على تقديم الالتزامات العملية وليس المبادرات واستحضار مبدأ الإنصاف ما بين الجيل نفسه وما بين الأجيال بوصفه بداية حقيقية لردّ الاعتبار للمقاربة الجيلية في التفاوض المناخي الكوني.
المراجع
العربية
بن سعيد، مراد. "من الحوكمة الدولية إلى الحوكمة العالمية: التحولات الأنطولوجية في تحليل الحوكمة البيئية العالمية"، المستقبل العربي، العدد 421 (آذار / مارس.)2014 جردي مي وفياض ريم والزين، عباس. "التدهور البيئي. التحدي الصحة العامة في الوطن العربي لاستدامة الحياة"، في:، البرنامج العالمي لمنظمة الصحة العالمية - المكتب الإقليمي لشرق المتوسط، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع الجامعة الأميركية في بيروت،.2013 حاجة، وافي. "المنظمات غير الحكومية ودورها في حماية البيئة"، مجلة جيل للدراسات السياسية والعلاقات الدولية، العدد الأول، (كانون الثاني / يناير.)2015 حبيب معلوف. قضية تغيّ المناخ العالمي بين إخفاقات كيوتو وتوقعات باريس، بيروت: دار الفارابي،.2016 الخياط، محمد مصطفى. "تغير المناخ: مواقف دولية متباينة"، السياسة الدولية، العدد 179 (كانون الثاني / يناير.)2010 الشعلان، سلافة طارق عبد الكريم. الحماية القانونية الدولية من ظاهرة التغير المناخي في بروتوكول كيوتو، بيروت: دار الحلبي للمنشورات الحقوقية،.2009 شكراني، الحسين. "تقرير عن قمة كوبنهاغن حول المناخ: تكريس المستقبل العربي للفشل أم بداية اتفاق شامل؟"،، العدد 383، (كانون الثاني / يناير.)2011 ________.__ "تقرير عن مؤتمر ديربان حول تغيرات المناخ"، المستقبل العربي، العدد 397، (آذار / مارس.)2012
الأجنبية
• Arbour Jean-Maurice & Lavallée, Sophie. Droit international de l’environnement , Canada: Ed Yvon Blais, 2006. • Brown Weiss, Edith. Justice pour les générations futures , Jacques- Yves Cousteau, Federico Mayor et ses collaborateurs (Trans.), Paris: Editions UNU Press- Sang de la terre- UNESCO, 1993. • Commission européenne. Action pour le climat , Bruxelles: 2014. • Kuhn, Thomas S. The Structure of Scientific Revolutions , Chicago: The University of Chicago Press, 2012. • OECD & Climate Policy Initiative. Climate Finance in 2013 - 14 and the USD 100 Billion Goal. • Olivier, Jos G.J. Greet Janssens-Maenhout, Marilena Muntean, Peters, Jeroen A.H.W. Trends in Global CO2 Emissions: 2014 Reports , The Hague: PBL Netherlands Environmental Assessment Agency, 2014. • Pearson, Charles S. Economics and the Challenge of Global Warming , Cambridge: Cambridge University Press, 2011. • Piguet Etienne & Laczko, Frank. (eds.), People on the Move in a Changing Climate: The Regional Impact of Environmental Change on Migration , International Organization for Migration, Ed Springer, 2014. • Sen, Amartya. The Idea of Justice , London: Hardcover university , 2009.