انقلاب 15 تموز/ يوليو ومستقبل تركيا
الملخّص
كلمات مفتاحية: أردوغان، التنظيم الموازي، غولن، الجيش التركي The failure of the 15 th of July 2016 military coup attempt in Turkey will remain an exceptional landmark in Turkey’s modern history, as well as in the political legacy of the Turkish Justice and Development Party. Declaring the state of emergency, arresting thousands of individuals, temporarily dismissing tens of thousands of governmental employees for investigation, shutting down a number of universities and Islamic endowments under the pretext of fighting the “ parallel state ” , besides calling for the reconstruction of the military establishment, necessitates analyzing the possible repercussions of this coup attempt on Turkish political life. The paper will address this coup’s consequences by discussing the following: battling the “ parallel state ” , reconstructing the military establishment, writing a new constitution, and predicting possible turns in Turkish foreign policy. Keywords: Erdogan; the Parallel State; Gulen; the Turkish military
The 15 July Coup and the Future of Turkey
على الرغم من فشل المحاولة الانقلابية التي جرت في تركيا ليلة الخامس عشر من تموز/يوليو 2016، إلا أنها ستبقى محطة استثنائية في التاريخ التركي الحديث ومسيرة حكم حزب العدالة والتنمية. فإع ناا حالة الطوارئ في الب داا واعتقال الآلاف وإيقاف عشرات الآلاف من موظفي القطاع الحكومي عن عملهم موقتا على ذمة التحقيق، وإغلاق عدد كبير من الجامعات والأوقاف وًالمؤسسات المختلفة وحظرها بدعوى مكافحة "الكيان الموازي"، إضافة إلى تصريحات بعض المسؤولين الأتراك الي نادت بضرورة إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، تزيد من أهمية تحليل نتائج هذا الانقلاب الفاشل وانعكاساته على الحياة السياسية التركية. ستحاول هذه الورقة تحليل هذا الانق باا بالنظر إلى المحاور الرئيسة الآتية: مكافحة الكيان الموازي، إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، صياغة دستور جديد للبلاد، السياسة الخارجية التركية.
مقدمة
قبيل الساعة العاشرة من مساء الخامس عشر من تموز/ يوليو 2016، أغلقت قوات عسكرية المرور على جسرَيِ البوسفور والسلطان محمد الفاتح اللذين يربطان الطرفين الأوروبي والآسيوي في مدينة إسطنبول، ثم تطورت الأحداث سريعًا، كاشفةًالغطاء عن محاولة انقلاب عسكري. في الساعات القليلة التي تلت، قُصِ ف مقرُّ هيئة أركان الجيش التركي، ومجلس الشعب التركي الكبير (البرلمان)، ومقرُّ جهاز المخابرات العامة، ومقرُّ القوات الخاصة في الشرطة، إضافة إلى محاصرة مطار أتاتورك، ومديرية الأمن، ومركز البلدية الكبرى في مدينة إسطنبول، وتم التحفظ على رئيس أركان الجيش وعدد من قيادات القوات. وبعد منتصف الليل بقليل، أذاعت قناة التلفزة الرسمية TRT بيانًا باسم "مجلس السلام في الوطن" الذي اتُّهم فيه الرئيس وأعضاء الحكومة بالخيانة، وأعلن سيطرته على مقاليد الحكم في البلاد. تحول مسار الأحداث لاحقًا مع ظهور الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان على قناة CNN TÜRK الخاصة بعد وقت قصير جدًّا من إذاعة بيان الانقلاب، داعيًا الشعب الترك إلى النزول إلى الميادين حمايةً للديمقراطية، ثم وصوله إلى مطار أتاتورك الدولي في إسطنبول بعد ذلك بثلاث ساعات، وهي فترة تخللتها عدة تطورات؛ إذ تراجعت المجموعات الانقلابية في عدة محاور، منها قناة التلفزة الرسمية التي عادت إلى عملها الطبيعي، وتحرير رئيس أركان الجيش من اعتقاله، وإلقاء القبض على معظم الجنود المشاركين في المحاولة الانقلابية، ومع صباح اليوم التالي كانت المحاولة قد باءت عمليًّا بالفشل، وأخذت الحكومة زمام المبادرة. لا يمكن الحديث عن سبب واحد لفشل الانقلاب؛ إذ تضافرت عدة عوامل متوازية ومتزامنة لإفشاله، أهمها: أن المحاولة الانقلابية كانت محدودة ومرتبكة، واتضح من تسريبات التحقيق أن الخطة الأولية كانت مُعدة للتنفيذ الساعةَ الثالثة فجرًا، بيد أن وصول بعض المعلومات إلى جهاز الاستخبارات، ثم إلى قيادة الجيش، دفع المنفّذين إلى تقديم الموعد خمس ساعات، وهو ما أفقدهم عنصر المفاجأة، فقُدِّم مشهد انقلاب جزئي، لم يتجاوز مدينتَيْ إسطنبول وأنقرة، ولم تنفّذه إلا بعض القطاعات العسكرية، بينما أغفل المنفذون أهمية الإعلام، وتغييب القيادة السياسية، وغيرها من العوامل، فضلً عن أن التبكير وضعهم في مواجهةٍ مع الجماهير المعترضة في الشارع. عدم تبنّي الجيش، كمؤسسة، للانقلاب، ثم مواجهة الانقلابيين العسكرية من قِبَل أجهزة الأمن والاستخبارات والقوات الخاصة في الشرطة، وبعض فرق المؤسسة العسكرية وقياداتها. دور الرئيس التركي، من حيث تحديه الانقلاب، ودعوته الجماهير إلى النزول إلى الشارع. العامل الشعبي المتمايز من الموقف السلبي التقليدي في الانقلابات السابقة، بحيث احتشد عشرات الآلاف في مختلف الميادين ومناطق المواجهة، منذ ساعات الانقلاب الأولى، وأعاقوا تقدم القوات العسكرية، وساهموا في اعتقال بعض الجنود. وسائل الإع ماا التي تحولت إلى منبر للقيادات السياسية التركية لتوجيه الجماهير، وبعض القيادات العسكرية لإعلان رفضها الانقلاب. اتحادُ خصوم أردوغان - وكذلك خصوم حزبِه "العدالة والتنمية" – ووقوفهم ضد الانقلاب، سواء أكانوا من داخل الحزب مثل الرئيس السابق عبدالله غل، ورئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، ونائب رئيس الوزراء السابق بولند أرينتش، أم من خارجه مثل أحزاب المعارضة الرئيسة في البلاد، وهي أحزاب الشعب الجمهوري والحركة القومية والشعوب الديمقراطية.
الإجراءات الحكومية
تختلف المحاولة الانقلابية الأخيرة عن الانقلابات السابقة في تركيا من عدة وجوه، أهمها استهداف مؤسسات الدولة، وإطلاق النار على المواطنين، ومحاولة اغتيال رئيس الجمهورية ورئيس جهاز الاستخبارات، في حال تعذر اعتقالهما، وهي فوارق ساهمت في ردة فعل شعبية وحزبية، أقوى من الاقتصار على موقف مبدئي من الانقلاب على حكومة منتخبة. رأت الحكومة التركية أن الفرصة باتت سانحة لاستثمار الحدث في إجراءات استثنائية قد تساعد في طيّ صفحة الانقلابات في تركيا إلى الأبد، وهي إجراءات لم تكن في الإمكان في ما مضى؛ بسبب السقوف الدستورية والقانونية، واعتراض أحزاب المعارضة، وغيرها من العوامل. وبناءً عليه؛ أعلن أردوغان حالة الطوارئ في البلاد، بعد توصية هيئة الأمن القومي بذلك، وقبول الحكومة بهذه التوصية ثم إقرارها من قِبَل البرلمان التركي، وفق المواد 119، 120 و 121 من الدستور1. وتعطي حالة الطوارئ السلطة التنفيذية صلاحيات أوسع من المعتاد؛ بحيث يكون من حقها إصدار مراسيم تقوم مقام القوانين، ومعفاة من الرقابة القضائية، وتحديد بعض حقوق المواطنين وحرياتهم،
كإعلان حظر تجوّل في مكان ووقت محددين، وتمديد فترة التوقيف القانونية على ذمة التحقيق من دون توجيه اتّهام إلى الموقوفين. ساعد إعلان حالة الطوارئ المجلسَ الوزاري في العمل على خطين متوازيين بإجراءات استثنائية: الأول، تسريع عملية التحقيق من خلال توسيع دائرة الموقوفين بتهمة المشاركة في الانقلاب؛ بحيث شملت العملية توقيف أكثر من 18 ألف شخص، أكثر من نصفهم من منتسبي المؤسسة العسكرية من مختلف الرتب، بينما حُبس نحو عشرة آلاف شخص مُعظمُهم من عناصر الجيش2، في مقدمتهم 151 لواءً وأميرالً (لواءً بحريًّا)، و 1656 ضابطًا، ونحو 700 من المدعين العاميّن3. الثاني، تعميق مكافحة "الكيان الموازي" في عموم مؤسسات الدولة ومختلف الوزارات؛ بحيث بلغ عدد المبعدين عن وظائفهم، موقّتًا، على ذمّة التحقيق أكثر من 45 ألف موظف حكومي في رئاسة الوزراء، ووزارات الأسرة والشؤون الاجتماعية، والاقتصاد، والعلوم، والصناعة، والتكنولوجيا، وهيئة الإحصاء، وغيرها من المؤسسات4.
وضمن حالة الطوارئ في البلاد، صدر المرسوم الأول الذي حدد مدة التوقيف ب 30 يومًا كحد أقصى، وحل آلاف الهيئات والمؤسسات التابعة للكيان الموازي، ومنها 15 جامعة خاصة، و 35 مركزًا صحيًّا، و 1299 جمعية، و 1034 مؤسسة تعليمية، إضافةً إلى غلقه الباب أمام إعادة الموظفين الحكوميين المفصولين إلى أعمالهم بتهمة الانتماء إلى الكيان الموازي5. كما شمل المرسوم الثاني إلحاق الدرك وخفر السواحل بوزارة الداخلية، وعزل ما مجموعه 1700 قيادي من المؤسسة العسكرية من مختلف الرتب والقطاعات، إضافة إلى حظر ثلاث وكالات أنباء و 16 قناة تلفزيونية، و 23 قناة إذاعية، و 45 صحيفة، و 15 مجلة مرتبطة بالكيان الموازي وفق المرسوم6. ترجح هذه المحاولة الانقلابية بهذا الحجم، وردّات الفعل الشعبية والحزبية والسياسية، ثم الإجراءات الحكومية المتبعة حتى الآن، أن يكون لهذا الانقلاب انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على عدة ملفات، أهمها:
مكافحة الكيان الموازي
جماعة فتح الله كولن - الكيان الموازي PDY - FETÖ، هو التوصيف القانوني المستخدم إعلاميًّا وسياسيًّا في تركيا، في الإشارة إلى القيادة المتنفذة في جماعة "الخدمة" التي أسسها الداعية فتح الله كولن في سبعينيَّات القرن الماضي كجماعة تربوية ودعوية وخدمية، تهتم بتعليم الطلاب وتقديم الخدمات السكنية والتعليمية واللوجستية لهم. لكن الجماعة توسعت في عشرات السنين اللاحقة، لتصبح أشبه بشركة اقتصادية عملاقة عابرة للقارات، تعادل ميزانيتها 150 مليار دولار أميركي، وفق عريضة الادعاء بحقها بعد الانقلاب7؛ إذ تضم أكثر من تسعة آلاف شركة اقتصادية، منها خمس شركات قابضة وعدة مصارف، وعشرات المؤسسات الإعلامية، و 17 جامعة، و 96 وقفًا، و 900 جمعية، إضافة إلى مئات المدارس داخل تركيا وخارجها، فضلً عن تغلغلها في مختلف مؤسسات الدولة8. تحالف حزب العدالة والتنمية، في سنوات حكمه الأولى، مع الجماعة؛ طمعًا في دعمها الإعلامي وقوتها التصويتية، إضافةً إلى الكوادر التي
افتقدها في بداياته، مقابل التسهيلات التي حظيت بها الجماعة لتثبيت أنصارها في مفاصل الدولة المهمة. بيد أن الطرفين تواجَهَا لاحقًا في عدة محطات، أهمها: محاولة اعتقال رئيس جهاز الاستخبارات حاقان فيدان في شباط/ فبراير 2012 إثر تسريب خبر لقاءاته مع قيادات في حزب العمال الكردستاني في أوسلو، وقد رأت الحكومة في ذلك محاولة لإزاحة الرجل - بتهمة التخابر مع تنظيم إرهابي - لإحكام سيطرة الجماعة على الجهاز. أحداث حديقة "جزي" في ميدان تقسيم بإسطنبول في أيار/ مايو 2013، والتي لم تُخرج خلالها الجماعةُ أنصارَها إلى الشارع، لكن وسائل إعلامها وقفت ضد الحكومة وشهّرت بأردوغان تحديدًا9. قضايا الفساد التي طالت عددًا من المسؤولين الحكوميين في كانون الأول/ ديسمبر 2013، والتي أسمتها الحكومة التركية "الانقلاب القضائي"، واتهمت الجماعة بالوقوف وراءها لإسقاط الحكومة10. المحاولة الانقلابية الأخيرة.
منذ 2013، عملت الحكومة على "تطهير" المؤسسات الأمنية من أعضاء الكيان الموازي، وقد نجحت في ذلك، إلى حدٍّ بعيد، في الأمن والشرطة والاستخبارات، وبدرجة أقلّ في القضاء. ثم وضعت يدها على المؤسسات الإعلامية والمالية والأكاديمية للجماعة، بعد تصنيف الحكومة إياها منظمةً إرهابيةً في أيار/ مايو 2016 إثر توصية من هيئة الأمن القومي11. وجدت الحكومة التركية لحظة الانقلاب الفاشل فرصةً ذهبيةً لتوجيه ضربة للتنظيم، فحرصت على إفراده دون غيره بالاتهام، على الرغم من أن حجم التوقيفات وحجم عملية التحقيق يُظهران أن الانقلاب أكبر من قدرات الكيان الموازي وإمكاناته، للأسباب التالية: استثمار الفرصة لإقصائه من مختلف مؤسسات الدولة، وحظر هيئاته ومؤسساته التي تُعدُّ بالآلاف. تحييد ما/ ومن يمكن تحييدُه من المؤسسة العسكرية في ساعات الانقلاب الأولى، من خلال التشديد على مسؤوليةِ "أقليةٍ" داخل المؤسسة العسكرية التي "ستبقى نظيفة"12. إعطاء أمل للمواطنين في إمكان كسر الانقلاب، بواسطة عكس صورة عن محاولة انقلابية هامشية لا تشارك فيها قيادات المؤسسة العسكرية. المحافظة على هيبة الجيش التركي وقوته وتماسكه. وقد استثمرت السلطات التركية الغطاء الدستوري المتمثل بحالة الطوارئ، والغطاء الشعبي من خلال الحشود في الميادين، والغطاء السياسي الذي تقدمه أحزاب المعارضة لتوجه ضربات قاصمة لأنصار التنظيم وأعضائه في مختلف الوزارات، في محاولة لإرباكه وإشغاله عن القيام بأي خطوات ارتدادية، أو تفعيل خطط بديلة في مواجهة الحكومة، عبر حظر مئات المؤسسات التعليمية والاقتصادية والإعلامية، وإبعاد عشرات الآلاف من الموظفين المحسوبين عليه من وظائفهم في القطاع العام موقّتًا. بيد أن القضاء التام على الكيان الموازي لا يبدو سهلً ولا ممكنًا لعدة أسباب، أهمها: الكفاءة التنظيمية العالية التي يتميز بها أتباعه، من حيث السرية التامة، والطاعة العمياء، والتقية السياسية13. الحاضنة الشعبية التي يحظى بها التنظيم، على الرغم من سنوات المواجهة مع الحكومة، والتي تعتمد، غالبًا، على شباب متحمس، رُب سنواتٍ طويلةً على مناهج محددة، محورُها كتب كولن نفسه.
عدم امتلاك الحكومة إحصاءاتٍ دقيقةً وموثوقةً عن عدد أتباع التنظيم في مختلف مؤسسات الدولة ومناصبهم فيها. شبكة التنظيم الخارجية، ووجود زعيمه في الولايات المتحدة الأميركية التي تماطل المطالب التركيّة في تسليمِه. وجود الكيان الموازي القويّ في مؤسسات الدولة عمومًا، والمؤسسة العسكرية خصوصًا، في منظومة متكاملة من التغلغل والسيطرة، اتبعها في عشرات السنوات، وتتضمن تسريب أسئلة امتحانات دخول الجامعة، والتوظيف الحكومي، والثانويات العسكرية لأنصاره، والنفاذ إلى مناصب مهمة في جهاز الاستخبارات العسكرية، والتغلغل في "القيادة المركزية لتأمين الموظفين" والسيطرة عليها في المؤسسة العسكرية، وإخفاء الانتماء والأفكار، فضلً عن دعم أعضاء هذا التنظيم بعضهم بعضًا في التوظيف والترقّي في مختلف مؤسسات الدولة. الضغط الخارجي على الحكومة التركية، وبخاصّة من الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالتوقيفات والتحقيق والإبعاد من العمل. حضور الكيان الموازي القوي في الجهاز القضائي الذي قد يصعّب عملية التحقيق، وكشف جميع ملابسات العملية الانقلابية والمتورطين فيها، أو على الأقل، يطيل أمدها، أو يحدث فيها اختراقات مهمة، كما حدث حين أطلق سراح أحد مسؤولي التنظيم "(إمام" أو مسؤول القوات الجوية في التنظيم) الذي اعتُقل في قاعدة "أكينجيلار" العسكرية التي طلق سراحه بعد أدارت العمليات ليلة الانقلاب، ثم أ 21 دقيقة فقط، هي مدّة التحقيق معه، قبل أن يختفي. تعرف الحكومة التركية أنه من غير المتاح القضاء على كيان بهذا التنظيم يملك حاضنة شعبية، ولذلك ستسعى لتحجيمه في مختلف مؤسسات الدولة، ولا سيمّا العسكرية، إضافةً إلى تجفيف منابعه فيها، عبر إغلاق الثانويات العسكرية موقّتًا، فضلً عن وضع يدها على المئات من مؤسساته، والتخطيط لإدارتها من قبل الدولة لاحقًا، والحرص على أن تقوم واشنطن بتسليم زعيمه كولن؛ لما سيكون له من أثر سلبي في الأتباع. لكنها ستحتاج إلى رؤية استراتيجية خاصة بأنصار الجماعة غير المشتركين في الانقلاب أو أي جُنَح أخرى، بحيث يمكن احتواؤهم ودمجهم في المجتمع وإبعادهم عن قيادة التنظيم.
إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية
حظيت المؤسسة العسكرية التركية في عشرات السنين بوضع نافذ في سياسة البلاد الداخلية والخارجية؛ لأسباب عدة تتعلق بثقافة الشعب التركي وحبه للجندية، وتأسيس الجمهورية التركية بعد "حرب الاستقلال"، والهالة التي أحاطت بها المؤسسة العسكرية نفسها منذ مصطفى كمال أتاتورك، إضافة إلى قوة المؤسسة العسكرية، وما أعطتها إياه الدساتير المتعاقبة من صلاحيات واسعة تجعلها وصية على الحياة السياسية وعلى مبادئ الجمهورية14. وقد قام الجيش التركي في تاريخه بأربعة انقلابات عسكرية، اثنان منها مباشران، نزل فيهما الجيش إلى الشارع في عامي 1960 و 1980، واثنان منها كانا بالضغط على الحكومة لتستقيل عامَي 1971 و 1997، إضافة إلى بعض التدخلات الأخرى في الحياة السياسية15، وصولً إلى المحاولة الانقلابية الأخيرة. كما كانت المؤسسة العسكرية تؤدّي دور الوصيّ على الحكومات المتعاقبة، من خلال هيئة الأمن القومي التي كانت بمنزلة حكومة ظل16. مرّت العلاقة بين المؤسسة العسكرية وحزب العدالة والتنمية بعدة أزمات وإصلاحات، أهمها: استبعاد ممثل هيئة الأمن القومي عن رئاسة هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية TRT، في أيار/ مايو 2003، بتعديل قانوني ضمن الحزمة السادسة من قوانين المواءمة مع معايير الاتحاد الأوروبي. تعديل بنية هيئة الأمن القومي، وتقليل وتيرة اجتماعاتها الدورية، وإعطاء قراراتها صفة استشارية غير ملزمة للحكومة، في تموز/ يوليو 2003، ضمن الحزمة السابعة من قوانين المواءمة مع معايير الاتحاد الأوروبي، ثم عُيِّ لها سكرتيرٌ مدنيٌّ في كانون الثاني/ يناير 2004 بناء على هذه الحزمة. قبل اقتراع البرلمان لاختيار رئيس الجمهورية، وإثر ترشح عبد الله غل عن حزب العدالة والتنمية، في السابع والعشرين من نيسان/ أبريل 2007، أصدرت القوات المسلحة بيانًا يؤكد علمانية الدولة، عُدّ في حينها "مذكرة" تهديد بانقلاب عسكري شبيهة بمذكِّرَتَ عامي 1971 و.1997 قضيتا أرغنكون عام 2007 والمطرقة عام 2010 اللتان حوكم فيهما عدد كبير من ضباط الجيش، وفي مقدمتهم رئيس أركان الجيش السابق إلكرباشبوغ (حكم بالسجن المؤبد)، بتهمة التخطيط
لانقلاب عسكري، قبل أن تعاد محاكماتهم، ويطلق سراحهم بعد سنوات، بدعوى أن التنظيم الموازي قد فبرك القضية ولفّق أدلتها. في تموز/ يوليو 2011، طلب كل من رئيس أركان الجيش وقادة القوات الجوية والبحرية والبرية في الجيش التركي إحالتهم إلى التقاعد (استقالة ضمنية)، احتجاجًا على محاكمات الضباط. في تموز/ يوليو 2013، عدّل البرلمان التركي المادة 35 من الدستور، والتي تتضمن مهمّ ت القوات المسلحة وصلاحياتها؛ بحيث اقتصرت على حماية البلاد من المهددات الخارجية17. حاولت الحكومات التركية المتعاقبة بقيادة أردوغان الموازنة بين كف يد المؤسسة العسكرية عن التدخل في الحياة السياسية، وبين معاداتها، ولذلك قد حرص أردوغان على ردّ الاعتبار إلى رئيس الأركان باشبوغ، وإلى قيادات المؤسسة العسكرية الذين ثبتت براءتهم من تهم التخطيط للانقلاب في قضيتَيْ أرغنكون والمطرقة، كما حرص، بعد الاستقالة الجماعية عام 2011، على علاقات جيدة مع رئيسَ أركان الجيش نجدت أوزالثم وخلوصي أكار، واستثنى البرلمان التركي مؤسساتِ الجيش والشرطة والقضاء من حزمة الإصلاحات الديمقراطية التي سمحت بالحجاب في المؤسسات الحكومية في أيلول/ سبتمبر 2013 18. لذا، مثلت المحاولة الانقلابية الفاشلة فرصةً للقيادة السياسية التركية لإخضاع المؤسسة العسكرية لأمر الرئاسة والحكومة على نحوٍ كامل19، وهو ما بدأ مع إعلان حالة الطوارئ في البلاد، والتي زادت من صلاحيات المؤسسة الأمنية على حساب الجيش، ثم تبعته الخطوات التالية: توقيف أكثر من عشرة آلاف جندي وضابط من المؤسسة العسكرية، إضافةً إلى 151 لواءً وأميرالً (لواءً بحريًا) أي ما يعادل 42 % من عدد الجنرالات والأميرالات في مجمل المؤسسة العسكرية، في مقدمتهم قادة الجيوش الثاني والثالث والرابع، والقائد السابق للقوات الجوية، وقائد القوات التركية في قاعدة إنجيرليك العسكرية، والمساعد العسكري (الياور) لرئيس الأركان. تقديم موعد اجتماع "مجلس الشورى العسكري الأعلى" أسبوعًا، وعقده في القصر الحكومي وليس في مقر رئاسة الأركان، وهو ما يحدث أوّل مرّة، إضافةً إلى سلبِه صلاحية الفصل من الجيش، كإشارات على السيطرة السياسية - المدنية على الجيش20. إلحاق قوَّتَ الدّرَك وخفر السواحل بوزارة الداخلية، وفق المرسوم الثاني الذي صدر بعد إعلان حالة الطوارئ. عزل ما يقرب من 1700 قيادي في المؤسسة العسكرية من مختلف الرتب والقطاعات، في مقدمتهم 149 جنرالً وأميرالً، ضمن المرسوم ذاتِه21. إعلان رئيس الوزراء التركي عن نية الحكومة نقلَ القواعد العسكرية إلى خارج المدن. إعلان الرئيس أردوغان عن رغبته في أن تتْبعَ رئاسةُ الأركان (ورئاسة جهاز المخابرات العامة) رئاسةَ الجمهورية، وأن تتْبع قياداتُ القوّات المسلحة المختلفة وزارةَ الدفاع22. إشارة أردوغان إلى إمكان تغيير شخص رئيس الأركان بعد مرور الفترة الانتقالية بعد الانقلاب23. بيد أن رغبات القيادة السياسية في إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية تواجهُها عقبات عدة، في مقدمتها: صعوبة تغيير قناعات المؤسسة العسكرية خلال فترة قصيرة نسبيًّا، وقد تربّ منتسبوها عشرات السنين على عقائد من قبيل أنهم هم من
أسّس الجمهورية، وأنهم المسؤولون أخلاقيًا عن حماية مبادئها، وأنهم أوصياء على السياسيين..إلخ. التغيير على مستوى الأشخاص لا يضمن، بالضرورة، تبعية المؤسسة للقيادة السياسية. قد يكون جزء غير قليل ممن رُقُّوا في المؤسسة العسكرية مؤخرًا من أنصار التنظيم الموازي، مع التنبّه إلى نسبتهم العالية من الترقيات، في السنوات الفائتة، إضافة إلى المستويات القيادية التي ربما كانوا قد حققوها.
| السنة | الرتبة | عدد المرفعين | عدد الموقوفين |
|---|---|---|---|
| 2011 | فريق | 5 | 1 |
| لواء | 11 | 2 | |
| عميد | 22 | 3 | |
| 2012 | فريق | 5 | 2 |
| لواء | 11 | 3 | |
| عميد | 32 | 6 | |
| 2013 | فريق | 5 | 1 |
| لواء | 6 | 2 | |
| عميد | 25 | 18 | |
| 2014 | فريق أول | 3 | 1 |
| فريق | 5 | 2 | |
| لواء | 11 | 5 | |
| عميد | 22 | 21 | |
| 2015 | فريق | 6 | 2 |
| لواء | 9 | 2 | |
| عميد | 26 | 18 |
لا يملك العدالة والتنمية كوادر موالية له بأعداد ومناصب يمكنها قيادة المؤسسة العسكرية، لذا؛ فإضعاف التنظيم الموازي قد يفيد التيار الكمالي - العلماني في الجيش (صاحب التاريخ الطويل من الانقلابات، والمعارض للحزب الحاكم) أكثر مما قد يفيد حزب العدالة والتنمية. بناء على هذا؛ فالحكومة، فعل، إنما تستبدل خصمً بآخر، وهذا لن يغلقَ البابَ في وجه انقلاب عسكري آخر، أو التدخل في السياسة نهائيًا. تململ قيادة المؤسسة العسكرية من الإجراءات الحكومية المتتالية في ما يتعلق بالجيش، ومحاولتها الانتقال من مربّع "المتّهَم" إلى مربع "المجني عليه"، وقد ظهر ذلك في البيان الأول للقوات المسلحة الذي حاول، ضمنًا، تبرئة بعض القيادات العسكرية الموقوفة على ذمة التحقيق (قائد القوات الجوية السابق)، والبيان الثاني الذي استبق اجتماع مجلس الشورى العسكري الأعلى ونتائج التحقيق بالإعلان عن عدد محدود ونسبة متدنية %1.5() من المشاركين من الجيش في الانقلاب، وهو ما يقل كثيرًا عن أرقام وزارة الداخلية24، إضافة إلى استقالة (طلب تقاعد) بعض القيادات العسكرية الرفيعة؛ احتجاجًا على الإجراءات الحكومية، مثل رئيس أركان القوات البرية كامل باش أوغلو، وقائد التدريب والتوجيه في المؤسسة العسكرية إحسان أويار25. إن إمعان الحكومة في السيطرة على المؤسسة العسكرية – وبخاصّة إذا كان بسرعة - قد يستفز ردة فعل تجاهها، وعلى مستوى قيادتها هذه المرة. لا تستطيع الحكومة أن تمعن في عملية تفريغ المؤسسة العسكرية من قياداتها، وعلى نحو سريع جدًا، في ظل التحديات الكبيرة في الداخل والخارج، وفي مقدمتها مواجهة حزب العمال الكردستاني، وتنظيم الدولة- داعش، والفصائل الكردية المسلحة في شمال سورية، وعمليات التفجير داخل المدن، فضلً عن المحيط الإقليمي المشتعل. لذلك، لا تبدو القيادة السياسية في عجلة من أمرها لإحداث كل ما تريده من تغييرات دفعةً واحدةً، وهكذا، بقي رئيس أركان الجيش وقادة القوات الجوية والبحرية والبرية في مناصبهم بعد اجتماع مجلس الشورى العسكري الأعلى الأخ26، كما تحرص القيادة السياسية على التفريق الواضح بين الانقلابيين والمؤسسة العسكرية؛ للحفاظ على الجيش وسمعته وتماسكه، وتحاول استدامة الغطاءين
الشعبي والسياسي لخطواتها بحثِّ المواطنين على البقاء في الميادين، وإبقاء قنوات التواصل والتفاهم مع أحزاب المعارضة27. من جهة أخرى، تبدو القيادة السياسية التركية غير راضية عن أداء جهاز المخابرات العامة برئاسة حاقان فيدان، المعروف بأنه رجل أردوغان القوي، وكاتم أسراره، إثر فشله في كشف المحاولة الانقلابية قبل وقوعها، وقد ظهر في تصريحات الرئيس وبعض القيادات الأخرى، ما يوحي بقرب استبداله. وهو أمر لم ينفه أردوغان تمامًا حين أعلن بقاء الرجل في منصبه "حاليًّا"28.
يمكن فهم هذا السياق رغبةً من أردوغان والحكومة بتمرير الفترة الانتقالية خلال تطبيق حالة الطوارئ بأقل قدر من التغييرات في المؤسسات الأمنية والعسكرية؛ تجنبًا لأي مفاجآت أو اهتزازات أمنية، وانتظارًا لتقارير التحقيقات الداخلية التي تجريها كل مؤسسة على حدة، بحثًا عن مكامن القصور و/ أو التواطؤ فيها. أما على المدى المتوسط - البعيد، فيمكن توقع تغيير رئيس الجهاز، وهو ما يمكن أن يكون له انعكاساته على ملفات عدة مرتبطة بشخصه وإنجازاته خلال سنوات، مثل مكافحة التنظيم الموازي، والعلاقة مع "إسرائيل" والملف السوري.
ملفات السياسة الداخلية
كانت لحظة الانقلاب فرصة لتلاقي الأحزاب الأربعة الممثلة تحت قبة البرلمان (وغيرها من الأحزاب الصغيرة) على أرضٍ مشتركة؛ إذ سارعت أحزاب المعارضة الرئيسة الثلاثة ليلة الانقلاب إلى إدانته، ورفض تدخل الجيش في الحياة السياسية، كما شاركت الأحزاب الأربعة في صياغة بيان موحد باسم البرلمان بهذا الصدد، وهو مشهد نادر وقد يكون غير مسبوق في سنوات حكم العدالة والتنمية29. وقد قابلت الحكومة وأردوغان هذه الخطوة من المعارضة بالترحاب والعرفان، فدعا أردوغان رؤساء الأحزاب الثلاثة الكبيرة في البلاد إلى القصر الجمهوري "لشكرهم على دورهم في حماية الديمقراطية"، وهي المرة الأولى التي يدخل فيها زعيما حزبَ المعارضة الأكبر القصر الرئاسي30، كما شارك حزب السلطة في المظاهرة التي دعا إليها حزب الشعب الجمهوري المعارض تحت اسم "الجمهورية والديمقراطية" في إسطنبول، وهي سابقة تحدث أول مرة. تبدو، من جهة أخرى، شعبية الرئيس أردوغان وحكومة العدالة والتنمية بعد فشل/ إفشال الانقلاب في أفضل حالاتها؛ إذ أظهر أول استطلاع للرأي بعد الانقلاب أجرته شركة ORC أن 79 % من المستطلعة آراؤهم يثقون بالرئيس، وأن 72.3 % منهم يثقون برئيس الحكومة، و 96 % يؤيدون الإجراءات الحكومية في مواجهة الكيان الموازي، و 73.5 % يؤيدون إعلان حالة الطوارئ في البلاد، و 95 % مقتنعون بمسؤولية الكيان الموازي عن المحاولة الانقلابية31. ويبدو أردوغان راغبًا في استمرار هذا الدعم الشعبي، ولذلك يدعو المواطنين إلى اللقاء في الميادين في العلن؛ لتأكيد تأييدهم للديمقراطية، ورفض الانقلاب، وتحسبًا لأي خطط بديلة للمجموعة الانقلابية، وحرصًا، على نحو ضمنيّ، على بقاء الغطاء الشعبي للإجراءات الاستثانية للحكومة، والمتعلقة بعمق عملية التحقيق وأعداد الموقوفين، والمراسيم الصادرة في ظل قانون الطوارئ. لا شك أن المشهد الحالي قد يغري حزب العدالة والتنمية بتفعيل ملف صَوْغ دستور جديد للبلاد، والتحول نحو النظام الرئاسي، اعتمادًا على شعبيته المتزايدة، ورهانًا على الاستفتاء الشعبي، لكن الأمر ليس بهذه السهولة؛ إذ تحول دونه عدة عقبات. فلا الحشود في الميادين مضمونة الاستمرار على المدى البعيد، ولا التوافق مع أحزاب المعارضة يكون بلا سقف أو شروط. فوقوف أحزاب المعارضة
ضد الانقلاب لا يعني انتفاء خلافاتها السياسية والبرامجية مع حزب السلطة، كما حصل حين رفض حزبان رئيسان من أحزاب المعارضة إعلان حالة الطوارئ. ولذلك، تركز الحكومة في الفترة الحالية على المتفق عليه مع المعارضة من الملفات، واستثمار حالة الحوار والتفاهم القائمة، والبناء عليها بالتدرّج، والابتعاد عن الملفات الخلافية قدر الإمكان، وبخاصّة موضوع النظام الرئاسي، فاتفقت الأحزاب الثلاثة الكبرى في البلاد على تمرير 60 مادة دستورية، كانت قد اتفقت عليها لجنة صَوْغ الدستور المشكّلة في الفترة البرلمانية قبل الماضية من كافة أحزاب البرلمان كخطوة أولى، كما كان أردوغان حريصًا على موافقة المعارضة على طلبه أن تتْبَع رئاستا أركانِ الجيش وجهازِ الاستخبارات رئاسة الجمهورية، وأن تتْبَع قياداتُ القوات وزارةَ الدفاع، في حين ستوضع ملفاتٌ إشكاليةٌ، مثل الدستور الجديد والنظام الرئاسي، جانبًا في الوقت الراهن، في انتظار استقرار المشهد الداخلي.
السياسة الخارجية
يرتبط الانقلاب العسكري مباشرةً بالسياسة الداخلية، ويهدف إلى استلام السلطة، غير أن تداعياته تتعدى المشهد السياسي الداخلي؛ لتؤثر بنحو مباشر وغ رر مباشر في السياسة الخارجية، لعدة أسباب، منها: أن السياسة الخارجية تعتمد في أدائها وفاعليتها على مقدار متانة المشهد السياسي الداخلي. أن أحد أهم أسباب الانقلاب هو السياسية الخارجية للحكومة، وقد كان ذلك واضحًا في البيان الانقلابي الذي حدد "إعادة كسب المكانة الدولية التي خسرتها الدولة" كأحد أهداف الانقلاب32. أنه لا غنى لأي محاولة انقلابية عن الدعم، أو على الأقل، الضوء الأخضر من قوى خارجية؛ إذ كل انقلاب معنيٌّ بالقبول الإقليمي والدولي، بعد وضع يده على السلطة في الداخل. وإذن يحمل الانقلابيون في طياتهم رسالة ضغط خارجية على أنقرة. يمكن تصنيف انعكاسات المحاولة الانقلابية على سياسة تركيا الخارجية وفق المدى الزمني على النحو التالي: على المدى القصير، ستنال الملفات الداخلية المتمثلة باستكمال التحقيق، وترسيخ الأمن، وهيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية، ومكافحة التنظيم الموازي، الحيِّزَ الأكبر من اهتمام الحكومة التركية وجهدها؛ ما سينعكس ركودًا في سياسة أنقرة الخارجية، وستقتصر على الحد الأدنى من التواصل الدبلوماسي، والذي سيدور، في معظمه، حول الانقلاب، وشرح موقف أنقرة من إجراءات الطوارئ تحديدًا. على المدى المتوسط، وبعد استكمال التحقيق ورفع حالة الطوارئ، يمكن توقع عودة بعض الفاعلية لسياسة أنقرة الخارجية، لكن ليس على قاعدة التوتر مع الأطراف الخارجية التي قد يتكشف تورطها في الانقلاب، بل في سياق استمرار المصالحات، وتدوير مواطن الخلاف مع القوى الإقليمية والدولية، من حيث كون مسوغات المراجعات والتراجعات في السياسة الخارجية التركية ما زالت قائمة.
يمكن أن تعاني العلاقة مع الولايات المتحدة بعضَ التوتر، على إثر ادعاءات أكثر من سياسي تركي، دعمَ واشنطن للانقلاب، أو بسبب التقارير التي وردت في بعض الصحف المحسوبة على الحكومة متضمنة اسم جنرال أميركي مشتبهًا في كونه مدبرًا للانقلاب33، وكذلك على إثر مماطلة الولايات المتحدة الأميركية تسليم زعيم حركة الخدمة والتنظيم الموازي فتح الله كولن المقيم فيها منذ 1999. كما يمكن إضافة التلويح التركي بإعادة عقوبة الإعدام كأحد عوامل تأزيم العلاقة بواشنطن، وبدرجة أكبر، بالاتحاد الأوروبي الذي كان إلغاء العقوبة أحد متطلبات البروتوكولات الخاصة بطلب انضمام تركيا إليه عام.2004 على المدى البعيد، ستسعى تركيا - من جرّاء خيبة الأمل التي أصيبت بها بسبب المواقف الغربية الرمادية من المحاولة الانقلابية - لتحقيق نوع من التوازن في علاقاتها الخارجية،
وتنويع محاورها الرئيسة، بالتقارب مع دول مثل روسيا والصين وربما إيران، وهو المسار الذي انتهجته قبل أزمة إسقاط المقاتلة الروسية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 34، وربما تكون زيارة أردوغان لروسيا في شهر آب/ أغسطس 2016 مؤشرًا على وجود هذه الرغبة التركية.
خاتمة
تبدو المحاولة الانقلابية في الخامس عشر من تموز/ يوليو 2016 فرصة يمكن أن تحصِّن تركيا من أي انقلاب عسكري في المستقبل، ولو بشكله التقليدي. كما يفتح فشل هذه المحاولة، والإجراءات الحكومية المتبعة، والتي تحظى بدعم شعبي كبير، إمكان استثمار الحدث في حل ملفات شائكة، كانت الحكومة التركية غير قادرة على إنجازها، وفي مقدمتها مكافحة التنظيم الموازي، وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية. بيد أن الطريق لا تبدو سهلة أو بلا تكاليف؛ فقد أبدت قيادة المؤسسة العسكرية بعض الامتعاض من الإجراءات المتعلقة بها، بينما لا تملك الحكومة كوادر قادرة على ملء الفراغ في المؤسسة العسكرية، كما لا تضمن إمكان القضاء على جيوب التنظيم الموازي فيها. هناك، أيضًا، بعض المخاطر الناجمة عن المحاولة الانقلابية تواجه الحكومة، في مقدمتها الضعف الناتج عن الفراغ في مؤسساتها الأمنية والعسكرية، وتقوية التيار الكمالي التقليدي في الجيش بعد تصفية التنظيم الموازي، وعدم ضمان السيطرة التامة على المؤسسة العسكرية بسبب الافتقار إلى القيادات والكوادر، فضلً عن الانكفاء الإجباري على المشهد الداخلي، ما يؤثر في فاعلية السياسة الخارجية وحيويتها. بناءً عليه؛ لئن كانت المحاولة الانقلابية قد فشلت في إسقاط الحكومة، فإن داعياتها ستبقى تشغل الحياة السياسية التركية وتوجهها مدّة طويلة، وهي حالة إشغال لا يمكن الاستهانة بنتائجها المباشرة وغير المباشرة، في ظل التحديات الكبيرة والكثيرة داخليًّا وخارجيًّا.