ما بعد الاستشراق: المعرفة والسلطة في زمن الإرهاب

أبو بكر عبد الرازق محمد | Abubakr Abdelrazig

عنوان الكتاب: ما بعد الاستشراق: المعرفة والسلطة في زمن الإرهاب. المؤلف: حميد دباشي. المترجم: باسل عبدالله وطفة، مراجعة وتدقيق: حسام الدين محمد. الطبعة: الأولى. سنة النشر:.2015 الناشر: منشورات المتوسط – ميلانو، إيطاليا. عدد الصفحات: 351 صفحة من القطع المتوسط.

Post-Orientalism: Knowledge and Power in Time of Terror

مقدمة تعريفية: الكاتب، الكتاب والنسق المعرفي للفكرة

ينتمي هذا الكاتب إلى إحدى أهم صور الكتابة النقدية، التي حملت على عاتقها مسؤولية طرح (ومن ثم محاولة الإجابة عن) سؤال التمثيل/ التحدث والفعل، والإنابة عن آخر، والمشكل المحوري، والشاغل، الذي حرك كوامن الطاقات الفكرية الفريدة والمتميزة، لمثقفين وأكاديميين، انتموا جغرافيًا وحضاريًا أحيانًا، لعوالم ثالثية، وأحيانًا انحازوا فكريًا ووجدانيًا لهذه العوالم المقهورة، فجاءت مساهماتهم في تعرية خطاب الآخر/ الغرب الكولونيالي وتفكيكه، وبيان تهافت ادعاءاته عبر مساهمات فكرية رصينة ومتماسكة لا تزال تكتسي أهميتها حتى هذه اللحظة، وربما قائمة الأسماء ليست طويلة، لكنها تبدأ من فرانز فانون الطبيب النفساني والمثقف الثوري المارتنيكي وأعماله المركزية (وجوه سوداء وأقنعة بيضاء 1952؛ ومعذبو الأرض 1961)، وإدوارد سعيد بأعماله المفتاحية في نقد سلطة التمثيل في سياقات معرفية (الاستشراق 1978؛ ومسألة فلسطين 1979؛ وتغطية الإسلام 1981؛ والثقافة والإمبريالية 1993؛ وصور المثقف.)1993 وتأتي ضمن هذه القائمة الفيلسوفة والناقدة الهندية غاياتري سبيفاك، بأعمالها التأسيسية في النقد ما بعد الكولونيالي (هل باستطاعة التابع أن يتكلم؟ 1988؛ ونقد العقل ما بعد الكولونيالي.)1999 فبينما طرح فانون إشكالاته في سياق تجربة الكولونيالية الاستيطانية الفرنسية لأجزاء من أفريقيا وخصوصًا الجزائر، حاولت أطروحاته أن تتعمق أكثر في التحليل النفسي الاجتماعي لكلٍ من مجتمعات المستعمَر والمستعمِر، محللً جوانبها وكاشفًا عللها، كتب جون بول سارتر عام 1961 في مقدمته لكتاب فانون "معذبو الأرض"، ناعيًا أوروبا وواصفًا كيف أن فانون على الرغم من كونه يتحدث عن أوروبا، فإنه لا يوجه حديثه إليها مطلقًا بل إلى اخوته فقط، يقول "يا له من سقوط، لقد كان الآباء لا يتحدثون إلا إلينا [يقصد جيل الاستقلال في العالم الثالث]، فإذا بالأبناء أصبحوا يرفضون حتى أن يعدونا أهلً لأن يخاطبوننا"1. وتمفصلت أعمال إدوارد سعيد في تتبع أطوار خطاب التمثيل منذ منابعه الأولى مرورًا بفتراته الكولونيالية السافرة وانتهاء بالفترة ما بعد الكولونيالية، فقدم قراءة طباقية لخطاب الاستعمار/ التمثيل، المتجلي والمستتر في ثنايا الاستشراق الاوروبي، كيف خلق/ اخترع هذا الخطاب شرقًا متخيلً وكيف سعى لامتلاكه2، لتأتي سبيفاك بطرحها سؤال التمثيل في السياقات ما بعد الكولونيالية3، بشكل أقوى من أي وقت مضى، لترسم من خلال أعمالها النقدية مسارًا واضحًا للدراسات وتيار ما بعد الكولونيالية. يأتي ضمن هذه القائمة حميد دباشي الأكاديمي الإيراني الأصل وأستاذ الدراسات الإيرانية والأدب المقارن بجامعة كولومبيا في نيويورك والأستاذ الزائر بمعهد الدوحة للدراسات العليا، وهو من المؤسسين لمعهد الاجتماع والأدب المقارن، ومركز الدراسات الفلسطينية بجامعة كولومبيا، وله أكثر من عشرين مؤلفًا تُرجم بعضها إلى العربية منها "الربيع العربي؛ نهاية حقبة ما بعد الاستعمار" وكتاب حول السينما الايرانية بعنوان "لقطة مقربة"، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا الآن، الذي يحتل موضع القلب من المشروع الفكري لحميد دباشي، الذي يقتفي فيه أثر هؤلاء السابقين، ويعلن في أكثر من موضع انتماءه إلى هذه السلالة المتمردة من الكتّاب، ولكن دون أن يعني ذلك أنه يتبع خطاهم حذو النعل في النعل، فلدباشي أسلوبه الخاص في الكتابة، ومعالجة الأمور واجتياز العقبات التي تواجه طريقه، لذلك نجده أيضًا لا يبخل على سعيد وسبيفاك بالنقد، فيسجل اختلافاته مع طرائقهم في التفكير بوضوح ومن دون مواربة، إلى جانب تقريظاته وإشاداته بأفكارهم.

الكتاب الذي يصدّره صاحبه بإهداء أنيقٍ يقول "إلى ذكرى إدوارد سعيد الزميل العزيز، الصديق الغائب والرفيق الدائم" هو عبارة عن دراسات، كانت خلاصة لتأملات الكاتب على مدى سنوات حول سؤال التمثيل، أو ما يسميه "سلطة التمثيل المدعاة، وقوتها الظاهرة على وجه التحديد، من يمثل من، وبأي سلطة؟" (ص. 15) فسؤال التمثيل الذي غالبًا ما يتخذ أشكالً جد سافرة وعنيفة، وذات تبعات كارثية على من يتم تمثيلهم والتحدث والفعل باسمهم، هو ما يشعل جذوة

  1. معذبو الأرض فرانز فانون،، سامي الدروبي وجمال أتاسي(مترجمان)، (من مقدمة جون بول سارتر)، (بيروت: دار الفارابي، 2004)، ص .4
  2. سعيد لاست اررق؛ المفاهيم الغربية للشرق، محمد عناني إدوارد، (مترجم)، (القاهرة: دار رؤية للنشر والتوزيع، 2006)، ص 42، 43،.44
  3. G. Ch. Spivak, A Critique of Postcolonial Reason (Massachusetts: Harvard University Press, 1999), pp. 198 - 311; G. Ch. Spivak, “Subaltern Talk, An interview with the editors,” in D. Landry & G Maclean, The Spivak Reader (New York: Routledge, 1996), p. 307.

الاتقاد النقدي التي تقود دباشي في هذا الكتاب، إلى تعرية وتفكيك المفاعيل التي يتم عبرها إنتاج عمليات التدخل السياسي والعسكري للولايات المتحدة الأميركية وإخراجها والمتورطة في عملية التمثيل هذه، عبر مسارح أفغانستان والعراق وفلسطين ولبنان، ولن ننى هنا سورية أيضًا، التي أصبح مصيرها ومستقبلها، اليوم مرتبطًا أكثر فأكثر بهذا التدخل/ التمثيل، وهو ما يسميه الكاتب بالزعم المتأصل والمتجذر للعقل الإمبريالي، بجدارة هذا التمثيل الأخلاقي والمعياري. لا يعتبر دباشي كتابه بمنزلة بيان لتوضيح كيف أنّ الشرق لا يزال ممثلً بالإنابة، على الرغم من إقراره بحتمية تحديث ملاحظات إدوارد سعيد، ولا حتى كذلك اعتراف الكاتب بأنه يمارس فعل التفكير من خلال رؤى سعيد وانعكاساتها على حاضرنا، ولكن أبعد من ذلك، تبدو غاية الكتاب محاولة لإيجاد وسائل جديدة لمقاومة قوة التمثيل هذه. بمعنى توسيع مضامين الرغبة في المقاومة ومعانيها، في مواجهة الرغبة في السيطرة/ التمثيل. ويحاول الكاتب أن يجيب عن هذا السؤال بتوضيح كيف يمكن أن يتم ذلك، وبأي مصطلحات خاصة يمكن مقاومة هذه الرغبة في السيطرة، ببناء نموذج صلب من قوة التمثيل الذاتي، عبر عدة استراتيجيات، تمر أولً بنقد أنسنية سعيد، ودحض مقولة سبيفاك باستحالة التمثيل الذاتي للتابع، واقتراح استراتيجيات جديدة تعلي من قيمة الجماليات الثورية لما لها من تأثير عميق في المقاومة، على حساب المعارضة السياسية، وكل ذلك ضمن تواشج ينهض بالأساس على فكرة مركزية لدى دباشي، ويطلق عليها مسمى استراتيجية "تغيير المحاور"؛ وهي نمط في إنتاج المعرفة يُعرض مرة وإلى الأبد عن توجيه خطابه للقوى المهيمنة على العالم، والتي تكتم صوت التابع، ويوجهه بدلً من ذلك إلى البقية المكتومة الصوت من العالم، لتدرك قدرتها على الكلام/ التمثيل الذاتي، ومن ثم تصدح بجماليات تمثيلها الذاتي، من دون أن يعني ذلك أن صليل كلماتها لن يصل إلى أولئك الذين ظنوا يومًا أنهم قد أقنعوها بعدم قدرتها مطلقًا على الكلام، ليقض مضاجعها منهيًا وإلى الأبد خرافة التمثيل، والتحدث والفعل بالإنابة.

المثقف كمفسر مضاد Counter Interpreter

في الفصل الأول (ص. 25-44) المعنون "في مثقفي المنفى"، وانطلاقًا من رؤية سعيد في كتابه "صور المثقف"، يجدد دباشي السجال حول دور المثقف في الإمبراطورية الجديدة، مستعيدًا ملاحظات توكفيل حول الفلسفة العملانية والنفور من الفكر التأملي لدى المثقف الأميركي، مرورًا بحقبة انغرس فيها المثقف أكثر في تربة مختلفة عما وصفه توكفيل، وانتهاءً بسجالات هارولد ستينز وجوليان بندا وراسل جاكوبي، وبقية الأكاديميين الأميركيين ممن شارك في هذا السجال، ومن بينهم بالطبع إدوارد سعيد، على دور المثقف الأميركي، بوصفه صاحب عبء مضاعف ملقى على عاتقه، ذلك أنه المثقف الوحيد الذي يملك ميزة الاتصال بالوسط المحلي للإمبراطورية الجديدة، التي تشكل خطرًا يتهدد العالم كله نتيجة انفرادها بقيادته.

يأتي استناد دباشي إلى طرح سعيد حول صور المثقف، دون الأعمال الأخرى للأخير، كالاستشراق والثقافة والإمبريالية، استجابة لطلب ملح تفرضه راهنية السؤال المطروح حول التمثيل، وضرورة تفكيك دعاويه، وتجاوزها عبر طرح استراتيجية التمثيل الذاتي. وهذا ما عبر عنه دباشي بأولوية دور المثقف في هذه اللحظة المفصلية من عمر التمثيل الإمبريالي، والتي تقتضي إعادة ترتيب خطاب المقاومة، عبر تقديم دور المثقف وتأخير الاستشراق، بوصف هذا الأخير قد أشبع تحليلً، حتى يتسنى للكاتب إنجاز الهدف البعيد لمشروعه، ومواجهة الرغبة المتزايدة في التمثيل المسيطر، والرغبة المتمردة والثائرة، والراغبة في إحراز قوة التمثيل الذاتي Agency. وهذا هو الدور الذي يوكله دباشي للمثقف، وتحديدًا مثقف المنفي، في سعيه ضمن مشروعه الراغب في تجاوز المستنقع الذي أفرزته النقاشات السياسية لاستشراق إدوارد سعيد، والساعي لخلخلة البنى غير المتوازنة داخل إطار الهيمنة/ التمثيل الإمبريالي، في مقابل الرغبة في التمثيل الذاتي. فدباشي يعتبر إطلاق سعيد صفة "المثقف المنفي" حقيقة أو مجازًا (سعيد وتشومسكي) مثالً، بمنزلة الاستراتيجية القمينة بمواجهة وهزيمة قوى التحالف المصلحي ذات الروح التنسكية البروتستانتية ومنطقها العملاني، الذي يلتف حول دفة قيادة الإمبراطورية، في مواجهة ما يسميه بالقطاع المعطل، بثقافته الاحترافية المضادة. عند هذا الحد من التفكير يطرح دباشي خطرين يتهددان قيام مجتمع من المفسرين المضادين، هما أول: ما يسميه خطر النجومية، كون

سعيد وتشومسكي نجمي مجتمع أكاديمي، داخل فضاء أوسع تسيطر عليه الثقافة الأخلاقية البروتستانتية، بوصفها مضادة لثقافة الإنتاج العفوي، غير المشرط مسبّقًا، أو ثقافة الخمول، ومن ثمّ تقف الثقافة البروتستانتية حائلً دون وجود مثقف غير مسؤول، بكل ما يحمله مبدأ "عدم المسؤولية" من دلالات إيجابية، أي بما يتعارض مع القيود التي يفرضها العمل الأكاديمي على المثقف. وثانيًا: ثقافة الاحترافية المتزايدة في أوساط الطلبة الجامعيين، والتي تحثهم لنبذ التفكير النقدي الحر واستبداله بمراكمة سلسلة من التدريبات العملية في مسار وظيفي، هذا جنبًا إلى جنب مع انعدام المناخ الحر والمحفّز للخيال الإبداعي في البيئة الجامعية في أميركا، والرغبة المتزايدة في أوساط صغار الأكاديميين في الحصول على وظائف ضمن المؤسسات الواعدة على حساب حريتهم الفكرية.

في مقابل هذه الأخطار، يطرح دباشي إمكانية أن يتشكل مجتمعٌ من المفسرين المضادين، تؤكد عليه تجارب كل من (سعيد وتشومسكي وجاكوبي وغور فيدال) الذين عملوا على التضاد مع مصالحهم المهنية والطبقية ودون أن يخشوا أحد، فوجدوا من يصغي لحديثهم. وقد احتاجوا فقط من أجل هذه المهمة أن يكونوا "ساخرين ومتشككين بدون أي سلبية" بكلمات سعيد، وغير غيتويين أو متحزبين إثنيًا ودينيًا أو ساقطين في الوهدة المحلية، كما حذّر غرامشي، و"تهكميين" كما يوصي ريتشارد رورتي، في مواجهة علاقات القوة داخل أنساق الثقافة السياسية، ليصبحوا أخيرًا مسؤولين عن إضعاف العنف الكامن في التصنيفات الماورائية كما يجادل جياني فاتيمو.

غولدتزيهر؛ أو الاستشراق الذي لم يعرفه سعيد

يخصص الكاتب الفصل الثاني (ص. 45-166)، وهو أطول فصول الكتاب، للتعريف بحياة المستشرق الهنغاري إغناتس غولدتزيهر 1921-1850() وأعماله، والذي يصفه دباشي بأنه أحد أغنى المستشرقين ذخيرة علمية، كونه يمثل الاستشراق في ذروة صعوده التاريخي وأخصب مراحله، المصحوبة باعتقاد المستشرقين آنذاك أنهم استحوذوا على أكداس المعارف التي لم تستغل كما يجب، ودون أن يغفل دباشي عن انعدام جدوى النظر في أعمال أي من المستشرقين، بعد أن أطلق سعيد "رصاصة الرحمة على الاستشراق" عبر مشروعه المعرفي، بحسب كلمات الكاتب. إلا أن أهمية أعمال غولدتزيهر كانت أكبر من أن يتم تجاوزها، فهي استشراق ذو طابع خاص، مضاد للاستشراق الكولونيالي، وأكثر عمقًا ومعرفة بالإسلام، ما حدا بصاحبه أن يتلقى دعوة لعرض رؤيته حول الإسلام في أميركا، بأجر مالي سخي جدًا آنذاك، لكنه رفضها لدواعٍ صحية، وخوفًا أيضًا من عدم توافر ترجمة إنكليزية أمينة لمحاضراته، إذ يعتبر دباشي أن حرفية هذا المستشرق وأناقة كتاباته العلمية ومرونة تفكيره وعمقه، وأمانته العلمية هي ما يجيز تقريظه اليوم، في مواجهة عالم يسيطر عليه "متخصصون بلا روح" (بتعبير فيبر، الذي يستعمل الكاتب عبارته النبوئية هذه) يضعون أنفسهم في خدمة مشاريع لتشكيل الرأي العام، وفقًا لنيات سيئة وتفسيرات جاهزة وتوصيفات ناجزة، ضد ثقافات بعينها (الإسلام مثالً)، في مقابل أكاديميين من أصحاب المهارات العالية لكنهم في جزر معزولة عن الرأي العام. يُفصّل دباشي4 كيف أن غولدتزيهر كان يرى في نفسه فقيهًا مسلم على طريقته، على الرغم من أنه كان يدين باليهودية ومؤمنًا تقيًا حتى مماته، دون أن يتعارض ذلك مع اعتقاداته، بل لم يُخف حقيقة دينه على شيخ الأزهر وزملائه الطلاب، حينما أراد أن يصبح فقيها أزهريًا حتى يتعلم جيدًا عن هذا الدين التوحيدي. فغولدتزيهر يعتبر أن رابطة التوحيد هي ما يجمع الإس ماا واليهودية دون المسيحية، وفوق هذا وذاك كان ذا وعي ثوري عابر للوطنية والإثنية والدين، فخرج في أول أسبوع له بالأزهر متظاهرًا مع الطلاب وجموع المصريين ضد الاحتلال الأجنبي في مصر، وكتب البيانات المناهضة للاستعمار والمنادية بالوطنية المصرية. هذا بالطبع إلى جانب رفضه دعم الحركة الصهيونية، والتي كانت تتطلع لدعمه باعتباره أكاديميًا يهوديًا ذا وزن رفيع، مما جلب عليه سخط كثير من داعمي الحركة الصهيونية ومؤرخيها خصوصًا رافائيل باتاي، الذي كتب يتهمه

  1. لا يكفّ دباشي مطلقًا عن الإشادة بمساهمات غولدتزيهر في هذا الفصل، واصفًا أبحاثه بالتنوع والثراء، على الرغم من إيراد هذا الأخير أوصافًا قاسية للإسلام الشيعي بأنه كان "التربة الخصبة التي أثمرت في كنفها دراسات تفتقر إلى المنطق، وتتفق مع تقويض المعتقد الإسلامي الربوبي بكليته"، ويمضي دباشي لوصف هذه الملاحظات بأنها ما لا يمكن أن يقبله القارئ الشيعي، وهي تجعل من غولدتزيهر مراقبًا غير محايد أو عادل تمامًا للمذاهب الإسلامية، ص.255

بالانحطاط والإعجاب بالإسلام، وبأقذع الصفات التي كان براء منها جميعها. وترافق ذلك مع عدة ظروف تاريخية كتصاعد العداء للسامية في أوروبا إلى جانب رفض غولدتزيهر ترك يهوديته والتحول إلى المسيحية في حرمانه من الحصول على منصب أكاديمي مرموق وهو صاحب السيرة العلمية المبهرة، فقد كتب أول دراسة له ونشرها وهو في سن الثانية عشرة5، وحصل على الدكتوراه وهو في التاسعة عشرة. ويقيم دباشي بين هذه السيرة المشرقة لغولدتزيهر وبين سيرة معلمه المستشرق أرمينوس فامبري التي أعجبت باتاي، ففامبري الذي لا يتورع عن تبديل دينه أولً للإسلام حتى يحظى بعطايا السلطلان العثماني، ثم للمسيحية ثانيًا، وفوق ذلك فهو جاسوس مزدوج للبريطانيين والعثمانيين، ليضيف الكاتب أن الإشادة بغولدتزيهر يأتي في معرض إعادة الاعتبار لعمل إدوارد سعيد "الاستشراق" بوصفه مساهمة علمية رصينة، ضد محاولات برنارد لويس وأتباعه، بوصمه أنه تجنٍ شخصيٌ من سعيد على المستشرقين، وهي المحاولات التي تحاول نقل الاستشراق من كونه نقد صلب ومؤسس ضد نمط للإنتاج المعرفي الكولونيالي، إلى حرب كلامية في قضايا سياسية، ليشيد الكاتب بمساهمات كل من القزويني وايزنشهر، وهما باحثان إيرانيان، وكيف أنهما بعد ما يزيد على نصف قرن من صدور عمل إدوارد سعيد، كانا قد كتبا عن الاستشراق وأوضحا أنه يمكن أن يحتوي كتابات جيدة بقدر أحتوائه على أحابيل وشعوذات، ليشير في الأخير إلى خطأ سعيد الأساسي المتمثل في ضمه غولدتزيهر إلى ثلة المستشرقين الآخرين أمثال رينان وماكونالد ولويس، متأثرًا بتوصيف أنور عبد الملك. ويخلص دباشي إلى الاتفاق مع سعيد في نقده للنزعة الإبستيمية للاستشراق، من دون أن يتفق معه على ضم غولدتزتايهر إلى بقية المستشرقين من أصحاب النظرة الدونية تجاه الإسلام والشرق عمومًا، معتبرًا ذلك إجحافًا وتجنيًا في حق غولدتزيهر.

حديث التابع Subaltern

في الفصل المعنون "أنا لست تابعيًا" (ص. 167-206)، يقتفي دباشي أثر مقولة سبيفاك "هل بمقدور التابع أن يتكلم؟" ودورها في تفكيك مقولة السيادة، وكيف أنّ عنوانًا بهذه القوة قد فرضته الصدفة المحضة، فسبيفاك أعطت بحثها ذاك العنوان "السلطة، الرغبة، المصلحة"، بينما كانت "هل بمقدور التابع أن يتكلم؟" وهي الجملة الافتتاحية فيه. ويقرأ دباشي جملة سبيفاك تلك كأسلوب مهذب في طلب الحديث، ولكن أيضًا كاستعارة تطرح سؤالً لتجيب عنه في ثنايا سؤالها، كونها تتساءل عن قدرتها على الكلام في الوقت نفسه الذي تطلب فيه فرصةً للحديث. وهذا هو الفصل الذي يُفصح فيه الكاتب عن بلاغة ثورية ونزعة متمردة كانت ثاوية في كلماته، لكنها تتفجر حينما تلتقي بما تسميه سبيفاك ب "موقعي المتداعي"، ليعطي الكاتب لهذا الموقع قوته المفترضة، حين يشبه فعل سبيفاك بحصان طروادة، الذي يجلبه المنتصرون إلى داخل مدينتهم. وما هي إلا برهة حتى تخرج سبيفاك بعساكرها/ كلماتها، لتثير بحديثها الخراب داخل أسوار المدينة التي استضافتها، مرتكزة على خلفيتها اليسارية ومستعينة بماركس ودريدا. وتنقل سبيفاك الحوار إلى فضاء أوسع متجاوزة النزعة المحلية الموهنة كما يصفها الكاتب، ضمن التقاطع الذي ترسم مخططه بين مقولات "الطبقة، والعرق، والجنس." وتنتقل لتنتقد كلً من فوكو ودولوز بما يتجاوز طروحاتهم، في قضية النموذج الغربي للمعرفة وارتباطه بالمصلحة. لكنها تعود لتسقط داخل دائرة الانسجام مع تفسيرات المثقفين البيض، كما يصف الكاتب، حينما لا تجد غير التفسيرات المحلية الرائجة لنموذج طقس "الساتي" الهندي. وتعجز عن رؤية التحول الذي طرأ على "الساتي" بمجرد تجريم الاحتلال البريطاني له، ليتحول مباشرة إلى طقس مقاومة للاستعمار كما يوضح ذلك دباشي. وهذا هو ما يجعلها في آخر شوط من رحلتها الطروادية الباسلة، تتحول إلى راوية محلية، وهو ما حذر منه الكاتب. ويظهر الكاتب أخيرًا تلاقي كلٍ من سبيفاك وسعيد في موضوع دور المثقف، قبل أن ينتقل لمناقشة راناجيت جحا حول دراسات التابع، معيدًا قراءة هيجل وتصوره للتاريخ من هذه الزاوية، ومشيدًا بروايات تاريخية أصيلة لا تقل أهمية لمنطقة فارس والهند والشرق عمومًا.

مشكلة الاستلاب في العملية الإبداعية

يسلط دباشي الضوء في الفصل الذي يحمل العنوان "الأزمة الإبداعية للمستلب" (ص. 207-238) على تجربة المخرج السينمائي الإيراني محسن مخملباف، باعتباره من أفضل الذين جسدوا مسألة المواجهة داخل الشرط ما بعد الكولونيالي من دون أن يتخلى عن حسه الثوري. وهو الثائر الذي رمى البندقية ليحمل بدلً منها الكاميرا. وبالنسبة إلى الكاتب تشبه تجربة مخملباف تجربة تشي جيفارا، الذي رمى عدة الطبيب ليحمل البندقية، مستهديًا بفرانز فانون وشريعته في العنف ضد اختلالات العالم. يقرأ الكاتب تجربة مخملباف، الذي يقول عنه

  1. يذكر دباشي أن غولدتزيهر كتب دراسته تلك ونشرها عن تطور الصلوات اليهودية، ويورد قوله: "كان ذلك العمل الأدبي حجر الزاوية الأول في تطور سمعتي السيئة كمفكر حر"، ما يشي بأن إعجاب الكاتب بغولدتزيهر يتجاوز أن هذا الأخير كان باحثًا بارعًا ومستشرقًا أمينًا إلى كونه مثقفًا امتلك منذ نعومة أظفاره ميزة التفكير خارج الصندوق.

"لقد استرعى انتباهي منذ عرفت أنه في سن السابعة عشرة، كان قد شهر مدية بنية مهاجمً شرطيًا كي يسلبه سلاحه ثم يسرق مصرفًا معلنًا قيام الثورة" (ص. 266) وهكذا يسير الفصل إلى نهايته بقراءة بتجربة مخملباف الثورية، وقوة خطابه الجمالي المتمرد في مواجهة سؤال التمثيل، واستراتيجيات التابع؛ تلك التجربة التي خصص لها دباشي كتابًا منفصل6.

حجيج ثائر وقبلة نضالية واحدة

في الفصل المعنون "تقدّم الحجيج؛ في الثوري العابر للحدود" (ص. 239-264) يحاول الكاتب أن يطرح تحدي التمثيل، أو حديث التابع، في حيزٍ آخر غير حيز جماليات المقاومة، وضمن إطار نقدي شامل وفق سياسات ثورية. وهنا يختار دباشي نماذج ثورية عابرة للحدود، يمثلها كل من تشي جيفارا ومالكوم إكس وفرانز فانون وعلي شريعتي، في مواجهة عالم تسيطر عليه المقولات الجاهزة لبرنارد لويس وفرانسيس فوكوياما وصموئيل هنتينغتون، تسخّر لها مؤسسات الإعلام الجماهيري، ويؤدي فيه كل من فؤاد عجمي وآذر نفيسي دور الراوية المحلية في خدمة الأطماع الكولونيالية.

في مواجهة مثل هذا العالم، يرى دباشي ضرورة استدعاء هذه النماذج الثورية التي تمثل كأنماط مقاومة متميزة، قافلة من الحجيج، ذات وجهة نضالية واحدة. فبالنسبة إلى الأرجنتيني جيفارا، يعتبر الكاتب أن تجاوزه لأصوله الطبقية وانتمائه الوطني هو ما جعله نموذجًا ثوريًا عالميًا يتخطى حدود بلاده ومن بعدها حدود أميركا اللاتينية لينتمي إلى بقية العالم المحروم. أما المارتنيكي فانون بقدرته الفكرية الهائلة في الربط بين العنصرية والكولونيالية والعنف تمكّن من أن يصوغ نظرية ثورية تتوسل العنف كسلاح في وجه الاستعمار. ثم ينتقل الكاتب إلى نموذج آخر هو مالكوم إكس، الذي ينظر إليه بوصفه استطاع أن يصهر تجربته كأميركي أفريقي مع الروح الثورية الإسلامية للوصول إلى رؤية تحررية عالمية، خارج الأطر الهوياتية الضيقة. ويختتم الكاتب هذه النماذج بالمفكر الإيراني الثائر علي شريعتي المتأثر بالثورتين الكوبية والجزائرية وأفكار تشي جيفارا. ويصف دباشي نهج شريعتي: "مستعينًا بإيمانه العميق بالاشتراكية وحماسة شيعية متفجرة، صعد اسم شريعتي كناقد ثوري لعب دورًا مؤثرًا في اندلاع الثورة الايرانية" (ص. 275) يرى الكاتب أن هذه النماذج تحدت الطابع المحلي للثقافة في بلدانها بهدف عولمة ميولها الثورية الفطرية. يجادل الكاتب في الفصل الموسوم "تناضح داخلي؛ معرفة بلا فاعلية، إمبراطورية بلا هيمنة" (ص 265- 287) حول الشكل الجديد الذي يتخذه الاستشراق الأميركي وحالة الموات التي يعيشها، متمثلً في أقسام دراسات الشرق الأوسط، لكن الخطر الذي لا يزال محدقًا الآن، هو ذلك الشكل من المعرفة النفعية التي يتم إنتاجها في أكثر من مكان، ليجري استخدامها مرة واحدة فقط، فهي لا تصلح لأكثر من استخدام واحد لأنها مزيفة وغير حقيقية، بل مهمتها الأساسية هي خلق حالة من الارتياح الجماهيري العام إزاء جريمة جديدة تزمع الإدارة الأميركية على ارتكابها.

في البحث عن المثقف البرمائي

يعود الكاتب من جديد في الفصل الأخير من الكتاب "نحو عضوانية جديدة" (ص 289- 336) لعمل إدوارد سعيد صور المثقف، ليجادل حول ضرورة بعث نماذج لمثقفين برمائيين، بتوصيف سعيد، لهم القدرة على العيش في كل البيئات والقدرة على مواجهة التقلبات. هذه الضرورة بحسب الكاتب يمليها الظرف الراهن المتمثل في حالة الرأسمالية المعولمة التي تتحكم في أقدار بقية العالم المغلوب، ملغية الحدود الوطنية والجنسية من دون أن يحدّها حدٌ، والتي يرافقها خطاب كولونيالي جديد يعيد تأكيد الفروق الثقافية والدينية حتى يمنع أي شكل من أشكال الانتقال في موازين القوى، وحتى يتسنى له خنق النموذج الذي يسعى لافتراسه في الحدود التي يرسمها له سلفًا، وهو ما يرى الكاتب أنه يفشل بسبب التغييرات الديموغرافية الكبيرة التي تشهدها الولايات المتحدة وحركة المهاجرين التي تتنامى معها العضوانية الجديدة، ما يزيد من سُعار المحافظين الجدد وهجماتهم الشرسة ضد الجامعات الأميركية ودورها في المجتمع.

  1. The Making of a Revel Filmmaker (London: I. B. Tauris, 2007).

تغيير المحاور كاستراتيجية لتفكيك مقولة السيادة

تأتي استراتيجية تغيير المحاور/ بمعنى المستقبل للرسالة التي تصوغها الجمالية الثورية أو المناضل/ المتمرد/ التابع، الذي يتكلم دون أن يطلب أذنًا من أحد، لأنه هذه المرة لن يتكلم لمحاور أبيض قط، بمنزلة خلاصة للكتاب وتفكيك لمقولة السيادة. فبالنسبة إلى دباشي، لم يعد الغرب هو المحاور الذي يجب أن نتوجه إليه بكلامنا، والذي ننتظر منه أن يقبل حجتنا لتكتسب موقعها ضمن الحقائق. ويرى أنه بقليل من التعديل الذي نجريه على خطابنا الجمالي/ الثوري، ووضعه ضمن سياقات حقائق وخطابات مخنوقة وليس لها القدرة على الكلام، أي بوضع قضيتنا بالترافق مع قضايا العوالم المنسية الأخرى، نكون قد اكتسبنا قوةً مضاعفةً، وجمهورًا جديدًا من الثائرين. كما نكون قد وجهنا خطابنا إلى محاورين آخرين ينتظرون سماعه. ليست هناك ضربة أقوى من تجاهل المحاور الأوروبي والتغاضي عن فكرة توجيه خطابنا إليه بالأساس، فضلً عن فكرة إقناعه، وهي ضربة إذا ما توالت فهي كفيلة بتحطيم وهم السيادة الغربية إلى الأبد.

خاتمة

حاول الكاتب أن يمسك في آنٍ واحدٍ بعدة خيوط مختلفة ومتشابكة، وقضايا، ومواقف، ضمن طرحه مسألة التمثيل والسيادة والإنتاج المعرفي، في سياق لا يزال تمثل فيه القوى الغربية في طورها ما بعد الكولونيالي/ الإمبريالي، مركزًا للعالم والإنتاج المعرفي، في محاولة منه لتفكيك مقولات هذه السيادة/ التمثيل، وإتاحة الفرصة للتابع ليصدح بصوته، ويتكلم. ولكن ليس كما تعود أن يتكلم دائمًا، بروح النوستالجيا، إلى جنة/ وطن لم يعد موجودًا، موجهًا حديثه لأوروبا، كمحاور أبدي. وإنما عبر خطابٍ متمردٍ ومغايرٍ يتوسل العنف في مواجهة الظلم الجاثم على صدره، ومستهديًا بالنماذج الثورية الجمالية والنقدية التي مر عبرها الكاتب، مثل فانون، وسعيد، وسبيفاك، وجيفارا، ومالكوم إكس، وشريعتي، ومخملباف، لينسج كما يقول على نول رؤية واحدة، خطابًا مختلفًا يحطم وهم السيادة الأوروبية، وينتقل كنموذج أخلاقي جديد إلى رسم معالم جديدة لموازين القوى معرفيًا، بحسٍ ثوري ذي طابع عالمي. هذا ما حاول حميد دباشي أن يقدمه من خلال هذا الكتاب المتماسك معرفيًا ونظريًا، والذي يعدّ محاولةً جادةً للتنظير الثوري المعرفي في كيفية أن نفكر خارج الأطر المرسومة لنا سلفًا.

المراجع

لاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق سعيد، إدوارد.، محمد عناني (مترجم)، القاهرة: دار رؤية للنشر والتوزيع،.2006 معذبو الأرض فانون، فرانز.، سامي الدروبي وجمال أتاسي (مترجمان)، بيروت: دار الفارابي،.2004 • Spivak, G. Ch. A Critique of Postcolonial Reason, Massachusetts: Harvard University Press, 1999. • _________. “Subaltern Talk, An interview with the editors,” in D. Landry & G Maclean, The Spivak Reader , New York: Routledge, 1996.

• The Making of a Revel Filmmaker, London: I. B. Tauris, 2007.