مؤتمر "العرب والصين: مستقبل العلاقة مع قوة صاعدة"
"The Arab World and China: Future Prospects of Relation with a ACRPS Conference Rising Power"
عَقَد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، يومَي 21 و 22 أيار/ مايو 2016، مؤتمر "العرب والصين: مستقبل العلاقة مع قوة صاعدة." ويأتي المؤتمر في سياق مؤتمرات "العرب والعالم" التي دأب المركز على عقدها سنويًا منذ تأسيسه. كما يأتي اختيار موضوع العلاقات العربيّة – الصينيّة هذا العام في إطار الاهتمام المتزايد بدراسة علاقة العرب بهذه القوة الآسيوية التي يتنامى الإحساس بحضورها وتأثيرها في ظلّ التحولّات الإقليمية والدولية. شارك في المؤتمر باحثون متخصصون، عرب وصينيون، إضافةً إلى باحثين من أوروبا وباكستان وتركيا وغيرها، قدّموا أوراقًا بحثية وأكاديمية بلغ عددها أكثر من 30 ورقة. وناقشت الأوراق عددًا من المسائل الإشكالية في العلاقات العربية - الصينية؛ وذلك انطلاقًا من المكانة الحقيقية التي يحتلها العالم العربي في سياسة الصين الخارجية، واستمرار بقاء الصين غائبة عن مشهد التحولات الإقليمية في المنطقة لفترة طويلة خصوصًا موقفها من الثورات العربية ومن الأزمة في سورية تحديدًا. هذا، فضلً عن الجوانب الاقتصادية والتجارية التي تكاد تكون غالبة على العلاقات العربيّة - الصينية حتّى الآن، إلى جانب ظواهر أخرى جديدة بدأت تظهر في الأعوام الأخيرة خصوصًا في ظل ارتفاع اعتماد الصين على المصادر الرئيسة للطاقة كالنفط والغاز، وذلك من أجل رفد نموها الاقتصادي السريع.
الكلمة الافتتاحية
ألقى كلمة المؤتمر الافتتاحية مدير وحدة تحليل السياسات في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مروان قبلان مشيرًا إلى أنّ الاختيار وقع على الصين لتكون محورًا لهذا المؤتمر في هذا العام نتيجة عوامل عديدة، أهمّها: الصعود السريع للصين وزيادة حضورها عالميًا وفي المنطقة العربية وعلى المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية، وتحوّل الصين إلى ثاني أكبر شريك تجاري للعالم العربي وأول شريك لتسع دول في حين يمثّل العالم العربي سابع الشركاء التجاريين للصين وأكبر مورد للنفط وسوقًا مهمة لمشاريع المقاولات الإنشائية والبنية التحتية، وكذلك موقف الصين من ثورات الربيع العربي واستخدامها حق النقض الفيتو ثلاث مرات لحماية النظام السوري، وهذا يبرز مدى حساسية الربيع العربي بالنسبة إلى الصين. وبناءً عليه، باتت الصين تقوم بدور متنامٍ في المنطقة مع فواعل دولية. وأكّد قبلان حرص المركز على دعم الجهد البحثي والأكاديمي؛ لوجود مبررات أخرى لبحث العلاقات العربية – الصينية أبرزها ضعف الجهد البحثي والأكاديمي المباشر مقارنةً بحجم المصالح بين الطرفين وبحجم التواصل العربي مع الغرب. وهذا ما جعل كلّ طرف يتواصل مع الآخر عبر وسيط، وأثر كلّ هذا في الموقف الصيني من القضايا العربية، ومنها تحوّل الصين في موقفها من القضية الفلسطينية وقضايا التحولات الإقليمية في المنطقة العربية.
الإستراتيجية الصينية في العالم العربي
خُصصت الجلسة الأولى في اليوم الأول لتقديم قراءة حول الإستراتيجية الصينية في العالم العربي. وفي هذا الإطار أوضح الباحث الصيني وو بنغ بنغ في ورقته التي ناقشت "أسس سياسة الصين وعناصرها نحو العالم العربي" أنّ الصين ترتكز في سياستها مع العالم العربي على هدفين هما: المصالح والمبادئ؛ بحيث تشمل مصالحها السعي نحو تقوية المصلحة الإستراتيجية وتعزيز التعاون لتنفيذ مبادرة "الحزام والطريق"، والمصلحة السياسية التي تقتضي قيام الصين بدورٍ مسؤولٍ بوصفها قوّة رئيسة إضافةً إلى تقديم الدعم المتبادل للدول العربية؛ والمصلحة في مجال الطاقة، والمصلحة الاقتصادية، وذلك في إطار تسهيل التبادل التجاري والاستثمار؛ والمصلحة الأمنية التي تهدف إلى التعاون في مواجهة التطرف؛ وأخيرًا المصلحة الثقافية التي تتمثل بتعزيز الحوار بين الحضارتين الصينية والعربية.
ويقول وونغ بنغ إنّ الصين تقوم على عدة مبادئ في علاقتها مع العالم العربي تتمثل باحترام السيادة وسلامة الأراضي وعدم التدخّل والسعي إلى إيجاد حلّ سياسي وسلمي للنزاعات؛ فهذه المبادئ من شأنها أن تضمن الاحترام والتعاون من أجل التوصّل إلى حالة مربحة لكلٍ من الصين والعالم العربي، وذلك في إطار المساهمة في تعزيز المصالح المشتركة. ومن ناحيته، أشار كاظم هاشم نعمة في مداخلة له بعنوان "الوطن العربي في الإستراتيجية الصينية العليا" أنّ الصين صاغت إستراتيجية
تحكم بها علاقتها مع العالم العربي بعد أن أصبحت قوة دولية عظمى. وبحسب نعمة، يعيد ذلك فتح النقاش مجددًا بشأن إستراتيجية الصين العليا التي لم تُول التحولات في البيئة الإقليمية اهتمامًا، بل غلب عليها الشمولية والعمومية، ما يؤكد أنّها كانت إستراتيجية غير متماسكة. وفي مشاركة بعنوان "الوجود العسكري والإستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط" أفاد الباحث ديجانج صن بأنّ زيادة قوة الصين وتعاظم دورها في الشرق الأوسط يرتكزان على العقيدة الإستراتيجية التي تعدّ المنطقة "سوقًا تجارية" ضخمة، وهذا ما يُضعف وجود إستراتيجية واضحة ومتماسكة إلّ من منطلق حماية مصالحها التجارية والاقتصادية الجغرافية. ويضيف صن أنّ الصين في غنى عن علاقات عسكرية وأمنية في ظل تنامي العلاقات الاقتصادية بين الطرفين وهذا ما يساعد على تطوير العلاقات العربية – الصينية. وفي المداخلة الأخيرة من أعمال الجلسة الأولى، أوضح الباحث رابح زغوني في ورقته "الرؤية الصينية الجديدة للعالم: من الجيواقتصاد إلى الجيوبوليتيك" التركيب الثنائي بين القوى الإستراتيجية المؤثرة في العالم العربي؛ وهما الصين والولايات المتحدة الأميركية؛ فإحداهما صاعدة والأخرى تقليدية ومهيمنة، في ظل عدّ العالم العربي متغيرًا تابعًا لتأثير متغيّ ين مستقليّن هما "الصعود الصيني" و"الأحادية الأميركية." ويذكر الباحث أنّ التحولات في الدور السياسي الصيني في المنطقة العربية التي أصبحت منطقة محورية في سياسة الصين الخارجية الجديدة تعود إلى إدراك صانع القرار الصيني أنّ الوجود الأميركي في العالم العربي قد يكون موجّهًا ضد مصالح الصين.
البعد التاريخي والثقافي في العلاقات الصينية – العربية
ضمن الجلسة الثانية التي خُصصت لقراءة البعد التاريخي والثقافي في العلاقات الصينية - العربية، أوضح الباحث معين صادق في ورقته "العلاقات العربية - الصينية والتجارة البحرية من القرن السابع إلى القرن العاشر الميلادي" أنّ العلاقة بين الجانبين علاقة قديمة تعود إلى عهد الخليفة عثمان بن عفان عندما أرسل وفودًا بقيادة الصحابي سعد بن أبي وقاص إلى أباطرة أسرة تانغ الصينية الحاكمة في تشانغان. وتمكنوا من بناء أول مسجد في مدينة غوانغتشو. وظهر عدد من الاكتشافات الأثرية والمصادر والخرائط التي تؤكد أنّ العلاقة تاريخية وقديمة وتعود إلى اهتمام العرب منذ القدم بالتواصل مع الصين لأغراض تجارية. وحافظ العرب خلال العصر الأموي على علاقات مستمرة مع أباطرة الصين. وشهدت العلاقات في العصر العباسي تطورًا كبيرًا بخاصة في مجال التبادل التجاري. وأكّد قاو يوتشن في ورقة بعنوان "العلاقات الصينية - العربية: تشاركية عبر التاريخ" ما أورده معين صادق حين أوضح أنّ الاهتمام الصيني بالعالم العربي يعتمد على إستراتيجية طويلة الأمد. وسلّط الضوء على التعاون العربي الصيني والتقارب في المواقف. وذكّر بموقف الصين الداعم للقضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وضمن السياق ذاته أكّد الباحث شمس الدين الكيلاني في ورقته "إعجاب العرب بتنظيم الصينيين وحكمتهم في العصر الوسيط" أنّ نظرة العرب إلى الصين في العصر الوسيط كانت نظرة إعجاب بخاصة في ما يتعلق بتنظيم الدولة، والبناء السياسي، والحرف الدقيقة. وظهر ذلك في اهتمام المؤرخين والرحالة العرب مثل ابن بطوطة والغرناطي عندما قاموا بدراسة الصين ونقل تجربتها في بناء الدولة والعلوم والحرف إلى العالم الإسلامي.
مبادرة الحزام والطريق والتفاعل الاقتصادي بين العرب والصين
ضمن الجلسة الثالثة التي سلّطت الضوء على "مبادرة الحزام والطريق والتفاعل الاقتصادي بين العرب والصين" قدّم الباحث لورنس برام ورقة بعنوان "الحزام الواحد والطريق الواحد والإجماع الجديد" أشار فيها إلى أنّ الصين تولّت إدارة دفة الاقتصاد العالمي في ظل التحولات الكبيرة التي شهدها النظام المالي العالمي؛ إذ إنّ الصين اليوم، باتت تقدّم خبرةً عملية مترافقة مع رأسمالها بعد أن حدّت من مشكلة الفقر، وبدأت تعيش حالة من الازدهار النسبي. ومن هنا أكّد برام انبثاق نظام مالي عالمي جديد يعزز صلابة دول "الجنوب" وشعوبها التي تتبنى الفلسفة البراغماتية والتنوع المحلي، مقابل دول محددة لمراكز القوى العظمى تعتنق الأيديولوجيا نفسها وتتبنى عولمة أحادية. وفي الورقة الثانية "مشروع 'الحزام الواحد والطريق الواحد' الصيني ومجلس التعاون لدول الخليج العربية"، تطرّق الباحث جوناثان فولتون إلى عوامل عدة ساهمت في تمكين مشروع الحزام الواحد والطريق الواحد، أبرزها أنّ دول الخليج العربي تمثّل ركنًا أساسيًا في المبادرة وذلك انطلاقًا من موقعها الإستراتيجي الذي يربط الصين بالعالم العربي والأفريقي والأوروبي، هذا إضافةً إلى احتياطيات النفط والغاز الضخمة التي تعتمد عليها الصين في صناعتها؛ ما أدى إلى
تطوير العلاقات الثنائية بين الطرفين بحيث تعتمد على مصالح تغطي تبادلات تجارية وسياسية وثقافية وأمنية. ثم قدّم الباحث أيمن الحماد ورقة بعنوان "مبادرة طريق الحرير وآفاق الاتصال الثقافي: العوائق والصعوبات"، ذكر فيها أنّ البعد الاقتصادي يحتل المرتبة الأهم في شكل المبادرة، وأنّ ذلك البعد هو المدخل الرئيس الداعم لأي تواصل ثقافي وإنساني يساهم في رفع مستوى التبادل بين الطرفين. وأكد حماد أنّ سياسة الصين السلمية في محيطها الإقليمي أو الدولي، تواجه معضلة مهمة في ظل المحاولات التي تقوم بها الولايات المتحدة الأميركية من خلال دعم مناهضي الصين في "الباسفيك"، وهذا ما يضع الصين أمام تحديات وصعوبات جمة في ظل رفد مشروعها التنموي العالمي من البوابة الإنسانية والثقافية الأكثر أهميةً واستدامةً بالنسبة إليها. واختتمت الجلسة بورقة الباحث سمير سعيفان "تجربة الصين وتجربة العرب في التنمية الاقتصادية" التي شدد فيها على أنّ تجربة الصين في التنمية الاقتصادية تمثّل التجربة التنموية الأبرز خلال الخمسين سنة الأخيرة؛ إذ استطاعت الصين خلال "القفزة الكبرى" لماو تسي تونغ في الفترة 1949 - 1976 أن تتنقل بين الجوع والفقر، بينما استطاعت أن تقفز أثناء فترة الإصلاح بعد سنة 1978 من الفقر إلى الغنى النسبي، ويقفز ناتجها المحلّ الإجمالي من نحو %6 من ناتج الولايات المتحدة إلى ما يزيد على %60 منه عام 2015، وتتحول إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم بفارق كبير بينها وبين اليابان.
العلاقات الصينية – الخليجية
ضمن الجلسة الختامية لليوم الأول التي قدّم فيها الباحثون قراءة في العلاقات الصينية – الخليجية، قدّم البروفيسور تيموثي نبلوك مداخلة بعنوان "موقع مجلس التعاون لدول الخليج العربية من الدور الصيني المتحول في آسيا" أوضح فيها كيف أصبحت الصين اليوم الشريك التجاري الثاني لدول مجلس التعاون بعد الاتحاد الأوروبي. ومن المرجح أن تتفوّق على الاتحاد الأوروبي خلال السنتين أو السنوات الثلاث المقبلة في هذا المجال، علمً أنّ الغموض لا يزال يكتنف عملية تكيّف مجلس التعاون مع شبكة التعاون والتنسيق الأوسع التي تبنيها الصين في جميع أنحاء آسيا الوسطى والمحيط الهندي ضمن مبادرة "الطريق والحزام." ورأى الباحث محمد السديري في ورقته "العلاقات الصينية - السعودية: الحاجة إلى مقاربة جديدة؟" أنّ المشاريع الصينية الحالية المتعلقة بمبادرة الحزام الواحد والطريق الواحد بإمكانها أن تتجاوز السعودية، ولكن ازدياد المخاوف من السعودية في ظل تزايد تأثيرها الفكري في الجماعات الإسلامية في الصين ودون البحث في الموقف الإيراني ضمن إستراتيجية الصين تجاه المنطقة، قد يؤدي إلى خسارة سياسية. ويرى الباحث أنّ الأثر المدمّر لهذه العناصر الهيكلية والمعيارية يفاقمه افتقار السعودية، على نحوٍ خاص، إلى فهمٍ عميقٍ للصين ولإجراءاتها السياسية (ما يعرف ب "الفجوة المعرفية)"، وإن كان ذلك يصحّ على دول الخليج بوجهٍ عامّ. مما ساهم في بلورة تصوّرات خاطئة لدى العواصم الخليجية عن أهداف الصين وخطابها، وتسبّب في توقّعات زائفة بشأن نهجها وسياستها الخارجية تجاه الشرق الأوسط (ما يفسّ الانحراف الذي شهدته العلاقات الصينية - السعودية خلال الفترة )2014-2011. يُضاف إلى ذلك غياب أيّ استثمار مستدام في التعامل مع المؤسسات الأكاديمية والسياسية الصينية المهمّة، ما أدّى إلى نشر نقاشات ومحادثات مثيرة للجدل، والأهم من ذلك أنّها لا تخضع للمساءلة، وذلك على حساب مصالح دول الخليج البعيدة المدى.
وأكّد حسن علي في مداخلة له تحت عنوان "استخدام نموذج العرض غير المحدود للعمل: مقارنة بين التجربتين الصينية والخليجية"، مستندًا إلى نموذج آرثر لويس الذي يعتمد على انتقالٍ أو هجرة للعمالة من الريف إلى الحضر (وهذا ما اعتمد عليه الاقتصاد الصيني في النمو)، أنّ اقتصاد الخليج اعتمد على العرض غير المحدود من العمالة المستوردة من دول العالم المختلفة. وأشار علي إلى أنّه استخدم نموذج لويس الأساسي من أجل توضيح عناصره الأساسية وما عَدّه لويس ضروريًا لتحقيق النمو المتوازن. فالنموذج الاقتصادي لآرثر لويس يساعد على توضيح كيفية العمل بالنموذج في كلٍّ من الاقتصاد الصيني واقتصاد دول الخليج العربية والفروق الأساسية بينهما. ويقدم النموذج تحليلً مفاده أنّ اختلاف الهبات أو الموارد الطبيعية، وأسلوب إدارة الاقتصاد في كلٍّ من الاقتصادين (الصيني، والخليجي)،
أدّى إلى نتائج مختلفة. وقدّم حسن علي تحليلً للعوامل التي تؤدي إلى التنبؤ بهبوط معدلات النمو في الصين من جهة، والعوامل التي يمكنها أن تؤدي إلى استمرار المعدلات المرتفعة في الخليج من جهةٍ أخرى. واختتم اليوم الأول جلسته الأخيرة بورقة تبحث في "العلاقات الكويتية – الصينية: دور الإعلام والدبلوماسية الناعمة في تنمية المصالح المشتركة" للباحثيَن حامد العبد الله وحسن جوهر. أكّد الباحثان أنّ الصين تُعدّ قوةً أساسية وفاعلة على الساحة الدولية، نظرًا لنموّها الاقتصادي وثقلها السياسي والعسكري والتاريخي، إضافةً إلى انهيار مفهوم القطب الحاكم الواحد على مستوى السياسة الدولية، وفي ما يخص العلاقات الكويتية الصينية، كانت الكويت أول دولة خليجية تقيم علاقات دبلوماسية مع دول المنظومة الاشتراكية ومنها الصين. وأشار الباحثان إلى أنّ مسيرة العلاقة شهدت كثيرًا من التطور على المستويين الاقتصادي والسياسي، واستطلعا آراء عيّنة من الطلاب الكويتيين في تخصصَ العلوم السياسية والإعلام والعلاقات العامة حول واقع العلاقات الكويتية - الصينية، استنادًا إلى البعد الإعلامي والثقافي والسياحي والاقتصادي والسياسي؛ وذلك من خلال استبانة مُعدَّة لهذا الشأن ركزت على دور الدبلوماسية الناعمة ووسائل الإعلام في تقوية العلاقات بين الدول وتعزيزها، بالتوازي مع الدور السياسي الذي يقوم به رؤساء الدول وكبار المسؤولين.
الصين والصراع العربي – الإسرائيلي
افتتح اليوم الثاني للمؤتمر بجلسة تناولت "الموقف الصيني من الصراع العربي – الإسرائيلي." وقد استهلّ الباحث محمود محارب بورقة عنوانها "العلاقات الإسرائيلية – الصينية بعد انتهاء الحرب الباردة"، أشار فيها إلى أنّ العلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية والعسكرية قد تطورت بين الدولتين في العقدين الماضيين؛ بحيث ظلّت إسرائيل تحاول تطويرها لتعزيز العلاقات الثنائية بين الدولتين على أساس المصالح المشتركة بينهما. وسعت إسرائيل إلى تغيير مواقف الصين منها ومن حقوق الشعب الفلسطيني، عبر تسويق مفاهيم، يرد في مقدّمتها، لا سيما منذ بدء الثورات العربية، أنّ إسرائيل دولة مستقرة لا تتعرض لثورات تُهدد استقرارها، وأنّها دولة متطورة اقتصاديًا وصناعيًا. وأضاف محارب أنّ العلاقات الإسرائيلية – الصينية، مرّت منذ عام 1950 حتى اليوم، بأربع مراحل رئيسة هي: أولً، مرحلة بداية العلاقات ومحاولات تطويرها التي امتدت خلال الفترة.1955–1950 ثانيًا، مرحلة العِداء التي امتدت من عام 1955 إلى أواخر السبعينيات. ثالثًا، مرحلة محاولات التقارب والسعي لتطبيع العلاقات التي امتدت خلال الفترة 1992–1980. ورابعًا، مرحلة العلاقات السياسية الكاملة وتمتين العلاقات بين الدولتين في مجالات مختلفة. وقد امتدت من عام 1992 حتى اليوم.
أما عزت شحرور فتناول في ورقته "تحولات الرأي العام الصيني تجاه العرب والصراع العربي – الإسرائيلي" الموقف الصيني المتحول من العرب وذلك عندما أشار إلى أنّه في ظل التطورات الإقليمية والدولية وعلى إثر مراقبة التحولات في الرأي العامّ الصيني تجاه العرب والصراع العربي – الإسرائيلي، يتضح أنّ هناك تطورًا ملحوظًا في العلاقات الصينية - الإسرائيلية في موقف النخب الأكاديمية والثقافية الصينية وشريحة واسعة من الشباب. ويظهر ذلك التحول، على نحوٍ واضح، في وسائل الإعلام الرسمية الصينية ووسائل التواصل الاجتماعي. ففي وقت تنشط فيه حملات المقاطعة لإسرائيل، اقتصاديًا وأكاديميًا وثقافيًا وعسكريًا، في عدد من دول الاتحاد الأوروبي، يحصل العكس في الصين؛ من جهة قوة العلاقات والتأييد والإعجاب بالنموذج الإسرائيلي، وارتباط ذلك بموجة من العداء للمسلمين والعرب بأسلوب متطرف يصل إلى حد استخدام عبارات عنصرية ضد الفلسطينيين حتى في اعتداءات إسرائيل عليهم. واختتم الباحث منصور هويوشانغ الجلسة بتقديم ورقة بعنوان "دور الصين في عملية السلام في الشرق الأوسط في ظل مبادرة الحزام والطريق." فالصين اتخذت موقفًا مساندًا لحقوق الشعب الفلسطيني، إذ التزمت منذ اغتصاب الأرض الفلسطينية وإنشاء الكيان الصهيوني برفض الاعتراف بإسرائيل، وذلك لأنّ القيادة الصينية الشيوعية حينها رأت فيه تجسيدًا "للإمبريالية" في المنطقة. وظلت
الصين تقاطع الكيان الصهيوني لعقود قبل أن تبدأ في التعامل الدبلوماسي معه في عام 1992، وتطورت بعدها العلاقة بين الطرفين باطّراد في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية الأمنية، وتزايدت المبادلات التجارية بينهما لتصل في عام 2015 إلى 10 مليارات دولار.
السياسة الصينية تجاه الثورات العربية
ضمن الجلسة الثانية التي قدّم فيها الباحثون "قراءة في السياسة الصينية تجاه الثورات العربية" استعرض الباحث جن ليانغ شيانغ مداخلة بعنوان: "السياسة الصينية تجاه العالم العربي في سياق إقليمي متغير." وخَلُصت الورقة إلى أنّ الصين تحاول أن تضطلع بدور مسؤول وبنَّاء في المنطقة لكنّها لا تزال تسعى للبقاء مساهم اقتصاديًا ووسيطًا يتفادى لفْت الأنظار. وفي المستقبل ستتّسم سياسة الصين تجاه الشرق الأوسط بالثبات والتنمية في آنٍ واحد. أمّا على صعيد التنمية، فمن المؤكد أنّ الصين ستعزز علاقاتها بدول المنطقة ولن تقتصر في ذلك على الطاقة، وستعزز أيضًا علاقاتها بدول المنطقة بطريقة أكثر شمولية، وخلافًا للقوى العظمى الأخرى، لا تبحث الصين عن تحالف مع دول الشرق الأوسط، كما أنّها لا ترغب في إنشاء علاقات بالوكالة معها.
وقدّمت الباحثة أي وي جنيفير شانغ ورقتها "السياسة الصينية إزاء الصراع في سورية" التي أوضحت فيها أنّ الصراع في سورية بات يمثّل أحد التحدّيات الأكثر إلحاحًا على الصعيدين الأمني والإنساني التي تواجه العالم العربي اليوم. وتواجه الصين اليوم تحدّي الصراع في سورية في الوقت الذي توسّع فيه نشاطها الديبلوماسي والسياسي والاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط والمسرح الدولي، وعلى الرغم من أنّ الصين تبوّأت موقعًا فريدًا يخوّلها الإعلان عن سياساتها وأهدافها في ما يتعلّق بالصراع السوري؛ إذ هي تسعى للاضطلاع بمسؤولياتها الدولية بوصفها قوّة صاعدة، وتجهد لحماية مصالحها القومية، إضافةً إلى إدارتها مجموعة معقّدة من العلاقات تربطها بالقوى الأساسية، ولكن تطوّر السلوكيات السياسية الصينية بشأن الصراع في سورية على مدى السنوات الخمس الماضية، سلّط الضوء على حسابات بكين الكامنة وراء تصويتها على قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن سورية، وإدارتها علاقاتها بالقوى الأساسية الأخرى والمبادرات الدبلوماسية التي قد تحقّق تسوية سياسية.
الجلسة الثالثة: العلاقات مع القوى الكبرى والإقليمية
افتتح الباحث منوشهر دراج أعمال الجلسة الثالثة بورقة عنوانها "علاقات الصين مع إيران والسعودية: محاولة إنشاء توازن دقيق." وفي هذا الإطار، تركّزت العلاقات الصينية بإيران والسعودية بوصفهما الدولتين الكبيرتين الغنيتين بالطاقة اللتين تُعدّان أهمّ ركنين لسياسة الصين في منطقة الشرق الأوسط، فالعلاقات الصينية الثنائية في مجال الطاقة والتبادل التجاري، وفي المجال السياسي، وفي المجال العسكري، أقامت توازنًا إستراتيجيًا لهذا الدور الحساس الذي تقوم به الصين للإبقاء على التوازن بين هاتين الدولتين المتخاصمتين. وفي حين نجد عوامل عدة أدت إلى توسيع رقعة نفوذ الصين وتكريس وجودها في منطقة الشرق الأوسط كمعدل النموّ المهمّ الذي حققته الصين منذ عام 1978 الذي راوح بين 6 و 10 في المئة، فقد أدى تراجع النفوذ الأميركي والأوروبي في المنطقة الذي تسارعت وتيرته بعد انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من العراق عام 2011 إلى فراغ في المنطقة. وما سهّل عملية دخول الصين المنطقة أنّها لا تملك تاريخًا استعماريًا، وسياساتها قائمة على احترام السيادة وعدم تدخّل أيّ طرف، فضلً عن علاقاتها الاقتصادية المربحة لكل الأطراف وذلك في منطقة يسود فيها شعور قويّ مناهض للاستعمار. وفي السياق نفسه، قدّم الباحث تغرل كشكن ورقة "العلاقات الصينية – التركية والصعود القومي للإيغور" حيث أشار إلى أنّ العلاقة بين البلدين تقوم على بُعدين مهميّن؛ وهما التجارة بخاصة في مجال التصنيع، وانضمام تركيا إلى حلف شمال الأطلسي. غير أنّ عددًا من الأكاديميين ينسى تسليط الضوء على جانب آخر مهمّ – وقد يكون الجانب الأهمّ – في هذه العلاقة المعقّدة والمتعدّدة الأبعاد، هو مسألة قوميّة الأويغور؛ إذ لا تستطيع الصين وتركيا تفادي تناول هذه المسألة عندما تتعاملان مع بعضهما البعض. فعلاقات التبادل التجاري والشؤون الخارجية والتبادل الثقافي وجميع جوانب
العلاقة التي تربط الصين بتركيا، متأثّرة بقومية الأويغور وبدينامية القومية التركية. بحيث يؤكد كشكن أنّ مسألة الأويغور هي في الواقع من أهمّ العوامل التي تتحكّم في العلاقات السياسية والثقافية والاقتصادية بين البلدين. وفي ورقة بعنوان "تأثير صعود الصين في مثلث الخليج وإيران وباكستان" يؤكد الباحث سعيد شفقت أنّ النهوض الذي شهدته الصين خلال العقود الثلاثة الماضية، يعطي تفسيرات متباينةً بشأن كيفية تأثير هذا النهوض في علاقاتها بدول الخليج والشرق الأوسط. فأصبحت قضايا الأمن والطاقة محوريةً، في وقت تنكبّ فيه الصين على تنفيذ مشروعها الطموح "الطريق الواحد والحزام الواحد"؛ ذلك أنّها آثرت صوغ سياسة استباقية صلبة تجاه المنطقة على الصعد الثقافية والاقتصادية والعسكرية. فهي تسعى لتنفيذ هذه السياسة في إطار النيوليبرالية، وهي بصدد إعادة تشكيلها بإتقان أيضًا. وضمن هذا السياق الإقليمي الواسع، تُفهم أيضًا علاقة دول الخليج وباكستان وإيران على نحوٍ خاص، والهند بوجه عام، مع نهوض الصين. وهذا ما يمكن أن يعزز احتمالات إنشاء علاقات اقتصادية وعسكرية وثقافية جديدة قد تعزّز فرص السلام والتعاون والتنمية وتسهم في تغيير الديناميات الجيوسياسية لإيران وباكستان والهند. وفي ورقته "تداعيات تحول الإستراتيجية العالمية للولايات المتحدة على العلاقات الصينية الخليجية" أكّد الباحث جورج جياوزيو دوان أنّه في ضوء الزيارة التي قام بها مؤخرًا الرئيس الصيني إلى كلٍ من المملكة العربية السعودية وإيران من جهة، وانطلاقًا من السياسة الخارجية الحالية للرئيس الأميركي أوباما التي توحي بمستوى من فكّ الارتباط بالشرق الأوسط من جهة أخرى، بدأت الصين حينها ترسم رؤية انطلاقًا من موقعها الإستراتيجي في منطقة الخليج، وانطلاقًا من تخلّ الولايات المتحدة عن مصالحها. ويوضح دوان أنّ لذلك تداعيات سياسية على مستقبل تمكين العلاقة بين الصين ودول مجلس التعاون.
نماذج من العلاقات العربية – الصينية
استعرضت الجلسة الختامية بعض نماذج العلاقات العربية – الصينية، وافتتحت بورقة ابتسام عبد ياس "توجهات السياسة الصينية حيال العراق بعد 2003" التي أوضحت فيها أنّ السياسة الصينية تجاه العراق بعد الاحتلال الأميركي في عام 2003، أخذت طابعًا متّصفًا بمعايشة الوضع العراقي والدعوة إلى الجنوح للسلم وتغليب الحل السياسي واتخاذ إجراءات سياسية تلائم هذه المرحلة الحافلة بالتقلبات. بحيث أنّ تحليل سلوك الصين يبين أنّها غير مستعدّة بعد للتخلي عن علاقاتها بالولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية، وإن كانت تحاول القيام بدور محدود ومعارض للهيمنة الأميركية. وعلى جانبٍ آخر ليس بأقل أهمية قدّم الباحث محمود زكريا إبراهيم مداخلة بعنوان: "العلاقات المصرية –الصينية منذ انتهاء الحرب الباردة." وجد إبراهيم أنّ العلاقات بين البلدين (مصر، والصين) منذ انتهاء الحرب الباردة حظيت بقدرٍ كبير من الاستمرارية والثبات، منذ نشأتها في منتصف العقد الخامس من القرن العشرين. وعلى الرغم من تغيّ الأوضاع الدولية والإقليمية منذ انتهاء الحرب الباردة، فإنّ العلاقات المصرية – الصينية اتسمت بالتطور الإيجابي والازدهار في جميع المستويات.
وفي سياقٍ آخر متصل قدّم الدبلوماسي السوداني السابق علي يوسف الشريف ورقة بعنوان "العلاقات الصينية – السودانية: شراكة أم تبعية؟" أشار فيها إلى أنّ العلاقات اتصفت بالمتانة خلال العقدين الأخيرين، وتستخدم الصين أدوات القوة الناعمة في السودان من واقع استثماراتها الكبيرة حيث تعمل على حماية مصالحها النفطية خصوصًا. ومن واقع محاولاتها إنشاء شراكات محلية للاستفادة من موارد أفريقيا، تحاول الصين التخفيف من حدة تغوّلها في القارة السمراء بما يحول دون الدخول في صدام مع الغرب. وأشارت الباحثة أسماء بن مشيرح في ورقتها بعنوان "إستراتيجيات التغلغل الصيني في الجزائر: دراسة في الآليات والرهانات المستقبلية" إلى أنّ التغلغل الصيني في الجزائر قام على أساس القوة الناعمة، إذ بدأت الصين في منافسة الولايات المتحدة الأميركية والدول الكبرى الأخرى على الأقاليم والمناطق ذات الأهمية الإستراتيجية؛ مستخدمةً وسائل القوة الناعمة للتوسع والحضور في مشاريع اقتصادية كبرى متصلة بالبنية التحتية أو مشاريع الطاقة، فالنموذج الصيني للصعود خلق نوعًا من التغلغل في العالم من خلال قوّته الناعمة. وبهذا الشكل يوصف الوجود الصيني في الجزائر بكلّ أبعاده.