مؤتمر الواقع والطموح" "إستراتيجية المقاطعة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي ونظام الأبارتهايد:
ACRPS Conference "Boycotting as a Strategy to Counter Israel's Occupation and Apartheid: Present - Day Realities and Aspirations"
عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع فرع تونس في الرابع من آب/ أغسطس 2016، بمدينة الحمّ مات التونسية مؤتمرًا أكاديمّيًا حمل عنوان " إستراتيجية المقاطعة في النضال ضد الاحتلال ونظام الأبارتهايد الإسرائيلي: الواقع والطموح." ويأتي المؤتمر في إطار التقاليد الأكاديمية للمركز الذي يخصص جزءًا من البحث وورشات العمل الأكاديمي لدراسة القضية الفلسطينية، إذ هدف إلى دراسة مسألة المقاطعة بوصفها أداةً من أدوات المقاومة الشعبية وأسلوبًا من أساليب مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. وقد شارك فيه عدد من الباحثين والخبراء العرب والأجانب، وتضمنت أعمال المؤتمر 29 ورقة بحثية أكاديمية من مختلف أنحاء العالم. وأشار مهدي مبروك، مديرُ فرع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في تونس، في الكلمة الافتتاحية للمؤتمر إلى المنعرجات العديدة التي اعترضت المقاطعة على المستوى الرسمي العربي في السنوات الأخيرة بسبب ضعف النظام الرسمي العربي، وتشتُّت النخب العربية، وبروز حالات استقطاب حادّة، وتنامي موجات العنف والتطرف، وارتفاع منسوب مناهضة الغرب، والمسلمين عامّة؛ وهو ما كان له انعكاس كبير على القضية الفلسطينية. كما شدّد على ضرورة دعم الجهد العلمي والبحثي لمساندة الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة ضمن التزام أخلاقي؛ يكرّس حق الاختلاف والتعدّد بما يغذي ديناميكية المقاطعة، وتفعيل أشكالها ومضامينها؛ بوصفها جزءًا من حق الشعب الفلسطيني في المقاومة والتحرر. وفي الجلسة الافتتاحية أيضًا، ركز محمد المصري، المدير التنفيذي للمركز العربي، على ضرورة تسليط الضوء أكاديميًا على مختلف أوجه معاناة الشعب الفلسطيني، ومقاومته للاحتلال الإسرائيلي، والبحث في سبُل تفعيل آليات المقاومة، ولا سيمّا المقاطعة الاقتصادية والأكاديمية والثقافية لإسرائيل.
المقاطعة إستراتيجية عمل وطني فلسطيني
ضمّت الجلسة العلمية الأولى في المؤتمر مجموعةً من الأوراق الأكاديمية التي بحثت، على وجه الخصوص، موضوع "المقاطعة كإستراتيجية عمل وطني فلسطيني، والرد الإسرائيلي عليها." وفي هذا الإطار، أشار الباحث ميشال نوفل إلى أنّ الموقف الأوروبي الشعبي كان جريئًا وأكثر انتصارًا للحقّ الفلسطيني من الموقف الأوروبي الرسمي، مشيرًا إلى مبادرات مدنية في أوروبا للمقاطعة، وفي ألمانيا وبريطانيا بالتحديد؛ لما لذلك من دلالة خاصّ ة. كما قارنها بالتجربة الأميركية في المجال ذاته؛ مع اختلاف الديناميكا المتبعة؛ مسلّطًا الضوء على الإستراتيجيات التي اعتمدتها الجهات المضادة لمواجهة حركة المقاطعة. وكانت السياساتُ المضادةُ لمواجهة المقاطعة، وبشكل خاص الأدوات التي تميّز المرحلة الجديدة، التي أطلق عليها نديم روحانا "مرحلة الهجوم"، محورَ ورقته البحثية التي جاءت بعنوان "النقاش الإسرائيلي في مواجهة حملات المقاطعة"، إذ أخذت وزارة الخارجية الإسرائيلية زمام المبادرة بالتعاون مع وزارة الشؤون الإستراتيجية في بناء إستراتيجيات هجوميّة تهدف إلى القضاء على حركة المقاطعة وتصويرها كحركة تقع خارج إطار الشرعيّة السياسيّة وحتى الشرعيّة الأخلاقيّة. ولمّا كان جوهر الخطر على إسرائيل من حركة المقاطعة لا يأتي من الجانب الاقتصادي، بل من التحدي المباشر للأسس الأخلاقيّة التي تدعّي إسرائيل أنها تمثلها، فقد ركّزت إستراتيجية إسرائيل الهجوميّة على الجانب الأخلاقيّ مستحدثةً أدوات وطرق عمل لضرب هذا الجانب.
من ناحيتها، بينت الباحثة آيات حمدان في مشاركة بعنوان "المقاطعة في السياق الفلسطيني: الظروف والتحديات" أنه في غياب برنامج وطني يحظى بدعم القوى السياسية المختلفة؛ تظهر الحملة الوطنية لمقاطعة إسرائيل خيارًا وطنيًّا جامعًا، بقيادة اللجنة الوطنية والتي تسعى إلى تفعيل مقاطعة هذا الكيان دوليًّا. وخلصت إلى أنه على الرغم من النجاح الكبير الذي حققته إستراتيجية مقاطعة إسرائيل دوليًّا، وعلى الرغم من الخسائر الاقتصادية والمعنوية الفادحة التي ألحقتها بها، فإنّ تحدياتٍ كثيرةً لا تزال تعترض طريق حركة المقاطعة داخليًا؛ تحدياتٍ أفرزتها طبيعة النظام الاستعماري الاستيطاني الذي تخضع له فلسطين، إضافةً إلى الواقع السياسي والاقتصادي الناتج من "اتفاقيّة أوسلو." وفى مشاركةٍ بعنوان "كي تستمر النجاحات: تعديل إستراتيجية حملات المقاطعة"؛ أفاد الباحث خليل جهشان أن حركة المقاطعة تواجه اليوم تحدّياتٍ كبيرةً، وبخاصّةٍ بعد أن حشدت إسرائيل جهدًا ضخم
لتشويهها. ومن الضروري، وفقَ تقديرِه، إعادة النظر في تكتيكات الحركة، داخل المجتمع الأميركي على وجهٍ خاصّ؛ للمحافظة على سعيها لتحقيق أهدافها، وتعزيز فاعليّتها، وضمان استمراريتها في مواجهة الحملة الإسرائيلية الساعية لتقويضها.
الأبعاد القانونية لحملات المقاطعة
تناولت الجلسة الثانية حملات المقاطعة والإجراءات القانونية الموجهة ضدها والآليات التي تحد من تأثير تلك التشريعات والقوانين. وفي هذا السياق، قدم الباحث جميل دكور ورقة بعنوان "الماكارثية الأميركية الجديدة: التحليل القانوني للإجراءات المانعة لحملات المقاطعة في الولايات المتحدة." ورأى دكور أنه مع تنامي دور حملات المقاطعة وأهميتها، بدأت مجموعات محافظة وداعمة للكيان الإسرائيلي تنظيم حملات تسعى لنزع شرعية هذه الحركة، مستهدفة السلطات التشريعية والفدرالية والوطنية. وقد تم طرح عدد من مشاريع القوانين وأُقر بعضها، إضافة الى الأمر التنفيذي الذي أصدره حاكم ولاية نيويورك أندرو كومو، إذ أدرج أساسًا أسماء المنظمات التي تشارك في المقاطعة ضمن قائمة سوداء. وجرى اتخاذ تدابير فدرالية أخرى وتم اعتمادها، بما في ذلك التشريع والقرارات من أجل مواجهة حركة المقاطعة. كما تطرق الباحث الى الأخطار السياسية والقانونية الناجمة عن تحدي التدابير المناهضة لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، وقدّم بعض الملاحظات بشأن بعض الطرق العملية للتصدّي لها والسير قُدمًا فيها. وفي السياق نفسه، بينت الباحثة سلمى كرمي أيوب في الورقة التي قدمتها بعنوان "الإجراءات القانونية ضد حملات المقاطعة: هل للمؤسسات العمومية حق في أن تقاطع إسرائيل؟ لجوء الحكومات والمجموعات الخاصة لإدارة الحملات في البلدان الأوروبية مؤخرًا، وعلى وجه الخصوص، المملكة المتحدة، إلى الوسائل القانونية لتسهيل الهجوم على حركة المقاطعة. وتطرقت الباحثة إلى الجهد الذي تبذله الحكومات والمنظمات المناهضة لحركة المقاطعة متذرعة بالقوانين المناهضة للتمييز، في محاولة منها لمنع الأفراد والهيئات العامة من الانخراط في مبادرات حملات المقاطعة. واقترحت الباحثة ضرورة صوغ مجموعة من الحجج القانونية التي يمكن اعتمادها والتي تركز على الحق في حرية التعبير لحماية حق الأفراد في الانخراط في حملات المقاطعة. وفي السياق القانوني ذاته، قدم مركز الحقوق الدستورية ورقة بعنوان "الاحتلال كمشروع تجاري: المنشآت التجارية في المستوطنات في ظل القانون الدولي وحملة المقاطعة." انطلقت الورقة من فرض عدم قانونية المستوطنات الإسرائيلية بموجب القانون الإنساني الدولي، واستندت إلى تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الذي صدر مؤخرًا من ناحية الدور الذي تقوم به الشركات التي تعمل في المستوطنات، وتموّل بناء المستوطنات، وتؤمّن الخدمات للمستوطنين، أو تتاجر مع شركات المستوطنات. وتطرقت الورقة إلى الكيفية التي تسهّل بها هذه الشركات شؤون المستوطنات غير القانونية وتؤازرها، وتبي كيف تساهم هذه الشركات في نظامٍ يتوقف وجوده وتوسّعه على المصادرة غير المشروعة للأراضي والموارد الفلسطينية؛ مما يتعين على حملات المقاطعة تضمين خطابها أبعادًا قانونية وآليات مواجهة الأنشطة المرتبطة بالمستوطنات من انتهاكات إسرائيل للقانون الإنساني الدولي وسياساتها التمييزية والمسيئة التي تشجّع على توسيع المستوطنات واقتصادها.
المقاطعة الاقتصادية وأبعادها السياسية
تطرقت الجلسة الثالثة من أعمال اليوم الأول إلى أثر المقاطعة الاقتصادية على الكيان الإسرائيلي وأبعادها السياسية، إذ قدم في هذا الإطار الباحثان مالك حبايب ورائد حبايب ورقة بحثية بعنوان "حملات المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل منذ عام 2005: مقارنة تحليلية بين البلدان العربية والغرب." وقد بدأ الباحثان ورقتهما ببانوراما تاريخية للمقاطعة الاقتصادية الرسمية العربية وتراجعها مع توقيع عدد من اتفاقيات السلام مع الكيان الإسرائيلي، وبخاصة مع زيادة انكشاف العالم العربي أمام قوى العولمة والاقتصاد النيوليبرالي. وبعبارة أخرى، تزامن التطبيع مع إسرائيل مع زيادة اختراق الشركات المتعددة الجنسيات لاقتصادات العالم العربي. وللمفارقة، فقد حققت المقاطعة الاقتصادية في بلدان غربية مؤيدة لإسرائيل العديد من الإنجازات، لذا حاول الباحثان رصد هذه النجاحات وتحليلها مقارنة مع الوضع الراهن في العالم العربي، والوصول إلى العقبات والتحديات التي تواجه القيام بمبادرات مماثلة في المنطقة. وفي سياق قريب، قدّم الباحث طارق حمود ورقة بعنوان "المقاطعة في الإجراءات الأوروبية: نصف مقاطعة للمستوطنات، ودعمٌ مطلق لإسرائيل"؛ أكدّ فيها أن حركة مقاطعة إسرائيل في أوروبا، تحمل أبعادًا
قانونية وحقوقية، إضافةً إلى منطلقاتها الأخلاقية، وأن هذه الحركة تنقسم إلى قسمين: الأول مدنيّ وهو الأشدّ تأثيرًا، والثاني رسمي نابعٌ من بعض الإجراءات الأوروبية الرسمية. وتابع قائلً: "إن القراءة المتأنية للإجراءات الأوروبية الرسمية تجاه المستوطنات قد تخرج باحتمالات متعددة؛ تبدأ من الجانب القانوني والأخلاقي الذي يعيش انفصامًا واضحًا مع إجراءات رسمية أخرى تجعل إسرائيل، بوصفها نظامًا سياسيًّا بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، حليفًا فوق القانون، وديمقراطيةً تستحق الدعم لا العكس." أما الباحثة أماني السنوار، فقد ذكرت في ورقة بعنوان "وسم بضائع المستوطنات في أوروبا بين الاقتصاد والسياسة" أن قرار البرلمان الأوروبي، سنة 2012؛ وضعَ علامات خاصّةً لتمييز مصدر المنتوجات الإسرائيلية (من المستوطنات)، وهو موقف يُفهَم منه عدم اعتراف الدول الأوروبية بسيادة إسرائيل على الأراضي المحتلّة سنة 1967، مشيرةً إلى أن التطورات الإقليمية، في السنوات الأخ ةرر، وسّعت الفجوة بين الدور والأهداف الأوروبية في منطقة الشرق الأوسط وبين علاقة أوروبا الثنائية بإسرائيل. وطالبت السنوار بمضاعفة الجهد إقليميًّا ودوليًّا لدعم عزلة المشروع الاستيطاني، داعيةًالنخبَ العربيةَ إلى تعزيز مبادرات المقاطعة العربية والعالمية لإسرائيل، وتفعيل الرؤى المتعلقة بذلك. وفي ختام الجلسة، قدم الباحثان أبو بكر عبد الرازق وربى العلاونة ورقة بحثية بعنوان "المقاطعة وفرص بناء اقتصاد وطني فلسطيني: تحليل تجارب المقاطعة التجارية للكيان الإسرائيلي في الضفة الغربية" هدفت إلى قياس المدى الذي بلَغته عملية المقاطعة الاقتصادية في فترتَ الحربيْةَ الأخيرتين على غزّ 2012(و)2014، وأثر ذلك في القطاع الخاصّ الفلسطيني وكشف جوانبها المختلفة، وتبلورها التلقائي يَوتطورها في الوجدان والوعي الشعب ومدى تأثيرها في المدَي القريبِ والبعيدِ في خلق اقتصادٍ وطنيّ فلسطيني.
حملات المقاطعة في الوطن العربي: التاريخ والمسارات والتجارب
ضمت جلسات اليوم الثاني من المؤتمر عددًا من الأوراق البحثية التي تناولت حملات المقاطعة في الوطن العربي والتطور التاريخي لها وتراجعها الرسمي واندفاعها الشعبي المدني. فقد جاءت ورقة عبد اللطيف الحناشي تحت عنوان "مقاطعة الحركة الصهيونية والاحتلال الإسرائيلي: قراءة في الأبعاد التاريخية"؛ إذ استعرض الجذور التاريخية لظاهرة المقاطعة، وتطور أشكالها في فلسطين من مقاطعة شعبية إلى رسمية. وتطرق إلى محاولات تطور مفهوم المقاطعة في الفترة التي تلت الاتفاقيات السياسية بين العرب والكيان الإسرائيلي، ويتوقف الحناشي عند قيام الكيان الإسرائيلي عام 1948 لتبدأ مرحلة تاريخية جديدة في مقاطعة الكيان الإسرائيلي على المستوى الرسمي العربي؛ إذ أكمل أحمد قاسم حسين من حيث انتهى الحناشي، وحملت ورقته عنوان "المقاطعة ومناهضة التطبيع: التراجع الرسمي العربي والاندفاع المدني الشعبي." فقدم خلفية تاريخية للمقاطعة الرسمية العربية بعد قيام دولة الكيان الإسرائيلي، إذ بدأت المقاطعة بدعمٍ من جامعة الدول العربية التي خصصت لها مكتبًا للمقاطعة في دمشق، وحققت عددًا من النجاحات، لكنها تراجعت ببعدها الرسمي العربي مع عملية السلام في مدريد وانخراط الدول العربية في مفاوضات سلام مع الكيان الإسرائيلي، وقادت إلى توقيع سلسلة من الاتفاقات السياسية التي فرضت واقعًا جديدًا وعنوانًا لمرحلة نقيضة للمقاطعة اصطلح على تسميتها بمرحلة التطبيع. وأكد الباحث أنّ نجاح حملات المقاطعة ضد المشروع الاستعماري، وبخاصة بعد اندلاع انتفاضة الأقصى، تحتاج إلى بناء القاعدة الاقتصادية والاجتماعية التي توفر شبكة أمان اجتماعية تدعم استمرارية المقاومة أو الصمود المقاوم ضد الهجمات التي تقودها السلطة المستعمرة من ناحية، والتواصل والتشبيك مع حركات التضامن الدولي في مناطق مختلفة من العالم من جهة ثانية.
وجاءت مشاركة الباحث عمرو سعد الدين بعنوان "حركة مقاطعة إسرائيل BDS في محيطها العربي: قراءة في القيم والمسارات" ركز خلالها على دراسة المحيط العالمي بصورة عامة، والعربي على وجه التحديد، في نشأة حركة المقاطعة، وارتباطها بالمحيط العربي من ناحية القيم والمسارات التي تسلكها في العالم. وانطلق من أن النضال الفلسطيني ارتبط تاريخيًا بمحيطه العربي والدولي، وشكلت تجربة
مناهضة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا نموذجًا للمحاكاة من قبل حركة المقاطعة وظهر ذلك في بيانها التأسيسي. وخلص الباحث إلى ضرورة تحليل سلوك الفاعلين وسط عوامل بنيوية لفهم مسار حركة المقاطعة في الوطن العربي ضمن المسارات العالمية الأخرى "الهند، جنوب أفريقيا، أوروبا، أميركا الشمالية"، ولا سيما أنّ حلقات المقاطعة التاريخية cycles boycott (الفلسطينية والعربية) ذات صلة وثيقة بالحركة العالمية، لكن باختلافات في الوقت نفسه تتعلق بطبيعة الفاعلين أنفسهم وبتغيرات بنيوية تتعلق بالصراع العربي - الإسرائيلي. واستهل أشرف عثمان بدر ورقته "حركة المقاطعة ومقاومة التطبيع: قراءة في المعوقات وعوامل النجاح" بسؤال ذي شقيّن، الأول: ما العوائق التي تحول دون نجاح حركة المقاطعة؟ والثاني، ما العوامل المساعدة لنجاحها؟ وضمن هذا السياق، حاول بحث الخطوط العريضة للإستراتيجية الإسرائيلية المضادة لحركة المقاطعة، ليختم بأن الإستراتيجية الإسرائيلية المضادة لحركة المقاطعة تنطلق من إلصاق تهمة معاداة السامية بنشاطات الحركة، وأنّ العائق الآخر الذي يحول دون تحقيق حملات المقاطعة نتائج ملموسة يعود إلى غياب إجماع فلسطيني على تبني برنامج وطني تكون المقاطعة جزءًا منه. وعن النماذج والتجارب على مستوى الوطن العربي، قدم عايد الجريد ورقة بعنوان "المقاطعة للكيان الصهيوني في الكويت بين -1945 2016" استعرض فيها تاريخ المقاطعة الكويتية للكيان الإسرائيلي والدور الذي أدته دولة الكويت كعضو في مجلس جامعة الدول العربية والتنسيق معها حول المقاطعة، والتزام الكويت التوصيات التي أصدرها مكتب المقاطعة الرئيس في دمشق بشأن مراقبة ناقلات النفط التي تحملها إلى أسواق خارجية، وتتلقّى الكويت من المكتب ذاته تقارير حول البضائع الصهيونية التي تتسرب إلى السوق الكويتية. وبين الباحث أنه مع التحولات السياسية والاقتصادية التي مرّت بها المنطقة عمومًا ومنطقة الخليج على وجه التحديد بخاصة بعد توقيع اتفاقيات السلام (كامب ديفيد، وأوسلو، ووادي عربة) مع دولة الكيان أثّر في حركة المقاطعة رسميًا وشعبيًا. لذا، يرى الباحث ضرورة تركيز البحث حول مدى التزام الكويت مقاطعة الكيان الإسرائيلي، وإبراز محاولات اختراق الأسواق الكويتية. وعن تجربة البحرين، قدم راشد الجاسم عرضًا تاريخيًا للمقاطعة هناك، وقد حملت ورقته عنوان "المقاطعة البحرينية للكيان الصهيوني: من ظهور المفهوم حتى أفوله)2016-1938(." واعتمد في إعداد دراسته على بحث أرشيفي ومقابلات ميدانية لإعطاء مساحة تحليلية واقعية كافية لقوى الجماهير الفاعلة في مجال المقاطعة ومناهضة التطبيع في البحرين تعكس حجم وعي الجماهير البحرينية بصورة عامة وبالقضية الفلسطينيّة. كما تناولت منى عوض الله حملات المقاطعة في الأردن؛ إذ جاءت ورقتها البحثية بعنوان" أشكال مقاطعة الكيان الصهيوني وأساليبها في الأردن: دراسة ميدانية." ولهذا الغرض أجرت الباحثة مقابلات مع مجموعة من الناشطين الذين قادوا حملات مقاومة التطبيع في الأردن أو شاركوا فيها، وكان عددها 13 مقابلة. وفي استعراضها لنتائج البحث، أشارت إلى أنّه على الرغم من تعدّد حملات مقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني، وتنوع أساليب تفعيلها وآليّاتها في الأردن، فإنّ هناك تراجعًا ملموسًا في أنشطتها عمومًا، وذلك بسبب تراجع الحريات في البلاد، وتعرُّض الناشطين للمُساءلة القانونية، إضافةً إلى تأثرها بضعف التنسيق بين الهيئات القائمة عليها، والذي أصبح مرتبطًا، بطريقة أو بأخرى، بمجريات الأحداث في المنطقة. وعن المقاطعة الأكاديمية، سعى فرج معتوق، في ورقته بعنوان "فرص التعاون الأكاديمي التونسي/ الأوروبي في المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل: الواقع والممكن"، لإجراء مقارنة بين فاعلية المقاطعة الأكاديمية في دول أوروبا الغربية على عكس الوطن العربي، وبحث في الأسباب التي أرجعها إلى غياب إستراتيجية عمل داخل المؤسسة الأكاديمية في عدد من دول الوطن العربي ومنها تونس، الأمر الذي يتطلب أيضًا نوعًا من التعاون والتنسيق مع المؤسسات الأكاديمية التي تقاطع الكيان الإسرائيلي في الغرب.
جنوب أفريقيا: تجربة ونموذج يحتذى
خصص المؤتمر جلسة خاصة تناولت تجربة جنوب أفريقيا في النضال ضد نظام الفصل العنصري الأبارتهايد باعتبارها التجربة الأكثر إلهامًا وتأثيرًا في حركة المقاطعة الفلسطينية. وضمن هذا الإطار، أكد ستيفان فريدمان مدير مركز دراسات الديمقراطية في جامعة رودوس وجوهانسبورغ في جنوب أفريقيا أنّ هذه المؤتمرات الأكاديمية مهمة للغاية في معرفة الإخفاقات والنجاحات في قضية المقاطعة. وبرأيه، فإن تبادل الأفكار يمكن أن يؤدي إلى فاعلية أكبر في دعم الشعب الفلسطيني لإيصال رسالته وتأكيد روايته. وبحث فريدمان، في ورقته التي حملت عنوان "الحظ أم الحكمة؟ عوامل النجاح في مقاطعة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا"، عوامل هزيمة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا من خلال حملة المقاطعة وكيفية الاستفادة منها على الساحة الفلسطينية، واستخلاص المقومات الرئيسة التي مكّنت مقاطعة الفصل العنصري من تحقيق أهدافها، من خلال تأطير النضال بوصفه حملة من أجل حقوق الإنسان وخلق
علاقة بين المقاومة الداخلية وحركة التضامن الدولي. وبيّ فريدمان أنّ حركة المقاطعة في جنوب أفريقيا لم تكن موحّدة، لكنها توحدت على مطلب المساواة في بلد واحد، وهو ما لم يتحقق في الحالة الفلسطينية. وفي الختام، نوه فريدمان إلى أنّ الدول الأفريقية في آسيا وأميركا اللاتينية دعمت مطالب الشعب الأفريقي ووصل الأمر إلى الأمم المتحدة لإلغاء نظام الفصل العنصري، وهو تحدٍ آخر للحركة الفلسطينية التي تحتاج إلى الاعتماد على الشعوب بدل الحكومات؛ إذ يمكن للشعوب الضغط أكثر.
وجاءت الورقة الثانية في هذه الجلسة بعنوان "حملة جنوب أفريقيا لفرض العقوبات وحملة المقاطعة الفلسطينية: فرص ونجاحات" وقدمها المدير التنفيذي لمركز أفريقيا والشرق الأوسط في جنوب أفريقيا نعيم جينا. وقد قارن فيها بين تجربة جنوب أفريقيا في النضال ضد نظام الأبارتهايد، والتجربة الفلسطينية؛ ليصل الى أنه يتعين أن تكون هناك إستراتيجية فلسطينية للمقاطعة على غرار ما حدث في جنوب أفريقيا، مع غياب الإستراتيجية فلسطينيًا؛ لا سيما أنّ موقف النظام الرسمي الفلسطيني ممثلً بالسلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية ورئيسها يناهض المقاطعة. وشدد جينا على ضرورة عدم تأطير حملات المقاطعة بجماعة أو حزب أو شخص والتعاطي معها على اعتبارها حالة شعبية مدنية.
حملات المقاطعة دوليًا: تجارب ونماذج
استكمالً لتجربة جنوب أفريقيا ودروسها المستفادة، سعى المؤتمر لاستعراض تجارب المقاطعة في مناطق عديدة من العالم، ابتدأها يوسف منير بورقة بعنوان "أساليب حملة المقاطعة والمطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني في الولايات المتحدة: الفرص والتحديات" استعرض فيها التحديات والفرص التي تواجه حركة المقاطعة في الولايات المتحدة بما فيها سلسلة التشريعات ضدّها. تلا ذلك، ورقة تمارة خروب بعنوان "حرب الإعلام حول حملة المقاطعة: انحياز التغطية الإعلامية الأميركية في مقابل نجاح وسائل التواصل الاجتماعي" ركزت فيها على المعركة التي تجري في وسائل الإعلام ضد حملات المقاطعة في الولايات المتحدة من خلال تغطية وسائل الإعلام المنحازة إلى إسرائيل للوقائع وتضليلها وتشويهها عبر تصنيف حركات المقاطعة بأنّها معادية للسامية، مجرّدةً إياها من أيّ سياق أو خلفيّة أو قانون دولي. أما ورقة أسامة أبو ارشيد المعنونة "المحاولات الصهيونية لرفع الشرعية عن حركة المقاطعة في الولايات المتحدة: أساليبها وأثرها" فقد تناولت أساليب اللوبي الصهيوني وحلفائه في محاولة نزع الشرعية عن جهد المقاطعة لإسرائيل في الولايات المتحدة، التي بلغت حدّ تجريم الناشطين فيها. وأبرز أبو ارشيد بعض استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة التي تظهر تصاعد نسبة التعاطف مع الفلسطينيين مقارنةً مع إسرائيل، وهذا ما دفع اللوبي الصهيوني، بكلّ أجنحته، إلى الاستنفار للتصدي لحملة المقاطعة هذه، وذلك عبر العديد من الوسائل التي تتضمن محاولة تمرير مشروعات قوانين في الولايات، والتعدّي على العمل الطلابي الجامعي عبر أدوات إدارية، ومحاولة خنق أيّ صوت أكاديمي مؤيد للمقاطعة. كما تناقش هذه الورقة نجاحات حركة المقاطعة في الولايات المتحدة، والتحديات التي تواجهها، وآفاقها. أما الباحث ماكس بلومنثال، فقد تطرق إلى موضوع ربط معاداة السامية بحركات المقاطعة في ورقته التي حملت عنوان "تصنيع معاداة السامية: تكتيك لضرب حملات التضامن"، وبيّ فيها محاولات مؤيدي إسرائيل وصم حركة المقاطعة بمعاداة السامية وتزامن ذلك مع ضغوط اللوبي المؤيد لإسرائيل في هيئات حكومية وجامعية لإعادة تعريف المصطلح وفقًا لمعايير إثنو-قومية صهيونية صريحة بعيدة كليًا عن معناه الأصلي. وتشرح لماذا يُتّهم حتى المؤيدون اليهود لحركة المقاطعة أيضًا بمعاداة السامية، وكيف أنّ هذا التكتيك قد عطّل العلاقات اليهودية البينية. كما تطرق بلومنثال إلى الهجمات على حركة التضامن مع فلسطين، بوصفها برنامجًا موجِّهًا لعملية انقضاض أوسع على الحركات الاجتماعية التقدّمية في الغرب، وتحلّل قوانين الطوارئ القمعية في فرنسا، والحملة ضد زعيم حزب العمال البريطاني جيرمي كوربين، والجهد المبذول لعرقلة تحالف العدالة الاجتماعية في نطاق الجامعات الأميركية. ومن ماليزيا، قدم الباحث محمد ناظري إسماعيل ورقة حول نشأة حركة المقاطعة في ماليزيا بعنوان "التحديات الراهنة لحملة المقاطعة في ماليزيا"، ويرى أنه من المفترض أنّ ماليزيا التي لا تقيم علاقات
دبلوماسية مع إسرائيل وملتزمة دعم القضية الفلسطينية دعمً كامل، إلا أنّ هناك جملة من التحديات تعترض هذا الدعم منها الدعم الآني للقضية الفلسطينية، والافتقار إلى دعم الماليزيين غير المسلمين، وكذا التحدّي المتمثّل بمقاطعة الشركات ذات الارتباطات السياسية، والتحدي المتمثّل بالاعتماد الماليزي على التجارة الدولية، إضافةً إلى انشغال ماليزيا بالنمو الاقتصادي ومواجهة الديون المتنامية على كاهل الأسر المعيشية الماليزية. وتناول الباحث بيتر سلزاك حملات المقاطعة في أستراليا، وجاء عنوان ورقته "حملة المقاطعة في أستراليا: نماذج من الاحتجاج السياسي الشعبي." وذهب إلى أنّ حركة المقاطعة الأسترالية ليست فريدة مقارنةً بالحملات العالمية لحركة المقاطعة، إلا أنّها تسعى لتطويرها لتصبح حركة احتجاج شعبية عامة تشمل مختلف الأطراف الحكومية والأحزاب السياسية. وعن تجربة أستراليا، ناقشت إيملي بلزارد في ورقتها بعنوان "تموضع حركة المقاطعة العالمية كقوة لتحويل النزاعات في الإعلام الجماهيري: دروس مستفادة من أستراليا" دور وسائل الاتصالات في تثقيف شريحة واسعة من الرأي العام وقدرتها على استقطاب الدعم للقضية الفلسطينية بشكل عام وحملات المقاطعة بشكل خاص. وخلصت إلى أنّ وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة تُتيح فرصًا غير مسبوقة وتؤمّن استقلالية لدى تأطير حركة المقاطعة وتعزيز زخمها بما يتلاءم وأهدافها في المجال العالمي العام. وفي الختام، تطرق كمال قمصية إلى حملة المقاطعة في تشيلي واستعرض في ورقته تحت عنوان "حملة المقاطعة في تشيلي: السيرة المختصرة والتحديات " تاريخ تأسيس حركة المقاطعة في تشيلي، وتعدّد إنجازاتها والصعوبات التي واجهتها والتحدّيات التي تواجهها. كما رصد الباحث نموّ هذه الحملة في تشيلي، بدءًا من تأسيسها، مرورًا بتشكّل منبرها المركزي المعروف ب "اللجنة المنسّقة لمقاطعة إسرائيل في تشيلي" التي توقّفت عن العمل في عام.2015
جلسة ختامية: نقاش مفتوح
اختتم المؤتمر بجلسة نقاشية جمعت المشاركين الذين أشاروا إلى ضرورة مساندة عمل حركات المقاطعة سياسيًا وأدبيًا لا سيما بعد النجاحات العديدة التي حققتها والخسائر التي ألحقتها بالاقتصاد الإسرائيلي وذلك من خلال تأطير الحملة وكل المبادرات المماثلة وتوسيع قاعدتها وتجديد أساليب عملها لتحقيق الأهداف المرسومة خاصة في البلدان العربية. وتطرق المشاركون إلى أهمية "أنسنة" القضية الفلسطينية والتركيز على أن ممارسات الكيان الصهيوني مخالفة لأبسط حقوق الانسان، والبحث في مختلف القوانين والتشريعات الوطنية والعالمية بما يخدم هذا التوجه، والاشتغال أكثر على المقاطعة الأكاديمية والجامعية والثقافية بسبب الوزن الكبير الذي يمثله الجامعيون والباحثون والمثقفون في صناعة الرأي العام. كما اقترح البعض إحداث وحدات أو مراكز بحثية على مستوى الجامعات العربية تهتم بموضوع المقاطعة العربية لإسرائيل وتبحث سبل تطويرها وتفعيلها.