التجربة التوافقية في العراق: النظرية والتطبيق والنتائج
الملخّص
تتناول هذه الدراسة تجربة اعتماد نظام الديمقراطية التوافقية في العراق بعد عام 2003، وهي تنطلق من محاولة فهم النظام التوافقي والأسس النظرية التي قام عليها، والخصائص التي تميّزه من الأنظمة الديمقراطية الأخرى، ومن ثمّ مقارنة ذلك بالنظام الذي تمّ اعتماده في العراق والمدى الذي تنطبق عليه صفة التوافقية. وتشير الدراسة إلى بعض الإشكاليات النظرية في النظام التوافقي، وكذلك في نموذجه الذي اعتمد في العراق، والذي استعار عددًا كثيرًا من العناصر التي تدعو إليها النظرية التوافقية؛ كالنظام الانتخابي القائم على التمثيل النسبي، وبعض الصيغ العرفية لتمثيل المكونات. لكن الدراسة تجادل بأنّ النموذج العراقي ليس توافقيًّا على نحوٍ تامٍّ، وأنّ بعض عناصر نظام الحكم الأغلبوي موجودة فيه، وأنّ التطبيق افترق في حالات كثيرة عن أ سس الديمقراطية التوافقية، وأنّ للأمر علاقة بكل إشكالية من الإشكاليات النظرية لهذا النظام، وطبيعة الصراع السياسي في العراق. كلمات مفتاحية: التوافقية، الانقسام الإثني والطائفي، المحاصصة، توزيع السلطة، نظام حكم الأغلبية. Consociationalism is a system of government recommended for ‘divided societies’. Starting with a discussion of its theoretical components and criticisms it has received, this article addresses how consociationalism has been implemented in in post - 2003 Iraq. The article asks whether the Iraqi constitution and institutions formed by it represented a successful case of consociationalism. Key consociational mechanisms such as an electoral system based on proportional representation, governments based on big multi - party coalitions and a federal and decentralized governance were adopted. However, this model was not entirely consociational as some practices that are common in the majoritarian government have also been used. In fact, divisions between majoritarian and consociational perspectives have polarized, and sometimes paralyzed, the political process. In light of this, the article discusses the sustainability of the current model and its likely future trajectories. Keywords: consociationalism, power - sharing, ethnic division, majoritarian government.
Is Iraq a Consociational State? Power - Sharing and its Shortcomings in Post - 2003 Political Process
مقدمة
في تقويم تجربة ما يُعرف بالديمقراطية التوافقية Consociational Democracy في العراق، نتصدى في هذه الدراسة لأسئلة أساسية مثل: ما هي الخلفية التاريخية والسياسية والفكرية التي مهّدت لظهور هذا المفهوم في التداول السياسي العراقي؟ وإلى أيّ حدّ يمكن وصف النظام السياسي ما بعد عام 2003 بأنه نظام توافقي؟ وأي نوعٍ من التوافقية سادت خلال العقد الأخير منذ إقرار الدستور العراقي النافذ عام 2005؟ ثبتت فشلها وإذا كان هناك اتفاقٌ عامّ على أنّ تلك التجربة قد أ - كما يرى المتشائمون - أو على الأقل لم تحقق ما كانت تصبو إليه من سِلم أهلي، واستقرارٍ سياسي، وتراكمٍ ديمقراطي - كما يرى الأقل تشاؤمًا - فإن ذلك يَفترض طرحَ أسئلة من قبيل: هل كان هذا الفشلُ نتيجةً لتطبيق التوافقية كما يجادل بعضهم؟ أم نتيجةً للخروج عن قواعد التوافقية كما يرى آخرون؟ أم لأسبابٍ لا علاقة لها بطبيعة النظام السياسي، والشكل الذي أخذتْه تركيبتُه المؤسساتية؟ نناقش هذه الأسئلة في ثلاثة محاور: يتناول أولها مفهوم الديمقراطية التوافقية والسياق الذي تطور فيه كإطار نموذجي؛ بحسب المؤيدين له في إدارة العملية السياسية في البلدان غير المتجانسة، ويناقش الثاني دخول التوافقية في التداول السياسي العراقي، والعناصر التوافقية في الدستور والمؤسسات العراقية، في حين ينصرف الثالث إلى دراسة التطبيق العملي للتوافقية في العراق، والإشكاليات التي ظهرت من جهة العلاقة بهذا التطبيق. وفي الاستنتاجات، نُقدّم تقويمًا للتجربة التوافقية، وتصورًا للاتجاهات المستقبلية المحتَملة في ضوء التحولات الأخيرة التي شهدها العراق.
أولا: في الديمقراطية التوافقية
يقترن مفهوم الديمقراطية التوافقية بعالِم السياسية الأميركي (من أصلٍ هولندي) أريند ليبهارت الذي بدأ محاولتَه مناقشة النظرية الديمقراطية وتطبيقاتها في كتابٍ نشره بعنوان سياسات الاستيعاب1. وفي هذا الكتاب، راجع ليبهارت الكلاسيكيات الغربية المتمثلة بكتابات أرسطو، وميل، وروسو، وتوكفيل، وماديسون. لكنه خصص حيزًا مهم لمناقشة التقسيم الذي قدّمه عالِم السياسية الأميركي غابرييل ألموند للنظم الديمقراطية، من أجل محاولة تطوير نظرية للديمقراطية في المجتمعات "المنقسمة"، تقوم على ما سمّ ه "سياسات الاستيعاب." لكن المرة الأولى التي استخدم فيها ليبهارت مفهوم التوافقية Consociationalism، كانت في مقالة جادل فيها بأنّ هناك نوعًا من النظم الديمقراطية التي أغفلها غابرييل ألموند؛ هي الديمقراطية المستقرة في المجتمع الشديد التنوع2. وبالنسبة إلى ليبهارت، مثَّلت هولندا النموذج الأول لإمكانية ظهور ديمقراطية ناجحة، على الرغم من وجود انقساماتٍ اجتماعية وثقافية عميقة. ثمّ وُسع هذا النموذج ليشمل بلجيكا، وسويسرا، والنمسا، مجادلً بأنه في الإمكان تكييف الديمقراطية لاحتياجات هذا النوع من المجتمعات عبر تجنّب نماذج الديمقراطية القائمة على حُكم الأغلبية Systems Majoritarian. وأقر ليبهارت بأنه من الصعب إقامة حُكم ديمقراطي، والحفاظ عليه في مجتمعات منقسمة قياسًا على المجتمعات المتجانسة؛ ولذلك فإنّ الأمر يتطلب ترتيباتٍ خاصةً تقوم على "تقاسم السلطة" Power-Sharing و"الديمقراطية القائمة على الإجماع" Democracy Consensus 3.
وتقوم الديمقراطية التوافقية، بحسب ليبهارت، على ما سمّ ه "تحالف النخب" Cartel Elite، الممثّلة لجماعاتها الإثنية أو الدينية أو العرقية (سنسميها "الجماعات الفرعية)"، على نحوٍ يضمن ما لي: استيعاب المطالب والمصالح المختلفة لتلك الجماعات. القدرة على تجاوز الانقسامات، والدخول في إطار برنامج مشترك مع النخب الممثلة للجماعات الأخرى. الالتزام بالحفاظ على النظام السياسي القائم على توافق تلك النخب، بوصفه السبيل المثلى للحفاظ على الاستقرار ووحدة الكيان السياسي. أن تكون تلك النخب مدركةً لمخاطر التشظي السياسي وفشل الوصول إلى توافق.
ويرى ليبهارت، أيضًا، أنّ استقلالية الجماعات الفرعية عن بعضها Independency Group يُعَدّ أمرًا ضروريًا لنجاح النظام التوافقي؛ لأنه يمنع التنازع بين النخب في قواعدها التمثيلية، ويُسهّل عليها ادعاء تمثيل جماعاتها. فالحدود الواضحة بين الجماعات تعزز، في نظره، التماسك الداخلي لها؛ ومن ثمّ من احتمال انتظام الأحزاب وجماعات المصالح وفق هذه الخطوط، وهو ما يسمح لتحالف النخب إدارة تلك المصالح بطريقة أكثر يسرًا. يشير ليبهارت إلى أنّ تبنّيه للتوافقية في نهاية الستينيات من القرن العشرين جاء في إطار التعامل مع التحديات التي ظهرت في تلك المرحلة الزمنية، مع ظهور عددٍ كبيرٍ من الدول الجديدة في آسيا وأفريقيا بعد نهاية الاستعمار، واتضاح وجود مشكلة تتعلق بالتجانس الثقافي في تلك الدول، ومع ظهور تحدياتٍ للنمط الديمقراطي الكلاسيكي القائم على حكم الأغلبية في الدول الغربية نفسها؛ وقد تمثلت حينذاك بحركات الشباب والاحتجاجات والمطالب بالحقوق المدنية4. وقد تبِعه في الاتجاه ذاته باحثون آخرون تأثروا بالانطباع المتنامي، في ذلك الوقت، بفشل تجربة التحديث الكلاسيكية في مجتمعات العالم - الثالثية، وهو ما أدّى في نظر هؤلاء الباحثين إلى تعميق الانقسامات الداخلية؛ بسبب سعي الجماعة المهيمنة لفرض سلطتها، واستتباع الجماعات الأصغر، أو تقويضها، ما خلق توترًا أحيَا مجددًا المشاعر الهُوياتية التقليدية. وقد حاول هؤلاء الباحثون الاستجابة لتلك التحديات؛ باقتراح سُبلٍ مؤسساتية لتنظيم العلاقات في المجتمعات المتنوعة ثقافيًا، ومن بين هؤلاء جيرارد لمبرورخ Gerhard Lehmbruch الذي كتب مقالتين عن "الديمقراطية الوفاقية" Concordant Democracy، ووليام بلوم William T. Bluhm الذي نشَ عام 1968 مقالةً عن "الديمقراطية التعاقديةContratarian" Democracy، في حين اقترح رونالد رغوسكي Rogwski Ronald ولويس وسرسبرنغ Wasserspring Lois مفهوم "النظام الإجماعي.5المهيكل Corporate Consensualism " وبمراجعة سريعة لهذه الأطروحات التي يظل عمل ليبهارت الأكثر ريادةً وشهرةً من بينها، يمكن القول إنّ الأساس الذي حكمها؛ هو محاولة صوغ نظرية محافظة لإدامة الوحدات السياسية القائمة وفق سياقٍ أيديولوجيٍ يُ ركز فكرة الديمقراطية النخبوية، ولذلك يمكن القول إنّ النظرية التوافقية لم تكن منعزلةً عن سياق الصراع الأيديولوجي في الحرب الباردة، وأنها مثّلت - ولو على نحوٍ غير مباشر - انعكاسًا للأيديولوجية السائدة داخل المعسكر الغربي، وقد كانت تميل - خصوصًا في نظرتها إلى العالم الثالث - إلى إعطاء أولوية للعوامل الثقافية على حساب العوامل الاجتماعية - الاقتصادية، وللانقسامات الإثنية على حساب الطبقية. في الوقت نفسه، لا يمكن إغفال أنّ التوافقية كانت أيضًا استجابةً للآثار الخطرة لنزعتين سياسيتين: الأولى، هي النزعة الإدماجية التي سادت تحديدًا في الدول الحديثة العهد التي تعيش انقساماتٍ عموديةً على سس ثقافية، لا انقساماتٍ أفقية على أسس اجتماعية أ - طبقية، إذ تتحول هذه النزعة إلى محاولة فرضِ هوية أحادية مهيمنة تلغي التعددية الاجتماعية. فمثلً، قاد استشراء هذه النزعة في بلدٍ كالعراق - خصوصًا في مرحلة حكم صدام حسين - إلى المبحث عن سُبلٍ بديلة لإدارة العلاقات السياسية، وقضية التعددية الثقافية في البلد بعد سقوط النظام.
أمّا النزعة الثانية، فهي تلك التي شهدتها بعض النُّظم الديمقراطية القائمة على حكم الأغلبية، والتي اعتقد التوافقيون أنها لم تعُد تنسجم مع حاجة الأقليات للتعبير عن نفسها وعن خصوصياتها، في إطار نمو المفاهيم وصيغ ما بعد الحداثة والمقاوِمة لفكرة المجانَسة. وعلى الرغم من أنّ التوافقية لم تطرح نفسها كنقيضٍ للنُّظم الأغلبوية؛ بل كإطار لمنع استبداد الأغلبية في المجتمعات الشديدة التنوع؛ خصوصًا إذا كان هذا الاستبداد يقود إلى صراعات عنيفة، فإنها مع ذلك جاءت في سياقٍ فكريٍ يدعم فكرةَ الاعتراف بالاختلاف، وإظهار الخصوصيات، وقَبول الهُويات المركّبة. بوجهٍ عامٍّ، طوّرت النظرية التوافقية آلياتٍ وأ طرًا مؤسساتيةً لضمان تمثيل الجماعات المختلفة في المؤسسات الحكومية، وإعطاء الأقليات القدرةَ على كَبح جماح الأغلبية ونزعتها إلى الهيمنة. وتميل الأطر التوافقية إلى تفضيل النظام البرلماني على النظم الرئاسية وشبه
الرئاسية؛ لأنه يسمح بتشكل تحالفات عريضة تقوم عليها الحكومة، ويقلل من حدّة المنافسة بين السلطة التشريعية والتنفيذية. وعدّت التوافقية النظام الانتخابي القائمَ على التمثيل النسبي، أيضًا، أحد أهمّ مقوماتها؛ لأنه يمثل النظام الأمثلَ لتجسيد التنوع الداخلي وفق الأوزان الحقيقية للجماعات، ويقلّل هدْر الأصوات الذي يحدث في الأنظمة الانتخابية الأخرى. كما دعم ليبهارت وبقية التوافقيين فكرةَ الفدرالية (أو اللامركزية الشديدة)؛ لأنها تسمح بقدرٍ عال من الاستقلال الذاتي للجماعات الفرعية بإدارة شؤونها، وتُقلّل تمركز السلطة لدى الحكومة والسلطات المركزية. غير أنّ هذه العناصر بمفردها - وجميعها اعتُمِدت في العراق كما سنرى ذلك - لا تُنشئ بالضرورة نظامًا توافقيًا ما لم يسندها اتفاقٌ بين النخب الممثّلة للجماعات الفرعية على تقاسم السلطة في الجهاز التنفيذي، وعلى إيجاد ضماناتٍ لحماية تقاسم السلطة6. واجهت النظرية التوافقية كثيرًا من النقد إلى حدّ أخذت معه تَفْقد جاذبيتها في الأوساط الأكاديمية منذ منتصف الثمانينيات، خصوصًا مع صعود المناهج البنائية Constructivist Approaches في تحليل الهويات، وتطور نظريات الهيمنة Theories Hegemonic، والخيار العقلاني7Rational Choice. وطال النقدُ النماذجَ التي بنى عليها ليبهارت مشروعَه، والأطرَ المفهوميةَ التي حكمته، والصيغ المؤسساتيةَ التي اقترحها. فبَريان باري Barry Brian تحدى الأدلة التجريبية على أنّ الديمقراطية التوافقية هي الأساس الذي يمكن بموجبه تفسير الاستقرار الديمقراطي في الدول التي اعتمدها ليبهارت نموذجًا؛ وتحديدًا هولندا، وبلجيكا، وسويسرا، والنمسا، رافضًا أيضًا عدّ هذه البلدان نماذجَ مثاليةً للمجتمعات المنقسمة، ومشككًا في أصل توصيف بعضها كنظمٍ توافقية8. رأى بعضهم أنّ التوافقية أخفقت في تقديم تفسيرٍ واضحٍ لمفاهيم مثل "المجتمعات المنقسمة" و"المجتمعات الشديدة التنوع." فهل التنوع في حدّ ذاته مشكلة تتطلب علاجًا؟ أم أنّ المشكلة تتعلق بتسييس التنوع وتحوّله إلى صراع؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل من ضمانات حتى لا تؤدي التوافقية إلى النتيجة نفسها التي تدعي أنها تحاول تجاوزها؛ أي إلى تسييس التنوع وتحويله إلى صراع. وهكذا كان أكثر الانتقادات تواترًا هو ذلك الذي يرى أنّ التوافقية نظام يعيد إنتاج الانقسامات، بدلً من أن يتجاوزها، وحتى لو سُمِح بإرضاء النخب المُمثلة للجماعات المختلفة، فإنه نادرًا ما يتحقق النجاح في ضمان إطار فعّال للحوكمة والمحاسبة. ووُجّه النقدُ كذلك إلى تركيز التوافقية في التنوع الثقافي (الإثني والديني تحديدًا)؛ وكأنّ المجتمعات لا يمكن أن تنقسم إلا على هذه الأسس، ونُظر إلى التوافقية بهذا المعنى على أنّها تتبنّى تعريفًا مختزلً لما يشكّل "الاجتماع البشري"، خصوصًا من حيث إغفالها للعناصر الاجتماعية والاقتصادية9. وانتقد البنائيون، على نحوٍ خاص، فكرةَ ليبهارت عن الهُويات الفرعية؛ بوصفها هُوياتٍ ثابتةً ونهائيةً، وهي المقدمة التي استند إليها في الدعوة إلى أن تكون مهمّة النظام التوافقي الرئيسة إدارة العلاقات والصراعات سلميًا بين الجماعات التي تمثلها تلك الهويات. وهذا التفسير الذي يُضفي ماهوية ثابتة Essentialism على الهويات الجمعية، يغاير ما توصلت إليه النظريات الحديثة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا؛ من جهة أنّ الهويات متغيرة ومتبدلة وعلاقاتية، وأنّها تبَرُز أو تَخفُت في عمليات تموضعٍ متحركة ضمن شبكة معقدة من العلاقات السياسية والاجتماعية10؛ لذلك رأى كثير من الدارسين أنّ التوافقية تسعى لمأسسة الانقسامات الثقافية وإدامتها، بدلً من تجاوزها، إلى حدّ تصبح فيه تلك الهُويات كيانات سياسيةً حقيقيةً في عيون أتباعها، تَستبدل فكرةَ الأمّة أو المجتمع السياسي الموحّد. ففي بلدٍ متعددِ الجماعات يقوم نظامه على تأكيد الاختلاف بين جماعاته (لا نفيها)، لا يعود من معنى لأصل وجود المجتمع السياسي الوطني11. انتقد بعضهم تأكيد ليبهارت لدور النخبة في إنجاح النظام التوافقي، وتصوره أنّ النخب ستميل إلى تبنّي سلوكٍ سياسيٍ معتدلٍ، وإلى تفضيل التسويات مع النخب الممثلة للجماعات الأخرى؛ حين تدرك أنّ تكلفة ديمومة النظام هي أقل من تكلفة التخلي عنه. ويشكك بعضهم في أنّ النخب ستتصرف فعلً بالطريقة التي يفترضها ليبهارت؛ بأنها على العكس قد تميل إلى رفع سقف مطالبها في إطار تنافسها الداخلي على تمثيل الجماعة الفرعية، ما يقلّل فُرص الوصول إلى تسويات. وعلى أيّ حالٍ، يجادل بعضهم، فإنه لا يوجد دليلٌ يُثبت أن النخب ستفضل سياسات الاستيعاب على التنافس الراديكالي. وذهب
بعضهم إلى نقد الفهم الذي تطرحه التوافقية للديمقراطية، إذ إنها تتبنّى تعريفًا محدودًا Minimalist للديمقراطية، خصوصًا بسبب المركزية التي تعطيها لسياسات النخب ومواقفها، بغير عناية بمسألة مدى تعبير تلك النخب فعلً عن مصالح القطاعات الاجتماعية التي تدّعي تمثيلها، أو ضمان أنّ هناك آلياتٍ ديمقراطيةً تحكم العلاقات داخل الجماعة الفرعية نفسها12. حاول ليبهارت وآخرون الرد على هذه الانتقادات، وتطوير النظرية بتقديم نماذجَ جديدة لتقاسم السلطة وبناء الإجماع، وانتقل من الترويج إلى نماذج أوروبية للتوافقية، إلى تقديم بلدان (كالهند وماليزيا) بوصفها أمثلةً على نجاح التطبيقات التوافقية13. ونُظر إلى التوافقيين على أنّهم لا يسعون إلى مأسسة الانقسامات، بل إلى إيجاد نظام تشاركي تتمثل فيه الهُويات المتعددة، وفق ما صار يُعرف بنموذج "الوطنية المركّبة" التي لا تسعى لصناعة مجتمع بهوية واحدة وقمع الخصوصيات وإلغائها. ويعتقد التوافقيون أنّ نموذجهم قابلٌ للتكيّف بحسب وضع البلد ومستوى الانقسام فيه، لكنّه يجب أن يعمل على عدم تمركز السلطة كهدف رئيس. ورأى ليبهارت كذلك أنّ الاتجاه الذي تنامى منذ الثمانينيات نحو تفضيل نظام التمثيل النسبي في الانتخابات، يشكّل دليلً على أنّ بعض اقتراحاته المبكرة أخذت تلقى رواجًا ومقبوليةً عالميةً، على الرغم من أنّ باحثين كبارًا آخرين (مثل دونالد هورويتز Horowitz Donald)، رفضوا موقف ليبهارت الذي يرى نظام التمثيل النسبي سبيلً لتخفيف الصراعات في البلدان المنقسمة. وحاول آخرون14، في دراسة نشرت عام 2012، تحدّي تفضيل التوافقية لنظام التمثيل النسبي والنظام البرلماني بدراسة أكثر من مئة وإحدى عشرة حالةً، مستنتجين أنّ هذين النظامين فاقمَ العنف السياسي في البلدان الشديدة الانقسام، بدل من أن يؤديَا إلى تخفيفه. لا يمكن الزعم أنّ النظرية التوافقية أصبحت خارج العمل، على الرغم من قوّة التحدي الذي واجهته أكاديميًا. فهي ما زالت عرضة للتطوير والنقاش، والجدل حولها ما زال متواصلً. من هنا، تبدو دراسة التجربة التوافقية في العراق وفهمها - كتجربة حديثة - مهمّةً في إنضاج هذا الجدل، خصوصًا بعد موجة "الربيع العربي"، و"الحروب الأهلية" في سورية، وليبيا، واليمن، وظهور أصوات تتبنّى أطاريح توافقيةً كمخارج من هذه الصراعات.
ثانيًا: التوافقية عراقيًا
11 تراث الدولة الإدماجية
لم تكن "التوافقية" كلمةً سائدةً في خطابات المعارضة العراقية قُبيل إطاحة نظام صدام حسين. فدخولها إلى القاموس السياسي العراقي هو دخول حديث نسبيًا. وقد ظل المفهوم الإدماجي لبناء الأمّة مهيمنًا في العراق منذ بواكير دولته الحديثةَ، وهو أمرٌ مفهوم في ذلك السياق التاريخي؛ ذلك أنّ تلك الدولة ولدت من رحم معاهدة الانتداب التي خوّلت القوةَ المستعمرةَ الإشرافَ على تحوّل المملكة العراقية إلى أمّة حديثة، أيْ إنها افترضت أنّ هناك صيرورةً تحكُم هذا التحول تجري كمحاكاة لعملية ظهور الدولة - الأمّة في أوروبا. كانت تلك حقبة صعود لفكرة "تقرير المصير"، وأنّ كل شعبٍ من الشعوب له حق امتلاك كيانه السياسي الخاص به. لكنّ هذه الفكرة اصطدمت أيضًا بعقبات سياسية ومفهومية. فمصالح الدول المستعمرة أدّت دورًا كبيرًا في صَوغ الخريطة السياسية ووضع حدود الكيانات الجديدة، في حين لم تتبلور تفسيرات قانونية ثابتة ومتفق عليها لمعنى كلمات (مثل "شعوب" و"أمم)"، خصوصًا حين نقْلِها إلى أطرٍ لُغوية وثقافية غيرِ غربية، وهو ما صعّب مهمّة إدارة "حق تقرير المصير" بتوازن ومعايير موحدة. على أيّ حالٍ، فإنّ النخبة ما بعد - الاستعمارية العراقية رأت أنّ من مسؤوليتها صَوغ عمليةِ بناء الأمّة وفق أيديولوجية التحديث السائدة حينها، عبر تأكيد سلطة الدولة على حساب مراكز السلطة التقليدية (وهي عملية بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر مع الإصلاحات العثمانية)، وتوسيع الفضاء الرسمي - القانوني على حساب الفضاءات غير الرسمية والعُرفية. ولم تَخلُ هذه العملية البتّة من محاولة تكريس الهيمنة السياسية والاجتماعية للنخبة الجديدة؛ عبر توظيف بناء الدولة لتوطيد سلطاتها الخاصة. وقد قامت تجربة التحديث وبناء الأمّة على (بمعنىSecularization، والعلمنةCentralization سياسات المركزة محاولة إخضاع الفضاء الديني لسيطرة الدولة)، والمجانسة الثقافية15 Homogenization، إلا أنّ الدرجة التي جَرى بها اعتمادُ تلك السياسات اختلفت من مرحلة إلى أخرى. فحين كانت الدولة ضعيفة وفي بداياتها، حاول الملك فيصل الأول اتباعَ عملية تدرجية تقوم على نوع من "سياسات الاستيعاب"، كما تمثّل ذلك برسالته المعروفة إلى أعضاء حكومته عام 1933 16. غير أنّ النموّ المتزايد لسلطة الدولة،
وصعود "الأدلوجة" القومية العربية، أدّيا إلى تقوية الاتجاه الساعي لبناء الدولة على أساس هويّة أحاديّة مهيمنة. ثمّ إنّ التجسيد الراديكالي لهذا الاتجاه لم يحصل إلا في ظل حكم حزب البعث العربي الاشتراكي، خصوصًا بعد أن توافرت لدى النخب الحاكمة إمكانات مالية كبيرة، بسبب صعود أسعار النفط، ساعدتها على توسيع آليات السيطرة الاجتماعية والتنشئة السياسية، وكذلك تطوير البنى القمعية، وقنوات التثقيف الرسمي، وبناء هياكل لدولة شمولية لا تعترف بالتنوع الداخلي. أفرزت هذه العملية أنماطًا عنفيةً غير مسبوقة، خصوصًا بتزامنها مع حروب خارجية (كحرب السنوات الثماني مع إيران)، وأخرى داخلية (التمرد في كردستان)، أدّت إلى عمليات قمعٍ شاملٍ، وإبادة جماعية؛ كما حصل في عمليات الأنفال، وفي الهجوم بالأسلحة الكيماوية على مدينة حلبجة. وترافقت مساعي النظام للدمج الثقافي القسري، وصناعة مجتمع متجانس بهوية أحادية، مع بناء طابع إقصائي للسلطة يقوم، إلى حدّ كبير، على الولاءات القرابية (العشائرية والمناطقية)، معززًا بذلك مظهرَ السلطة كسلطة عربية - سُنيّة، على الرغم من أنّ النظام لم يكن يتبنّى خطابًا طائفيًا صريحًا؛ ذلك أنّه قاوم في معظم سنوات حُكمه دخولَ الدين كمعرّفٍ أساسي للهويات. وجاء صعود التشيع السياسي كعقيدة سياسية مضادة للمفهوم البعثي للقومية العربية ذي المركزية السُنيّة؛ في سياق تنامي حركات الإسلام السياسي في عموم المنطقة، وطرحها مفاهيمَ بديلةً للهويّة في مواجهة المفهوم "العَلماني" للأمة. لكنّ ذلك أكّد، في الحالة العراقية، التمايز السُني - الشيعي وشحَنَه أيديولوجيًا، خصوصًا خلال انتفاضة 1991 وبعدها في المدن ذات الأغلبية الشيعية. ومنذ ذلك الوقت، ومع تخلخل سلطة النظام وقدرته على السيطرة الاجتماعية، بدأت تتطور المفاهيم البديلة للهوية، وأخذ النظام يفقد هيمنتَه الثقافية، أو يحاول أن يُكيفَها مع المتغيرات الجديدة، وغدَا من الواضح أنّ المفهوم الإدماجي التقليدي بشكله الذي طُبق في السبعينيات والثمانينيات لم يعد قادرًا على البقاء. بدأت تتطور مقارباتٌ لدى جماعات المعارضة العراقية حول بناء نظام ديمقراطي بديلٍ يعترف بالتنوعات الإثنية، والدينية، والمذهبية، ولا يسعى لفرض صيغة أحادية للهوية، وأخذت مفاهيم مثل الفدرالية تُتداول في مؤتمرات المعارضة، خصوصًا بضغطٍ من القوى الكردية. تلك أيضًا كانت المرحلة التي تلت نهاية الحرب الباردة، وانهيار بعض دول المعسكر الشيوعي على نحوٍ أفضى في بعض الحالات - خصوصًا يوغسلافيا - إلى حروبٍ أهلية، وعمليات تطهيرٍ إثني، وهو ما دعا إلى تداول صيَغٍ جديدة للحكم؛ تقوم على الاعتراف بالخصوصيات، ومن بينها الصيغة التي أقرّتها اتفاقية "دايتون" لإدارة جمهورية البوسنة والهرسك؛ وفق نظام توافقي يقوم على تقاسم السلطة بين النخب المسلمة، والكرواتية، والصربية. انتعشت في التفكير الأميركي تحديدًا فكرة النموذج التعددي للدولة "ما بعد - السوفياتية" كتسوية تُحافظ، على قدر الإمكان، على الحدود السياسية القائمة، ولكنها تُوقف محاولة مجموعة إثنية، أو دينية واحدة، الهيمنةَ على الجماعات الأخرى. وأخذ هذا التفكير يلتقي مع التصور المتزايد عن العراق بوصفه دولةً مصطنعةً قامت على اضطهاد جماعة واحدة للجماعات الأخرى، وهو تصورٌ غذّتْه أيضًا طبيعة المعارضة العراقية في المنفى التي لم تمتلك مظلةً عابرة للهُويات الفرعية، وعكست إلى حدّ كبيرٍ ميلً كرديًّا وشيعيًّا إلى رفض الدولة المركزية القوية، مساهمةً بذلك في صَوغ الإطار السياسي لعراق ما بعد.2003
22 الأسس التوافقية لعراق ما بعد البعث
على الرغم من أنّه لم يكن هنالك إجماع على التوافقية في أوساط المعارضة العراقية، فإنّ بعض ممارساتِها المبكرة كانت تتجه نحو تأكيد تمثيل الجماعات الفرعية، وهو ما طبَع، على نحوٍ خاص، سلوكَ القوى الكردية التي وضعت مسألة ضمان الاستقلال الذاتي لكردستان وفق إطار فدرالي في سُلّم أولوياتها، وسلوك القوى الإسلامية الشيعية التي كان هاجسها تأكيد تمثيلها للأغلبية الشيعية في العراق. وقد تجسدت أولويات الأطراف الكردية والشيعية في "مؤتمر لندن لفصائل المعارضة العراقية" الذي عُقِد برعاية أميركية عام 2002، والذي صدر عنه بيان يؤكد أنّ العراق "دولة ديمقراطية برلمانية تعددية فدرالية"، وضرورة وضْ ع دستورٍ جديدٍ "تُراعَى فيه تركيبة الشعب العراقي." وقد خصص البيان قِسمً كاملً للمسألة الطائفية واضطهاد الشيعة، داعيًا إلى "رعاية جميع الحقوق المشروعة المنتَهكة للشيعة"، وقسميْ آخرين للاضطهاد الذي تعرض له الكرد، عادًّا الفدرالية صيغةً مناسبةً للحكم في العراق، ولضمان استمرار الاتحاد الاختياري ل "مكوناته"17. دخل مفهوم "المكونات" إلى الخطاب السياسي العراقي ك "تيمة" أساسية لتعريف النسيج العراقي. ويبدو أن المفهوم فرض نفسه كتسوية لُغوية تحقق هدفين، هما: تجنب استخدام التعبير الأكثر مباشرةً، وهو "الجماعات"؛ بسبب ما فيه من دلالاتٍ تقسيمية، ومن ثمّ إرضاء الفصائل العَلمانية والفصائل ذات النزعة الوطنية التي ستتشكك من التأكيد الشديد للهُويات الفرعية.
تجنب استخدام معيارٍ واحدٍ في تصنيف الجماعات الفرعية. فالمعيار القومي يُحيل على ثنائية "عربي - كردي"، والمعيار الديني المذهبي يُحيل، بدرجة أساسية، على ثنائية "سُني - شيعي." لكنّ الانطباع العامّ هو أنّ التطبيقات التوافقية بدأت تتحقق عمليًا مع تشكيل مجلس الحكم العراقي من طرف سلطة الائتلاف المؤقتة نيطت بها مسؤولية إدارة العراق من جهة الحكومة الأميركية التي أ، وبعد إصدار قرار مجلس الأمن 1433، وهو قرار مَنح الوجود الأميركي صفةَ الاحتلال. وقد تَكوّن هذا المجلس الذي أ ريدَ له أن يضطلع بوظيفة استشارية من خمسة وعشرين عضوًا، ويبدو أنّ اختيارهم جرى، إلى حدّ كبيرٍ، على أساس الخلفية الإثنية، أو الدينية - المذهبية لكل منهم، في حين أدّت الاعتبارات الأيديولوجية، والمناطقية، وًالخلفية الطبقية أدوارًا ثانوية18.
كان هناك جدلٌ داخل سُلطة الائتلاف المؤقتة حول صيغة مجلس الحكم الانتقالي ومعايير الاختيار. ووفقًا لأحد الأشخاص الذين عملوا في تلك السُلطة حينذاك، اعترض فريقٌ متشككٌ على هذه المعايير19، ويبدو أنه كان هناك اتفاق على أنّ المجلسَ المكون في أغلبيته من أعضاء المعارضة العراقية التي كانت تعيش في المنفى، لا يعكس فعل التركيبةَ السكانية العراقية، والطابع المُركّب للهُويات في هذا البلد؛ لهذا السبب لم تكن سلطة الائتلاف مقتنعةً بإعطاء صلاحياتٍ كاملة للمجلس، وكانت تسعى لأن تستبدل منه إطارًا "أكثرَ تمثيليةً"؛ من أجل الإعداد للعملية الدستورية في البلاد، بحسب ما ذكر باول بريمير رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة، في إجابته على أسئلة وُجّهت إليه20. يقول بريمير: كان هناك انطباعٌ لدى المعارضة العراقية بأننا سنسلّمهم السلطة مباشرةً بعد سقوط النظام وقد كنّا نُنسّق مع مجموعة مؤلفة من سبعة عراقيين لكنّ تلك المجموعة لم تكن تُ ثل النسيجَ العراقي؛ وكانت مؤلفةً من سياسيّي المنفى (ماعدا الكرد)، وعدد قليل من السُنة العرب، في غيابٍ للتركمان والمسيحيين والأيزديين21. يتضح من اللغة التي استخدمها بريمير أنّ التصنيفَ الإثني، والديني، والمذهبي، كان هو المهيمن في طريقة النظر إلى المجتمع العراقي لدى المسؤولين الأميركيين، وأنّ الاعتراض الأساسي بخصوص المعارضة العراقية لم يكن متعلقًا بالتصنيف؛ بل بمدى تمثيليتها لكل "الجماعات." ويشير بريمير إلى أنّه اتفق مع ممثل الأمين العامّ للأمم المتحدة سيرجيو دي ميلّو، على تأسيس حكومة عراقية مؤقتة أكثر تمثيليةً، عبر إرسال موظفين يتحدثون العربية إلى مختلف مناطق العراق، بحثًا عن مرشحين مناسبين، وقد تمّ بالفعل تشخيص 85 مرشحًا. إلا أنّ القادة الشيعة - مُتبعين إرشادات المرجع الأعلى للطائفة الشيعية السيد علي السيستاني - احتجوا على أيّ عملية لن تفرز أغلبيةً شيعيةً. وفي النهاية "أدى الإصرار الشيعي على الأغلبية إلى تحديد تركيبة مجلس الحكم22." ويؤكد بريمير أنه "لم تكن
هناك أيّ نظرية سياسية، أو خطة مهّدت لهذه النتيجة، عدا الإصرار على أنّ الحكومة المؤقتة يجب أن تكون مُمثلةً للشعب العراقي23." على الأرجح، كان نظام "الكاوكاس" Caucus القائم على الاجتماعات المحلية، والذي أرادت سلطة الائتلاف اتباعه في اختيار "ممثلي الشعب العراقي"، مدارَ شكّ من القوى الشيعية النافذة. فكلمة "الكاوكاس" ليس لها ترجمة واضحة في اللغة العربية، ولم تكن طريقة عملِها وأهدافها واضحة24، كما أنّ تلك القوى كانت تخشى من خلْق زعاماتٍ محلّية بديلة منها في الوسط الشيعي، ومن سعي الأميركيين لاستغلال تلك العملية لإنتاج نخبة سياسية موالية لهم. سعت القوى الشيعية لتقديم نفسها كممثلة ل "أغلبية السكان"، وهو ما تطلّب تأكيد أنّ "الشيعة" مكوّن أكبر، وأنّ مقاومة أي تصنيفاتٍ بديلة من شأنها أن تجرّد تلك القوى من القاعدة السياسية الرئيسة لها. واستفادت تلك القوى من المشاعر العميقة بالمظلومية التي سادت في الوسط الشيعي، ومن عودة التعبيرات عن الهوية الشيعية بقوة لتحتلّ الفضاء العامّ. وانسجم ذلك مع رغبة السياسيين الكرد في تأكيد الهوية الفرعية ومقاومة أيّ عودة إلى السياسات الإدماجية وفكرة الأغلبية القومية المهيمنة، ليُدفع بالعملية السياسية في اتجاه مسارٍ يُ ركز فكرةَ "المكونات." ووسط الاستعجال الأميركي بتسليم السلطة والضغط الشيعي من أجل ذلك، تمّ إصدار "قانون إدارة الدولة الانتقالي"، وتسليم السلطة إلى حكومة مؤقتة بقيادة إياد ع وااي، وهو الشيعي العَلماني الذي أشرفت حكومته على الإعداد لأوّل انتخاباتٍ عامّة لاختيار الجمعية الانتقالية المكلّفة بصَوغ الدستور. وقد حدّد قانون إدارة الدولة الانتقالي بعض الصيغ التوافقية التي ستؤثّر في طريقة صَوغ الدستور. ومن بين تلك الصيغ إقامة مجلسٍ رئاسي ثلاثي خلال الفترة الانتقالية التي استمرت من بدء أعمال الجمعية الوطنية الانتقالية، حتى انتخاب أوّل برلمانٍ دائم في البلاد، وتمتع أعضاء المجلس الثلاثة بحقّ استخدام النقض ضد أيّ تشريعاتٍ تصدر عن الجمعية الوطنية (كوسيلة لحماية التوافق وصدور التشريعات وفق إجماع الكُتَل الرئيسة.) كما عَدَّ القانون العراقَ دولةًاتحاديةً (فدرالية)، مؤكدًا، في المادة 52، ضرورة "تصميم النظام الاتحادي في العراق بشكل يمنع تركيز السلطة في الحكومة الاتحادية، ذلك التركيز الذي جعل من الممكن استمرار عقود الاستبداد والاضطهاد في ظل النظام السابق"25. واشترط القانون، في المادة 60، ضرورة عرض الدستور على الاستفتاء العامّ، وفي حالة حصوله على الأكثرية ولم يرفضه ثلثا الناخبين في ثلاث محافظات أو أكثر يُعدّ تصديقه قد تمّ. وقد أ ريدَ بهذه الفقرة ضمان عدم إقرار الدستور من دون موافقة الكرد والسُنة. وفي الاستفتاء الذي جرى في تشرين الأول/ أكتوبر 2004، حصل الدستور على دعمٍ كبير في المحافظات ذات الأغلبية الشيعية والكردية، لكنه رُفض في ثلاث محافظات ذات أغلبية عربية سُنيّة (صلاح الدين والأنبار والموصل.) وعلى الرغم من ذلك، عُدّ أنّه تمّ تصديقه لأنّ نسبة الرفض في الموصل كانت 56% ولم تتجاوز الثلثين. وكانت تلك النتيجة أوّل تحدٍّ رئيس للنهج التوافقي؛ لأنها سَمحت بنفاذ الدستور على الرغم من الرفض الصريح له من إحدى "المكونات" الفرعية الرئيسة. ويرى بعضهم أنه كان ينبغي عدم الاستعجال بكتابة الدستور، من دون الاطمئنان إلى الدعم السُني له؛ لأنّ تمريره بهذه الطريقة سيضع شرعيته في محل الشك، ويجعل النظام التوافقي عرضةً لتحديات مستقبلية26.
33 العناصر التوافقية للدستور
جرت عملية كتابة الدستور في أجواء من العنف المتصاعد، وفي غياب رؤية موحّدة تمثّل العرب السنة. فمن جهة، لم يكن هناك اتفاقٌ سُنّي على دعم الخيار السياسي، في وقتٍ كانت الجماعات الأكثر راديكالية تفرض سيطرتها في مناطق واسعة يقطنها العرب السُنة. ومن جهة أخرى، كانت هناك مقاومة سُنيّة لتصنيف "العرب السنة" كهوية سياسية ومصدرٍ شرعي للتمثيل. فخلافًا للشيعة والكرد، لم تكن هناك قوى سياسية منظمة ومؤثّرة في الوسط السُني يمكنها أن تدعي تمثيل هذا الوسط والحديث باسمه، ولم تكن هناك مؤسسات دينية هرمية، على غرار المرجعية الشيعية، يمكنها أن تؤثّر في ولاءات السكان المحليين. وطوال عمر الدولة الحديثة، استفادت النخب العربية السُنيّة من سيطرتها على السلطة لتبنّي شبكات الزبائنية، والولاءات المحلية في هياكل السلطة، ولم تكن هناك حاجة إلى بناء مثل هذه الشبكات بالاستقلال عن السلطة. وقد أفضى سقوط النظام البعثي إلى خلق فراغٍ سياسي كبير في المجتمعات العربية السُنيّة. كما أنّ هيمنة النخب السُنيّة على الدولة كانت تُشَعَن و"تُخفَى" عبر أيديولوجية قومية عربية لا تقرّ للعامل المذهبي أيّ شرعية سياسية.
وبذلك لم تمارس تلك النخب هيمنتَها عبر التأكيد العلني ل "سُنيتها"، بل عبر إزاحة هذا "التصنيف" عن الفضاء العامّ. لكن مع سقوط النظام وتبنّي القوى الشيعية إستراتيجيةً معاكسةً، من خلال تأكيد التصنيف المذهبي كمُعرّفٍ للتمثيل السياسي، كان على المجتمعات العربية السُنيّة أن تدخل في صراعاتٍ – لا تزال متواصلة - حول إنتاج هويتها السياسية. في ذلك السياق، كانت هناك معارضة من القوى العَلمانية والقوى ذات النزوع القومي، وحتى من بعض القوى الإسلامية الشيعية ذات النزوع الإدماجي (مثل التيار الصدري وحزب الدعوة)، لفكرة التعامل مع العراق وكأنه يفتقر تمامًا إلى الهوية الوطنية وليس أكثر من مجموع مكوناته القومية والدينية والمذهبية. وكانت هذه المعارضة قويةً على نحوٍ كافٍ لتدفع المجلس الأعلى الإسلامي (آنذاك كان يسمى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق) إلى التخل عن الدعوة إلى إقامة إقليمٍ شيعيٍ على غرار الإقليم الكردي. وفي الحقيقة، كان هذا الاختلاف يعبّ عن نزعتين متعارضتين في الوسط الشيعي: نزعة تريد تأكيد عراقية الشيعة وقدرتهم - كأغلبية - على قيادة العراق كبلدٍ موحّد، ونزعة انعزالية تريد تأكيد "شيعيتهم" وترصين الحدود مع "السُنة"؛ لمنع اختراق الوسط الشيعي من جديد من قِبل تيارات أيديولوجية تُضعف هيمنة المؤسسات والأحزاب الدينية ذات التراث المحافظ؛ (مثل المجلس الأعلى.) بسبب تلك التباينات، انتهت عملية صَوغ الدستور إلى نوعٍ من التسوية بين التيار التوافقي الذي يؤكد الفصل بين المكونات، ومثّل الكرد المتبنِّي الرئيس له، ومثّل التيار الإدماجي خليطًا متنوعًا من قوى عَلمانية وإسلامية أقرّت بالوضع الخاص للكرد، لكنها فضّ لت عدم مأسسة الانقسام السُني - الشيعي. من أجل ذلك، اعتمد الدستور الجديد على ما سمّ ه ماكغاري وأوليري "التوافق الليبرالي"27؛ إذ يرى الكاتبان أنّ الدستور تبنّى تسويةً تتجنب التوافقية الحادة من دون أن تدعم النهجين الإدماجي والأغلبوي، وتمثّل هذه التسوية أفضل صيغة للتعامل مع خصوصية الوضع العراقي؛ لأنها تسمح للجماعات الفرعية بقدرٍ من الاستقلال الذاتي الاختياري عبر حقّ إنشاء الأقاليم الفدرالية من جهة، لكنها لا تفرض صيغةً محددةً لتلك الأقاليم من جهة أخرى، بل تعطي المحافظات حقّ عدم الانضواء إلى أيّ إقليم فدرالي، والإبقاء على ارتباطها بالحكومة المركزية. وبهذا المعنى، لم يفرض الدستور، باستثناء اعترافه بكردستان كإقليم فدرالي، صِ يغًا محدّدةً سلفًا لشكل الترتيب السياسي - الإداري الذي يُعتمد في الجزء العربي من العراق، وهي صيغة مغايرة لما ظلّ يُفضّ له دعاة التوافقية المهيكلة Corporate Consociationalism الذين يدعمون فكرة مأسسة الفصل بين كيانٍ شيعي وآخر سُني، وإقامة نظام توافقي يشبه النموذج البوسني. تكمن ميزة هذا الترتيب، وفق ماكغاري وأوليري، في أنه لا يفرض شكلً صارمًا من التصنيف الهوياتي على السكان؛ ومن ثمّ يسمح باستيعاب التحولات في مَيْلهم وكذلك التغيرات الديموغرافية التي قد تحصل لاحقًا28. فإنْ كان معظم الشيعة لا يميلون إلى الانتظام في إقليم شيعي خاص بهم، فإنّ الدستور يمنحهم هذا الخيار. وإنْ تغي هذا الموقف مستقبلً، فإنّ الدستور حَدّد، في المادة 119، طرائق إقامة إقليمٍ فدراليٍ عبر اتحاد محافظتين أو أكثر. وهذه الصيغة تسمح أيضًا بإمكانية تحويل العراق إلى اتحادٍ فدرالي عربي - كردي؛ في الحال التي تقرّر فيها المحافظات العربية أن تنتظم في إقليمٍ واحد، كما أنه يُسمح بالاتجاه إلى نموذج الأقاليم الثلاثة (كردي، وسُني، وشيعي.)
في الوقت نفسه، اعتمد الدستور النظام الفدرالي وحدّد الصلاحيات الحصرية للسلطة الاتحادية في المادة 110، والصلاحيات المختلطة مع سلطات الأقاليم في المادة 114، وترك كل ما لم يَنصّ عليه في الصلاحيات الحصرية للسلطة الاتحادية؛ ليكون من صلاحيات الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، ومنَح الأولوية لقوانين الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في الإقليم على القوانين الاتحادية في ما يتعلق بالصلاحيات المختلطة (المادة 115.) وقد مثّل ذلك تحولً جذريًا من تراث الدولة المركزية الذي هيمن على العراق خلال الح قَب السابقة، وعُدّ سببًا رئيسًا لتهميش الأقليات والجماعات الفرعية، ومنع الهويات المحلية من التعبير عن خصوصياتها. إلى جانب الفدرالية، نصّ الدستور على اعتماد النظام البرلماني، عاكسًا بذلك ميلً آخرَ لدى المدرسة التوافقية؛ لأنّ هذا النظام يقلّل من
فرص إقامة حُكم أغلبوي، ويدفع النخب إلى تشكيل تحالفات عريضة لا تخضع لهيمنة جماعة فرعية معيّنة، ويسمح بعدم تمركز الصلاحيات التنفيذية بيد رئيس قويّ. ومن أجل ضمان إفضاء هذا النظام إلى صيغة توافقية في توزيع السلطة، فرَض الدستور، في المادة 138، قيامَ البرلمان بانتخاب هيئة رئاسة بأغلبية الثلثين تتولى تكليف رئيس الوزراء في أوّل دورة انتخابية تلي إقرار الدستور. وتتكون الهيئة من ثلاثة أعضاء؛ كل واحد منهم يمتلك حقّ الفيتو تجاه مشاريع القوانين، على أنْ يُستبدل من الهيئة رئيسٌ للجمهورية بعد نهاية تلك الدورة29. وقد أ ريد بهذا الترتيب تقاسم المناصب الثلاثة بين مُمثلين للشيعة والكرد والسُنة، على نحوٍ يصبح فيه لكلٍّ من هذه الجماعات حقّ ضمان التأكد من أنّ المرحلة التأسيسية ستأخذ في الحسبان مصالحها ومطالبها. كما جرى اعتماد نظام انتخابي وفق مبدأ التمثيل النسبي. وهذه الصيغة الانتخابية هي المفضلة بالنسبة إلى المدرسة التوافقية؛ لأنها تعكس الأوزان الديموغرافية للجماعات المختلفة، وتسمح بتمثيل الأقليات. ومنذ ذلك الحين، شهد النظام الانتخابي عدّة تعديلات. فبعد أن جرت انتخابات الجمعية الانتقالية على أساس جعْل العراق منطقةًانتخابيةً واحدةً (وهو نموذج انتخابي يُعزز مَيل الناخبين إلى التصويت على أساس إثني وديني ومذهبي)، تمّ اعتماد نظام الدوائر المتعددة في الانتخابات اللاحقة؛ بجعْل كل محافظة عراقية دائرةًانتخابيةً واحدةً. وفي حين اعتَمدت الانتخابات الأولى نظام القائمة المغلقة الذي يؤدي، عادةً، إلى تأكيد دور زعماء الأحزاب في اختيار تسلسل المرشحين، ويُضعف قدرة الناخبين على المفاضلة بين المرشحين، فإنّ الانتخابات اللاحقة قد اعتمدت نظام القائمة المفتوحة الذي يمنح هامشًا أوسع للناخبين في اختيار مرشحيهم، من دون أن يمثّل تخليًا عن نموذج القائمة الحزبية30. غير أنّ العناصر التوافقية التي اعتمدها الدستور لا تعني أنه كان يمثّل ترجمةً كاملةً للنظرية التوافقية على النحو الذي عرضه ليبهارت. وكما يرى بعضهم، فإنّ هناك عناصر تنتمي إلى نظام حُكم الأغلبية تم تضمينها في الوثيقة، كما أنّ هناك ضمانات تقترحها النظرية التوافقية لم يتمّ اعتمادُها. فالدستور، مثلً، يسمح بانتخاب رئيس الجمهورية بالأغلبية البسيطة في حالة تعذّر حصول أحد المرشحين على أغلبية الثلثين، وهو ما يسمح للمكوّن الذي يمثّل الأغلبية بفرض خياراته، ويقلل الحوافز لتقديم تنازلاتٍ، ومشاركة السلطة مع الجماعات الأخرى. ولم يحدّد الدستور صيغًا واضحةً لتقاسم السلطة داخل الجهاز التنفيذي، وهي الفكرة التي دعمها ليبهارت بقوة خصوصًا في كتاباته المتأخرة، تاركًا بذلك هذه الترتيبات مرتهنةً بالأوضاع التي قد تجري على نحوٍ لا يتفق مع النزعة التوافقية. لهذا السبب، ذهب ماكغاري وأوليري إلى حدّ المجادلة بأنّ مشكلة الدستور العراقي تكمن في أنه ليس توافقيًا على نحوٍ كافٍ، وأنه يحتوي نصوصًا تهدد استمراريةَ بعض ترتيباته التوافقية31. في النهاية، يبدو أنّ الدستور أقرّ صيغةً ميسّ ةً للنظام التوافقي، وترك تطوير هذه الصيغة، أو تغييرها، لمجموعة القوانين المتعلقة بتشكيل مجلس الاتحاد؛ ليكون جزءًا من السلطة التشريعية عبر تمثيل الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، وقانون المحكمة الاتحادية المسؤولة عن فضّ النزاعات بين السلطة الاتحادية والأقاليم، أو في ما بين الأقاليم، وقوانين عديدة أخرى لم ترَ النور حتى اليوم.
ثًالث ا: التوافقية في التطبيق
دُعمت الصيغ التوافقية التي أقرها الدستور بقوانين وممارسات عرفية ذات طابع توافقي، مثل ضمان تمثيل أعضاء مجلس الرئاسة الكتلَ الكردية والشيعية والسُنيّة الرئيسة، وتشكيل هيئة رئاسة ثلاثية للبرلمان وفق الصيغة نفسها، وتعيين نوابٍ لرئيس الوزراء مع مراعاة تمثيل الجماعات الفرعية الرئيسة. وتمّ ضمان تمثيل الأقليات الصغيرة عبر حصصٍ محدّدة سلفًا في القانون الانتخابي، واعتُمِد نظام النقاط لتوزيع الوزارات في السلطة الاتحادية على الكتل الرئيسة في إطار حكومة "الشراكة الوطنية"، وقد تكررت هذه العملية في الدورات الانتخابية الثلاث التي تلَت نفاذ الدستور. لكنْ بالحكم على النتائج التي أفضى إليها تطبيق الصيَغ التوافقية، الدستورية منها والعرفية، وبمقارنتها بالفرضيات التي استندت إليها النظرية التوافقية، يمكن القول إنّ النظام السياسي العراقي لم ينجح حتى الآن في تحقيق الاستقرار السياسي، وفي ضمان رضا الجماعات الفرعية ومنْع الصراع بينها من أن يأخذ أشكالً عنيفةً. ويرى بعضهم أنّ التطبيقات التوافقية ساهمت في تأجيج التوتر الإثني والمذهبي، وفي تعزيز الانقسام الاجتماعي، وكرّست على نحوٍ خاصٍ التباينَ السُني – الشيعي، وأدّت إلى إضعاف الكُتل العابرة للطوائف، والعَلمانية التي تبنّت منظورًا وطنيًا للهُوية32. ويعتقد توبي دودج أنّ النظام نظرًا إلى السياسي العراقي كان يجب أن يستند إلى منظورٍ إدماجي
وجود رغبة من أغلبية العراقيين - وعلى نحوٍ خاص العرب – في الحفاظ على الهوية العراقية وإعطائها الأولوية، وفي الإبقاء على وجود دولة مركزية فاعلة33. إنّ إحدى الطرائق التي يمكن من خلالها تقدير مدى التأثير الذي تركته التطبيقات التوافقية في العلاقات بين الجماعات الفرعية، هي، النظر إلى طبيعة التحالفات الانتخابية والقواعد التي تتجه إليها. ففي حين شهدت الانتخابات البرلمانية الأولى، في كانون الثاني/ يناير 2005، تشكُّل ثلاث كتلٍ رئيسة (التحالف الكردستاني، والائتلاف العراقي الموحد الذي ضمّ الأحزاب الشيعية الرئيسة، وجبهة التوافق التي مثّلت القوى السُنيّة الرئيسة)، شهدت انتخابات 2010 ظهور كُتلٍ كبيرة تقدّم قوائمَ مختلطةً للمرشحين، وعلى نحوٍ خاص القائمة العراقية التي فازت بالمركز الأول في الانتخابات وطرحت نفسها كائتلافٍ عابرٍ للطوائف، وبقدر أقلّ ائتلاف دولة القانون الذي حل في المركز الثاني، وضم أيضًا عددًا قليلً من أعضاء السُنة إلى جانب أغلبية شيعية واضحة. غير أنّ الانتخابات البرلمانية الأخيرة، في نيسان 2014، شهدت مجددًا انفصالً واضحًا بين القواعد الانتخابية السُنيّة والشيعية، وتراجعًا كبيرًا في أوزان القوى ذات القوائم المختلطة. ويرى بعضهم أنّ النظام الانتخابي القائم على التمثيل النسبي ساهم في تأكيد الفرز الطائفي بين القواعد الانتخابية. وتذهب نصيبة يونس إلى تبنّي فكرة هورويتز القائلة إنّ هذا النظام يثير الانقسامات ويُعزّز مَيل النخب إلى تبنّي خطابات راديكالية، ويُضعف إمكانية ظهور اتجاه وَسطي على مستوى البلد. وقد اقترح هورويتز اعتمادَ النظام القائم على الصوت البديل Vote Alternative، وهو نظام يسمح بالتنافس في دوائر صغيرة، ويدفع المرشحين إلى مواقف أكثر اعتدالً لكسب الناخبين المحتَملين من خارج قواعدهم الانتخابية التقليدية34. يمكن القول إنّ هناك عوامل أخرى لا تتعلق بالطبيعة التوافقية للنظام السياسي، ربما كانت أكثر أهميةً من جهة التأثير في طبيعة التحالفات الانتخابية. فانتخابات 2010 جرت بعد تحسّن الوضع الأمني وتراجع العنف الداخلي، وهو أمرٌ منح المجتمعات العربية السُنيّة فرصةً أكبر لاتباع الخيار السياسي، ومحاولة تغيير النظام من الداخل، في حين نجح المالكي كزعيمٍ شيعي من خارج العوائل الدينية التقليدية في بناء ائتلاف مستقلٍ، ببرنامج يُ ركز مفاهيمَ بناء الدولة وحكم القانون والإعمار. وعلى الرغم من أنّ كِلَ الائتلافين كان لهما ميلٌ فرضته طبيعة القاعدة الانتخابية الرئيسة لكلٍّ منهما، فإنّ طبيعة التنافس بينهما في تلك المرحلة سَ محت بظهور قواعد انتخابية لا تعطي الأولوية للخلفية المذهبية في عملية الاختيار. لكنّ الأمر تغيّ في الانتخابات الأخيرة؛ بسبب التحول في التكتيكات الانتخابية التي تأثرت كثيرًا بالحُكم الذي أصدرته المحكمة الاتحادية، بعد النزاع في مفهوم الكتلة الأكبر التي يحقّ لها تشكيل الحكومة بعد انتخابات 2010، حين فسرت المحكمة النص الدستوري على أساس أنّ تلك الكتلة يمكن أن تكون القائمةَ الانتخابيةَ الفائزة، أو أيّ ائتلافٍ برلماني يضمن الأغلبية من عدد مقاعد البرلمان. وقد أدركت الأحزاب أنه ليس من مصلحتها الدخول في ائتلافات كبيرة قبل الانتخابات، مادام الفوز بالمركز الأول لا يضمن لأيٍّ منها الحصول على حقّ تشكيل الحكومة. فقرّرت النزول في قوائمَ منفصلة، وخلق ذلك خريطةً كثيرة التشظّي، وكبح محاولات تشكيل ائتلافات كبيرة تبحث عن قواعد انتخابية مختلطة. وإذْ تبدو الفرضية التي مفادها أنّ نظام التمثيل النسبي كان سببًا رئيسًا في تعميق الانقسام السُني - الشيعي قابلةً للجدل، فإنّه من الجليّ أنّ هذا النظام لم يخدم كثيرًا في تخفيف حدّة الانقسام الطائفي. وتجدر الإشارة إلى أنّ مؤيدي النظرية التوافقية لا يرَوْن في هذا الانقسام مشكلةً في حدّ ذاتها (لو تمّ الحؤول دون تحويله إلى صراعٍ عنيف.) وكما سبق القول، فإنّ للنموذج التوافقي، بحسب رؤية ليبهارت، فرصًا أكبر بالنجاح إذا كانت الحدود بين الجماعات الفرعية واضحةً، ولا يوجد تداخلٌ بينها. وفي وقت يبدو فيه انفصال القاعدة الانتخابية الكردية عن العربية طبيعيًا، نظرًا إلى الاستقلال السياسي واللغوي والثقافي الواسع الذي يحظى به إقليم كردستان، وانفصاله العملي عن إدارة السلطة المركزية منذ عام 1991، فإنّ وجود تداخلٍ لُغوي وعرقي، وأحيانًا أيديولوجي وعقائدي بين القواعد السُنيّة والشيعية، سمح بظهور محاولات لتجاوز هذا التمايز وتقديم برامج وخطابات على أسس تفترق نسبيًّا عن المطالب المحدودة والممركزة للجماعة الفرعية، وتتعداها إلى محاولة دمْج قطاعاتٍ من الجماعة الفرعية الأخرى ضمن دائرة النفوذ. وقد جرى التنافس بين ائتلافَ "العراقية"، و"دولة القانون" عام 2010 ضمن هذا السياق، إلا أنّه لا يوجد دليلٌ على أن هذا التنافس كان أشدّ من التنافس بين الكيانات التي تمثّل الجماعات الفرعية، ولا تحاول تخطّيها، بل إنّ بعض مظاهر التنافس أوحت بأنه كان أكثر حدّةً، خصوصًا حينما تمّ تفسير نجاحات القائمة العراقية بكسب نسبة مهمّة من الأصوات الشيعية، بوصفه تهديدًا للقاعدة التقليدية للقوى الإسلامية الشيعية، ما دفعها إلى الاتحاد مجددًا وتأكيد التصنيف الهوياتي الفرعي. ومن هنا، جرى التركيز من جانب القوى الشيعية في أنّ تلك القائمة يجب أن تمثّل المكون العربي السُني، وأنّ ادعاءها أنّ لديها تمثيلً أوسعَ لا ينطبق مع "الشيفرة" التوافقية
التي يعمل بها النظام. ونتيجةً للضغط الذي مُورس على هذه القائمة سواء كان ذلك بالتهديد؛ بعدم إدخالها ضمن الحكومة، أو بإغراء أعضائها بمناصب حكومية. فقد تشظّت فعلً إلى كتلة سُنيّة كبيرة، وأخرى ذات طابع شيعي، ولم يعُد لزعيمها إياد علاوي سوى عدد قليلٍ من النواب الموالين35. لهذا السبب يقدّم أنصار المدرسة التوافقية محاجّتهم على أساس أنّ الفشل الذي أصاب العملية السياسية في العراق لم يحصل بسبب النظام التوافقي، بل لأنّ هذا النظام لم يُطبّق بطريقة صحيحة، واحتوى عناصر سمحت بتصاعد النزعة الأغلبوية، بخاصة لدى الطرف الشيعي الرئيس "ائتلاف دولة القانون" الذي تبنّى برنامجًا لتشكيل حكومة أغلبية في الانتخابات الأخيرة. وقد أخذت الأطروحات التوافقية في السنوات الأخيرة شكلَ الدعوة إلى الانتقال، وغيرCorporate Consociationalism "إلى "توافقية مهيكلة مرنة، وهو النموذج الذي كان طرحه كلّ من جوزيف بايدن، وقد كان عضوًا في الكونغرس قبل أن يصبح نائبًا للرئيس، وليزلي غيلب الرئيس الشرفي لمجلس الشؤون الخارجية، في مقالة نشراها بعنوان "الوحدة من خلال الاستقلال"36. ودعت المقالة إلى محاكاة النموذج البوسني في العراق عبر إعطاء كل الجماعات الإثنو - دينية استقلالية ذاتيةً لإدارة شؤونها، مع الحفاظ على حكومة مركزية لإدارة المصالح المشتركة، وتحديدًا أمْن الحدود والسياسة الخارجية وعوائد النفط. وتقترح المقالة تأسيس ثلاثة أقاليم (كردية، وسُنيّة، وشيعية) مع إبقاء بغداد منطقةً فدرالية.ً لقيَ هذا الطرح ردًا غاضبًا من السياسيين العراقيين الذين رأوا أنّه محاولة لتقسيم العراق، في حين انفرد السياسيون الكردُ بالترحيب به. وقد استعاد ما صار يُعرف عراقيًا ب "مشروع بايدن" بعضَ حيويته بعد استيلاء تنظيم "داعش" على الموصل ومناطق سُنيّة أخرى، إذ بدأت الإدارة الأميركية بإلقاء اللوم على السياسات "السلطوية والطائفية" لرئيس الوزراء نوري المالكي، واقتراح إطار جديد للشراكة في السلطة37. وكان أحد أهمّ العناصر في الرؤية الأميركية هو تشكيل قوّة حرسٍ وطني سُنيّة تتولى مواجهة "داعش" في المناطق ذات الأغلبية السُنيّة، وتُسيطر على الأرض بعد طردِ داعش، بدلً من السماح لقوة ذات أغلبية شيعية بعمل ذلك؛ لأنّه من شأنه أن يقود إلى مزيدٍ من الاحتقان الطائفي38. لكنّ هذه الرؤية ما زالت تلقى مقاومةً من جانب الحكومة العراقية ومعظم الأطراف الشيعية التي لا تثق بقوة عسكرية سُنيّة منظّمة. ويرى ناقدو اتجاه الانتقال نحو فدرالية مهيكلة أنه سيؤدي عمليًا إلى إقامة ثلاثة كيانات سياسية متنازعة في الحدود والموارد، من دون ضماناتٍ لتبنّيها سياسات استيعاب معتدلة. وأحد أسباب الشكّ هو اعتقاد أنّ الإقليم السُني المفترض لا يمتلك ثروات نفطيةً مستغلة،ً وأنه إن فقدت الحكومة التي تهيمن عليها القوى الشيعية في بغداد السيادةَ الفعليةَ على تلك المناطق، فإنه لا يوجد سببٌ يدعو إلى الاعتقاد أنّها ستكون مستعدةً لتقاسم عوائد النفط مع هذا الإقليم، خصوصًا أنّ معظم تلك العوائد تأتي عن طريق تصدير النفط من البصرة. وبالنظر إلى الصراع المستمر حول إدارة حقول النفط بين إقليم كردستان وبغداد، لا يوجد احتمال كبير لإمكانية الوصول إلى صيغة لمشاركة تلك العوائد في ظل ترتيب من هذا النوع. ويرى بعضهم أنه على الرغم من الفرز الإثني والطائفي الذي حصل في العراق خلال العقد الأخير، فإنه لا تزال هناك العديد من المناطق المختلطة التي تجعل سيناريو الأقاليم الثلاثة صعبَ التحقيق، ومدخلً لصراعاتٍ جديدة. وبالنسبة إلى أولئك الذين يرَوْن أنّ أصل الصراع في العراق ليس إثنيًا أو طائفيًا، وأنّه صراعٌ بين النخب تُستخدم فيه التعبئة الإثنية والطائفية من أجل السلطة والموارد، فإنّ هذا السيناريو لن يمنع ظهور صراعاتٍ جديدة حول الهيمنة على السلطة والموارد في داخل تلك الأقاليم، قد تفضي إلى مزيدٍ من الانقسامات وظهور لوردات حرب، وإلى تعقّد الوضع السياسي، وهو ما يسمح بمزيدٍ من التدخلات الخارجية39. وخلافًا للفريق الذي يرى الحل في التوافقية المهيكلة، فإنّ هناك فريقًا آخرَ يعتقد أنّ المشكلة تكمن في النظام التوافقي؛ لأنه نظام يكرّس تشرذمَ الدولة، ويمنع ظهور حكومة فاعلة، ويُعمّق الشروخات الإثنية والمذهبية. ويتبنّى المؤيدون للاتجاه الإدماجي هذا الموقف، ويرون أنّ ما حصل من تطبيقاتٍ لم تُ ثّل في الحقيقة شراكةً في السلطة،
بل محاصصةً بين الأحزاب النافذة. ويعتقد الإدماجيون أنّ تعدد مراكز السلطة يُضعف الدولة ويُشتّت جهدها ومواردها، وأنّ مركزة السلطة بقدرٍ أكبر هو ضرورة لبناء الدولة. وقد بدأ تبنّي رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، لشكلٍ من أشكال الخطاب الإدماجي بعد إعلانه عن تشكيل ائتلاف دولة القانون، وشعوره بثقة أكبر في إثر تراجع العنف الداخلي وعودة بعض مظاهر سيطرة الدولة. ترافق هذا الخطاب مع محاولات المالكي توسيع نفوذه الشخصي، والتحرر من القيود التي فرضتها اتفاقيات الشراكة. واستخدم المالكي مفهوم "المحاصصة" بوصفه التعبير السلبي عن عملية توزيع المناصب التنفيذية بين الأحزاب، عادًّا أنها تَحرمه، بوصفه رئيس حكومة، من السيطرة على أداء وزرائه، ومحاسبة المقصّ ين منهم. وقد حفلت دورتاه الانتخابيتان 2010-2006(و 2014-2010) بالعديد من الانسحابات أو التهديدات بالانسحاب من القوى التي شعرت أنّ المالكي أخذ يركّز السلطةَ في يده، وفي مكتبه الشخصي، وفي المؤسسات الموازية التي أخذ في إنشائها. وخلال دورته الثانية، اندفع المالكي نحو تأكيد سلطته الشخصية، وصَعّد نقده للمحاصصة، وبنى حملته الانتخابية الأخيرة على الدعوة لحكومة الأغلبية التي ستسمح، بحسب رأيه، بوصفه رئيسًا للوزراء، باختيار وزرائه، والعمل كفريقٍ متجانسٍ، ومحاسبتهم عند الضرورة. لقي خطاب المالكي دعمً في الكثير من الأوساط الشعبية؛ وتحديدًا الشيعية، بسبب الشعور العام بأنّ تقاسم السلطة بين الأحزاب أدى فعلً إلى تحويل المؤسسات الحكومية إلى جهازٍ لتوزيع المغانم بين هذه الأحزاب، وهو ما يُغذي شبكات الأتباع الخاصة بها. وقد أدّى الطابع الريعي للاقتصاد العراقي دورًا كبيرًا في تكريس الثقافة الزبائنية Culture Patronage، وتحويل الصراع الحزبي على المواقع التنفيذية إلى صراعٍ على انتزاع الموارد والريوع لتمويل تلك الأحزاب وشبكات الأتباع المرتبطة بها. ولا يبدو أنّ النظرية التوافقية قد أَولت طبيعة الاقتصاد ومصادر الدخل الحكومي اهتمامًا كبيرًا، بقدر عنايتها بالأطر المؤسساتية للتوافق. لكنّ التجربة العراقية تُشير إلى أهمية الاقتصاد السياسي ومصادر الدخل في تشكيل العلاقات بين النخب، وبينها وبين وكلائها الاجتماعيين. وبما أنّ الاقتصاد الريعي يقوم على مراكمة العوائد النفطية في الجهاز التنفيذي، فإنّ قوّة هذا الجهاز والمسيطرين عليه تتضخم على نحوٍ يخلق حالةً من اللاتوازن بين التوزيع النظري للسلطة عبر مؤسسات الشراكة، والتراكم الفعلي لتلك السلطة. ومثل هذه الحالة تزيد الفجوة بين الهياكل الرسمية والعلاقات غير الرسمية، إذ تتحول الأولى إلى بناء فوقيٍّ وشكلي لا يُحدد نظام توزيع القوة الفعلي. وقد بلغت هذه الحالة ذروتها في ظل حكومة حيدر العبادي الحالية. ففي حين تأخذ الحكومة شكل حكومة الشراكة الوطنية عبر نموذج تحالف النخب الذي تحدث عنه ليبهارت، تكون القوة الفعلية على الأرض - على نحوٍ متزايد - في قبضة مؤسسات غير رسمية، أو شبه رسمية، خارجة عن محددات تلك الشراكة. فقوات الحشد الشعبي التي تأسست لمواجهة تنظيم داعش أصبحت مظلةً لعدد من الميليشيات، وبعضها ميليشيات لقوى سياسية موجودة فعليًا في البرلمان والحكومة. وما زال من غير الواضح الاتجاه الذي سيأخذه شكل العلاقة بين المؤسسة الرسمية والحشد الشعبي في المستقبل، وإن كانت الأخيرة قابلةً للتصنيف كميليشيا رسمية، أو هي ميلشيا تشكّل تحديًا للدولة. كما أنّ إعادة توزيع المناصب على أساس التوافق الإثني والطائفي، ومن ثمّ على أساس الحصص الحزبية، أعاد خلق حكومة مترهلة غير فعالة، تكشّفت بعضُ مساوئها مع الأزمة الاقتصادية التي دخل فيها العراق، منذ أيلول/ سبتمبر 2014، بفعل تراجع أسعار النفط. ويمكن النظر إلى موجة الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها بغداد والمدن ذات الأغلبية الشيعية في العراق، في تموز/ يوليو وآب/ أغسطس 2015، التي دفعت العبادي إلى إعلان خطة إصلاحية ابتدأت بإلغاء مناصب "توافقية" (مثل منصبَي نائب رئيس الجمهورية ونائب رئيس الوزراء)، بوصفها تنطوي على تحدٍّ لبنية المحاصصة في النظام التوافقي، وعلى نحوٍ خاص للطابع النخبوي الذي بدأ يطبع سلوك الطبقة السياسية، ومراكمة بعض أعضائها ثرواتٍ هائلةً عبر الامتيازات المالية الكبيرة التي صُفت لهم، ومن خلال العلاقات الزبائنية التي أتاحتها عملية توزيع المؤسسات الحكومية بين الأحزاب، وما عناه ذلك من إنهاء لفكرة المحاسبة؛ سواء كان ذلك من قِبل البرلمان أو المؤسسات الرقابية. وليس واضحًا المدى الذي يمكن فيه إجراء إصلاحاتٍ، من دون الإخلال بنظام التوافق القائم على صفقة نخبوية بين القادة الشيعة والكرد والسنة. فالإصلاحات تمتدّ إلى الحكومة الاتحادية استجابةً لضغطٍ من الشارع الشيعي، لكنّ أيّ تغييراتٍ، كما صرّح بعض النواب والمسؤولين الكرد، يجب ألّ تمسّ بنظام التوافق بين "المكونات." ويضع هذا الأمر قيدًا كبيرًا على قدرة العبادي في إجراء إصلاحاتٍ تُرضي شارعَه الشيعي، ويُحدّد سقفَ حركته على نحوٍ لا يهدد التسويات بين ممثلي المكونات. فأيّ اصطدام مباشر بالنظام التوافقي في هذه الأوضاع قد يهدد وحدة البلد، مع افتقار بغداد لقدرة فرْض سيطرتها أو قوانينها على إقليم كردستان ومعظم المناطق ذات الأغلبية السُنيّة. وهنا تكمن المفارقة الكبيرة من جهة أنّ نظام التوافق، على الرغم من الدور الكبير الذي أدّاه في إعادة إنتاج الانقسام السياسي والمجتمعي، يبدو الوسيلةَ الوحيدةَ للحفاظ على العراق ككيانٍ سياسي موحّد.
الاستنتاجات
بعد هذا الاستعراض، بوسعنا الإشارة إلى ثلاثة استنتاجات رئيسة، هي: طُرح ت النظرية التوافقية كنموذجٍ للتعامل مع المجتمعات التي تتسم بأنّها شديدة الانقسام، والتي يكون سِلْمها الداخلي ووحدتها عرضةً للتهديد بسبب هذا الانقسام، إلا أنّها عانت من خللٍ نظري يتعلق بغياب مقياسٍ واضحٍ لتعريف "الانقسام"، وتمييزه من "التنوع"، كما أنها تناولت الانقسام بوصفه نتيجة لوجود جماعات إثنية أو دينية مختلفة داخل حدود دولة غير متجانسة ثقافيًا، مُغفِلةً عوامل أخرى مُنتِجة للصراع، لا ترجع إلى وجود جماعاتٍ ثقافية مختلفة فحسب، ومن بينها التدخل الخارجي، وطبيعة الاقتصاد السياسي، والوضع الاجتماعي، ومستوى العنف السائد. وعلى الأرجح، فإنّ التوافقية قابلة للحياة والنجاح عندما تكون الحدود بين الجماعات شديدة الوضوح، ويصبح السلوك السياسي محكومًا بالولاء للجماعة الفرعية أكثر من الولاء للدولة - الأمّة، على نحوٍ يسمح بفض الاشتباك بين تلك الجماعات والسماح لها بتنظيم علاقاتها في أُطرٍ مؤسساتية محدودة، وإدارة شؤونها الذاتية باستقلالية كبيرة عن بعضها. ويبدو أنّ هذه الشروط لم تكن تنطبق على العراق بعد الاحتلال الأميركي. فالبلد لم يكن يعيش صراعًا إثنيًا أو دينيًا عندما دخلت إليه القوات الأميركية. وعلى الرغم من وجود حسٍّ متزايدٍ بالولاء للجماعة الفرعية، خصوصًا في حالة الجماعات التي اضطُهدت في زمن النظام السابق كالكرد والشيعة، فإنّ هذا الولاء كان في تداخلٍ وتنازع مع الولاء للمجتمع السياسي العراقي، وأخذ في حالته الصراعية، إلى حدّ كبيرٍ، شكلَ التنافس بين سرديات مختلفة حول الهُوية العراقية، والوطنية العراقية. وقد كانت هناك مقاومة داخل الجزء العربي من العراق للمبالغة بمأسسة الهُويات الفرعية وتسييسها، وهو ما دفع صانعي الدستور إلى اختيار منهج مركّب يجمع بعض العناصر التوافقية إلى جانب بعض العناصر الإدماجية، مع ترك تحديد المسار المستقبلي للنخب السياسية؛ عبر مجموعة من القوانين والصيغ التي كان يُفترض من خلالها استكمال البناء المؤسساتي للنظام السياسي. غير أنّ ذلك فتح الباب لاستمرار النزاع بين التوافقيين والإدماجيين الذي وصل ذروته في الفترة الثانية لرئيس الوزراء نوري المالكي، وبعد أن تمّت خلخلة المؤسسات التي كان يُفترض أن تحقق توزيعًا عادلً وتوافقيًا للسلطة. إذا كانت أوضاع الصراع الحالي وإخفاقات نظام الحكم في الحفاظ على السلم الأهلي تشير إلى فشل للبنى المؤسساتية القائمة، فمن الخطأ تحميل تلك المؤسسات وطريقة صَوغها مسؤولية الفشل كلّه، خصوصًا مع غياب الدليل على أنّ النتائج ستكون أفضل في حال الاعتماد على ترتيباتٍ مؤسساتية أخرى. وتتعلق كثير من التوترات والصراعات في العراق بإشكالياتٍ مستقلة عن الطريقة التي انتظمت بها هياكل النظام السياسي، ومن بينها الصراع الإقليمي المحتدِم الذي اتخذ في السنوات الأخيرة شكل طائفيًا، وأخذ يهدد استقرار دولٍ تعتمد نظُمً سياسيةً مغايرة للعراق، والاقتصاد الريعي الذي عادةً ما يشتغل حافزًا لعلاقات وولاءاتٍ غيرِ مؤسساتية، وهو ما يُضعف المؤسسات الدستورية أيًّا كان النظام الذي تعتمده تلك المؤسسات. من أجل ذلك، يجب ألّ ننتقل من الاستنتاج الصحيح المتمثّل بالقول إن "التطبيقات التوافقية في العراق لم تُحقق النتائج التي افترضت النظرية التوافقية أنها ستحققها" إلى الاستنتاج الخاطئ القائل إنّ "التطبيقات التوافقية هي السبب الوحيد في ما آلت إليه الأمور في العراق." إنّ الوضع الراهن في العراق الذي يشهد استمرار الصراع العسكري بين الحكومة العراقية والحشد الشعبي والبيشمركة الكردية من جانب، وتنظيم داعش الذي يسيطر على عدة محافظات ومناطق من البلد من جانبٍ آخر، يحمل سمات الحرب الأهلية والطريقة التي سيُحسَم الصراع بها، إن تمّ حسمُه فعلً. وكل ذلك سيؤدّي دورًا كبيرًا في تحديد المسار المستقبلي للعراق. فإن تمكّن تحالف الحكومة والحشد الشعبي من استعادة السيطرة على المناطق التي سيطر عليها تنظيم داعش، فإنّ ذلك ربما سيفتح المجال أمام إعادة النظر في التصنيف المذهبي، ويعطي فرصةً لتوطيد سُلطة ذات مركزية شيعية في الجزء العربي من العراق، ويُقوي المنظور الإدماجي على حساب التوافقي، ويفتح المجال أمام ترتيباتٍ بديلة مع إقليم كردستان قد تقوم على الانفصال أو الاتحاد الكونفدرالي. أمّا في حال استمرار هيمنة داعش على تلك المنطقة، أو في الحال التي يتعذّر فيها على تحالف الحكومة العراقية والحشد الشعبي حسم الصراع، وهو ما يفتح المجال أمام ترتيباتٍ دولية وإقليمية أوسع، فإنّ النهج التوافقي المهيكل وفق النموذج البوسني قد يُطرَح كمخرجٍ لإدارة العلاقات بين الجماعات الفرعية التي ترصنت الحدود بينها وتعمقت تمايزاتها، بسبب الصراع الذي استمر منذ عام 2003؛ لذلك فإنّ الاستنتاج القائل إنّنا بلغنا نهاية التوافقية في العراق قد يكون متعجلً. وفي
هذه الحالة، فإنّ الاتجاه القائل إنّ الحل يكمن في مزيدٍ من التوافقية سيعود إلى البروز، خصوصًا بصيغة الفدرالية المهيكلة بين الكيانات الإثنية والطائفية. لكنّ التوافقية القائمة على تمثيلٍ ثلاثيٍ (شيعي، وسني، وكردي)، أو ثنائيٍ (عربي - كردي) تعني وُجود ضرورة لإعادة النظر في شكل الحكومة الاتحادية ومؤسساتها التي ما زالت تنطوي على بعض سمات حكومة الأغلبية ذات الطابع المركزي، ولا سيما من حيث معدلها الهائل والتراكم الكبير للموارد والسلطات في مؤسساتها. فالتوافقية المهيكلة تعني استقلالً واسع النطاق للكيانات الفرعية عن بعضها، وهو ما يتطلب تخويل تلك الكيانات كثيرًا من صلاحيات "المركز"، ويجعل الحكومة "الاتحادية"، إلى حدّ كبير، هيكلً ذا بُعدٍ تنسيقي. غير أنّ هناك صعوبات كبيرةً تكتنف هذه العملية، خصوصًا على صعيد توزيع الموارد وتقرير الحدود، ومع وجود نزعة وطنية مقاومة لفكرة تغيير الجغرافيا السياسية (مع الإقرار بتراجع هذه النزعة في السنوات الأخيرة)، مَا يجعل الانتقال نحو هذا النموذج عمليةً معقدةً إلى حدّ قد يجعل بعضهم يميل إلى تفضيل الانفصال على اتحادٍ هشٍّ مُحمَّلٍ بصراعاتٍ مقبلة.
المراجع
العربية
الأزري، عبد الكريم. مشكلة الحكم في العراق. لندن: د. ن،.1991
الأجنبية
Al-Istrabadi, Faisal. “Sectarian Visions of the Iraqi State: Irreconcilable Differences.” in Social Differences and Constitutionalism in Pan - Asia , Susan H. Williams (ed.). New York: Cambridge University Press, 2014. and Accommodation “Political Brian. Barry, Consociational Democracy.” British Journal of Political Science. vol. 5, no. 4 (October 1975). Barth, Fredrik. “Introduction.” in Fredrik Barth (ed.) , Ethnic Groups and Boundaries: the Social Organization of Culture Difference. Boston: Little Brown, 1969. Cesari, Jocelyne. The Awakening of Muslim Democracy: Religion, Modernity, and the State. Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 2014. Dodge, Toby. State Collapse and the Rise of Identity Politics in Iraq: Preventing a New Generation of Conflict. Markus E. Bouillon & David M. Malone & Ben Rowswell (eds.). Boulder: Lynne Rienner, 2007. Elkins, Zachary & John Sides. “Can Institutions Build Unity in Multiethnic States.” American Political Science Review. vol. 101, no. 4 (2007). Kanbur, Ravi & Prem Kumar Rajaram & Ashutosh Varshney. “Ethnic Diversity and Ethnic Strife. An Interdisciplinary Perspective.” World Development. vol. 39, no. 2 (February 2012). Lijphart, Arend. “Consociational Democracy.” World Politics journal. vol. 21, no. 2 (January 1969). _________. “Constitutional Design for Divided Societies.” Journal of Democracy. vol. 15, no. 2 (2004). _________. The Politics of Accommodation: Pluralism and Democracy in the Netherlands. Berkeley: University of California Press, 1975. Lustick, Ian S. “Lijphart, Lakatos, and Consociationalism.” World Politics , vol. 50, no. 1 (1997). McGarry John. & Brendan O'Leary, “Iraq’s Constitution of 2005: Liberal Consociation as Political Prescription.” International Journal of Constitutional Law , vol. 19, no. 2
Nussaibah, Younis.” Set up to Fail: Consociational Political Structures in Post - war Iraq, 2003–2010.” Contemporary Arab Affairs , vol. 4, no. 1 (2011). Selway, Joel & Khris Templeman. “The Myth of Consociationalism? Conflict Reduction in Divided Societies.” Comparative Political Studies, vol. 45, no. 12