مؤتمر "الجيش والسياسة في مرحلة التحول الديمقراطي في الوطن العربي"
Confrence "The Army in Politics During the Transition to Democracy in the Arab World"
عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مؤتمره السنوي في قضايا التحول الديمقراطي في الوطن العربي، في مقر معهد الدوحة للدراسات العليا، حول موضوع "الجيش والسياسة في مرحلة التحول الديمقراطي في الوطن العربي." وبهذا يكون المؤتمر قد انعقد خمس دورات، منذ أول مرة عقد فيها؛ إذ بحثت دورته الأولى في موضوع "الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي: تجارب واتجاهات" (تشرين الأول/ أكتوبر 2012)، وتناولت ثانيتُها موضوع "الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي: مسائل المواطنة والدولة والأمة" (أيلول/ سبتمبر 2013)، وبحثت ثالثتُها في "المسألة الطائفية وصناعة الأقليات في المشرق العربي الكبير" في البحر الميت/ الأردن (أيلول/ سبتمبر)2014، وناقشت رابعتُها "العنف والسياسة في المجتمعات العربية" في تونس (أيلول/ سبتمبر.)2015 عُقد المؤتمر في 1 - 3 تشرين الأول/ أكتوبر 2016، وقدمت فيه 50 ورقة بحثية محكمة، أنجزها أكاديميون وباحثون بارزون، من أصل 90 ورقة بحثية قدمت للمشاركة، إضافة إلى محاضرتين عامتين من تقديم كل من عزمي بشارة وزولتان براني.
الجيش والسياسة: هل يمكن أن يبني الانقلاب ديمقراطية؟
يعد موضوع "الجيش والسياسة في مرحلة التحول الديمقراطي" بالغ الأهمية من النواحي العلمية والسياسية والتاريخية؛ فقد برز كحقل علمي في العلوم الاجتماعية في الولايات المتحدة منذ الخمسينيات من القرن العشرين، بينما برز في فرنسا ابتداءً من الستينيات. وقد تبلورت في هذا الحقل ثلاثة حقول فرعية؛ الأول، نشأ في بداية الخمسينيات، ويضم محور الأبحاث عن المهنة العسكرية profession من قبيل مهنة الجندي وحالته، وعلاقته بالدولة، والهوية العسكرية، والمسارات المهنية داخل المؤسسة التي هي تراتبية وهرمية بطبيعتها... إلخ. والثاني، الجيش كمؤسسة شاملة، بينما اهتمت مجموعة أخرى من الأبحاث – في هذا الفرع - بدراسة تاريخ نشأة الجيوش، والنظام الداخلي للمؤسسة العسكرية، ونوع الإدارة والتراتبية، وآلية ممارسة السلطة وتطور مفهوم القيادة، كما تناولت بعض الأبحاث الجانب الاجتماعي في المؤسسة وانتماءات العسكر الاجتماعية والطبقية، والجهوية، والدينية، والإثنية. أما الفرع الثالث، فبحث في موقع الجيش في المجتمع مقارنةً بالمؤسسات الشاملة الأخرى (كالمؤسسة الدينية والمؤسسة الأمنية)، بوصفه جسم شاملً له كيانه الخاص داخل المجتمع، وأنظمته الخاصة ومواقعه، وسكنه، ومؤسساته الاقتصادية والتربوية والقضائية. افتتح المؤتمر بمحاضرة عامة قدمها عزمي بشارة، أكد فيها أنّه لا يوجد جيش بعيد من السياسة بحكم تعريفه؛ فالجيش يتعامل يوميًا مع شؤون الحرب والدفاع، وقضايا أخرى يطلق عليها تسمية "الأمن" و"الأمن القومي"، وتراوح بين شؤون عسكرية محضة، ومسائل متعلقة بالاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فهذه العلاقة بين الجيش والسياسة قائمة حتمً في الدول الديمقراطية وغير الديمقراطية. غير أنّ الحالة التي يدرسها المؤتمر هي تطلّع الجيش إلى السياسة بمعناها الضيق، أي ممارسة الحكم، والاستيلاء عليه، أو المشاركة فيه، أو اتخاذ القرار بشأنه. وأشار بشارة إلى نزوع الجيش نحو الحكم واتخاذ القرار صيغة "الانقلاب" في مراحل متعددة من التاريخ في أقطار عربية مختلفة. ولفت الانتباه إلى الفرق بين الانقلاب والثورة بوصفهما مفهومين مختلفيَن. وعلى الرغم من أن هدف كليهما هو خلع رأس النظام، فإن الثورة تستخدم عادةً في وصف أيّ تمرد أو عصيان شعبي من خارج النظام ضد الحاكم، في حين أنّ الانقلاب العسكري يأتي من داخل النظام وغالبًا ما ينتهي بتغيير الحاكم مع الحفاظ على النظام. ولكن ثمة حالات أطلق فيها الانقلاب صيرورة تغيير، تحالفت فيها السلطة الانقلابية مع قطاعات اجتماعية متضررة لتغيير النظام، وجرى تغييره فعلً. ولخّص بشارة آخر السمات التي استنبطها في تحليله لعلاقة الجيوش العربية بالحكم بعنوان "لا يقوم الضباط بانقلاب من أجل أن يحكم آخرون"، إذ وقعت قوى سياسية واجتماعية في البلدان العربية عدة مرات ضحية وهْمِ أنّ الضباط يقومون بانقلاب في خدمتها. وقد اتضح أن الضباط لا يقومون بالتخلّ عن الحكم لمصلحة حزب سياسي إلا نادرًا. وفي أحيان كثيرة، كان الانقلاب في الدول العربية هو انقلاب النظام القديم على العملية السياسية التي تتجه نحو تغييره، في محاولة للحفاظ على امتيازاته من جهة وعلى النظام الحاكم. إنّه انقلاب من داخل النظام للحفاظ على النظام. يتميز هذا النوع من الانقلابات بالاستقرار؛ فلا مجموعة أو شلة، أو أخوية ضباط هنا، بل الجيش النظامي ذاته، ولا تدور بعد الانقلاب صراعات الضباط، فالهرمية التراتبية واضحة تمامًا، ويصبح قائد الجيش رئيسًا. واختتم بشارة بالقول إن "الجيش مؤسسة تعمل وفق مصالحها، وهي تميل إلى تصوير مصالحها في مراحل الانتقال كأنها مصالح وطنية عامة، كما لا تعمل هذه المؤسسة بموجب نظام أفكار. إنها مؤسسة منظمة أعلى من حزب أو حركة أو خزان أفكار[...]
من ناحية أخرى ثبت في تركيا كما في مصر أنّ الانقلاب يحتاج إلى التحالف مع قوى مدنية وسياسية، لكي يتمكن من فرض نفسه على المجتمع. فهو يفشل من دونها، وهذا ما وقع في تركيا على عكس مصر، لا سيما وأنّ انقسامًا وقع بين مؤيدي الديمقراطية ومؤيدي الانقلاب. أما حين انقسم المجتمع بين مؤيدي حزب سياسي بعينه (مثل الإخوان المسلمين) ومعارضيهم، (وليس بين مؤيدي الديمقراطية والمنقلبين عليها) فنجح العسكر."
الجيش والسياسة: قضايا وإشكاليات نظرية
بعد المحاضرة الافتتاحية بدأت جلسات اليوم الأول من المؤتمر وخصصت لطرح قضايا وإشكاليات نظرية لموضوع الجيش والسياسة، ومحاولة تقصي نشوء العسكرية العربية الحديثة وتطور أدوارها السياسية. وقد رأس الجلسة الأولى محمد المصري، وقدم أول عرض فيها عبد الوهاب الأفندي، الذي تناول القضايا المحورية التي تشكّل أساس السجالات في هذا المجال، في ورقته المعنونة "بين عسكرة السياسة وتمدين العسكرية: نحو إطار نظري لمعالجة إشكالية (الدولة المتخندقة")، التي ناقش فيها الافتراض الضمني بأولوية المدني سياسيًّا على العسكري، ثمّ العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعمل على عسكرة السياسة، والشروط اللازمة لتمدين الجهاز العسكري، وإخضاعه للسلطة الشرعية، وتأثير ذلك في فعالية الهياكل العسكرية والأمنيّة. تُضاف إلى ذلك الإشكاليات التي تطرحها أوضاع التحول والتمكين الديمقراطي، وما يرتبط به من أوجه تشابه وفوارق بين العلاقات المدنية والعسكرية في سياقات متعدّدة، ولا سيما أوضاع العالم الثالث على نحوٍ عامٍّ، والمنطقة العربية على نحوٍ خاصٍّ. وقدم خليل العناني البحث الثاني، وجاء بعنوان "تحولات العقيدة الأيديولوجية للجيوش العربية: قراءة في الأدبيات والأطر النظرية العربية"، وسعى فيه لإلقاء الضوء على الاقترابات التفسيرية العربية لفهم علاقة الجيش بالسياسة طوال العقود الخمسة الماضية، ولا سيما بعد الربيع العربي، مع التركيز على الحالة المصرية التي تبدو دالةً على تحولات هذه العلاقة وكاشفةً عنها، سواء كان ذلك من خلال الكتابات المؤثّرة للمفكرين والباحثين المصريين، من أمثال أنور عبد الملك ومجدي حماد ونزيه الأيوبي، أو من خلال الدراسات اللاحقة التي حاولت تفكيك هذه العلاقة وفهمها؛ وذلك في محاولة للخروج من التفسيرات الكلاسيكية، والمساهمة في صوغ إطار نظري أصيل يمكنه تفسير هذه العلاقة وفهم تحولاتها وتشابكاتها. بينما قدم طيبي غماري ورقة بحثية تحمل عنوان "تجاوز النظريات التصنيفية للعلاقات العسكرية المدنية: من أجل تفسير العلاقة بين العسكر والثورات العربية"، تناول فيها النظريات التصنيفية، وعمد إلى نقدها ومحاولة تجاوزها، ليقدّم بدلً منها دراسة الجيوش العربية حالةً، وفق شبكة تحليلية خاصة، وليكتشف الأسباب التي جعلت جيوش الثورات العربية تتصرف بطريقة خاصة. أما الجلسة الثانية فرأسها سيف الدين عبد الفتاح، وعالجت مقاربات تحليلية قارنت بين أنماط انقلابية متعددة في سياق الحرب الباردة، وقدم فيها أحمد حجاجي ورقة بعنوان "إستراتيجيات المعارضة في مواجهة الحكم العسكري"، ركز فيها على الإستراتيجيات المختلفة التي تتبعها المعارضة الساعية لتكريس الديمقراطية في وجه السلطة العسكرية الحاكمة. وتقوم في سبيل ذلك بتقييم ستة خيارات متاحة أمام هذه المعارضة، من حيث المكاسب والخسائر، والشروط الواجبة لكلّ منها، والحاجات الضرورية للمضيّ قدمًا فيها. أما مهند مصطفى فجاءت ورقته بعنوان "دور العسكر في التحول الديمقراطي وتعثره: ثلاث حالات مقارنة"، حاول من خلالها فهم المشترك والمختلف بين كل من حالات تركيا والأرجنتين وتايلند، من خلال المتغيرات أو العوامل التالية: الشرعية السياسية لتدخّل الجيش في الحياة السياسية، والأزمة الاقتصادية وفاعلية النظام السياسي، وتأثير التدخل الخارجي، ومستوى التكتل والصراعات بين القوى السياسية الفاعلة في النظام السياسي، وتوجهات الجيش الفكرية وقواعده الاجتماعية.
نشوء العسكرية العربية الحديثة وتطور أدوارها السياسية
أما الجلسة الثالثة، التي رأسها يوسف العبد الله، فركزت على موضوع نشوء العسكرية العربية الحديثة وتطور أدوارها السياسية. وقدّم أول عرض فيها خالد زيادة الذي درس "الأدوار المبكرة للعسكريين في السياسة والزعامة العسكرية"، عادًّا تحديث العسكرية وإنشاء جيوش نظامية تخضع للتعليم والتدريب والتراتبية، أمرًا أوجد في كلّ من الدولة العثمانية ومصر، المؤسسة الأكثر تحديثًا وانخراطًا في العلوم والتقنيات العائدة إلى القرن التاسع عشر. وقد كان إيجاد جيش نظامي في الدولة العثمانية
يهدف إلى الحّد من الخسائر التي مُنيت بها الدولة، بينما قدم محمد المصري بحثًا حمل عنوان "الضباط الأحرار في الأردن: تجربة تسييس الجيش"، حاول فيها بيان مدى اختلاف الحالة الأردنية واقترابها من النماذج التي سادت في بلدان المشرق العربي؛ من خلال إعادة دراسةٍ وتحليلٍ لإحدى التجارب المفصلية لعلاقة الجيش بالسلطة السياسية، وانخراط الضباط في الشأن السياسي وما يُعرف بتأسيس التنظيم السري للضباط الوطنيين (لاحقًا تنظيم الضباط الأحرار.) فتنظيم الضباط الأحرار منذ تأسيسه، عقب حرب 1948، حتى إنهائه، يعكس النموذج الأردني لدور الجيش في السياسة التي كان يمكن أن تمثل تكرارًا للنمط الذي ساد في بلدان المشرق. كما أسّست هذه التجربة تغييراتٍ جوهرية في بنية النظام السياسي الأردني، ودورَ المؤسسة العسكرية فيه، وعلاقاتها بالسلطات المدنية. وقدم محمد جمال باروت ورقة عن "جذور التسلطية العسكرية: ازدواجية السلطة العسكرية – المدنية في سورية -1950(1970")، سعى من خلالها لمعرفةٍ وفحصٍ لدور الصراع الناجم عن الازدواجية العسكرية - المدنية في الجيش السوري في بناء تلك التسلطية كبرنامج تحويل اجتماعي - اقتصادي شعبوي أيديولوجيًّا، وخصوصًا من جهة تحديد جذورها التاريخية التكوينية التي تقوم فرضيةُ البحث وتحليلاتُه ونتائجه على أنها تعود إلى الانقلابيَن الثالث والرابع، قبل انقلاب الضباط الأحرار بمصر وبعده قليلً، وأنّ انقلاب الضباط الأحرار تميز في العديد من محدداتِ سياسةِ الانقلابيَن على المستوى المقارن، كما مثّل في التطور العسكري - السياسي الداخلي نموذجًا أوّلَ للجنة العسكرية البعثية اللاحقة. وفي تجربة هذين الانقلابين السوريين، تكمن جذور التسلطية العسكرية بمحددها المرتبط ببرامج التحويل الاقتصادي - الاجتماعي الشامل.
الجيش والسياسة: القواعد التي تجعل الجيش ديمقراطيًا
انطلقت فعاليات اليوم الثاني من المؤتمر بمحاضرة عامة ثانية قدمها الباحث وأستاذ العلوم السياسية في جامعة تكساس زولتان براني، حدد فيها المبادئ الرئيسة التي تمنح أيّ جيش صفة "الديمقراطي"، على الرغم من أنّ هذه الصفة لا تتفق تمامًا مع طبيعة تنظيم الجيوش داخليًا. وقال براني إنّ الجيش هو المؤسسة الأقل ديمقراطيةً، من بين مؤسسات الدولة جميعها، بسبب طبيعته والقواعد التي تسيّ ه؛ إذ تحكمه التراتبية والأوامر، ولا مجال فيه لتطبيق آليات الديمقراطية. بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك، مؤكدًا أنّ الجيش هو مؤسسة الدولة الوحيدة القادرة على تدمير الدولة. ولكنه يوضح أنّ هناك مبادئ تمنح الجيش صفة "الديمقراطي" عند إقرارها وتطبيقها. ويُعرّف الجيوش الديمقراطية بأنها الجيوش التي تَقبل الحكم الديمقراطي وتسانده وتحميه. وبعد المحاضرة الافتتاحية الثانية تفرع المؤتمر إلى مسارين؛ خصص الأول منهما لدراسة "الجيش والقوى غير النظامية"، وذلك عبر ثلاث جلسات، رأ س الأولى محمد المسفر، وقدم أول ورقة فيها علي المعموري عن "الجيش والفصائل غير النظامية في العراق: جدل الدولة والبديل الإثني"، بيّ فيها أنّ هناك خطأ في فهم طبيعة نشأة هذه الفصائل وأسبابها، وأنّ كثيرًا من الدراسات أخطأت في التعامل معها؛ بوصفها مدخلً لعملية التحليل البحثي. في حين أنّها في حقيقتها مخرجات لوضع أشدّ تعقيدًا، ونتائج لمشكلة الإثنيات المتناقضة في العراق، وفشل الدولة في أن تكون المحتكر لإيقاع العنف الشرعي، وهو ما أدّى إلى اختلال التوازن، لتتقدم الإثنيات عبر بِناها التقليدية (الدينية، والعشائرية) وتأخذ موقعها في حياة الأفراد، حاميةً ومنظِّمةً، في ظلّ ضعف الدولة أو غيابها. وقدمت سمية شيخ محمود ورقة بعنوان "إشكالية بناء جيش وطني موحد في مجتمع منقسم مناطقيًا"، مركزة على حالة الصومال، موضحة أنه بعد إسقاط نظام محمد سياد بري، قام بعض قيادات جبهة المؤتمر الصومالي الموحد التي سيطرت على العاصمة في 1991، بإعلان حكومة انتقالية تشاركية، وكان أوّل قرار اتخذه رئيس وزراء تلك الحكومة هو حلّ مؤسسة الجيش الوطني الصومالي، وتسليم سلاحه ومقراته إلى رجال المليشيات الموجودة في العاصمة. نتج من هذا القرار الكارثي دخول البلاد في حالة فوضى سياسية واجتماعية، فأعلنت الحركة الوطنية في الشمال انفصال الإقليم الشمالي عن الصومال باسم "جمهورية صوماليلاند"، بذريعة أنّ جبهة المؤتمر الصومالي لم تتشاور معها في قراراتها الأخيرة. وبعد تعثّ مؤتمرات المصالحة الوطنية، قررت الجبهة الصومالية الديمقراطية للإنقاذ، إعلان منطقة حكم ذاتي في مناطق شرق البلاد، باسم "بونتلاند"، وأسست نظامها الخاص وقواتها الخاصة. وهكذا انقسم الصومال مناطقيًّا إلى ثلاثة كيانات،
وبقيَ من دون حكومة موحّدة، ومن دون مؤسسات حكومية نظامية طوال عقد من الزمان. بينما تطرق بدر الشافعي إلى "إشكالية العلاقة بين الجيوش الوطنية والشركات العسكرية الخاصة." وقد صمّم دراسته على ثلاثة مباحث أساسية؛ تناول المبحث الأول الأسباب المختلفة الداخلية والخارجية للاستعانة بهذه الشركات، في حين جرى تخصيص المبحث الثاني لدراسة حالات تتدخل فيها هذه الشركات في الصراعات الداخلية، واختار ثلاث حالات مختلفة، هي العراق في 2003، وأنغولا وسيراليون في تسعينيات القرن الماضي. ففي الأولى ساهمت هذه الشركات في إطاحة نظام صدام حسين. وفي الثانية ساهمت في تعزيز نظام سانتوس في أنغولا. أمّا في الثالثة، فقد نجحت في استعادة نظام كاباه بعد إطاحته في انقلاب عسكري في 1997. أمّا المبحث الثالث، فقد تمّ تخصيصه لتقييم تأثير تدخل هذه الشركات في تسوية الصراعات. ورأس الجلسة الثانية من المسار الأول أحمد قاسم حسين وقدم فيها حسن قاسم لموضوع "الجيش والمليشيات المسلحة في السودان: تكامل أدوار أم تنازع اختصاصات؟"، حاول الباحث معرفة طبيعة العلاقة بين الجيش السوداني والمليشيات المسلحة في مناطق النزاعات المسلحة، من حيث الأدوار والمهمّ ت والأسباب والمبررات التي أدّت إلى قيام مثل هذه التأليفات العسكرية. وتُبنى فرضية الدراسة على أنّ سبب قيام هذه المليشيات يعود إلى طبيعة العمل العسكري للحركات المسلحة والتي تستخدم تكتيك حرب العصابات في دارفور، وهي مناطق لم يتعود الجيش القتالَ فيها، إلى جانب التغيير في عقيدته القتالية؛ من قتال العدوّ الخارجي إلى قتال الحركات المتمردة. وقد أدّت هذه الحروب والنزاعات إلى انتشار ثقافة الحرب والقتل، ومن ثمّ أفضت إلى عسكرة المجتمع التي تزايد معها الاستقطاب الإثني والجهوي. وقدمت سحر الفكي دراسة تحمل عنوان "تقاطع مؤثرات الداخل مع الخارج: المؤسسة العسكرية والسلطة في السودان"، تطرقت فيها إلى الكيفية التي شكّلت إطاحة الحكومات المدنية من خلال الأنظمة العسكرية سمة بارزة في السياسة السودانية في مرحلة ما بعد الاستقلال. وأصبح هناك نمطٌ من التغذية المرتدة بين أنظمة الحكم المدنية والعسكرية. وإضافةً إلى النمط الانقلابي وقيام النخبة العسكرية بممارسة دور مباشر في الحياة السياسية، شكّل وجود طرف خارجي يقدّم العون، سواء كان ذلك في حال وجود مهددات الاستقرار والأمن الداخلي أو بسبب أنه مدفوع إلى ذلك بمصالحه، أحدَ المسارات التي تؤدي إلى استلام المؤسسة العسكرية للسلطة في مُدَدٍ مختلفة، وإلى تشابك العديد من العوامل الإقليمية والدولية مع العوامل الداخلية، لتؤثر في مخرجات كلّ مرحلة وفي عملية الاستقرار السياسي والتحول الديمقراطي. أما طارق هارون فقدم ورقة عن "الجيش السوداني والجنجويد (قوات الدعم السريع) والتحول الديمقراطي"، ركز فيها على مليشيا الجنجويد التي كانت تعمل في دارفور ثم انتقلت للعمل مع الحكومة في كلّ أجزاء السودان. وتكمن إشكالية البحث في أن للجنجويد أثرًا بالغًا في مرحلة التحول الديمقراطي، وأنّها في أغلب الأحيان تكون شرسةً في مقاومة الديمقراطية؛ إذ تعمل على إجهاض المحاولات السلمية للتحول الذي ظهر مع الربيع العربي.
مواقف المؤسسة العسكرية من الثورات العربية ومسائل إصلاحها
عالجت مشاركات الجلسة الثالثة من المسار الثاني، والتي رأسها إبراهيم فريحات، مواقف المؤسسة العسكرية من الثورات العربية معتمدة على حالات مقارنة بين مصر والجزائر وتونس وسورية، استهل غسان العزي الجلسة ببحث "عن الجيوش العربية وثورات "، مستشهدًا بالنموذجين؛ التونسي والم عام 2011 يرر، وتضمن البحث إطارًا نظريًا سلّط الأضواء على النظريات الكبرى في مجال علم الاجتماع العسكري، وتحديدًا العلاقات المدنية - العسكرية وتدخّل الجيوش في السياسة، وذلك منذ أواسط القرن المنصرم (مدرسة شيكاغو... إلخ)، مرورًا بنهاية الحرب الباردة إلى اليوم. أما حمزة المصطفى فتطرق إلى "الجيوش والتحول الديمقراطي في المنطقة العربية: دراسة مقارنة لدور المؤسسة العسكرية في تونس ومصر وسورية"، في حين قدم محمد سعدي ورقة عن "رهانات إصلاح مؤسسة الجيش في العالم العربي"، اعتمد فيها مقاربة قانونية ومؤسساتية تعتمد المنهج التحل لي المقارن، لتشخيص إصلاح قطاع الجيش في الدول العربية من حيث الإمكانات والفرص والموانع، وخصوصًا في دول شمال أفريقيا، عبر رسم خريطة أوّلية لأهم الاتجاهات والمؤشرات، إيجابيًّا أو سلبيًّا، في ما يخص حوكمة مؤسسة الجيش في العالم العربي وترشيدها؛ وذلك مقارنةً بالممارسات الفضلى السائدة في العديد من تجارب الدول الديمقراطية.
مشكلات العلاقة بين الجيش والانتقال الديمقراطي في بلدان المغرب العربي
تمحور جل مشاركات المسار الثاني من اليوم الثاني حول دراسة العلاقة بين الجيش والانتقال الديمقراطي في بلدان المغرب العربي، والذي انتظم في ثلاث جلسات؛ استهل الجلسة الأولى التي رأسها منير الكشو، الباحث عادل أورابح بمشاركة تحمل عنوان "الجيش والسلطة والانتقال الديمقراطي المتعثر في الجزائر"، تطرق فيها إلى تحليل إشكالية التداخل بين العسكري والسياسي، من خلال التأصيل التاريخي للظاهرة العسكرية في الجزائر، وتقييم أداء المؤسسة العسكرية عند تسييرها للمرحلة الانتقالية. أما نوري دريس فقدّم دراسة حملت عنوان "الجيش والسلطة والدولة في الجزائر: من الأيديولوجيا الشعبوية إلى الدولة النيوباترمونيالية"، حلّل فيها الأوضاع التي أدّت إلى احتلال الجيش قلْبَ الدولة والسلطة في الجزائر المعاصرة، وانعكاسات ذلك على عملية بناء المؤسسات السياسية والقانونية وتجربة الانتقال الديمقراطي. ودرس ن وررز ساتيك "تموضع الجيش في السلطة السورية 2011-2000(")، موضحًا تشكّل الجيش السوري في الزمن الاستعماري للمنطقة العربية؛ بحيث لم تفلح الدولة الوطنية في تحريره من الأفكار الكولونيالية نسبيًا، ليرسّخ الرؤى الاستعمارية للمجتمع السوري، ويندمج على نحوٍ متتابع في السياسات النيوليبرالية. وتطرقت مباحث الجلسة الثانية من المسار الثاني إلى دراسة مشكلات العلاقة بين الجيش والانتقال الديمقراطي في بلدان المغرب العربي، مركزة على حالتي تونس وليبيا، واستهلتها الباحثة آية جراد بدراسة عن "دينامية العلاقات المدنية - العسكرية في تونس: من الاستقلال إلى الثورة"، كانت اختبارًا لفرضية بقاء خطر الانقلابات العسكرية قائمًا، على الرغم من إستراتيجيات الوقاية من الانقلابات المتطورة التي يمارسها النظام. وحاولت الدراسة بيان التهميش والعداء المستمرّين تجاه المؤسسة العسكرية بوصفهما قد مهّدا الطريق لانهيار النظام الحاكم في 2011، وولادة وجهٍ جديدٍ للمؤسسة العسكرية منقطع عن الصورة التقليدية التي عهدناها عليها. أما أنور الجمعاوي فقدم دراسة حملت عنوان "الجيش والانتقال الديمقراطي في تونس"، اهتمت بثلاثة محاور بارزة؛ أوّلها، النظر في سيرة الجيش التونسي الحديث والوقوف عند أهمّ الأدوار المنوطة به (مدّة حكم الحبيب بورقيبة وخلفه زين العابدين بن علي.) وثانيها، الوعي بموقع الجيش من حدث الثورة ومسار الانتقال الديمقراطي في تونس. وثالثها، محاولة الإحاطة بأهمّ مسالك تأهيل الجيش التونسي، واق اررح وسائل لإصلاحه وتطويره ليستجيب لمستجدات الوضع الديمقراطي الجديد في تونس. وقدم العربي العربي دراسة حملت عنوان "المؤسسة العسكرية في ميزان الثورتين التونسية والليبية"، أشار فيها إلى أن المؤسسة العسكرية في هذين البلدين كانت مؤسسةً رسميةً غير سياسية. ولذلك، أحست المؤسسة العسكرية في الدولتين بالغبن والتقزيم. كما قدّم مصطفى عمر التير دراسة حملت عنوان "العسكر ومعضلة التحول الديمقراطي: دراسة الحالة الليبية"، قيّم فيها دور الجيش أو العسكر في عرقلة تطور الأجهزة الوسيطة التي لا بدّ من تبنّيها في المجتمع الليبي، لكي تُنجز عملية التحول الديمقراطي. ولوصف هذا الدور وتحليله؛ تمّ التمييز بين ثلاث مراحل رئيسة؛ مرحلة الحكم الملكي، ومرحلة ثورة الفاتح، وأخيرًا مرحلة انتفاضة/ ثورة 17 شباط/ فبراير 2011. وقد توافرت لكلّ مرحلة عوامل أثّرت في دور الجيش أو العسكر لتجعله متميزًا. كما أكدت الورقة أنّ ليبيا لم تقُم فيها تجربة ديمقراطية تستدعي قيام الجيش بانقلابه العسكري، والقضاء عليها؛ كما حدث في بلدان أخرى. أما مباحث الجلسة الثالثة من المسار الثاني، والتي أدارها عبد الحميد هنية، فتطرقت إلى مشكلات العلاقة بين الجيش والانتقال الديمقراطي في بلدان المغرب العربي مركزة على حالة الجزائر. البحث الأول في هذه الجلسة قدّمه الطاهر سعود وحمل عنوان "أدوار الجيش في مراحل الانتقال في الجزائر: أو الجيش الجزائري ومسار المصالحة الوطنية"، وسعى فيه ل "الحفر" في أدوار الجيش الجزائري في مراحل الانتقال، ودوره في تحقيق مسعى التصالح الوطني في الجزائر، أما لعروسي رابح فقدم ورقة حملت عنوان "الجيش والسياسة في الجزائر: تحديات ومشاهد مستقبلية"، دافعت عن أن العلوم الاجتماعية والسياسية، تهتمّ بفهم دور المؤسسة العسكرية التي تُعدّ في كثير من الأنظمة السياسية مؤسسةً مفتاحية في فهم تفاعلات المنتظم كلّه. ولذلك، هو يرى أن دراسته تستمد "أهميتها من اهتمامها بفهم خلفيات الدور السياسي الذي أدّته المؤسسة العسكرية في مدّة معينة من تاريخ الجزائر؛ ذلك أنّ فهم هذا الدور يُعدّ جزءًا رئيسًا من مسار البحث عن حقيقة آليات عمل نظام الحكم في الجزائر. فالجيش له في التأثير والتأثر بمؤسسات الدولة ما يجعله موضوعًا ملائمًا للبحث السياسي." وركزت ورقة ولد باهي بون بعنوان "العسكريون في موريتانيا والجزائر وتجربة التحول الديمقراطي"، على تجربة النظامين السياسيين الموريتاني والجزائري، في محاولة لتقديم جواب عن
السؤال الشهير: لماذا تقدّم غيرنا وتأخرنا نحن؟ ولكن عبر الجيش والسياسة هذه المرّة. وبحثت الدراسة في أوجه التشابه والاختلاف بين النظامين العسكريين، وكذلك، فرص التحول الديمقراطي ومآلاته، وقد أشارت دراسته إلى أن جلّ تجارب الانتقال في هذين البلدين كانت تنتهي بانقلاب عسكري. وقدم أحمد إدعلي ورقة عن "الثابت والمتحول في مسارات العلاقة بين الجيش والسياسة في الجزائر"، درس فيها طبيعة العلاقة بين الجيش والسياسة في الجزائر من خلال تعقّب المسارات العامة للنظام السياسي الجزائري. ومبرّر ذلك هو أنّ فهم تلك العلاقة، والإحاطة بالأدوار السياسية للجيش، ومفاعيلها في مسلسل التحول، تُحدّد في ضوء ضغط الإرث الثقيل لحرب التحرير، وموازين القوى الداخلية التي أفرزتها، ومنطق تبادل الضربات بين الفصائل قُبيل الاستقلال وبعده؛ ذلك أنّ الوقوف على هذه المسارات التاريخية التي ترهن مسارات التحول في الجزائر، يسمح بالإحاطة بطبيعة العلاقة بين العسكري والسياسي، والإمساك بالثابت والمتحول فيها، وبحث الموارد التي يتوسل بها الجيش من أجل بسط هيمنته على المشهد السياسي.
الانقلابات العسكرية مع التركيز على الحالة السودانية والتركية
شهد اليوم الثالث في المؤتمر خمس جلسات انقسمت على مسارين. وقد ركز جل المشاركات على الانقلابات العسكرية، وخصوصًا في الديمقراطيات الفتية، مع التركيز على الانقلابات السودانية وأبعادها السياسية. خصصت الجلسة الأولى من المسار الأول، والتي رأسها سحيم آل ثاني، لموضوع المؤسسة العسكرية العراقية ودورها السياسي بين التاريخ والراهن. الورقة الأولى في الجلسة قدمها الباحثان الناصر سعيد وكمال حسن، وحملت عنوان "أثر تسييس الجيش في الاستقرار السياسي في العراق 2003-1921(")، تناولا فيها تجربة تدخل الجيش في السياسة في العراق تجربةً مهمّةً تحظى بخصوصية واضحة؛ لذلك جاء هذا البحث محاولةً أكاديميةً لإماطة اللثام عن ملابسات هذه الظاهرة وأصولها وخلفياتها. وجاءت مداخلة عماد علو عن "الدور السياسي للمؤسسة العسكرية العراقية في مراحل التحول الاجتماعي"، بالنظر إلى الدور المحوري الذي أدّته وتؤدّيه في اتجاهات تطور الحياة السياسية والاجتماعية في العراق، منذ تأسيسها في 1921، مرورًا بحلّها من جهة قوات الاحتلال الأميركي في 2003، وإعادة تشكيلها بإشراف أميركي، والدور الذي أدّته المؤسسة العسكرية العراقية في أوضاع الصراع الطائفي والحرب على الإرهاب. أما سردار عزيز فتطرق إلى "الجيش والسياسة في إقليم كردستان"، من خلال ورقة تناول فيها بالشرح والتحليل الخطاب الكردي عن توحيد قوات البيشمركة مع بداية مرحلة الانتقال، وكانت أوّل محاولة فعلية للاتحاد في 1994 قبل الحرب الداخلية (الأهلية.) لكن لم تكن هناك أيّ نتيجة فعلية لهذه الخطوات؛ لأنّ الحرب بدأت بعد وقت وجيز. ومع بداية اندلاع الحرب، انقسمت القوة التي كانت تشكّل البيشمركة إلى قسمين متضادين، حدث بينهما الكثير من إراقة الدماء والتعذيب والقتال. وكلّ هذا من خلال السرد والإعلام اللذين يصيران من مكونات التفرقة، وفي النهاية يصبحان جزءًا رئيسًا من تكوّن التفرقة في المجتمع.
الانقلابات السودانية وأبعادها السياسية
استهل الباحث مهند فاروق أحمد الجلسة الثانية من المسار الأول بورقة حملت عنوان "انقلاب 25 مايو 1969 في السودان ")1985-1969(، عالج فيها انقلاب 1969 بقيادة جعفر النميري وخلفياته السياسية والاقتصادية. حيث أدّت القوات المسلحة دورًا كبيرًا في تثبيت هذا الانقلاب بمواجهاتها لعدد من الانقلابات التي وقعت ضد نظام مايو؛ وكذلك، كان لها دور كبير في إسقاط نظام مايو في نيسان/ أبريل.1985 أما عبد الله علي إبراهيم فقدم ورقة حملت عنوان "الحزب الشيوعي السوداني: ويولد من الانقلاب ثورة"، شرح فيها تطور النهج المعادي للانقلاب في الحزب الشيوعي الذي اختطه عبد الخالق محجوب، السكرتير العامّ للحزب خلال المدّة 1949 - 1971، وعدّه مسارعة ل "فطيرة" غير مأمونة العواقب بالنسبة إلى الثورة السودانية. وتابع الباحث كيف أصبح "التكتيك الانقلابي" بديلً من "العمل الجماهيري." وهو تكتيك يمثل في نهاية الأمر "مصالح طبقة البرجوازية والبرجوازية الصغيرة." وقدم الخليفة إسماعيل ورقة عن "دور الجيش في عملية التحول الديمقراطي في السودان"، في حين حملت ورقة قيصر موسى الزين عنوان "الجيش والنخبة والأيديولوجيا: في تحليل المسار السياسي في السودان بين الديمقراطية والانقلابات العسكرية منذ عام 1958"، ألقى فيها الضوء على الطبيعة الدينامية للحياة السياسية في السودان والعوامل
المؤثّرة فيها والآليات التي تتحكم فيها. وركّز على ربط ذلك بمآلات التطورات في ما يتعلق بقضايا الديمقراطية والحريات. ودرس الباحث التركيب الطبقي – الإثني للجيش السوداني، وصلة ذلك بالتكوين المجتمعي في السودان بوجه عامّ، إضافةً إلى طبيعة التداخل – سواء كان ذلك في التكوين أو في التفاعل - بين الجيش في مستواه القاعدي وبين شقّي النخبة (العسكري والمدني.)
مشكلات العلاقة بين الجيش والانتقال الديمقراطي في بلدان المغرب العربي: موريتانيا والمغرب
أما المسار الثاني من اليوم الثالث فتناولت أوراقه البحثية مشكلة العلاقة بين الجيش والانتقال الديمقراطي في بلدان المغرب العربي مركزة على موريتانيا والمغرب ومصر. رأ سَ الجلسة الأولى من المسار الثاني عبد الرحيم بنحادة، وافتتحها عبد الرحمن حرمة ولد بابانا بورقة تحمل عنوان "عوائق التحول الديمقراطي في الوطن العربي: موريتانيا نموذجًا"، شرح فيها مسار التطور السياسي الذي عرفه المجتمع الموريتاني، وعرف حركية دائمة، كانت في غالبها استجابة لعوامل خارجية، حالت دون تطور ثقافة الدولة، إذ إن الثقافة السياسية الموريتانية التي تبلورت خلال العقود الماضية، ليست إلا جزءًا من الثقافة العربية المطبوعة بالاستبداد، بحسب الباحث. تطرق محمد يحيى حسني إلى "كوابح التحول الديمقراطي: الانقلابات العسكرية والحكم العسكري في موريتانيا كنموذج تطبيقي"، من خلال ورقة استقصى فيها الحقول النظرية التي عالجت إشكالية الانتقال الديمقراطي وحضور الجيوش فيه سلبًا أو إيجابًا، ورأى الباحثُ أن قراءة الحالة الموريتانية، تكشف عن أنّ الجيش عائق أمام الانتقال الديمقراطي مادام غير تابع لقيادة مدنية تحكمه، وما دام مشغولً بمطامع سياسية، ويدخل طرفًا في اللعبة السياسية الداخلية التي هي شأن الفاعلين المدنيين أساسًا. لهذا، تقيم هذه المقاربة فصلً جذريّا بين السياسي والعسكري بوصفهما حقلين متغايرين. قدم إحسان الحافظي ورقة حملت عنوان "الجيش، الملكية المغربية، والنخبة السياسية: أثر البنية في السلوك"، عالج فيها تشكيل العلاقة بين الجيش والملكية والنخبة السياسية في المغرب، في تزامن مع اللحظة التأسيسية لهياكل الدولة، بعد الاستقلال. ومع تطور الأحداث وتشكيل حياة سياسية وحزبية في المغرب، أخذت المؤسسة العسكرية مسافةً موضوعةً مع الفرقاء السياسيين كافّةً، ما عدا المؤسسة الملكية، إذ بقيَت ظِلّ العرش طَوال هذه المدّة، ورأى الباحث أنه كان لهذا السياق التأسيسي أثرٌ في سلوك النخبة السياسية في علاقتها بالمؤسسة العسكرية، من خلال وظيفتها البرلمانية، تشريعًا وتنظيمً وتوجيهًا.
المؤسسة العسكرية المصرية من الثورة إلى الانقلاب
أما الجلسة الثانية من المسار الثاني فخُصّصت لمناقشة "المؤسسة العسكرية سها عبد الوهاب الأفندي المصرية من الثورة إلى الانقلاب"، ورأ. قدّم الورقة الأولى سيف الدين عبد الفتاح، وحملت عنوان "الخطاب السياسي للعسكر في مصر: من الثورة إلى الانقلاب"، توقف فيها الباحثُ أمام المفاهيم المفتاحية الكامنة في خطاب العسكر؛ من قبيل مفهوم "الدولة"، و"الشعب"، و"الجيش"، و"الثورة"، و"حقوق الإنسان"، و"الديمقراطية." هذا، فضلً عن الخطاب الداخلي للعسكر المتعلق بالتنمية، وكذا الخطاب الخارجي، وتصور العلاقات بالغرب، وبالولايات المتحدة الأميركية، وخطاب مفهوم الأمن القومي، والخطابات التي تتعلق بتصور المجتمع المدني والحياة المدنية وعسكرة المجتمع. أما محمود عبد العال فقدّم ورقة حملت عنوان "الجيوش والانتقال السياسي: أبعاد تدخّل الجيش الم يرر في العملية السياسية في ما بعد 25 كانون الثاني/ يناير 2011، تطرق إلى أربعة محاور رئيسة. المحور الأول، يتناول مقدمات نظريةً وتاريخيةً ترتبط بدور الجيوش في عمليات الانتقال السياسي، مع الإشارة إلى مراجعة عامة لأدبيات العلاقات المدنية - العسكرية التي ترتبط مباشرةً بالحالة المصرية. ويرصد المحور الثاني من الورقة تطور الوضع الدستوري والقانوني للقوات المسلحة المصرية منذ الحقبة الملكية حتى حقبة كانون الثاني/ يناير 2011، مع أخذ المواءمات السياسية التي تحكم العلاقات المدنية – العسكرية، في الحالة المصرية، في الحسبان. وترصد الورقة في المحور الثالث إدارة المجلس الأعلى للقوات المسلحة للمرحلة الانتقالية، بعد تنحّي الرئيس الأسبق مبارك وتأثير سياساته في نجاح العملية السياسية برمتها. في حين تسعى الورقة، في المحور الرابع، لمحاولة اختبار فرضيتَي المصالح الاقتصادية والمهنية (بمعنى تراجع نسبة الإنفاق العسكري من الناتج المحلي الإجمالي في أواخر عهد الرئيس الأسبق مبارك) كأ طر تفسيرية لأبعاد تدخّل الجيش المصري في أحداث 25 كانون الثاني/ يناير.2011 وكانت ورقة ياسر جزائرلي بعنوان "الانقلابات وتطور الوعي السياسي العربي: مع التركيز على انقلاب يونيو"، ركز فيها على مسألة ثقة هذه الشعوب بالعسكر، وانعكاس هذه الثقة والانقلابات على تطور الوعي السياسي في المجتمع العربي. وهو يحدد الإشكالية الآتية: كيف يمكن للعالم
العربي أن يكون في طور الثورة على الأنظمة الشمولية، وفي الوقت نفسه تثق شعوبه، إلى هذه الدرجة، بالمؤسسة التي أدّت دورًا أساسيًا في القمع الذي عاشته هذه الشعوب بعد الاستقلال على نحو ما تظهر استطلاعات الرأي، وفي صدارتها "المؤشر العربي" الذي يعده المركز العربي للأبحاث؟ أما علي عبد الرؤوف فقدم ورقة حملت عنوان "دور الجيش في إجهاض قيمة الفراغ العامّ في مدن الربيع العربي، من المقدس الوطني إلى المدنس المشوّه: حالة ميدان التحرير"، حاجج فيها أن النظام الحاكم والمجلس العسكري في مصر، أدركَا خطورة نموذج ميدان التحرير في التحول من فراغ مشتت خاضع للسلطة، إلى فراغ يعبّ عن قوة الشعب وضعف النظام. وبناءً على هذا الفهم، انطلقت أفكار التفتيت والتشويه المستمرة للميدان الذي تحوّل بالتدريج إلى هدفٍ جُنّد له كلّ جهدٍ في مرحلة ما بعد أحداث 30 حزيران/ يونيو و 3 تموز/ يوليو 2013. ومن ثمّ، كانت فرضية الورقة الجوهرية هي أنّ التحول بالتدريج، على مدار السنوات الخمس الماضية، في الصورة الذهنية والبصرية والوجدانية لميدان التحرير؛ من فراغ مقدس إلى فراغ مدنس، هو مشروع متعمّد، ب "سبق الإصرار والترصد." وقد صاغ المجلس العسكري مشروع التحول بهدف إهدار الطاقة الثورية وتشتيتها وإجهاض دور الفضاء العامّ في مصر.
ختام المؤتمر: مقاومة الانقلابات في الديمقراطيات الفتية في ضوء "انقلاب 15 تموز/ يوليو" في تركيا
سها مروان قبلان عالجت الجلسة الختامية من المؤتمر، والتي رأ، "انقلاب 15 تموز/ يوليو" 2016 في تركيا قدّم الورقة الأولى في الجلسة عمر عاشور، وحملت عنوان "تحديات مكافحة الانقلابات والدفاع عن الديمقراطية في تركيا"، وحلل فيها الباحث فشل الانقلاب، على الرغم من القدرات القتالية العالية للانقلابييّن، وحاول أن يخلص، ومن خلال مقاربة مقارنة، إلى جملة تحديات لسياسات مكافحة الانقلاب وتكتيكاتها في الديمقراطيات الناشئة، من خلال الإشارة إلى بعض التجارب العالمية، وما يمكن أن تقدمه التجربة التركية في هذا المجال. أما أحمد أويصال فتطرق إلى "العلاقات المدنية - العسكرية في تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية"، موضحًا اهتمام الحزب بالمدنيين الأتراك، من خلال تبنّيه التعديلات الدستورية والمطالب الشعبية، ثم بدأ في التحكم بالشؤون الخارجية والأمنية التي طالما احتكرها الجيش. غير أن الباحث يعتقد أن انقلاب 2016 فتح صفحةً جديدة في العلاقة بين العسكر والحكومة المدنية في تركيا. وتطرق الباحث إلى التغييرات التي طرأت على هذه العلاقة، من خلال المقاومة الشعبية والإجراءات القانونية والسياسية التي لحقت محاولة الانقلاب الفاشلة. وقدم مراد يشلتاس ورقة حملت عنوان "إعادة صَوْغ العلاقات بين العسكر والسلطات المدنية في تركيا بعد 15 تموز/ يوليو "2016، تطرق فيها إلى تداعيات محاولة الانقلاب على الصعيدين السياسي والعسكري؛ وذلك في إطار تحل لي لدراسة العلاقات بين المؤسسة العسكرية والحكومية المدنية في تركيا. مشيرًا إلى الطبيعة المتحولة في العلاقة بين العسكر والحكومة المدنية في تركيا إبّان حكم حزب العدالة والتنمية. أما الورقة الأخ ةرر في المؤتمر فقدمتها فيروز لمطاعي، وتناولت فيها "المعالجة الإعلامية لمحاولة الانقلاب العسكري في تركيا: دراسة تحليلية لمضمون بعض القنوات العربية والغربية –15(16 تموز/ يوليو .")2016