الانقلاب العسكري بمنزلة عملية سياسية: الجيش والسلطة في السودان
الملخّص
تنطلق هذه الدراسة من فرضية أنّ أسباب تدخ ل العسكريين في السلطة في السودان تعود إلى الاستقطاب السياسي المتزامن مع تسييس المؤسسة العسكرية؛ إذ أصبح العسكريون امتدادًا للمدنيين داخل المؤسسة العسكرية، فعندما يخسر السياسيون المدنيون في الميدان السياسي، يلجؤون إلى حلفائهم العسكريين كي يقوموا بانقلاب عسكري ويفرضوا واقعًا جديدًا. ولاحظت الدراسة أنّ الضباط الذين تسل موا السلطة عبر انقلابات، فعلوا ذلك بتواطؤ مع قوً ى سياسية مدنية. ولكنْ ينبغي أل ا يُنظر إلى العسكريين الحكام بمعزل عن الأوضاع المجتمعية السائدة؛ فالمجتمع السوداني يشهد تسييسًا حادًا: نقاباته واتحاداته ومدارسه ومؤسساته الدينية. والمؤسسة العسكرية ليست استثناءً. وعندما يقوم الضباط بانقلاب، فإنّهم يسعون لتحقيق ما فشل فيه نظراؤهم من المدنيين؛ فالانقلاب العسكري في السودان هو استمرار للعملية السياسية بوسائل أخرى. كلمات مفتاحية: السودان، الانقلابات العسكرية، الزبائنية السياسية، حكم العسكر. Military interventions in Sudanese politics can be attributed to a number of factors, most pertinently: excessive politicization throughout society, social institutions, trades unions and syndicates as well as educational and religious institutions. In this sense, the Sudanese was not an exception, merely one of many highly politicized institutions. This paper concludes that the three different military coups which took power in Sudan were only able to do so with the aiding and abetting of civilian political forces, such as the National Umma Party, the ملخص Islamic Front and an array of leftist forces all—to varying extents—colluded with the military to further their political aims. With the military ranks reflecting كلمات مفتاحية: كلمة wider societal politicization, military coups were effectively an extension of the Abstract political process by other means. Keywords: word Keywords: Sudan, Army Coups, Political Process.
Military Coup as Political Transition: Army and Political Authority in Sudan
مقدمة
مثّل انقلاب الفريق إبراهيم عبود في السودان عام 1958 أول انقلاب عسكري في أفريقيا جنوب الصحراء. وعُدّ ذلك خرقًا للتقاليد البريطانية التي نشأ عليها الجيش السوداني، فقد أثرّ هذا الانقلاب في العلاقات العسكرية المدنية لاحقًا. لكن الانقلابات العسكرية في السودان توالت بعد ذلك في أيار/ مايو 1969 وفي حزيران/ يونيو 1989، هذا عدا المحاولات الانقلابية العديدة التي لم تنجح. استمر الحكم العسكري الأول لمدة ست سنوات بينما ظل الحكم العسكري الثاني في السلطة لمدة ستة عشر عامًا؛ أي حتى نيسان/ أبريل 1985، في حين تجاوزت فترة الحكم الثالث خمسةً وعشرين عامًا. صبغ تداول المدنيين والعسكريين السلطة، أو ما عُرف بظاهرة الباب الدوار، الحكم في السودان في فترة ما بعد الاستقلال. تبدأ الحكومات، ما عدا الحكم العسكري الأول، عسكريةَ الطابع والتكوين. لكنّها تبدأ في التحوّل التدريجي نحو التكوين المدني مع استمرار قائد الانقلاب في التفرّد بالسلطة.
شغل استيلاء العسكريين على السلطة بال الدارسين والباحثين. غير أنّ هذه الدراسة تنطلق من فرضية أنّ أسباب تدخّل العسكريين في السلطة في السودان تعود إلى الاستقطاب السياسي المتزامن مع تسييس المؤسسة العسكرية؛ بحيث أصبح العسكريون امتدادًا للمدنيين داخلها، وغدا الانقلاب العسكري استمرارًا للعملية السياسية بوسائل أخرى. ومن قبل قال الكاتب العسكري المعروف كلاوزفيتز عن الحرب إنّها امتداد للعملية السياسية بوسائل أخرى. وستقارن الدراسة بين ثلاثة انقلابات حدثت في السودان، هي: انقلاب عبود 1958، وانقلاب نميري 1969، وانقلاب البشير.1989 في هذه الحالات الثلاث كان الانقلاب استمرارًا للعملية السياسية؛ فعندما يخسر الساسة المدنيون في الميدان السياسي، فإنّهم يلجؤون لحلفائهم العسكريين كي يقوموا بانقلاب عسكري ويفرضوا واقعًا جديدًا. ويهدف الواقع الجديد إمّا لإضعاف الخصوم السياسيين أو الاستمرار في برنامج سياسي بوجوه جديدة. وترى الدراسة أن الاستقطاب السياسي الحاد قد أسهم في صعود الأنظمة العسكرية في السودان، كما أنّه أسهم في زوالها. تتيح الحالة السودانية مجالً مؤاتيًا لبحث الانقلاب بوصفه عملية سياسيةً؛ إذ إنّها تتيح مقارنة ثلاثة انقلابات تنوعت في التوجهات السياسية للضباط، وفي البيئة التي صاحبت استلامهم السلطة؛ إذ جاءت الانقلابات الثلاثة بعد فترات ديمقراطية. كما أنّ الحالة السودانية تتيح إلى جانب ذلك تناول معضلة استدامة الديمقراطية في ظل تسييس المؤسسة العسكرية، وكيفية فك الارتباط بين المدنيين والعسكريين المتماهين سياسيًا. ولا تتطرق هذه الدراسة إلى أداء الأنظمة العسكرية، بل تركّز على العلاقة بين المدنيين والعسكريين التي دفعت بالعسكريين لاستلام السلطة. وتحلل الدراسة البيئة التي مكّنت الأنظمة العسكرية الثلاثة من الوصول إلى السلطة. ثم تتناول سمات هذه الأنظمة بالتركيز على الزبائنية وتقدّم تصنيفًا مقارنًا للضباط المشاركين فيها. بعد ذلك، تتناول الحالة السودانية من منظور مقارن. ويشير عددٌ من الدراسات، إضافةً إلى السلوك العملي، إلى أنّ انخراط العسكريين في العمل السياسي في السودان قد صاحب تكوين المؤسسة العسكرية السودانية منذ نشأتها. وظهرت الروح الوطنية بقوة وسط الضباط السودانيين في الجيش المصري. كما تكوّنت الجمعيات السرية مثل جمعيتي الاتحاد السوداني واللواء الأبيض. وتجلت تلك الروح في ثورة 1924 1. إلا أنّ تأسيس قوة دفاع السودان وقيام الكلية الحربية كان على أسس بريطانية وثقافة تنظيمية تفرّق بين المجالين السياسي والعسكري. وترعرع الجيل الأول الذي تلقّى تدريبه على أيدي ضباط بريطانيين في ظل هذه الثقافة. لذا جاءت ملابسات الانقلاب الأول في عام 1958 مفارقةً لهذه التقاليد البريطانية. وقد أشار رَث فرست إلى هذه المفارقة حين تناول دور عبد الله خليل في الانقلاب، فكتب: عبد الله خليل ركيزة تقاليد المؤسسة البريطانية في السودان والعضو الرائد في المجلس الاستشاري والجمعية التشريعية ثم البرلمان بعد ذلك، والذي تبوأ المناصب العالية في فترتي الحكم الذاتي والاستقلال،
استخدم جيشًا بريطاني التدريب ليهدم كل البنيان بما فيه التقليد البريطاني المتّبع والقاضي بعدم تدخّل العسكريين في السياسة2.
منهجية الدراسة
تستخدم الدراسة منهج المقارنة عبر الزمان، ومقارنة حقب تاريخية مختلفة. وبصورة أكثر تحديدًا فإنّ ما نفهمه من حقبة تاريخية معيّنة يمكن أن يكون مفيدًا إذا ما ضاهيناه وقارنّاه مع وقائع حقبة أخرى. أو ما عُرف باستخدام الحقب التاريخية بوصفها حالات واستخدام التتابع لحل المشكلات البحثية3. هنا يتبدى لنا كيف يمكن للماضي أن يضيء الحاضر. بمعنى آخر كيف يمكن لمعلومات من حقبة تاريخية سابقة أن تقود إلى مزيد من الفهم لحالة حقبة تاريخية أخرى. يبدو منهج الحقب التاريخية هذا ملائمًا لحالات الانقلابات في السودان؛ فالحالات الثلاث امتدت لنحو ثلاثة عقود من أواخر الخمسينيات إلى أواخر الثمانينيات. ونسبةً لأهمية تبعية المسار Dependence Path الذي يشير إلى أهمية التاريخ وصعوبة التغيير في السياسات بعد أن اتخذت مسارًا راسخًا، تأتي أهمية مقارنة الحقب التاريخية، ومعرفة تأثير الحقب السابقة في اللاحقة واستخدامها لمعرفة البيئة التي تسهم في قيام الانقلاب. كما يمكّننا المنهج من المقارنة عبر المكان مع حالات متشابهة؛ فعربيًا كانت الحالة السورية حتى 1970 تشبه الحالة السودانية، وأفريقيًا تتشابه الحالات السودانية والنيجيرية والغانية من حيث التعاقب المدني العسكري.
الحكم العسكري الأول
جريت في عام تعدّ الانتخابات التي أ 1958 أول انتخابات بعد الاستقلال. شهدت هذه الانتخابات إلغاء دوائر الخريجين وزيادة مقاعد مجلس النواب من 97 إلى 173 مقعدًا. وكان من نتائجها بروز كتلة جنوبية سياسية متحدة هي كتلة الأحرار الجنوبي. كما شاركت فيها الجبهة المعادية للاستعمار، واجهة الحزب الشيوعي. لم يتمكن أي حزب من إحراز أغلبية في الانتخابات. وجاءت نتائج الانتخابات على النحو التالي: حزب الأمة 67 مقعدًا، وحزب الشعب الديمقراطي 32 مقعدًا، والحزب الوطني الاتحادي 46 مقعدًا، وكتلة الأحرار الجنوبي 24 مقعدًا. وحصل المستقلون على 4 مقاعد. أما في مجلس الشيوخ المكوّن من ثلاثين مقعدًا فقد توزّعت المقاعد على النحو التالي: الأمة 14 مقعدًا، والشعب الديمقراطي 4 مقاعد، والوطني الاتحادي 5 مقاعد، والأحرار الجنوبي 7 مقاعد4. وعقب الانتخابات تكوّنت حكومة ائتلافية بين حزبي الأمة والشعب الديمقراطي. وقد ألقى التنافس الحاد بين طائفتي الختمية والأنصار بظلاله على عمل الحكومة؛ إذ جعل التعاون بين الوزارات صعب التحقق5. في هذا الصدد يشير هولت إلى أنّ التحالف بين الحزبين كان في طبيعته مصطنعًا وانتهازيًا، وما جمع بينهما هو إزاحة الأزهري والوطني الاتحادي عن السلطة. وفي كل السياسات الرئيسة كان الحزبان على طرفي نقيض منها6. يقول السفير الأميركي في الخرطوم في رسالة بعث بها بعد مقابلته مبارك زروق، زعيم المعارضة، إنّ زروق متشكك في نيات عبد الله خليل بتوسيع حكومته. ويضيف أنّ زروق قال له إنّ عبد الله خليل كلما أحس بأنّ وزارته آمنة، تملّص من مفاوضات الحكومة القومية. وكلما أحس بأنّ حكومته ضعيفة، جاء إلى الاتحاديين للتفاوض. ولا يتفاوض معهم لإدخالهم الوزارة بالضرورة، ولكن نكايةً في حزب الشعب الديمقراطي. وذكر السفير الأميركي في فرنسا في رسالة إلى الخارجية الأميركية أنّ وكيل وزارة الخارجية السوداني محمد عثمان ذكر في زيارة له لفرنسا أنّ حزب الشعب الديمقراطي يضغط على الحكومة لتتبع السياسة المصرية وذلك بقبول مساعدات روسية. ولمقابلة هذه الضغوط يخطط عبد الله خليل للقيام بانقلاب عسكري، بحيث بدأ اتصالات مع قادة القوات المسلحة ووصلت إلى الخرطوم جماهير من الأنصار لدعم الانقلاب7. وورد في تقرير للمخابرات البريطانية أُرسل في يوم الانقلاب نفسه، أنّ عبد الله خليل قد ذكر لصحافي بريطاني أنّه أمر الجيش باستلام السلطة قبل شهرين8، وذلك بعد تسرّب أخبار بأنّ هناك اجتماعات سرية بين حزبي الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي لتكوين حكومة ائتلافية جديدة وإقصاء حزب الأمة. ورجح أنّ الدورة البرلمانية الجديدة التي كان من المزمع
انعقادها في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1958 ستشهد ولادة حكومة جديدة مكونة من الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي. ولمنع حدوث ذلك تحرّك رئيس الوزراء عبد الله خليل وطلب من الفريق إبراهيم عبود قائد القوات المسلحة وصديقه منذ مرحلة الدراسة باستلام السلطة. مثّلت الصعوبات الاقتصادية وانخفاض احتياطي العملات الأجنبية وقيام عدد من الإضرابات في المصانع المنشأة حديثًا، والمناورات السياسية بين الأحزاب السياسية وبخاصة تلك المكونة الحكومة الائتلافية الهشة، بيئةً ملائمةً للقوات المسلحة لتتدخل لاستلام السلطة. فقد كان التنافس السياسي حادًا بين الأحزاب السياسية بعد الاستقلال، وكان له أثرٌ سلبي في الاستقرار السياسي بصورة عامة. ولم تستقر الحكومات المدنية التي تكوّنت بعد الاستقلال. وكما يوضح الجدول 1() فإنّ أطول حكومة لم يتجاوز عمرها العامين مع وجود حكومات لبضعة شهور فقط.
الجدول)1(التغيير في الحكومات في الديمقراطية الأولى)1958-1956(
| الحكومة | التاريخ |
|---|---|
| حكومة جديدة برئاسة إسماعيل الأزهري | شباط/ فبراير 1956 |
| حكومة ائتلافية مكونة من أحزاب الأمة والشعب الديمقراطي والأحرار الجنوبي، برئاسة عبد الله خليل | تموز/ يوليو 1956 |
| حكومة جديدة بعد الانتخابات العامة من أحزاب الأمة والشعب الديمقراطي برئاسة عبد الله خليل | آذار/ مارس 1958 |
| الانقلاب العسكري | تشرين الثاني/ نوفمبر 1958 |
في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1958 وعبر انقلابٍ عسكري، استلم الجيش السلطة وفقًا لرغبة رئيس الوزراء. وقد أكّد الفريق عبود دور عبد الله خليل في الترتيب للانقلاب في إفادته للجنة التحقيق في انقلاب 1958 حين قال: "قبل أيام قليلة من موعد افتتاح الدورة البرلمانية اتصل بي عبد الله خليل، رئيس الوزراء، وأخبرني أن الوضع السياسي ينتقل من سيئ إلى أسوأ، وأنّ أحداثًا جسيمة وخطيرة قد تنجم عن هذا الوضع، وليس هناك مخرج غير أن يستلم الجيش السلطة"9. وردت روايتان في تفسير طلب عبد الله خليل من الجيش استلام السلطة؛ الأولى عكسها الشيخ علي عبد الرحمن زعيم حزب الشعب الديمقراطي، ووزير الخارجية في الحكومة الائتلافية قبل الانقلاب، حين ذكر أنّ خليل خطا هذه الخطوة بعد أن حصل على موافقة من الزعيم الروحي لطائفة الأنصار عبد الرحمن المهدي بعد أن أدرك أن حكومةًائتلافيةً جديدةً ستشكل من الحزب الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي واستبعاد حزب الأمة. أما الرواية الثانية فيرويها كلٌ من عبد الماجد أبو حسبو، أحد زعماء الحزب الوطني الاتحادي، وأمين التوم، أحد زعماء حزب الأمة، وكانا وزيريْن قبل الانقلاب، بحيث أشارا إلى أنّ زعيم حزب الأمة، الصدّيق المهدي، قد عرض حكومةًائتلافيةً مع الحزب الوطني الاتحادي، غير أنّ عبد الله خليل رفض ذلك، وطلب من الفريق عبود أن يستلم السلطة10. يمكن أن نصنّف الضباط الذين استلموا السلطة بعد انقلاب 1958 على أنّهم محافظون، فقد كانوا يمثّلون قيادة القوات المسلحة، وتلقَّوا تدريبهم العسكري على أيدي ضباط بريطانيين إبّان الإدارة الاستعمارية، وكانوا عرضةً للثقافة التنظيمية والسياسية البريطانية التي كانت تعدّ الجيش بمنزلة منظمة غير مسيسة وعالية الانضباط. وصنّف اللواء أحمد عبد الوهاب، نائب القائد، على أنّه ينتمي إلى طائفة الأنصار بينما يميل الفريق عبود إلى طائفة الختمية11. وركّز هؤلاء الضباط المحافظون في التنمية الاقتصادية.
الحكم العسكري الثاني
جاء الانقلاب العسكري الثاني وسط حالة من التنافس السياسي الحاد والاستقطاب الشديد والمناورات السياسية داخل الأحزاب وبينها. وقد عكس بيتر بيكتولد هذا الوضع بدقة حين ذكر أن "الستة أو السبعة أشهر التي سبقت انقلاب أيار/ مايو 1969 كانت مليئة بالكيد والكيد المضاد وبالتواصل مع أحزاب وتحركات خلف
الكواليس قامت بها الغالبية العظمى من الشخصيات السياسية الرئيسة في البلاد.[...]إنّ الجانب الكارثي في هذه الصراعات هو تجاهلها التام مشاكل البلاد الوطنية. ولا يوجد متسعٌ من الوقت، كما بدا، للاهتمام بتناقص احتياطي العملة الأجنبية، وزيادة العطالة، والشح في السلع الأساسية، واستمرار التمرد في الجنوب"12. ولعل واحدًا من أكبر أحداث العزل السياسي التي شهدتها تلك المدة هو ما حدث للحزب الشيوعي السوداني في عام 1965 عندما صدر قرار بحلّه وطرد أعضائه من البرلمان13. وكان لهذ القرار تأثيرٌ مهم في تأييد الحزب انقلاب أيار/ مايو 1969 لاحقًا. ويشير الجدول 2() إلى التغيير المتسارع في الحكومات الأمر الذي يعكس عدم الاستقرار السياسي والتحولات السريعة في التحالفات السياسية؛ فمعظم حكومات الفترة الديمقراطية الثانية لم تكمل سنة.ً
الجدول)2(التغيير في الحكومات خلال الديمقراطية الثانية)1969-1964(
| التاريخ | الحكومة |
|---|---|
| تشرين الأول/ أكتوبر 1 ر964 | حكومة انتقالية |
| شباط/ فبراير 1965 | حأياكومة انتقالية جديدة |
| تموز/ يوليو 1965 | حكومة ائتلافية جديدة من حزبي الأمة والوطني اأيالاتحادي، برئاسة محمد أحمد محجوب |
| تموز/ يوليو 1966 | حكومة ائتلافية جديدة من حزبي الأمة (جناح الصادق) والوطني الاتحادي، برئاسة الصادق اأيالمهدي |
| أرميار/ مايو 1967 | حكومة ائتلافية جديدة من حزبي الأمة (جناح الهادي) والوطني الاتحادي، برئاسة محمد أحمد ممرمريممحجوب |
| شمباط/ فبراير 1968 | هأيازيمة حكومة المحجوب في البرلمان وحل البرلمان |
| أيار/ مايو 1968 | حكومة ائتلافية جديدة من حزبي الأمة (جناح الهادي) والاتحادي الديمقراطي، برئاسة محمد أمحمد محجوب |
| نيسان/ أبريل 1969 | حكومة المحجوب تقدم استقالتها ويطلب منها ارماالاستمرار |
| أيار/ مايو 1969 | الانقلاب العسكري بقيادة جعفر نميري |
في 25 أيار/ مايو 1969 قام عدد من ضباط القوات المسلحة بقيادة العقيد جعفر نميري أطلقوا على أنفسهم اسم "الضباط الأحرار" بانقلاب عسكري أعلنوا فيه تعليق الدستور وحلّ البرلمان ومجلسي السيادة والوزراء ومنع الأحزاب السياسية. كان جلّ الضباط الأحرار من الرتب الوسيطة الذين تلقوا تدريبهم في الكلية الحربية السودانية في الأعوام الأولى للاستقلال. وقد شهدوا الكفاح من أجل الحكم الذاتي والاستقلال. وكانت المدارس الثانوية والكلية الحربية التي درسوا وتدربوا فيها مكانًا للتجنيد السياسي14. وكان تنظيم الضباط الأحرار قد توسّع في نهاية عام 1968 حيث كان الضباط القوميون العرب يمثّلون التيار الأكبر فيه. وفكّر التنظيم في تولي السلطة في الربع الأخير من عام 1968 لتنفيذ برامج الجبهة الوطنية الديمقراطية التي كان يؤيد خطها السياسي15. وكان التيار القومي الداعم الرئيس لاختيار العقيد جعفر نميري لقيادة الانقلاب16. على عكس الضباط الذين حكموا البلاد في الحكم العسكري الأول، بادر ضباط الحكم العسكري الثاني إلى إحداث تغييرات اقتصادية وسياسية واجتماعية كبيرة في البلاد. رأس مجلس الوزراء الجديد بابكر عوض الله، رئيس القضاء الأسبق، وهيمن الشيوعيون والاشتراكيون على تكوين المجلس17. من القرارات الأولى التي أصدرتها الحكومة الجديدة إلغاء الإدارة الأهلية وهم نظار القبائل وعمدها ومشايخها الذين رأت فيهم الحكومة الجديدة رافدًا مغذيًا للأحزاب التقليدية. وفي مجال السياسة الخارجية أعلنت الحكومة اعترافها بألمانيا الشرقية وبحكومة الفيت كونغ المؤقتة في فيتنام الجنوبية. سعى النظام العسكري في عامه الأول، لتوطيد توجهه اليساري. فحدثت مواجهة عسكرية مع طائفة الأنصار في معقلها في الجزيرة أبا. وقد بدأت المواجهات في ودنوباوي في 31 آذار/ مارس 1970. واستخدمت الحكومة الطائرات في مواجهتها العسكرية مع الأنصار، الأمر الذي أوقع أعدادًا كبيرةً من القتلى، وقتل إمام الأنصار الهادي المهدي في طريقه إلى إثيوبيا. عزز النظام العسكري من توجهه اليساري عندما قام بعد نحو عام من الانقلاب بمصادرة نحو 17 شركة وتأميم نحو 37 أخرى و 7 بنوك. وبنهاية حزيران/ يونيو 1970 تمكّن النظام العسكري من السيطرة على قطاع التجارة الخارجية وعلى القطاع المالي18.
شاب موقف الحزب الشيوعي السوداني من الانقلاب والمشاركة فيه لغطٌ واسع؛ فعلى الرغم من مشاركة عدد من الضباط الشيوعيين في الانقلاب مثل بابكر النور وهاشم العطا، ترى رواية أنّ الأمر قد عُرض على اللجنة المركزية للحزب في آذار/ مارس 1969، ورفضت اللجنة المشاركة فيه. وبعد ذلك قام كلٌ من بابكر عوض الله وفاروق حمد الله بمقابلة سكرتير الحزب الشيوعي عبد الخالق محجوب وعرضا عليه المشاركة في الانقلاب. وقد طرح عبد الخالق الأمر على المكتب السياسي للحزب الذي رفض المشاركة. غير أنّ محمد محجوب عثمان يشير إلى مشاركة العسكريين الشيوعيين "في العملية الانقلابية بتوجيه من الحزب، ودخلوا في ساعات الصباح الأولى القيادة العامة وقاموا بتأمينها والاستيلاء عليها بجسارة أذهلت بقية الانقلابيين الآخرين"19. كما أنّ الحزب يرى أنّ البرجوازية الصغيرة قامت بالانقلاب لكن تطويعه ممكن عبر توجيهات الشيوعيين ليتحوّل ثورةًاشتراكية.ً برز انقسامٌ داخل الحزب الشيوعي حيال التعاون مع النظام العسكري؛ فقد رأى تيار داخل اللجنة المركزية يقوده معاوية إبراهيم التعاون مع النظام بسبب سياساته المناوئة للإمبريالية، ووجّه انتقادات لموقف سكرتير الحزب ومجموعته الذين كان تعاونهم محدودًا مع النظام20. لكن نميري كان في حاجة إلى دعم الشيوعيين لمجابهة القوى التقليدية المحافظة. وقد أتاحت شبكة الحزب الفعّالة وسط الطلاب والعمال والمهنيين قاعدةً شعبيةً لدعم النظام. لكن وتيرة التعاون بين الطرفين بدأت في التراخي عندما أحس عبد الخالق سكرتير الحزب الشيوعي أنّ نميري قام بتعيين وزراء شيوعيين في مجلس الوزراء من دون مشاورة الحزب في ذلك، الأمر الذي عدّه محاولةً من نميري لإضعاف سلطة اللجنة المركزية21. شملت الخلافات بين الحزب الشيوعي والنظام المجالين الخارجي والداخلي؛ فعلى صعيد السياسة الخارجية عارض الحزب محاولات نميري الانضمام إلى اتحاد الجمهوريات العربية مع مصر وليبيا الذي أعلن عنه في 27 كانون الأول/ ديسمبر 1969 في طرابلس. وعلى الصعيد الداخلي رفض الحزب حل نفسه والانخراط مع القوى التقدمية الأخرى في التنظيم السياسي الجديد الاتحاد الاشتراكي السوداني22. اثنين من نجم عن تصاعد الخلاف بين الجانبين قيام نميري بفصل أعضاء مجلس قيادة الثورة الشيوعيين، هما: العقيد بابكر النور والرائد هاشم العطا مع عضو ثالث متعاطف معهما هو الرائد فاروق حمد الله. وشهدت المدة بين شباط/ فبراير وتموز/ يوليو 1971 حملة تطهير للشيوعيين من المؤسسات الحكومية، بينما جرى اعتقال قيادات الحزب في أنحاء البلاد. في 19 تموز/ يوليو 1971 قام الأعضاء المفصولون من مجلس قيادة الثورة بمحاولة انقلابية بقيادة الرائد هاشم العطا. استمرت المحاولة الانقلابية لمدة ثلاثة أيام تمكّن بعدها نميري من العودة بمساعدة من مصر وليبيا. بعد فشل المحاولة الانقلابية أ عدم قادة الانقلاب إضافةً إلى أربعة من قادة الحزب الشيوعي، كما اعتقل المئات من أعضاء الحزب. وجرى تعقّب أعضاء الحزب في ما وصفه بيكتولد بأنّه أكبر ملاحقة للشيوعيين شهدتها منطقة الشرق الأوسط23. وهكذا انتهت العلاقة التي بدأت بالتعاون بين الحزب الشيوعي والنظام العسكري بأكبر أزمة واجهت الحزب الشيوعي السوداني في تاريخه. دفعت هذه الحال فؤاد مطر ليكون عنوان كتابه حول هذه الحادثة: الحزب الشيوعي السوداني: نحروه أم انتحر؟24
الطريق إلى الانقلاب الثالث: الدور المتنامي للقوات المسلحة
ظل دور القوات المسلحة منذ نيل الاستقلال يتأرجح بين الاستلام المباشر للسلطة والامتناع عن التأثير المباشر في السياسة. لكنْ، طرأ تطور على هذا الدور أثناء فترة الديمقراطية الثالثة؛ فقد بدأت قيادة القوات المسلحة في استخدام الفيتو ضد بعض الممارسات الحزبية، وتشترط وفقًا لذلك القيام بخطوات سياسية محددة. وربما كان للدور الحاسم الذي قامت به القوات المسلحة في إطاحة حكم نميري في نيسان/ أبريل 1985 بقيادة الفريق عبد الرحمن سوار الذهب، والدور السياسي الذي قامت به أثناء الفترة الانتقالية، أثرٌ في بروز هذا التوجه الجديد. وقد تجلى هذا الدور بعد أن قام الحزب الاتحادي الديمقراطي بتوقيع اتفاق مع الحركة الشعبية في تشرين الثاني/ نوفمبر 1988 تضمّن، ضمن نقاط أخرى، تجميد قوانين الشريعة التي أصدرها الرئيس نميري في أيلول/ سبتمبر 1983، ورفع حالة الطوارئ، وإلغاء كل الاتفاقيات والمواثيق العسكرية
مع الدول الأخرى. ورفض كلٌ من حزبي الأمة والجبهة الإسلامية اتفاق الاتحادي والحركة الشعبية. وفي ردة فعل على هذا الرفض، قرر الحزب الاتحادي الديمقراطي الانسحاب من الحكومة في كانون الأول/ ديسمبر.1988
نتيجةً لهذا الوضع السياسي أصدرت القوات المسلحة مذكرةً وقّعها نحو 150 ضابطًا على رأسهم القائد العام الفريق فتحي أحمد علي. وطالبت المذكرة بالتركيز على الأولويات التالية25: أولً: السياسة الخارجية وأثرها في القضايا الوطنية. ثانيًا: التدهور الاقتصادي والتضخم وارتفاع الأسعار. ثالثًا: المليشيات والانفلات الأمني. رابعًا: تفكك المجتمع السوداني وانتشار الفساد. خامسًا: تأثير الصراع المسلح في دارفور. سادسًا: توسيع الحكومة. بعد أسبوع، في 28 شباط/ فبراير، أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة بيانًا أكّدت فيه النقاط التي وردت في المذكرة. وتبعًا لذلك اجتمع عدد من الأحزاب والنقابات في 10 آذار/ مارس 1989 ووقعوا برنامجًا من سبع نقاط يشتمل على تكوين حكومة جديدة، وإعلان وطني للسلام. كما بعثت هذه المنظمات في اليوم نفسه مذكرة لمجلس رأس الدولة تطالب باستقالة الحكومة في غضون أربع وعشرين ساعة. وفي اليوم التالي، ولممارسة مزيد من الضغط، أرسلت القوات المسلحة استفسارًا لمجلس رأس الدولة حول موقف الحكومة من الوضع السياسي. نتيجةً لذلك وفي يوم 12 آذار/ مارس قدّم الوزراء استقالاتهم لرئيس الوزراء. وتعدّ مطالب الجيش وتحركاته السياسية تحوّلً مهمً في العلاقات المدنية العسكرية في السودان. إذ تعدّ هذه التحركات الأولى من نوعها من حيث التدخل العسكري العلني والمباشر في الشؤون السياسية في فترة ديمقراطية منذ قيام الحكم الوطني بعد الاستقلال. تمّ تشكيل حكومة جديدة في 22 آذار/ مارس من الأحزاب السياسية الرئيسة ما عدا الجبهة الإسلامية القومية ومن بعض النقابات. وعدّت الجبهة هذه الخطوة تراجعًا عن تطبيق الشريعة الإسلامية. ووافقت الحكومة الجديدة على اتفاقية السلام الموقّعة بين الاتحادي الديمقراطي والحركة الشعبية، وهي الاتفاقية التي سبق أن عارضها كلٌ من حزبي الأمة والجبهة الإسلامية. وفي الأول من نيسان/ أبريل قررت الجمعية التأسيسية بالأغلبية وقف التداول والنقاش حول مشروع القانون الجنائي المستند إلى الشريعة الإسلامية. وعدّت الراية الجبهة الإسلامية، عبر صحيفتها، هذا القرار تزويرًا وخطوة سياسيةً قذرةً تعكس استسلام الحكومة للجيش الشعبي لتحرير السودان. وكان من المفترض أن يلتقي وفدٌ من الحركة الشعبية مع الحكومة الجديدة في الرابع من تموز/ يوليو 1989 لتحديد مستقبل قوانين الشريعة. غير أنّ الاجتماع لم ينعقد لأنّ انقلابًا بقيادة العميد عمر حسن البشير قد وقع في 30 حزيران/ يونيو.1989
الحكم العسكري الثالث
جاء الانقلاب الذي وقع في الثلاثين من حزيران/ يونيو 1989 وسط حالة من الحراك السياسي والمناورات السياسية بعد مذكرة الجيش. واستمرت فترة الديمقراطية الثالثة لمدة ثلاث سنوات كأنّها تكرار لفترة الديمقراطية الثانية. غير أنّ فترة الديمقراطية الثالثة شهدت بروز الحركة الشعبية فاعلً مهمً في الساحة السياسية والعسكرية مع اشتداد الحرب الأهلية في الجنوب. وكما يوضح الجدول)3(، فإنّ وتيرة تغيير الحكومات في فترة الديمقراطية الثالثة تشير إلى عدم الاستقرار السياسي وإلى التحولات السريعة في التحالفات الحزبية كما حدث في فترتي الديمقراطية الأولى والثانية. بدأت الملامح الإسلامية للنظام العسكري الجديد تتضح تدريجيًا. ودان كل الأحزاب السياسية الانقلاب ما عدا الجبهة الإسلامية. وبعد فترة من التمويه تبيّ أنّ الجبهة الإسلامية القومية وراء الانقلاب26.
ويرى الطيب زين العابدين أنّ التفكير في انقلاب 30 حزيران/ يونيو عند الجبهة الإسلامية مرّ بمرحلتين؛ الأولى مرحلة الاستعداد وقد استغرقت وقتًا طويلً بحسبان أنّ كل الأحزاب السياسية السودانية تفكر في الانقلاب. والثانية اتخاذ القرار. ويضيف زين العابدين أن الحركة الإسلامية وافقت على قيام الانقلاب إثر سقوط حسن الترابي في الانتخابات التي جرت في عام 1986 بعد أن تكتلت الأحزاب السياسية ضده27.
الجدول)3(التغيير في الحكومات في الديمقراطية الثالثة)1989-1985(
| الحكومة | التاريخ |
|---|---|
| حكومة ائتلافية من حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي | 6 أيار/ مايو 1986 |
| حكومة ائتلافية من حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي | 3 حزيران/ يونيو 1987 |
| الاتحادي الديمقراطي يقرر الانسحاب من الحكومة | 21 آب/ أغسطس 1987 |
| الأمة والاتحادي الديمقراطي يقرران الاستمرار في الائتلاف | 4 تشرين الأول/ أكتوبر 1987 |
| حكومة ائتلافية جديدة من أحزاب الأمة والاتحادي والجبهة الإسلامية وأحزاب أخرى | 61 أيار/ مايو 1988 |
| الاتحادي الديمقراطي يقرر الانسحاب من الحكومة | 82 كانون الأول/ ديسمبر 1988 |
| تعديل وزاري من أحزاب الأمة والجبهة والحزب القومي وأحزاب جنوبية | 1 شباط/ فبراير 1989 |
| حكومة ائتلافية من حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي والحزب القومي وأحزاب جنوبية | 22 آذار/ مارس 1989 |
| الانقلاب العسكري | 03 حزيران/ يونيو 1989 |
بدأ النظام العسكري بتعليق الدستور وحل الأحزاب السياسية وحل المؤسسات السياسية الرسمية القائمة. وقام بحملة تطهير في الخدمتين المدنية والعسكرية للمناوئين للجبهة وإدخال عناصر مؤيدة لها في ما عُرف بسياسة التمكين. كما قام بالتصعيد العسكري في الجنوب أملً في حسم الحرب عسكريًا. وقد دفع النظام بالآلاف من أنصاره من خلال قوات الدفاع الشعبي للمشاركة في القتال في الجنوب. كما قام بتغييرات اقتصادية كبيرة عبر اتّباع سياسة الخصخصة والتحرير الاقتصادي.
الأنظمة العسكرية والزبائنية
جنحت الأنظمة العسكرية الثلاثة في السودان نحو الزبائنية، التي تعدّ مركز النظام أو القائد الشخصية المحورية والمهيمنة بينما تقوم الشخصيات الأخرى بدور ثانوي. يضاف إلى ذلك أنّ نظامًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا قد برز وتطور، ومهمته ربط الحاكم والزبائن معًا. لقد أشار كلٌ من بيل ولايدن في دراستهما عن الشرق الأوسط إلى انتشار الأنظمة الأبوية في المنطقة. وعكسا الدور المركزي الذي يقوم به القائد في إصدار الإستراتيجيات والسياسات والقوانين28. وتعرّض باش وغازيبو للأبوية الجديدة في أفريقيا وهو مفهوم أثار نقاشًا واسعًا لكنه يشير ضمن أشياء أخرى إلى الاستمرار في السلطة والمحسوبية والرأسمالية الطفيلية وارتباط الفساد ببناء الشرعية السياسية29. ويرى نورث وآخرون أنّ قيام ما سمّوه الأنظمة المقيدة، وهي ترتيبات سياسية واقتصادية واجتماعية تقوم بها النخب في المجتمعات النامية لاستخلاص ريع تجعل مراكز القوى المهيمنة من الجماعات والأفراد تدرك أنّ بقاء الترتيبات الحالية والامتناع عن استخدام العنف من مصلحتهم. وهناك قيود مفروضة على آليات الوصول إلى إنتاج الريع وهيكلتها30. ويتبدى أثر الزبائنية بصورة أكبر في النظامين العسكريين الذين طالت أوقاتهما في السلطة؛ أي نظامي "مايو" و"الإنقاذ." في الحكم العسكري الأول نجد أنّ النظام قد دار حول شخصية الفريق عبود، بينما هيمن المشير جعفر نميري على الحكم العسكري الثاني. أما في
الحكم العسكري الثالث فقد برزت هيمنة المشير عمر البشير بعد الانشقاق الذي حدث داخل المؤتمر الوطني والإسلاميين في عام 1998 وأدى إلى مفاصلة بين قائدي الظل والعلن حسن الترابي وعمر البشير. ظهرت الزبائنية بصورة أوضح في حكم نميري وفي النصف الثاني من حكم البشير. اعتمد نميري في بقائه في السلطة على بناء تحالفات مع جماعات وشخصيات نافذة. وقد أقرّت القوى التي تحالفت معه بدور نميري الحاسم في تحديد هيكل الممارسة السياسية وحدودها وقوانينها. واتخذ نميري بمفرده قراراتٍ كبرى ومهمةً مثل تقسيم جنوب السودان إلى ثلاثة أقاليم في حزيران/ يونيو 1983 بعد أن كانت إقليمً واحدًا في أعقاب اتفاقية أديس أبابا الأمر الذي ولّد شكوكًا عند الجنوبيين، وإع ناا تطبيق الشريعة الإسلامية في أيلول/ سبتمبر 1983. وبرزت هيمنته على القوات المسلحة عندما أطاح نائبه الفريق عبد الماجد حامد خليل ومعظم قادة القوات المسلحة في كانون الثاني/ يناير 1982. أما البشير فقد أصبح الشخصية المركزية في النظام بعد غياب الترابي. وأصبح المؤتمر الوطني تنظيم فضفاضًا تجمعت بداخله مجموعات من أصحاب المصالح. وقام البشير بمفرده باتخاذ عدد من القرارات المهمة، مثل إلغاء اتفاق نافع عقار الذي وُقّع في أديس أبابا، وقطع العلاقات مع إيران.
على الرغم من أنّ الأنظمة المدنية والعسكرية التي حكمت البلاد تتشابه في أنّها عانت مشاكل الهشاشة وعدم الاستقرار السياسي، فهي تأتي إلى السلطة في أوضاع مختلفة؛ فحين يستلم العسكريون السلطة فإنّهم يفعلون ذلك وسط حالة من الانقسام والتصدع السياسي، وهو ما حدث في الفترات التي سبقت انقلابات 1958 و 1969 و.1989 أما المدنيون فيأتون إلى السلطة في بيئة من التوافق النسبي على هيكل العمل السياسي وقواعده. يستغل العسكريون حالة التصدع السياسي وتعاقب الحكومات الائتلافية لعكس فشل المدنيين وتبرير الانقلاب على أنّه عمل وطني يرمي إلى إنقاذ البلاد من حالة الفوضى والتفكك. يتسلّم المدنيون الحكم، في الغالب، بعد أن يعزل النظام العسكري نفسه من حلفائه المدنيين. ويصل أغلب الفاعلين السياسيين إلى نتيجة مفادها أنّ النظام العسكري ليس آليةً فعّالة لتحقيق مصالحهم، وينبني ما يشبه الإجماع السياسي بينهم مفاده أنّ إزالة النظام العسكري أفضل الطرق لخدمة مصالحهم.
العسكريون السياسيون: محافظون وضباط برنامج وحكام
تستخدم هذه الدراسة التصنيف الذي قدّمه نوردلينغر حين قسم العسكريين الذين يحكمون إلى ثلاثة أنواع: ضباط البرنامج Moderators وهم ضباط محافظون لا يرغبون في التدخل لاستلام السلطة وإذا تدخلوا فإنّهم يفعلون ذلك بهدف إحلال نظام مدني بآخر. لكنهم يفضلون البقاء قوة ضغط سياسية تستخدم إن أرادت فيتو بشأن سياسات حكومية. والضباط المحافظون Guardians وهم الضباط الذين يستلمون السلطة لمنع تغييرات سياسية ويسعون للمحافظة على الوضع السياسي القائم. وفي أثناء ذلك يركزون في التنمية الاقتصادية. أما الضباط الحكام Rulers وهم الصنف الثالث، فهم المتطلعون إلى السلطة ويريدون البقاء فيها والقيام بتغييرات اجتماعية واقتصادية وسياسية كبيرة31. وفي الحالة السودانية نجد أنّ للتوجهات السياسية للضباط الذين قاموا بالانقلاب تأثيرًا مباشرًا في طبيعة الدور السياسي الذي اضطلعوا به. فالعسكريون الذين استلموا السلطة في عام 1958 كانوا من كبار الضباط الذين يشكّلون قيادة القوات المسلحة، وكان توجههم محافظًا؛ إذ عملوا على المحافظة على الوضع الراهن ولم يحدثوا أي تغيير في البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولم يختلف الفريق عبود ورفاقه عن السياسيين المدنيين الذين كانوا يباشرون السلطة مثل عبد الله خليل وإسماعيل الأزهري والشيخ علي عبد الرحمن. ويصحّ عليهم تصنيف نوردلينغر للضباط المحافظين. ووفقًا لهذه التوجهات المحافظة لم يُجر نظام الفريق عبود تعديلاتٍ جذرية على التركيبة الاقتصادية والاجتماعية. يأتي الضباط الذين استلموا السلطة في أيار/ مايو 1969 على النقيض من العسكريين الذين سبقوهم في الحكم؛ فقد كانوا من ذوي الرتب
المتوسطة والدنيا، وبادروا بعد تولّيهم الحكم إلى إحداث تغييرات كبيرة في البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فقد أعلنت الحكومة العسكرية في أيار/ مايو 1970 مصادرة عدد من الشركات الخاصة المملوكة لسودانيين وأجانب، وتأميمه. وانحازت في سياستها الخارجية، في بدء عهدها، إلى المعسكر الشرقي. لكن مع ابتعاد النظام عن التوجه اليساري، وبروز نميري بمنزلة شخصية مركزية، تحوَّل النظام نحو الوسط ثم اليمين ويصحّ تصنيف الضباط الذين حكموا بأنّهم ضباط حكام. أما ضباط النظام العسكري الثالث، نظام الإنقاذ الذي تولى السلطة بعد انقلاب حزيران/ يونيو 1989 ونسبةً لما قاموا به من تغييرات اقتصادية واجتماعية وسياسية كبيرة ومحاولتهم تطبيق برنامج الجبهة الإسلامية، فإنّهم كذلك من صنف الضباط الحكام. ولعلّ الضباط الذين أطاحوا نميري بقيادة الفريق سوار الذهب واستمروا في السلطة لفترة انتقالية دامت عامًا واحدًا فقط هم الذين يصحّ عليهم وصف ضباط البرنامج.
الحالة السودانية من منظور مقارن
تتشابه الحالة السودانية في العلاقات العسكرية المدنية أفريقيًا مع حالتي نيجيريا وغانا وعربيًا مع الحالة السورية. وتتعرض الدراسة في أفريقيا للحالة النيجيرية بإيجاز؛ ففي نيجيريا استمرت فترة الحكم العسكري الأول منذ الانقلاب على رئيس الوزراء أبو بكر تفاوا بيلو في عام 1966 حتى عام 1979 وتخلله انقلاب 1975. عاد العسكر إلى الحكم مرةً أخرى بعد انقلاب 1983 الذي قاده محمدو بهاري واستمروا في الحكم حتى عام 1999 وتخلل هذه المدة انقلابان في 1985 و 1993. بعد الحكم العسكري الثاني الطويل، عاد الحكم المدني في عام 1999 ليستمر حتى الآن في ما عُرف بالجمهورية الرابعة. على الرغم من التشابه بين السودان ونيجيريا في تعاقب الحكم المدني والعسكري، فالاختلاف الرئيس بينهما هو غياب التواطؤ والتنسيق بين السياسيين والعسكريين في الحالة النيجيرية؛ ففي معظم الانقلابات النيجيرية كان الطموح الشخصي والأبعاد الإثنية والجهوية والأوضاع التنظيمية داخل الجيش هي الأسباب الرئيسة للانقلابات، بينما نجد أنّ الضباط المسيسين يتحركون بعد توافر أسباب سياسية واقتصادية ملائمة. أما في سورية فقد شهدت البلاد في المدة من 1949 إلى 1970 نحو واحد وعشرين انقلابًا ومحاولة انقلابية وحركة تمرد. وتتشابه الحالتان السورية والسودانية في التسييس الكبير للضباط وفي استخدام الانقلاب آليةً سياسيةً لتحقيق المصالح الحزبية.
خاتمة
تخلص الدراسة إلى أنّ الأنظمة العسكرية الثلاثة التي استلمت السلطة عبر انقلابات عسكرية قد قامت بذلك بتواطؤ مع قوى سياسية مدنية؛ فحزب الأمة واليساريون والجبهة الإسلامية قد تحالفوا، بدرجات متفاوتة، مع عسكريين لخدمة مصالحهم السياسية لتجاوز العمل السياسي المدني ولاختصار الطريق للوصول إلى السلطة. ويشير التحليل إلى أنّ الأنظمة المدنية والعسكرية تجابه عوامل تفتت القوى الاجتماعية واستقطابها، كما أنّ الفاعلين المدنيين والعسكريين هما وجهان لعملةٍ واحدة. وعندما يصل العسكريون إلى السلطة فلا ينبغي أن يُنظر إليهم بمعزل عن الأوضاع المجتمعية السائدة. فكل القوى المجتمعية، كما يقول هنتنجتون، منخرطة في العمل السياسي، والعسكريون ليسوا استثناءً في هذا الصدد. وعندما يقوم العسكريون بانقلاب فإنّهم، في الغالب يسعون لتحقيق ما فشل فيه المدنيون في الساحة السياسية. فالانقلاب العسكري في السودان هو استمرار للعملية السياسية بوسائل أخرى. ويمكن أن نوجز الدلالات المهمة التي نستخلصها من هذه الدراسة على النحو التالي: لن يتحقق الاستقرار السياسي والتحوّل نحو الديمقراطية في ظل عزل قوى سياسية واستبعادها، وهذا ما عانته البلاد بعد حل الحزب الشيوعي واستبعاد الجبهة الإسلامية بعد مذكرة الجيش. يحتدّ الصراع حول السلطة السياسية بمقدار ما تهيمن هذه السلطة على المجالات الاقتصادية والإعلامية والثقافية والتربوية. فإذا كانت السلطة أخطبوطًا يهيمن على كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإنّ البقاء بعيدًا عنها يعني التهميش والإقصاء. ويترتب على ذلك أن يكون الصراع حول الوصول إلى السلطة محمومًا. وللتعامل مع هذا التحدي يجب أن تسعى القوى المختلفة إلى توسيع أدوار المجتمع في مقابل دور السلطة السياسية. دفع شيوع ثقافة أهمية التغيير الفوقي قوى سياسية وبخاصة القومية واليسارية والإسلامية نحو اختراق القوات المسلحة، بحسبانها الأكثر تنظيمً واحتكارًا للسلاح، لتكون الوسيلة الأسهل في الوصول إلى السلطة وإحداث التغيير من أعلى. ويتبدى هذا الاهتمام في الأدبيات السياسية للاتجاهات المذكورة وفي الممارسة العملية. وربما تطلب معالجة هذا التحدي العمل على تقوية منظمات المجتمع المدني لتكون وسيلةً لتغيير المجتمع من القواعد.
المراجع
العربية
أبو شوك، أحمد إبراهيم والفاتح عبد الله عبد السلام. الانتخابات البرلمانية في السودان)1986-1953(. أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي،.2008 التوم، أمين. ذكريات ومواقف في تاريخ الحركة الوطنية السودانية. الخرطوم: مطبعة جامعة الخرطوم،.1987 حمد، عادل إبراهيم. 15 نوفمبر 1965 يوم له ما بعده في أعقاب حل الحزب الشيوعي. الخرطوم: مركز دانا كوم للخدمات الإعلامية،.2016 الجيش والسياسة خوجلي، عبد الرحمن.. أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني،.2012 سي. نورث دوغلاس وآخرون. في ظل العنف: السياسة والاقتصاد ومشكلات التنمية. الكويت: سلسلة عالم المعرفة،.2016 تاريخ قوة دفاع السودان الفكي، عبد الرحمن.. الخرطوم: الدار السودانية،.1971 قلندر، محمود. السودان ونظام الفريق عبود (71 نوفمبر 6-582 أكتوبر)64: مراجعة صحفية لملابسات التدشين الأول للمؤسسة العسكرية في دهاليز السياسة السُّ ودانية. الخرطوم: دار عزة للنشر،.2012 كرار، محمد أحمد. الأحزاب السودانية والتجربة الديمقراطية. الخرطوم: دار الفكر،.1985 الحزب الشيوعي السوداني نحروه أم انتحر؟ مطر، فؤاد. بيروت: دار النهار،.1971 الجيش السوداني والسياسة ميرغني، عصام الدين.. القاهرة: أفرو ونجي للتصميم والطباعة،.2002
الأجنبية
Abdel-Rahim, Muddhatir. Changing Patterns of Civilian-Military Relations in the Sudan. Uppsala: The Scandinavian Institute of African Studies, Research Report no. 46 (1978). Bach Daniel C. & Gazibo, Mamoudou. Neopatrimonialism in Africa and Beyond. New York: Routledge, 2012. Bashir, M. O. Revolution and Nationalism in the Sudan. London: Rex Collings, 1974. Bechtold, K. "The Military in Sudanese Politics." Africa Today , vol. 15. no. 2 (1968). First, Ruth. Power in Africa. New York: Pantheon, 1970. Haydu, Jeffrey. "Making Use of the Past: Time Periods as Cases to Compare and as Sequences of Problem Solving," American Journal of Sociology. vol. 104. no. 2 (September 1998). Holt, P. M. A Modern History of the Sudan. London: Weidenfeld/ Nicolson, 1972. Niblock, Timothy. Class and Power in Sudan: The Dynamics of Sudanese Politics, 1898 - 19 85. Albany: State University of New York Press, 1987. Nordlinger, Eric. Soldiers in Politics: Military Coups and Governments. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall, 1976. Warburg, Gabriel. Islam, Nationalism and Communism in a Traditional Society: The Case of Sudan. London: Frank Cass, 1978. Woodward, Peter. Sudan 1898-1989: the Unstable State. Boulder: Lynne Rienner, 1990.