إمكانيات إصلاح مؤسسة الجيش ورهاناته في العالم العربي: دراسة أولية مقارنة
الملخّص
تسعى هذه الدراسة لتقديم تشخيص أولي لإمكانيات إص حاا قطاع الجيش في العالم العربي وفرصه وموانعه، عبر تحليل أهم الاتجاهات والمؤشرات المتعلقة بترشيد مؤسسة الجيش بالعالم العربي، وذلك مقارنة بالممارسات الفضلى السائدة في العديد من تجارب الدول الديمقراطية. لقد أصبحت مؤسسات الجيش مدعوة اليوم إلى القيام بإصلاحات عميقة لضمان الشفافية والمساءلة، فهي إحدى سبل تعزيز الإصلاحات السياسية والتحولات الديمقراطية والحيلولة دون تعثرها. وتحاول هذه الدراسة الإجابة عن الأسئلة التالية: ما هي الخطوات الإيجابية التي تحققت في مجال إخضاع مؤسسة الجيش للرقابة والمساءلة أمام المؤسسات المدنية؟ وما هي درجة انفتاح مؤسسة الجيش وتفاعلها مع المواطنين ووسائل الإع ماا والمجتمع المدني؟ ولماذا سيسهم تعزيز الشفافية داخل الجيش في تعزيز التحول الديمقراطي في البلدان العربية؟ وكيف يجري ذلك؟ كلمات مفتاحية: الجيوش العربية، الشفافية، الفساد، الرقابة البرلمانية، الميزانية العسكرية. This study seeks to provide a preliminary diagnosis potential and opportunities and the obstacles which impede the reform of the military sector in the Arab world through the analysis of the most important trends and indicators positively or negatively regarding to the rationalization of the military institution in the Arab world, taking in consideration many experiences and the best practices prevailing in many democratic countries. This study attempts to answer these questions: What positive measures have been taken for the army to become controlled and under the responsibility of civil institutions? What is the degree of openness of the military institution and its interaction with the citizens, the media and civil society? How and why the enhancement of transparency within the army will contribute to the promotion of democratic transformation in the Arab countries? Keywords: Arab Armies, Transparency, Corruption, The Military Budget.
The Possibilities and the Challenges of Reform within the Military Institutions in the Arab World: Preliminary Comparison Study
مقدمة
ظلت "كيانات" الجيش في معظم الدول العربية لمدة طويلة مؤسسات "صامتة" ومنغلقة على نفسها، يصعب إخضاعها للإصلاح عبر الرقابة المؤسساتية والمساءلة التشريعية على مستوى سياساتها الدفاعية والإنفاقية، وغالبًا ما لا تخضع لرقابة المؤسسات السياسية المدنية، ولا تناقش المؤسسة التشريعية الموازنة العسكرية. وتفتقد هذه المؤسسات للشفافية، ذلك أنّ المعلومات المهمة بخصوص قطاع الدفاع الوطني في مختلف أبعادها غالبًا ما تكون غير متاحة للبرلمانيين والباحثين وعموم المواطنين. فضلً عن ذلك، فُرضت قيود مشددة تمنع وسائل الإعلام أو منظمات المجتمع المدني من فتح نقاش عام للتفاعل مع مختلف القضايا المرتبطة بالقطاع العسكري، وخصوصًا على مستوى مشكلات الفساد وتضخم الاقتصاد الريعي العسكري في العديد من الدول العربية. لهذا كله، يتفاعل المواطنون والنخب السياسية بنوع من الارتياب الشديد مع كل ما يتعلق بالجيش. وبعد الحراك العربي وما أفرزه من هزات وتحولات سياسية إيجابية أو سلبية في العديد من البلدان العربية، أصبحت مؤسسات الجيش مدعوة إلى القيام بإصلاحات عميقة لضمان النزاهة والشفافية، وذلك لن يتم إن لم تُعزز آليات الرقابة والمساءلة. ونجادل بأن ترسيخ ثقافة تنظيمية جديدة داخل مؤسسات الجيش قائمة على الشفافية والرقابة التشريعية هو إحدى سبل تعزيز الإصلاحات السياسية والتحولات الديمقراطية داخل البلدان العربية والحيلولة دون تعثرها. وليس اعتباطًا أن يتصدر الجيش في تونس، وفقًا للمؤشر الحكومي لمكافحة الفساد في قطاع الدفاع، قائمة الجيوش العربية الأقل فسادًا، وأن يكون الجيش في مصر وسورية والجزائر أكثر جيوش الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فسادًا. وإذا استحضرنا أنّ الحراك العربي كشف الغطاء عن مدى ضعف البنى الهيكلية للدول العربية وهشاشتها وتأكّل قدرتها على الممارسة الإيجابية للضبط الاجتماعي وأداء وظائفها التوزيعية الأساسية - خصوصًا أمام تعقد الاضطرابات والتهديدات وتزايدها وصعود نفوذ الميليشيات والجماعات المسلحة - فسيتبين لنا مدى أهمية تطبيق سياسات عامة رقابية وإصلاحية على الجيش، ليصبح مؤسسة قوية ومتماسكة ضامنة لأمن الشعب وحمايته، وليصبح عاملً مدعم للاستقرار السياسي وحاميًا للمكاسب الديمقراطية ولجهد الدولة في ترسيخ قيم سيادة القانون والولاء للوطن. نسعى في هذه الورقة، ومن خلال مقاربة قانونية ومؤسساتية تعتمد المنهج التحليلي المقارن، لتشخيص إمكانيات إصلاح قطاع الجيش وفرصه وموانعه في الدول العربية، ولا سيما بدول شمال أفريقيا. وسيكون هذا عبر رسم خارطة أولية لأهم الاتجاهات والمؤشرات، فيما يخص حوكمة مؤسسة الجيش بالعالم العربي وترشيدها، وذلك مقارنة بالممارسات الفضلى السائدة في العديد من تجارب الدول الديمقراطية. وننطلق في بحثنا من طرح الأسئلة التالية: ما هي الخطوات الإيجابية التي تحققت بالنسبة إلى إخضاع مؤسسة الجيش للرقابة والمساءلة أمام البرلمان؟ وما هي درجة انفتاح مؤسسة الجيش وتفاعلها مع مكونات المجتمع المدني ووسائل الإعلام؟ وكيف سيسهم الإصلاح المؤسساتي والقانوني للجيش في إرساء ثقة المواطنين في هذه المؤسسة وفي تعزيز التحول الديمقراطي أو تحقيق المصالحة الوطنية في البلدان العربية؟ ولماذا؟
لماذا أصبح إصلاح الجيوش ضروريًا؟
تبين العديد من الدراسات أنّ الإصلاحات داخل الدول التي تعيش تحولات سياسية ديمقراطية لا يمكن أن تعطي ثمارها، من دون فرض السيطرة والمراقبة المدنية على المؤسسة العسكرية، وضمان ولائها للنظام الدستوري الديمقراطي. وهذا الأمر يفترض مأسسة الجيش عبر الفصل بين المؤسسات السياسية والعسكرية من جهة، وتوجيهه نحو المهنية من خلال تعزيز تخصص العسكريين في الشؤون العسكرية وتطوير مهاراتهم ومعارفهم العسكرية من جهة أخرى، ما يقود إلى تقليص النفوذ السياسي للجيش1. لم يحظ موضوع الجيش بما يلزم من الاهتمام الأكاديمي والبحثي، ذلك أنّ المكتبة العربية تكاد تخلو من كتابات حول بنى الجيش ونخبها وعقائدها وإمكانيات إصلاحها وتأهيلها. ولعل الجانب الذي حظي باهتمام الباحثين هو الجانب السياسي المرتبط بنشأة الجيش، والملابسات السياسية المرافقة له، ومصادر الشرعية التي يتمتع بها، وعلاقته بالمشهد السياسي، وخصوصًا الانقلابات العسكرية التي أقدم عليها. ولم تصبح بعد مؤسسة الجيش موضوع نقاشات سياسية حقيقية في العالم العربي، وقد ظلت لعقود طويلة "تابو" في نظر المواطنين في هذه المنطقة. وكثيرًا ما يتم حظر النقاش حول هذه المؤسسة، خصوصًا إذا كانت الدولة تواجه حربًا أو حالة عدم
استقرار داخلي أو تهديدات إرهابية، بدعوى عدم المس من الجيش والتأثير في معنوياته. لهذا بقيت مؤسسة الجيش في مجال الظل، إذ إنه لا يرحب بنظرة الباحث الأكاديمي أو برغبة المجتمع في تسليط الضوء لمعرفة كيفية اشتغال الأجهزة العسكرية. وبذلك تحولت هذه المؤسسة إلى صناديق سوداء، تتبلور داخلها عمليات صنع قرار مبهمة، وتحكمها شبكات من المصالح والحسابات، بعيدًا عن الشفافية المالية والرقابة السياسية والدستورية. أمام هذا الواقع، كان من الطبيعي أن تكون ميزانية الجيش أو الوثائق المتعلقة بها من أسرار الدولة والأمن القومي.
مثّل سقوط شرعية الأنظمة الأمنية العسكرتارية، على إثر الحراك العربي، بداية تكسير قانون الصمت العام في العالم العربي، وفتح باب النقاش حول مؤسسة الجيش، كما تزايد اهتمام المواطنين بهذه المؤسسة وتصاعدت المطالب بضرورة إخضاعها للإصلاح. لهذا، أصبح ضروريًا إزالة حجاب السرية الذي يحيط بالقطاعات العسكرية، لكي يتاح التفكير في إصلاحات شاملة فعالة تستجيب للتحولات العاصفة التي يعيشها العالم العربي. وإذا كانت مواقف الجيوش العربية من الحراك والاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت العالم العربي منذ 2011 متباينة من بلد عربي إلى آخر، فإن شدة الانقسامات والتحديات التي أفرزها الحراك كشفت مدى هشاشة هذه المؤسسة واختلالها في العديد من الدول العربية. ويلاحظ أنه في الوقت الذي ارتفعت فيه النداءات بضرورة القيام بإصلاحات سياسية ومؤسساتية جذرية في العالم العربي، غاب الحديث عن إصلاح الأجهزة العسكرية. فأغلبية البحوث التي نشرت بعد الحراك العربي، والتي لها علاقة بالحوكمة الأمنية، ركزت على أجهزة الشرطة والأمن الداخلي، وحتى تلك التي تطرقت للجيش ركزت على مسألة تدخل الجيش في السياسة ودوره وموقفه من الحراك، وقليلة هي الدراسات التي اهتمت بإصلاح الجيوش من الداخل وبالفساد المستشري داخلها، علمً أنّ الحراك العربي أفرز في عدة دول توغل الجيش والمليشيات العسكرية في أجهزة الدولة وفي المجال السياسي داخلها. ونحن نجادل بأن الإصلاحات السياسية والدستورية يكون لها تأثير مهم في بنى مؤسسة الجيش، كما أنّ غياب الحوكمة والشفافية عن مؤسسات الدولة والمجتمع يكون مشجعًا على استمرارية مؤسسات الجيش خارج المراقبة والمساءلة الديمقراطية. ومن ثمّ، فإنه في ضوء الإصلاحات السياسية والدستورية التي تعرفها العديد من البلدان العربية، من المنتظر أن تعرف مؤسسة الجيش في العالم العربي، بوتيرة متباينة ومتدرجة، إصلاحات نحو مزيد من الشفافية. كما نرى أنه أمام التدهور الشديد في التماسك المؤسسي والقدرات الوظيفية للدولة ولمختلف الأجهزة الأمنية يبقى استعادة ضبط مجال القوات المسلحة وترشيده ضروريًا لإعادة بناء السلم الاجتماعي ولدمج الأنظمة السياسية شديدة الانقسام ومؤسسات الدول المفككة. لقد كان من تداعيات الحراك العربي انهيار السلطة المركزية العسكرية وتفتتها في العديد من الدول، ما أدى إلى بروز ميليشيات قبلية وجهوية وطائفية معارضة للدولة أو تحت سيطرتها الشكلية، وذلك في كل من العراق، ليبيا، سورية، واليمن. وكانت سياسات الاعتماد على الميليشيات ذات تكلفة باهظة على تماسك الدولة، ومكنت من تحدي الحكم المركزي ونسف جهد إعادة تأكيد احتكار الدولة لاستخدام القوة. وتتسم غالبية الميليشيات بضعف المقدرة العسكرية والصدقية لدى المواطنين، كما أنها تفتقر إلى المهنية، وقد ترتكب أكبر أعمال العنف والانتهاكات ضد السكان المدنيين2. وتتميز علاقة الجيش بالسلطة في العالم العربي بغياب مأسسة حقيقية للجيش، ويتخذ الأمر صورًا عدة. فهو إمّا جيش للسلطة الحاكمة وليس جيشًا للدولة فحسب، وهدفه قمع المجتمع وقوى المعارضة عند الاقتضاء والحفاظ على ديمومة سيطرة الأنظمة الحاكمة. وإمّا هو على شاكلة مؤسسات القطاع الخاص في ملكية الحاكم وليس ملكية عامة للدولة والشعب. كما قد يتحول الجيش إلى كيان تسيطر
عليه طبقة سياسية ما أو قبيلة أو طائفة دينية، وعوض أن يكون ولاؤه للدولة والوطن يصبح ولاؤه لهذه الانتماءات3. إضافة إلى هذا، تعيش الجيوش على وقع تغير جذري في طبيعة الصراعات والتهديدات التي تواجهها. ذلك أنّ المخاطر الإرهابية تزايدت تزايدًا كبيرًا، فالتنظيمات الإرهابية المتطرفة التي كانت تتبع تكتيكات حرب العصابات باتت تمزج بين هذا التكتيك وامتلاك قدرات تقليدية وأسلحة كانت تعد حصرًا على الجيوش النظامية مثل الأسلحة الثقيلة، وهو ما جعل بعض هذه التنظيمات أقرب إلى جيش نظامي منها إلى ميليشيا مسلحة4. ويشجع واقع التداخل، وغياب تمييز واضح بين مجال الأمن الداخلي والمجال العسكري، على تكريس اللامساءلة وتشجيع الفساد، ما يعقد عملية إصلاح الجيش. كما أنّ التنافس لحماية النظام من مختلف التهديدات أدى إلى تداخل بين الجيش والأجهزة الأمنية المختلفة، وتم في أحيان كثيرة إعطاء الجيش دورًا في الأمن الداخلي، إضافة إلى مهمته الأساسية الخاصة بالدفاع عن البلاد خارجيًا. كما تم إنشاء أجهزة أمن داخلي شبه عسكرية، ما أدى إلى نوع من عسكرة الأمن الداخلي، بحيث نشأ تداخل بين الدفاع الداخلي والخارجي، وكذلك بين مهمات القوات المسلحة والشرطة وأجهزة الاستخبارات5. ولتخوف الأنظمة الحاكمة من الانقلابات6، فقد حاولت منذ خمسينيات القرن العشرين تشكيل ميليشيات تابعة للحزب الحاكم. وفي السبعينيات والثمانينيات، برز نموذج جديد يتكون من أجهزة أمن وحرس رئاسية مجهزة بأفضل العتاد، وانحدرت عناصرها القيادية من أقارب الحكام وأتباعهم. وكانت مهمتها إجهاض الانقلابات العسكرية والمؤامرات الداخلية7. وأدى هذا التداخل إلى تسعير التنافسات بين الأجهزة، وانعدام الثقة، خاصة بين الجيش وقطاع الأمن، ما أعاق الفاعلية القتالية الفعلية8. وتستنزف ميزانيات الجيش مقدرات اقتصادية مهمة، فالفساد وهدر الأموال والخلل في الأولويات يجعل من الموازنة الدفاعية عبئًا مكلّفًا جدًّا يلتهم فرص التنمية، ذلك أنّ إنفاق الدول العربية على الجيوش يفوق ما تنفقه على الصحة والتعليم. وتمثّل ميزانيات تحديث القطاعات العسكرية وإضفاء الطابع الاحترافي عليها واعتمادات التسلح تكاليف مالية مرتفعة تستهلك النسبة الهائلة من الميزانيات المالية الوطنية، وذلك على حساب برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية9. وقد استفادت الجيوش من رعاية اجتماعية ومن صور أخرى من دعم الدولة، وجزء كبير من هذا العبء المالي تتحمله ميزانيات القطاعات الاجتماعية الحيوية. ولضمان ولاء المؤسسة العسكرية للحكام، استفادت مؤسسات الجيش من نظام رعاية عسكري، ودعم اجتماعي ومجموعة امتيازات متمثلة ببنى تحتية موازية تقدم خدمات في مجال الإسكان والتعليم والصحة بأثمان تفضيلية. ومع بداية سياسات التحرير الاقتصادي والخصخصة، بدأ تغلغل العسكريين وتحكّمهم في الكثير من القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، وتحولوا إلى مقاولين اقتصاديين، وانخرطت المؤسسة العسكرية أحيانًا في الاقتصاد القومي عبر نشاطات إنتاجية وخدماتية تدعم ميزانية الجيش10.
وقد سمح للجيش في أحيان كثيرة بممارسة نشاطات تجارية واقتصادية عديدة، ما أدى إلى ظهور ريع اقتصادي عسكري مرتبط بالحدود وتهريب النفط والأسلحة والمخدرات وبقطاع الأعمال والشركات والمنتجعات السياحية والصيد البحري. وفي مصر، على سبيل المثال، سيطر كبار الضباط على قطاع الأعمال والشركات والمنتجعات السياحية، فضلً عن مصانع تنتج الأسلحة والمركبات
إلى الملابس والمياه المعبأة. وفي المغرب، وبعد الانقلابات العسكرية، ولإبعاد العسكريين عن السياسة، تم تشجيعهم على الاغتناء، ومنحوا امتيازات اقتصادية واسعة. وأدى هذا الواقع إلى ثراء فاحش لشرائح من القادة العسكريين في الدول العربية. هذا ما ساهم في زيادة ضلوع القطاعات العسكرية في الفساد والنشاطات الاقتصادية المهيكلة وغير المهيكلة. يضاف إلى ذلك تزايد فرص شراء المراتب العسكرية في الكثير من الجيوش العربية وبروز ظاهرة الجنود الأشباح11.
مداخل الإصلاح: الرقابة والحوكمة الديمقراطية
لا يمكن تصور نجاح تحول ديمقراطي في العالم العربي، من دون أن تشمل التغييرات الجوهرية البنى الأمنية والعسكرية، فتجعلها تتجه نحو الاشتغال تحت سلطة الحكومة الدستورية، وتخضع في تصرفاتها لرقابة البرلمان المنتخب ومساءلته، ولتحريات لجان تقصيه النيابية التي تستمد مشروعيتها من الدستور والقانون.
ومنذ تسعينيات القرن الماضي، أضحت الرقابة البرلمانية على القوات المسلحة عنصرًا مهمً في النقاش السياسي العام بالدول الأوروبية، وذلك نتيجة عوامل عدة، منها: التحولات الجذرية للجيش على مستوى طبيعته ومهماته، وتطور مؤسسة الجيش نحو مزيد من المهنية والاستخدام المكثف للتكنولوجيات الحديثة، وتدويل استخدام القوات المسلحة في مهمات خارجية، والصعود القوي للاستخبارات في المجال العسكري، والتدخل المتزايد بين المهمات الخارجية والداخلية للقوات المسلحة12. تؤثّر هذه التحولات سلبيًّا في قدرات الرقابة البرلمانية على القوات المسلحة والسياسات الدفاعية، ولكنها في الوقت نفسه تعزز الحاجة الملحة إليها في المجتمعات الديمقراطية المعاصرة13. وقد اقترح أنتوني فورستر الانتقال من مفهوم الرقابة على القوات المسلحة إلى مفهوم أوسع وأشمل هو الحوكمة الديمقراطية على السياسات الدفاعية14، والذي تتفاعل داخله مؤسسات عدة: البرلمان، والحكومة، والقضاء، ومؤسسات الإعلام والمجتمع المدني. ويتعلق الأمر أيضًا باعتماد رقابة برلمانية لا تركز فقط في المقتضيات والقانونية، ولكنها تهتم أيضًا بممارسات الفاعلين الدستورية، وخصوصًا دور اللجان البرلمانية المكلفة بقضايا الدفاع15. وهذه اللجان لها دور محوري في المراقبة والمساءلة عن نشاطات القوات المسلحة وميزانياتها16. ولضمان دمقرطة القوات المسلحة وتكريس الرقابة المدنية من خلال الشفافية المالية والمساءلة القانونية والسياسية، وجب أن تتوافر مجموعة ضوابط أساسية، أهمها: أن تكون الدولة الطرف الوحيد في المجتمع الذي يستأثر بالحق الشرعي في احتكار القوة والعنف واستخدامهما، وتخضع القوات المسلحة للمساءلة أمام المؤسسات الشرعية.
أن يتمتع البرلمان بالسيادة، ويحمّل السلطة التنفيذية مسؤولية وضع السياسات الأمنية والدفاعية وتنفيذها، ويراجع أداءها ويحاسبها. أن يضطلع البرلمان بدور المناقشة والمساءلة والموافقة على الإنفاق على الجوانب الأمنية والدفاعية. يجب أن يحصل توافق سياسي ومجتمعي حول طبيعة المؤسسة العسكرية وأدوارها ومهماتها داخل الدولة. على القوات المسلحة أن تعمل بموجب سياسات وأطر قانونية واضحة، وأن تلتزم مبادئ الحكم الرشيد وسيادة القانون والشفافية والمساءلة، من خلال خضوعها لرقابة البرلمان ووسائل الإعلام والمجتمع المدني17. وتتطلب الرقابة المدنية الديمقراطية على السلطات العسكرية إخضاعها للمساءلة أمام السلطة التشريعية التي تم انتخابها بصفة ديمقراطية وأمام الرأي العام. وهذا الأمر يتطلب التفاعل بين مجموعة من المؤسسات هي: البرلمان: من خلال تفعيل الرقابة على ميزانية الدفاع ومناقشتها، وإنشاء لجان برلمانية دائمة تعمل على مراقبة عمل القوات المسلحة. ويضطلع البرلمان بدور مناقشة المخصصات المالية للمؤسسة العسكرية ومراجعتها والموافقة عليها، ومراقبة نشاطات المؤسسة العسكرية وسياساتها الدفاعية. القضاء: من خلال تكريس مبدأ سيادة القانون، ومكافحة الفساد وعدم توسيع اختصاص القضاء العسكري وصلاحياته، وإخضاع كل العاملين في قطاع الدفاع للقانون والمحاسبة أمام المحاكم المدنية، إذا خالفوا القوانين الوطنية أو الدولية. الحكومة: من خلال اقتراح السياسات الدفاعية وتنفيذها، واق اررح الميزانية العسكرية، واتخاذ كل القرارات المتعلقة بالمؤسسة العسكرية وقرارات شراء الأسلحة، وترقية أعضاء مؤسسة الجيش، وتوفير المعلومات المتعلقة بالجيش... إلخ. المجتمع المدني: على المؤسسات الدفاعية أن تتيح المجال للجمهور قصد الحصول على المعلومات المتعلقة بالميزانيات والمشتريات الدفاعية. ومن شأن تشجيع منظمات المجتمع المدني على فتح نقاش عام حول السياسات الدفاعية المتبعة وميزانية الإنفاق العسكري وحجمه وصفقات التسلح أن يعزز الشفافية في قطاع الدفاع، ويخلق الثقة بين المواطنين والجيش. وسائل الإعلام: تقوم بدعم الدور الرقابي للبرلمان على قطاع الدفاع، بتحسيس المواطنين بأهمية الرقابة الفعالة على هذا القطاع. ويحق لوسائل الإعلام جمع المعلومات الخاصة بالقضايا الدفاعية، والتي تحقق المصلحة العامة، ونشر معلومات محايدة ومستقلة عن الشؤون العسكرية والدفاعية، وذلك استجابة لحق المواطن في المعرفة، بما لا يتعارض مع القوانين المعمول بها. ولا يوجد مبرر قوي مثلً لعدم نشر معلومات حول أسماء المسؤولين في المناصب العليا في قطاع الدفاع، ونشر القوات العسكرية بالخارج، ومشتريات الأسلحة، وتشجيع النقاش العام بشأنها. وعلى الرغم من غياب معايير دولية واضحة تخص الرقابة الديمقراطية على الجيوش، فإن بعض المعايير الإقليمية، ومن أهمها "مدونة السلوك الخاصة بالجوانب السياسية - العسكرية للأمن"، تقرّ في الفقرة 21 بأنّ الرقابة السياسية الديمقراطية على القوات العسكرية أو شبه العسكرية وعلى أجهزة الاستعلامات هي عنصر أساسي لتكريس الاستقرار والأمن، وأنّ اندماج القوات المسلحة في المجتمع المدني مظهر مهم للديمقراطية. وتنص الفقرة 22 على ضرورة الحصول على موافقة السلطة التشريعية على موازنة الدفاع، وفرض قيود للحد من النفقات العسكرية، وتأكيد أهمية الشفافية، وإتاحة إمكانية ولوج العموم إلى المعلومات المتعلقة بالقوات المسلحة. فضلً عن ذلك، على القوات المسلحة أن تلتزم الحياد السياسي)الفقرة 23)، والامتناع عن أي استخدام غير قانوني للوسائل العسكرية)الفقرة 24.) ووفقًا الفقرة 25، فإن على الدول ألّ تسمح بوجود قوات مسلحة لن تدخل ضمن رقابة هيئاتها الدستورية أو لن تخضع للمساءلة18. وتتطلب الرقابة البرلمانية العملية الفعالة على السياسات الدفاعية توفّر البرلمانيين على خبرات كافية في مجال ميزانيات الدفاع والقضايا العسكرية. وهو ما لا يتوافر لديهم، ما يجعلهم دائمًا يستعينون بخبرة الحكومة أو القوات المسلحة. ولذلك يجب تمكين البرلمانيين من أدوات رقابية أكثر فاعلية، ما يمكنهم من امتلاك الوسائل الكفيلة بالحد من الفساد في الجيش. ومما يعرقل هذه الرقابة البرلمانية أيضًا الافتقار إلى المعطيات الخاصة بالقوات المسلحة، نتيجة السرية والتعتيم اللذين يحيطان بميزانية قطاع الأمن وأوجه الإنفاق الخاصة به. وغالبًا ما تكون الوثائق الخاصة بالموضوع سرية وحساسة، ومن ثمّ لا يتاح للبرلمان
أو الرأي العام الاطلاع عليها، وحتى اجتماعات اللجنة البرلمانية المعنية فإنها تكون مغلقة وسرية. ومبدئيًا، يقتضي ذلك توفير جميع الوثائق الخاصة بميزانية الدفاع للبرلمان أو للجنة المختصة في اجتماعات مغلقة إذا لزم الأمر. وفي بعض الدول، مثل الدنمارك واللوكسمبورغ، يتم تزويد البرلمان بأدق تفاصيل الميزانية، أي البنود التفصيلية. وفي دول أخرى، مثل فرنسا واليونان وبولندا، لا يتم تقديم معلومات عن بنود الموازنة المخصصة لقطاع الدفاع، إلّ إلى لجنة الدفاع في البرلمان19.
الجيوش العربية: السرية، والفساد، وغياب الشفافية
كان من المؤمل، بعد الحراك العربي وخروج المواطنين للمطالبة بالدولة المدنية وبالحرية والعدالة ومكافحة الفساد وإرساء الشفافية في مؤسسات الدولة، أن تستغل الأنظمة الحاكمة زخم التغيير، لتقوم بإصلاحات تكرس الحريات والحقوق والحكم الرشيد القائم على المشاركة والمساءلة والنزاهة. وعلى الرغم من التعديلات الدستورية والسياسية التي أجرتها بعض الدول، فإن مكافحة الفساد لم تسجل تحولات مهمة في السنوات الأخيرة. ووفق "مؤشر مدركات الفساد" لعام 2015، والذي تصدره منظمة الشفافية الدولية، جاءت أغلبية الدول العربية في مراتب متأخرة، فضلً عن أن أربع دول عربية هي الصومال، والسودان، وليبيا، والعراق20 جاءت ضمن أسوأ عشر دول في الفساد. وتتميز الدول التي جاءت في آخر الترتيب بحضور الصراعات والاضطرابات فيها، وبغياب الحكم الرشيد، وضعف المؤسسات العامة المرتبطة بالأمن والدفاع والقضاء، وغياب الإعلام المستقل... إلخ. وظلت وضعية العالم العربي تتسم بضعف البنى المؤسساتية، بما فيها المؤسسات الرقابية ومنظمات المجتمع المدني. ويمتد ضعف الرقابة المجتمعية حتى إلى المؤسسات الإستراتيجية للدول العربية، وخصوصًا مؤسسة الجيش، ذلك أنّ عدم ضبط العلاقات المدنية - العسكرية وغياب مختلف آليات الرقابة والمحاسبة البرلمانية جعلا هذه المؤسسة تفلت من الرقابة وتستفيد من امتيازات غير شرعية ونوع من الحصانة. ولذلك، فهي تقاوم بشدة إخضاعها لأي رقابة أو متابعة من جانب السلطة التنفيذية أو البرلمان، وترفض الانسحاب من النشاطات الاقتصادية المدنية. وغالبًا ما لا تخضع المؤسسة العسكرية لرقابة المؤسسات السياسية المدنية، ولا تناقش المؤسسة التشريعية ميزانية الدفاع، ولا تتناول وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني شؤون الجيش.
ترى تقارير دولية عديدة معنية بمكافحة الفساد أنّ قطاع الدفاع في العالم العربي من أكثر القطاعات عرضة للفساد عبر العالم. وقد ورد في تقرير منظمة الشفافية الدولية الخاص بالمؤشر الحكومي لمكافحة الفساد في قطاع الدفاع في عام 2013 21، "لأن الجيش هو عنصر مهيمن في عدد كبير من دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط وله نصيب ملموس في القيادة السياسية، تصبح قضية الفساد في قطاع الدفاع أكثر إلحاحًا"22. وقد تبين أنّ كل دول المنطقة العربية تعاني مستويات مرتفعة من مخاطر الفساد، ووسائل مكافحة الفساد ضعيفة داخل مؤسسات الدفاع23. وخلص التقرير إلى أنّ المظاهر الرئيسة لانعدام الشفافية في قطاع الدفاع في هذه المنطقة هي وجود السرية الشديدة، وانعدام وسائل الرقابة وعدم التفاعل مع المواطنين. فضلً عن ذلك، تتوافر فرص واسعة لازدهار شبكات المحسوبية وقيود
كثيرة على النقاش العام حول الدفاع، سواء وسط وسائل الإعلام أو المجتمع المدني. أمّا في ما يخص الإبلاغ عن المخالفات في هذا القطاع، فلم يجد المؤشر دولة واحدة فيها دعم مؤسسي للمبلغين عن قضايا الفساد المتعلقة بمسؤولي الدفاع والضباط. كما أنّ الميزانيات الخاصة بقطاع الدفاع غير متاحة للجمهور في أغلبية هذه الدول، والحصول على تفاصيل بشأنها أمر في غاية التعقيد24. شمل هذا التقرير ترتيب الدول وفقًا لمقياس بالأبجدية الإنكليزية، يبدأ بالحرف الأول A"" وينتهي بحرف F""، والأول هو الأقل عرضة لمخاطر الفساد، والثاني الأكثر عرضة. وخلص التقرير إلى أن مخاطر الفساد داخل الجيوش بالعالم العربي تراوح بين مرتفعة وحرجة. وحصلت الكويت ولبنان ودولة الإمارات العربية المتحدة على أعلى تقدير، وإن لم يصل أي منها إلى الأحرف الثلاثة الأولى في القياس ABC()، وكان مستوى مخاطر الفساد فيها "مرتفعًا" يقف عند +" D" وفقًا للمقياس العالمي. وجاء في آخر القائمة كل من الجزائر ومصر وليبيا وسورية واليمن، وكان مستوى الفساد في قواتها المسلحة "حرجًا"، وهو المرادف لحرف F""، آخر الحروف في المقياس25. أصدرت منظمة الشفافية الدولية، في عام 2015، تقريرًا جديدًا حول الفساد في مؤسسات الجيش، وتصدر الجيش التونسي قائمة الجيوش الأقل فسادًا في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، إذ جاء في الفئة D() أي ضمن درجة مخاطر فساد مرتفعة في حين تراجعت مرتبة بعض الدول مقارنة ب 2013. وجاءت أربع دول هي الأردن، ولبنان، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية ضمن فئة درجة مخاطر الفساد المرتفعة E(.) واحتلت دول الكويت، وقطر، والمغرب، والعراق، وليبيا، والبحرين، وسلطنة عمان، وسورية، والجزائر، ومصر، واليمن المرتبة الأخيرة ودخلت ضمن فئة.)F(وخلص التقرير26 إلى أنّ مجموعة من المظاهر والاختلالات المنتظمة في مؤسسات الجيش تكرس الفساد وغياب الشفافية، منها: الحكومات في هذه المنطقة، حتى تلك التي لها جيوش تبدو قوية وجيدة التمويل، تعاني الفساد، ما يجعلها أكثر هشاشة. وتنفق العديد من ميزانيات الدفاع بطريقة غير صحيحة بسبب الفساد والمحسوبية وانعدام الشفافية. ثمة سرية مفرطة في إدارة ميزانيات الدفاع وانعدام للشفافية في الإنفاق، ويستحوذ الإنفاق العسكري على مخصصات الميزانية الحكومية. وتعتقد أغلبية البلدان العربية أنّ كشف موازنة الجيش يعني تقديم معلومات سرية مرتبطة بالأمن القومي لجهات خارجية قد تستفيد منها. تعاني آليات الرقابة على ميزانيات الدفاع ضعفًا شديدًا. وليس للجان الدفاع والأمن البرلمانية، في معظم دول المنطقة، تأثير ملموس في رقابة اتخاذ القرارات ذات الصلة بالدفاع؛ لعدم توافر معلومات مفصلة عن ميزانية الدفاع، أو لغياب الدعم السياسي لتمكينها من ممارسة سلطاتها الرقابية. وتجب الإشارة إلى أنّ اللجان البرلمانية الخاصة بالدفاع يمكن لها عقد جلسات سرية مغلقة، وهو ما يسقط مبرر موقف بعضهم بأن ميزانيات الدفاع يجب أن تبقى سرية لأنها متعلقة بالأمن الإستراتيجي القومي. وباستثناء الأردن27 وتونس، لم تنشر أي من الدول الأخرى ميزانية للدفاع أو أنها قدمت أرقامًا عامة غير مفصلة وإجمالية للغاية. وفي غياب مؤسسات رقابية تتلقى معلومات مفصلة عن ميزانية الدفاع، تبقى السرية داخل مؤسسة الجيش هي القاعدة وليس الاستثناء. وقد أكد تقرير مؤشر الفساد في قطاع الدفاع عام 2015 وجود دولتين فقط لهما مؤسسات محددة لمكافحة الفساد في قطاع الدفاع، يتعلق الأمر بالإمارات العربية المتحدة التي تتوفر على وحدة متخصصة لمكافحة الفساد ووحدات تدقيق داخلية بوزارة الدفاع، وفي لبنان توجد وحدة شرطة قضائية عسكرية معنية بالموضوع. وكان الأردن البلد الوحيد الذي أجرى عمليات تقييم لمخاطر الفساد بمؤسسات الدفاع بانتظام، وقد أجريت هذه العمليات من خلال مكاتب تدقيق الحسابات التابعة لها. يمثّل إشراك الجيش في القطاع الاقتصادي الخاص خطرًا كبيرًا مشجعًا على الفساد وانعدام الشفافية، ما يخلق مخاطر تحقيق كبار العسكريين والعاملين بمؤسسات الدفاع فوائد كبيرة من قطاع التجارة والأعمال28.
الجدول)1(تصنيف الدول العربية بحسب مؤشر مكافحة الفساد في قطاع الدفاع لعام 2013
| الفئة | درجة مخاطر الفساد | الدولة |
|---|---|---|
| A | منخفض للغاية | |
| B | منخفض | |
| C | معتدل | |
| +D | مرتفع مع أداء جيد في مكافحة الفساد | الكويت، لبنان، الإمارات |
| -D | مرتفع مع أداء ضعيف في مكافحة الفساد | الأردن، السلطة الفلسطينية |
| E | مرتفع للغاية | البحرين، العراق، المغرب، سلطنة عمان، قطر، السعودية، تونس |
| F | حرج | الجزائر، مصر، ليبيا، سورية، اليمن |
الجدول)2(تصنيف الدول العربية بحسب مؤشر مكافحة الفساد في قطاع الدفاع عام 2015
| الفئة | درجة مخاطر الفساد | الدولة |
|---|---|---|
| A | منخفض للغاية | |
| B | منخفض | |
| C | معتدل | |
| D | مرتفع | تونس |
| E | مرتفع للغاية | الأردن، لبنان، الإمارات، المملكة السعودية |
| F | حرج | الكويت، قطر، المغرب، العراق، ليبيا، البحرين، سلطنة عمان، سورية، الجزائر، مصر، واليمن |
تعاني أنظمة العاملين في الجيش ضعف الضوابط وغياب الشفافية وتقويض منظمة القيادة، ولا تُنشر أرقام دقيقة عن العاملين في قطاع الدفاع. ويعدّ الجيش العراقي مثالً واضحًا على ضعف الضبط وفساد أنظمة العاملين في القطاع، وهي أمور تؤثّر في الفاعلية القتالية. وقد تم الكشف عن عشرات الآلاف من الجنود الأشباح، وتقدر حالات الهروب من الخدمة في حزيران/ يونيو 2014 بعدد راوح بين 70 و 90 ألف جندي. كما لا توجد في الدول العربية أنظمة تعيين وترقية مستقلة وشفافة وموضوعية، كما أنّ التعيينات والترقيات في المستويات العليا للجيش تتأثر بالمحسوبية والولاء والحسابات السياسية والطائفية والجهوية والقبلية، الأمر الذي يحول دون تكريس ثقافة الاستحقاق وتولي الأكفأ للمناصب على أساس الجدارة والموضوعية. وهذا الأمر يطيح الثقافة المؤسساتية في الجيش، ويحوله إلى شبكة للعلاقات أكثر منه مؤسسة تحكمها ضوابط وقواعد واضحة. تغيب في العديد من البلدان العربية ثقة المواطنين بالجيش، وهم يعتقدون أنّ مؤسسات الدفاع لا تبالي بالتصدي للفساد. وسجلت تونس والإمارات العربية المتحدة استثناءً في هذا المجال. ولا تعمل مؤسسات الجيش في العالم العربي على بناء الثقة مع المواطنين عبر فتح مشاورات وتبادل معلومات مع المنظمات المستقلة للمجتمع المدني، وفي أغلبية دول المنطقة يمنع على المنظمات غير الحكومية مناقشة قضايا الجيش والدفاع. من أجل الحد من مخاطر الفساد، تتأكد الحاجة إلى إدخال إصلاحات عميقة على قطاع الدفاع بهدف إرساء الشفافية والتدقيق في عمليات الشراء والموازنات، وتعزيز مراقبة مؤسسة الجيش ومساءلتها، فضل عن ذلك يجب أن ينفتح الجيش على المجتمع عبر إشراك المجتمع المدني ووسائل الإعلام لخلق أواصر الثقة بين المواطنين والجيش.
الفساد في جيوش شمال أفريقيا: دراسة مقارنة
سنحاول تحليل المخاطر المتعلقة بالفساد في بعض الدول الأكثر عرضة للفساد، وهي مصر والمغرب والجزائر، وكذا تسليط الأضواء على الاستثناء التونسي في هذا المجال. ولنحلل ونشخص مكامن الفساد وتجليات الإصلاح داخل جيوش هذه الدول، سنعتمد مجموعة من المعايير والمؤشرات هي: موقع الجيش في الحياة السياسية، ومدى وجود الرقابة المؤسسية على قطاع الدفاع وفاعليتها، ومناقشة تفاصيل ميزانية الدفاع ونشرها، وفاعلية اللجان البرلمانية المعنية بالقوات المسلحة، ومدى وجود دوران للنخب العسكرية وترسخ الجدارة في عمليات الترقي والتعيين... إلخ.
مصر وجمهورية الضباط
مثّلت المؤسسة العسكرية دعامة قوية للحكم السلطوي بمصر لعقود طويلة، وبعد ثورة يناير 2011، كان من المفروض أن يحدث تحول جذري في العلاقة بين العسكر والسلطة المدنية، لكنّ مركزية الأدوار التي أداها الجيش بعد الثورة أدت إلى هيمنة النخبة العسكرية على السلطة والحكم في البلاد، خصوصًا بعد إيقاف المسار الديمقراطي، وإنهاء حكم الرئيس السابق محمد مرسي في تموز/ يوليو .2013 وقد زاد دستور 2014 من صلاحيات المؤسسة العسكرية، وكرس استمرارية سيطرتها على مراكز صنع القرار وتحكمها فيها، ما أضعف الرقابة المدنية عليها. هذا ما يكرس حقيقة أنّ '"جمهورية الضباط'، المتمثلة بشبكات عسكرية مستديمة تخترق كل فروع ومستويات إدارات الدولة والقطاعات الاقتصادية، ما زالت تحتفظ بنفوذها السياسي المتغلغل حتى بعد سقوط مبارك، مخترقة جهاز الدولة والاقتصاد على السواء، لا على مستوى القيادة وحسب، بل أيضًا على المستويات كافة"29. وتعدّ ميزانية الدفاع بمصر "سرًا من أسرار الدولة، ولا تتوافر تلك الميزانية بأي صيغة من الصيغ للجمهور أو للسلطة التنفيذية، ولا تعطى تفاصيل أو معطيات حول نفقات الجيش المصري. ومنذ عام 1979 سمح للجيش قانونًا بالاحتفاظ بحسابات مصرفية تجارية خاصة به، كما أن ميزانية الجيش مستقلة عن الحكومة"30. وتؤكد المادة 203 31 من الدستور المصري أنّ من بين مهمات مجلس الدفاع "مناقشة موازنة القوات المسلحة، وتدرج رقمً واحدًا في الموازنة العامة للدولة." وعلى الرغم من وجود لجنة خاصة بالبرلمان تهتم
بقضايا الجيش وهي لجنة الدفاع والأمن القومي32، والتي يكون رئيسها عضوًا في مجلس الأمن القومي) المادة 205 من الدستور) ويتم استدعاؤه أيضًا حين مناقشة ميزانية الجيش أمام مجلس الدفاع الوطني، فإنها تفتقر إلى الفاعلية، وليس لها سلطة رقابية على السياسات الدفاعية وميزانية الجيش، ذلك أنّ المادة 203 من الدستور تجعلها غير ذات جدوى تذكر. وبالنتيجة، فإن "جمهورية الضباط تمارس سيطرة حصرية على ميزانية الدفاع، والمساعدة العسكرية الأميركية، والشركات المملوكة للمؤسسة العسكرية"33. ويؤكد هنري هاردينغ: "تطور الاقتصاد العسكري المصري إلى أبعد من الاحتياجات العسكرية ليشمل كل أنواع المنتجات والخدمات، ونظرًا لعدم الشفافية التي تحيط الجيش، من المستحيل تقريبًا الحصول على أرقام دقيقة. ومع ذلك، ثمة توافق في الآراء بين مجموعة من الأشخاص، عند سؤالهم عن حجم المؤسسة العسكرية الاقتصادية في مصر، بأن هيمنة القوات المسلحة المصرية تمتد إلى كل القطاعات الاقتصادية، من المواد الغذائية مثل مركز الطماطم وزيت الزيتون، إلى الإلكترونيات الاستهلاكية، والعقارات، وأعمال البناء والنقل والخدمات... وعلى المستوى الاجتماعي والسياسي، تُعد هذه الوضعية إشكالية عميقة، سياسيًا حيث تستثمر القوات المسلحة حاليًا بشكل واسع (بكل معنى الكلمة) داخل نظام الدولة لدرجة أنه من الصعب الفصل بين الجيش والدولة والاقتصاد"34. ويؤكد تقرير مؤشر الفساد في قطاع الدفاع لعام 2015 أنّ مؤسسة الجيش تتحكم في ما بين 45% و 60% من الاقتصاد المصري35. ويدر الاقتصاد العسكري الرسمي الخاص على هذه المؤسسة مصادر دخل لا تمر عبر الخزينة العامة. ويوجد مكتب خاص في وزارة المالية يدقق حسابات القوات المسلحة والهيئات التابعة لها، وعلى الأرجح بالتنسيق مع مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية، إلّ أن بياناته وتقاريره لا تخضع لسيطرة البرلمان أو إشرافه أو هيئة مدنية أخرى36. ويؤكد التقرير نفسه أنه على الرغم من وجود قوانين تنظم عملية التعيين والترقية، فإنه على المستوى العملي يتم اختيار الأطر المتوسطة والعليا للجيش وترقيتهم على أسس عدة منها المحسوبية والولاء للقيادة، وليس مؤهلات الاستحقاق. ونظرًا للسرية التي تطبع مؤسسة الجيش ولقمع الحريات العامة، فإنه لا يتم إشراك المواطنين والرأي العام في النقاش العام حول قضايا الجيش، وليس للمجتمع المدني ووسائل الإعلام دور فاعل في مراقبة السياسات الدفاعية وفتح نقاش عام حولها، ونادرًا ما تكشف وسائل الإعلام عن قضايا الفساد داخل مؤسسة الجيش37. وترى السلطات الحاكمة أنّ محاولة مناقشة السياسات الأمنية أو الدفاعية تعدّ خرقًا للأمن الوطني38.
تونس: ثورة الجيش الهادئة
ساعدت عدة عوامل الجيش التونسي على أن يتبوأ الرتبة الأولى عربيًا، على مستوى الشفافية وتفعيل آليات الرقابة المدنية على مؤسسات الدفاع. فانتعاش المناخ الديمقراطي والحريات العامة، وبالخصوص حق التنظيم والتجمع والحريات الإعلامية، وعدم تعثر مسلسل الانتقال الديمقراطي، عوامل سمحت بوجود مقومات الإصلاح واضطلاع المجتمع المدني والإعلام بدور بارز في الرقابة على الشأن العام والمساءلة الشعبية للحكومة وحتى للجيش. فضلً عن ذلك، تتوافر شفافية نسبية في السياسات العمومية تسمح بتوافر المعلومات والولوج إلى المعطيات التي تمكن البرلمان والهيئات الرقابية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام والمواطنين من الرقابة والمساءلة. وفي الواقع، فإن طبيعة مؤسسة الجيش التونسي وتاريخها كان لهما دور واضح في عدم وجود مخاطر كبيرة للفساد داخلها، فهي الأصغر حجمً في العالم العربي، وبسبب تهميشها وتحييدها عن السلطة السياسية والاقتصادية في عهد الرئيسين السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، فإنها لم تنشأ مؤسسةً لها مصالح تجارية عميقة من شأنها أن تربطها بمصير الأنظمة السياسية القائمة. وقد مكّن هذه المؤسسة عدم تورطها في القمع وانتهاكات حقوق الإنسان في عهد بن علي وعدم وجود مصالح خاصة بها من كسب ثقة الشعب التونسي، وأداء دور مهم في إنجاح ثورة الياسمين، إذ التزم الجيش الحياد ولم يتدخل إلا لحفظ الأمن والاستقرار والحيلولة دون انهيار الدولة. ولم يستغل الجيش التونسي حالة الفراغ والاضطراب بعد الثورة للاستيلاء على السلطة أو التحكم فيها أو فرض وصاية
على الشعب ومؤسسات الدولة، فقد ابتعد عن التطورات السياسية الداخلية بما يفوق الجيوش الأخرى بالمنطقة39. وعلى مستوى مؤشرات مكافحة الفساد في الجيش التونسي، يلاحظ نشر تفاصيل ميزانية وزارة الدفاع، إذ تمدّنا بمعلومات حول الإنفاق على التدريب، والإنشاءات والأفراد والتسليح والرواتب والصيانة، لكنّ مستوى هذه التفاصيل يختلف من بند إلى آخر، فلا تتوافر إل معلومات عامة حول عمليات التسليح العسكرية40. لكن لا يتم الإعلان عن النسبة المخصصة للبنود السرية في نفقات الدفاع، ولا يتم توفير معلومات بهذا الشأن. وتتوفر تونس على لجنتين برلمانيتين لمناقشة سياسة الدفاع، هما لجنة تنظيم الإدارة وشؤون القوات الحاملة للسلاح، ولجنة الأمن والدفاع التي سمح لها النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب في مادته 76 بعقد جلساتها مغلقة وبحضور أعضائها فقط41، كما يمكن لها بموجب المادة 93 من النظام نفسه مراقبة تنفيذ الحكومة للإستراتيجيات في مجالي الأمن والدفاع، وعقد جلسات للحوار والمساءلة مع الجهات المعنية بهذين المجالين. وقد عقدت اللجنتان جلسات استماع لوزير الدفاع، لمساءلته بخصوص مجموعة من القضايا المتعلقة بالدفاع؛ وكانت اللجنتان نشيطتين، إذ نظمتا عدة اجتماعات وعدة جلسات استماع للعديد من المسؤولين الحكوميين42. وفي علاقة الجيش بالاقتصاد، أكد مؤشر الفساد غياب دلائل تشير إلى وجود مصالح اقتصادية أو مالية لدى أجهزة الجيش أو أعضائها، أو وجود ارتباطات مع مقاولات تستثمر في استغلال الموارد الطبيعية للبلاد. أمّا عن ترقية كبار الضباط وتعيينهم ومدى ارتباطهما بحسابات أخرى غير الاستحقاق، فيمكن الإشارة إلى حدوث حركية وإعادة ترتيب للهيكلة القيادية للجيش التي كانت تتحكم فيها نخبة عسكرية معيّنة مرتبطة بشبكة الرئيس السابق بن علي والجنرال رشيد عمار، ذلك أنه تمت في عهد الرئيس السابق محمد المنصف المرزوقي تعيينات جديدة في المناصب القيادية للجيش وضعت حدًّا لتفضيل منطقة الساحل على الداخل في الترقيات والرتب العسكرية43. وأمّا عن الثقة بالجيش داخل المجتمع، فيتبين لنا انفتاح متزايد لمؤسسة الجيش على المجتمع المدني ووسائل الإعلام. وقد عقدت وزارة الدفاع الوطني عدة لقاءات واجتماعات تشاورية مع المنظمات غير الحكومية المعنية بإصلاح قطاع الدفاع كمنظمة الشفافية الدولية ومركز جنيف للرقابة الديمقراطية. كما تم إشراك منظمات المجتمع المدني في عدة نشاطات وموائد مستديرة نظمتها الوزارة واللجان البرلمانية المعنية بالدفاع، وذلك قصد بلورة سياسة وطنية للأمن والدفاع، وتعزيز التواصل المؤسساتي مع مختلف الفاعلين في المجال. إضافة إلى ذلك، انخرطت وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية في حوار نقدي وبناء ونقاش عام حول قضايا الدفاع، وخاصة الشفافية، وإصلاح قطاع الدفاع، وإستراتيجية الأمن القومي، والتهديدات الإرهابية...إلخ. وقد أفاد أحد المسؤولين الماليين في وزارة الدفاع التونسية أنه "في العهد السابق كانت وزارة الدفاع صندوقًا أسود فلا وجود لأي نوع من التواصل بين الوزارة والمجتمع المدني، لكن اليوم أصبحنا أكثر انفتاحًا وأكثر شفافية من أجل الإصلاح"44. ومن اللافت للانتباه أنّ الضباط المتقاعدين شاركوا في تكوين جمعيات تخص الدفاع عن مصالحهم، وكان لهذه الجمعيات حضور فاعل في وسائل الإعلام وفي النقاشات أثناء إعداد الدستور الجديد ووضع الإستراتيجيات الدفاعية والأمنية45.
الجزائر: مسار الإصلاح الطويل
يضطلع الجيش الجزائري، من منطلق مشروعيته الثورية التاريخية، بدور حاسم في الحياة السياسية منذ الاستقلال. وعلى الرغم من أنّ الدستور الجزائري لا يمنح الجيش دورًا سياسيًا، ذلك أنّ مهمته الأساسية هي المحافظة على الاستقلال الوطني، والدفاع عن السيادة الوطنية والدفاع عن وحدة البلاد وسلامتها الترابية، وحماية مجالها البري والجوي والبحري، فإننا نلاحظ توغلً مؤسساتيًا عمليًّا للجيش في الحياة السياسية. والسلطة رهن القبضة القوية للجيش وأجهزته الأمنية، فهو لا يزال ذا تأثير قوي ودور محوري في صناعة القرار
السياسي والأمني بالجزائر46. وفي الواقع، فإن هذا التوغل يتجسد أكثر في المخابرات العسكرية، والتي لديها نفوذ عميق في مفاصل الدولة وفي الحياة السياسية، أمّا قيادة أركان الجيش فقد كان دورها أقوى في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وتراجع بالتدريج في السنوات الأخيرة. وعن مؤشرات الشفافية في قطاع الدفاع بالجزائر، يؤكد تقرير مؤشر مكافحة الفساد في قطاع الدفاع لعام 2015 أنه لا يتم نشر تفاصيل ميزانية الدفاع ومخصصاتها، ولا توجد أرقام دقيقة معروفة تخص الدفاع والأمن، ولا يتم الإعلان عن النسبة المخصصة للبنود السرية في نفقات الدفاع. ويرجع هذا إلى سياسات السرية والتكتم التي تنتهجها الدولة في كل ما يخص قضايا الأمن والدفاع وتسييرهما. وعلى الرغم من وجود لجنتين للدفاع الوطني بكل من مجلس الأمّة والمجلس الشعبي الوطني تختصان بكل المسائل المتعلقة بالدفاع الوطني، فإن دورهما في الرقابة والمساءلة غير موجود. وضع التقرير الجزائر ضمن الدول التي لا تخضع موازنات الدفاع والجيش فيها لشفافية أو رقابة برلمانية تسمح بمساءلة السياسات الدفاعية وبالتدقيق في الإنفاق على الدفاع، وذلك بفعل وجود علاقة بين السلطة والعسكريين، ولذلك تستثنى ميزانية الجيش والدفاع من الرقابة البرلمانية والتدقيق المالي. وعلى الرغم من تمتع مجلس المحاسبة بواسع الحرية عند النظر في مدى تنفيذ القطاعات الوزارية للاعتمادات المالية التي تحصل عليها سنويًّا، فإن صلاحياته تتوقف عند أسوار وزارة الدفاع الوطني، مكتفيًا بالتصديق على تقرير الوزارة والأرقام المتعلقة بحجم الإنفاق المخصص للتسيير والتجهيز. ويفهم تستر المجلس والوزارة على أوجه إنفاق قطاع الدفاع باستقلالية القطاع التي تمتع بها منذ الاستقلال، واستمرار ثقافة السرية في مجال الدفاع47. وأخذت علاقة الجيش بالفساد الاقتصادي أبعادًا هيكلية مع بداية تحرير الاقتصاد في 1994، والكثير من القادة العسكريين السامين كانوا قادرين على احتكار قطاعات الاقتصاد الجزائري بما في ذلك الأدوية والغذاء ومواد البناء، في غياب الرقابة من منظمات المجتمع المدني أو التدقيق البرلماني حول هذه النشاطات التي كانت تعود بدخل كبير، من دون أن تخضع مصادر هذا الدخل والأرباح لأي مراجعة. ويلاحظ غياب كبير للشفافية والرقابة بالنسبة إلى المقاولات التي يمتلكها كبار العسكريين، إذ هي لا تخضع للفحص والمراقبة. أمّا شفافية التعيينات والترقية في الأطر المتوسطة والعليا في الجيش، فإنه لوحظ فيها أنّ الاختيار يتمّ في كثير من الأحيان على أساس الولاء والمحسوبية لمن هم في السلطة، وليس على أساس الجدارة المهنية. يؤكد أنتوني كوردسمان: "الجيش مسيّس بقوة، ويقوم على المحسوبية والفساد، وهذا يؤثّر في الترقية على المستوى الأعلى للقيادة"48، وفي المنحى نفسه يذهب رشيد تلمساني إلى: "المحسوبية أو الولاء يشكلان في الغالب المعيار السائد في الاختيار والعزل بالنسبة للمناصب العليا في بنى الدولة الأمنية"49. ويعرف الجيش الجزائري دينامية انتقالية جيلية مهمة، فقد عرف في العقد الأخير تغيرات في القيادة العامة، فقد تقاعد أغلب الضباط الذين كانوا على رأسها منذ ثمانينيات القرن الماضي. كما شهد الجيش وصول جيل جديد من الضباط الذين لا ينتمون إلى جيل الثورة وتخرجوا في الأكاديميات العسكرية في الجزائر وخارجها، وعاش أغلبهم الحرب الأهلية الأخيرة في الميدان ولا يُعرف عنهم انخراطهم في نشاط في مجال الأعمال. ويرغب هذا الجيل الجديد في إبعاد الجيش عن المجال السياسي، أو في أحسن الأحوال ألا يكون صاحب دور مباشر في الحياة السياسية، بل أن يهتم أساسًا بتطوير قدراته العسكرية الاحترافية50. ويعرف جهاز المخابرات العسكرية في السنوات الأخيرة إعادة هيكلة وإحالة على التقاعد لمجموعة من أطره القيادية. وكان قرار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بعزل مدير المخابرات العسكرية الفريق محمد مدين، في 2015 بعد 25 سنة على رأس هذا الجهاز القوي، إعلانًا عن تحول جديد في قواعد السلطة على مستوى الجيش، وفي علاقته بالرئاسة، من خلال استبدال جيل الحرس القديم من رجال المخابرات والعسكريين المسيّسين. ولا يوجد نقاش عام مفتوح في الجزائر حول قضايا الفساد في قطاع الدفاع، كما أنّ السلطات العسكرية لا تتواصل مع الرأي العام
ووسائل الإعلام فيما يخص القضايا الحساسة، فضلً عن ذلك فإن منافذ الوصول إلى المعلومات غير مفتوحة، ما يجعل السرية وغياب الشفافية سائدتين في تعامل مؤسسة الجيش مع منظمات المجتمع المدني. ونظرًا للتضييق والتقييد المسلطين على حرية الإعلام والتعبير، فإن دور وسائل الإعلام يبقى محدودًا في الكشف عن قضايا الفساد في الجيش وتناولها51.
المغرب: مخاض الإصلاح الصعب
تتمتع المؤسسة العسكرية بالمغرب بثقل سياسي كبير يرجع بالأساس، ليس فقط لمساهمتها في مختلف تطورات تاريخ الحياة السياسة، بل أيضًا لما تتوفر عليه من مقومات رمزية ومادية وسياسية تجعل منها مؤسسة محورية ضمن الحقل السياسي بالمغرب. وقد كانت المؤسسة العسكرية، بعد حصول المغرب على الاستقلال، أحد الأعمدة التي استندت إليها الملكية لترسيخ أركانها ومواجهة المعارضة السياسية والاضطرابات الاجتماعية.
تتمثّل إحدى خصائص الجيش المغربي بضعف مركزه السياسي في مجال الشأن العام. ومن أهم أسباب هذا الضعف بصفة عامة تبعية الجيش المغربي المطلقة للملك، وما يتمتع به من سلطات واسعة على هذا القطاع52، تسمح له بالتحكم في هذه المؤسسة. ومن جهة أخرى فإن ظاهرة بعد الجيش في المغرب عن الشؤون السياسية جعلت دوره يقتصر على الدفاع عن سيادة البلاد وحماية التراب الوطني. وبعد المحاولتين الانقلابيتين الفاشلتين في السبعينيات، حاولت الدولة إبعاد قادة الجيش عن المجال السياسي وإدامة ولائهم للمؤسسة الملكية53، وذلك عبر نهج أساليب الرفع من أجورهم ومعاشاتهم، ومنحهم امتيازات ريعية مهمة مثل الاستفادة من رخص الصيد في أعالي البحار ومقالع الرمال والضيعات الفلِاحية... إلخ. وتمثّل هذه الامتيازات تجسيدًا لنصيحة الملك الراحل الحسن الثاني لقادة الجيش بالابتعاد عن السياسة والاهتمام بجمع الأموال وبمصالحهم الشخصية54. ولهذا لم تتكون في المغرب طبقة عسكرية نافدة كما هو الشأن في سورية ومصر والعراق والجزائر55. ويعرف الجيش المغربي في السنوات الأخيرة مخاض تغيير صعب وهادئ ومتدرج، خصوصًا بعد حراك 20 شباط/ فبراير وإرساء دستور 2011 الذي نص على إنشاء المجلس الأعلى للأمن الذي ستكون من بين مهماته "مأسسة ضوابط الحوكمة الأمنية الجيدة." وهو ما يعني الشروع في ورش إصلاح مؤسساتي للسياسات الدفاعية والأمنية لتحقيق الشفافية ومزيد من الإصلاحات. وكانت مؤسسة الجيش بالمغرب لمدة طويلة صندوقًا أسود وعلبة بكماء، "حيث كانت مسيجة بالصمت التام فأسرارها لا تتجاوز حدود الثكنات"56، و"يجهل عامة الناس وخاصتهم ما يجري بين ظهرانيها"57. لكن مع بداية الألفية الثالثة، وخصوصًا سنة 2003 58، شهد المغرب استحواذ موضوع الجيش وقضايا الفساد داخله على جانب مهم من النقاش العام، خصوصًا على مستوى الصحافة المستقلة. وبذلك لم يعد الجيش إعلاميًا يصنف ضمن الطابوهات، لتنطلق دينامية قوية مطالبة بتسريع الإصلاحات داخله59. وفي إطار تتبع مؤشرات الفساد داخل الجيش المغربي، يلاحظ غياب آليات للرقابة المؤسساتية على قطاع الدفاع، فلا تنشر تفاصيل ميزانية الدفاع ومخصصاتها، ولا يتم الإعلان عن النسبة المخصصة للبنود السرية في نفقات الدفاع، ولا يتم توفير معلومات دقيقة بخصوص ميزانية الجيش. لكن الحكومة قدمت، في 2013 أمام مجلس النواب في إطار مناقشة مشروع
القانون المالي، بعض تفاصيل ميزانية الدفاع الوطني، ونشرت وسائل الإعلام بعض أرقام ميزانية هذه الوزارة60. وأصبح من تقاليد البرلمان المغربي بغرفتيه أن يتم التصديق على ميزانية الدفاع الوطني بالإجماع من دون مناقشة فعلية أو اقتراحات بتغيير المخصصات أو الأولويات. ولكن لأول مرة في تاريخ البرلمان المغربي سُجل دفاعُ مجموعة من النواب عن ضرورة الزيادة في حجم ميزانية الجيش، وذلك خلال تقديم ميزانية الدفاع الوطني لعام 2015 أمام لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين بالخارج بمجلس النواب. ولقد أكد تقرير مؤشر الفساد الحكومي لعام 2015 أنّ المغرب لا يتوفر على لجنة تشريعية متخصصة في المساءلة والرقابة على سياسات الدفاع والإنفاق داخل الجيش. وفي الواقع، هناك لجنتان برلمانيتان يرد فيهما اسم الدفاع الوطني هما لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين بالخارج بمجلس النواب61 ولجنة الخارجية والحدود والدفاع الوطني والمناطق المغربية المحتلة62، لكنّ دورهما محدود جدًّا في الرقابة على ميزانية الدفاع الوطني. وفي علاقة الجيش بالفساد الاقتصادي، لوحظ أنّ أجهزته لا تمتلك مقاولات تجارية ولا تقوم بأي نشاطات اقتصادية مدرة للربح، ويسمح القانون لأعضاء المؤسسة العسكرية بملكية المنفعة لأعمال تجارية مثل شركات صيد الأسماك في جنوب المغرب وهو أمر سائد بين كبار الضباط63. ولكن نظرًا لما لكبار الضباط من نفوذ، فإنهم استفادوا من الامتيازات الريعية كرخص الصيد البحري في أعالي البحار، ومقالع الرمال، وفوتت لهم العديد من الضيعات الفلاحية، كما استغلوا أملاك الدولة بما فيها أملاك القوات المسلحة الملكية64. وهذا ما سمح بتحول العديد من القادة العسكريين إلى أعمدة اقتصاد الريع ورجال أعمال كبار. وقد تم في بعض الأحيان اتهام بعض كبار الضباط بالفساد والاختلاس65 ولم يُفتح تحقيق رسمي، بل تم إجراء تحقيقات داخلية لم يكشف عن نتائجها، كما لم يتم اتخاذ إجراءات ضد بعض المتهمين بحسب تقرير مؤشر الفساد الحكومي في قطاع الدفاع66. على مستوى تجديد النخبة العسكرية، تشهد هياكل القوات المسلحة في عهد الملك محمد السادس خلخلة للبنية الهرمية الجامدة التي سادت في العهد السابق. وثمة انتقال جيلي صامت يتم عبر عملية تشبيب هادئة، ساهمت في تسريع ترقية عدد من الضباط إلى رتب عالية، بخلاف ما كانت عليه الأمور قبل سنوات حين حافظ عدد من الضباط على مناصبهم على الرغم من وصولهم سن التقاعد، بسبب اقتصار هذه الرتبة على أسماء محدودة، لا تسمح بوجود بديل منها لتحمل المسؤولية في القطاعات التي يغادرونها67. ويلاحظ أنّ المؤسسة الأمنية منفتحة على المجتمع والرأي العام من خلال المشاركة في الندوات أو برامج تلفزية أو إذاعية أو صحافية، والتنسيق مع فعاليات المجتمع المدني في قضايا عدة، خلافًا لمؤسسة الجيش فإن السمة الغالبة عليها هي الانغلاق وعدم تقديمها للمعلومات وغياب التواصل والحوار مع وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني. فهذه المؤسسات لا يتم إشراكها في صياغة السياسات الرامية إلى تعزيز الشفافية، وفي مناقشة السياسات الدفاعية للدولة. وتجدر الإشارة إلى أنّ الحركية الحقوقية التي يعيشها المغرب، جعلت المجتمع المدني يضطلع بدور مهمّ في النقاش حول مشروع قانون خاص بالضمانات الأساسية الممنوحة للعسكريين؛ إذ أثارت الفقرة الأولى من المادة السابعة من المشروع استنكارًا واسعًا من المنظمات الحقوقية والفعاليات المدنية لكون ما جاء فيها قد يتيح للمسؤولين في المؤسسة العسكرية الحصانة والإفلات من العقاب، ما يمثّل خرقًا للدستور المغربي ولالتزامات المغرب الحقوقية الدولية. وعلى إثر تلك الضغوط، تم سحب هذه الفقرة من القانون، كما تم تعديل قانون القضاء العسكري، فقد جرد من اختصاصه في محاكمة المدنيين وحتى العسكريين سيتم إحالتهم على القضاء المدني عند ارتكابهم جرائم الحق العام. ويمكن الحديث عن وجود نقاش عام مفتوح ولكنه محدود حول قضايا قطاع الدفاع، إلا أنه قليلً ما يتم التطرق لقضايا الفساد داخل مؤسسة الجيش.
خاتمة
إنّ تصاعد عدم الاستقرار السياسي، وتزايد منسوب العنف في العالم العربي، يؤديان إلى تصاعد نفوذ العسكريين، وهذا ما يزيد أهمية الرقابة والإصلاح في قطاع الدفاع. لذا، ثمة حاجة ملحة اليوم إلى الشروع في الإصلاح الفعلي لمؤسسات الدفاع، بغية بناء الشفافية داخلها وتعزيز ثقة المواطنين بها. وستكون سياسة إصلاح قطاع الدفاع رهينة الأوضاع السياسية القائمة. وثمة حاجة إلى صياغة مشاريع إصلاحية بأهداف واقعية تراعي القدرات والخصوصيات المحلية من حيث البنى المجتمعية والمؤسساتية والسياسية. ويبدو أنّ إرساء حوكمة ديمقراطية حقيقية داخل الجيوش العربية، وتحقيق إصلاحات حقيقية داخلها، قد يتطلب التدرج والنفس الطويل. أمّا بالنسبة إلى الأنظمة السياسية التي يتوغل فيها الجيش كثيرًا، فقد تكون عملية الإصلاح دقيقة وطويلة الأمد تستغرق سنوات عديدة وتتطلب مجهودًا كبيرًا. ولا يمكن إطلاقًا عزل إصلاح قطاع الدفاع عن العملية الأوسع المتمثلة بالتحول الديمقراطي وتحقيق المصالحة الوطنية. وسيكون لحوكمة القطاعات الأمنية والدفاعية دور حاسم في تغيير الممارسات والعلاقات الاستبدادية السائدة، وإعادة بناء الثقة بين المدنيين والعسكريين وبين الدولة والجيش والمجتمع. ومن ثمّ، يمكن أن يكون هذا الإصلاح عنصرًا أساسيًا في عملية الانتقال الديمقراطي. ولا يمكن أن يتم تعزيز التغيير السياسي الديمقراطي من دون تغيير في المؤسسات الأمنية والعسكرية. لذلك، لا بد من إدماج إصلاح المؤسسة العسكرية في المسار الديمقراطي الانتقالي بصفتها إحدى التشكيلات المؤسسية الفاعلة التي يصعب تجاوزها أو إقصاؤها عن مخاض هذا التحول. يجب ألّ يكون الإصلاح فوقيًا مقتصرًا على تغيير البنى القانونية والمؤسساتية، بل لا بد أن يترافق أيضًا مع إصلاحات مؤسساتية في قطاعات أخرى كالأمن وأجهزة الاستخبارات والقضاء وهيئات مكافحة الفساد من جهة، كما يجب فتح نقاش عام واسع يتم فيه إشراك المجتمع المدني والأحزاب السياسية ووسائل الإعلام لبناء التوافق حول الإصلاح ولتوليد الضغوط اللازمة حتى يستجيب العسكريون لدعوات الإصلاح ويستشعروا أهميته للمؤسسة ذاتها ولمصلحة الوطن من جهة أخرى. وتبين الدراسة المقارنة لانتشار الفساد وسط الجيوش العربية ضعفًا شديدًا لآليات الرقابة والشفافية، وغيابًا للتواصل مع الرأي العام والمجتمع المدني، وهو ما يزيد تعزيز اللامساءلة، ويقوض أسس المهنية والمأسسة داخل الجيش. لكن في المقابل، تعيش جيوش عربية عديدة ديناميات واختراقات، بفعل التحولات الضاغطة التي تعيشها المنطقة، ومطالب المجتمعات العربية بإرساء مزيد من المساءلة لكل مؤسسات الدولة. وهذا قمين بأن يفرز على المدى المتوسط تحولات إيجابية نحو مزيد من الشفافية والحوكمة داخل الجيوش في العالم العربي.
المراجع
العربية
"الجزائر: ترقُّب حذر." تقدير موقف. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013/6/17، في: http://bit.ly/2hN1w6u رشدي، داليا. "هيكلة الخطر: قراءة في احتمالات انتشار الدويلات الجهادية وانهيارها." السياسة الدولية. العدد 203 (كانون الثاني/ يناير.)2016 السعدي، بهاء الدين. "الرقابة البرلمانية على أداء الأجهزة الأمنية." سلسلة التقارير القانونية 6(.) الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن، في: http://bit.ly/2igTWEu صايغ، يزيد. "فوق الدولة: جمهورية الضباط في مصر." مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 1 آب/ أغسطس 2012، في: http://ceip.org/2iDLujm ____.___ "العلاقات المدنية – العسكرية في الشرق الأوسط." السياسة الدولية. العدد 186 (تشرين الأول/ أكتوبر )2011، الصديقي، سعيد. "تطور الجيش المغربي: عهدان ونهج واحد." مركز الجزيرة للدراسات، 2015/3/23، في: http://bit.ly/2hvXByL العطري، عبد الرحيم. "الممارسات الاحتجاجية في العلبة البكماء." وجهة نظر. العدد مجلة 35 (شتاء.)2008 غريوال، شاران. "ثورة هادئة: الجيش التونسي بعد بن علي." مركز كارنيغي للشرق الأوسط 24(شباط/ فبراير 2016:)، في http://ceip.org/2igHgxp
قاسي، فوزية وعربي بومدين. "العلاقة بين الجيش والسلطة السياسية سياسات عربية في الجزائر.". العدد 19 (مارس.)2016 مجدوبي، حسين. "الانتقال الصامت وسط الجيش." مجلة وجهة نظر. العدد 35 (شتاء.)2008 منظمة الشفافية الدولية، "حول المؤشر الحكومي لمكافحة الفساد في قطاع الدفاع." النتائج الإقليمية: الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. 2015، في: http://bit.ly/2iDFxi5 ولد داداه، أحمد وآخرون. الجيش والسياسة والسلطة في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2002 ويري، فريدريك وأرييل أ. آرام. "ترويض الميليشيات: بناء الحرس الوطني في الدول العربية المتصدِّعة." مؤسسة كارنيغي للشرق الأوسط، 2015/5/7، في: http://ceip.org/2itcSfI اليحياوي، يحيى. "هل المؤسسة العسكرية بالمغرب...مقدسة؟." مجلة وجهة نظر. العدد 35 (شتاء.)2008
الأجنبية
Born, Hans & Hanggi Heiner. " The Use of Force under International Auspices: Strenghtening Parliamentary Accountability." Genève, DCAF, Policy Paper , no. 7
Born, Hans, Philipp Fluri & Simon Lunn. "Contrôle et Orientation: La Pertinence du Contrôle Parlementaire pour le secteur de la sécurité." Centre pour le contrôle démocratique des forces armées (DCAF), Genève, 2014. Chenntouf, Tayeb. L'Algérie face à la mondialisation. Dakar: CODESRIA, 2008. Cordesman, Anthony H. A Tragedy of Arms: Military and Security Developments in the Maghreb. Westport: Greenwood Press, 2001. Forster Anthony. Armed Forces and Society in Europe. Basingstoke: Palgrave, 2006. Born, Hans, Karl Haltiner & Marjan Malesic (eds.). Renaissance of Democratic Control of Armed Forces in Contemporary Societies. Baden-Baden: Nomos, 2004. Harding, Henry. "L'empire militaro-économique égyptien." Middle East Eye (avril 6, 2016), at : http://bit.ly/2igDrbA Huntington, Samuel. The Soldier and the State: The Theory and Politics of Civil-Military Relations. New York: Belknap Press, 1957. Irondelle, Bastien & Olivier Rozenberg. "Évolution du contrôle parlementaire des forces armées en Europe." Etudes de l'Institut de recherche stratégique de l'école militaire (ERSEM), no. 22 (2012). Janowitz, Morris. The Professional Soldier: A Social and Political Portrait. New York: Free Press, 1960. Organisation pour la sécurité et la coopération en Europe. "Code de conduite relatif aux aspects politico – militaire de la sécurité." Série Programme d'action immédiate, No. 7 (décembre 3, 1994), at: http://bit.ly/2hoCTk4 Sayigh, Yezid. "Agencies of Coercion: Armies and Internal Security Forces," International Journal of Middle East Studies , vol. 43, no. 3 (2011). Transparency International UK, "Government Defence Anti-Corruption Index 2013." at : http://bit.ly/2hede9a Transparency International, "Government Defence Anti- Corruption Index 2015." at: http://bit.ly/2iDDHxG