ما السياسة؟

Kamel Terchi كمال طيرشي |

عنوان الكتاب في لغته: What is Politics? عنوان الكتاب: ما السياسة؟ المؤلف: حنة أرندت Hannah Arnedt المترجم: زهير الخويلدي. سنة النشر:.2014 الناشر: منشورات ضفاف، ومنشورات الاختلاف، ودار الأمان. عدد الصفحات: 136

What is Politics?

تقديم

أن نفكر اليوم، وعلى نحو غير بعيد من راهننا الأكسيولوجي الكوني، يعني أنّ علينا أن نتحرى التأصيل الأنثروبولوجي في مسألة علاقة السياسي باليومي، وما هو الأساس الراهن في الطبيعة الإنسانية. لقد جعل هذا الأمر جُلَّ الباحثين يرون ظاهرة السياسة والتنوير بوصفها ص ورررةً للجنس البشري تجاه الاندماج في الآخر الكوني، والترابط الأخلاقي للقوانين، وتكريس الحرية لممارسة النشاط الإنتاجي، ضمن نسق الذات والتعدد؛ فالإنسان خلق على صورة الله في الأرض، بحسب رؤية المفكر الياباني توشي هيكو إيزوتسو. وبناءً عليه، يستثير ذلك ما هو أعمق في فضاء الأرض لإحقاق مدينة الله المثالية، لإسعاد الإنسان، وتنمية ما يسمى "التشارك الحضوري" للذوات البعيدة والقريبة؛ فالحرية مكفولة للجميع في مجال الاعتقاد السياسي. تعالج حنة أرندت موضوعًا قيّمً؛ إذ ندرك توغل السياسي في اليومي، وهو جليٌّ في سيطرة الأنظمة السياسية والدساتير والقوانين على حياة البشر. وفي هذا نجد المجتمع المدني والديمقراطي بحسب أرندت، يسعى لتوضيح بعض المفاهيم، وخصوصًا المعنى الذي تنفرد به السياسة. "ما السياسة؟" سؤال، على الرغم من وضوحه الاستشرافي، يحمل دلالات لا بد من الخوض فيها، وخصوصًا ما يتعلق بالحكم المسبق، وتجذر التاريخ في توصيف السياسي لدى أفلاطون وأرسطو؛ فللإنسانية النصيب الأوفر من محاولة تغيير العالم وحركته الفكرية المشرعنة لما هو راهن. جاء كتاب أرندت هذا بصيغة سياسية معبرة عن الفضاء السياسي وراهنيته، أمام الإنتاج الاجتماعي للإنسان، تجمع الكاتبة فيه قوة أسلوبها التحليلي، وقدرتها على التقديم والشرح، وهي التي تكشف لنا عن مشروع جديد للتفكير في السياسي الذي أصبح واقعًا وشعورًا مشخصنًا. إذًا، لا بد من تنظيم الحياة التعددية الفردية والجماعية. تتصدر كتابَ أرندت مجموعةٌ من العناوين الواضحة، قسمتها إلى شذرات معرفية، استهلت بها الفصل الأول: "مقدمة عامة عن الفلسفة"، فارتأت أن توضح فيها العلاقة بين الأحكام المسبقة والفضاء السياسي والحكم نفسه، لتطرح في مقدمتها لاحقًا إشكاليةً عنونتها على النحو الآتي: "ألا يزال للسياسة في النهاية معنى؟"، لتجيب عنها فيما بعد بنص صريح. ثم يأتي القسم الثاني من الكتاب وتتناول فيه أهداف الأنظمة الشمولية، لتعنونه ب "سؤال الحرب" الذي تستخدمه المؤسسات لنشر الرعب والعنف والإثارة لدى شعوب العالم. وقبل أن تختم مؤلفها، تعيد سؤال البحث عن معنى السياسة، لتنهيه بفصل لخاتمة ممكنة، تستبين فيها قراءة خصوصية الواحات والصحراء التي تكمن في ذواتنا قبل وجودها في واقعنا.

ما السياسة؟

تُبنى السياسة، بحسب أرندت، على واقع التعددية الإنسانية؛ فإذا كانت الفلسفة والثيولوجيا (علم الأديان) ينمّيان أمل الإنسان في تحقيق الاجتماع الكوسموسياسي، فإنّ من الضرورة أن تكون هناك علاقة بين الفلسفة والسياسة؛ ذلك أنّ أرسطو نظّر أنّ الإنسان حيوان سياسي بامتياز. ولذلك، قسّمته أرندت إلى نطاقين؛ الحيوان السياسي، وهو تمثل جوهري في ذات الإنسان، والتمثل التوحيدي للإله، وفيه يتمثل الإنسان في صورة الإله الواحد المنفرد، من أجل استخلافه على الأرض. إنّ هذا يجعل أرندت تكشف لنا القيمة الكونية والخالدة لإله كامل الحضرة والمعالم، وغاية وجود الإنسان في مطلق العلاقة بينه وبين الطبيعة، وهو الدال على وجود حضور التاريخي في السياسي؛ فمهما كانت محاولة الغرب من قولهم باستحالة تمثّل السياسة داخل الأسطورة، فإنّها لا تكاد تغادر أرموزة هوميروس؛ فاستلاب التاريخ للإنسان علاقة متوارثة من الماضي، ومهمة السياسي هي التأثيل لعالم الحقيقة وشفافية الخلق الإلهي.

النشأة التاريخية للسياسي في ظل الأحكام المسبقة

إنّ المنحى الذي أخذته أرندت عن نشأة السياسي، هو تتويج الواقع لما يسمى بالأحكام المسبقة التي أصبحت لا تكاد تغادر أي فكرة تناقش السياسي. وتعدّ أرندت الأحكامَ المسبقة أحكامًا مضادة للسياسة، ويمكن أن تكون مصدرًا لنهايتها. وهنا يكون الإنسان أمام ديالكتيك بيروقراطي، يمثّله غياب فهم السياسي للإنسان، ليصبح البشر من ثمّ عبيدًا لا أكثر، لهذه الأحكام. وترى أرندت أنّ مثل هذا المجتمع هو مجتمع غارق في مركزية العالم المستهلك الذي يكون في الأصل عالمًا مخيفًا، لا يعيش فيه سوى العقل الستاتيكي الثابت. وهنا، تصبح الأحكام المسبقة سلطةً في حد ذاتها. وهذه الحالة الافتراضية في الأصل تقبع في التكرار والمفاهيم الخاطئة التي تنبثق من خلالها المشكلات السياسية. إنّ الحديث عن السياسي هو حديث عن الأحكام المسبقة التي تنتجها الجماعة التاريخية في المجال التداولي. وعلى السياسي أن يهدمها، ليحقق درجة اليقظة والانفتاح على العالم، وحتى لا يتحول المجتمع إلى لعبة نرد.

ما نتبينه إذًا، أنّ الأحكام المسبقة هي خضوع للذات، من دون الرجوع إلى مصادر موثقة وصادقة في الأصل، وهي غير قابلة للبرهنة في كثير من الأحيان، وتبقى تجربةً ذاتيةً لا تفي بالغرض، وتبدو كأنّها ملكية تلزم أفرادًا معينين دون آخرين، ومن ثم، فهي تحمل جزءًا مبتورًا من التاريخ والماضي. وانطلاقًا من هذا التصور، كان السؤال الأهم والراهن هو الإنسان نفسه بخلاف العالم. لكن في مقابل ذلك، بحسب أرندت، سنجد السؤال في السياسة دومًا سؤالً قلقًا، ويحمل همًّ إزاء العالم لا الإنسان. وهذا يحقق انطلاقةً فريدةً من نوعها يمكن أن تمثّل التجانس في المجال السياسي. وترى أنّ هذا يمكن أن يكون بديل لأن يفكر الإنسان بصورة أفضل؛ إذ ينتقل من فضاء يومي فردي مشخصن إلى فضاء عمومي سياسي، تسميه "بيبلكوسياسي"؛ إذ تفهم الحقائق بطريقة التشيؤ، فيقدم الإنسان نفسه على أنه شيء، يحاول التعايش مع الأشياء الخارجية من أجل تغيير جوهر الإنسان، قبل أن نغيّ العالم. ولا بد في ذلك من حضور الفعل الذي يعني الحركة. وهنا، تبدو الباحثة متأثرةً نوعًا ما بمبادئ النظرية الظواهرية.

البحث عن معنى السياسة والتجذر الأنطولوجي للآخر فيها

لنا أن نقول، بحسب أرندت، إنّ الإنسان لا يعيش منفردًا بل معتمدًا على الآخر، ولا يستطيع ذلك إلا من كان وحشًا أو إلهًا، وأدرك زعماء النزعة الشمولية أنّ ممارسة السياسة سواء في منحاها التنظيري أو الممارساتي هي وسيلة ناجعة لتلبية متطلبات المجتمع، لهذا عمل هؤلاء على تجزئة البنية الاجتماعية، فانجرّ عن ذلك شرخ سوسيولوجي كبير وعزلة بين أفراد الجماعة الواحدة، بحكم أن مطمح النزعة الشمولية يكمن في استئصال الإنسان من مجتمعه وجعله يعيش خواءً روحيًا كما أبعدته عن كل ما هو مقدس في حياته. ويمكن عدّ الحريات التي ضمنتها الديمقراطية بنيت على قاعدة بحيث يتساوى فيها الجميع، ولكن على الرغم من ذلك فإنّه لا يبقى لها أي معنى ما لم ينتمِ مواطنوها إلى مجتمعات ترعاهم، لكن حالة الازدراء هذه والتوجه الحيادي السياسي جعلا أرندت تستفهم: "ألا يزال للسياسة معنى؟." فتجيب عن ذلك بأنّها ضرورة لا يمكن نفيها من حياة البشر؛ ويعود هذا السؤال إلى أفلاطون، ويمكن أيضًا أن يكون لبارمينيديس. بناءً عليه، يتضح لأرندت أنّ السياسة لم ندركها نحن بل هي ضرورة قهرية للحياة الإنسانية، سواء تعلق الأمر بالوجود الفردي أو الجماعي، وهذا ما يمثّل أنطولوجية صراع الكل ضد الكل، بحسب التوجه الهوبزي. إذًا، لا بد من تمثّل الجميع للحياة في الفضاء العمومي، وإلّ فلا تكون الحياة المشتركة ممكنة،ً فالسياسة موجودة في كل مكان وجدت فيه بالمعنى التاريخي، وهذا ما نستمدّه من التحديد الأرسطي للإنسان بوصفه كائنًا سياسيًا، فكلمة بوليتكن Bolitikon تعني، في الأساس، صفة تميز تنظيم المدينة أو "البوليس"، لكن تشترط أرندت ليعيش الإنسان في "البوليس" (المدنية) أن يكون حرًا. وهذا التحرر يستند، في النظر إلى اقتصاد العبيد القائم على العنف، إلى الاضطلاع بمهمّ ت الحياة اليومية، بخلاف كل أشكال الاستغلال الرأسمالي، فإذا أخذنا المعنى اليوناني بفهم السياسي بوصفه تمركزًا حول الحرية، نجد أنّ الكل يحظى بالحقوق الشرعية نفسها في النشاط السياسي، ومن الأفضل أن يتألف هذا النشاط من النقاش داخل المدنية (الدولة.)

تستخدم أرندت المعنى اليوناني للتشارك الجماعي من أجل تحقيق الرخاء والازدهار على المستوى المادي لدى الدولة، على الرغم مما يطلق عليها من أنّها "تمركز المستبد المستنير"؛ فالسياسة عند العالم الحديث ليست ضروريةً، لا بالمعنى القاهر للحاجة في الطبيعة الإنسانية، مثل أشكال الجوع والحب والفناء، ولا بمعنى المؤسسة التي لا يمكن الاستغناء عنها للمجتمع الإنساني، فالسياسة عندهم مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالاستبداد، وهو من أسوأ أشكال أنظمة الحكم، والأكثر معاداةً للسياسة نفسها، فالمفهوم الحديث للتاريخ والأحداث السياسية والفعل السياسي ضاع في الحدث التاريخي. إنّ محاولة القضاء على الحرية أفضت إلى عنفٍ مضاد للسلطة، بحكم أنّ الحرية في مفهومها العميق تعني المقدرة على الفعل والتأثير، كما أنّ النموذج الذي تقدّمه لنا الديمقراطيات الحديثة يبدو كأنّه سلطة مفرغة من أيّ هوية سياسية بحسب أرندت. نحن لا نستطيع التغلغل في الفضاء العمومي والفضاء السياسي إلا إذا ابتعدنا من وجودنا الخاص، ومن محيطنا العائلي، من أجل التشارك

والتمكن من الحرية؛ فرؤية العالم لا بد من أن تكون تجريبية،ً كما هي في الواقع. ولحصول ذلك، لا بد من إدراك العالم بوصفه شيئًا مشتركًا بين العديد، حيث يكون هناك نوع من حرية اللقاء مع الآخر، وممارسة تجربة الكثرة التي تمثل في كل مرة كلية العالم، ضمن مضمون المدنية لتحافظ على السياسة، فالحرية لا بد من أن تفهم على نحو سياسي. وبناءً عليه، تعيّ تحرير السياسة من منطلق ضروري للحرية، فالفضاء العائلي وهمٌ حياتي لا يمكن أن يكون ممكنًا في دولة "البوليس"، لكن حتى السياسة بحسب أرندت في حاجة إلى الكنيسة والدين، لأنّ الكنيسة يجب ألّ تضطهد أي إنسان بسبب عقيدته، فالحرية مكفولة للجميع، وعلى الإنسان أن يؤمن بها، وعلى الدولة ألّ تجبر أفرادها على الدخول في حرب معينة، بل تضمن لهم حرية الاختيار، مع مراعاة عدم التعصب لجماعة دون أخرى، بل تضمن لهم حرية الاختيار، فالدولة والكنيسة يجب أن تعملا معًا لأجل سعادة الإنسان، وذلك بتحميل عبء السياسة. وبحسب القديس أوغسطين، تحدث حياة القديسين داخل مجتمع يعرّفها بمؤسسة "دولة الألوهية." وحياة البشر كذلك محددة بشروط سياسية لا بد من تمثّلها، لكن هذا الفضاء، بحسب أرندت، خاص بالقديسين، يتميز بنوع من الغموض ويسمى ب "الهروب المسيحي داخل مناطق الظل." إنّ التصور الحديث للسياسة اكتسب وظيفةً مجتمعيةً، وهي الشرط الضروري للحرية الاجتماعية والتشارك في البناء على الصعيدين العملي والنظري، ولأجل خلق فضاء الدولة، كان لا بد من ضرورة وجود الحرية في الدولة، بقدر ما عليها حيازة وسائل العنف، فالسياسة وسيلة لها والحرية غايتها. كان الفضاء العمومي السياسي اليوناني فضاءً مشتركًا، يضم أفرادًا يحاولون اكتساب القدرة على رؤية الأشياء واقعيًا من جوانب متعددة؛ فإذا كانت العلاقة السياسية الحقيقية بين المواطنين داخل البوليس، بحسب أرندت، فهي تفترض شكلً من الحرية، لا بد أن يتميز الإنسان السياسي فيها بالمساواة؛ ذلك أنّه اختار أن يجتمع داخل مؤسسة كبيرة أعلنت التزام الجميع. ترى أرندت أنّ الأحداث التاريخية لحرب طروادة تثير كل أسباب العلاقات السياسية والاجتماعية، وصولً إلى الأنظمة الشمولية؛ إذ يستمر الإنسان والإله في الإصرار على تبنّي السلطة، وربما تحقق هذه السلطة خطرًا أكبر حتمً، يتجاوز الفعل الإنساني الحر إلى التسلط؛ ما يجعلها في النهاية ترقى إلى صراع ربما يعيد السياسة إلى البداية الأولى. وهذا ما جعل المؤلفة تعيد طرح سؤال "ألا يزال للسياسة معنى؟."

سؤال الحرب وشموليته

تستلزم الحرب وجود أطراف نزاع، تجري تسوية الصراع الناشئ بينها بوسائل العنف. وإذا جعل الإنسانُ الطبيعةَ طرفَ نزاع، فإنه سيسلط عنفَه عليها أولً، وسيستعمل التكنولوجيا التي هي نتاج البشرية، بوصفها ملكةَ تدمير. الحرب، إذًا، حرب شاملة تتجذر في الأنظمة الشمولية. من هنا، تكون حرب الإبادة هي الوحيدة التي تتوافق مع النسق الشمولي، وهي لا تنشأ إلا بقوة إمبريالية.

غالبًا ما يحضر التفكير في السياسة على أنّها عامل أساسي في المصير الشخصي، وخصوصًا البشر الموجودين على الأرض، ولا سيمّا إذا اقترنت بما هو كائن في الواقع "الحرب" التي قد تسعى لتحويل العالم إلى صحراء والأرض إلى مادة جامدة غير حية، بسبب ما تلحقه بهم من كوارث؛ إذ توضع الثورة والحرب تحت مظلة العنف المشترك، لأن التجارب التي يعيشها الأفراد هي حروب وكوارث. إذًا، يسري العالم في حلقة العنف. وهنا يمكن أن يتماثل الفعل السياسي مع الفعل العنيف بصفة مطلقة وخيمة. بناءً عليه، يشترط معنى السياسي تحقق العيش المشترك والفعل المشترك، وأن يجبر الإنسان على الحرية. ومن هنا، يمكن التحقيق في فعلَ العنف والسياسة بوصفهما غايةً وسببًا، فالعنف في الواقع هو السلام، ومحاولة محاكمة أفعال الإنسان الفردية هي بمنزلة حضور السياسي في العنيف. وهنا، يمكننا فهم الفعل السياسي تحت مقولات الإكراه والكائن، والهيمنة والكائن المهيمن. فالحرب ليست غير تقرير السلبية ومواصلتها بوسائل الغرب، لتكون الحرب بذلك أمرًا ممكنًا لا بد منه، وشرًّا لا مفر منه. لذا، يجب المحافظة على السياسة داخل مقولاتها وحدودها، وهذا ما نجده في الأنظمة الشمولية التي تعدّ غزو العالم أو الهيمنة عليه هدفًا وليس سلامًا.

نقد الكتاب

استطاعت أرندت أن تضبط مفهوم الإنسان والسياسة، لكن يعاني النص في داخله شيئًا من الانفلات، بالتركيز على البشر ومشكلات الإنسان أكثر من السياسة نفسها التي تتضمن هدف الكتاب. إنّ معنى السياسي يبنى على واقع التعددية الإنسانية كما أكدت أرندت. غير أنّ خطابها لم يبين ذلك بطريقة صريحة؛ ما جعلها تنزلق نحو منعرجات الأنظمة، من دون توسع أو شرح لهذا التعدد كيف يكون في ظل تعدد الأنظمة السياسية في العصر الحديث؛ فنجدها قد استخدمت الرؤية التاريخية فقط في مقاربة بين البنية السياسية الرومانية واليونانية لمعالجة إشكالاتها المعرفية. إنّ التفكير الشذري لأرندت عمومًا هو تفكير جلّ الفلاسفة الألمان الذين يبحثون في أعماق الإنسان بوصفه مشروع العالم، وهذا ما يجعلها تتبنى عدميةً أخرى غير معلن عنها. بناءً عليه، لا يستطيع قارئ النص أن يفهم الخطاب إلّ إذا قام بقراءته عدة مرات. إنّ السمة السياسية لنص أرندت كانت بصبغة إشكالات مفاهيمية وأسئلة، أحيانًا تجد لها أجوبةً في نطاق أحادي معين، لكن نجد في نهاية المطاف أنّها لم ترض بالإجابة الأولى، فتعود مرةً أخرى إلى تكرار طرحها، واستبدال جواب بجواب آخر؛ ما يجعل النص مفتوحًا، يضفي على خطابها نوعًا من التمرد السياسي النضالي، ويمكن أن يخلق نوعًا من التوتر والتوجس أثناء قراءته. معنى السياسة مشروع غير مكتمل عند أرندت. ولذلك، تركت المجال مفتوحًا لآفاق البحث في السياسة، ودفع الإنسان إلى الخروج من الحياة الخاصة والولوج في واقع الفضاء العمومي، بما يمكن من استبيان أنماط الفعل البشري أمام العالم. إنّ الحلول التي قدمتها من أجل تبنّي فهم المعنى الحقيقي للسياسة غير كامنة في توصيفها بالمعنى البعيد؛ إذ نجد في هذا الكتاب جوانب مبتورة، كان يمكن أن نجد تحليلً أعمق لها لدى فلاسفة مدرسة فرانكفورت. نادت أرندت بالتعددية الإنسانية. لكن التعددية التي تكلمت عنها في هذا الكتاب لم تمتد كثيرًا إلى دراسة المجتمعات العالمية، بقدر ما نجدها ركّزت فقط على المجتمعات الأحادية التي تمركزت في أوروبا، أو الغرب عمومًا. وعلى الرغم من الفشل الذي تعيشه الشعوب في ميدان السياسة، فإنّ أرندت استطاعت أن ترى كل ذلك في ما يسمى "البحث عن سبل أخرى لمعالجة الصحراء" التي تقبع في الذات البشرية، وإحقاق نوع من الوعي بوصف الإنسان مجتمعًا متعددًا، يستحق أن يسكن العالم حرًا أينما ذهب. وهذا خلاف ما تراه الرؤى الأيديولوجية والأنظمة الشمولية. إنّ مشروع أرندت في مؤلفها هذا "ما السياسة؟" يبنى على القول بأنّ ما تقدّمه لنا الشمولية يقصي كل المقولات السياسية وما تحمله من بعدٍ قيمي أخلاقي، وعلى الرغم من الطابع الأيديولوجي لهذه الأنظمة، فإنّها في النهاية تستقيم على هدف واحد يجمعها، ألا وهو الشمولية؛ إذ يسعى منطوقهم إلى السيطرة على كل ما في المجتمع من دون استثناء. لهذا، كان لا بد من القول إنّ السياسة في النهاية ترتكز على التعددية الإنسانية، وهذا ما أكدته الرؤية التاريخية والواقع التجريبي لشعوب العالم.