الأنظمة الهجينة في المشرق العربي ودورها في تحويل الخلافات السياسية إلى صراع هويات

Belal M Shobaki بلال الشوبكي |

الملخّص

تسهم الأنظمة الهجينة في تكوين بيئة محف زة لتحويل الخلافات السياسية إلى صراع هويات؛ ففي هذه الأنظمة لا يكون هناك حسم لمصلحة جهة ما، بمعنى غياب الاستبداد الكامل الذي يمنع وجود أي شكل من أشكال التنافس أو الخ فاا أو الصراع، وفي الوقت نفسه لا توجد ديمقراطية كاملة تسمح بوجود تنافس ديمقراطي وفق ا لأسس التعددية والتداول السلمي للسلطة المكفول بالقوانين. لذلك، فإنّ بيئة الأنظمة الهجينة هذه فيها بعض مظاهر الديمقراطية وكثير من مظاهر الاستبداد. وبناءً عليه، فإنّ التنافس السياسي عادة ما يبدأ خلاف ا في وجهات النظر والمنطلقات الفكرية لينتهي إلى صراع هويات يؤدي إلى تفكيك المجتمع. كلمات مفتاحية: الأنظمة الهجينة، التسلطية، صراع الهويات، المشرق العربي. This paper argues that hybrid regimes help to create an environment that encourages the transformation of political disputes into identity conflicts. In such regimes, there is no resolution to the advantage of a particular party, since there is neither full authoritarianism that prevents the existence of any form of competition, rivalry, or conflict, or full democracy that permits the existence of democratic competition according to principles of pluralism, the peaceful transfer of power, and legal guarantees. In the environment of these hybrid regimes there are some features of democracy and many features of authoritarianism, and so political competition usually begins as a dispute over points of view and intellectual assumptions and ends up as an identity conflict leading to the dissociation of society. Keywords: Hybrid Regimes, Authoritarianism, Identity Conflict, Arab Mashreq.

Hybrid Regimes in the Arab Mashreq and their Role in Turning Political Disputes into Identity Conflicts

مقدمة

منذ منتصف القرن الماضي شهدت دول العالم تناميًا في الاهتمام بالتحوّل الديمقراطي. وقد نجح كثير من الشعوب في الانتقال بدوله من بيئة استبدادية إلى بيئة ديمقراطية كاملة. بينما شهدت دول أخرى تحولّاتٍ جزئيةً على طريق الديمقراطية الكاملة. وفي ظل الانفتاح على هذا الحراك العالمي، لا تبدو الدول العربية قادرةً على تجاهل إرادة الشعوب وبدأت في الإيحاء بأنّها تسير بما ينسجم مع هذا الحراك. وقد تسرّع كثير من المراقبين في عدّ الأنظمة العربية أو بعضها تعمل حقًا على التحوّل الديمقراطي. لكن في حقيقة الأمر، لم تقم هذه الأنظمة بأكثر من عملية تحديث للاستبداد، وذلك من خلال إطلاق بعض الحريات والسماح بإجراء انتخابات، مع الإبقاء على كثير من مظاهر الاستبداد.

في ظل هذه الحالة، لجأ البعض إلى تقويم الوضع العربي على أنّه وضع انتقالي بين الاستبداد والديمقراطية. إلا أنّ التحقيق في ما يجري عربيًا يعطي مؤشراتٍ واضحةً على أنّ ما جرى على يد الأنظمة العربية لا يمكن عدّه جزءًا من عملية تحوّل ديمقراطي، فهو يفتقر إلى الشمولية والاستمرارية. في هذه الدراسة، سيتم اعتماد مصطلح "الأنظمة الهجينة" لتوصيف أنظمة في منطقة المشرق العربي الكبير. وهو مصطلح بدأ في الانتشار مؤخرًا على الرغم من قدمه النسبي في أوساط الباحثين في العلوم السياسية. ويشير هذا التصنيف إلى أنّ الأنظمة الهجينة هي تلك التي ربما تسمح بالعديد من مظاهر الديمقراطية بما فيها الانتخابات، بما يحسّن شكل النظام السياسي من دون أن يُفضي إلى ديمقراطية كاملة. تأسيسًا على ذلك، فإنّ هذه الدراسة تفترض أنّ تلك الأنظمة الهجينة تساهم في تكوين بيئة محفّزة لتحويل الخلافات السياسية إلى صراع هويات؛ ففي هذه الأنظمة لا يكون هناك حسم لمصلحة جهة ما، بمعنى غياب الاستبداد الكامل الذي يمنع وجود أيّ شكل من أشكال التنافس أو الخلاف أو الصراع، وفي الوقت نفسه لا توجد ديمقراطية كاملة تسمح بوجود تنافس ديمقراطي وفقًا لأسس التعددية والتداول السلمي للسلطة المكفول بالقوانين. لذلك، فإنّ بيئة الأنظمة الهجينة هذه فيها بعض مظاهر الديمقراطية وكثير من مظاهر الاستبداد. وبناءً عليه، فإنّ التنافس السياسي عادةً ما يبدأ خلافًا في وجهات النظر والمنطلقات الفكرية لينتهي إلى صراع هويات يؤدي إلى تفكيك المجتمع؛ إذ ربما تسمح هذه الأنظمة بحرية الرأي وحرية تشكيل الجماعات السياسية والمشاركة الشكلية في السلطة وخصوصًا التشريعية، لكن حين تزداد شعبية هذه الجماعات فإنّ مسار العمل السياسي يبدأ في الانحراف عن السكّة الديمقراطية نحو مسارات أخرى تدّعي الديمقراطية في خطابها لكنّها استبدادية المضمون والسلوك. تهدف الدراسة إلى أن تقدّم طرحًا نظريًا مغايرًا لتفسير حالة التفكيك المتراكم في الم قرر العربي، وكيفية تحوّل التباينات السياسية الوطنية إلى انشطارات تولّد كيانات (ما دون الدولة)، لكنّها عابرة الحدود القطرية، وبهويات متناقضة. حتّى يتسنّى هذا التفسير، فإنّ الدراسة تقدّم نقاشًا مفاهيميًا لمصطلح النظام الهجين. كما تقدم قراءةً في أهم ملامحه ومبررات استخدامه (في الدراسة) اعتمادًا على التأصيل المفاهيمي والنظري. وهو مدخل مفاهيمي تستدعيه الحاجة إلى التمييز بين الأنظمة الديمقراطية الكاملة والناقصة أو الانتقالية والهجينة والاستبدادية. تكمن أهمية استدعاء مصطلح الأنظمة الهجينة في قدرته على الانتقال في بحث ظاهرة صناعة الأقليات أو حالة التفكّك العربي من مرحلة البحث الأولي الذي يشمل متغيرًا مستقلً وتابعًا إلى مرحلة البحث في علاقة دائرية مركبة. وربما يساعد في تفسير استمرار الانشطارات العربية على شكل دوائر تضيق وتتسع وتتداخل مع كل جولة صراع بين المتباينات السياسية. تتخذ منهجية التحليل من منطق تحليل النظم لديفيد إيستون أساسًا لها، على أن تحوي الدراسة تطويرًا لنموذج التحليل بما يتجاوز النموذج الأولي لتحليل الأنظمة السياسية وبما يخدم أهدافها. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه الدراسة ليست سوى مدخل بحثي لتفكيك المتغيرات وتحليل العلاقة بينها، وهي بذلك لا تدّعي الإجابة عن جميع التساؤلات المطروحة بهذا الشأن، وإنما المساهمة في بناء أساس نظري يمهّد للبحث في تغيير خواصّ الخلافات السياسية في ظل الأنظمة الهجينة وتحويلها إلى صراع هويّات.

النظام الهجين: مدخل منهجي ونظري للتحليل

تقدّم الدراسة مدخلً بديلً أو ربما معدّلً لتفسير استمرارية التقسيم في منطقة المشرق العربي. ففي العقود القليلة الماضية ساد لدى العربي اعتقاد مفاده أنّ التفكيك الحاصل في المجتمعات العربية هو حصيلة لجهد حثيث تبذله قوى دولية من أجل ضمان ضعف الأمة العربية. وتتمثل خطورة هذا التحليل بإحالة المسؤولية بالكامل على قوى خارجية صُوّرت بأشكال عدّة على أنّها غير قابلة للمواجهة أو التحدّي، ما يجعل من تمزيق الوطن العربي كاملً إلى أشلاء في نظر كثيرين قدرًا محتومًا. وتتمثل خطورة هذا التحليل أيضًا بعدم استيعابه حركة الشعوب ورغبتها في نيل الحرية؛ بحيث وصل الأمر بمن اعتمد هذه المسلمة ليبني عليها تحليلاته إلى أن يعلن مرارًا أنّ ما جرى في السنوات الأخيرة من تحرّك شعبي عربي ضد الاستبداد ليس إلّ جزءًا من مخطط غربي مرسوم بدقة. وهذا التحليل قاصر من جهة، لأنّه لم يبن على معلومات وإنما على انطباعات، ومتواطئ من جهة أخرى لكونه يصنع حاجزًا نفسيًا بين إرادة الشعوب وأهدافها؛ بحيث يظنّ البعض أن تحرّكهم ضد السلطوية والاستبداد هو قبولهم بأن يكونوا أدواتٍ لمخططات غربية، حتى إنّ هذا التحليل قد لقي استحسان الأنظمة المستهدفة والمنتفعين منها، لكونه يُظهر سياساتها القمعية ضد شعوبها دفاعًا مشروعًا ضد التدخل الأجنبي. من خلال اعتمادها منهجية النظم في تحليل الانقسامات العربية، تقدّم الدراسة بديلً لما يُعرف بنظرية المؤامرة. وهنا، فإنّ هذا التحليل لا يتجاهل دور القوى الدولية في ما يجري عربيًا، ولا يعفي بعض تلك القوى من المسؤولية، بل هو تحليلٌ قائم على أساس أنّ المجتمع العربي يتحمّل مسؤولية هذا التمزّق بكونه قد قبل الاستسلام لمنظومة متكاملة بنيت بجهد داخلي وخارجي، مدخلاتها جميع عناصر التفرقة ومخرجاتها كيانات ومجموعات متناقضة. وبناءً عليه، فإنّ الحل ربما لا يكون في البحث عن الجهة التي أسست هذه المنظومة، وإنما في فهم هذه المنظومة وتفكيكها أو تعطيلها. وهو ما قد بدأ فعلً في حراك الربيع العربي. إنّ الإطار التحليلي في هذه الدراسة هو ما طرحه ديفيد إيستون في نظرية النظم1. فالدراسة بالتحديد، تتبع نموذج أنجلمان وشوارتز في استخدامهما نظرية النظم2؛ وذلك كي يتسنّى فهم مدخلات النظام الهجين ومخرجاته في المشرق العربي. وتتمثل المنفعة البحثية التي ربما تتحقق من اتّباع نموذج المدخلات والمخرجات بقدرة هذا النموذج على دراسة أكثر من عامل في آن واحد من دون فصل هذه العوامل عن البيئة الداخلية والخارجية، وبما يضمن فهم آلية عمل النظام وهو الهدف الأساسي من البحث؛ إذ إنّ الإشكالية التي يعانيها بعض دول المشرق العربي هي عدم البحث في إمكانية تفكيك هذا النظام. وبصرف النظر عمّ إذا كانت مخرجات النظام هي القرارات الحكومية كما يطرح إيستون أو الحكم كما يرى ألموند أو حتى القيادة الفعالة أو بلورة القرارات كما يتضح في أفكار بارسونز، فإنّ المهم من أجل الحكم على ديمقراطية النظام هو آلية الوصول إلى هذا المخرج؛ إذ إنّه، وفي كثير من الأحيان، ربما يتم التلاعب بشكل المنتج النهائي من السياسات بحيث تنسجم مع الملامح الشكلية للديمقراطية، والأصل أنّ ديمقراطية النظام يجب أن تتضح من البداية في عملية البلورة للمدخلات من جانب العناصر في وحدة الإدخال التي من المفترض أن تكون أحزابًا أو كتلً برلمانيةً أو مؤسسات مجتمع مدني؛ وذلك من خلال أمرين أساسيين، هما: تنظيم الحوار مع العامة. توجيه العمل الحكومي. أي إنّه في ظل النظام الديمقراطي، على عناصر وحدة الإدخال جميعها أن تساهم في الإشراف على عمل النظام ولا تكتفي بتحويل المطالب وانتظار القرارات، بما يجعلها أداة تجميل له. لكن، ما يوجد في الأنظمة الهجينة هو أن يقتصر دور عناصر الإدخال إمّا على تبرير العناصر التابعة سياسات النظام، وإما انكفاء العناصر المعارضة على الذات. وربما يتطور هذا الانكفاء في حال تغيّ بعض أحوال بيئة عمل النظام إلى محاولة مواجهة النظام أو بناء نظام جديد. وفقًا لما تم طرحه في المقدمة، فإنّ من بين القضايا المهمة التي ينبغي الالتفات إليها هي استمرارية التفكيك ضمن علاقة دائرة مركبة تكاد لا تتوقف. وبناءً عليه، فإنّ نموذج إيستون ربما يكون ملائمًا لفهم هذه الاستمرارية كونه لا يكتفي بفهم العلاقة في ضوء عاملين هما المستقل والتابع، كمُدخل ومُخرج، وإنما من خلال علاقة متواصلة يحمل فيها كلّ متغير سمات المستقل والتابع بحيث يكون المُخرج الجديد هو أو جزء منه مُدخلً جديدًا للنظام ذاته أو نظام آخر كما يتضح في الشكل.)1(إضافةً إلى ذلك، فإنّ نظرية النظم، على الرغم من أنّها تركز في الدراسة على المتغيرات الفعّالة ضمن النظام السياسي، فإنها لا تغفل العوامل السابقة (التاريخية) كونها جزءًا من بيئة النظام.

  1. David Easton, A Framework for Political Analysis (Canada: Prentice-Hall,
  2. F.C. Engelmann & M.A. Schwartz, Canadian Political Parties: Origins, Character, Impact (Canada: Prentice-Hall, 1975). الشكل)1(نموذج نظرية النظم اﳌﺨﺮﺟﺎت ﻧﻈﺎم ﻫﺠﻴﻦ اﳌﻄﺎﻟﺐ ﺗﻌﺰﻳﺰ ﻗﻮة اﻟﺠﻬﺔ ﺗﺤﻮﻳﻞ اﳌﻄﺎﻟﺐ اﳌﺘﺤﺎﻟﻔﺔ ﻣﻊ اﻟﻨﻈﺎم، ﻣﺨﺮﺟﺎت وﺗﺤﻮﻳﻞ اﻟﺨﻼﻓﺎت اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ إﱃ ﴏاع اﻟﺪﻋﻢ ﻫﻮﻳّﺎت ﺗﻐﺬﻳﺔ راﺟﻌﺔ المصدر: من إعداد الباحث.

تصوّر النظام الهجين

إذا كان النقاش المستفيض للأنظمة الهجينة جاء متأخرًا في العقد المنصرم، بسبب الاهتمام العالمي المتزايد بقضايا التحول الديمقراطي الذي نبع من الإيمان بأنّ كثيرًا من مشكلات العالم الحديث وخصوصًا الفقر والعنف مرتبط بغياب الديمقراطية، فإنّ هذا لا يعني أنّ الأنظمة الهجينة لم تكن موجودةً قبل ذلك. يقول لاري دايموند إنّ السماح بإجراء الانتخابات ومشاركة المعارضة فيها قد حصل في السنغال وتايوان والمكسيك، على الرغم من البيئة السلطوية فيها قبل بدء دراسة الأنظمة الهجينة بمدّة3. لم تكن الأدبيات التي درست الأنظمة الهجينة حادةً في المعايير التي على أساسها صنفت الأنظمة السياسية إلى هجينة أو استبدادية أو ديمقراطية، على الرغم من أنّ المؤسسات البحثية الآن باتت تقدّم معاييرها المحددة لقياس ديمقراطية النظام. وبناءً على ذلك، فإنّها تصدر تقارير سنوية لتحديد مدى تقدّم الدول أو تراجعها على سلّم الديمقراطية والحريات. ومن أشهر هذه المؤسسات "بيت الحرية" الذي يصدر تقريرًا سنويًا عن مستوى ديمقراطية الكيانات السياسية في العالم وحريتها4. وعلى الرغم من أنّ دراسة الأنظمة السياسية ومدى ديمقراطيتها ما زالت مرنةً، فقد اجتهد الباحثون في هذا المجال لتحديد المعايير اللازمة لوصف نظام سياسي ما بأنّه ديمقراطي أو حر5. ويبدو أنّ القاسم المشترك بين هذه الرؤى يتضح في الحد الأدنى الذي وضعه "بيت الحرية" لعدّ نظام سياسي ما ديمقراطيًا، وهو ما يتمثل بالمعايير الأربعة التالية6:

  1. 6  Arch Puddington, Freedom in the World: Freedom Stagnation amid Pushback against Democracy (Washington, DC: Freedom House, 2007), p. 3.
  2. Freedom House, Freedom in the World: Political Rights and Civil Liberties 2011 (New York: Freedom House, 2011).
  3. Joseph Alois Schumpeter, Capitalism, Socialism, and Democracy , 3 rd ed. (New York: Harper and Brothers, 1950), p. 269; Robert Alan Dahl, Participation and Opposition (New Haven, CT: Yale University Press, 1971), p. 3; Diamond, p. 21.
  4. 3  Larry Diamond, "Thinking about Hybrid Regimes," Journal of Democracy , vol. 1, no. 2 (2002), pp. 23 - 24. اﻟﺒﻴﺌﺔ اﻟﺪاﺧﻠﻴﺔ وﺗﺸﻤﻞ •اﳌﺠﻤﻮﻋﺎت اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ واﻟﺪﻳﻨﻴﺔ •رأس اﳌﺎل واﻟﻌﺴﻜﺮ ﻣﺮاﻛﺰ اﻟﻘﻮى اﻷﺧﺮى واﻟﺜﻘﺎﻓﺔ اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ اﳌﺪﺧﻼت اﻟﺒﻴﺌﺔ اﻟﺪوﻟﻴﺔ وﺗﺸﻤﻞ •اﻟﺪول واﳌﻨﻈﻤﺎت اﻹﻗﻠﻴﻤﻴﺔ واﻟﺪوﻟﻴﺔ

نظام سياسي تنافسي ومتعدّد الأحزاب. حق الاقتراع لجميع المواطنين الراشدين. عقد الانتخابات دوريًا بحيث يكون الاقتراع سرّيًا وآمنًا ونزيهًا. إمكانية التواصل بين الجمهور والأحزاب من خلال الإعلام والحملات الانتخابية. بالاطلّاع على النتاج المعرفي في هذا المجال يتبين أنّ هناك تداولً لأكثر من مصطلح لوصف النظام ذاته؛ فالأنظمة التي تجمع بين بعض مظاهر الديمقراطية وبعض مظاهر الاستبداد قد صنّفت في بعض الأحيان بمسمّيات مثل الديمقراطية الناقصة أو المشوّهة، والسلطوية الانتخابية أو التنافسية، والديمقراطية الانتخابية، والديمقراطية الإقصائية، والديمقراطية المتحكّم فيها. إلا أنّ مصطلحَي السلطوية الانتخابية والديمقراطية الانتخابية الأكثر تداولً، وفي أحيان كثيرة بمدلولات مختلفة7. أمّا مصطلح السلطوية الانتخابية فهو من التصنيفات المتداولة على نطاق واسع، وقد استخدمه تشيدلر لوصف الأنظمة التي تسمح بإجراء انتخابات متعددة الأحزاب في ظل بيئة سلطوية8. وربما تكون الانتخابات تنافسيةً بحسب ليفتسكي وواي، والتنافس فيها حقيقي لكنّه غير عادل9. وما يتّضح من طرحهما أنّ إجراء الانتخابات وتعدد المشاركين فيها وقيامهم بحملات انتخابية لا يعني بالضرورة أنّ هناك عدلً في التنافس من حيث الإمكانية المتاحة لكلّ طرف، وربما نتاجًا لما قد يتلقّاه أحد أطراف الانتخابات من دعم حكومي ربما لا يكون ظاهرًا. ويبدو أنّ هذا المصطلح حاسم من جهة كونه لا يتيح المجال لدراسة مدى ديمقراطية النظام، ولا يعدّ الانتخابات جزءًا من الممارسة الديمقراطية، بل ربما هي أداة من أدوات تجميل النظام وضمان استمراريته. لكن إشكالية هذا المصطلح تكمن في أنّه لا يعكس حالة الضعف التي تعتري النظام، كما لا يعكس استسلام النظام للإرادة الشعبية الدافعة إلى إيجاد بيئة ديمقراطية. لذلك فإنّ فرص المواجهة ربما تضعف بحكم الاعتقاد الخاطئ أنّ النظام متمكن. الديمقراطية الانتخابية من المصطلحات الأخرى المتداولة لوصف نظام سياسي ما يجمع بين السياسات الديمقراطية ونقيضها10. ويفتقر هذا المصطلح إلى الدقّة كون الديمقراطية في السياق المعاصر والمرتبطة بكيان الدولة الحديثة لا يوجد منها نوع غير انتخابي؛ إذ إنّ ما يمكن استنتاجه من هذا التصنيف أنّ هناك ديمقراطيةً غير انتخابية. أما عن مشكلته الأخرى فهي في كونه يفسّ بأكثر من اتجاه؛ كأن يفهمه البعض على أنّه تعبير عن ديمقراطية كاملة بالانتخابات؛ إذ إنّ هناك من يقترح مسمّى ديمقراطية ناقصة، فربما يكون النقص في عدم إجراء الانتخابات، أو ربما يفهم منه أنّه يعكس حال الدول التي لا تمارس من الديمقراطية سوى الانتخابات. وهو ما يجعل من استخدام المصطلح لوصف بعض الأنظمة مسألةً في حاجة إلى مزيد من التدقيق والمراجعة. بناءً على ما سبق، فإنّ مصطلح النظام الهجين هو الأكثر ملاءمةً لوصف تلك الأنظمة. والمقصود منه تلك الأنظمة التي تمارس سياساتٍ متناقضةً من حيث المضمون؛ بحيث تسمح ببعض الممارسات الديمقراطية في ظل بيئة سلطوية. أمّا حيثيات ظهورها فجاءت مترافقةً مع تحرّك مجموعة من الدول من خانة الدول الاستبدادية لكنّها لم تصل إلى خانة الدول الديمقراطية11. وهذا المصطلح صالح لوصف العديد من الأنظمة في المشرق العربي. وعلى الرغم من أنّ الأدبيات الغربية جعلت من إجراء الانتخابات معيارًا للتفرقة بين الهجين والاستبدادي، تدّعي هذه الدراسة أنّ وصف النظام بالهجين يجب ألّ يرتبط بالانتخابات فقط، وإنما أيضًا بأيّ ممارسة ديمقراطية ربما تكون حرية التعبير وتشكيل التنظيمات السياسية والاجتماعية، أو إجراء استفتاءات، أو ما شابهها من ملامح الحياة الديمقراطية. علمً أنّ هناك من لا يجزم بكون النظام الهجين لا يمكن أن يكون نظامًا انتقاليًا نحو الديمقراطية وإنما يترك المجال مفتوحًا لاحتمالين كطرح حسنين توفيق إبراهيم12. بدأ الاهتمام بدراسة الأنظمة الهجينة في فترة ما بعد الحرب الباردة. وقد ظهرت هذه الأنظمة بوضوح بين دول الاتحاد السوفياتي سابقًا مثل أوكرانيا وكرواتيا، وبعض الدول الأفريقية مثل غانا وكينيا، والدول الآسيوية مثل تايوان وماليزيا، ودول أميركا اللاتينية مثل المكسيك والبيرو خلال التسعينيات من القرن الماضي13. ومنذ ذلك الوقت تم

  1. Merkel Wolfgang, "Embedded and Defectives Democracies," Democratization , vol. 11, no. 5 (December 2004), pp. 49-50; Fareed Zakaria,
  2. Andreas Schedler, "The Menu of Manipulation," Journal of Democracy ,
  3. Steven Levitsky & Lucan A. Way, "The Rise of Competitive Authoritarianism," Journal of Democracy , vol. 13, no. 2 (2002); Steven
  4. Schedler. 11  Joakim Ekman, "Political Participation and Regime Stability: A Framework for Analyzing Hybrid Regimes," International Political Science Review , vol. 30, no. 1 (2009), pp. 7–31. 12 حسنين توفيق إبراهيم، "الانتقال الديمقراطي: إطار نظري"، مركز الجزيرة للدراسات، ملفات وقضايا 011()2، شوهد في 017/3/9:2، في http://bit.ly/2m5dcn6 13  Jason Brownlee, "Portents of Pluralism: How Hybrid Regimes Affect Democratic Transitions," American Journal of Political Science , vol. 53, no. 3 (July 2009), pp. 515–532, 518.
  5. The Future of Freedom: Illiberal Democracy at Home and Abroad (New York: W.W. Norton & Company Inc., 2003), pp. 89 - 118.
  6. vol. 13, no. 2 (2002), p. 47.
  7. Levitsky & Lucan A. Way, Competitive Authoritarianism: The Origins and Evolution of Hybrid Regimes in the Post-Cold War Era (New York: Cambridge University Press, 2010).

تعريف النظام الهجين بطرائق مختلفة وتداخل مع مصطلحات أخرى كالمذكورة سابقًا. وقد بدا واضحًا عدم توافر معايير حادة ودقيقة لوصف نظام ما بأنّه هجين أو سلطوي أو انتقالي. وهو ما جعل من بعض الأنظمة السياسية مصنّفة أنظمة هجينة لدى بعض الباحثين، كالنظام المصري والسنغافوري والكازاخستاني، بينما يعدّها آخرون أنظمةً سلطويةً كاملة14. إلا أنّ عدم وجود تعريف دقيق ومحدّد للنظام الهجين لا يعني عدم وجود هذه الأنظمة في الواقع15. يعتمد النظام الهجين في بقائه وفرض سلطته على مصادر قوة مختلفة، منها ما هو خارجي كالارتباط بقوى دولية أو إقليمية تضمن للنظام دعمً ماليًا وأمنيًا وربما عسكريًا إن استدعى الأمر، ومصادر قوة داخلية، كأن يسيطر النظام على الموارد الأولية بوصفها مصدرًا للدخل، أو أن يبني عقيدة الجيش العسكرية على أساس وظيفي يخدم مصالحه بوصفه نظامًا، إضافةً إلى تأسيسه أجهزة أمنية داخلية تضمن له تثبيط معارضيه أو أن يعتمد النظام على قوى مجتمعية نافذة. وتكمن أهمية مصادر القوة هذه سواء أكانت خشنةً كالجيش أم ناعمةً كالاقتصاد، في أنّها أداة فعّالة لتجنيد الأنصار ومعاقبة الخصوم، وكلمّا كانت القوة ناعمةً كالبيروقراطية والاقتصاد كانت مواجهة الخصوم بأقل تكلفة16. يلجأ بعض الأنظمة إلى مصادر وهمية للقوة؛ كأن يدّعي وجود خطر خارجي بما يصرف الأنظار عن القضايا الداخلية، أو إشغال المواطن بقضايا مختَلَقة بما يغيّ من أولوياته، كفرض أوضاع اقتصادية تدفع إلى تركيز المواطن على حياته اليومية، أو بخلق بؤر تهديد أمنية داخلية وفقًا لقاعدة خلق الشيطان والتعهّد بمحاربته، بحيث يصبح الحديث عن التغييرات الجذرية في سياق التحوّل الديمقراطي أمرًا غير مستساغ في ظل التهديد المختلَق. إضافةً إلى كون النظام في بنيته يعتمد على بعض الممارسات الديمقراطية مصدرًا للشرعية، وخصوصًا الانتخابات بما يمنحه القوة من أجل الاستمرارية17. أما بخصوص ما يمكن أن يؤول إليه النظام الهجين، فإنّه لا يبدو واضحًا أنّ هذا النظام ربما يكون مرحلةً سابقةً للنظام الديمقراطي أو النظام الاستبدادي، يقول جاسون برونلي "إن هناك دولً أدى النظام الهجين فيها إلى بدء التحول الديمقراطي، مثل السنغال وتايوان والمكسيك، إلا أن دولً أخرى مثل أذربيجان وبلاروس غرقت في الاستبدادية، فيما دول أخرى كماليزيا وروسيا وأوكرانيا وزامبيا وزمبابوي بقيت مستقرة على حالها، ويمكن تصنيفها حتى اللحظة بالهجينة"18. وهنا يبدو الخلط بين النظام الهجين والنظام الانتقالي؛ فكلاهما يتيح بعض الممارسات الديمقراطية؛ وهي نوعان: النوع الأول: ممارسة شكلية يتحكّم فيها النظام، وتهدف إلى ضمان استمراريته. النوع الثاني: ممارسة جزئية، لكنها حرّة تشرف عليها قوى التغيير، كإجراء انتخابات نزيهة وكاملة وبمنافسة واضحة. وهي ما يمكن عدّها جزءًا من عملية تحول ديمقراطي. أما عن القراءات التي تناولت الدول العربية تحديدًا والدول النامية عمومًا، فقد اعتمدت في الغالب على المعلومات الواردة من تقارير بيت الحرية19. ووفقًا لهذه التقارير فإنّ الدول العربية في معظمها غير حرّة باستثناء ثلاث دول أو أربع حرّة جزئيًا، ودولة واحدة حرّة هي تونس، وهذا ما استجدّ بعد الربيع العربي. وبحسب تفسيرها النظام الهجين، فإنّ ثلاث دول عربية أو أربعًا تدخل ضمن هذا التصنيف20. وعلى الرغم من أنّ تصنيفها الدول وفقًا لمستوى الحريات يبدو دقيقًا، فإنّ تحليلها مفهوم النظام الهجين لا يبدو كذلك؛ فكما يمكن تصنيف النظام بمخرجاته، يمكن تصنيفه بأدواته أيضًا، ومعظم الدول العربية في المشرق العربي بات يسمح بجملة من الإجراءات الديمقراطية كما أشير سابقًا، سواء أكانت الانتخابات جزءًا منها أم لا. وبناءً عليه، يمكن عدّها أنظمةً هجينةً، خصوصًا أنّها لم تعلن صراحةً ومن خلال خطط واضحة توجهها نحو التحول الديمقراطي. ما زال البحث العربي التقليدي في حقل الأنظمة السياسية يصنّف الأنظمة السياسية وفقًا للأيديولوجية؛ أي إنّ هذا الجهد تأثّر بمخرجات الأنظمة الهجينة، بحيث تجد أنّ هناك تجاوزًا غير مبرر للبحث في مدى

  1. Gilbert Leah & Payam Mohseni, "Beyond Authoritarianism: The Conceptualization of Hybrid Regimes," St Comp Int Dev , no. 46 (2011), pp.
  2. Leonardo Morlino, "Are there Hybrid Regimes? Or are They Just an Optical Illusion?" European Political Science Review , vol. 1, no. 2 (2009), p. 293.
  3. Bruce K. Rutherford, Egypt after Mubarak: Liberalism, Islam, and Democracy in the Arab World (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2008), p. 20.
  4. Ekman J., "Political Participation and Regime Stability: A Framework
  5. Brownlee, pp. 515 - 516.
  6. Sarah E. Yerkes, "The Nature of Civil Society in Hybrid Regimes in the MENA Region," Paper presented at the Annual Meeting of the American Political Science Association (September 4, 2010), Washington, DC; Alina Rocha Menocal & Verena Fritz & Lise Rakner, "Hybrid Regimes and the Challenges of Deepening and Sustaining Democracy in Developing Countries," Background note (2) prepared for the Wilton Park Conference on Democracy and Development (10-12 October 2007); Freedom House, Freedom in the World: Political Rights and Civil Liberties 2014 (New York: Freedom House, 2014). 20 حسن شقراني، "مؤشّ الديمقراطية 012 الأخبار:2 الأنظمة العربية هجينة"، جريدة، 72 كانون الأول/ ديسمبر.2012
  7. for Analyzing Hybrid Regimes," International Political Science Review , vol. 30, no. 1 (2009), pp. 7 - 31.

ديمقراطية النظام والانتقال للبحث في أيديولوجيته أو جذوره الدينية. يجادل البعض بأنّه لا يمكن الفصل بين أيديولوجية النظام ومدى ديمقراطيته، وهم محقّون في ذلك، بل إنّ البحث في الأيديولوجية سابق للبحث في السياسات. لكن الباحث في قضايا الحكم والتحوّل الديمقراطي في الوقت الراهن من المفترض أنّه تجاوز البحث في الأيديولوجيات والانتقال إلى دراسة السياسات، خصوصًا أنّ كثيرًا من الجماعات السياسية العربية يبني سياساته بما يخالف توجهاته الفكرية. إنّ خطورة تقويم الأنظمة السياسية في المشرق العربي وفقًا للأيديولوجية والمذهب أو الدين تتمظهر في إعفاء هذه الأنظمة من النقد العلمي بناءً على ممارساتها وتحيل الموضوع إلى عقائد ومذاهب، ويتم النظر إلى أيّ نقد مهما كان مصدره على أنّه عملية تنظير ضد الخصوم الفكريين ولا علاقة له بسلامة القرارات ودقّة السياسات.

النظام الهجين عامل منتج للكيانات الفئوية

كما يتضح من الشكل)1(فإنّ المطالب التي ربما تصل إلى نظام هجين ما، ذات مصادر متعددة. وربما تكون مطالب اتفق عليها بعض عناصر البيئة الداخلية أو كلّها أو اختلف حولها. ويوحي النموذج (الشكل)1 من حيث الشكل أنّ النظام ديمقراطي بالكامل، فهناك قوى مجتمعية تبلور مطالبها وتوصلها إلى النظام لصنع القرار (المخرجات) وهي ستؤثر مرةً أخرى في بيئة عمل النظام، وهناك تفاعل مع البيئة الدولية من دون أن تتضح طبيعة هذا التفاعل أو هذه العلاقة. ويتضح أيضًا أنّ العلاقات الخارجية ليست مقتصرةً على بنية النظام الهجين، فعناصر البيئة الداخلية أيضًا لها تواصلها المؤثر والمتأثر بعناصر البيئة الدولية. وبناءً عليه، نتساءل: أين يتمايز النظام الهجين عن غيره في هذا النموذج التحليلي؟ وكيف يمكن أن يقود إلى مزيد من التفكيك في المجتمعات العربية؟ تدّعي هذه الدراسة أنّ الإجابة تكمن في أنّ عنصرًا أو أكثر من البيئة الداخلية قد تماهى مع النظام السياسي، وربما يكون هذا العنصر العسكر أو حزبًا سياسيًا أو غيره، ما يسمح للعناصر الأخرى بأن تتفاعل مع العناصر المتماهية مع النظام تفاعلً ديمقراطيًا وتنافسيًا ومتحكّمً فيه، بما يوحي للمراقبين بأنّ هناك بيئةً ديمقراطيةً، وغالبًا ما يكون كل التفاعل الديمقراطي الشكلي في وحدة الإدخال في النظام، إلا أنّه بعد وصول المطالب إلى مركز صنع القرار في النظام الهجين فإنّ ما ينتج منها لا يخدم إلا العناصر المتماهية مع النظام التي ربما تكون متحالفةً أيضًا مع عناصر من البيئة الخارجية. وما إن تتكرر هذه المنهجية في صنع القرار حتى تصبح هوية النظام فئويةً لا تعبّ عن جميع المتباينات السياسية في المجتمع. نتيجة لإدراكها أنّ البيئة السياسية القائمة هي بيئة إقصاء، وفي ردة فعل على فئوية النظام، ستحاول العناصر الأخرى في البيئة الداخلية اجتراح عناصر هوية خاصة بها أو تعزيز عناصر هويتها، بحيث تحافظ على وجودها وتمايزها عن النظام. وستكثر في تلك المرحلة صناعة الرموز الفئوية لتضمر الرموز الوطنية وتبهت الهوية الوطنية. في هذه الحالة فإنّ مخرجات النظام الهجين ستكون معزّزةً لخلق الهويات الفئوية المتناقضة التي ربما تتحالف مع هويات شبيهة أو مطابقة من البيئات الأخرى، كما سنوضح لاحقًا، مكوّنةً دائرةً متجدّدةً ربما تتغير عناصرها لكنّها ستسير وفقًا لمبدأ العمل نفسه. تبدأ العلاقة الدائرية المركّبة بوجود الأنظمة الهجينة التي تمثّل بيئةً خصبةً للصراعات السياسية. ومن ثم تبدأ التيارات السياسية في تكوين صورة لها متمايزة عن الآخر، ليدخل بعضها في حالة عزلة في حين تبدأ أخرى حالة اشتباك فيما بينها تتطور إلى صراع هويات. تتأتى استمرارية هذه الدائرة من أنّ أيّ حسم لصراع دائر لجهة توليد كيانات جديدة، ستتلوه صراعات أخرى داخل كلّ كيان بالمنطق نفسه. وهو ما قد يفسر الانقسامات القطرية العربية ومن ثم الانقسامات الدينية والمذهبية وصولً إلى الانقسامات السياسية كما يتضح في الشكل .)2(من أبرز الأعراض التي يمكن من خلالها التنبؤ بأنّ النظام هجين أو يسير من الديمقراطية أو الديكتاتورية نحو الهجين، أن تكثر الطوائف المتباينة أو المتناقضة من صناعة الرموز. وهذه الرموز هي ضرورة تستدعيها الحاجة إلى اختلاق هوية جامعة لأبناء طائفة ما كما هي الحال في العراق. وغالبًا ما تكون الرموز عاملً محفّزًا لاستمرار التطاحن الداخلي؛ كأن تلجأ طائفة ما إلى اجترار خلافات تاريخية وإبراز بعض أعلام تلك الخلافات رموزًا أو في أحيان أخرى عناصر مقدّسة. وربما تكون الرموز أشياء أو أشخاصًا. وتبدو الطوائف الدينية أكثر قدرةً من غيرها على تحقيق هذه المهمّة. إذا لم تكن الطائفة السياسية انعكاسًا سياسيًا لطائفة دينية، وتستخدم رموزها نفسها، فهي قادرة أيضًا على تصنيع رموز تدّعي أنّها خاصة بها؛ كأن تحتكر إنجازًا وطنيًا بعدّه إنجازًا خاصًا بها أو أن تلجأ إلى تلميع بعض الزعامات الطائفية في عملية أشبه بالتصعيد. وهو ما يفسّ ظهور شخصيات عادية جدًّا وبروزها بسرعة لتتحوّل في فترة قياسية إلى واجهة ورمز للطائفة السياسية. وعادةً ما تلجأ الأحزاب السياسية إلى هذه الخطوات، خصوصًا تلك التي لا تعتمد في التجنيد على القراءات البرامجية أو حتى التنشئة الفكرية والسياسية، وإنما على التضليل الإعلامي والإيحاء بوجود إنجازات تُنسب إلى شخصيات (رموز الحزب.)

إضافةً إلى ذلك، فإنّ من الأعراض المصاحبة لفاعلية النظام الهجين السماح لوسائل الإعلام بالنقد الموجّه أو المتحكم فيه21؛ بحيث تجد أنّ وسائل الإعلام المحلّية أو الدولية المتحالفة مع النظام السياسي الهجين تقوم بالإضاءة على كثير من نقاط الخلل في العمل الحكومي، وتوجّه نقدًا لاذعًا للمؤسسات الرسمية، وتحاول التركيز على هموم المواطن وحاجاته اليومية، إلا أنّها في المقابل تقوم بتبرير السياسات الحكومية في القضايا الكبرى وتتجاهل الخلل الجوهري في العمل الحكومي. كما يلاحظ أنّ وسائل الإعلام تلك باستثناء نماذج محدودة جدًّا، لديها خطوط حمراء لا يمكن أن تتجاوزها؛ فلا تقترب عادةً من قادة الصف الأول في الحكم، وتضحّي في كل فترة بشخصية من المستوى الثاني كي تلقي عليها كلّ تهم الفساد وتحمّلها مسؤولية أيّ خلل. ولا يعكس هذا السلوك لا أخلاقية النظام فقط، وإنما يعكس ضعفه وحاجته إلى ما يضمن صمت الشارع أطول مدة ممكنة. وهي سمة النظام الهجين الذي يحاول إظهار القوة والديمقراطية بينما هو في حقيقته نظام ضعيف ومستبد مضمونًا22.

إضافةً إلى ما سبق، فإنّ هذه الأنظمة تدرك جيّدًا أنّ المجموعات السياسية المعارضة لها التي يصعب وصولها إلى السلطة إلّ في ظل نظام ديمقراطي بحق، يمكن أن تتحرّك في أيّ لحظة من أجل المطالبة بحقوقها وخصوصًا السياسية، لذلك فإنّها ربما تلجأ إلى افتعال قضايا خارجية بحيث تصبح القضية الأولى، ويصبح الحديث عن الشأن الداخلي أمرًا غير مستساغ في ظل الخطر الخارجي الوهمي. بل إنّ أيّ مطالبة للحكومة بالإصلاح والتغيير ربما يظهرها النظام الهجين أداةً من أدوات مصدر الخطر الخارجي، فتتحول قضايا الإصلاح والديمقراطية عبر الإعلام الموجه "أجندة خارجية" تهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي، وهو ما يثبط من قدرة المعارضة السياسية على التحرّك بطريقة مؤثّرة من أجل فرض التغيير. مع بداية استقرار النظام الهجين، ومع كل جولة من احتدام الخلاف بين العناصر العاملة في بيئة النظام، يقوم بعض الجهات بطرح مبادرات لحل هذه الخلافات، بمسمّيات عديدة كالسلم الأهلي والوحدة الوطنية والتماسك المجتمعي والمصالحة والوفاق وغيرها من التعبيرات التي تشير إلى حاجة المجتمع إلى نبذ الخلافات والوصول إلى مرحلة يمكن فيها التفاهم على القضايا الأساسية في المجتمع وبالوسائل الديمقراطية. وإنّ المتمعن في بعض هذه الدعوات يمكنه أن يستنتج ما فيه من خلل، وهو كما يلي: أولً: إنّ مضمون هذه الدعوات مخالف لروح الديمقراطية، فالدعوة من أجل الوحدة الوطنية يجب أن تُفهم على أنّها دعوة إلى تماسك المجتمع بمؤسساته جميعها والاتفاق على آلية صنع القرار والتزام المعايير الديمقراطية. إلا أنّ ما يراد من هذه الدعوات في كثير من الأحيان، هو فرض رؤية جهة أو أكثر على بقية المجتمع باستخدام شعار الوحدة دون مراعاة المبادئ الديمقراطية التي تأخذ في الحسبان الاختلاف والتباين في المجتمع. ثانيًا: تتناقض هذه المبادرات التي تهدف إلى إلغاء المتباينات السياسية في المجتمع وذوبانها في تيار سياسي واحد، مع الطبيعة الإنسانية أولً، كون الاختلاف والتباين أصيليْ فيها، وأنّ رقيّ المجتمعات الإنسانية هو في إدارة الاختلاف والتباين والاستفادة منهما لا في إلغائهما. أما التناقض الثاني فهو مع مبدأ التعددية السياسية الذي يعدّ حجر أساس في التحوّل الديمقراطي؛ فحرية الاختيار التي يجب أن يتمتع بها المواطن في ظل النظام الديمقراطي لا يمكن أن تكون ذات معنى إلا إذا كان الاختيار من متعدّد. أما أن يذوب جميع التيارات السياسية في خيار واحد، ويصبح على المجتمع أن يقبله أو يرفضه، فإنّه التطبيق الممسوخ للديمقراطية. إذ إنّ أهم ما يميز النظام الديمقراطي هو قدرة المواطن فيه على فرض التغيير. ويتم ذلك من خلال الاختيار والمفاضلة بين (س، ص، ع، ل.) أما المفاضلة بين "نعم" و"لا"، فإنّها تعني إما بقاء الحال على ما هي عليه وإما الانقلاب الكامل على هذه الحال. وفي أغلب الأحيان، فإنّ ما يتم هو بقاء الحال على ما هي عليه. ثالثًا: من أخطر ما يمكن أن يحمله بعض هذه المبادرات هو أن تطرحها جهةٌ ما بديلً للوسائل الديمقراطية. وهو ما حصل مثلً في فلسطين بجلاء؛ فالدعوات إلى الوحدة الوطنية هناك لا تغدو أكثر من انقلاب على نتائج الانتخابات الديمقراطية التي جرت عام 006.2 ومهما كانت الشعارات المطروحة، أخلاقية ووطنية، فإنّ اللجوء إلى التفاوض بين الأحزاب للوصول إلى اتفاق يتجاوز نتائج الانتخابات هو سلوك يؤسس لدكتاتورية المعارضة التي تفرزها الانتخابات.

  1. للمزيد حول الإعلام في العالم العربي، انظر: Omair Anas, "The Changing Profile of Media in the Arab States," Global Media Journal Arabian Edition , vol. 2, no. 1 - 2 (Fall/Spring 2012-2013), pp. 28 - 46.
  2. Rutherford, p. 21. اﻟﺒﺪاﻳﺔ ﺑﴫاع ﺳﻴﺎﳼ ﺑﻴﻦ أ–ب-ج ﰲ ﻇﻞ ﺑﻴﺌﺔ ﻫﺠﻴﻨﺔ أ ب ج س ص ﰲ ﻫﺬه اﳌﺮﺣﻠﺔ ﺗﻠﺠﺄ اﻟﻌﻨﺎﴏ اﻟﺜﻼﺛﺔ إﱃ اﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﻨﻔﺼﻞ ﻣﻦ ﺧﻼل ﻫﻮﻳﺎت ﻋﺰﻟﺔ ج ﴏاع ﻫﻮﻳﺎﺗﻲ ﺑﻴﻦ أ و ب ﻧﻈﺎم ﻫﺠﻴﻦ (1) ج أ ب س اﳌﺠﺘﻤﻊ اﻟﺪوﱄ الشكل)2(استمرارية الصراع في النظام الهجين ﴏاع ﺳﻴﺎﳼ ﺑﻴﻦ س ص ب ج ﺳﻴﺎﺳﺎت ﻫﺠﻴﻨﺔ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ اﻟﻨﻈﺎم ص ﴏاع ﻫﻮﻳﺎﺗﻲ ﺑﻴﻦ س و ص اﻧﺸﻘﺎق أ إﱃ س و ص ﴏاع داﺧﻞ اﻟﺠﻬﺔ اﻟﺤﺎﺳﻤﺔ ﺣﺴﻢ اﻟﴫاع ﳌﺼﻠﺤﺔ أ ﻣﺜﻼً المصدر: من إعداد الباحث. الشكل)3(العلاقات العابرة للحدود ﻧﻈﺎم ﻫﺠﻴﻦ (2) س ج أ أ ب ﻧﻈﺎم ﻫﺠﻴﻦ (3) اﳌﺠﺘﻤﻊ اﻟﺪوﱄ اﳌﺠﺘﻤﻊ اﻟﺪوﱄ المصدر: من إعداد الباحث.

مخرجات النظام الهجين

إنّ آلية عمل النظام الهجين، كما اتضح في النقاش السابق، تؤدي إلى تحويل الخلافات السياسية إلى صراع هويات، نظرًا إلى أنّ الحزب أو الجماعة الحاكمة تماهت مع الدولة، بحيث أصبحت هوية الحزب هي هوية الدولة أيضًا. وبناءً عليه ومن باب التمايز، فإنّ الجماعات الأخرى ستعمل على خلق هوية خاصة بها، وفي ظل عدم وجود بيئة ديمقراطية تنافسية فإنّها ستدّعي أيضًا تمثيلها الهوية الوطنية، وإن لم تعلن ذلك صراحةً فإنّ طرحها نفسها ممثلً عن الشعب وإرادته يعني أنّها تحتكر التعبير عن الإرادة الشعبية. تتجلى عملية التفكيك التابعة لصراع الهويات في عدّة مستويات، يمكن تصنيفها كما يلي:

طغيان الهوية الإثنية أو الدينية على الهوية الوطنية

حين يتحول النظام السياسي حصنًا منيعًا لمصالح مجموعة معينة من المؤيدين والمنتفعين، فإنّه في ظل التنوع الديني أو الإثني في بعض الدول يندر أن يلبّي النظام السياسي الهجين مطالب جميع الطوائف. والأمر هنا لا علاقة له بالأكثرية أو الأقلية بقدر ما هو مرتبط بمراكز قوى في المجتمع. غالبًا ما يتبنّى النظام الهجين طائفةً ما ويتجاهل أخرى وربما يعاديها، أو ربما تكون طائفة قد استطاعت الوصول إلى الحكم وحوّلت النظام إلى أداة تخدمها فقط. وبما أنّ صبغ الدولة بهوية الحزب أو الفئة الحاكمة من خصائص النظام الهجين، فإنّ الطوائف الإثنية والدينية الأخرى لا يمكن أن تؤمن بأنّ هذا النظام يمثّلها. في مراحل متقدّمة من انكشاف العلاقات ربما لا تؤمن المجموعات المعارضة للنظام الحاكم بأنّ الدولة تمثّلها، ما يعني سعيها إما لمواجهة مع الهويات الأخرى للسيطرة على النظام وصبغه بهويتها، وإمّا أن تسعى للانفصال لتبني كيانًا سياسيًا جديدًا، خصوصًا إن كانت أقلية عرقيةً في البلاد. وما يعزز هذا التوجه أنّ أغلب التيارات السياسية التي تمثّل العرقيات والطوائف الدينية غير ديمقراطية. لذلك فإنّها تتفاعل مع النظام الهجين بأدواته التفكيكية نفسها. احتكار تيار سياسي ما تمثيل الإرادة الشعبية بناءً على العوامل المشار إليها سابقًا، فإنّ المجموعات السياسية الناشطة سواء أكانت أحزابًا أم حركات أم منظمات ستعمل على احتكار تمثيل إرادة الشعب، وادعاء أنّ التيارات السياسية الأخرى دخيلة أو طارئة على المجتمع أو تحمل أجندةً هدّامةً، وما إلى ذلك من التهم التي تهدف إلى الإقصاء الذي يعدّ من ملامح النظام الحزبي في ظل النظام الهجين. ويشمل الخلاف المتحول إلى صراع عدّة جوانب. ونظرًا إلى ادّعاء كلّ طرف أنّه يمثّل الهوية الوطنية، يُصبح الصراع حتميًا حول القضايا التالية: أولويات المواطن. المخاطر. المصلحة العليا. العقيدة العسكرية والأمنية (وظيفية، أم وطنية.) الاقتصاد.

الارتباطات الفئوية العابرة للحدود الق طرية

إنّ حالة التفكيك وخلق كيانات فئوية بهويات متناقضة في ظل ضمور الهوية الوطنية ربما تتراكم وتتداخل بحيث تصبح هذه المجموعات الدينية أو الإثنية أو السياسية تعمل ما دون الدولة، لكنها عابرة لحدودها. ويتمثل السبب بأنّ هذه المجموعات نتيجة تنامي حالة العداء بينها وبين المجموعات الأخرى في القطر نفسه، أو مع النظام ذاته، ستلجأ إلى التحالف مع المجموعات القريبة منها في الأقطار الأخرى، وفي أحيان كثيرة ربما تستغل أطرافٌ إقليمية ودولية حاجتها إلى الدعم من أجل تمرير هذه الأطراف. كما يتضح في الشكل)3(فإنّ النظام)1(مثلًالذي يسيطر عليه العنصر (أ) من الممكن أن يتحالف مع العنصر (أ) في نظام هجين آخر بما يضمن بيئةً إقليميةً داعمةً له، كما أنّه ربما يتحالف مع أيّ من عناصر المجتمع الدولي بما يحقق له مزيدًا من الاستقرار. كما يتبيّ أيضًا أنّ العناصر الفاعلة في المجتمع الدولي من الممكن أن تدعم فئاتٍ متناقضةً في النظام الهجين أو في الدائرة الإقليمية التي تحوي أنظمةً هجينةً، بما يبقي حالة الخلاف مستمرةً بوتيرة متحكّم فيها تضمن بقاء النفوذ الدولي، وربما يتم ذلك بتنسيق بين أكثر من عنصر في المجتمع الدولي، كما هي الحال مع العنصر)1(و)2(في الشكل)3(، إذ يقدّمان دعمً مشتركًا للنظام الهجين)1(، بينما يقدّم العنصر)2(من المجتمع الدولي دعمً للعنصر (ب) والنظام الهجين)3(المتناقضين مع النظام.)1(

44 الاستقواء بالخارج

بما أنّ الهدف الأساسي للنظام الهجين هو البقاء، فإنّ كلّ ما يضمن استمرار النظام سيصبح خيارًا محتملً؛ فإضافةً إلى التحالفات الإقليمية بين الطوائف المتشابهة، هناك احتمال للارتباط بقوى خارجية، إذ تُ نح

القوى الدولية ذات المصالح المتعددة في بلدان العالم الثالث امتيازات واسعةً في المجالات الاقتصادية والأمنية والعسكرية، إضافةً إلى قدرة هذه القوى على فرض إملاءات سياسية على النظام الهجين. في المقابل، فإنّ تلك القوى الدولية تلتزم حماية النظام الهجين، وربما تلجأ في بعض الأحيان إلى تضليل النظام وإيهامه بأنّ هناك تهديداتٍ خارجيةً تستدعي مزيدًا من التنسيق والتعاون. وهو ما ينتهي عادةً بعقد صفقات تجارية ضخمة في مجال الأسلحة. بالنظر إلى الشكل)3(الذي يبيّ إمكانية وجود علاقة بين عنصر)1(في المجتمع الدولي وعنصر (س) في النظام الهجين)3(، يمكن القول إنّ الاستقواء بالخارج ليس سمة الحكومة فقط في النظام الهجين، وإنما يلجأ كثير من الطوائف إلى الارتباط بقوى دولية أو إقليمية تضمن له دعمً سياسيًا في المحافل الدولية ودعمً إعلاميًا وماليًا، وربما يصل الأمر إلى الدعم العسكري كما هي الحال في العلاقة بين إيران وحزب الله في لبنان.

55 ثقافة سياسية تفكيكية

إنّ المآلات التي ربما يقود إليها النظام الهجين والموضحة سابقًا، قد لا تتوقف عند حد خلق الهويات الفئوية المترافق مع ضمور الهوية الوطنية، وربما لا تتوقف عند تلقّي الدعم العابر للحدود وإيجاد ارتباطات وكيانات دون الدول من حيث التنظيم وفوق الدولة من حيث النشاط؛ فربما تؤول الأمور إلى ما هو أخطر عندما تتحول برامج النخب وصنّاع القرار إلى قناعات راسخة في عقول الجماهير. حينها فإنّ الهوية الوطنية تختفي تمامًا بوصفها عاملً مؤثّرًا وضامنًا لبقاء الحد الأدنى من العلاقات الودّية بين أطياف الشعب، ليصبح كلّ فرد ينتمي إلى مجموعة سياسية أو إثنية أو دينية يستشعر الخطر من أيّ فرد أو مجموعة مختلفة. ويبدو أنّ الإعلام ووسائل التنشئة والتربية السياسية على تنوعها كانت فعّالة جدًّا في تهيئة أنفس الجماهير؛ بحيث تصبح مستعدّةً للدخول في مواجهة شعبية طاحنة مع أول عملية دفع تقوم بها النخب المحلية أو الإقليمية في اتجاه تأجيج الصراعات الفئوية. تكمن خطورة هذه المرحلة في ما يمكن أن تؤول إليه الأمور بسبب السياسات الهجينة للنظام أو العناصر العاملة في بيئته التي ربما تعتمد سياساتٍ هجينةً أيضًا، بحيث يصبح التغيير والإصلاح أمرًا لا يمكن تحقيقه من خلال مراجعات إدارية وسياسية وقانونية بالحذف أو الإضافة أو التعديل، كما لا يمكن أن تكون إطاحة النظام كافيةً للدخول في مرحلة جديدة من التحول الحقيقي نحو الديمقراطية. فما هو قائم في هذه المرحلة أنّ كلّ فئة في النظام الهجين كوّنت ثقافةً سياسيةً تعدّ أيّ قوة للمختلف السياسي أو الديني أو الإثني تهديدًا وجوديًا لها. وبناءً عليه، فإنّ زوال الأطر التنظيمية لهذه الفئات أو زوال مبرر وجود التنظيمات بعد تغيير النظام لا يعني بالضرورة زوال تلك الثقافة السياسية أو تراجع حضور الهوية الفئوية لمصلحة إعادة إحياء الهوية الوطنية، وهو ما يفسّ سلوك الجماهير العنيف معنويًا وماديًا في مراحل التغيير. وما يعزّز استمرارية حالة التشظّي على المستوى الشعبي هو ألّ تكون دعوات الإصلاح والتغيير في المراحل الانتقالية من جهات غير متباينة على أساس برامجي فقط، وإنما على أساس أيديولوجي أو مذهبي أو إثني. وهو خطأ وقعت فيه قوى التغيير في مرحلة ما بعد بدء الثورات العربية، بصورة أوضح، عدم إدراكها أنّ الجماهير ما زالت تغذّيها ثقافة تفتيتية بفعل عقود من ترسيخ فكرة تناقض المتباينات بدلً من تكاملها. ربما تكون هذه الجماهير، بهذه الثقافة السياسية، مهدّدًا رئيسًا للتحول الديمقراطي، حتى في ظل انقطاع الدعم الدولي للأنظمة الهجينة وسقوطها أو سقوط رؤوسها على أقل تقدير؛ إذ إنّ هذه الأنظمة في الإقليم نفسه ستحاول حماية نفسها من خلال محاولة إفشال أيّ مشروع للتحول الديمقراطي. وهي بذلك لا تحمي النظام الهجين المستهدف فقط، وإنما تحمي نفسها من إمكانية انتقال تجارب التغيير. ومحاولات إفشال التغيير في منطقة المشرق العربي، وربما في منطقة شمال أفريقيا أيضًا تتم من خلال تكاتف قوى الفساد. فالنخب الحاكمة في البلدان العربية التي لم تصل إليها رياح التغيير حتى اللحظة باتت تدرك أنّ القوى الخارجية لن تتمسك بها إلى ما لا نهاية؛ لذلك بدأت حملةً ممنهجةً وهادئةً لتكوين آلية حماية جديدة لا تعتمد على القوى الغربية بالأساس، بل على تكاتف قوى الفساد في الوطن العربي "بحيث يتم سحب وانتشال أي من عناصرهم إذا ما تخلّ عنه الراعي الرئيس، وفي حال سقط أيّ من عناصرها فإنها تحاول جاهدة استبداله بعنصر من الفئة نفسها لتضمن عدم اختلال المنظومة وانهيار التكاتف"23، يساعدها في ذلك وجود القاعدة الجماهيرية الحاملة للثقافة السياسية الموضحة سابقًا التي ربما تعدّ التحول الديمقراطي خطرًا يهدد وجودها؛ كالتيارات السياسية التي كانت تمثّل ظهيرًا للأنظمة المستهدفة، والمجموعات الدينية والإثنية التي تعدّ أقلياتٍ في الدول التي بدأت فيها إرهاصات التغيير. وبناءً عليه، فإنّ استمرار أدلجة أطاريح التغيير ومذهبتها فيه منفعة لجبهة الفساد. وتظهر المنفعة في شكلين؛ "الأول: عبر تصوير الصراع على أنه خلاف سياسي أو فكري أو أيديولوجي، وبالتالي فإن إمكانية التسوية قائمة وهناك مكان للحلول الوسط، فتضمن جبهة الفساد لنفسها مكانًا حتى في أضعف حالاتها. أما الثاني وهو أن انجرار خصومهم في جبهة الإصلاح إلى فخ التجاذبات الفئوية التي تتغذى على التنوع الفكري

  1. بلال الشوبكي، تكاتف قوى الفساد، الإسلام اليوم، شوهد في، في 017/3/9:2 http://bit.ly/2lG7M5Q

والديني يعني أن إعادة تشكيل التحالفات في حلبة الصراع ليست سوى مسألة وقت، فما إن تُجنّد الأموال ووسائل الإعلام لخدمة تحويل الصراع من معادلة فساد مقابل إصلاح إلى معادلة أديان ومذاهب حتى تنزلق بعض قوى جبهة الإصلاح لتتحالف مع جبهة الفساد، فتَحوُّل طبيعة الصراع أفقدتهم التناقض مع خصومهم الحقيقيين، فيما تشكّل تناقض وهمي جديد وصراع هويات مختلق مع حلفائهم المفترضين"24.

الاستنتاجات

لقد بدا جليًّا أنّ الأدبيات التي ناقشت مفهوم النظام الهجين قد جعلت الانتخابات في ظل البيئة السلطوية العامل الأساسي وربما الوحيد المبرّر لاستخدام مصطلح النظام الهجين. ووفقًا لهذا الطرح فإنّ كثيرًا من الدول التي يوجد فيها مساحة للعمل الديمقراطي من دون الوصول إلى إجراء انتخابات قد يُستثنى من دائرة النظم الهجينة. إلا أنّ هذه الدراسة تعتمد مفهومًا أكثر مرونةً بوصف الانتخابات أحد مظاهر الديمقراطية وليست المظهر الوحيد. وبناءً عليه، فإنّ أيّ سياسات ديمقراطية لنظام سياسي ما، مترافقة مع سياسات سلطوية، ربما تدفع إلى وصف ذلك النظام بالهجين، وأغلبية دول المشرق العربي تدخل ضمن هذا التصنيف.

كما بدا واضحًا أيضًا في تلك الأدبيات استصعاب التمييز بين النظم الانتقالية الساعية لتحقيق الديمقراطية، والنظم الهجينة، بوصف المراحل الانتقالية ربما تتسم ببعض مظاهر الديمقراطية والسلطوية في آنٍ وحد. إلا أنّ هذا الاستصعاب يبدو مبالغًا فيه، بالنظر إلى إمكانية التمييز من خلال الجهة القائمة على صنع القرار؛ إذ إنّه لا يمكن لنا وصف السياسات الديمقراطية في ظل بيئة استبدادية على أنّها جزءٌ من عملية تحوّل ديمقراطي إذا ما كان القائمون على هذه السياسات هم من خلقوا البيئة الاستبدادية أساسًا، أو أنّهم يمثّلون امتدادًا لمن أسّس لهذه البيئة السلطوية. وهو ما يقودنا إلى أنّ دعوات الإصلاح في المشرق العربي التي تحاول إشراك النظم القائمة في عملية التغيير تتجاهل حقيقة أنّ هذه النظم على أتمّ الاستعداد لاعتماد سياسات تزاوج فيها بين الديمقراطية والسلطوية بما يضمن لحكمها الاستقرار، ودون أن تفضي سياساتها إلى ديمقراطية حقيقية. أما في ما يتعلّق بدور هذه الأنظمة في تحويل الخلافات السياسية إلى صراع هويّات، فهو حتميّ ما دامت تلك الأنظمة تتماهى مع مجموعة سياسية أو دينية أو إثنية، بما يجعلها تصبغ النظام ومن ثم الدولة عنوةً بهوية فئوية، وما يترتّب على ذلك أنّ المجموعات الأخرى المعارضة للنظام ستجد نفسها في موقع المهدّد وجوديًّا كون الخلاف مع النظام ليس من داخل الدائرة نفسها، فليست الهوية الوطنية قاسمً مشتركًا بين كل تلك الفئات. وهو ما يعني سعيها لتصنيع هويتها الخاصة أو تعزيز مكوّنات هويتها الفئوية بما يضمن لها التمايز والقدرة على المواجهة. وعلى الرغم من أنّ كثيرًا من الهويّات الثانوية لا يتناقض مع الهوية الوطنية، تكمن الخطورة في اختفاء مكوّنات الهوية الوطنية تدريجًا لمصلحة نمو هويات طائفية، وما يترتب على ذلك من انتقال الخلافات والصراعات من دائرة النخبة وصنّاع القرار إلى دائرة الجماهير التي تلقّت تنشئةً سياسيةً أكسبتها ثقافةً تعدّ وجود الآخر تهديدًا لها. إنّ رياح التغيير في منطقة المشرق العربي تحديدًا لا يمكن لها أن تؤسس لوضع انتقالي نحو الديمقراطية، إلا إذا تجاوزت دعوات التغيير الحدود القطرية لبلد ما، بوصف الارتباطات الإقليمية على مستوى الطوائف والأنظمة الهجينة تؤكد أنّ الأنظمة العربية في معظمها ليست سوى خلايا ناشطة ضمن منظومة فساد تعمل على مستوى قومي. وما إن تتلف خلية منها أو تُستأصل حتى تُجري المنظومة فوق القطرية الترميم اللازم لتوليد خلية جديدة. وهو ما يفسّ استماتة بعض الدول المفتاحية في المشرق العربي في الدفاع عن الأنظمة الهجينة التي ثارت شعوبها ضدّها في الوطن العربيّ عمومًا. جاءت دعوات التغيير في الوطن العربي أساسًا ردّة فعل على الاستبداد والفساد. وبناءً عليه، فإنّ المعادلة يجب أن تكون "إصلاح مقابل فساد." ومن المفترض أن تشمل قوى الإصلاح جميع المتباينات المكوّنة للشعب، إلا أنّ بعض القائمين على دعوات التغيير وعلى الثورة في بعض الدول قد أخفقوا حين نظروا إلى الصراعات من زاوية دينية أو مذهبية أو فكرية. وهو ما حوّل كثيرًا من المتحالفين ضمن جبهة الإصلاح إلى الجبهة المضادّة، تخوّفًا من أن تؤول الأمور في نهاية المطاف إلى سيطرة تيّار سياسي أو طائفي بعينه، وتُهضم حقوق الطوائف والتيارات الأخرى.

  1. المرجع نفسه.

المراجع

العربية

إبراهيم، حسنين توفيق. "الانتقال الديمقراطي: إطار ملفات وقضايا نظري." مركز الجزيرة للدراسات.. 011.2 في: http://bit.ly/2m5dcn6

الأجنبية

Brownlee, Jason. "Portents of Pluralism: How Hybrid Regimes Affect Democratic Transitions." American Journal of Political Science. vol. 53, no. 3 (July 2009). Dahl, Robert Alan. Participation and Opposition. New Haven, CT: Yale University Press, 1971. Diamond, Larry. "Thinking about Hybrid Regimes." Journal of Democracy. vol. 1. no. 2 (2002). Easton, David. A Framework for Political Analysis. Canada: Prentice-Hall, 1965. Ekman, Joakim. "Political Participation and Regime Stability: A Framework for Analyzing Hybrid Regimes." International Political Science Review. vol. 30, no. 1, 7–31 Engelmann F.C. & Schwartz, M.A. Canadian Political Parties: Origins, Character, Impact. Canada: Prentice-Hall, 1975. Freedom House. Freedom in the World: Political Rights and Civil Liberties 2014. New York: Freedom House, 2014. ___________. Freedom in the World: Political Rights and Civil Liberties 2011. New York: Freedom House, 2011. "Beyond Mohseni. Payam, Gilbert Authoritarianism: The Conceptualization of Hybrid Regimes." St Comp Int Dev. no. 46 (2011). Leonardo, Morlino. "Are there Hybrid Regimes? Or are they Just an Optical Illusion?." European Political Science Review. vol. 1. no. 2 (2009). Levitsky Steven & Lucan A. Way. Forthcoming. Competitive Authoritarianism: The Origins and Evolution of Hybrid Regimes in the Post-Cold War Era. New York: Cambridge University Press, 2010. Competitive of Rise "The Authoritarianism." Journal of Democracy. vol. 13. no. 2

Menocal Alina Rocha & Fritz Verena & Rakner, Lise. "Hybrid Regimes and the Challenges of Deepening and Sustaining Democracy in Developing Countries." Background note (2) prepared for the Wilton Park Conference on Democracy and Development. (1012- October 2007). Omair, Anas. "The Changing Profile of Media in the Arab States." Global Media Journal Arabian. vol. 2. no. 1 - 2 (Fall/ Spring 2012-2013). Puddington, Arch. Freedom in the World: Freedom Stagnation amid Pushback against Democracy. Washington, DC: Freedom House, 2007. Rutherford, Bruce K. Egypt after Mubarak: Liberalism, Islam, and Democracy in the Arab World. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2008. Schedler, Andreas. "The Menu of Manipulation." Journal of Democracy. vol. 13. no. 2 (2002). Schumpeter, Joseph Alois. Capitalism, Socialism, and Democracy. 3 rd ed. New York: Harper and Brothers, 1950. Wolfgang, Merkel. "Embedded and Defectives Democracies." Democratization. vol. 11. no. 5 (December 2004). Leah Yerkes, Sarah E. "The Nature of Civil Society in Hybrid Regimes in the MENA Region." Paper presented at the Annual Meeting of the American Political Science Association (September 4, 2010). Washington, DC. Zakaria, Fareed. The Future of Freedom: Illiberal Democracy at Home and Abroad. New York: W.W. Norton & Company Inc., 2003.