ملامح الخطاب والسياسات الشيعية في العراق بعد سقوط الموصل
الملخّص
يحلل البحث مضمون خطاب نماذج نوعية منتخبة وإشارات لأصوات ومصادر شيعية مهمة في العراق، بعد سقوط الموصل ومدن أخرى بيد تنظيم "الدولة الإس مااية في العراق والشام" عام 2014، ويضعها في سياقها التاريخي والسياسي. ويوفر البحث خلفية تاريخية لتواصل هذه القوى مع جماهيرها، وأهمية ظهور وسائل جديدة للتواصل، مثل صلاة الجمعة وخطبتها التي اكتسبت أهمية كبيرة ومتزايدة، وتحديدًا منذ عام 2014، حينما أصبح الالتفاف الشيعي خلف رسائل القيادات الدينية أكثر دلالة. كما يدرس البحث صعود قوة جديدة متمثلة بالمجاميع المسلحة الشيعية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني والمنضوية تحت لواء الحشد الشعبي، إضافة إلى المرجعية الدينية الشيعية العليا التي يتزعمها آية الله علي السيستاني والقوى السياسية الشيعية (التقليدية.) وقد توصل البحث إلى استنتاجات تشير إلى التغيرات الأهم في خطابات القوى الشيعية الرئيسة في العراق وتأثيرها، ويقدم تصورًا لأهم التوجهات المستقبلية في هذه الساحة. كلمات مفتاحية: العراق، الشيعة، الحشد الشعبي، سقوط الموصل، تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام." The paper provides indications and analysis of the positions of the most influential Shia powers and parties in Iraq after the fall of the predominantly Sunni city of Mosul and the rise of the Islamic State group in 2014. In addition to the Najaf-based supreme Shia religious authority led by ayatollah Ali al-Sistani, the Shia parties represented in government since 2003, the paper shed light on the increasingly powerful Iran-backed armed groups Popular Mobilization (Hashd Sha'abi) and how their appeal, visibility and influence had changed after the fall of Mosul. The question of the Iraqi national identity and how it interacts with the Shia identity is addressed in the paper in light of the discourse of the Shia powers and relations between Shia Iraqis and other communities. Keywords: Iraq, Shia, Hashd Sha'abi, the Fall of Mosul, ISIL.
Aspects of Shia Discourse and Policies in Iraq following the Fall of Mosul
مقدمة
مثّل سقوط الموصل وتكريت ومناطق أخرى ذات غالبية عربية سنّية في العراق، بين يومي 9 و 11 حزيران/ يونيو 0142، أكبر انهيار أمني عرفه العراق منذ عام 003.2 فمع سقوط مدينة تكريت مركز محافظة صلاح الدين وأجزاء أخرى من المحافظة، قُرع ناقوس خطر كبير بالنسبة إلى الشيعة؛ فقد أصبحت مدينة سامراء ذات الغالبية السنّية، والتي تضم الحضرة العسكرية المقدسة لدى الشيعة، تحت خطر السقوط المباشر بأيدي مسلحي تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام." أعاد هذا الأمر مخاوف الشيعة من تعرض الحضرة إلى الاعتداء، خاصة أنها قد تعرضت للتفجير في شباط/ فبراير 0062، في حادث سجل محطة كبيرة في مسار العنف الطائفي في العراق؛ ذلك أنه استثار أعمال انتقام طائفية من مليشيات شيعية غاضبة في بغداد خاصة وفي أماكن أخرى ضد مساجد ومدنيين سنّة1. أمّا بغداد، فإضافة إلى أهميتها السياسية، فهي تضم أيضًا وتحديدًا في طرفها الشمالي مدينة الكاظمية، وفيها مزار آخر مقدّس لدى الشيعة وهو الحضرة الكاظمية، وبها ضريح إمامين من أئمة الشيعة الإثني عشرية، الإمام السابع موسى الكاظم والتاسع محمد الجواد. مع تداخل التهديد السياسي لمركز الحكم العراقي الذي يسيطر عليه الشيعة ولمواقع دينية مقدسة، استفز الوجدان العام الشيعي، وتحركت عواطف مختلفة حتى في أوساط علمانية شيعية صدمت بتهديد تنظيم الدولة وسرعة اندفاع مقاتليه2. مع إعلان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي حالة الطوارئ، كانت فرق عسكرية عراقية عديدة قد انهارت بينما اختلت فرق أخرى فتقدمت المجموعات الشيعية المسلحة، والتي حظيت بدعم المالكي، لتنتشر في مناطق بغداد وصلاح الدين ومحافظات أخرى شكلت خطوط تماس مع مسلحي تنظيم الدولة الذي أعلن أن هدفه لا يقتصر على المناطق ذات الغالبية السنّية من العراق، بل يمتد إلى بغداد والنجف وكربلاء، وهي المدن التي تضم كما هو معروف المراقد التي يقدسها المسلمون الشيعة. على عكس ما حصل في الاستجابة لتفجير عام 0062 من عنف منفلت وسريع نحو أهداف جوامع سنية ومدنيين سنّة، اتسمت الاستجابة الشيعية عمومًا هذه المرة بالتركيز في مناطق التماس القتالية؛ أصبحت سامراء مركزًا رئيسًا للدفاع (الشيعي)، وعلى مدى الأيام والأسابيع تركز فيها مقاتلو الفصائل الشيعية مع عناصر الحرس الثوري الإيراني الداعمة لهم. وقد ظهر التضامن المذهبي بين إيران وشيعة العراق في تلك اللحظات الحاسمة3. لكنّ ما كان يحرك مصالح إيران، إضافة إلى العامل المذهبي، كان مصلحتها الإستراتيجية وأمنها؛ لذا امتدت مساعدتها إلى الأكراد أيضًا4. يرصد هذا البحث أهم اتجاهات القوى الشيعية الرئيسة في العراق في التعامل مع أزمة سقوط الموصل والمدن الأخرى ذات الغالبية العربية السنّية.
تأسيس الحشد الشعبي
1. الفتوى
مع الخطر الوجودي الذي مثّله صعود تنظيم الدولة، جاءت الفتوى النادرة للمرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني بالجهاد الكفائي. وقد مثّلت هذه الفتوى منعطفًا تاريخيًّا مهمًّ في علاقة المرجعية
الشيعية التقليدية التي يتزعمها السيستاني بالشأن العام؛ إذ تدفق بعدها مباشرة عشرات الآلاف من الشباب الشيعة ليلتحقوا بجهاد الدفاع عن بغداد وسامراء والمناطق الأخرى في وسط العراق وجنوبه التي باتت تحت التهديد المباشر. وقد قرئت فتوى السيستاني على لسان ممثله عبد المهدي الكربلائي وهو أحد خطيبي صلاة الجمعة في كربلاء. ومنذ ذلك الحين، تعزز دور منبر صلاة الجمعة، وباتت رسائله الأسبوعية مؤشرًا مهمًّ على رأي السلطة الروحية في الوسط الشيعي المهم والأكبر في العراق، وقد تمتع منذ 0032 بتضامن سياسي كان لإيران والمرجعية الشيعية دور أساسي في إدامته5.
2. المرجعية التقليدية وصلاة الجمعة
في أوساط المرجعيات الشيعية، على وجه العموم، اتجاهان. وهما الاتجاه التقليدي الذي لا يميل إلى التدخل المباشر في السياسة، ويتبع الطرق التقليدية في التواصل مع العامة، مثل اللقاءات المباشرة وكتابة الرسائل والفتاوى والتعليقات والتعليمات والتواصل عن طريق الوكلاء. ويقف المرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني على قمة هذا الاتجاه اليوم ومعه المراجع الثلاثة الملتفين حوله في النجف6. أمّا الاتجاه الآخر فهو ميّال إلى التصدي للشؤون العامة والسياسية بصفة مباشرة ومنتظمة، وقد مثله في العراق في العهود الأخيرة رجلا الدين محمد باقر الصدر وابن عمه محمد صادق الصدر والد مقتدى الصدر. يرى الاتجاه المرجعي التقليدي أنّ صلاة الجمعة أمر من اختصاصات الإمام الغائب، وهو في العقيدة الشيعية كما هو معلوم الإمام الشيعي الثاني عشر محمد المهدي. لذلك لم تعقد صلاة الجمعة أو خطبتها في السواد الأعظم من مساجد الشيعية طوال تاريخ العراق الحديث، حتى جاء المرجع محمد الصدر في تسعينيات القرن الماضي وأعلن أنّ شروط إقامة الجمعة موجودة وبدأ بعقدها كل أسبوع، وتحولت إلى وسيلة تواصل مهمة ومباشرة مع الجماهير من مقره في النجف أو من شبكة الوكلاء المهمة التي أنشأها في كل مدن وسط العراق وجنوبه7. بعد عام 0032، وبعد بروز الأحزاب الدينية الشيعية وصعود الهوية الشيعية السياسية وفوز الأحزاب التي تتبنى هذا الهوية وتدعي تمثيلها بالعدد الأكبر من المقاعد في كل الانتخابات التي تلت احتلال العراق، برزت أهمية صوت القيادة الدينية الشيعية، وتعطش الإعلام من أجل الوصول إليها. وإذا كانت المرجعية التقليدية قد حافظت في البداية على خطها الذي لا يرى وجوب انعقاد الجمعة في زمن غياب المهدي، فإن التيار الصدري وتيارات أخرى استخدمت منبر الجمعة لنشر رسائلها بكثافة والتواصل مع الجماهير والعالم. تغير هذا الوضع مع انحسار السيطرة الميدانية للتيار الصدري على العتبات المقدسة الشيعية أو جوارها، بعد الحملة التي شنها ضده رئيس الوزراء نوري المالكي عام 008.2 لكنّ المرجعية العليا بقيادة السيستاني اختارت أن يكون منبر إيصال رسائلها من كربلاء وليس النجف، فأصبحت الخطب في السنوات الأخيرة تقرأ على لسان رجلي الدين المقيميْ في كربلاء عبد المهدي الكربلائي وأحمد الصافي8. دفعت فتوى الجهاد الكفائي بمنبر الجمعة في كربلاء إلى مستوى جديد. فبعد أن كان المضمون السياسي في خطبة الجمعة عموميًا معظم الأحيان، باتت رسائله السياسية بعد سقوط الموصل أكثر مباشرة، ولها صلة بالتطورات التي تحصل في كل أسبوع في المشهد السياسي والاقتصادي والأمني في العراق. المسؤولية الرعوية الدينية للمرجعية الشيعية واضحة، إلّ أنّ المتابع نادرًا ما يرصد إشارة مباشرة وصريحة إلى الهوية الشيعية في الجزء
السياسي من رسائلها في خطب الجمعة، بل إنّ المحتوى الذي يشير إلى القواسم المشتركة الوطنية العراقية أكبر كثيرًا9. كان واضحًا ومعلومًا لدى الأوساط الشيعية أنّ المرجعية لم تكن راغبة في أن يقوم المالكي، والذي دخل في أزمات حادة مع الأوساط السنّية والكردية وجزء من الشيعية، بتشكيل حكومة ثالثة بعد انتخابات عام 014.2 وقد كانت خطب الجمعة الوسيلة الأساسية لإيصال هذه الرسالة إلى الجماهير، ولكن أيضًا من غير التصريح بها. ولكنّ استمرار تمسك المالكي بالرئاسة دفع بالخطب إلى الاقتراب من التصريح، فجاءت عبارات أصبحت شهيرة مثل "المجرب لا يجرب"، و"على بعض المسؤولين الرفيعين عدم التمسك بمناصبهم" رسائل لا تقبل الشك، دالة على دعوة المرجعية إلى تغيير رئيس الوزراء. وقد كان هذا في النهاية عاملً حاسمً من العوامل التي أدت إلى استبدال المالكي بسياسي آخر هو حيدر العبادي، والذي وإن كان من حزب المالكي نفسه، فقد عدّ أكثر اعتدالً وتصالحية مع المكونات العراقية الأخرى10.
3. الاحتجاجات الشعبية
اندلعت في صيف عام 0152 احتجاجات واسعة في بغداد ومدن أخرى ذات غالبية شيعية وسط العراق وجنوبه. طالب المتظاهرون، وقد كان الفاعلون منهم من تيارات أو توجهات علمانية، بالإصلاح الحكومي، ورفعوا شعارات عابرة للطائفية. اكتسبت هذه التظاهرات زخمً مهمً في أسبوعها الثاني مع تأييد المرجعية لها في خطبتها؛ إذ دعت رئيس الوزراء العراقي العبادي بصورة مباشرة إلى الإصلاح وضرب الفساد المستشري في العراق ب "يد من حديد"11. وعلى الرغم من مشاركة الكثير من سنّة بغداد في التظاهرات، والدور الأساسي الذي كان للتيارات العلمانية مثل الحزب الشيوعي العراقي في تنظيمها وقيادتها، فإنها كانت في العموم ظاهرة شيعية وطنية عراقية. ذلك أنها مثلً كانت متصالحة بل وداعمة دعمً كبيرًا لمجاميع الحشد الشعبي التي تتصدرها مجموعات مسلحة شيعية، حتى إنّ بعضهم وصف التظاهرات بالحشد المدني استخدامًا لمفردة الحشد التي بات لها معنى إيجابي لدى الشيعة العراقيين12. إنّ جزءًا كبيرًا من صعوبة قياس اندماج السنّة العراقيين مع الحركة خارج بغداد يعود إلى وقوع معظم المحافظات التي تسكنها غالبية سنّية في العراق تحت سيطرة تنظيم الدولة، وعدم إمكانية قياس الرأي العام واتجاهاته هناك. في العموم، كان المضمون الوطني العراقي الرافض للطائفية السياسية هو السائد في التظاهرات. واستمر دعم المرجعية لها في الأسابيع الأولى، لكن الإشارات المباشرة توقفت بعد أسابيع. لم يكن هذا التوقف يعني رفع الدعم عن التظاهرات، بل جاء على ما يبدو بعد إدراك المرجعية أن التظاهرات أصبحت قوية ولا تحتاج إلى استمرار التذكير بدعمها كل يوم جمعة. أضف إلى ذلك عاملً آخر مهمً وهو عدم تبلور إصلاحات حكومية أو تغييرات حقيقية لها مفعول التعامل مع أزمات العراق السياسية والأمنية والاقتصادية نتيجة للتظاهرات؛ ما استوقف المرجعية التي لا تريد بطبيعة الحال لرسائلها الموجهة إلى السياسيين والعامة أن تفقد قوتها وتأثيرها، وهذا وارد إن تكررت ولم تتحول إلى إنجازات وتغييرات. بعد أكثر من سنة ونصف السنة على ممارسة هذا النهج من الخطب ذات الرسائل السياسية المكثفة، والتي أصبحت محط اهتمام الإعلام، وصلت المرجعية إلى منعطف يبدو أنها شعرت فيه بعدم فاعلية هذه الطريقة في إحداث التغيير المنشود؛ فعلقت إصدار الخطب السياسية بعد تصريح أعلنت فيه إحباطها الصريح؛ إذ ورد على لسان ممثلها أنّ المرجعية طالبت باستمرار الحكومة في القيام بإصلاح حقيقي ومحاربة الفساد، ولكن بلا جدوى13.
دوافع الاستجابة الشيعية لتهديد سقوط الموصل
تعقيدات الدافع الطائفي الديني - الوطني
منذ تأسيس الدولة الحديثة في العراق، انخرط الشيعة في صفوف التنظيمات والحركات السياسية العلمانية، وكان منهم قادة معروفون
في هذه التنظيمات14. ومع صعود الإسلام السياسي في سبعينيات القرن الماضي، برزت الهوية الشيعية المتمايزة. وإن كان منظروها الأوائل قد ركزوا على هوية إسلامية جامعة، إلّ أنّ من وصل إلى السلطة من شيعة العراق رأى ما وصفه بالحرمان الاقتصادي والسياسي الذي تعرض له الشيعة على مدى تاريخ العراق الحديث سببًا في انبعاث الهويات الفرعية بعد 0032، ولكن فقط بصفتها مرحلة نمو من أجل الوصول إلى هوية وطنية.
اختلط الدافع الوطني بالدافع الديني - المذهبي في استجابة القوى الشيعية لسقوط الموصل. ولأن الأزمة كانت خطيرة وكبيرة، فقد كانت استجابات الأطراف الشيعية مأزومة وغاضبة من أي تشكيك في الجزء الوطني من الدوافع. تلزم فتوى الجهاد الكفائي، مثل أي فتوى أخرى، بطبيعة الحال مقلدي رجل الدين الذي يطلقها وأتباعه؛ وفي حالة العراق، فقد كان السيد السيستاني والمراجع المقربون له قد أصدروها لكن الحكومة العراقية التي يقودها والجماعات الشيعية السياسية والمسلحة المؤثرة قد رفعت الفتوى شعارًا وسندًا دينيًا – وطنيًا، وردت بتشدد على أي صوت مشكك15.
22 الشيعة والتقليد
يرتبط المؤمنون الشيعة بمراجع الدين برباط أقوى من المسلمين السنّة هو رباط الاتباع المباشر المعروف بالتقليد. وهو يعني بإيجاز أن يختار المؤمن مع وصوله سن الشباب مرجعًا معيّنًا من المراجع الأحياء المعروفين، ويقوم باتباع تعاليمه الدينية وما يصدره من فتاوى، والعودة إليه فيما يستجد من المسائل والحالات والمواقيت مثل بداية شهر رمضان وعيدي الفطر والأضحى. وإذا كان معظم الشيعة في العراق يقلد آية الله السيستاني، فإن أغلبية هذه القوى الشيعية المؤثرة سياسيًا وعسكريًا اليوم، التي استجابت للتهديد العسكري الذي مثله سقوط الموصل والمناطق الأخرى، لا تقلد السيستاني، بل إنّها تعلن تقليدها الديني للمرشد الأعلى لإيران علي الخامنئي. لكنّها مع ذلك رفعت شعار الفتوى واستخدمته بكثافة في إطار تحشيدها العام للدعم في إطار المواجهة مع تنظيم الدولة، ولكن أيضًا وبطريقة غير مباشرة مع كل من عارض مشروعها السياسي. ومن الممكن رصد اتجاه واضح في الصراع على تفسير الفتوى وخطاب السيستاني عمومًا منذ سقوط الموصل. لقد كانت خطب الجمعة للمرجعية تنص بوضوح على لفظة الحشد الشعبي، وهي المنظمة التي أسسها المالكي إطارًا لتحرك الجماعات الشيعية المسلحة واستمرت حكومة العبادي في دعمها، إلّ أنها كفّت عن استخدام هذا المصطلح فجأة ليختفي تمامًا من محتوى خطابها ويحل محلة تعبير المتطوعين الذي يختلف بوضوح في دلالته. يمثل مصطلح المتطوعين انتباهًا من المرجعية إلى دعوتها الأولى للمدنيين بالتطوع في صفوف القوات المسلحة، بينما أصبح الحشد الشعبي يمثّل بوضوح الجماعات المسلحة الشيعية العقائدية ومشروعها الذي لا يتطابق مع الخطوط المعروفة لمرجعية السيستاني، في النأي عن المشاريع السياسية المباشرة والارتباط بحركات سياسية مسلحة ذات ارتباطات واضحة بإيران16.
التنازع السياسي الشيعي حول الحشد الشعبي
11 المالكي والجماعات المسلحة
تمثلت إستراتيجية المالكي، منذ ترسّخت قاعدة حكمه بعد ضربه لجيش المهدي التابع لمقتدى الصدر عام 0082، بتجريد منافسيه الرئيسين في الساحة الشيعية، المجلس الأعلى الإسلامي العراقي بزعامة عمار الحكيم وتيار مقتدى الصدر، من ذراعيهما المسلحتين. وقد تم له ذلك مع انفصال منظمة بدر عن المجلس الأعلى عام 0092، وانضمامها إلى ائتلاف دولة القانون برعامة المالكي. أمّا التيار الصدري، فقد فتح المجال أمام المنشقين عن جيش المهدي التابع له، وتم ضربه عام 008.2 وقد تصدر المنشقون منظمة (عصائب أهل الحق) التي يتزعمها قيس الخزعلي، والتي تحالفت مع المالكي منخرطة في ما
سمي مبادرات المصالحة الوطنية17. مع سقوط الموصل، بانت بوضوح آثار الدعم الحكومي في صعود "بدر" و"العصائب"، بصفتهما أهم قوتين مقاتلتين في الميدان، وما زالتا تمثلان أقوى مجموعتين مسلحتين، وينتشر مسلحوهما في جبهات عديدة.
22 الجيش يتراجع -الحشد يتقدم
تأسست مديرية الحشد الشعبي، والتي أصبحت فيما بعد هيئة الحشد الشعبي، بقرار من المالكي بعد فتوى المرجعية. ولكنّ المجاميع المسلحة الشيعية كانت قد انطلقت فعلً، وانتشرت في بغداد وجوارها مع سقوط الموصل؛ لتشكل خط الدفاع الأهم عن العاصمة العراقية، في وقت انهارت فيه القوات النظامية العراقية في أكثر من جبهة، واختلت فيه المعنويات بشدة في العاصمة بغداد نفسها18. كانت الفصائل البارزة الحضور، إضافة إلى بدر والعصائب، كتائب حزب الله كان أيضًا من التنظيمات التي انشقت مبكرًا عن جيش المهدي وسرايا الخراساني التي قادها حميد تقوي وهو أحد ضباط الحرس الثوري الإيراني، وحركة النجباء بزعامة أكرم الكعبي الذي كان قد انشق بدوره عن عصائب أهل الحق عام.2013
الحشد بين التقليد الديني والبعد الإستراتيجي
وعلى الرغم من أنّ فتوى السيستاني أشارت بوضوح إلى أنّ على المتطوعين الالتحاق بالأجهزة الأمنية، فإن معظمهم انضم إلى المجاميع المسلحة ذات الإمكانيات الأكبر أو أصبح تحت تأثيرها. وعلى الرغم من أنّ تأكيد قادة رئيسيين في الحشد الشعبي أنهم ينفذون فقط فتوى السيستاني وإيحائهم بأن المتطوعين لم يدمجوا في تنظيماتهم حكمً، فإن تدفق المتطوعين وقتالهم تحت قيادة منظمة وفر لهذه الجماعات عنصرًا بشريًا ما كانت لتحصل عليه في الأوضاع الطبيعية. أحجمت القوى الغربية عن التدخل العسكري في أزمة سقوط الموصل والمناطق الأخرى ذات الغالبية السنّية في الشهرين الأولين، مدركة أنّ الأزمة جاءت على خلفية أزمة سياسية ذات أبعاد طائفية وقومية بين المالكي والسنّة والأكراد. وقد كانت الولايات المتحدة واضحة في أنها تنتظر تطورًا سياسيًا في بغداد، من أجل أن تتدخل عسكريًا. وقد جاء هذا التغير مع إزاحة المالكي عن الحكم، وتولي حيدر العبادي رئاسة الوزراء19. على الرغم من اعتماد الحكومة العراقية على الدعم الغربي، فإن خطاب الحشد الشعبي اتسم بنبرة شديدة العداء للولايات المتحدة، موجهًا تهمً عديدة لها بالتقاعس عن محاربة تنظيم الدولة بجدية، وإثارة العداء للحشد الشعبي20. وإذا كانت حكومة العبادي قد جاءت بالتزام إنشاء "حرس وطني" خلال أشهر في المحافظات ذات الغالبية السنّية، من أجل حل الإشكال الذي حصل بسبب سوء العلاقة بين القوات الأمنية العراقية والسكان، والتي استغلها تنظيم الدولة في اندفاعته، فإن حكومة العبادي دخلت في عمليات تسوية سياسية تمخضت في النهاية عن مشروع لتشكيل حرس وطني في المحافظات جميعها. وقد تعرقل مرور المشروع في البرلمان؛ إذ لم ترضِ هذه الصيغة الشيعة القلقين من أي توسع عسكري في المناطق السنّية، ولا السنّة الذين لم يرضوا عن خضوع الحرس لسيطرة الحكومة المركزية وقد أرادوا له استقلالية مناطقية21. في الواقع، استمر الدعم الحكومي للحشد الشعبي، وقد تطور إداريًّا تحت ظل حكومة العبادي من مديرية إلى هيئة يرأسها مستشار الأمن الوطني (فالح الفياض) ويكون رئيس الوزراء القائد الأعلى فيها22.
44 موقف التيار الصدري
كان موقف زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر متمايزًا عن الفصائل الشيعية الأخرى؛ والسبب الأهم يكمن في أنّ معظمها انشق عنه. وقد بقي هذا واقعًا مؤلمًا للصدر الذي شاهد مجموعة من أهم مساعديه والقادة الميدانيين في تياره تقود هذه المجموعات أو تقاتل
في صفوفها، وشاهد إيران وهي تدعم هذه المجاميع التي أعلنت انضمامها التام إلى المشروع الإيراني؛ دينيًا بتقليد المرشد الأعلى علي الخامنئي بصفته مرجعية دينية؛ وسياسيًا بالارتباط بالطروحات الإيرانية؛ وعسكريًا بتحصيل الدعم العسكري المستمر من الحرس الثوري الإيراني في مجالات التدريب والتسليح والدعم23. على هذه الخلفية المباشرة، وعلى أساس فكرة عروبة بل وعرقنة المرجعية التي كانت عنصرًا أساسيًا مبكرًا في صعود والد مقتدى السيد محمد الصدر للمرجعية في تسعينيات القرن الماضي، وأيضًا في سياق صراع مقتدى الصدر المر مع المالكي، اقترب الصدر من الأحزاب السنّية والعلمانية والكردية في السنوات الأخيرة؛ فأبدى تفهمً لمطالب التظاهرات السنّية، قبل أن يتم فضها بالقوة ليفتح المجال لتنظيم الدولة، بينما تبلور حول المالكي رأي عام في قطاع واسع من الوسط الشيعي ينظر بشك بل وبإدانة للتظاهرات ويتبنى طروحات المالكي في أنها كانت مقرًا لتنظيم الدولة24. لذلك، كانت ردة فعل الصدر الأولى متمايزة، حين سقطت الموصل، وأعلن تشكيل سرايا السلام في بادرة بدا أنها تعاكس المجاميع المسلحة الأخرى؛ إذ قال بعد يوم من سقوط الموصل إنّ مهمة سرايا السلام ستكون حماية العتبات المقدسة الشيعية حصرًا، وأنه لن يخوض حربًا طائفية بمليشيات قذرة، في إشارة واضحة إلى تدفق المجاميع الشيعية الأخرى للقتال في المناطق السنّية والمختلطة. وأنّ الاسم الذي اتخذه الصدر ذو دلالة قصد الطمأنة أيضًا، فاختار اسمً جديدًا هو سرايا السلام، وليس الأسماء السابقة التي تحرك تحت عنوانها مسلحو تياره مثل جيش المهدي واليوم الموعود25. وإذا كانت وسائل الإعلام في العراق وحتى في العالم العربي خضعت للضغط الشعبي الشيعي والحكومي العراقي الرافض لوصف المجاميع المسلحة الشيعية بالمليشيات، فإن الصدر استمر في ذلك هو وأتباعه، بل وغالبًا ما أردف وصفه بنعوت قبيحة مثل المليشيات القذرة أو الوقحة26. لكنّ التيار الصدري لم يستطع الصمود مع صعود النوعية العسكرية في الوسط الشيعي، خصوصًا بعد فتوى السيستاني والطريقة التي تبنتها بها المجاميع المسلحة؛ فأقام استعراضًا عسكريًا كبيرًا لمسلحي تياره في معقله في بغداد في مدينة الصدر ضم الآلاف من المسلحين. ومن ذلك الحين، شاركت سرايا السلام بصفة فصيل في الحشد الشعبي، لكنّها حافظت على استقلاليتها وعدم تحركها سياسيًّا مع باقي الفصائل. كما ركزت وجودها العسكري في مدينة سامراء وجوارها، وهي المدينة التي تضم مراقد شيعية، في انسجام مع الفكرة الأولى لتشكيلها، فيما توزعت باقي مجاميع الحشد الشعبي على جبهات متعددة27.
الحشد الشعبي والعلاقة بين الشيعة والسنّة
11 المقاومة
على الرغم من التأثير الإيراني الكبير في الساحة السياسية الشيعية العراقية وأوساطها داخل العراق منذ عام 0032، فإنها وقعت أيديولوجيًا وإستراتيجيًا في وضع غريب؛ فالتنظيمات الشيعية الإسلامية العراقية انخرطت في المشروع الأميركي لإقامة نظام جديد في العراق على أسس الانتخابات، حتى أنّ فيلق بدر نفسه أعلن تحوله إلى منظمة سياسية تشارك في الانتخابات. وقد وصلت الأحزاب الدينية الشيعية العراقية إلى السلطة بفضل انخراطها الموحد في العمل السياسي، فيما رفعت التنظيمات السنّية راية "المقاومة" ذات الجاذبية الكبيرة. دعمت إيران تمرد مقتدى الصدر وانتفاضاته ضد الأميركيين، لكنّ فكرة المقاومة بقيت مرتبطة بالمجاميع السنّية حيث المجتمع معاد بصورة عامة لنظام ما بعد 003.2 أتى الحل الإيراني في النهاية من الانشقاقات التي حصلت داخل حركة مقتدى الصدر، في البداية من مساعديه الذين رفضوا قبوله مبادرات وقف إطلاق النار عام 0042، وتجميد 2 28جيش المهدي التابع له عام.007 وقد تصاعد عمل هذه الجماعات في السنوات الأخيرة للوجود الأميركي وعلى رأسها عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله، وقد احتفلت هذه
الجماعات بالانسحاب الأميركي عام 0112، وادعت أنه يمثل نصرًا لها. لكن حتى ذلك لم يرسّ خ فكرة شعار المقاومة ومبدأها داخل الوسط الشيعي حتى ظهور الحشد الشعبي. في إشارة ذات دلالة مهمة وواضحة رمزيًا وإستراتيجيًا، اتخذت معظم المجاميع المسلحة المنضوية إلى لواء الحشد الشعبي أعلامًا تشبه إلى حدّ بعيد علم حزب الله اللبناني بحضور الذراع التي ترفع البندقية فيه. ويمثل حزب الله اللبناني أهم نجاح في سياسة مد التأثير الإيراني إقليميًا وإنشاء جماعات موالية لأيديولوجية ولاية الفقيه. بالنسبة إلى المجاميع الشيعية العراقية المنشقة عن تيار الصدر، مثل حزب الله النموذج الأهم للاتباع، مع أنّ العراق أكبر جغرافيًّا وسكانيًّا من لبنان كثيرًا. وعلى الرغم من أنّ الشيعة فيه يشكلون أغلبية سيطرت على المشهد السياسي منذ عام 0032، فإن فكرة المقاومة التي امتلكها حزب الله في لبنان وفق إستراتيجية منظمة دامت لسنوات ثمّ انخراطه في العمل السياسي البرلماني (منذ 992)1 والحكومي (منذ 005)2 كانت إلهامًا للمجاميع المسلحة الشيعية العراقية المنخرطة في الحشد الشعبي29. يقوم الخطاب الإعلامي للحشد الشعبي على مستوى وسائل الإعلام شبه الرسمية على تمجيده بصفته حاميًا للعراق ككل، لكنّ وسائل الإعلام الخاصة بالمجاميع المسلحة نفسها تقدم مصطلح المقاومة الإسلامية لوصف منظماتها. وفي العادة يتم استخدام المصطلحين (متلازمين أو منفصلين) في خطاب هذه المنظمات؛ فالمقاومة الإسلامية هي التعبير الأيديولوجي المفضل والحشد الشعبي هو التعبير ذو البعد الوطني والرسمي. وقد امتد هذا الخطاب ليضفي القدسية على الحشد الشعبي؛ إذ يظهر في خطاب مؤيديه بصيغة "الحشد الشعبي المقدس" عند الإشارة إليه. لكن من المهم هنا ملاحظة أنّ هذا المصطلح (المقدّس) لم يرد في خطاب المرجعية الشيعية، كما أنه لم يمتد ليشمل كل الشيعة وأدبياتهم وخطاباتهم. السياق الأهم هنا هو أنّ تحركًا إعلاميًّا واسعًا تقوم به مؤسسات الإعلام التابعة مباشرة لفصائل الحشد الشعبي أو المتعاطفة معها في تحشيد الرأي العام الشيعي، وما أمكن من قطاعات الرأي العام العراقي الأخرى، خلف فكرة تقديس الحشد الشعبي وتقديمه بصفته حاميًا للوطن العراقي ومدافعًا عنه30.
الحشد (الحامي)
على الرغم من أنّ جزءًا أساسيًا من جاذبية الحشد الشعبي تعود إلى توفيره الحماية للشيعة الذين يعاديهم ويستهدفهم تنظيم الدولة أكثر من غيرهم لأسباب الخلاف العقائدي المعروف، فإن خطاب فصائله يقوم على أنها تدافع عن السنّة والشيعة وكل المكونات الأخرى، بل إنّ فصائل الحشد التي تقف موقفًا معاديًا لدول الخليج العربي متهمً إياها بدعم جماعات سنّية متشددة في سورية والعراق تدعي أيضًا أنها تحمي دول الخليج من خطر تمدد تنظيم الدولة31. وفي إطار نقطة الحماية التي توفرها الجماعات المسلحة غير النظامية وغير التابعة رسميًا للدولة، فإن هناك فارقًا جديرًا بالاهتمام برز بعد سقوط الموصل. ففي أثناء سنوات العنف الطائفي المنفلت الذي ضرب العراق خلال الفترة 008-2006()2، لم تتمتع المليشيات الشيعية التي تصدرها حينذاك "جيش المهدي" التابع لمقتدى الصدر بثقة تامة من أفراد الطائفة الشيعية، بل إنّ قطاعًا واسعًا نظر إليها وإلى ممارساتها باستياء. وهذا أمر شجع المالكي على ضربها بشدة في عمليات عسكرية كان أولها وأهمها عملية "صولة الفرسان" في البصرة عام 008.2 وقدم المالكي ذلك الإجراء على أنه إعلاء لهيبة الدولة وبسط لسلطتها. أمّا في أزمة سقوط الموصل وما بعدها، فقد تبوأت المجاميع المسلحة الشيعية مكانًا فريدًا لدى قطاعات واسعة من الشيعة التي باتت تؤمن بدورها بصفتها حامية لهم. وعلى المستوى الشعبي، يمكن رصد تعابير أصبحت شائعة لوصف قادة تلك المجاميع، مثل "تاج الراس" و"حامي العرض" وما شاكل ذلك.
أهم قادة الحشد الشعبي
هادي العامري أمين عام منظمة بدر - الجناح العسكري
شُكّل فيلق بدر أثناء الحرب العراقية-الإيرانية، وقاتل مع القوات الإيرانية ثم استمر في القيام بنشاطات مسلحة حتى سقوط النظام العراقي عام 003.2 سبق تشكيل فيلق بدر قيام حزب الله اللبناني، وهما يشتركان في العلاقة القوية مع الحرس الثوري الإيراني نفسها، وكذلك الخطوط الأيديولوجية. ولكن مع عودة مقاتلي بدر إلى العراق، اندمج مقاتلوه في الحياة السياسية التي كانت ترعاها سلطات الاحتلال الأميركي، وأعلنوا تحولهم إلى منظمة سياسية مدنية.
لكنّ جهات سنّية وجهت اتهامات لبدر بالقيام بتجاوزات وأعمال 2 32عنف واغتيالات بعد سقوط النظام العراقي عام.003 كشفت أزمة الموصل أنّ لبدر، والتي قالت لسنوات إنها باتت منظمة مدنية، جناحًا عسكريًّا. أعلن عنه، واستلم أمينها العام هادي العامري - وقد كان يشغل منصب وزير النقل في حكومة المالكي الثانية)2014-2010( - قيادة هذا الجناح الميدانية. تعززت شعبية هادي العامري بوضوح، وقد مثلت حالته نموذجًا مهمً لرصد اتجاهات الرأي العام ومزاجه فيما يتعلق بعلاقة السياسة والساسة بالحشد الشعبي. فقد هزت وزارة النقل قبيل سقوط الموصل بأسابيع فضيحة كان بطلها ابن الوزير العامري الذي فاتته طائرة متجهة إلى بغداد من مطار بيروت، فاستغل نفوذه وأمر سلطات مطار بغداد بعدم السماح لها بالهبوط، فاضطرت إلى العودة إلى بيروت. انصب الغضب الشعبي على العامري، لكنّ هذا الغضب اختفى تقريبًا كله، حينما استلم العامري القيادة الميدانية لمجموعته بعد سقوط الموصل، وأصبح واحدًا من أكثر السياسيين شعبية في الوسط الشيعي33.
أبو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي
كان أبو مهدي المهندس، واسمه الحقيقي جمال جعفر الإبراهيمي، قائدًا سابقًا لفيلق بدر في إيران وعاد مع العائدين بعد 0032، إلّ أن دوره السابق كان مثيرًا للجدل؛ إذ اتهمته الولايات المتحدة بالقيام بنشاطات إرهابية ضد أهداف كثيرة أثناء إقامته في الكويت بعد هربه من العراق في أوائل ثمانينيات القرن الماضي. ومن الاتهامات التي وجهت إليه الضلوع بتفجير السفارتين الأميركية والفرنسية في الكويت، ومحاولة اغتيال أمير الكويت في الثمانينيات، حينما كانت تدعم العراق أثناء حربه مع إيران 988-1980(.)1 انتخب المهندس عضوًا في البرلمان العراقي عام 0052، لكنه لم يتمكن من حضور الجلسات؛ لأنه كان مطلوبًا للسلطات الأميركية التي كانت تسيطر على المنطقة الخضراء في بغداد حيث مقر البرلمان34. بعد انسحاب الأميركيين، أصبح دور المهندس أكثر فاعلية، وخصوصًا في علاقته مع المالكي والطبقة السياسية، لكنه استمر في العموم في التحرك في الظل بعيدًا عن الإعلام، حتى جاءت لحظة سقوط الموصل، فقد تصدر المهندس عملية التحرك للتصدي لاقتراب مقاتلي تنظيم الدولة من بغداد35. امتلكت الفصائل الرئيسة في الحشد الشعبي، والتي أشرنا إلى ما تمتعت به من الإمكانات والدعم سواء من إيران أو من حكومة المالكي على مدى سنوات وقبل أزمة الموصل، أذرعها الإعلامية من محطات فضائية ووسائل إعلام أخرى. ومع جيشان المشاعر الشعبية التي استفزتها اندفاعة مقاتلي تنظيم الدولة، امتد تأثير الحشد إلى وسائل الإعلام الأخرى. وعندما لم يرض أبو مهدي المهندس عن جزء من تغطية قناة العراقية المملوكة للدولة وشبه الرسمية، وهي المتهمة أصلً بكونها محابية للحكومة وللقوى الشيعية، وجه لها نقدًا علنيًا قاسيًا متهمً إياها بتلميع صورة الأميركيين36. فزاره وفد من كادر القناة لتأكيد تأييدهم للحشد37. كما أنّ أبو مهدي المهندس كان الأكثر وضوحًا في مهاجمة الدور الأميركي في العراق، بل وهدد السفير الأميركي واتهمه بإثارة الرأي العام ضد الحشد الشعبي كما سبقت الإشارة38.
قيس الخزعلي: أمين عام عصائب أهل الحق
مثل قيس الخزعلي رمزًا للانشقاق الأول والأهم عن التيار الصدري. وقد رعت إيران انشقاقه ودعمت تنظيمه الذي ارتبط بالحرس الثوري الإيراني. فقام أثناء الاحتلال الأميركي للعراق وبدعم إيراني مباشر بعمليات نوعية ضد الأميركيين، ثبتت فيها كفاءة مقاتليه وحسن تدريبهم وتجهيزهم39. يُقدم الخزعلي في الفضائية التي تتبع لجماعته وفي إعلام الحشد الشعبي عمومًا بصورة جذابة بالمعايير العراقية؛ إذ لم يعد يقتصر على لباسه الديني التقليدي من عباءة وعمامة، بل بدأ يظهر بصورة متزايدة رمزًا للشباب المقاتل ببدلة الكوماندوس ونظارة شمسية لامعة، أو بالزي العربي التقليدي في أماكن أخرى ويغدق عليه أنصاره صفات المديح40.
تأثير سقوط الموصل في ديناميكية العلاقات السياسية - الطائفية
11 كردستان
مثّلت أزمة سقوط الموصل شرخًا جديدًا في العلاقة بين الشيعة والكرد في العراق؛ فقد تبادل المالكي ورئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني الاتهامات بالمسؤولية حول سقوط المدينة المتاخمة لإقليم كردستان. وكان المالكي قد أعلن قبل ذلك وفي سنواته الأخيرة المليئة بالأزمات عن نهاية التحالف الشيعي - الكردي الذي نسج منذ أيام معارضة نظام الرئيس السابق صدام حسين، واستمر بعد إطاحته عام 0032، مشكلً ملمحًا مهمً للسياسة العراقية، ومؤثرًا تأثيرًا فعالً في الطريق التي سارت فيها السياسة منذ عام 2003 41. سارع البرزاني بعد أيام من سقوط الموصل بالدعوة إلى تنظيم استفتاء حول انفصال الإقليم واستقلاله عن العراق؛ إذ قامت طروحاته إضافة إلى المطلب التاريخي الكردي بالاستقلال، على النأي بالنفس عن الصراع الشيعي الكردي الذي ضرب الجزء العربي من العراق42. حشدت مضاعفات ما حصل في الموصل آراء كثيرة من جهات شيعية فاعلة ضد البرزاني في أكثر من موقف منذ عام 0142؛ فقد انتقد هادي العامري قوات البيشمركة الكردية متهمً إياها بأنها قوات "كارتونية"، هربت أيضًا حينما تقدم مسلحو تنظيم الدولة على مناطق كانت فيها. أمّا قيس الخزعلي، فتصدر المواجهة الكلامية مع البرزاني، بل وهدد علنًا بمواجهة أعنف قد تأتي في المستقبل43.
22 الحشد والسنّة
لا تهاجم خطابات قادة الحشد والمتحدثين باسمه ومواقعه الرسمية السنّة على أساس هويتهم، بل تشدد على أنّ الحشد يدافع عن مناطق السنّة قبل الشيعة. وفي الحقيقة، فإن بعض الفروع المحلية لعشائر سنّية كانت تقاتل مع مجاميع الحشد، لكنّ معظم الممثلين السياسيين للسنّة ووسائل الإعلام التي تمتلكها جهات أو شخصيات سنّية اتخذت موقفًا حذرًا ومحذرًا من دخول الحشد إلى مناطقهم44. من الصعب الحكم عل موقف سنّي جماعي بعد أزمة سقوط الموصل؛ فقد تشتت المجتمع السنّي في العراق، على العكس تمامًا تقريبًا من المجتمع الشيعي الذي توحد على خلافاته خلف تضامن مذهبي – وطني، تقوم منطلقاته على رفع شعار وحدة العراق والعمل تحت مظلة الدولة؛ ولكن تحديدًا الدولة التي تهيمن على مراكز القرار فيها قوى شيعية، في حين تخبط القرار الإستراتيجي السنّي بين تبني أطروحة العراق الموحد أو الدعوة إلى مشاريع إقامة أقاليم فدرالية أو إقليم فدرالي سنّي أو الانفصال45. وقد جاءت دعوة قوى سنّية مؤخرًا إلى الاستعانة المتزايدة بالدور الأميركي، بل والترحيب بتدخل أميركي بري تذكيرًا بسيناريو عكسي؛
فقد نادت قوى شيعية، قبل مئة عام وبعد تأسيس الدولة الحديثة وإحساسهم بسيطرة قوى سنّية على الحكم، بعودة الحكم البريطاني المباشر الذي كانوا قد ثاروا عليه كما ثار السنّة على الاحتلال الأميركي46. وفي العموم تضاربت أيضًا الروايات حول التعامل مع السكان المدنيين السنّة الذين ينزحون من مناطقهم؛ ففي حين يوكد الحشد أنه لا يميز ضدهم ويريد إشراكهم، يشتكي سياسيون سنّة من أنّ الحشد ينفذ مخططًا للتغيير الديمغرافي في مناطق السنّة التي ينشط فيها47.
الاستنتاجات
شكلت فتوى المرجع الأعلى الشيعي علي السيستاني العلامة الأهم والأشد تأثيرًا لخطاب الجهات والقوى الشيعية في العراق، حتى تلك التي لا تتبع مرجعية السيستاني من الناحية الدينية. ويعود هذا إلى أسباب عديدة أهمها أن الخطر الذي أحس به المجتمع الشيعي، خصوصًا في العراق بعد احتلال تنظيم الدولة للموصل ومناطق أخرى بسرعة، كان خطرًا داهمً عامًا وجوديًا، يهدد المراكز السكانية الشيعية بخطر التعرض للعنف الجماعي، ويهدد بالخراب المزارات التي يقدسها الشيعة وتضم مراقد ائمتهم، ولكنه يهدد أيضًا سيطرة الأحزاب الشيعية على حكم العراق.
يمتد تأثير السيستاني في اتجاه عمودي في عموم الجمهور الشيعي، أمّا سياسيًا وعلى الرغم من ابتعاده عن التدخل المباشر في السياسة، فإن له تأثيرًا كبيرًا في العملية السياسية في العراق، ومباركته رئيسة لأي عملية قرار مصيري أو تحول مهم في قمة السياسة. لقد هز تنظيم الدولة الرأي العام العالمي، ببروزه خطرًا أكبر على السلم، قادمًا من منطقة تعصف بها الخلافات الشيعية والسنّية. وفي المقابل رأت قوى رئيسة عالمية في خطاب السيستاني أملً في صوت إسلامي مغاير وشريك في مواجهة الفكر المتشدد، خصوصًا أن هذه القوى تراهن دائمًا على تمايز السيستاني عن المدرسة الإيرانية وعدم تبنيه لنهج ولاية الفقيه السياسي. ومن المهم هنا الانتباه لزيارة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون للسيستاني في بيته؛ إذ سمح السيستاني وفي بادرة نادرة بالتقاط صورة له مع ضيفه ونشرها، وكذلك إشادة كثير من المسؤولين الأميركيين بالمرجع الشيعي، مع أن السيستاني رفض على الدوام استقبال أي وفد أميركي رسمي48. بناء على هذا، كان من المنطقي أن تعتمد القوى الشيعية على محاولة التوحد والالتفاف خلف عناوين كبيرة وتجاوز الخلافات الداخلية، والعنوان الأكبر هو مرجعية السيستاني. وفيما يخص الهوية الوطنية، فالالتفاف حول السيستاني وخطابه الذي يراعي أن العراق لا يعيش فيه الشيعة وحدهم، تأتي معظم الرسائل بصيغة وطنية جامعة ولا تحوي تعابير شيعية، خاصة في الجزء السياسي من خطبة الجمعة، وهي كما أو ضحنا وسيلة التواصل الإعلامي الأساسية للمرجعية. وفرت أزمة الموصل أيضًا كما بيّنا صعودًا لظاهرة الجماعات المسلحة، وهي إن قدمت نفسها باسم الحشد الشعبي وفي إطاره، فإن مشروعها الواضح والاسم المفضل لها هو المقاومة الإسلامية، في محاكاة للإطار الذي تحرك فيه حزب الله على الساحة اللبنانية والعربية والإسلامية. بعد سقوط الموصل، أصبحت القوى المسلحة الشيعية أكثر صراحة وتباهيًا في إعلان ارتباطها بإيران وبالحرس الثوري الإيراني، واستمالت معها قطاعات مهمة من الرأي العام (الشيعي) وخصوصًا الشاب بخطابها القوي المتصدي للخطر الذي يمثله تنظيم الدولة49. لذلك، فإن تأثير الدعاية السياسية لهذه التنظيمات من المتوقع أن يستمر ويتصاعد في المستقبل، سواء إذا استمر خطر تنظيم الدولة أو انحسر؛ ذلك أن هذه القوى تمضي في عملية بناء السرديات والرموز التي
تنتج من هذه المواجهة العسكرية. المهم هنا أن هذه القوى - وكما هي الحال في لبنان - تدعي أيضًا تمثيلها للهوية الوطنية العراقية في خطابها، بل إنها باتت أكثر تأزمًا في هذا الادعاء وعدم تقبل القوى التي تعترض عليه. وباتت المقاومة والحشد المظلة الثورية التي توفر مع فتوى السيستاني (المشروعية) التي تتعامل بها هذه القوى مع معارضيها. وعلى الرغم عدم تأييد مرجعية السيستاني التقليدية لهذا النهج، فإنه من غير المتوقع أن يسحب فتواه أو يغيرها في ظل أوضاع استمرار تهديد تنظيم الدولة. أدت أزمة سقوط الموصل إلى تعرض الأحزاب السياسية الشيعية التقليدية التي تهيمن ع ىى الساحة منذ عام 2 003 لهزة كبيرة؛ إذ تصاعدت مشاعر الحنق الشعبي من الفشل المركب السياسي - الأمني الاقتصادي، وارتدت الجماهير الشيعية إلى ملاذات خطاب مرجعية السيستاني، وإلى ما بدا أنه النقاء المبدئي لمقاتلي الحشد الشعبي مهما وجهت إليهم خاصة من أطراف غير شيعية. أتت استجابة هذه القوى في إطار الانضمام إلى الحشد بتشكيل أو إعادة تنظيم أو إعلان لجماعات مسلحة مثل (سرايا عاشوراء التي شكّلها المجلس الأعلى الإسلامي بزعامة عمار الحكيم، أو سرايا السلام التي شكّلها مقتدى الصدر.) كما أن رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي هزم الجيش العراقي تحت قيادته في الموصل استطاع وضع نفسه في مكان السياسي الأقرب إلى الحشد الشعبي، بتكرار ظهوره مع أبرز قادة الحشد في المناسبات العامة، وتقديم هؤلاء فروض الاحترام له. من الواضح أن مجاميع الحشد الشعبي المسلحة سيكون لها دور كبير في أي عملية تغيير سياسي مقبلة في العراق، وأن الولايات المتحدة التي يصنفها الحشد الشعبي عدوًا له ستواجه مصاعب في أي عملية تدخل سياسي مقبل في العراق، إذا لم تصل إلى صيغ ترضي مجاميع الحشد. أمّا الخطر الأكبر الذي يواجه العراق، فهو طبيعة العلاقة بين مكوناته بعد تحرير الموصل والمناطق الأخرى التي يحتلها تنظيم الدولة. فقد تعثر إقرار قانون الحرس الوطني الذي مثل في جزء منه وصفة تشريع وتشجيع للعمل (السني) المعادي لتنظيم الدولة، في صيغة تشبه صيغة الصحوات التي قاتلت تنظيم القاعدة في العراق واضعفته بشدة عام 0082، كما لم تتطور أي مبادرة واضحة للمصالحة الوطنية بين مكونات العراق السياسية والطائفية والمجتمعية. وعلى الرغم من التقدم العسكري الواضح للقوات العراقية منذ سقوط الموصل، فإن الأوضاع الموضوعية التي أدت إلى حدوث تلك النكسة ما زالت قائمة. وفي الوقت الذي يراهن خطاب القوى الشيعية عمومًا على أن اندحار تنظيم الجولة عسكريًا وتحرير المدن التي يحتلها سيعزز الشعور الوطني ويؤدي إلى استقرار سياسي، فإن ذلك ليس مضمونًا إذا لم توجد صيغة سياسية جديدة مختلفة عن تلك التي كانت موجودة في العراق في صيف عام.2014
المراجع
العربية
الآغا، يوسف. حزب الله، التاريخ الأيديولوجي والسياسي 2008-1997(). ترجمة نادين نصر الله. بغداد/ بيروت: دراسات عراقية،.2008 المياحي، عباس الزيدي. السفير الخامس، استعراض لحياة ومرجعية الإمام الصدر والعلاقة بين الحوزة والجماهير. بيروت،.2001 نقاش، إسحاق. شيعة العراق، ترجمة عبد الإله النعيمي. دمشق: المدى سورية،.2003
الأجنبية
Cockburn, Patrick. Moqtada al-Sadr and the Fall of Iraq. London: Faber and Faber, 2008. Cohrane, Marisa. Iraq Report 12: The Fragmentation of the Sadrist Movement. Institute for the Study of War, Washington DC: 2009. Gordon, Michael R. & Bernard Trainor. The Endgame: The Inside Story of the Struggle for Iraq, from George W. Bush to Barak Obama , New York: Pantheon Books, 2012.