الاتفاق النووي الإيراني مع السداسية الدولية وأثره في العلاقات الإيرانية - السعودية

Eva Haddad إيفا حداد |

الملخّص

تسعى هذه الدراسة للتعرف إلى أثر الاتفاق النووي الإيراني مع السداسية الدولية (5 + 1) في العلاقات الإيرانية - السعودية، من خلال تتبع مسار الملف النووي الإيراني منذ بداياته إلى حين التوصل إلى الاتفاق الذي عدّته إيران إنجاز ا مهمً ا واعتراف ا دوليا بموقعها الإقليمي وحقها في امتلاك برنامج نووي للأغراض السلمية. لقد حملت نتائج الاتفاق معها بوادر تعزيز نفوذ إيران في المنطقة، وترجيح كفة ميزان القوى الإقليمي لمصلحتها. إن عدم الارتياح السعودي للاتفاق النووي وتأثيراته في ميزان القوى الإقليمي واحتمالات التقارب الأميركي - الإيراني حينها، على الرغم من التطمينات الأميركية وانفتاح الخطاب السياسي الإيراني برئاسة حسن روحاني، لم يمك ن سياسة أي من الدولتين من إنجاز تقارب يُذكر. ومن المرجح أن تزيد سياسات ترامب عدائية إيران وتصادمها مع العالم، بما في ذلك المملكة العربية السعودية. كلمات مفتاحية: إيران، السعودية، الاتفاق النووي الإيراني. This study aims to identify the impact of the Iranian nuclear deal with the P5+1 on the Iranian-Saudi relations through tracing Iran's nuclear file path from its early stages until reaching the JCPOA. Iran considered this deal an international recognition of Iran's regional power and its right to have a nuclear program for peaceful purposes. This has posed a clear threat on the regional balance of power, disquieting Saudi Arabia. On one hand, despite the US assurances to KSA and the relative openness of the Iranian political discourse, there have not been any signs of improvement on the Iranian Saudi Relations. On the other hand, Trump's policies may increase Iran's hostility and therefore a state of wariness will continue to be the main feature in the Iranian Saudi relations. Keywords: Iran, Saudi Arabia, the Joint Comprehensive Plan of Action (JCPOA).

Iran's Nuclear Deal with the P 5 + 1 and its Impact on Iranian-Saudi Relations

مقدمة

توصّلت إيران في تموز/ يوليو 0152 مع السداسية الدولية (الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن، إضافة إلى ألمانيا) إلى اتفاق تاريخي، وسم عقدًا ونيّفًا من المخاوف الإقليمية والعالمية التي أثيرت بشأن سعي إيران لحيازة سلاح نووي. على مر الاثنتي عشرة سنة الماضية، لم تكن احتمالات نشوب حرب تواجه فيها قوى الغرب إيران، وتضرب مدنها ومنشآتها، ببعيدة. وراوحت التكهنات حول مقدرة العالم الغربي، وبالأخص الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها في المنطقة، على خوض حرب كبرى ثالثة بعد حربي أفغانستان والعراق، واللتين خلفتا آثارهما الثقيلة في النواحي العسكرية والاقتصادية والسياسية في الولايات المتحدة؛ ما اضطرها إلى إعادة حساباتها، واللجوء إلى الأمم المتحدة لتتمكن المنظمة من فرض عقوبات مشددة على إيران، وعزلها أكثر عن المجتمع الدولي. ترى إيران في هذه العقوبات - وما تبعها من مفاوضات حول ملفها النووي حتى توصلت إلى الاتفاق النووي - نقطة قوة وانتصارًا؛ إذ استطاعت إثبات وجودها من حيث هي قوة دولية مؤثرة، وحصلت على اعتراف عالمي بأنها لم تخضع لتهديدات العالم الغربي، بل على العكس اضطرت تلك الدول إلى التفاوض والتحاور معها بصفتها جزءًا مهمً وفعالً للتوصل إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف. لقد تمكنت إيران من فك الحصار المفروض عليها، والحصول على فرصة جديدة لإعادة النظر في إستراتيجياتها الدولية، وخصوصًا ما يتعلق منها بالشرق الأوسط الذي لا يمكن لها أن تنكر سعيها لفرض هيمنتها عليه أو على الأقل تعزيز دورها فيه؛ شرق أوسط مضطرب تصاعدت فيه الحوادث بعد سقوط بغداد في 0032، وهو العام ذاته الذي كشفت فيه هيئة الطاقة الذرية عن محاولات إيران لتخصيب اليورانيوم. ومع موجة الربيع العربي، ازداد تأزم المنطقة، وانفتحت أكثر على التدخلات الخارجية؛ فغدت ساحةً رئيسة لصراع الأجندات الإقليمية والعالمية على دول أنهَكَتها المشكلات والأزمات والحروب، تعاني فشل الدولة وغياب حكم القانون، وتخضع لمعادلات فُرضت عليها خارجيًا. لا شكّ في أن كل هذه التحولات قد كانت سببًا لاختلال ميزان القوى في الإقليم؛ فمع تراجع الدور المصري وما سبقه من غياب العراق القوة الرئيسة في المعادلة الإقليمية، خاصة أمام إيران، بات التنافس السعودي - الإيراني واضحًا، وذلك بناءً على ما يراه كل منهما حفاظًا على أمنه القومي ومصالحه الإستراتيجية. تكمن مشكلة الدراسة في مدى قدرة الاتفاق النووي الإيراني الأخير على أن يقود إيران إلى نوع جديد من العلاقات مع السعودية، بعد أن أثبت هذا الاتفاق بوادر عملية لتقاربات إيرانية على الساحة الدولية، وأدى نسبيًا خلال عامه الأول إلى حالة من الانفتاح الأميركي - الإيراني متمثلة على وجه الخصوص بتوقيع المعاهدة، والاعتراف بموقع إيران قوة إقليمية مؤثرة، وبقدرتها على امتلاك برنامج نووي سلمي مراقَب دوليًا بشروط محددة.

ترى واحدة من وجهات النظر الإيرانية "أن ما تسعى إليه إيران هو إقامة توازن عسكري مع منافسيها الإقليميين"1 ابتداء من جيرانها على حدود الخليج وأبرزهم القوة السعودية، وكذلك "الخطر الإسرائيلي حيث صدرت عن إسرائيل تهديدات باستهداف محطة بوشهر للطاقة الذرية في حال إكمال بنائها وهذا الموقف العدائي يدفع إيران إلى اتخاذ إجراءات وقائية"2. على مستوى منطقة الخليج العربي وبناءً على موقعها الجغرافي الإستراتيجي والحيوي، رُبطت المناطق المحيطة بها بالتأثيرات والتغييرات السياسية والاقتصادية والعالمية. ولا يقتصر ذلك على الموقع فحسب، "فهي تحظى أيضًا بأهمية اقتصادية وثروات نفطية وغازية تعد مصدرًا مهمً لتغذية الطاقة في العالم"3. إن إيران والمملكة العربية السعودية لهما دور حيوي وإستراتيجي، وعلى الرغم من التقارب الجغرافي والديني، فإن الانقسام الأيديولوجي والإستراتيجي والتاريخي يحدّ من فكرة نشوء علاقة إيجابية ونوعية بينهما، خصوصًا على المدى القريب. "فعلى الرغم من أن هذه العلاقات، وبحسب متطلبات الوضع، كانت تسير إمّا إلى التعاون أو التضاد وعدم الوفاق، إلا أننا كنا دائمًا نجد جذور الاختلاف واضحة في علاقة البلدين حتى في عهود الوفاق والتفاهم"4. إذًا، تستمد الدراسة أهميتها من أن توصّل إيران إلى اتفاق حول ملفها النووي مع القوى الست الكبرى وبالأخص الولايات المتحدة

  1. حسن الموسوي، "سياسة إيران الدفاعية"، مجلة شؤون الأوسط، العدد 021 (ربيع 001)2، ص.192
  2. المرجع نفسه.
  3. بهرام اخوان كاظمي، "مسار العلاقات الإيرانية - شؤون الأوسط السعودية"، مجلة، العدد 021 (ربيع 001)2، ص.65
  4. المرجع نفسه، ص.66

يؤثر في طبيعة علاقات إيران الدولية والإقليمية، بما يعزز مكانتها على الصعيدين. وتتناول الدراسة استنادًا إلى نظرية توازن القوى احتمالات حصول تقارب إيراني - سعودي: شروطه وإمكانية تحقيق أي تقارب على المدى القريب، خصوصًا مع تمكن إيران من تعزيز موقعها في الإقليم وتقويته، وكسب الاعتراف بها بصفتها قوة مؤثرة وبإنجاز دولي متوج بتوقيع الاتفاق مع السداسية الدولية. وبهذا تهدف الدراسة إلى تبيان أهم التطورات الناتجة عن الاتفاق النووي الإيراني، بعد مرور عام ونيّف على توقيع المعاهدة، وذلك انطلاقًا من تاريخ هذا البرنامج النووي وتطوره وحقيقة تهديده للسلم الإقليمي والعالمي. يشير أحد هذه التطورات، خلال العام الأول، إلى الانفتاح الإيراني - الأميركي، وإن كان يعتريه الحذر من عدة جوانب. وتنظر الدراسة من خلال تلك التطورات إلى مدى إمكانية حصول تطور إيجابي في التفاعل الإيراني - السعودي، بصفته صورة من صور نتائج الاتفاق النووي الذي يسعى إلى انخراط إيران في المجتمع الدولي. ومن ثمّ، سنناقش مدى تأثير الاتفاق النووي الإيراني في علاقات إيران وسياستها الخارجية في المنطقة، خصوصًا تجاه المملكة العربية السعودية. ويتأكد ذلك بأن متغيرات عديدة، بما فيها فك الحصار الاقتصادي والاع اررف الدولي بموقع إيران لاعبًا أساسيًا في لعبة التطورات السياسية في المنطقة، ستتطلب من هذا البلد إعادة النظر في تدخلاته الإقليمية المختلفة، ونشاطه السياسي وآلياته، وعلاقته مع دول الخليج العربية الحليف الرئيس للولايات المتحدة. أشارت النتائج الأولية، بعد الاتفاق النووي مباشرة، إلى أن العلاقة الأميركية - الإيرانية تضمنت نوعًا من الانفتاح في ضوء ما جاء في هذا الاتفاق. فكيف نظرت السعودية إلى هذا التطور النسبي في العلاقة؟ وما هي الاحتمالات الممكنة للعلاقات الإيرانية - السعودية مستقبلً؟ وهل كان من الممكن أن تتطور العلاقات نحو الأفضل؟ أم أن السعودية ترى في هذه العلاقة خطرًا على أولوياتها ومتطلباتها الأمنية والإستراتيجية؟ تستند الإجابة عن هذه الأسئلة إلى مناقشة أثر الاتفاق النووي في ميزان القوى الإقليمي، بعد اعتراف السداسية الدولية بقدرة إيران على امتلاك القوة النووية بشروط ورقابة دولية، وكيف ساعد هذا الاتفاق، بعد مرور أكثر من عام على تنفيذه ومن خلال رفع العقوبات الاقتصادية، على توسيع الدور الإيراني في الإقليم؛ فهل تمكنت إيران بالفعل من الحصول على كل ما كانت تنتظره؟ في النهاية، سنحاول فهم تأثير الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة دونالد ترامب في الاتفاق النووي وما ترتب عليه من نتائج في عامه الأول، وانعكاس هذه التغييرات على العلاقات الإيرانية - السعودية.

أولا: البرنامج النووي الإيراني

بدايات البرنامج النووي الإيراني، وتطوره، وحقيقة تهديده للسلم العالمي

يدخل السلاح النووي ضمن تسمية أسلحة الدمار الشامل، وهي تسمية صاغتها منظمة الأمم المتحدة في 9461، وتشمل كذلك الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والإشعاعية. بيد أن السلاح النووي "يتميز عن غيره بعدة وجوه أولها الجانب القانوني حيث أنه لا يخضع لأي اتفاقية تحريم عامة ملزمة للجميع. أمّا الجانب الثاني فتقني، حيث أنه السلاح الوحيد الذي يحدث مفعول تدمير شامل لا يستثني شيئًا. وأخيرًا الجانب الإستراتيجي، حيث أنه السلاح الوحيد الذي يستخدم للردع"5. "ويمكن فهم رغبة إيران في امتلاك قدرة نووية بالإشارة إلى غايات بعينها: وسيلة رادعة للحفاظ على النظام، وأداة نفوذ إقليمي وورقة قومية لشرعية النظام وورقة للمساومة"6. وعلى الرغم مما للسلاح النووي من أهمية إستراتيجية، فإن العديد من التساؤلات طُرحت حول "مدى الحاجة إلى هذا النوع من الأسلحة، وماهي الظروف التي تستدعي استخدامها؟"، فهل هي ضرورية بالفعل لتحقيق الأهداف العسكرية والإستراتيجية؟7 تعدّ القوة النووية في حد ذاتها إضافة نوعية إلى إيران؛ فهي في أحد أوجهها تعكس حاجتها بصفتها دولة إلى الاستفادة من كل منافع القوة النووية، وما يمكن أن تقدمه لإيران حتى تسد النقص في شعور الهيبة أمام الدول الغربية المعاصرة. إذ يذهب بعض المراقبين إلى أن الروح الفارسية ما زالت تعاني إذلالات الماضي وندوبه، وتمتلك في الوقت ذاته إحساسًا قويًّا بالأهمية والعظمة؛ ويبدو ذلك جليًا في الخطاب السياسي الإيراني. ويأتي برنامج إيران النووي محاولة منها "للتفاوض بصفة علنية على الأزمة الإيرانية الكبرى المتمثلة بالحداثة، والتي تحمل في طياتها الكثير من المعتقدات والآمال والمخاوف، وهو محصلة الحالة التي تعيشها الدولة الإيرانية الحديثة"8. بدأت إيران برنامجًا نوويًا مدنيًا في الخمسينيات من القرن الماضي، بقيادة الشاه محمد رضا بهلوي الذي توصل إلى اتفاق تحت رعاية

  1. برونو تيرتري، السلاح النووي بين الردع والخطر، ترجمة عبد الهادي الإدريسي (أبوظبي: هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، 011)2، ص.7
  2. شاهرام تشوبين، طموحات إيران النووية، ترجمة بسام شيحا (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 011)2، ص.38
  3. Joseph Gerson (ed.), The Deadly Connection: Nuclear War & U.S. Intervention (New England: American Friends Service Committee, 1982), p. 11.
  4. David Patrikakrakos, Nuclear Iran (London: I.B. Tauris, 2012), p. 280.

برنامج آيزنهاور "الذرة من أجل السلام"، سمحت من خلاله الولايات المتحدة بتقديم مفاعل الأبحاث النووية في طهران ومحطات للطاقة. وفي عام 9681، أصبحت إيران واحدة من 51 دولة وقعت معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وهي ما يعرف باتفاقيات "التحكم في الأسلحة" و"ليس بنزع السلاح بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل تتعلق بمنع بعض الوسائل أو تضييق مجال بعض الممارسات أو تحديد سقف في هذا المجال أو ذاك لا ينبغي تجاوزه"9. ومع بداية السبعينيات، تمكن الشاه من تأسيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، بحيث تقوم بتدريب موظفيها وإتمام صفقاتها النووية مع دول من بينها الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا الغربية وناميبيا وجنوب أفريقيا. وقد تمكنت إيران من اكتساب فهم متين للتقنيات والقدرات النووية، من خلال تدريب المهندسين في الداخل والخارج. وفي 61 كانون الثاني/ يناير 9791، أطاحت الثورة الإسلامية، برئاسة روح الله الخميني قائد الثورة، حكمَ الشاه الذي غادر البلاد، وأصبحت إيران بعد ذلك "الجمهورية الإسلامية الإيرانية" بعدما كان يحكمها نظام ملكي وراثي.

"في شباط 9791، شهدت الأحداث السياسية في إيران تطورات بارزة ليتولى الخميني منصب المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، وهو المنصب الأعلى والأهم في النظام السياسي الإيراني"10. وتغيرت كذلك سياسة إيران تجاه برنامجها النووي وذلك لعدة أسباب منها؛ "تأزم العلاقات السياسية بين العراق وإيران"12؛ الأمر الذي أدى إلى اندلاع الحرب بين الطرفين في 22 أيلول/ سبتمبر 9801 وما ترتب على هذه الحرب من استنزاف لقدرات إيران البشرية والاقتصادية. كما "اعتبر قادة الثورة الإسلامية الإيرانية انتصار ثورتهم وتمكنها من إطاحة حكم الشاه انتصارًا للشعوب الإسلامية وأنهم يتعهدون بمساعدة هذه الشعوب في الخلاص من الحكام الفاسدين في البلاد الإسلامية، كما أعلنوا العداء للولايات المتحدة الأميركية"13. جعلت هذه الشعارات الكثير من دول المنطقة تشعر بالخطر من تمدد إيران وتغولها تحت مسمى سياسة تصدير الثورة التي أطلقها الخميني. وتطور هذا الموقف الإيراني الداعي للحصول على برنامج نووي بعد الثورة تعزيزًا لمفهوم الاستقلال الإيراني وارتباطه بمفهوم العدالة. فباتت إيران ترى "بأن المساس ببرنامجها النووي هو مساس بكرامتها وأمنها الوطني"14. مع أزمة رهائن السفارة الأميركية في طهران، تدهورت العلاقات بين إيران والولايات المتحدة في كل نواحيها، ووصلت إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما، وشملت هذه القطيعة وقف التعاون النووي. وفي إطار قضية الرهائن نرى أن "إيران أكدت تدخل الولايات المتحدة في شؤونها الداخلية والخارجية ونتيجة لذلك قام الطلاب الإيرانيون باحتجاز اثنتين وخمسين رهينة من طاقم السفارة الأمريكية 41 شهرًا"15. وتضمنت شروط إيران للإفراج عن الرهائن "عودة الشاه إلى إيران، وإعادة ثروة الشاه، وأن تدفع لها تعويضات مالية، وبأن تعترف الولايات المتحدة أمام الرأي العام بأنها ارتكبت جرائم بحق الشعب الإيراني، واعتراف الولايات المتحدة وتعهدها بعدم التدخل في سياستها الداخلية والخارجية في المستقبل"16. قطعت الولايات المتحدة إمدادات من اليورانيوم عالي التخصيب المخصص لمركز أبحاث طهران النووية؛ ما اضطر إيران إلى إغلاق المفاعل لعدة سنوات، حتى "وقّعت اللجنة الوطنية للطاقة الذرية في الأرجنتين في 1987 - 9881 على اتفاق مع إيران للمساعدة في تحويل مفاعل من وقود اليورانيوم عالي التخصيب إلى %19.75 اليورانيوم منخفض التخصيب، وتوريد اليورانيوم منخفض التخصيب إلى إيران"17. استمرت الولايات المتحدة في سعيها لمنع إيران من تطوير مفاعلها النووي ضمن عدة محاولات لها خلال فترة التسعينيات، ومنها إعلان بيل كلينتون العقوبات ضد إيران وليبيا؛ فقد تحدث الرئيس

  1. تيرتري، ص.145
  2. سعد شاكر شبلي، السلوك الدولي تجاه أزمة البرنامج النووي الإيراني (عمان: دار زهران للنشر والتوزيع، 014)2، ص.68 11 المرجع نفسه.
  3. أمين المشاقبة وسعد شاكر شبلي، 12 التحديات الأمنية والسياسة الخارجية الأمريكية في الشّق الأوسط (عمان: دار الحامد للنشر والتوزيع، 012)2، ص 166.
  4. المرجع نفسه، ص 1.68
  5. أحمد نوري النعيمي، 14 السياسة الخارجية الإيرانية 2011 - 1979   (عمان: دار الجنان للنشر والتوزيع، 012)2، ص .253
  6. جيمي كارتر، 15 مذكرات جيمي كارتر كامب ديفيد: حرب على الحرب رهائن طهران والحسابات الخاسرة، ترجمة شبيب بيضون (بيروت: دار الفارابي، 985)1 ص.131
  7. Shreeya Sinha & Susan Campbell Beachy, "Timeline On Iran's Nuclear Program," The New York Times , 20/11/2014, accessed on 22/2/2017, at: http://nyti.ms/2kLbVVu

الأم كيرر معلنًا أهمية هذه العقوبات في قوله: "أمتنا تحارب الإرهاب على ثلاث جبهات... وسوف نستمر في الضغط على حلفائنا للانضمام إلينا في زيادة الضغط على إيران وليبيا لوقف دعمهما للإرهابيين"18. و"يعود تفجر أزمة البرنامج النووي الإيراني إلى أواخر عام 0022 عندما تم اكتشاف بناء منشأتين نوويتين جديدتين في منطقتي آراك ونطنز لتخصيب اليورانيوم من أجل صنع الأسلحة النووية بعيدًا عن رقابة الوكالة الدولية"19. ومن ثمّ بذلت قيادة الولايات المتحدة جهدًا على الصعيد الدولي لفرض عقوبات دولية على إيران بسبب طموحاتها النووية. وفي هذا الإطار أعلنت وكالة الدولية للطاقة الذرية العثور على آثار لمحاولات تخصيب اليورانيوم في إيران عام 003.2 "في أيار/ مايو 0032، وبعد وقت قصير من الغزو الأميركي للعراق، قامت عناصر من الحكومة الإيرانية بقيادة محمد خاتمي بتقديم اقتراح سري عن "صفقة كبرى" من خلال القنوات الدبلوماسية السويسرية. وعرضت بشفافية كاملة برنامجها النووي الإيراني والانسحاب من دعم حماس وحزب الله، مقابل حصولها على ضمانات أمنية من الولايات المتحدة وتطبيع العلاقات الدبلوماسية. وقالت إن إدارة بوش لم تستجب لهذا الاقتراح، كما شكك مسؤولون أميركيون كبار في أصالتها"20. وصلت إيران إلى نسبة 53. في المئة في تخصيب اليورانيوم عام 0062؛ ما دفع الأمم المتحدة إلى أن تفرض على إيران عقوبات، بعدما رفضت تعليق نشاطات تخصيب اليورانيوم. وقد أنشأت لجنة لمراقبة تنفيذ العقوبات. انتخب أحمدي نجاد رئيسًا للبلاد أول مرة في آب/ أغسطس 0052، وأصبح شخصية بارزة في السياسة العالمية؛ إذ كان له بتصريحاته وتصرفاته أثر في زيادة القلق الذي أصاب الدول الغربية والإقليمية تجاه الملف النووي الإيراني. وعلى الرغم من العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على بلاده والمفاوضات التي كانت جارية، فإن الطموح النووي خلال فترته الرئاسية لم يتوقف كما لم يكن خافيًا. ذلك أن رئاسة أحمدي نجاد تمثل ارتدادًا إلى الأيام الأولى من عمر الثورة في إيران، بتشديدها على المبادئ الأساسية لتلك الثورة "العدالة الاجتماعية والاستقلال وتصدير الثورة"21. بعد أن تمكنت "الولايات المتحدة من الترويج لقرار صارم يتضمن آلية 2"22إحالة الملف النووي الإيراني على مجلس الأمن الدولي عام 006، استمرت موجات المفاوضات بين أخذ ورد حتى عام 0112؛ فقد اتخذت القوى الغربية الكبرى خطوات مهمة لعزل إيران عن النظام المالي الدولي، معلنةً فرض عقوبات منسقة بالتعاون مع مصارفها المركزية والبنوك التجارية. كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الشركات ذات العلاقة بالصناعة النووية الإيرانية، فضلً عن الصناعات البتروكيماوية والنفطية. وفي العام نفسه، قدمت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى الأمم المتحدة دليلً يؤكد أن "إيران تقوم بنشاطات ذات صلة بتطوير قنبلة نووية في قاعدة بارشين العسكرية، وأنه قد يكون العمل على المشروع ما يزال جاريًا"23. في الخامس عشر من حزيران/ يونيو 0132، تم انتخاب حسن روحاني رئيسًا جديدًا للبلاد. خلال حملته الانتخابية، عبر روحاني "عن قلقه إزاء المشكلات الاقتصادية المتفاقمة في بلاده، وأعلن عزمه على تخفيف اللهجة القاسية والتكتيكات المتعنتة التي كان ينتهجها سلفه محمود أحمدي نجاد، والتي كانت تعرقل مسار المفاوضات النووية، وتسببت بتدهور العلاقات مع معظم الدول المتقدمة في العالم"24. بعد تاريخ حافل بالمفاوضات السرية مع الولايات المتحدة التي تطلق عليها إيران اسم "الشيطان الأكبر" من بينها مفاوضات عام 0082 في العاصمة النمساوية فيينا، في الفترة الأولى لرئاسة أحمدي نجاد وحضرها من الجانب الأميركي الجنرال آيكنبري بعد ما عينه أوباما سفيرًا في أفغانستان، بحسب تقارير مواقع إيرانية25، نجح روحاني في التوصل مع البيت الأبيض في 0142 إلى مباحثات نهائية بشأن الاتفاقية حول الملف الإيراني ليتم توقيعها في صيف عام.2015

الاتفاق حول الملف النووي الإيراني 2015 وأهم مضامينه

يقرّ الاتفاق حول الملف النووي الإيراني بقدرة إيران على تحقيق طموحاتها النووية للأغراض السلمية، وذلك بضمان حسن نياتها

  1. William J. Clinton, "62- Remarks on Signing the Iran and Libya Sanctions Act of 1996 and an Exchange With Reporters," The American Presidency Project, 1996, accessed on 22/2/2017, at: http://bit.ly/2l7eYnf
  2. أحمد إبراهيم محمود، "ملفات إيرانية - الحالة السياسية الإيرانية والملف النووي في مختارات إيرانية، العدد عهد أحمدي نجاد"، 61 (آب/ أغسطس 005)2، ص.66
  3. Ali Vaez, "Why Iran Sanctions Won't Work," Global Public Square CNN , 29/2/2012, accessed on 22/2/2017, at: http://cnn.it/2mkVUlx
  4. تشوبين، ص.66
  5. شبلي، ص.90
  6. IAEA Atoms for Peace, "'Implementation of The NPT Safeguards Agreement And Relevant Provisions Of Security Council Resolutions In The Islamic Republic Of Iran'," The New York Times , 8/11/2011, accessed on 22/2/2017, at: http://nyti.ms/2l6SN0E
  7. Thomas Erdbrink, "President-Elect Stirs Optimism In Iran And West," The New York Times , 27/7/2013, accessed on 21/2/2017, at: http://nyti. ms/2l74yDZ
  8. رمضان الساعدي، "إيران تكشف عن محادثات سرية مع أميركا بمباركة خامنئي "، العربية، 006/9/302، شوهد في 017/2/21:2، في http://bit.ly/2lKvH3s ص.79

في هذا المجال، وخضوع برنامجها لشروط وكالة الطاقة الذرية. ويشمل ذلك أيضًا توافر شروط السلامة، بما فيها من تفصيلات تقنية وفنية ضرورية. ومن جانبها، حققت مجموعة +5()1 إنجازًا من خلال توقيع الاتفاق لمدة خمسة عشر عامًا؛ ما تعده ضمانًا بعدم حيازة إيران - المدرجة بحسب التصنيف الأميركي ضمن تصنيف محور الشر - برنامجًا نوويًا موجهًا لأغراض عسكرية؛ لما في ذلك من خطر يهدد السلم والأمن العالميين. وكما يرى بعض المحللين الغربيين، فإن هذه الاتفاقية جيدة ما دامت في حيّز التنفيذ "ومع انقضاء مدتها الزمنية، سيكون التعامل الدولي مع إيران خاضعًا للرهان"26. توصلت إيران مع مجموعة +5()1 إلى اتفاق، ينظم رفع العقوبات المفروضة على طهران منذ عقود، ويسمح لها بتصدير الأسلحة واستيرادها، مقابل منعها من تطوير صواريخ نووية، وقبولها زيارة مواقعها النووية. من خلال ما جاء في نص الاتفاق الافتتاحي، فإن إيران تتصور أن هذا الاتفاق JCPOA() سيسمح لها بالمضي قدمًا في برنامجها النووي سلميًا، وذلك تمشيًا مع المعايير العلمية والاقتصادية التي جاءت وفقًا للاتفاقية، بهدف بناء الثقة وتشجيع التعاون الدولي. أمّا الدول الست، فيأتي تصورها إجمالً من هذه الاتفاقية كما جاء في نصها، بأن تسمح لها بكسب الثقة في الطبيعة السلمية البحتة لبرنامج إيران النووي. ويعكس الاتفاق المعايير المحددة للطرفين، بما يتوافق مع الاحتياجات العملية، والمتفق عليها على نطاق البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك نشاطات تخصيب اليورانيوم، والبحث والتطوير في هذا المجال. عكس الاتفاق مخاوف الدول الست من خلال تدابير شاملة توفر الشفافية وإمكانية التحقق والتحقيق. وفيما يتعلق بالعقوبات، فسينتج رفع شامل لها جميعًا؛ تلك التي فرضها مجلس الأمن وكذلك العقوبات المتعددة الأطراف والوطنية المتعلقة ببرنامج إيران النووي، ويتضمن ذلك مجالات التجارة والتكنولوجيا والتمويل والطاقة. كما ترد ضمن الاتفاق آلية لفض النزاعات التي قد تنشأ خلال السنوات العشر بين الأطراف، بحيث يمكن أن يحيل أي طرف يرى عدم وفاء من جانب الطرف الآخر المسألة على اللجنة المشتركة. ولدى اللجنة المشتركة 51 يومًا لحل القضية، ما لم تمدد الفترة الزمنية بتوافق الآراء. وإن لم تُحَل المسألة، فيمكن للمشاركين إحالة القضية على وزراء الشؤون الخارجية27. أثر الاتفاق النووي في ميزان القوى الإقليمي

(إيران - السعودية)

"يُقال إن استخدام نظام توازن القوى ينبع من العقل والمنطق؛ فحيثما قابل المفكرون وضعًا من المواجهة بين أقطاب أو كتل تتنافس على القوة، فإن توازن القوى هو التطبيق الذي يؤدي إلى موازنة هذا الوضع. وبهذا فإن فكرة مبدأ توازن القوى تمتلك شخصية عالمية"28.

يعتمد مبدأ توازن القوى على "ميكانزم تستطيع الدول بواسطته أن تنظم صراعات القوة فيما بينها بحيث تحمي استقلالها وتحول دون ابتلاع كيانها القومي"29. وبحسب كينيث والتز، فإن الهدف الرئيس لأي دولة لا يكون ابتداء في تعظيم قوتها، بل في الحفاظ على موقعها في النظام الدولي/ الإقليمي؛ وبالنتيجة، فإن "مصير أي دولة يحدد تبعًا لاستجابة كل دولة لأي فعل تقوم به الدولة الأخرى"30. ينطلق من هنا التصور الرئيس لطبيعة العلاقة الإيرانية - السعودية في ميزان القوى الإقليمي بوصفهما قطبين مركزيين ضمن الإقليم المشترك، تسعى كل منهما بحسب قواعد نظرية توازن القوى إلى تحقيق هدف أساسي وهو الحفاظ على كيانها ووجودها، ومن ثم حماية مصالحها الوطنية؛ فمن جهتها تسعى المملكة إلى "التوازن الذي يستهدف الإبقاء على الوضع القائم"31 بعدم إعطاء إيران أي مزايا إضافية، أمّا إيران فتسعى نحو "التوازن الذي يستهدف تحقيق مبدأ التعادل في توزيعات علاقات القوة الدولية"32. يستند تحقيق التوازن في أي نظام إلى فئتين؛ فئة الجهد الداخلي بما فيه القدرات الاقتصادية والعسكرية والإستراتيجية، وفئة الجهد الخارجي بما

  1. Kenneth Pollack, "U.S. Policy toward the Middle East after the Iranian Nuclear Agreement," Brookings (2015) accessed on 21/2/2017, at: http:// brook.gs/2kYnpQK
  2. Iran Joint Comprehensive Plan of Action (JCPOA), US Department of
  3. Envy M. Koury, The Super Power and The Balance of Power in the Arab World (Beirut: Catholic Press, 1970), p. 7.
  4. إسماعيل صبري مقلد، نظريات السياسة الدولية (الكويت: جامعة الكويت،)1971،
  5. Kenneth Waltz, Theory of International Politics (Reading, MA: Addison-Wesley Publishing Company Inc., 1979), p. 127.
  6. مقلد، ص.98 31 المرجع نفسه.
  7. State , 2015, accessed on 21/2/2017, at: http://bit.ly/2l6CXTy

فيه من تحركات تُعزز دائرة التحالفات الدولية أو تسعى إلى إضعاف الدولة المقابلة وتقزيمها. نظريًا، يصح في رأينا تصنيف إيران ضمن فئة الدول القوية وغير القانعة؛ فهي بصفتها دولة تمتلك من الإمكانيات ما يؤهلها بأن يكون لها دور أكبر في النظام، فإنها تسعى إلى توسيع نفوذها، بحيث تضمن لنفسها مكانة متقدمة. وفي المقابل، تُعدّ السعودية مركز الثقل الرئيس في الصراع الإقليمي مع إيران. من حيث المعطيات الجغرافية، يتمتع البلدان بموقعين مهمين، وإذا حسبنا دول الخليج ضمن إطار التحالف الخليجي مع السعودية، فهذا يعني وجود توازن إستراتيجي قائم بين الطرفين. عسكريًا، تنفق السعودية المليارات سنويًا على وارداتها التسليحية، في حين تعتمد إيران على تسليحها الذاتي، "وتعتبر السعودية الثالثة في الإنفاق العسكري بواقع 78 مليار دولار، متجاوزة بذلك روسيا التي احتلت مليارًا"33المرتبة الرابعة مكتفية بإنفاق 66. وقد أقر وزير الدفاع السعودي بوجود "خلل" في التوازن بين الإنفاق المرتفع جدًا والقدرات التي لم تجارِ حجم ذاك الإنفاق؛ "وكشفت "رؤية السعودية 030"2 التي أقرها مجلس الوزراء السعودي عزمها على "توطين الصناعات العسكرية بنسبة 50 في المئة مقارنة ب 2 في المئة حاليًا، وتوسيع دائرة الصناعات المتقدمة مثل صناعة الطيران العسكري، وإقامة المجمعات الصناعية المتخصصة في المجال العسكري، وتدريب المواطنين وتأهيلهم للعمل في مجال القطاعات العسكرية"34. لا شك في أن السعودية تمتلك قدرات اقتصادية كبيرة، وأخرى تتعلق بالتحالفات الإقليمية والعالمية، بما في ذلك الثقل الأيديولوجي لبعدها الإسلامي السني الذي يمثّل تقريبًا 90 في المئة من مسلمي العالم. لكنّ إيران تتفوق على السعودية من الناحية السكانية؛ فعدد سكانها يقارب 78 مليون نسمة مقابل ما يقارب 31 مليون نسمة للسعودية. إن الطموح الإيراني والنجاح في امتلاك القوة النووية من شأنه أن يؤثر في ميزان القوى الإقليمي بين إيران والسعودية. وقد كان توقيع الاتفاق الأخير تهديدًا لهذا التوازن مع القوة السعودية. فمثلً يذهب فريق من المحللين إلى أنه "على الرغم من الثروة الاقتصادية التي تمتلكها السعودية، فإنها لا تستطيع فرض السيطرة الإقليمية؛ نتيجة لإمكانيات إيران من حيث السكان والقدرات العسكرية"35. فالسعودية تجد في امتلاك إيران القوة النووية بموافقة دولية، وإن كانت مشروطة، وتمكنها من نزع العقوبات المفروضة عليها، تغييرًا حادًا ونوعيًا في التوازن بينهما. وسيكون ميالً ميلً واضحًا إلى إيران مع امتلاكها عنصرًا إضافيًا من عناصر القوة والردع؛ ما يعني أيضًا زيادة تدخلاتها وتهديداتها لدول المنطقة وتعزيز قوتها في ذلك. ولكنّ بعض الملاحظين يرى في ذلك مبالغةً في مدى تمكن إيران من دعم حلفائها في المنطقة "فحتى مع تمكن الأخيرة من الحصول على 41 مليار دولار بُعيد الاتفاقية، فإنها لم تستطع مواجهة تنظيم الدولة الذي كلف إيران خسارات متوالية في كل من العراق وسورية"36. تريد "إيران مكانًا ملائمًا لها في النظام الدولي، فمن الواضح أنها تسعى ليكون صوتها مسموعًا في الشأن العالمي"37. ساهم الاتفاق النووي في فتح مجال أوسع لها في التحرك؛ وذلك من خلال رفع الحظر الاقتصادي الذي ستكون عوائده موجهة لضمان استمرار أهداف الدولة القومية وأسباب بقائها. لقد استطاعت إيران من خلال الاتفاق الاستمرار في برنامج نووي، يمكّن الدولة اقتصاديًا، ويزيد إمكانات انفتاحها على العالم، على الرغم من القيود على التصدير والميزانية للإنفاق العسكري. ويُعدّ هذا الاتفاق في حد ذاته إقرارًا بدور إيران وموقعها في المنطقة، من دون التوصل معها إلى ما يردعها، ويكف أياديها عن التدخل وإثارة المشكلات والصراعات والاستمرار في بسط النفوذ.

العلاقات الإيرانية - السعودية في ضوء تنفيذ الاتفاق النووي الإيراني

المصالح الإيرانية والسعودية في الشرق الأوسط

تتأثر العلاقة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمملكة العربية السعودية بالجوار الجغرافي والعامل الديني، لكنّ ما يوسع الفجوة بين الطرفين يتركز في شؤون فرض السيطرة جيوبوليتيكيًا وأيدولوجيًا. كما أن كلً منهما يسعى لتعزيز الأمن من جهته، وذلك بزيادة مناطق النفوذ الداعمة والمتأثرة بكلا النظامين. "بالنسبة لإيران فإنها تملك ساحلً يبلغ طوله 0012 كم – تقريبًا - على الخليج العربي بالإضافة لساحل طويل على خليج عمُان المفتوح على المحيط الهندي. الثروة

  1. أحمد أبو الخير، "رؤية السعودية 030..2 امتلاك ثالث قوة عسكرية في العالم"، الخليج أونلاين، 016/4/262، شوهد في 017/2/22:2، في http://bit.ly/2ltKWeA
  2. المرجع نفسه.
  3. Simon Mabon, Saudi Arabia and Iran: Power and Rivalry in the Middle
  4. Charlotte Alfred, "How The Nuclear Deal Will Affect Iran's Foreign Policy," The Huffington Post , 23/1/ 2017, accessed on 21/2/2017, at: http:// huff.to/2lEDyiv 36  David Patrikakrakos, Nuclear Iran (London: I.B. Tauris, 2012), p. 290.
  5. East (London-New York: I.B. Tauris, 2015), p. 12.

النفطية الإيرانية تتركز بصفة رئيسة في منطقة عربستان وفي الجرف القاري في الخليج، ومن دون الحقول النفطية الجنوبية هذه يمكن أن تكون إيران في عداد الدول الفقيرة فضلً عن تواجد مفاعلاتها النووية في هذه المنطقة"38. عربيًا، "تأمل إيران في استغلال الاضطراب السياسي في المنطقة الذي يتخذ شكل حركات وأحزاب إسلامية"39؛ ففي لبنان، "استطاعت إيران أن تصنع قواعد سياسية إذ كانت الثورة الاسلامية الإيرانية مصدر إلهام للشيعة في لبنان"40؛ حتى أصبح حزب الله ذا ثقل سياسي عالٍ في لبنان والمنطقة. ويأتي سعي دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بقيادة السعودية للحد من سيطرة حزب الله السياسية وزيادة نفوذه في النظام السياسي اللبناني من خلال الجماعات السياسية بما فيها تيار المستقبل. أمّا في العراق، فإن النفوذ الإيراني أخذ يتبلور على الأرض بعد سقوط النظام العراقي، فضلً عن العلاقات المتوترة التي كانت سائدة بين البلدين في سنوات حكم نظام البعث إبان حكم صدام حسين والحروب التي نشبت بينهما، وكان من بينها سعي النظام بدعم أميركي وبمساعدة إيرانية داخلية للتخلص من النظام الثوري في إيران. إن الحضور الإيراني السياسي والعسكري بارز من خلال الدعم المتواصل للقوى الشيعية، بما فيها الفصائل المقاتلة داخل العراق وسورية. فإيران تدعم ميليشيات وتنظيمات شيعية يصل عددها إلى أكثر من 001 فصيل في سورية والعراق، لا تقل انتهاكاتها وجرائمها فظاعة عما يقوم به داعش، فهذا العنوان يختصر إلى حد كبير النظرة السعودية ورؤيتها للنفوذ الإيراني في المنطقة. تسعى المملكة العربية للحفاظ على دورها الإقليمي، وحماية مصالحها التي باتت تحت التهديد؛ نتيجة انتشار النفوذ الإيراني في المنطقة. فعلى الصعيد العراقي، كان للعنف المدني منذ عام 0032 أثر في استقطاب إيران؛ ذلك أنها أصبحت أقرب حليف دولي للحكومات العراقية، في حين أن المملكة العربية السعودية قد تنظر إليها على أنها حكومة تفرض الكثير من الوحشية ضد السنّة داخل العراق. في المقابل ترى إيران أن المملكة العربية السعودية تسعى لتقويض الحكومة الشيعية المنتخبة في العراق. دعت المملكة العربية السعودية العراق للانضمام إلى تحالف إقليمي ضد داعش41، وفي حزيران/ يونيو 0152، عيّنت سفيرًا ليكون لها مقر في بغداد، أول مرة منذ غزو ​صدام حسين للكويت عام 990.1 فقد أفاد سفير المملكة العربية السعودية في العراق ثامر السبهان، في تصريح له في تشرين الأول/ أكتوبر 0152، "أنه سيتم استئناف العمل في سفارة المملكة ب بغداد والقنصلية في أربيل قريبًا"42. و"فتحت السعودية، الثلا ثاء 51 كانون الأول/ ديسمبر 0152، سفارتها في بغداد بعد 52 عامًا على إغلاقها"43. كما شهدت العلاقات السعودية - العراقية خلال فترة حكم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي قطيعة تامة؛ بسبب اتهام المالكي للرياض بدعم الإرهاب والعنف في بلاده. وتشير رغبة قادة دول مجلس التعاون في أن تتعاون حكوماتها مع رئيس الوزراء العراقي الجديد حيدر العبادي، إلّ أن التغييرات في المسؤولين الرئيسيين - والاختلاف ليس فقط الهيكلية - يمكن أن تكون أحد العوامل المحددة للعلاقات في كل بلد بما في ذلك على المستوى الشخصي. ومع ذلك، فالمملكة العربية السعودية ودول الخليج العربية الأخرى قلقة من نمو الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، ممثلة بالحشد الشعبي، في العراق. ساعدت إيران الميليشيات الشيعية التي تدعمها في استعادة مدينة تكريت من داعش، وشجعت مثل هذه الأعمال على استقطاب الرأي في الولايات المتحدة لرؤية إيران حليفًا محتملً ضد العدو الأكبر داعش. ولكن "إذا أرادت إيران تقوية الحكومة العراقية، فلا يمكن القيام بذلك إلا من خلال إعطاء الأولوية للقوات الرسمية التي تشمل عددًا أكبر من العراقيين السنّة. قد تساعد الميليشيات المدعومة من إيران حكومة العبادي عسكريًا، لكنها تقوم بإضعافه سياسيًا، من حيث قدرته على تشكيل التعاقد مع الكثير من العراقيين الذين يخشون التدخل الإيراني في بلدهم"44. أما في سورية، فقد دعمت المملكة العربية السعودية وقطر منذ منتصف عام 0112 جماعات المعارضة المسلحة للقتال ضد النظام المدعوم من إيران. وبحسب تصريحات "أحد القادة العسكريين في المعارضة السورية فإن السعودية هي المسؤول الرسمي عن القضية السورية"45. ويرى متخصصون أنه "مع بدء الأسلحة بالوصول إلى المعارضة السورية،

  1. شبلي، ص.158
  2. تشوبين، ص.180
  3. William O'Beeman, "Iran's Ties to Hezbollah'," International News , Political-Analysis, 2015, accessed on 21/2/2017, at: http://bit.ly/2lECYkA
  4. ورد ذلك في مقال في صحيفة الحياة للكاتبين السعوديين سعود وعبد الواحد الأنصاري بعنوان "دواعش الشيعة."
  5. السفير السعودي بالعراق: استئناف عمل سفارتنا في بغداد وأربيل قريبا" رووداو، 015/10/212، شوهد في 017/20/21:2، في http://bit.ly/2lEI3JZ
  6. إعادة فتح السفارة السعودية في بغداد بعد 52 عاما على إغلاقها"،RT العربية، 015/12/162، شوهد في 017/2/21:2، في http://bit.ly/2kKIAul
  7. Jane Ki nninmont, "Iran and the GCC Unnecessary Insecurity," Research Paper , Chatham House, 3/7/2015, p. 2, accessed on 21/2/2017, at: http://bit.ly/2l6NnT7
  8. Mariam Karouny, "Saudi Edges Qatar to Control Syrian Rebel Support," Reuters , 31/5/2013, accessed on 22/2/2017, at: http://reut.rs/2kKRMix

2، تمكن الجيش السوري في كانون الأول/ ديسمبر 012 الحر من كسب المعارك والسيطرة على بعض المناطق ضد الجيش السوري. وأعلنت مصادر أميركية أن شحنات الأسلحة السعودية أتت لمواجهة شحنات الأسلحة الواردة من إيران لمساعدة الحكومة السورية"46. ومع استمرار اشتعال الحرب في سورية أكد الجبير في تصريح له في تشرين الأول/ أكتوبر 0162 بأن "المملكة العربية السعودية تعمل على زيادة دعم تسليح المعارضة المعتدلة في سوريا، وتعزيز نقل السلاح للمعارضة المعتدلة في حلب"47.

أمّا على الصعيد اليمني، فيمثّل التدخل السعودي حالة خاصة؛ ف "القوات الجوية السعودية تقوم أول مرة بعمليات خارج نطاقها الجوي وتشكل تحالفًا دوليًا للتدخل في اليمن عسكريًا"48 ومن ثمّ، تعود جذور التدخل الحالي إلى الخوف السعودي المتزايد من شعبية حركة الحوثي وتزايد قوة تحالفها مع القبائل والنظام اليمني السابق. إن استيلاء الحوثيين على صنعاء، والتوسع العسكري السريع جنوبًا، تُ ثّل جميعها تهديدًا خطيرًا للإستراتيجية الإقليمية للرياض، خاصة أن القادة الحوثيين لم يحاولوا إخفاء ازدرائهم ونياتهم العدائية تجاه النظام الملكي السعودي. وإلى جانب المكاسب العسكرية، "ظهر الحوثيون قوةً سياسية محتملة يمكن أن تشكل حكومة مركزية قوية مع أجندة معادية للسعودية"49. "وقالت السعودية وحلفاؤها من دول الخليج أنهم لن يتسامحوا مع ما يسمونه 'استيلاء ميليشيا مدعومة من إيران على دولة تقع على حدودها الخلفية"'50. وأضاف مسؤول خليجي أن "دول الخليج تريد وضع حد للتدخل الإيراني في الشؤون العربية[...]إنهم مصممون على مواجهة ما يعتبرونه طموحات إيران التوسعية في الشرق الأوسط"51. كل ما سبق يؤكد نفوذ السعودية في المنطقة، ووجود دور إقليمي تسعى المملكة للحفاظ عليه، ومنع أي قوة أخرى من الاستيلاء على هذا الدور أو تحديه. ومن هنا أيضًا، يتضح التوجه السعودي نحو إيران بصفتها القطب المقابل في الصراع حول السيطرة الإقليمية، والذي سيؤثر في ميزان القوى الإقليمي، ويمثّل خطرًا على مصالح البلاد إذا استمرت إيران في سعيها نحو تعظيم قدراتها و"تعزيز الأنظمة الراديكالية في الشرق الأوسط"52. لا بد أن الصراع القائم بهذا الأسلوب الوحشي داخل العراق وسورية واليمن سيعزز إيجاد المزيد من التنافس القائم على الهويات والانتماءات الضيقة، والتي بدورها توسع الفجوة بين أبناء الوطن الواحد، وتزيد من احتمالية فشل الدول إلى مراحل يصعب إعادة بنائها في وقت قريب. أمّا سياسيًا، فيبقى القلق الخليجي قائمًا بسبب مطامع إيران في الهيمنة والتوسع في المنطقة؛ وقد كان الاتفاق الأخير حول البرنامج النووي الإيراني يكاد يخلو من أي مؤشرات إيجابية بالنسبة إلى دول الخليج العربية. وتفسر النخب الخليجية عدم تدخل الولايات المتحدة عسكريًا في سورية بأنه إشارة إلى أن إدارة أوباما سعت لاسترضاء إيران. في هذا السياق، تميل دول الخليج العربية الرئيسة الآن إلى أنها ترى تهديدًا لمصالحها الخاصة في إمكانية تقدم إيران في علاقتها مع الولايات المتحدة. كما أن هذه الدول ترى في إيران منافسًا محتملً، ليس فقط في الشرق الأوسط، ولكن أيضًا منافسًا محتملً لاهتمام الولايات المتحدة ورعايتها وحمايتها لدول مجلس التعاون. رأت الإدارة الأميركية في"نجاحات إيران في تشكيل نفوذ ومشاركة حقيقية بمصالحها وحلفائها وقدراتها والتمدد في المنطقة من اليمن إلى العراق إلى سوريا ولبنان وغزة، واعتبرت ذلك نقطة ثقل إستراتيجي للسياسة الإيرانية وأنها أصبحت تشكل ظاهرة يصعب تجاوز مواقفها ومطالبها ومصالحها، كما أنها أصبحت تشكل ظاهرة دولة إقليمية عظمى تتمدد باستمرار وبقوة تنافس قوة ونفوذ إسرائيل والولايات المتحدة"53.

  1. C. J. Chivers & Eric Schmittfeb, "Saudis Step Up Help for Rebels in  45 accessed on ,2013/2/Syria With Croatian Arms," The New York Times , 25
  2. علي جعفر، "الجبير دخول الحشد الشعبي للموصل سيتسبب بحمام دم "،RT العربية،
  3. Kinninmont, p. 12.
  4. Asher Orkaby, "Saudi Arabia's War with the Houthis: Old Borders, New Lines," Policy Analysis , The Washington Institute, 9/4/2015, accessed on 21/2/2017, at: http://bit.ly/2m7g6vb 49 فرانك غاردنر، "أزمة اليمن: لماذا شنت دول الخليج حربا على الحوثيين؟"، بي بي سي عربي، 015/5/32، شوهد في 017/2/21:2، في http://bbc.in/2mbqFdk 50 المرجع نفسه.
  5. at ,2017/2/22 http://nyti.ms/2kKJuHf
  6. 016/10/172، شوهد في 017/2/1/20:2، في http://bit.ly/2eyMLa8
  7. Jamal Al-Suwaidi, Iran and the Gulf (Abu Dhabi: The Emirates Center For Strategic Studies, 1996), p.126.
  8. جواد الحمد، "خيارات التحول في العلاقات الأمريكية - الإيرانية وتداعياتها"، دراسات شرق أوسطية، العدد 65 013()2، شوهد في 017/2/21:2، في http://bit.ly/2lnEIhE

ردة الفعل السعودي على الاتفاق النووي الإيراني

يذهب بعض المحللين إلى أن "أهم الأسباب والدوافع لحيازة القوة النووية تأتي في العادة من جانبين: الأول هو شعور حاد بانعدام الأمن والضعف، والثاني يتشكل من رغبة قوية في امتلاك القوة والقدرة على استعراضها. وعلى الرغم من وجود علاقة بين الجانبين، فإن الشعور الحاد بانعدام الأمن والضعف هو السبب والدافع الأساسي لحيازة القوة النووية عند معظم صانعي القرار"54. بالنسبة إلى إيران، وبالنظر إلى العلاقة المتوترة التي أقامتها مع الولايات المتحدة منذ الثورة الإيرانية، وكون نظام الحكم في طهران معرضًا لمحاولات الولايات المتحدة المتكررة ل "تغيير النظام"، فإن ذلك يستدعي من إيران تعزيزًا وإيجادًا لحلفاء إستراتيجيين يحولون دون ذلك التغيير، إضافة إلى أن حيازة سلاح نووي سيكون فاعلً آخر لتحقيق الأمن ومواجهة هذا التهديد. في المقابل فإن الولايات المتحدة بما تملكه من حلفاء، بصفتهم دولً مجاورة لإيران في منطقة الخليج العربي، فهي تمثّل تهديدًا واضحًا وصريحًا لأمن إيران؛ "فالبحرية الأميركية المقيمة في الخليج على درجة كبيرة من القوة وكبر الحجم، كما أنها تقدم كل الدعم والتسهيلات والإمكانيات لحلفائها في دول الخليج"56. إن وصول الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة إلى اتفاق مع إيران قدم نوعين من السيناريوهات المحتملة لطبيعة العلاقات الجديدة: الأول من شأنه أن يخفف حدة الشعور بانعدام الأمن والضعف الذي تشعر به إيران، ويقرب بين سياستي الدولتين أو على الأقل يسد جزءًا من الفجوة الواسعة التي كانت تتسبب بالكثير من انعدام الثقة بين الطرفين، إلا أن هذا السيناريو لم يكن، بالضرورة، نتيجة مُرضية لحلفائها في دول الخليج. فهذا يعني أيضًا وجود منافسة لاهتمام الولايات المتحدة ورعايتها وحمايتها لدولهم. أمّا السيناريو الثاني، فكان من شأنه أن يقرب بين السياسات الإيرانية والسعودية بصفتها محصلة "تفاهمات أوسع بين أميركا وإيران تتناول الأمن الإقليمي ومشاركة إيران بفاعلية في إدارته"57؛ وبالنتيجة تخفيف احتقان العلاقات الإيرانية الخليجية. يبدو السيناريو الثاني أكثر توافقًا مع المصالح الخليجية وخدمة لها؛ لأنه يعزز الثقة الخليجية بالاتفاق النووي، ويعمل على مواصلة السعي نحو استكمال التقارب الإيراني - الأميركي برديف له إيراني - خليجي، غير أن الفرصة قد لا تبدو قائمة في المستقبل القريب أو حتى المتوسط المدى في ظل التغيير في الإدارة الأميركية. إن "مصالح الولايات المتحدة تذهب إلى ما هو أبعد من الحاجة المباشرة إلى استيراد النفط في الخليج، والولايات المتحدة لا تزال ترى في الخليج العربي حلفاء مهمين، من حيث أمن الطاقة العالمي، والتعاون في مكافحة الإرهاب"58. وعلى الرغم من هذا التحالف، فإن بعض المتخصصين في الوقت ذاته يذهب إلى حاجة الولايات المتحدة إلى تطوير "إستراتيجية بعيدة الأمد تمكنها من فك ارتباط مصالحها الحيوية بسياسة المملكة ومصيرها، مع السير بإستراتيجية قصيرة الأمد تأخذ في الحسبان الإستراتيجية بعيدة الأمد، وتستمر في التعامل مع المملكة لإدارة المشكلات المطروحة كلً على حدة، واستكمال تحقيق المصالح المشتركة"59. يأتي الاتفاق النووي الإيراني ليولد حزمة من المخاوف الخليجية، و"يلقي بظلاله على الشعور بالأمن والازدهار الذين يعدّان أساسيين لإستراتيجيات الدول الخليجية الأصغر لتحقيق التنمية والنمو الاقتصاديين، وفي نهاية المطاف، بقاء الدولة"60. فمن جهة، تبدي دول الخليج العربية اعتراضها حتى على البرنامج النووي السلمي الإيراني، "فمفاعل بوشهر يقع على الجهة المقابلة لمدينة الخفجي السعودية على الساحل الغربي من الخليج، على بعد نحو 002 كيلومتر فقط، وعلى بعد 502 كيلومترًا من العاصمة الكويتية، كما يبعد نحو 003 كيلومتر عن البحرين وقطر والدمام والخبر والظهران، و 400 كيلومتر عن أبوظبي ودبي، بل إن مفاعل بوشهر أقرب إلى سلطنة عمان وإلى الرياض منه إلى طهران"61. لا شك في أن تسربًا إشعاعيًا نوويًا إن حصل في أي من المفاعلات النووية الإيرانية، سيكون له تأثيرات في الدول المحاذية لإيران، ومن بينها دول الخليج العربية. وقد يحدث هذا التسرب لأسباب طبيعية (كالزلازل والبراكين، خصوصًا أن إيران

  1. Anoushiravan Ehteshami, "Iranian Perspectives on the Global Elimination of Nuclear Weapons," Palestine-Israel Journal , vol. 16, no. 34 (2010), accessed on 21/2/2017, at: http://bit.ly/2kLp4xS
  2. Kinninmont, p. 4. والأسطول الخامس الأميركي، هو أسطول تابع لسلاح البحرية الأميركية، يتخذ من المياه الإقليمية المقابلة للبحرين قاعدة له. ويصفه خبراء أميركيون بأنه أكبر الأساطيل الأميركية الإستراتيجية أهمية في منطقة الخليج العربي. 55 الحمد.
  3. Kinninmont, p. 5.
  4. Nadav Safran, Saudi Arabia: The Ceaseless Quest for Security (Cambridge: The Belknap Press of Harvard University Press, 1985), p. 460.
  5. Suzanne Maloney, "Thinking the Unthinkable: The Gulf State and the Prospect of a Nuclear Iran," Saban Center Middle East Memo, no. 27 (January 2013), p. 2, accessed on 21/2/2017, at: http://brook.gs/2mkzXTU
  6. خالد الكاشف، "النزاع النووي بين إيران والغرب"، سكاي نيوز عربية، 2013/10/15، شوهد في 017/2/21:2، في http://bit.ly/2lKAnWW

تقع في منطقة نشطة زلزاليًا) أو لأخطاء تقنية وفنية (كما حصل في مفاعل تشيرنوبل) أو هجوم خارجي (كالتهديد الإسرائيلي بقصف المفاعلات النووية الإيرانية.) ومن جهة أخرى، يذهب الرأي الآخر إلى أنه لا مبرر للقلق من احتمالات كهذا؛ لأن إجراءات الحماية والأمان في المفاعلات النووية الحديثة (ومن ضمنها المفاعلات النووية الإيرانية) عالية، فهو "مفاعل نووي للماء الخفيف المضغوط وهذا غير قابل للانفجار النووي"62. كما يشارك السعوديون الدول الخليجية في وجهة النظر ذاتها حول الدور الأميركي في الاتفاق مع إيران؛ ذلك أن الصحافة السعودية "تشجب باستمرار" '"تخلي' أمريكا عن حلفائها العرب لمصلحة الهيمنة ‏الإيرانية... وما لم تعكس واشنطن هذا المسار، لن يتبقَ للمملكة العربية السعودية وأصدقائها الحقيقيين ‏سوى الوقوف صفًا واحدًا وأخذ زمام الأمور بأيديهم - بما في ذلك الحصول على دورة كاملة للوقود النووي‏ لمواجهة إيران"63. لا بد من أن الولايات المتحدة على علم بهذه الإستراتيجيات الخليجية؛ إذ أقامت القيادة الأميركية في أيار/ مايو 0152 قمة في منتجع كامب ديفيد، استضاف بها أوباما قادة الخليج وطمأنهم بالتزام الولايات المتحدة أمنهم واستقرارهم. وصرحت الولايات المتحدة في البيان الختامي ب "ضمان أمن دول المجلس ضد التهديدات الخارجية لوحدة أراضيها"64. لكن هل كانت هذه القمة والتطمينات كافية فعليًا لتبديد مخاوف دول الخليج العربية؟ لا يبدو الأمر كذلك. يقوي الاتفاق النووي إيران ويعطيها مساحة أوسع في اختيار السياسة الخارجية الملائمة لها، من دون تقييدها بأسلوب تفاعلاتها مع دول الإقليم. ومع التمكين الاقتصادي الذي من المفترض أن تحصل عليه إيران نتيجة لتطبيق الاتفاق، فمن المتوقع أن تتعاظم قوتها في المنطقة؛ لرفع العقوبات عنها وإحرازها هدفًا مهمً متمثّلً بالحصول على الاعتراف بقوتها في الساحة الدولية والمنطقة. وبالنتيجة يستمر سعيها للتمدد في المنطقة، ولكن هذه المرة بصفة أيسر، فقد سهل رفع العقوبات إمكانية التصرف الاقتصادي ودعم مخططاتها الجيوبولتكية؛ ما يهدد الاستقرار في العالم العربي الذي يعاني تفاقم في عدم الاستقرار السياسي؛ بما يعزز موقف إيران ويرجح كفة ميزان القوى نحوها. يرافق ذلك سعي الولايات المتحدة، خلال العام الأول من تنفيذ الاتفاق، إلى التواصل مع إيران؛ فكما أعلن أوباما سيحصل "المزيد من الاندماج في الاقتصاد العالمي، وانخراط أكبر مع المجتمع الدولي، وتعزيز قدرة الشعب الإيراني لتحقيق الازدهار والنماء"65. بتوقيع الاتفاق، كانت الولايات المتحدة تسعى للتحرير الاقتصادي والاجتماعي داخل إيران، وتقليص التزمت الأيديولوجي والثوري في سياسة إيران الخارجية؛ أملً منها أن يصل الاتفاق بعد انقضاء الخمسة عشر عامًا لتكون "إيران دولة بنظام سياسي مغاير وأفضل مما هو عليه اليوم"66. إذا تمكن الداخل الإيراني السياسي بجناحه المعتدل أن يدعم صحة هذا التوجه، سيتشكل تلقائيًا السيناريو الذي يحمل إيران على إعادة النظر في سياستها الخارجية، ومن ثمّ تقليص الآثار السلبية والمخاوف الخليجية من الاتفاق النووي. في هذا السيناريو سيكون التركيز الإيراني على الشأن الداخلي؛ فمع رفع العقوبات عن إيران ودخولها مرحلة الانفتاح والتواصل مع العالم التي وفرها لها هذه الاتفاق، يمكنها من صب "الاهتمام الإيراني من أجل التنمية الاقتصادية التي من شأنها أن تقلل من الانخراط في صراعات مكلفة وعالية المخاطر في المنطقة؛ إن تطوير العلاقات الاقتصادية مع العالم العربي من شأنه أن يجلب إعادة تأهيل الإقليم الإيراني؛ أو أن نجاح إيران في التنمية الاقتصادية سيعمل على تقوية الطبقة الوسطى ودعم المعتدلين داخل إيران"67؛ أي إيجاد نوع من الاعتمادية الاقتصادية من خلال إعطاء منافع اقتصادية، تجعل إيران تتجنب الصدام مع الغرب، حفاظًا على تلك المنافع. وذلك بدلً من استمرارها العقيم في السعي للهيمنة على الدول العربية، وفرض الطموح والسيطرة، من خلال دعم الحروب بالوكالة داخل الشرق الأوسط المنهك. لا بد من أن إيران ودول مجلس التعاون تتشارك الرغبة في "تجنب تفاقم الصراعات بين السنة والشيعة في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك النزاعات الطائفية المحتملة بين الأقليات داخل دول الإقليم.

  1. ممدوح الدسوقي، "الدكتور يسري أبو شادي كبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية السابق ل "الوفد":مصر الآن بحاجة إلى قيادة قوية غير مترددة لا تهتم بالغرب"،
  2. David Pollock, "Polarized Arab Reactions To The Iran Nuclear Framework," Policy Analysis , Washigton Institute for Near East Policy, 9/4/2015, p. 3, accessed on 22/2/2017, at: http://bit.ly/2lKKMlu
  3. Remarks By President Obama In Press Conference After GCC Summit," The White House, Office of the Press Secretary, 14/5/2015, accessed on 21/2/2017, at: http://bit.ly/2lKBkyu 63 " Statement by the President on Iran," The White House, Office of the Press Secretary, 14/7/2015, accessed on 21/2/2017, at: http://bit.ly/2lu3n2L
  4. مصرس موقع، 014/1/172، شوهد في:017/2/212، في http://bit.ly/2kKWNaE
  5. Kenneth Pollack, "U.S. Policy toward the Middle East after the Iranian Nuclear Agreement," Brookings, 5/8/2015, accessed on 21/2/2017, at: http:// brook.gs/2kYnpQK
  6. Payam Mohseni, "Iran and the Arab World after the Nuclear Deal Rivalry and Engagement in a New Era," Belfer Center, August 2015, p. 42, accessed on 21/2/2017, at: http://bit.ly/2lEMvbq

كذلك منع سورية والعراق من كونهما ملاذًا للجماعات المتشددة وحماية السلامة الإقليمية للدول القائمة، بما في ذلك بلادهم"68. لكنّ هذا لم يشكل حتى الآن توجيهًا ينعكس على السياسة الخارجية لأي من البلدين في ظل انعدام الأمن والاستقرار في المنطقة فلا يزال الخلاف قائمًا؛ نتيجة "حرب باردة بين البلدين بشأن الأدوار ومواقع النفوذ لكل منهما"69، وخصوصًا في كل من سورية والعراق واليمن ولبنان.

أثر الاتفاق النووي في إيران وعلاقتها بالمملكة العربية السعودية خلال عام من تطبيقه

رأت طهران في توقيع الاتفاق انتصارًا لسياستها الخارجية، واعترافًا من الدول الكبرى بمكانة إيران ووزنها الإقليمي والدولي المؤثر. كما يرى البعض أنها "أحبطت المحاولات الأميركية في تشويه صورة إيران من خلال اتهامها بامتلاك برنامج نووي لأغراض غير سلمية"70. فقد ساعد الاتفاق النووي، والذي أقره مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، في إبطال ستة من القرارات الأممية ضد إيران، واستبعد إلى حد ما الأبعاد العسكرية المحتملة في البرنامج النووي الإيراني.

تتباين الآراء حول نتائج الاتفاقية الاقتصادية؛ ففي المسألة النووية "إيران لم تخسر شيئًا إذ لم يكن لديها برنامج عسكري في مقابل أنها ربحت 7 مليارات دولار لوقف العقوبات عليها، كما أن قرارات مجلس الأمن لإيقاف تخصيب اليورانيوم بالكامل لم تنفذ"71. أضف إلى ذلك أنها ساهمت في انفتاح الاقتصاد في مجالي الطاقة والنقل. لكن فيما يتعلق بالأنظمة البنكية والتعاملات المالية، فقد جاء في تصريح كمال خرازي، رئيس المجلس الإستراتيجي الإيراني للعلاقات الخارجية، أنه حتى بداية العام 0172 لم يكتمل تطبيق بنود المعاهدة كافة؛ وذلك "بسبب بعض التشوهات القانونية ضمن الاتفاقية، والاتصال الوثيق بين البنوك الأوروبية مع قرارات الولايات المتحدة الأميركية"72. و"رغم وفاء إيران بتعهداتها وفق ما تؤكده وكالة الطاقة الذرية، إلا أن الثمار التي جنتها تكاد تكون 'لا شيء' وفق ما صرح به مسؤولون إيرانيون، في مقدمتهم ولي الله سيف، مدير البنك المركزي. ووفقًا له رغم أنه كان من المقرر أن تكون الأرصدة الإيرانية في البنوك الأجنبية في متناول الأيدي، إلا أن البنوك الأوروبية لا تزال قلقة من خرق القوانين الأميركية وفرض عقوبات عليها من قِبل الإدارة الأميركية"'73. وترى إيران أن "مكتب مراقبة الأرصدة الخارجية في وزارة الخزانة الأميركية'، مطالَب بإصدار تعليمات إلى البنوك الأوروبية كي يتم تسهيل الحصول على الأموال الإيرانية وعمليات التبادل الأجنبي. والأمر ذاته أكده سيف في حوار مع مجلة المانيتور، فالولايات المتحدة الأميركية لم تَفِ بتعهداتها التي ينص عليها الاتفاق النووي، ولذلك لا تستطيع طهران استخدام أموالها في الخارج؛ لأنها تضع العراقيل في طريق العلاقات المصرفية، في حين أن ما كانت تتوقعه الجمهورية الإسلامية من الإدارة الأميركية هو إلغاء القيود التي تفرضها على التبادل المالي بين طهران والدول الأخرى والالتزام بالاتفاق النووي بشکل کامل"74. يرى الرئيس روحاني في ما تم إنجازه نجاحًا حتى على الجانب الاقتصادي بما في ذلك "زيادة العوائد النفطية لإيران والنمو في المنتجات الزراعية، وزراعة القمح، والصناعات صغيرة الحجم وصادرات البلاد للخارج. وكان تصدير المنتجات غير النفطية سجل نموًا بنسبة 01 في المئة. وتمكنت الحكومة من تأمين ما يزيد على 704000 وظيفة جديدة. وقد أعلن وزير المالية والشؤون الاقتصادية، علي طيب نيا، أن إيران تتمتع بأعلى معدل نمو اقتصادي في المنطقة، وأن الحكومة الإيرانية كانت ناجحة في التعامل مع قضية التضخم. ووفقًا لتقرير صادر عن البنك المركزي الإيراني CBI()، فقد تسارع النمو الاقتصادي في البلاد إلى نحو 9% خلال الربع الثاني من بدء

  1. Kinninmont, p. 15.
  2. مجموعة مؤلفين، العرب وإيران مراجعة في التاريخ والسياسة (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 010)2، ص.110
  3. Nuclear Deal Promoted Iran's Global Image: Senior Diplomat," Press TV , 15/1/2017, accessed on 22/2/2017, at: http://bit.ly/2lF44bl
  4. الدسوقي.
  5. JCPOA has Opened Many Doors for Iran: Official," IRNA News , 13/1/2017, accessed on 21/2/2017, at: http://bit.ly/2kL0ddz
  6. فاطمة الصمادي، "عام على الاتفاق النووي: روحاني يتعثر بإنجازاته"، الجزيرة للدراسات، 016/7/132، شوهد في 017/2/22:2، في http://bit.ly/2nhRwHJ
  7. المرجع نفسه.

السنة التقويمية الإيرانية في 02 آذار/ مارس "201675. في المحصلة، "يبدو من غير المحتمل إلى حد بعيد أن يؤثر الركود الاقتصادي في تنفيذ الاتفاق النووي على المدى القصير. لكن مع مرور الوقت، فإن التفسير الرئيس الذي قدمه روحاني حول ضرورة الاتفاق النووي، أي إن تخفيف العقوبات هو فقط الذي سيسمح لإيران بالازدهار وأن الاتفاق النووي وحده من شأنه أن يوفر مثل هذا التخفيف، سيبدو أقل إقناعًا، إلا إذا بدأ الاقتصاد بالازدهار فعل "76.

أمّا الواقع السياسي والإستراتيجي لإيران، وعلى الرغم من بطء إنجاز التطلعات أو اكتمالها فيما يتعلق بالاتفاقية، فإنه يُدلل على أن طهران مستمرة في القيام بأدوارها الإستراتيجية بالتزامن مع تحول الأمم المتحدة نحو إيران بصفتها فاعلً رئيسًا ومؤثرًا، "ودورها في الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب"77. يطغى على الدعوة إلى التوافق والحوار مع دول العالم الإسلامي، بكل تأكيد، الواقع السياسي في الجوار العربي، والذي يساهم في دعم القوة الإيرانية في الاستمرار نحو سعيها لفرض وزنها الإقليمي ومد نفوذها، ما يُبقي السعودية في دائرة القلق على مصالحها الحيوية في المنطقة التي تضمن توازن قوتها وتمكين نفوذها. فحتى الآن لم يحدث تحول إيجابي ملموس في العلاقات الإيرانية - السعودية، مع أنه قد مضت فترة على تنفيذ الاتفاق. "إن التداخل السياسي والاجتماعي أدى إلى خلق مجموعة معقدة من التفاعلات على المستوى الإقليمي أو حتى خارج الإقليم؛ ما شكل مجموعة من العقبات الهائلة في طريق تحقيق الاستقرار في الإقليم وعلى الأخص فيما يتعلق بالعلاقات الإيرانية السعودية"، لكن تبقى الاحتمالات الأخرى واردة. وقد تكون زيارة وزير خارجية الكويت بتاريخ 52 كانون الثاني/ يناير 0172، ضمن إطار تقارب خليجي إيراني. ذلك أن وزير الخارجية الشيخ صباح خالد الحمد الصباح "حمل رسالة من أمير الكويت باسم دول مجلس التعاون الخليجي إلى الرئيس الإيراني تتعلق بالحوار بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران والأسس المطلوبة لهذا الحوار".

نتائج الدراسة

بناء على ما سبق من تحليل، توصلت الدراسة إلى النتائج التالية: إن الاتفاق النووي مثّل إنجازًا للسياسة الإيرانية. يعطي الاتفاق موقعًا مؤثرًا لإيران في ميزان القوى الإقليمي، بعد السماح لها بامتلاك برنامج نووي للأغراض السلمية، أو أنه كان إقرارًا لها بذلك الموقع. رفع العقوبات الاقتصادية وانفتاح الاقتصاد الإيراني على العالم سيساهمان في رفد خزينة الدولة في حال تم التصرف بالعوائد على النحو الذي تقر به، إلا أنه في الوقت ذاته سيزيد قدرة إيران على تمويل الحركات التابعة لها في الشرق الأوسط، ويمكنها من تنفيذ أجنداتها. بعد انقضاء عام على تطبيق الاتفاق، لم تستطع إيران الحصول على كل ما كانت تسعى له من انفراج اقتصادي، وهذا يعتمد على سرعة وتيرة انفتاح الاقتصاد العالمي في التعامل مع إيران. من خلال تتبع السياسة الإيرانية خلال العام الأول من توقيع الاتفاق، يظهر أنها استمرت في تنفيذ إستراتيجياتها الإقليمية نفسها، في حين أضاف الاتفاق إلى موقعها الإستراتيجي في الإقليم نوعًا من القوة؛ ما مثّل تهديدًا للمملكة العربية السعودية، بصفتها قوة موازنة في الإقليم. ساهم التقارب الإيراني مع الولايات المتحدة، خلال عام من تنفيذ الاتفاقية، في ازدياد الشعور بالتهديد الذي تشعر به السعودية لموقعها الإقليمي. لا نتوقع أن يستمر هذا التقارب مع الجانب الأميركي على المنوال نفسه في ضوء تغيير الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب،

  1. Maryam Azish, "Bright Prospects for Iranian Economy," Mehr News Agency , 21/1/2017, accessed on 22/2/2017, at: http://bit.ly/2lmUN7j
  2. Patrick Clawson, "Iran's Post-Deal Economic Stagnation Challenges Rouhani," Washington Institute for Near East Policy, 8/10/2015, accessed on 21/2/2017, at: http://bit.ly/2mbdHMM
  3. أمیر عبد اللهیان یدعو للإسراع في إرسال المساعدات الإنسانة إلی فوعه وکفریا "، وكالة الجمهورية الإسلامية للأنباء، 016/3/182، شوهد في 017/2/21:2، في http://bit.ly/2m72SPi
  4. Al-Suwaidi, p. 327.
  5. وزير الخارجية الكويتي حمل "رسالة خليجية" إلى إيران"، سكاي نيوز عربية، 017/1/252، شوهد في 017/3/21:2، في http://bit.ly/2nhC3aL

وتأثير الجمهوريين أصحاب السياسة المضادة لباراك أوباما، حتى مع الاستمرار في تنفيذ الاتفاقية؛ ما يعني في المقابل ارتياح الجانب السعودي وعودة لتحقيق التوازن بعد مرور عام من تهديد اختلال ميزان القوى الإقليمي.

خاتمة

إن التواصل الإيجابي والانفتاح بين إيران والسعودية يمهد الطريق لتسوية جانب مهم من النزاعات الإقليمية. وعلى العكس من ذلك، إذا ظلت العلاقة بينهما صدامية، وإمكانية أن يعمل الاتفاق النووي على زيادة المخاوف السعودية، ومن ثمّ تعميق الشرخ وحدة الصراع، فإن المنطقة بكاملها ستواجه خطر تعميق الصراعات التي يعانيها الشرق الأوسط أساسًا، بدلً من تخفيفها. ومن الجدير بالذكر أنه فيما يتعلق بالحوار على مستوى العلاقات الدولية، فإن التواصل لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير الصورة القائمة واستبدالها بأخرى إيجابية، بل يبقى للصورة النمطية عن الطرف المقابل تأثيرها الأكبر في استقبال رسائل التواصل، إلا أنه بلا شك الوسيلة الوحيدة لتجاوز الخلافات وتقريب وجهات النظر. يعتمد نجاح التقارب الإيراني - السعودي على تطور الحوادث الإقليمية، وخصوصًا ما يتعلق بالشأنين السوري واليمني. وقد ازدادت حدة التوتر السعودي - الإيراني، بعد إعدام السلطات السعودية رجل الدين الشيعي نمر النمر، وأخذ منحى آخر في إثر التفاعلات والحوادث التي أعقبت ذلك، واقتحام عدد من الغاضبين في إيران مقر السفارة السعودية في طهران والقنصلية وحرقها، في مشهد بداية عام 0162، وما لحقها من سحب الرياض لبعثتها الدبلوماسية وإغلاق سفارتها بطهران. أضف إلى ذلك استمرار النزاعات في اليمن وسورية، وانعدام الاستقرار في فلسطين ولبنان والعراق، وانخراط إيران والسعودية في مختلف أشكال تلك الصراعات. وتستمر المملكة العربية السعودية في سعيها لتوضيح موقفها من الجانب الإيراني على لسان وزير خارجيتها الجبير بأن على إيران تغيير سلوكها إذا كانت تريد علاقات متوازنة مع المنطقة، متلقيًا الدعم من الولايات المتحدة التي نعتت تصرفات إيران بالاستفزازية من خلال تحركاتها المريبة فيما يخص مواصلتها تهريب الأسلحة والمتفجرات لعدد من دول المنطقة. من المرجح أن تتواصل الاتهامات المتبادلة بين السعودية وإيران على المدى القريب، مع استمرار حروب الوكالة القائمة بينهما في اليمن وسورية. ستستمر كل منهما في تنفيذ مشاريعها السياسية وضمان مد الهيمنة على الأراضي في منطقة الخليج وما تحويه من ثروات طاقة واقتصاد. ومن ثمّ، فاحتمالية التغيَ الإيجابي في العلاقة الإيرانية - السعودية تبقى ضعيفة على الرغم من إنجاز الاتفاقية، وخصوصًا مع تغير الإدارة الأميركية وفوز ترامب في الانتخابات الرئاسية وهيمنة الحزب الجمهوري على أغلبية المقاعد في كل من الكونغرس ومجلس الشيوخ وتأثير ذلك في مدى استعداد الإدارة الجديدة على التعامل مع الاتفاقية كما جاءت والتزام مضامينها. معظم المحللين السياسيين يتوقع "الاستمرار في العمل بالاتفاقية" ولا يعطي تصريحات ترامب في إلغاء المعاهدة صفة الواقعية. ويؤكد ذلك تصريح جايمس ماتسي وزير الدفاع الأميركي الجديد؛ فهو يرى ضرورة التزام الولايات المتحدة المضي قدمًا في تنفيذ الاتفاقية، كما يدعو لذلك شخصيات بارزة بتوقيع رسالة مفتوحة تدعو الرئيس المنتخب لالتزام الاتفاقية؛ لما لها من قدرة على منع سباق التسلح النووي في الشرق الأوسط وانعكاساته الإيجابية على أوضاع المواطنين في إيران. أضف إلى ذلك العامل الدولي المتمثل بضغط الدول الأخرى الأطراف في الاتفاقية باتجاه استمرار العمل بها. لا بد أن يؤثر التحول في مركز صنع القرار السياسي الأميركي في الواقع الإقليمي وتوجهات السياسة الخارجية الإيرانية والسعودية. وحتى مع استمرار العمل بالاتفاقية، فمن المرجح أن تكون سياسات ترامب أكثر انفتاحًا على السعودية وأكثر تشددًا مع إيران؛ توافقًا مع تصريحات الجبير الأخيرة بالرغبة المعلنة لإدارة ترامب في استعادة الدور الأميركي في العالم، والعمل على إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية داعش، واحتواء إيران ومنعها من الأذى عبر سياساتها السلبية في المنطقة، والعمل مع الحلفاء (حلفاء الولايات المتحدة) ودعمهم. بالتوازي مع هذه التصريحات تقدم عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي بمشروع قانون جديد، يقضي بفرض عقوبات اقتصادية على النظام الإيراني؛ وذلك لدعمه "الإرهاب" ومواصلة عملية تطوير صواريخ محظورة، وفق ما نشر موقع "نيوز ماكس" الأميركي. في الختام، إن مساعي إيران وتدخلاتها وسياستها التوسعية ومد نفوذها في المنطقة مستمرة، ما يعني أيضًا استمرار حالة الشك مع السعودية، خاصة مع إعادة تمتين التحالفات السعودية - الأميركية برئاستها الجديدة، والتي تباشر منذ البداية باتخاذ مواقف حادة ومتشددة متعلقة بالشأن الإيراني. وبما أن السياسة هي تعبير عن إدارة للنظام الدولي العام والإقليمي، فستبقى إيران دولة ذات التطلعات والأهداف القومية والإستراتيجية جزءًا من هذا النظام الدولي، تحت تأثير إدارات مراكز القوى العالمية. وعلى الرغم من إنجاز إيران للاتفاق الأخير، وتمكنها من تنفس الصعداء في عام أعادَ

التفاؤل إليها كيانًا مقبولً دوليًا ولو بشروط، كيانًا قادرًا على استئناف نمط طبيعي من التفاعل العالمي، فإن هذا لا يعني بالضرورة وصولها إلى كل ما سعت إليه من خلال الاتفاقية؛ فكل ذلك رهين بالتفاعلات الدولية وتطوراتها، وبالنتيجة صعوبة تكوين أنماط جديدة في علاقاتها الدولية، بما في ذلك إقامة علاقات نوعية جديدة مع السعودية.

المراجع

العربية

تشوبين، شاهرام. طموحات إيران النووية. ترجمة بسام شيحا. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2011 تيرتري، برونو. السلاح النووي بين الردع والخطر، ترجمة عبد الهادي الإدريسي. أبوظبي: هيئة أبوظبي للثقافة والتراث،.2011 جارفر، جون. الصين وإيران شريكان قديمان في عالم ما بعد الإمبريالية. أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية،.2009 شبلي، سعد شاكر. السلوك الدولي تجاه أزمة البرنامج النووي الإيراني. عمان: دار زهران للنشر والتوزيع،.2014 كارتر، جيمي. مذكرات جيمي كارتر كامب ديفيد: حرب على الحرب رهائن طهران والحسابات الخاسرة. ترجمة شبيب بيضون. بيروت: دار الفارابي،.1985 كاظمي، بهرام اخوان. "مسار العلاقات الإيرانية السعودية." مجلة شؤون الأوسط. العدد 021 (ربيع.)2001 مجموعة مؤلفين. العرب وإيران مراجعة في التاريخ والسياسة. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2010 محمود، أحمد إبراهيم. "ملفات إيرانية - الحالة السياسية الإيرانية مختارات إيرانية. العدد والملف النووي في عهد أحمدي نجاد." 61 (آب/ أغسطس.)2005 المشاقبة، أمين وسعد شاكر شبلي. التحديات الأمنية للسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط: مرحلة ما بعد الحرب الباردة - 1990 08 20. عمان: دار الحامد للنشر والتوزيع،.2012 مقلد، إسماعيل صبري. نظريات السياسة الدولية. الكويت: جامعة الكويت،.1971 الموسوي، حسن. "سياسة إيران الدفاعية." مجلة شؤون الأوسط. العدد 021 (ربيع.)2001 النعيمي، أحمد نوري. السياسة الخارجية الإيرانية  - 1979 11 20. عمان: دار الجنان للنشر والتوزيع،.2012

الأجنبية

Al-Suwaidi, Jamal. Iran and the Gulf. Abu Dhabi: The Emirates Center for Strategic Studies, 1996. Ehteshami, Anoushiravan. "Iranian Perspectives on the Global Elimination of Nuclear Weapons." Palestine-Israel Journal. vol. 16, no. 34 (2010). Gerson, Joseph (ed.). The Deadly Connection: Nuclear War & U.S Intervention. New England: American Friends Service Committee, 1982. Koury, Envy M. The Super Power and the Balance of Power in the Arab World. Beirut: Catholic Press, 1970. Maloney, Suzanne. "Thinking the Unthinkable: The Gulf State and the Prospect of a Nuclear Iran." Brookings. Number 27 (2013). Patrikakrakos, David. Nuclear Iran. London: I.B. Tauris, 2012. Safran, Nadav. Saudi Arabia: The Ceaseless Quest for Security. Cambridge: Belknap The Belknap Press of Harvard University Press, 1985. Simon, Mabon. Saudi Arabia and Iran: Power and Rivalry in the Middle East. London: I.B. Tauris, 2015. Waltz, Kenneth. Theory of International Politics. Reading, MA: Addison-Wesley Publishing Company, Inc., 1979.