استعلام للديمقراطيات، استعلام بالديمقراطية

Louay Abdulfatah لؤي عبد الفتاح |

Renseigner les démocraties, renseigner en démocratie عنوان الكتاب في لغته: عنوان الكتاب: استعلام للديمقراطيات، استعلام بالديمقراطية Jean-Claude Cousseran & Philippe Hayez جون كلود كوسران وفيليب هاييز المؤلف: سنة النشر: 2015 الناشر: أوديل جاكوب Odile Jacob عدد الصفحات: 743 صفحة

The Intelligence Services in a Democracy

ألّف هذا الكتاب جون كلود كوسران وفيليب هاييز1، وهو نوع مهمّ من الدراسات الأكاديمية الحديثة التي تتناول نشاط الاستعلام، أو الاستخبارات، ولا سيما أنه يُعنى بتحليل المفارقة القائمة بين سياسة عمومية تحوطها السرية وتطبعها في كثير من الأحيان اللامشروعية من جهة، والنظام الديمقراطي القائم على الشفافية وسموّ القانون من جهة أخرى. ويشير الكاتبان إلى أهمّ الأسباب الداعية إلى إخراج مؤلَّف حول السياسات الاستعلامية؛ فما خلّفته أحداث الحادي عشر من سبتمبر 0012 من تداعيات، بخصوص عمل أجهزة الاستعلام، وكشوف ويكيليكس وإدوارد سنودن، إضافةً إلى اندماج العالم الرقمي بقوة في تدابير الأمن، كلّها عوامل أنتجت دخول قضايا الاستعلام دخولً واسعًا إلى دائرة النقاش الاجتماعي والأكاديمي. ومن ثمّ، تبلور مفهوم السياسة الاستخبارية Intelligence Policy في الديمقراطيات الغربية؛ نزولً عند حقيقة أنّ "الاستعلام" أضحى ضرورةً أمنيةً قد يمليها النظام الديمقراطي ذاته، وفقًا لشروط وعوامل موضوعية. ولا شك في أنّ المهتمين بهذا المجال في منطقتنا العربية؛ من أكاديميين، وأمنيين، وصانعي القرار، يمكنهم أن يجدوا فيه أجوبةً مناسبةً، قد تصبّ في مزيد من الأخذ في الحسبان بعناصر الحوكمة الأمنية، ولا سيما في ما يتعلّق بمصالح الاستخبارات، عبر تعزيز الإدراك بالمشكلات التي تحيط به.

أمّا الموضوع الرئيس للكتاب، فيتمثل في البحث عن التوازن بين ضرورتَ الشرعية والفعالية في السياسات العمومية للاستعلام، وهي مكرّسة أساسًا لتحقيق المصلحة العامة في مجتمع ديمقراطي. ويتضمن الكتاب أربعة عشر فصلً تتمحور حول ثلاثة مواضيع أساسية؛ يتصل أولها بمحاولة تحديد العناصر الأساسية المحيطة ب "السياسة الاستعلامية العامة"، في حين يتعلق ثانيها بأهم مجالات تطبيق تلك السياسة. أمّا ثالثها، فيعرض للشروط الأساسية لوضعها موضع التنفيذ. ويُ ثّل كل موضوع من هذه المواضيع مناسبةً لطرح إشكاليات جدية، على نحو تكون فيه السياسة الاستعلامية مطالبةً بالفعالية، ومطالبةً أيضًا بتوخي الحدود الدنيا من خرق المبادئ الديمقراطية. وعلى الرغم من تعدد الزوايا التي يمكن النظر من خلالها إلى نشاط الاستعلام (نفسية، وتنظيمية، وسياسية وقانونية)، فإنّ الإشكال المركزي - بحسب المؤلفين - يتمثّل في ضرورة حسبان الكيفية والشروط التي يمكن بها لهذا القطاع من السياسات العامة، وهو قطاع متغلغل عميقًا في ثقافة السرية والانتشار وخرق القانون، أن يندمج في النظام الديمقراطي المؤسس على الانتخابات والتداولات والنقد والشفافية، فضلً عن احترام الشرعية. إنه مناخ من التشنجات والمصادمات التي يصعب تحكيمها، والتي تجعل من العسير الإحاطة بمضامين مفاهيمية متفق عليها لحقيقة موضوعية متُرَعة بالتناقضات.

أولا: مفهوم السياسة الاستعلامية

ومضامينها

إنّ نشاط الاستعلام عبر التاريخ؛ منذ بدء ظهوره إلى انتظامه المؤسساتي ومأسسة "أسرار الدولة"، يعيدنا دائمًا إلى السؤال الكبير الخاص بجوهر العلاقة بين الاستعلام والسلطات السياسية. ومن ثمّ، يحاول الكتاب إلقاء الضوء على عدد من المفاهيم والأوضاع التي تحيط بالسياسة الاستعلامية العامة؛ من قبيل البنيات المؤسساتية للاستعلام والاستقلالية الخاصة التي تحظى بها، وسطحية الوصاية الحكومية عليها، وما يُعرف بدورة الاستخبارات. كما يتناول الكتاب مجالات الفعل الاستعلامي التي ما انفكت تتسع وتتنوع، مرورًا بمعنى "مجتمع الاستعلامات" الذي يشهد تحولً إلى مفهوم جديد هو "مصنع الاستعلامات الوطنية"، وأبرز ما يميزه هو استيعابه لصنّاع القرار، ومختلف القيادات الأمنية الأخرى، والشركاء الأمنيين من القطاع الخاص والمجتمع المدني. وفي تناوله لمفهوم "ثقافة الاستعلام" بوصفها مجموعة التمثلات التي يحملها المسؤولون السياسيون، والإدارات العمومية، والوكالات الأمنية، والقضاء، والصحافيون، والمجتمع المدني، والمنظمات الحقوقية لأنشطة الاستعلام، يوضح الكتاب أنّ مثل هذه الثقافات تتباين بين المجتمعات بحسب السياقات التاريخية والسياسية، كما أنّها تختلف بين الاستخبارييّن والسياسيين، وبين المدنيين والعسكريين، وبين المحللين وجامعي المعلومات. وفي مجتمع ديمقراطي، سيكون مهمًّ تكريس مزيد من شفافية الاستعلامات، وانفتاحها على كافة الفواعل

  1. جون كوسران Cousseran Jean-Claude: دبلوماسي، ومتخصص في العالمين العربي والإسلامي. عمل في المديرية العامة للأمن الخارجي (فرنسا)، وأصبح مديرًا لها في الفترة 003-20002؛ وفيليب هاييز Hayez Philippe: عمل قاضيًا بمحكمة الحسابات، وتقلّد عدة وظائف بوزارتَ الخارجية والدفاع بفرنسا، ثم عيُن في المديرية العامة للأمن الخارجي في الفترة 2000 - .2006

المؤسساتية والاجتماعية في الدولة؛ تعزيزًا لثقافة تقبل احترام العمل الاستعلامي والاقتناع بكفايته وضررته. ولم تَغِبْ القضايا الفنية في العمل الاستخباري عن عناصر المفهوم؛ إذ تناول الكتاب مسألة جمع المعلومات والمصادر المختلفة للمعطيات. كما تناول الاستعلام البشري Humint، مبرزًا اختلالاته، وتسببه في كثير من الأحيان ب "الفشل الاستخباري"، فضلً عن أنه يثير إشكاليةً أخلاقيةً في الدول الديمقراطية لم يوجد لها حلّ واضح. أمّا في ما يتعلق بالاستعلام التقني، فإنّ أهميته المتصاعدة تنبئ بضرورة إعادة النظر في باراديغمات البحث الاستخباري؛ بما فيها أنماط القيادة، وطرائق الرقابة والسيطرة.

وارتباطًا بالتحليل الاستخباري، وسواء عُدَّ علمً أو فنًّا، يؤكد الكتاب أنّه يبقى عملً بشريًا قد يحتاج إلى المعلومات لفكّ الألغاز، وقد يحتاج أكثر إلى الذكاء والفكر الخلّ ق لتقدير النيّات وكشف الخفايا التي تغلّف الواقع المعقد؛ لذلك فهو لا يُكلَّل دائمًا بالنجاحات، بل إنّ كثيرًا من حالات التحليل التوقعي فشلت في التنبؤ بأحداث كبرى يذكر منها المؤلفان الثورة الإيرانية، واجتياح الكويت، والتجربة النووية الهندية في عام 9981، وأحداث 11 سبتمبر 0012، وانتفاضات "الربيع العربي"، وتضارب التوقعات الاستخبارية حول الموعد المحتمل لامتلاك إيران للسلاح النووي. وهكذا يجب على صنّاع القرار عدم المبالغة في الوثوق بالتحليلات والتقديرات الاستخبارية، بخاصة عندما تتعلق بالنيّات السياسية والحقائق البشرية. وعلى الرغم من ذلك، يرى الكاتبان أنّ الفشل في التحليلات الاستخبارية مسألة طبيعية، بيد أنه لا يجوز استغلالها لتغطية الفشل السياسي، وأنّه سيبقى من اللازم فتح مجال التحليل بخلق هياكل تجمع مستهلكي الإنتاج وفنيِّي الاستعلامات، إضافةً إلى فاعلين أمنيين آخرين. من جانب آخر، يؤكد الكاتبان الطبيعة المحرجة للعمليات السرية بالنسبة إلى النُظم الديمقراطية؛ بسبب ما تثيره من إشكاليات الشرعية والفعالية. فهي أفعال تقع بين الدبلوماسية والعمل العسكري، تستهدف التأثير في الأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية، والتأثير في مجرى الأحداث، من دون بروز دور الحكومات فيها، كما أنّ بعضهم لا يعدّها جزءًا أصيلً من مهمات أجهزة الاستعلام التي تُخوّل، أساسًا، البحثَ عن المعلومات ووضع التقديرات. من أجل ذلك فإنّ بعض الدول؛ كألمانيا، وكندا، ترفضها أساسًا. ومع ذلك، عُدّت بديلً مناسبًا للبحث الاستخباري التقليدي في الحرب على الإرهاب، وفي الحرب المعلوماتية، من الفعل الدبلوماسي والسياسي الكلاسيكي، كما عُدّت ضروريةً للتعامل مع مناطق التوتر و"المجتمعات المغلقة." ويرى المؤلفان أنه لا بدّ للعمليات السرية في الدول الديمقراطية من المرور باختبار الفحص والرقابة، ثمّ الترخيص فيها من لدن السلطات السياسية؛ بالنظر إلى تمثّل المصلحة المتوخاة منها، وأنّها تشكّل بالفعل الخيار الأفضل، ثمّ استكشاف مدى مشروعية العملية المقترحة، ومدى اتساقها والسياسة الخارجية للدولة وتجانسها والقيم الوطنية، وصولً إلى التنبه لِمَ قد تحدثه من آثار في الرأي العامّ الوطني والدولي في حالة انكشافها.

ثانيًا: مجالات تنفيذ السياسة الاستعلامية

يعالج الكتاب في هذا المقام بعض أبرز مجالات الفعل الاستعلامي بدءًا من قضايا الدفاع وخطر الإرهاب، وصولً إلى تحديات الفضاء السيبراني. ففي عرضهما لما يسميانه "طفرة الاستعلام لمصلحة شؤون الدفاع"، يشير المؤلفان إلى أنّ الاستعلام لا يؤدي دورًا مهمًّ في رسم الإستراتيجيات الدفاعية، على خلاف دوره في التكتيكات والمفاوضات العسكرية. وقد ظهرت كثير من نقائص الاستعلام العسكري في الحروب، بل إنّ بعض تحليلات الاستعلام كانت كارثيةً في حالات كثيرة، ومع ذلك قد يكون دوره حاسمً في إطلاق مسلسل القرار السياسي العسكري. ويلاحظ الكاتبان تحولً مسَّ طبيعة الاستعلام العسكري، تماشيًا مع التطور في طبيعة العمليات العسكرية؛ من ذلك أنّه أضحى أكثر انفتاحًا واندماجًا في مكوّنات مجتمع الاستعلام كلّه، معززًا حضور العسكريين داخل هذا المجتمع. وبوجه عامّ، سيكون على الاستعلام لمصلحة الدفاع الوطني، بحسب الكتاب، أن يوفق بين متطلبات الاستعلام الإستراتيجي واحتياجات القوات المسلحة للمعلومات. فهو إنتاج من طبيعة خاصة يساهم فيه عدد من الفاعلين الاستخبارييّن؛ لذلك فإنّ المسافة بينه وبين صانع القرار لا تُطرح بالطريقة نفسها التي تخص الاستعلام الإستراتيجي والاستعلام المتعلق بالأمن الداخلي. من جهة أخرى، يرى المؤلفان أنّ الدول الديمقراطية تَعُدّ الإرهاب العابر للحدود، المعقد في فعله والمتسع في انتشاره والصعب في

توقّع ضرباته، أحدَ أكبر التهديدات غير العسكرية المحدقة بأمنها القومي وبأمن مواطنيها، سواء كان ذلك في الداخل أو الخارج، وهو ما يجعل الحرب على الإرهاب حربًا تجاه أجهزة الاستعلام بامتياز. وإنّ الاستعلامات، بحسب الكتاب، ستكون منوطةً بأداء دورٍ رائدٍ في التكريس والتنفيذ للتوجهات الرامية إلى التأثير في السياقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية المواتية لتفشي الظاهرة الإرهابية، وليس في ما يتعلّق بمقاومة الإرهاب فقط عبر المقاربات الأمنية الخالصة التي تُثبت عدم فاعليتها، في ظل انبثاق العمل الإرهابي من قلب المجتمعات الغربية وتنامي خطورة عمليات "الذئاب المنفردة." ثمّة ضرورة، إذن، لوضع نُظم وطنية مضادة للإرهاب قوامها تعزيز الاستعلام البشري، والتعاون الأمني، وتكثيف العمليات العسكرية بالخارج. على أنّ هذه النظم يجب أن تنشد فعاليتها عبر الحفاظ على الحريات العامة، وتقليص مستويات القلق والتخوف في المجتمعات الغربية، ولا سيما أنّ الاحتياجات الاستخبارية أضحت أكثر ارتباطًا بسلوكيات الأفراد وهوياتهم ومواقفهم وعلاقاتهم وتحركاتهم. ولكنّ طرائق الاستجابة ومناهجها ستبقى، مع ذلك، مثارًا للتساؤل حول شرعية وسائلها وأخلاقيتها في ضوء تورط الاستعلامات في اختطافات واعتقالات وإعدامات خارج إطار القانون، وتعاونها مع حكومات وأطراف تنتهك حقوق الإنسان. وفي معالجته ل "الدبلوماسية الاستعلامية"، يشير الكتاب إلى أنّ الممثليات الدبلوماسية ووزارات الخارجية، تظل متصلة، بل مؤطرةً لمهمات الاستعلام؛ عبر الامتداد الإقليمي والغطاء الشرعي الذي تَفي به للأنشطة السرية، وهو ما تنتج منه مشكلات عملية حقيقية تمسّ العلاقات السياسية والدبلوماسية. وعلى الرغم من ذلك، يعرف كلٌّ من الاستعلام والدبلوماسية تحولً مهمًّ في ضوء تنامي المحاذير والفرص، ما يتطلب تعزيزًا للتكامل والتداخل بينهما. فالاستعلام يبقى ضروريًا للدبلوماسية؛ ذلك أنّه يزوّد السلطات بالمعلومات، مساهمً في تحليل الأوضاع والوقائع وتقديرها، ويعزّز فعالية السياسة الخارجية بإيجاد القنوات البديلة، وإمكانية استباق النيّات، وإدراك هوامش المواقف التفاوضية، كما أنّه يؤدي دورًا في حماية الجاليات والبعثات الخارجية، ويُجري المفاوضات الخاصة، أو غير المعلنة، مع أطراف متنوعة، ويكشف عمليات التضليل السياسي ويمارسها، إلى جانب قيامه بتنفيذ اتفاقات التعاون الأمني، وأدائه لمهمات دبلوماسية سرية، كثيرًا ما تفيد في الوساطة بين أطراف متعارضة، أو في تأسيس مفاوضات سرية بينها، وهو دورٌ أدّته عدة استعلامات غربية في مناطق توتر مختلفة، بما فيها المنطقة العربية. وفي ما يتعلق بالجوانب الاقتصادية للاستعلام، يبرز الكتاب حقيقةً مفادها ظهور الحاجة إلى تطوير قدرات المقاولات الوطنية على المنافسة والحركة والفوز بالصفقات، في مناخٍ من احتدام التنافس الاقتصادي والتجاري الدولي، بعد انتهاء الحرب الباردة، إضافةً إلى ما يستدعيه تزايد خطر الإرهاب من تتبعٍ لمنابعه المالية وأنشطته التجارية غير المشروعة. ويرى المؤلفان أنّ المظاهر الدفاعية للاستعلام الاقتصادي أضحت تدخل، بالفعل، ضمن الإطار العامّ لتدابير الأمن الوطني. على أنّ المناحي الهجومية لهذا المجال، وهي تعمل أحيانًا لمصلحة المقاولات والشركات الوطنية، تثير إشكاليات جديةً من قبيل التأثير في طبيعة المهمّ ت السيادية للدولة وتشويه القواعد التنافسية لاقتصاد السوق. ويشير الكاتبان إلى عدد وافر من تداعيات الاستعلام الاقتصادي، بدءًا من خطر القوى الصاعدة وتجسّس الأصدقاء الغربيين بعضهم على بعض، وتورط ال "سي آي إي"، وغيرها، في البحث عن معلومات اقتصادية ومالية، بذريعة تتبّع المصادر المالية للإرهابيين، إلى جانب الخشية من علاقات مشبوهة بين الاستعلامات والمقاولات الخاصة، فضلً عن المشكلات التي يخلقها تكاثف حضور شركات الاستعلام الخاصة؛ من قبيل "بوز ألن هاملتون" وعلاقاتها التنظيمية المريبة برجالات الاستعلامات الرسمية في أميركا. ويرى الكاتبان ضرورة القبول ببعض البراغماتية في ما يتعلّق بالتعاطي مع الاستعلام الاقتصادي، إلّ أنّ ذلك يجب ألّ يؤدّيَ إلى خلْق سوق رمادية قد تُلحق الأذى بمشروعية الاستعلامات الرسمية وسمعتها، أو تؤدي إلى تخلّيها التدريجي عن مهماتها السيادية الأصلية. فحينئذ، يجب وضع ضوابط واضحة ودقيقة بشأن دعم أمن المقاولات الوطنية وتنافسيتها، إلى جانب التأطير القانوني الصارم لشركات الاستعلام الخاصة من حيث الترخيص لها، وتحديد مهمّ تها، ومراقبتها، ووضع مبادئ تؤطر الاستعانة بها. وفي ما يتعلق بتفاعل السياسة الاستعلامية مع مجالب الفضاء السيبراني، فإنّ الأمر يتعلق ببُعد جديد يتضمن البحث عن المعلومات في الفضاء الافتراضي، والدفاع والحماية ضد الهجمات المعلوماتية المعادية، فالقيام بالهجوم المعلوماتي والعمليات المعلوماتية السرية. وإنّ مواجهة مخاطر الفضاء السيبراني، بحسب الكاتبين، هي أكبر من أن تتحملها أجهزة الاستعلام وحدها. فهي تمثل أخطارًا عالية الدرجة، كما أنّها قوية الاحتمال وعميقة الأثر. وبناءً على ذلك، يجب تقسيم مسؤوليات حماية الأمن الوطني بين ما هو جنائي وأمني وعسكري، وبين القطاعين العامّ والخاص. ولكنّ أسئلةً كثيرةً تُثار حول مدى خضوع الاستعلامات في مهماتها المذكورة للسلطة التنفيذية، وحول كيفية تجاوز المشكلات التنظيمية بين الأجهزة، وطرائق معالجة مشكلات المساس بالمعطيات الشخصية، والحسابات البنكية، والمراسلات الإلكترونية، في ظل تنامي مخاطر الإرهاب وتحوّل الفضاء

المعلوماتي إلى ميدان لحرب غير تماثلية. وفضلً عن ذلك، يؤثّر البعد السيبراني للاستعلام في التعاون الأمني الدولي بسبب حساسية تبادل المعلومات وسهولة انكشافها، أو تسربها، وبسبب قصور القانون الدولي في معالجته للظواهر السيبرانية؛ من أجل ذلك تنشأ ضرورة لإعادة تموقع الاستعلام داخل مؤسسات الأمن والدفاع.

ثًالث ا: متطلبات تنفيذ السياسات الاستعلامية

ثمة متطلبات موضوعية يجب أخذها في الحسبان في السياسات الاستعلامية بالدول الديمقراطية، حسب الكاتبين؛ وهي متطلبات تلامس قضايا القيادة والتحكم السياسي، كما أنّها تقع تحت ضرورة التعاون الاستعلامي والرقابة على الاستعلامات. فمن ملاحظتهما للاندماج الكبير بشأن أنشطة الاستعلام في مختلف قضايا الواقع السياسي، يشير الكاتبان إلى أنّ الاستعلام والسياسة مجالان مختلفان محكومان بمفاهيم السرية والشفافية. وبناءً على ذلك، يُطرح تساؤل عن ماهية الممارسات الفُضلى التي يمكنها أن تُتيح تأطير إدارة تلك الأجهزة ومراقبتها من جهة السلطات السياسية، ولا سيما أنّ الاستعلام دخل عبر هياكله إلى هيئات التخطيط العامّ للسياسات الأمنية. ومن ثمّ، قد يبرز أحد أسوأ مظاهر الاختلال في السياسة الاستعلامية، وهو متمثل في "تسييس الاستعلامات." يبدأ تسييس الاستعلام من تعيين مسؤوليه، وفقًا لمعايير الانتماء السياسي، ثمّ إنّه قد يتجه نحو السعي للتأثير في التحليلات والتقديرات الاستخبارية، تبعًا لإرادة مسؤولين سياسيين، أو لمصلحة مقاولات لهم بها علاقة، إضافةً إلى أنّه قد يتمّ إدماج بعض عمليات الاستعلامات في قلب الشأن السياسي الداخلي إدماجًا شاملً، كما هو الشأن بالنسبة إلى الديمقراطيات ذاتها. وبوجه عامّ، ينتج من ذلك إثارة للمسؤوليات السياسية. وفضلً عن ذلك، توجد حالات تدفع أجهزة الاستعلام إلى أداء مهمات تخرج عن مهمّ تها الخاصة بها؛ كالمراقبة وتتبع الخصوم السياسيين والصحافيين والأحزاب المعارضة مثلً، كما أنّه قد يتمّ رفع التصنيف عن معلومات سرية بغية إثبات موقف سياسي. إنّ العلاقة بين الاستعلامات والقيادة السياسية تحكمها حساسيات كثيرة وعوامل مادية وفنية، علاوةً على أنها تتأثر بطبيعة النظامين السياسي والقانوني، والثقافات الاجتماعية السائدة، ومصالح المسؤولين السياسيين. من أجل ذلك يرى المؤلفان وجوب أخذ ثلاثة مبادئ أساسية في الحسبان؛ يتمثل أوّلها في تأسيس ثقة متبادلة بين القيادات السياسية، والاستعلامات والعمل على تعزيزها. أمّا ثانيها، فهو يصبّ في البحث عن التوازن بين السياسة وموضوعية التحليلات والأساليب المستخدمة والحقوق والحريات المحميّة. في حين يتعلق ثالثها باحترام الاستعلامات لشروط الانضباط وقواعد السلوك المطلوبة في إطار الولاء للوطن، والتجرد في أداء المهمّ ت، والمحافظة على الاستقلالية إزاء المواقف السياسية. فالاستعلام يجب ألّ يكون في مواجهة السياسة، بل ينبغي أن يعمل بوصفه مشتقًّا منها في نظام متوازن يحفظ له استقلاليته ويتيح مراقبته.

وفي معرض معالجتهما لموضوع التعاون الاستعلامي كبُعد متصاعد في العلاقات الدولية، يوضح الكاتبان أنه يمثّل طريقًا لا غنى عنها بالنسبة إلى وكالات الاستعلام، على الرغم من أنّه يتسم بكثير من التشابك والتعقيد. فهو قد يجمع بين أطراف غير متماثلة (دول، وتنظيمات، وحركات تحرر، ومنظمات دولية حكومية وغير حكومية... إلخ)، وقد ينشأ عبر اتفاقات رسمية أو غير رسمية، كما أنه قد يتخذ أبعادًا إستراتيجيةً أو عملياتيةً أو فنيةً، وقد يكون مطلوبًا في إطار منظمات؛ كالأندية الأمنية، واليوروبول، والناتو، والأمم المتحدة. ويؤكد الكاتبان أنّ التعاون الاستعلامي، على الرغم من تكاثفه، يبقى في حاجة إلى مزيد من الهيكلة والتلبس بالطابع الجماعي الدولي في إطار نُظم الأمن الجماعي، مع أنه أسّس دبلوماسيةًاستعلاميةً تستفيد من عنصر السرية، لتعمل في وقت تكون فيه الاتصالات الرسمية غير مُرخصة أو مُتاحة. ولئن ساد حديث في الوقت الراهن عن عولمة الاستعلام في مواجهة عولمة التهديدات، فإنّ قصور نُضج آليات التعاون قد يؤدي إلى تشويه نُظم الرقابة الوطنية على الاستعلامات، كما أنه يخلق خشيةً لدى بعضهم من تحوّل النظام الجديد والشامل في مجال مكافحة الإرهاب إلى شبكة من محترفي تدبير اللاأمن تستقل عن السياسات الحكومية الوطنية، فضلً عن العوائق الفنية التي قد تؤدي إلى إفشاء معلومات مصنفة تخصّ طرفًا شريكًا في التعاون (تسريبات ويكيليكس، وكشوف سنودن)، أو معلومات من شأنها أن تشوّه العلاقات؛ بسبب تجسّس بعض الحلفاء على بعضهم الآخر، أو وقوع

مشكلات تبادل المعلومات السرية. إضافةً إلى ذلك، يُبيّ الكتاب أن روابط خطرةً في التعاون يمكن أن تنشأ عن توتّر العلاقات السياسية بين أطراف متعاونة، كما أنّها قد تنجم عن عدم احترام الضوابط الأخلاقية التي تقضي، في الديمقراطيات، عدمَ التعاون مع نُظمٍ، أو تنظيمات، لا تحترم بعض المبادئ الإنسانية، وهو أمرٌ تورطت فيه كثير من الاستعلامات الغربية، ما يعزز ضرورةً تشديد مراقبتها. يأتي طرح موضوع الرقابة على الاستعلامات من طبيعتها السرية التي جعلتها تخرج عن الخطوط المرسومة في الديمقراطيات، لتمثّل "ضرورة غير مُستساغة"، ولتكون مراقبتها الجدية شرطًا من شروط مشروعية أنشطتها. وإنّ الدولة الديمقراطية، بحسب الكتاب، يجب أن تنظّم بدقة - وفي الوقت نفسه - حماية أسرار الدولة، ومجال الاستثناءات الممنوحة للاستعلامات؛ في ما يخص التزامها بالشفافية، والقواعد والإجراءات المتعلّقة برفع التصنيف عن المعلومات السرية، إعمالً لحقّ المواطنين في المعرفة. وتخضع مصالح الاستعلام بالدول الديمقراطية، كقاعدة عامة، لرقابة البرلمان والقضاء وأنظمة الحسابات العامة، ولرقابة إدارات مختصة تحظى بالاستقلالية؛ وذلك من مناحي الشرعية والفعالية والملاءمة والاستقامة والصرامة المالية، ومن حيث تناسب الوسائل المستخدمة مع الحالة المستهدفة. على أنه يلُاحظ أنّ هذه الرقابة تكون في معظم الأحيان لاحقةً بالفعل، ولا تكون سابقةً له إلّ في حالات نادرة. ولا شكّ في أنّ للمجتمع المدني ولوسائل الإعلام دورًا مهمًّ في كشف تجاوزات الاستعلامات. ولا تُغني وسائل الرقابة السياسية والنظم القانونية عن المقاربة الأخلاقية، ولا سيما في حالة العمليات السرية. فهل من الأخلاقي، مثلً، اللجوء إلى التصفية الجسدية، والتعذيب، وتسليم المشتبه فيهم إلى أطراف تنتهك حقوق الإنسان؟ إنّ الرجوع إلى الاستعلامات لتحقيق الأهداف المتوخاة لا يمكن استيعابه، بحسب المؤلفين، إلا ضمن الأخلاقيات المترتبة على مسؤولية دولة ما تعمل على تنظيم تحكّمها في العنف المشروع. ولعل اتصاف العاملين في الاستعلامات بحدّ أدنى من قواعد الأخلاق، إضافةً إلى تعزيز مستويات الشفافية، ووضع مدونات السلوك، وتدعيم دور المفتشيات داخل الأجهزة، وخضوع الاستعلامات لمبدأ شرعية الوجود والفعل، وخضوعها، أيضًا، لنظم الرقابة والمسؤولية وقواعد القانون الدولي، كلّها عوامل تمثّل ضمانات مهمّةً في هذا الإطار، مع ملاحظة أنّ كثيرًا من الدول الديمقراطية تأخرت في وضع أُطرٍ قانونية متكاملة خاصةٍ بأجهزة الاستعلامات تؤطر وجودها ومهمّ تها وأساليبها، وهو أمرٌ انعكس سلبيًّا على أطوار بناء فعالية النظم الرقابية. في خضم الإشكاليات المعقدة التي تطرح عبر محاور الكتاب، يخلص الكاتبان إلى أنّ الاستعلام يبقى مفهومًا صلبًا، مُقرَّين بأنّ وضعه موضع التنفيذ في النظم الديمقراطية يتسم بكثير من التعقيد، فهو يظل محكومًا بعوامل وطنية وثقافية وموضوعية لا يمكن تجاوزها. وفي واقع الأمر، يمضي المؤلفان في تمثّل الاستعلام على أنّه "شر لا بدّ منه"، بوصفه ضروريًا لحماية الديمقراطيات ذاتها، حتى في حال اشتماله على كثير من التجاوزات اللاديمقراطية في جوهرها. فربما كان المؤلفان، بالنظر إلى أنّهما من مهنيِّي الاستعلامات، وليسَا من "الحقوقيين"، يبحثان عن معالجة "نطاقات ممكنة" من مشكلات الملاءمة بين الاستعلام والمبادئ الديمقراطية، وعن تجاوز بعض مشكلات الفعالية، ولا يناديان البتة بإعادة ترتيب الاستعلام ديمقراطيًا وإنسانيًا؛ من حيث كُنهه، وشرعيته، وتوجهاته، ومهمّ ته، ووسائله، ليعكسَا بذلك نظرةً واقعيةً تتجاوب ومنظورات التحديات ذات البعد التكنولوجي الجيوسياسي والإستراتيجي، مؤيّدَين، في الآن نفسه، فكرةً مفادها أنّ الاستعلام يشهد ثورةً حقيقيةً خاصةً به. وهكذا، فإنّ الاستعلام لن يصبح متجاوزًا من جهة أنّه مفهوم، وستظل الاحتياجات الاستخبارية موجودةً في عصر تَعولَم فيه كل شيء، كما ستظل الأسس السياسية للاستعلام قائمةً. تبقى، إذن، ضرورة حسبان طبيعة مساهمته المرجوة في النشاط العمومي، مع تحديد درجة استقلاليته المقبولة تجاه سلطات الدولة، وتوجيهه ديمقراطيًا، وتكييفه مع التحولات العميقة التي تمسُّ المؤسسات الأمنية والدفاعية والاقتصادية، العامة والخاصة. وإذا كان الكتاب يثير أسئلةً مشروعةً حول مدى قدرة الاستعلام ومصالحه على تفهّم التحولات العالمية الجارية، والتكيف معها، والاستجابة للاحتياجات المطلوبة، فإنّه يخلص في الأخير إلى وضع عدد من الفرضيات الممكنة حول الاستعلامات في الدول الديمقراطية في المستقبل، من أهمها أنّ الاستعلامات ستفقد احتكارها للمعلومات السرية بسبب مجالب العولمة، مع أنها ستعرف ارتفاعًا وتطورًا في رأس مالها البشري، على نحوٍ يترافق مع نوع من التقليص في وسائلها المالية، كما أنّها ستعرف تنوعًا في أولويات البحث الاستخباري الذي سيعتمد وسائل غير تقليدية متنوعة أيضًا. إضافةً إلى ذلك، ستسير الأمور نحو "تفجر" أو "انهيار" لدورة الاستعلامات، ما سيزيد - بلا ريب - ضغط متطلبات الشفافية والرقابة في بيئة يتقوّى فيها اللجوء إلى السرية والنشاط السري. وسترتبط الاستعلامات "الجيدة" بمدى تنوعها والاندماج الجيد لقدراتها وكفاءتها في البحث والاستباق والاستفادة من عنصر السرية، وفي نوعية ارتباطاتها بالسلطات السياسية وطبيعتها. وبحسب الكتاب، فإنّ رهان المستقبل سيتمثل في المرور من "السياسة الاستعلامية" إلى "السياسات الاستعلامية."