الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية
الملخّص
تسعى هذه الدراسة لفحص ما يمكن أن تقدمه النزعة الانتقائية التحليلية لمساعدة حقل العلاقات الدولية على تجاوز أزمة "النظرية الكبرى." وتناقش الوعود الأساسية لهذه النزعة بناءً على خصائصها الثلاث التي تميزها من التقاليد البحثية/ البرادايمات السائدة: براغماتية البحث المرتبطة بقضايا سياسية محددة، وتوسيع نطاق المشكلات والقضايا، وإنتاج مقولات سببية مرك بة قادرة على تسليط الضوء على التفاع تاا بين أنواع مختلفة من الآليات السببية التي عادة ما تَُّحل ل بعزل بعضها عن بعض. تنقسم الدراسة إلى ستة أجزاء؛ يقدم الجزآن الأول والثاني مدخل ا إلى الفلسفة الانتقائية ومفهوم الانتقائية التحليلية ووعودها. ويستعرض الجزء الثالث نموذجً ا من الأدبيات الانتقائية في الدراسات الدولية. ويستكشف الجزءُ الرابع العلاقة بين وعود الانتقائية التحليلية ومسألة التعقد في السببية الاجتماعية. ويسعى الجزآن الخامس والسادس للتأصيل للانتقائية التحليلية إبستمولوجيًّا. كلمات مفتاحية: نظريات العلاقات الدولية، النسبية المنهجية/ الإبستمولوجية، المناهج الكمية، الانتقائية التحليلية. This article examines what analytical eclecticism can offer to qualify IR to overcome the Grand Theory crisis. It debates analytical eclecticism’s basic promises relying on its main characteristics which distinguish it from the dominant research traditions/paradigms: fostering research pragmatism; expanding the scope of the research issues and involving more aspects of social reality complexities in world politics; and producing complex causal statements. The article is divided into six parts. First, it provides an introduction to eclectic philosophy through Paul Feyerabend’s reflections on methodological/epistemological relativism. Second, it conceptualizes analytical eclecticism and examines its promises. Third, it explores an example of eclectic literature in the field of international studies. Fourth, it debates the relationship between the promises of eclecticism and the complexity of social causality. Finally, it seeks, in parts 5 and 6, to position analytical eclecticism epistemologically, through examining the main assumptions of Critical Relaism and its promises to move the dominant debate away from the positivist/post- positivist binary opposition. Keywords: International Relations Theories, Quantitative Methodologies, Analytical Selectivity.
Analytical Selectivity in the Discipline of International Relations
مقدمة
يشهد حقل العلاقات الدولية تضاربًا مستمرًا بين نظريات تعاني فشلً متفاوتًا في تفسير/ فهم واقع عالمي متزايد التعقد. ومع ذلك، يبقى خطاب "النظرية الكبرى" القادرة على تقديم رؤية عامة ومتكاملة للظاهرة الدولية خطابًا مهيمنًا على ادعاءات المقاربات السائدة. لقد سبق أن لحظ كثير من الباحثين أنه على الرغم من الاختلافات القائمة بين النظريات السائدة في الحقل فإن هناك قاسمً أساسيًّا مشتركًا يجمع بينها، يتمثل باندراجها عمومًا ضمن النظريات الكبرى التي تسعى لتقديم رؤية عامة ومكتفية ذاتيًّا لكل ما يقع تحت طائلتها. يرى بو كامبمان فالتر، على سبيل المثال، أن مكمن الضعف في البنية التقليدية للنظرية هو سعيها للحصول على تعميمات "كونية" على الرغم من تشبثها بالتموقع الأنطولوجي على "أطراف الكون"، سواءً أتعلق الأمر بفوضوية بنية النظام الدولي عند الواقعيين الجدد، أم بمأسسة المنظومات وسلوك الدول عند المؤسساتيين الجدد، أو التفاعل بين المصلحة والهوية عند البنائيين الاجتماعيين1. يبدو أن النظريات التي تشير إلى نفسها، صراحة أم ضمنًا، بأنها نظريات كبرى تعاني مشكلتين على الأقل؛ المشكلة الأولى هي وجود "نقطة عمياء" Spot Blind في بنيتها الفكرية. ويرجع هذا المفهوم إلى الرياضي كورت غوديل 987–1906()1 الذي أثبت، باستخدام مبرهنة عدم الاكتمال، أن النظريات الكبرى تحتوي في مقدماتها الإبستمولوجية على عنصر واحد على الأقل لا يمكن إثباته، والإشكال هو أن عنصرًا كهذا يبقى صحيحًا ما دام لا يمكن الجزم بكونه صحيحًا أو خاطئًا. لذلك، فإن البنية الفكرية للنظرية تبقى في أحسن الأحوال غير مكتملة، وينطوي هذا على تناقض بسبب ادعاءات العمومية والإطلاق التي تنطلق منها النظريات الكبرى. أما المشكلة الثانية فهي "التبعية للملاح ظ/ الباحث"؛ إذ "كيف يمكن مراجعة عمل الدماغ وتقييمه بواسطة الدماغ في حدِّ ذاته من دون الوقوع في مصيدة التعالي المعرفي Transcendentalism." وقد عبَّ إيمانويل فالرشتاين عن هذه المشكلة حينما أشار إلى أن مظهرًا أساسيًّا من مظاهر "المسألة الإبستمولوجية" في العلوم الاجتماعية عمومًا يكمن في أن الباحثين هم "الممثلون والمتفرجون في الوقت نفسه"2. من شأن هذه المشكلة أن تكرِّس المواقف السائدة، الداعمة للإبستمولوجيا الوضعية، التي تسلِّم بوجود حقائق موضوعية، مستقلة و"موجودة هناك" There Out، وما على الباحث/ الملاح ظ إلا استكشاف الارتباطات السببية الموجودة بين مختلف عناصرها3. على العموم، يبدو أن منطق "النظرية الكبرى" في حقل العلاقات الدولية يتجه نحو حافة إفلاس نظري وفلسفي حاد، وهو بذلك في حاجة إلى مزيد من التفكيك وإعادة النظر4. لقد دفع هذا المنطق بالحقل إلى أن أصبح يعج بالولاءات النظرية والمنهجية الضيقة بحسب تعبير عبد النور بن عنتر5. ويؤثر هذا في حجم التنوع في الحقل، وفي نوعية الابتكارات النظرية. فالولاء يصبح في نهاية المطاف كابحًا للابتكار داخل النظرية الواحدة باجتراره وتبريره وشرعنته؛ وهو ما سبق أن قاله الآخرون، وبتكريس رفض الآخر وإقصائه، أي إقصاء كل من لا يلتزم الخيارات النظرية والمنهجية التي تستند إليها النظرية السائدة. في هذا السياق، تأتي النزعة الانتقائية التحليلية التي تَعِد بتجاوز هذا الكبح المزدوج للابتكارات الفكرية في الحقل، كما تَعِد بخلق نقاشات تكاملية وغير إقصائية من دون أن يكون المقصود هو النقاش في حد ذاته، وإنما توظيف ما هو أهمّ من بين مساهمات كل نظرية/ مقارَبة. ومن ثم فإن الانتقائية التحليلية ترد الاعتبار إلى العلاقات الدولية بوصفها حقلً معرفيًّا قادرًا على تفسير/ فهم الظواهر التي يدرسها؛ لأنها توظف جميع المساهمات توظيفًا دقيقًا للخروج بمقترحات تفسيرية تتكامل فيها مختلف النظريات/ المقارَبات. كما تُعَد الانتقائية سبيلً للخروج من منطق الثنائيات السائد6 القائم على ممارسات الإقصاء والتهميش المتبادلَيْ.
بناءً على ما سبق، تسعى هذه المقالة إلى فحص ما يمكن أن تقدمه الانتقائية التحليلية لمساعدة الحقل على تجاوز ما يسميه كريس براون "حالة الركود النظري"، فضلً عن مساعدته على الخروج من "أزمة النظرية الكبرى." لقد ناقش براون في مقال له بعنوان "فقر النظرية الكبرى" سؤال "نهاية نظرية العلاقات الدولية"7، أي ما إذا كانت نظرية العلاقات الدولية – سواء أتعلق الأمر بنظريات محدَّدة أم بالنظرية العامة – تعاني الركود، أو مما يسميه "أزمة النظرية الكبرى." وعلى الرغم من أنه قدَّم مُسوحًا محيَّنة في أهم الأدبيات المصنفة ضمن النظريات الأساسية التي تشير إلى نفسها بأنها نظريات كبرى، على غرار الواقعية، والليبرالية، والبنائية، والمدرسة الإنكليزية، فإن المقال يفوِّت على ما يبدو قراءة ما يمكن أن تقدمه النزعة الانتقائية في التحليل لتجاوز ما يسميه "أزمة النظرية الكبرى." لسدِّ هذه الفجوة، تستعين هذه المقالة بقراءة في الأعمال التي تسعى إلى إبراز المزايا التي تحفل بها الانتقائية التحليلية، وهي أعمال بدأت تحصد الاهتمام على نحو متزايد خلال السنوات الأخيرة. تبقى مساهمات رودرا سيل وبيتر كاتزنشتاين الأبرزَ والأكثر ريادة وثراء في هذا المجال8، خصوصًا مقالهما المشترك سنة 0102، الذي يحمل عنوان "الانتقائية التحليلية في دراسة السياسة العالمية: نحو إعادة صياغة المشكلات والآليات عبر مختلف التقاليد البحثية"9، وهو الذي تحيل إليه هذه المقالة على نحو متكرر. هناك مساهمات أخرى ذات صلة وثيقة بالموضوع يمكن العودة إليها. مثلً، في سنة 2، نشرت دورية إنترناشونال ستديز ريفيو 003 أعمال منتدى حول سؤال أساسي: "هل يُعتبر الحوار والتوليف synthesis() ممكنين في حقل العلاقات الدولية؟"10. شارك في هذا العمل غانثر هيلمان Gunther Hellmann محررًا، وفريدريك كراتوشفيل Friedrich Kratochwil، وآيفر نيومان Iver B. Neumann، وستيف سميث Steve Smith، وفرانك هارفي Frank Harvey، وجويل كوب Joel Cobb، وآندرو مورافتشيك Moravcsik Andrew، ويوسف لابيد الذي شارك بمداخلة عنوانها "عبر الحوار ونحو التعددية: المهمة غير المنجَزة للنقاش الثالث"11. غير أن هذه المقالة تتبنى وجهة النظر القائلة بأن الانتقائية التحليلية تبقى أشدّ طموحًا، وتواضعًا، وبراغماتية12، وأكثر تنوعًا وقدرة على تمهيد الطريق نحو مخرجٍ من أزمة النظرية الكبرى. تنقسم هذه المقالة إلى ستة أجزاء؛ يقدم الجزء الأول مدخلً إلى الفلسفة الانتقائية عبر أفكار وتأملات لفيلسوف العلم النمساوي پول فايرابند Paul Karl Feyerabend الذي أسَّس مفهوم النسبية المنهجية/ الإبستمولوجية. أما الجزء الثاني فيقدم فحصًا موسعًا لمفهوم الانتقائية التحليلية ووعودها الأساسية. ويستعرض الجزء الثالث، على نحو مقتضَ ب، الخطوات الانتقائية لمايكل بارنيت ومارثا فاينمور في كتابهما قواعد من أجل العالم: المنظمات الدولية في السياسة العالمية13، بوصفها نماذج للدراسات الانتقائية في حقل العلاقات الدولية. بعد ذلك، ينتقل الجزء الرابع إلى استكشاف العلاقة بين وعود الانتقائية التحليلية ومسألة التعقد المتزايد في السببية الاجتماعية؛ إذ ينطلق من افتراض أنه كلما زاد التعقد في الواقع (الاجتماعي) الذي يدرسه حقل السياسة العالمية، زادت حاجته إلى إقحام المزيد من الانتقائية التحليلية في نشاطاته البحثية. أخيرًا، يسعى الجزآن الخامس والسادس إلى تقديم تأصيل إبستمولوجي للنزعة الانتقائية التحليلية، وذلك بفحص مساهمات الفلسفة الواقعية النقدية Realism Critical ووعودها، في نقل النقاش النظري الراهن في حقل العلاقات الدولية، بعيدًا عن التعارض المزمن بين الإبستمولوجيا الوضعية وما بعد الوضعية الذي هيمن طوال حقبتَي النقاشين الثالث والرابع من التاريخ المعرفي للحقل.
أولا: پول فايرابند بوصفه مدخلا للفلسفة الانتقائية
في منتصف سبعينيات القرن الماضي، نشر فيلسوف العلم النمساوي پول فايرابند 994–1924()1، كتابًا مثيرًا للجدل بعنوان ضد المنهج: مخطط لنظرية فوضوية في المعرفة14. تدور ادعاءاته الأساسية حول رفض فكرة المنهج العلمي الذي يمثل معيارًا موضوعيًّا للتمييز بين النشاط العلمي وغير العلمي؛ إذ يرى أن العلم مشروع فوضوي Anarchic Entreprise لا يخضع لأي سلطة منهجية عليا15. ولا تعني الفوضوية المنهجية التي يدافع عنها غيابَ النظام، لكنها تعني غياب منهج محدَّد يتّسم بالسلطة مقارنة بالمناهج الأخرى16، السلطة التي احتكرها المنهج العلمي الوضعي لمدة طويلة، لدرجة أنه أصبح - كما في حالة حقل العلاقات الدولية - المعيار الوحيد للتمييز بين ما يُعَد علمً وما لا يُعَد كذلك. لحظ فايرابند، من خلال فحصه تاريخ التحولات الكبرى في تاريخ العلم، أن تلك التحولات لم تتأت من طريق منهج واحد، ولكن عبر مناهج متعددة. وبناءً على هذه النتيجة، توصل إلى وضع مفهوم "التعددية المنهجية" التي تستند إلى مقولته ذائعة الصيت، "أيُّ شيء يفي بالغرض"، goes“ Anything”؛ بمعنى أن أيَّ منهج يُعد مقبولً ما دام ملائمًا لطبيعة المشكلة المطروحة للبحث، وقادرًا على حلها والإضافة إلى رصيد العلم17. أبعد من ذلك، يرى فايرابند أن ما يُعد عادةً "المنهجَ العلمي" إنما هو قيدٌ على المجتمع المعرفي، ولو نظرنا إلى تاريخ العلم لوجدنا أن ممارسات شتَّى ساهمت في تطوره18. تُعَدُّ التعددية المنهجية مرادفة للفوضوية المنهجية، فهي تعبر عن رفض متأصل لتنصيب السلطة المعرفية لمنهج محدد، بل ترفض تنصيب السلطة المعرفية للعلم في حد ذاته. وبذلك، يدعو فايرابند إلى نزع القداسة عن العلم بوصفه نسقًا معرفيًّا مقدسًا يستلزم "الكفر" بما سواه. ومن ثم لا يصبح العلمُ إلا نسقًا ينمو ويزدهر وسط أنساق معرفية أخرى19. ويعني هذا أن الرفض الذي يدعو إليه فايرابند لا يبتغي نفي العلم، ولكن نفي الطبيعة السلطوية للعلم. وهو اتجاه يكرس نسبية المنهج العلمي، ومن ثم إمكان تطوير مناهج وأنماط معرفية أخرى أقدر على الدفع بالتقدم المعرفي نحو الأمام. لقد شكلت انتقادات فايرابند للمزاعم الوضعية بشأن موضوعية العلم وعقلانيته أساسًا لدعوته اللاحقة إلى تعددية إبستمولوجية20 تسمح بالانعتاق من القيود المنهجية للإبستمولوجيا الوضعية المهيمنة. يتعلق الأمر هنا بتعذر تقييم نظرية ما من دون التفكير فيها من خلال نظرية بديلة منها. واستعمل فايرابند مفهومًا آخر على نحو مترادف مع التعددية الإبستمولوجية، هو النسبية الإبستمولوجية. التفكير على نحو نسبي في الإبستمولوجيا جعل فايرابند يشعر بفقدان الرضا حيال مفهوم "الحقيقة" إلى الحد الذي جعله لا يعدّه إلا شعارًا غير مرغوب للعقلانية، وأقرب إلى كونه مفهومًا ثيولوجيًا21. يتفق منطق الفوضوية الإبستمولوجية/ المنهجية مع الدلالات العميقة للعبارة التي كتبها ديفيد لايك حديثًا، ومفادها أن "النظرية الكبرى لو كانت مَلِكًا، لكانت ملكًا في غاية الاستبداد"22. إذا عدنا إلى تعريف البرادايم مثلً، لوجدنا أن وضع الحقل في ظل هيمنة نظريةٍ معينة تصف نفسها بأنها النظرية الكبرى لن يختلف كثيرًا عن وضع مملكة ترزخ تحت حكم ملك مستبد يرى أن "الدولة هي هو وأنه هو الدولة"23. لأن النظريات الكبرى غالبًا ما تؤسِّس نفسها على مزاعم القدرة – بانفراد – على تقديم رؤية عامة ومتكاملة لموضوع البحث في الحقل المعرفي برمته، على الرغم من أن هذا الموضوع ينطوي على تعددية أنطولوجية متزايدة التعقد. لذلك، يمكن الجدال بأنه كلما زادت حدة التعقُّد في الواقع الذي ندرسه، زادت حاجتنا إلى التخلص من استبداد منطق النظريات الكبرى، والبحث في كلِّ ما من شأنه مساعدتنا في فهم هذا التعقُّد المتزايد والتعامل معه. في هذا السياق، لا تفتأ فلسفة التعقد تخبرنا أن مقارباتنا للواقع ينبغي أن تأخذ على محمل الجد كلَّ شيء وأي شيء يمكن أن يكون مهمًّ في التحليل، وأنه لا يوجد معيار نهائي يمكن من خلاله الحكم بثقة تامة بين ما هو مهمٌّ وما هو غير مهم. تحيلنا فلسفة التعقد إلى السياسة العالمية بوصفها نظامًا يتشكل بدوره من عدد لا متناهٍ من الأنظمة المعقدة التي تنطوي من حيث الأساس
على تفاعلات لاخَطِّية، بمعنى أن الأسباب الصغيرة، غير المثيرة للانتباه، يمكن أن تكون لها نتائج كبيرة، والعكس صحيح. هذه اللاخَطِّية تنتج، في الأساس، من الاعتماد المتبادَل بين عدد – يكون في الغالب لا نهائيًّا – من عناصر النظام، كما تنتج من تفاعل النظام المستمر مع بيئته الخارجية بوصفه نظامًا مفتوحًا. يتسق هذا الطرحُ مع مبدأ فايرابند، ذائع الصيت، "أيُّ شيء يفي بالغرض"، لكنه، في الوقت نفسه، يشكِّل – وعلى نحو أهمّ – دعوة إلى تبني المزيد من البراغماتية في تحليل العلاقات الدولية. والمقصود بالبراغماتية هنا "عدم التقيد بمقاربة نظرية واحدة، ما دام أنه ما من نظرية معينة قادرة وحدها على فهم وتفسير واقع دولي/ عالمي في غاية التعقد"24. يمثل "انعدام التقيد" هذا إقرارًا بأن أي نظرية، سواء أكانت مصنفة بوصفها نظرية كبرى أم غير كبرى، يمكن أن تساهم في تنوير الباحث حول إشكاليةٍ معينة، سواءً أتمَّت الاستعانة بها وحدها أم ضمن مقارَبة مركَّبة من نظريات عدة. تُعرف هذه البراغماتية أيضًا بالانتقائية أو الاصطفائية التحليلية Analytical Eclecticism كما يسميها عبد النور بن عنتر25.
ثانيًا: الانتقائية التحليلية: المفهوم والمزايا والوعود
تعبِّ الانتقائية التحليلية عن موقف نظري ومنهجي يمكن الباحث أن يعتمده أثناء متابعة أعماله البحثية. وما يميز هذا الموقف أنه يرتبط بالتقاليد البحثية الراسخة في حقلٍ معرفي، لكنه، في الوقت نفسه، لا يلتزمها على نحو صارم. لذلك، يصف سيل وكاتزنشتاين الانتقائية التحليلية من خلال الخصائص الثلاث التي تميزها من المواقف البحثية المتضمَّنة في التقاليد البحثية26، وهي أنها: أولً، تتبنى الانتقائية التحليلية الروح البراغماتية في البحث، على الأقل ضمنيًّا، وتتجلَّ على نحو ملموس في البحث عن حجج نظرية متوسطة المدى Middle-Range ترتبط بقضايا سياسية محددة؛ ثانيًا، تتعامل الانتقائية التحليلية مع أوسع نطاق ممكن من المشكلات والقضايا، وعلى النقيض من الإشكاليات التقليدية الضيقة المصمَّمة من حيث الأساس إما لاختبار النظريات وإما لملء الفجوات في التقاليد البحثية السائدة، ففي إمكان الانتقائية التحليلية التعامل مع المزيد من مظاهر التعقد والفوضى وظواهرهما التي يعج بها العالم الواقعي؛ ثالثًا، في سياق سعيها لبناء حجج قوية بشأن هذه المشكلات، تقوم الانتقائية التحليلية بإنتاج مقولاتٍ سببية معقدة/ مركَّبة، قادرة على تسليط الضوء على التفاعلات بين أنواع مختلفة من الآليات السببية التي عادة ما يتم تحليلها بعزل بعضها عن بعض ضمن التقاليد البحثية السائدة، كل تقليد على حدة. يستخدم سيل وكاتزنشتاين مفهوم التقليد البحثي Research Tradition بالمعنى الذي يستخدمه لاري لودان Laudan Larry؛ إذ - وعلى خلاف البرادايمات والبرامج البحثية عند توماس كُون Thomas Kuhn وإيمري لاكاتوش Lakatos Imre - يمكن التقاليد البحثية أن تتعايش وتتنافس لفتراتٍ طويلة من الزمن، كما يمكن التقليد البحثي أن يُنتج ادعاءات مهمة قد تتداخل مع تلك التي تُنتجها تقاليد بحثية أخرى. ويقر لودان بإمكان أن يعمل باحث واحد ضمن تقاليد بحثية مختلفة، على الرغم من أن الأسس التي تقوم عليها هذه التقاليد المختلفة قد يعدّها بعض الباحثين غير قابلة للمقايَسة27 تؤسس التقاليد البحثية هوياتها وحدودها عبر الإصرار على تحقيق توافقٍ قوي حول قضايا تأسيسية ثابتة تستعصي مراجعتها، وهو ما يمنح امتيازًا أكبر لبعض المفاهيم مقارنة بأخرى، وتقديرًا أكبر لبعض المعايير والممارسات المنهجية على حساب أخرى. كما من شأنه أن يسلط ضوءًا أكبر على مظاهر معينة من الواقع الاجتماعي ويتجاهل مظاهر أخرى في المقابل. يبدو، في الواقع، أن الحروب المعرفية المحتدمة بين التقاليد البحثية لا تتكرر دائمًا بسبب اختلافات عصية حول مسائل تتعلق بالموضوع، ولكن بسبب اختلافات حول الاقتناعات المسبقة الموجودة لدى كل طرف بخصوص أنواع الظواهر الاجتماعية القابلة للتحليل الاجتماعي، ونوع الأسئلة المهم طرحها، وأنواع العمليات والآليات المرجَّح أن تكون ذات صلة بموضوع البحث. لذلك، فإن أنصار التقاليد البحثية غالبًا ما يمنحون أنفسهم الحق في تجاوز مظاهر من الواقع المعقد ربما لا تتناسب بدقة مع المقاييس ما وراء النظرية التي أسَّسوها بأنفسهم. في المقابل، يتم التعامل مع هذه المظاهر إما بوصفها علبًا سوداء، وإما بإبعادها بحجة انعدام صلتها بالسياق، وإما بمعالجتها على أنها مظاهر خارجية المنشأ Exogenous بالنسبة إلى الظاهرة محل البحث. وبينما تبقى هذه الخطوات التبسيطية والاختزالية مفيدة لغرض إنتاج مقولات معرفية "أنيقة" – بحسب تعبير سيل وكاتزنشتاين – حول مظاهر معينة من الواقع، فإنها تبقى عاجزة عن إنتاج فهم أشمل للمشكلات المعقدة متعددة الجوانب التي تهم الباحثين والممارسين على السواء28. عمومًا، تنطلق الدعوة إلى إقحام الانتقائية التحليلية من ملاحظة ألبرت هيرشمان Hirschman Albert الشهيرة التي تقول إن "علماء
حقول المعرفة الاجتماعية عادة ما يكونون سعداء جدًّا حينما يضعون أيديهم على برادايم واحد أو على خطٍّ واحد للسببية. ونتيجة لذلك، غالبًا ما تكون تخميناتهم أبعد عن دقة السياسيين المحنَّكين ذوي الحدس القوي المرجَّح أن يأخذوا في الاعتبار مجموعة متنوعة من القوى [والعوامل السببية"]29. لا يعني هذا أن البرادايمات ليست مفيدة في إدراك كثير من العناصر في مسار التحولات الاجتماعية واسعة النطاق، لكن الباحث الاجتماعي الذي يركز على برادايم معين يميل، بحسب هيرشمان، إلى التركيز فقط على بعض القوى والعوامل السببية بينما يتجاهل أخرى، ومن ثم فهو يواجه مخاطر الوقوع في الخطأ بدرجة جد عالية30. تنبع الفائدة المميزة للانتقائية التحليلية من قدرتها على إدراك نقاط القوة والعجز في المقاربات التي تستخدمها التقاليد البحثية السائدة، علاوة على المفاضلة بينها. ما يمنع الانتقائية التحليلية، في الواقع، من الانحدار لتتحول إلى منظور يقوم على منطق "كلُّ شيء مهم" هو الافتراض المسبق، أن قيمة التحليلات التي تُنتَج ضمن التقاليد البحثية تكمن في تحديد العوامل العديدة التي يرجح أن تكون الأهم بالنسبة إلى كل تقليد بحثي على حدة. والهدف من الانتقائية التحليلية هو الكشف عن الكيفية التي تكون بها هذه العوامل مهمة بالنسبة إلى أسئلة بحثية محددة، وليس إنشاء قائمة تتسع على نحو لا نهائي لجميع العوامل السببية الممكن تصورها، والتي يمكن أن تؤثر في السياسة العالمية. ويؤكد سيل وكاتزنشتاين أن الأبحاث ذات النزعة الانتقائية التي تهمل النظريات والمقاربات المتضمَّنة في التقاليد البحثية، تبقى عرضة لخطر تفويت استبصارات مهمة عديدة، أو إعادة اختراع العجلة، أو إنتاج تحليلات قد تبدو غريبة أو غير مفهومة لباحثين آخرين. من جهة أخرى، يمكن القول إن الطابع المميز للانتقائية التحليلية يأتي من جهدها في تحديد الكيفية التي تتعايش بها عناصر من روايات سببية مختلفة ضمن مقاربات أشدّ تعقدًا، قادرة على معالجة القضايا ذات الأهمية للباحثين والممارسين على السواء. وهذا يتطلب إقحام الجهد البحثي المنظَّم جيدًا الذي يبذله الباحثون الملتزمون بمختلف التقاليد البحثية السائدة، واستخدامها، لا استبعادها31. يبقى مهمًّ التنبيه إلى ضرورة تجنب الخلط بين النزعة الانتقائية من بين النظريات، والنزعة للتوليف بينها. فعلى الرغم من أن بعض الدارسين يستخدمون مصطلح "التوليف" للإشارة إلى مضمون الانتقائية نفسه، فإن التوليف يبقى مشروعًا أشدّ طموحًا؛ لأنه يقتضي خطوات غير مسبوقة، تتمثل بتخلي الباحثين بوضوح عن التزاماتهم الإبستيمية الأصلية، يليه تقارب طوعي حول مجموعة جديدة وموحدة من الافتراضات التأسيسية والمبادئ التحليلية لتوجيه عملية البحث. وفي غياب مثل هذا التقارب، من المرجح أن تؤول محاولات التوليف إلى مشاريع هيمنة نظرية؛ حيث يولد إطار ما وراء نظري واحد يُنتِج نظريات تزعم القدرة على التنظير بمفردها بشأن ظواهر اجتماعية متنوعة، مع تهميش الاستبصارات التي تقدمها التقاليد الموجودة مسبقًا حول كثير من تلك الظواهر، أو مصادرتها32. على سبيل المثال، نجح روبرت كيوهان Keohane Robert إلى حدٍّ بعيد في التوليف بين النظرية الواقعية (الاستقرار بالهيمنة) ونظرية المنظومات ليفسر النزعة للتعاون الدولي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. كما شكَّل حقل الدراسات الأمنية مجالً خصبًا لمساعي التوليف بين نظرية القوة ونظرية النوايا لتفسير تشكُّل الأحلاف. من جهةٍ أخرى، ربط بروس روسيت وجون أونيل بين العوامل الليبرالية والمؤسساتية لتفسير حالة السلام بين الدول الليبرالية33. وهناك من الباحثين – خصوصًا في الجماعة المعرفية الأوروبية – من ولَّف بين المقارَبات البنائية والعقلانية لتفسير ظهور المعايير الدولية لحقوق الإنسان وتطورها. والواضح أن التعقد المتزايد في السياسة الدولية هو الذي يحيل الباحثين إلى السعي للبحث عن قنوات للتوليف بين مختلف المقاربات النظرية؛ أملً في الوصول إلى تفسيراتٍ أعمق من التفسيرات أحادية السببية Unicausal التي تجد نفسها عاجزة عن التعامل مع الظواهر والأحداث غير البسيطة، كبروز الاتحاد الأوروبي/ المؤسسات الدولية وتطورها، أو تأثير الفواعل/ العوامل المحلية و/ أو العابرة للحدود. لذلك، تبقى الانتقائية التحليلية أشدّ تواضعًا، لكن أشدّ براغماتية في الوقت نفسه؛ فهي تهدف إلى إنتاج أطر متنوعة ومرنة للبحث؛ إذ ينتظم كل إطار حول مشكلة بحثية محددة، على أن تكون هذه المشكلة هي التي تحرك عملية البحث، لا الإطار النظري المختار مسبقًا. علاوة على ذلك، فإن القيمة المضافة للأبحاث الانتقائية تعتمد إلى حدٍّ بعيد على الاستمرار في نجاح التقاليد البحثية السائدة التي يعمل كل منها على حدة. فأهمية الانتقائية التحليلية – بالنظر إلى عزوفها عن الكشف عن قوانين عامة وشاملة، كما هو الحال مع
التقاليد البحثية التي تدعي أنها نظريات كبرى، وطموحها إلى ما هو أكثر من النتائج الجزئية والاختزالية التي تميز الأبحاث المرتبطة بدراسة حالات محدودة - تكمن في عملها على مستوى ما أصبح يعرف على نطاق واسع بنظريات "المدى المتوسط" Middle-Range 34، وهي نظريات تُصمَّم لتكون ملائمة ضمن مجموعة محددة ومحدودة من السياقات القابلة للمقارنة؛ إذ يمكن روابط سببية معينة (سبب – نتيجة) أن تتكرر على نحو قابل للملاحظة. وتتمثل مهمة المُنظِّر الذي يشتغل على هذا النمط من النظريات في معرفة الشروط التي بموجبها يصبح بعض هذه الروابط أهمّ من الناحية السببية، مقارنة بالبعض الآخر. وهذا جهد يختلف تمامًا عن بناء نظرية كبرى أو قانون عام وشامل يسعى لأن يكون ملائمًا، ليس فقط عبر السياقات المكانية – الزمانية، ولكن أيضًا عبر مجموعة واسعة من المشكلات والقضايا ذات العلاقة بموضوع البحث35. يعد توسيع نطاق المشكلات – موضوع البحث – أحد أهم الوعود التي تستند إليها الانتقائية التحليلية. في هذا السياق، يميز سيل وكاتزنشتاين بين المشكلات الموضوعية Substantive، والمشكلات التحليلية Analytic. تتعلق المشكلات الموضوعية بالقضايا التي توجد على نحو منفصل عن الخطاب الأكاديمي، وتشكِّل معضلات عملية تواجه الفواعل الاجتماعية والسياسية. وغالبًا ما يبدي الباحثون اهتمامًا بهذا النوع من القضايا، لكنهم ينزعون إلى التركيز فقط على جوانب محددة ومحدودة أثناء صياغة الإشكاليات التحليلية التي يسعون للبحث فيها. أما المشكلات التحليلية فتُطرح بطريقة تعكس بها الأنطولوجيات، المبادئ المعرفية، والمفردات النظرية التي يتبناها أتباع تقليدٍ بحثي معين. ويبدو أن ما يستحق "المَشكَلة"، بالنسبة إلى أتباع تقليد بحثي، يعتمد على الثغرات الموجودة في أدبيات هذا التقليد، أو يتعلق بمميزات خاصة تتمتع بها مشكلة موضوعية معينة يمكن التعامل معها ضمن الحدود التحليلية لهذا التقليد. وفي سياق عملية كهذه، يمكن أن تُستبعد أبعادٌ أخرى، من المشكلة محل البحث، تعدّ أهم في عالم السياسة والممارسة، من مسار البحث والاستقصاء36. لا تزعم الأبحاث التي تستند إلى الانتقائية التحليلية أنها تقدم إجابات "أفضل" حول مشكلات هي من صميم اهتمامات تقليد بحثي معين، لكن فائدتها تكمن في إعادة صياغة تلك المشكلات حتى يصبح نطاقها أوسع. ومن ثم يصبح ممكنًا إدماج أكبر قدر ممكن من الجوانب ذات الصلة التي يفوِّت أتباع التقاليد البحثية معالجتها، لأنهم عادة ما يستعملون أطرًا تحليلية ضيقة ومحدودة. لذلك، ونظرًا إلى نطاقها الموسع، يُرجَّح أن يكون للمشكلات التي يعالجها الباحثون الانتقائيون تأثيرات ملموسة وبنَّاءة في المشكلات الموضوعية الحادة التي يواجهها صناع السياسة ومختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين37. على الرغم من أن حقل العلاقات الدولية ما زال منظمً حول تقاليد بحثية محددة، لكلٍّ منها التزاماته الإبستمولوجية ومفرداته النظرية ومعاييره ومفاهيمه، فإن كثيرًا من الباحثين البارزين، حتى ممن يُعرف عنهم التزامهم بتقاليد بحثية معينة، يُقِرون بوجود حاجة ملحَّة إلى إدماج عناصر تحليلية من مقاربات أخرى (مختلفة) من أجل إنتاج معرفة جديدة أشمل وأعمق وأصلح للتوظيف البحثي. على سبيل المثال، سبق أن جادل كينيث وُلتز بأن الاستنتاجات المستمَدة مباشرة من صورة واحدة – أو من مستوى واحد من مستويات التحليل الثلاثة – تبقى غير مكتملة؛ لأنها تستند إلى تحليلات جزئية. لذلك، فإن هذه الطبيعة الجزئية لكل صورة – أو لكل مستوى – على حدة، يتعين أن تدفع بالمرء نحو السعي لإدراج الصور أو المستويات الأخرى؛ لأن البحث يبقى، في نهاية المطاف، مرتبطًا بالسعي خلف سببية شاملة وليست جزئية38. ويتفق أندرو مورافتسيك Moravcsik Andrew، بصفته ناقدًا للواقعية متحمسًا، مع وُولتز حول هذه النقطة؛ إذ يرى أن اندلاع الحربين العالميتين، وبروز المعايير الدولية لحقوق الإنسان، فضلً عن تطور الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، هي بالتأكيد أحداث مهمة بما يكفي لتستحق تفسيرًا شاملً، حتى على حساب النزعة التبسيطية والاختزالية التي تطغى على المقاربات النظرية. وفي ندوة حول دور النظرية في حقل السياسات المقارنة39، أكد عديد الباحثين البارزين فضائل "التركيب الانتقائي" بين المقاربات النظرية المتنوعة من أجل إعطاء معنى للحالات المختلفة التي تتصدى لها الدراسات المقارنة، محذِّرين من التبسيط المفرط الذي يستلزمه تطبيق مقارَبة نظرية واحدة لفهم التعقيدات المتعددة التي يزخر بها الواقع40.
ثالث ا: دراسة بارنيت وفاينمور بوصفها نموذجًا للدراسات الانتقائية في حقل العلاقات الدولية
يقترح سيل وكاتزنشتاين ثلاثة نماذج للدراسات ذات الطابع الانتقائي في حقل العلاقات الدولية الصادرة حديثًا، هي: كتاب جون كامبال، التغير المؤسساتي والعولمة41، وكتاب روبرت جرفيس، السياسة الخارجية الأميركية في حقبة جديدة42، وكتاب مايكل بارنيت ومارثا فاينمور، قواعد من أجل العالم: المنظمات الدولية في السياسة العالمية43. ونكتفي في هذا الجزء باستعراض العمل الأخير؛ لأهميته التحليلية في هذا الجزء، على أن في الإمكان العودة إلى سيل وكاتزنشتاين للاطلاع على قراءتهما في بقية الأعمال الأخرى. يشير بارنيت وفاينمور إلى أنه، وإلى وقت قريب، حتى أولئك الذين يشتغلون بموضوع المنظمات الدولية، كانوا يعوِّلون في حججهم على قدرات الدول الأعضاء في تلك المنظمات ومصالحها. لكن المنظمات الدولية، من وجهة نظرهما، ليست أدوات سلبية بين أيدي الدول، وليست قنوات، وحسب، لتذليل صعوبات التعاون بين الدول، وإنما هي بيروقراطيات فيبرية قائمة بذاتها. وبهذا، فهي تمتلك ثقافة بيروقراطية غالبًا ما تحفزها على التصرف وفقًا لكيفيات ربما لا تتفق تمامًا مع رغبات الدول الأعضاء وأهدافها، وواضح أنها غالبًا ما تكون غير متوقَّعة من الدول المؤسِّسة. هذه الأنماط من السلوك نادرًا ما تتم مَشكَلتها على نحو كافٍ في الأدبيات التقليدية. وهذا هو ما دفع بارنيت وفاينمور إلى بذل مزيد من الجهد لتحليل المنظمات الدولية بالتركيز على استقلاليتها، وقوتها، والاختلالات الوظيفية الطارئة عليها، ومدى التغير في مسارات عملها44. يبدو الطابع الانتقائي لهذه المقاربة واضحًا من جهدهما الرامي إلى تشكيل منظور يبُرز البعد البيروقراطي في عمل المنظمات الدولية الذي أغفلته المنظورات التقليدية المتمركزة حول الدولة، ويُنتج تحليلات معقدة حول سلوك المنظمات الدولية. يدرك بارنيت وفاينمور تمامًا أن قوة الدول ومصالحها مهمة، وأن المنظمات الدولية نادرًا ما تكون قادرة على إجبار الدول القوية على العمل ضد مصالحها. لكن مع ذلك، وفي كثير من الحالات، تعمل المنظمات الدولية على نحو مستقل عن الدول، وأحيانًا على نحو معارض لها، منتجة بذلك آثارًا غير متوقَّعة، تؤدي أحيانًا إلى إعادة تشكيل تفضيلات الدولة، بالأخذ بزمام المبادرة في وضع جدول أعمال المنظمة على سبيل المثال45 خطا بارنيت وفاينمور خطوة انتقائية أخرى عبر الربط بين الآليات التنظيمية التي تركز عليها النظريات العقلانية، والآليات التكوينية Constitutive التي تركز عليها النظرية البنائية. وبناءً على مفهوم فيبر للسلطة البيروقراطية بوصفها قوة ضبط قائمة على المعرفة Knowledge On Based Control، يقترحان أن المنظمات الدولية تتعلم كيفية توظيف سلطتها، ومعارفها، وقواعدها لتنظيم العالم، ولتشكيل عالم يبدو في حاجة إلى مزيد من التنظيم أيضًا. لذلك، من خلال إنتاج معايير وقواعد جديدة، وإعطائها معاني محددة، ونشرها من أجل توجيه الممارسة السياسية، تأخذ المنظمات الدولية وضعًا يمكِّنها من خلق الواقع السياسي الذي تعمل فيه وتشكل فيه الدول تفضيلاتها. ولتوضيح الفائدة المميِّزة لهذه المقارَبة، يحلل بارنيت وفاينمور صندوق النقد الدولي، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والأمانة العامة للأمم المتحدة، ويقارنان بين هذه المنظمات. ويجادل سيل وكاتزنشتاين بأن هذه المقاربة الانتقائية لها آثار عملية في عالم السياسة والممارسة46؛ إذ أكد بارنيت الذي عمل لمصلحة الأمم المتحدة، وفاينمور التي أنجزت بحوثًا معمقة حول البنك الدولي، أن خبرتهما الأكاديمية وحدها لم تتمكن من تزويدهما بالقدرة على معرفة ماهية المنظمات الدولية في الواقع47.
رابعًا: الانتقائية التحليلية وتعقد السببية الاجتماعية
يمكن الجدال بأن الانتقائية التحليلية تُعَد جزءًا لا يتجزأ من مشروع تحويل حقل العلاقات الدولية إلى حقل عابر للتخصصات؛ لأنها ترتبط بالنزعة البراغماتية التي تعني أن المقاربات المتنافسة تبقى في حاجة ماسَّة إلى إعادة صياغتها من أجل تسهيل مهمة التأمل حول الكيفية التي تتشكل من خلالها المشكلات، فضلً عن الكيفية التي ينبغي أن تُحل عبرها. إضافة إلى ذلك، تساعد هذه البراغماتية الباحثين في كيفية التعامل مع تعدد السرديات48 والروايات السببية وتنوعها. لذلك، يفضل سيل وكاتزنشتاين الاعتماد على مفهوم الآليات السببية بوصفه سمة أساسية في القصص السببية التي تنتجها النظريات ذات
المدى المتوسط. تُقدمِّ الانتقائية التحليلية روايات سببية معقدة، تشمل أشكالً مختلفة من الآليات السببية المستخدَمة في مختلف التقاليد البحثية المتنافسة. ويعني هذا أنه بدلً من الانحياز إلى مفهوم معين للسببية، تسعى الانتقائية التحليلية إلى تتبع التفاعلات بين مجموعة واسعة من الآليات السببية بشأن مشكلة معيَّنة، تعمل إما داخل مجالات ومستويات مختلفة من الواقع الاجتماعي وإما عبرها49. لكن الانتقائية التحليلية تبدو أشدّ اتساقًا مع مفهوم المُركَّبات السببية الذي طوره هايكي باتوماكي50. وهو مفهومٌ مستوحى من الافتراضات الأساسية لنظرية التعقد51، كافتراض أن العوامل السببية لا تكفي في حدِّ ذاتها لإنتاج نتيجة/ أثر ما، لكنها تكون كافية حينما تتفاعل معًا ضمن مُركَّبات سببية. لذلك، سبق أن جادل باتوماكي بأن مفهوم المُركَّبات السببية يجعل الحقل يستغني عن مفهوم الآليات السببية؛ لأنه ينطوي من حيث الأساس على خصيصة التعقد. وهو يستند إلى افتراض أن الواقع الاجتماعي معقدٌ بطبيعته؛ ولذلك لا يمكن الحديث عن أسباب منفردة، قابلة للملاحظة البسيطة، قابلة للتعقب زمنيًّا، قابلة للعزل تجريبيًّا. ومن ثم ينبغي أن تكون السببية الاجتماعية على القدر نفسه من التعقد الذي يتصف به الواقع الاجتماعي. في هذا السياق، يمكن تأكيد أنه كلما زاد التعقد في الواقع الذي يدرسه الحقل، زادت حاجته إلى إقحام المزيد من الانتقائية التحليلية في مشاريعه وأنشطته البحثية. ولا بد من توكيد أن الانتقائية التحليلية ليست بديلً من المقاربات المتضمَّنة في التقاليد البحثية، وأنها ليست متفوقة عليها؛ فدورها لا يتعدى استكمال نقائص هذه المقاربات، كما تعتمد مساهمتها إلى حدٍّ بعيد على استمرار التواصل والتبادل المعرفي مع تلك المقاربات. هناك سببان أساسيان يجعلان الانتقائية التحليلية تستحق مساحة أكبر مما تحظى به في تخصصات العلوم الاجتماعية، ومنها تخصص العلاقات الدولية. السبب الأول هو أن الانتقائية التحليلية وحدها تهدف إلى مَشكَلة الظواهر المعقدة التي تواجه الممارسين والفواعل السياسيين، وهي الظواهر التي عادة ما تُجزَّأ إلى محض أحجيات أضيق فأضيق من جهة أنصار التقاليد البحثية. والسبب الثاني هو أن الانتقائية التحليلية وحدها مُصمَّمة للتنقل بين نظريات من تقاليد متعددة في وقت واحد؛ بحثًا عن الروابط بين أنواع مختلفة من الآليات السببية التي يتم التعامل معها عادة على نحو منعزل ضمن التقاليد البحثية المنفصلة.
وعند القيام بذلك، من شأن الانتقائية التحليلية أن تُعزِّز فرص الباحثين والفاعلين السياسيين الآخرين في إدراك ارتباطات خفية واستبصارات جديدة تستعصي عليهم حينما يُبسِّطون العالم ويختزلونه؛ من أجل تحليله من خلال عدسة نظرية وحيدة. هذه الإمكانية هي التي تبرر التزام بعض الأدبيات التي استعرضها سيل وكاتزنشتاين بالانتقائية التحليلية، حتى مع استمرار "المناخ العام" في تشجيع تطوير التقاليد البحثية، القائمة منه أو الناشئة، فضلً عن تشجيع التنافس بينها. لذلك، يمكن القول إن الحقل المعرفي الذي يتسع أمام أتباع مختلف التقاليد البحثية وفي الوقت نفسه أمام زملائهم من الانتقائيين، لن يوسِّع فقط من "صندوق الاستبصارات والفهومات" التي يمكن أن يستفيد منها جميع الباحثين في الحقل، ولكن من شأنه أيضًا أن يسهِّل النقاشات المثمرة عبر الجماعة الأكاديمية كلها وخارج حدودها52.
خامسًا: نحو نزع الطابع الإشكالي
عن المسألة الإبستمولوجية في حقل العلاقات الدولية
لا يمكن المرء إلا أن يؤكد مع كريس براون مقولة الفقر في الخطاب الذي تنطوي عليه مساعي بناء نظرية كبرى في حقل العلاقات الدولية53، قادرة على الوفاء بوعد تقديم رؤية شاملة ومتكاملة حول موضوع البحث في الحقل برمته؛ إذ من الواضح أن هذا الخطاب يتعارض مع مسعيَيْ فتح آفاق النقاش المعرفي أمام التعددية النظرية - ما يتطلب تقويض ممارسات الهيمنة و"الاستبداد" النظريين التي ينطوي عليها خطاب النظرية الكبرى - والرفع من مستوى وعي الحقل المعرفي بحجم التعقد المتزايد الذي أصبح يميز المشكلات النظرية والسياسية التي يبحث فيها. لذلك، لا بد من توكيد ضرورة التخلِّ عن التعريفات السائدة للمقاربات النظرية – بوصفها برادايمات مثلً – التي تضع الحقل في ظل هيمنةِ نظريةٍ معينة تصف نفسها بالنظرية الكبرى؛ لأن هذا النمط من النظريات غالبًا ما يتأسس على مزاعم القدرة بانفراد على تقديم رؤية شاملة ومتكاملة لموضوع البحث في الحقل برمته، على الرغم من أن هذا الموضوع ينطوي على تعددية أنطولوجية على قدر متزايد من التعقد. وواضح أنه كلما زاد الوعي بحدة التعقد في الواقع، زاد الوعي بالحاجة إلى التخلص من استبداد منطق النظريات الكبرى، والبحث في أيِّ/ كلِّ ما من شأنه المساهمة في فهم هذا التعقد المتزايد والتعامل معه. في هذا السياق، تأتي الدعوة إلى تبني النزعة البراغماتية/ الانتقائية في تحليل السياسة العالمية، بالمفهوم الدقيق الذي اقترحه عبد النور بن عنتر، وسبقت الإشارة إليه. نسعى، في ما تبقى من هذا الجزء، إلى استعراض ملحوظات سريعة حول الكيفية التي يمكن أن تساعدنا بها المداخلات السابقة في تصور آفاق نزع الطابع الإشكالي عن المسألة الإبستمولوجية في الحقل. فمع نهاية تسعينيات القرن الماضي، وبينما كان الحقل مستغرقًا في النقاش الثالث حول إبستمولوجيا نظريات العلاقات الدولية، نشر ألكسندر ونْت مقالة بعنوان "حول إشكاليتَي التكوين والسببية في حقل العلاقات الدولية"54، هوَّن فيها من أهمية الإبستمولوجيا بوصفها مركز اهتمام للحقل. يتقاسم البنائيون هذا الموقف؛ بحيث يؤكدون أهمية الأنطولوجيا مقارنةً بالإبستمولوجيا. ويرى ونْت أن شغلنا الشاغل في حقل العلاقات الدولية يكمن في تحسين معرفتنا بالكيفية التي يعمل بها العالم، لا في القلق بشأن تحسين معرفتنا بالكيفية التي نعرف بها كيفية عمل العالم. ما يهمنا هو الأنطولوجيا، لا الإبستمولوجيا. هذا لا يعني غياب أسئلة إبستمولوجية (ينبغي أن تكون) مثيرة لاهتمام الحقل المعرفي، غير أنه من الأفضل أن يتعامل مع هذه الأسئلة فلاسفة وعلماء اجتماع المعرفة، لا علماء السياسة. يقول ونْت: "دعونا نواجه الأمر، معظم الباحثين في العلاقات الدولية، ومنهم [المتحدث] لا يملكون تكوينًا كافيًا في مجال الإبستمولوجيا. لذلك فإن محاولة حل المشكلات الإبستمولوجية ستؤدي حتمً على أي حال إلى [المزيد من] الارتباك"55. يبدو أننا، فعلً، وفي كثير من المجالات الأساسية، نعرف كيف تعمل السياسة الدولية، من دون أن يكون مُهمًّ كيف وصلنا إلى تلك المعرفة. لذلك، فإن الخوض في مسائل إبستمولوجيا نظريات العلاقات الدولية من شأنه أن يشتت انتباهنا ويصرفنا عن العمل الحقيقي الذي ينبغي الانشغال به، وهو العلاقات الدولية ذاتها. ينبغي أن تكون نقاشاتنا الكبرى حول قضايا الدرجة الأولى (الموضوع في حد ذاته)، وليس حول قضايا الدرجة الثانية (المنهج.) وتكمن المشكلة في أن خطاب الإبستمولوجيا أصبح بالفعل – ومنذ بداية النقاش الثالث وصولً إلى النقاش الرابع – يشوب تفكيرنا حول السياسة الدولية، وأصبح يساهم في استقطاب الحقل ضمن "حروب بين البراديمات." يجب الإقرار بأن تأجج هذه الحروب منذ الثمانينيات والتسعينيات في القرن الماضي لا يرجع فقط إلى صعود الاحتجاجات ما بعد الوضعية، لكن جذوره تمتد إلى المشكلات الإبستمولوجية المتأصلة في الوضعية التي انهمكت منذ الخمسينيات في تأسيس نفسها بوصفها سلطة معرفية مساوية تمامًا للعلم؛ بحيث يُعَد كل عمل غير وضعي خارج مجال العلم56. للخروج من حالة الاستقطاب الإبستمولوجي بين الوضعيين وما بعد الوضعيين التي أوجدها النقاش الثالث واستمر النقاش الرابع في تكريسها، يقترح ونْت أنه بدلً من أن يتصرفوا كحراس معابد، بعضهم ضد بعض، "يبشِّون" بنمط من أنماط "الوحي" الذي يتوهمون أنه يأتيهم من "آلهة إبستمولوجية زائفة"، سيكون أفضل للوضعيين وما بعد الوضعيين، على السواء، أن يتصرفوا على أساس قاعدة "الاعتراف المتبادل" تجاه الأسئلة التي يفضِّ لها كل طرف. ويؤكد ونْت أن علم السياسة الدولية، إذا أريد له أن يكون نقديًّا وتأمليًّا، سيكون في حاجة إلى كلِّ / أيِّ شكل من أشكال المعرفة التي يمكنه الحصول عليها57.
وقد عمل ونْت في كتابه، النظرية الاجتماعية في السياسة الدولية58(، على تأكيد هذا الموقف بتبنِّي افتراضات الفلسفة الواقعية العلمية التي يجادل ميلجا كوركي وكولين وايت بأنها أدَّت دورًا مهمًّ في تطوير البنائية، على الرغم من أنها لم تحظ بتبني جميع البنائيين. ومع مطلع القرن الحالي، استمر ونْت في كونه أبرز منظِّر وضع نظريته على نحو واضح ضمن الإطار الإبستمولوجي للواقعية العلمية، كما تعزز الواقعية العلمية على نحو واضح كذلك مساعيه لبناء طريق وسط Media Via، أو أرضية وسطى Middle Ground، بين العقلانية والتأملية. غير أن هذه المساعي لم تتمكن من تبرئة ونْت – وعموم البنائيِيّن عدا تيارًا محدودًا منهم – من تهمة الانحياز الإبستمولوجي إلى الوضعية. ويؤكد كوركي ووايت هذا الطرح؛ إذ يشيران إلى أن تبني ونْت الواقعيةَ العلمية جرَّ عليه انتقادات كثير من الواقعيين العلميين الآخرين بسب فشله في الابتعاد على نحو كافٍ عن حدود النقاش (الثالث)، وكونه ما يزال مقيدًا بالتزام معدَّل نحو الوضعية59. أصبح واضحًا أن جدوى المشروع التوفيقي الذي أعلن عنه البنائيون خلال حقبة النقاش الرابع قوضته منطلقاتُه منذ البداية، لأنه ما دامت البنائية تتبنى إبستمولوجيا وضعيةً، فقد كان من المستبعد أن تنجح في إقناع المقاربات التأملية ما بعد الوضعية في الالتحاق بها حول طاولة النقاش، فضلً عن الانخراط في نقاش أصيل مع المقاربات العقلانية الوضعية في الجانب الآخر. لقد رأينا أن الأمر يتعلق دائمًا بالإبستمولوجيا، ولا سبيل إلى الافتراض بأن الأنطولوجيا أهم منها. في هذا السياق، ظهرت مجموعة من الواقعيين العلميين، يشيرون إلى أنفسهم بوصفهم واقعيين نقديين على غرار باتوماكي ووايت، يسعون لأخذ الواقعية العلمية إلى أبعد مما ذهب بها إليه ونْت، خصوصًا من خلال المجادلة بأن الانقسام بين العقلانية والتأملية ينعكس في الفرق بين مقاربات تركز على مسائل مادية وأخرى تركز على الأفكار. لكن مجموعتي العوامل المادية والعوامل المتعلقة بالأفكار مهمتان كلتاهما، بالنسبة إلى الواقعية النقدية، في إنتاج مخرجات اجتماعية، وينبغي إشراكهما كلتيهما في عملية البحث60. لذلك، فإن الواقعيين النقديين لا يتجاهلون المسألة الإبستمولوجية، كما يقترح ونْت، لكنهم يدعون إلى إعادة النظر في هذه المسألة من منظور نقدي.
سادسًا: التأصيل الإبستمولوجي للانتقائية التحليلية: بعيدًا عن التعارض الوضعي - ما بعد الوضعي
يتمثل الإسهام الفكري المهم الذي تقدمه الواقعية النقدية Critical Realism61، في مجال العلوم الاجتماعية عمومًا، في رفض أي محاولة للوصول إلى مجموعة من الإجراءات المحددة بوضوح التي تحدد محتوى المنهج العلمي. ويرى الواقعيون النقديون أن على كل علم أن يتوصل إلى طريقة عمله وفقًا لمجال الموضوع محل البحث. ولأن هذه المجالات تختلف على نحو جوهري من علمٍ إلى آخر، فإن الواقعيين النقديين يؤكدون أنه سيكون من غير الملائم أن نتوقع تحوُّل المنهجيات المطبقة في علم معين إلى منهجيات شمولية قابلة للتطبيق على العلوم الأخرى جميعها. لذلك، لا ينبغي للعلوم الاجتماعية أن تحاول تقليد العلوم الطبيعية لأسباب عديدة، خصوصًا أنه، بالنظر إلى الفروق غير القابلة للمقايسة ضمن العلوم الطبيعية المختلفة نفسها، يستحيل تحديد مجموعة من الإجراءات والتقنيات التي يمكن أن تتبناها العلوم جميعًا62. من جهة أخرى، يجادل الواقعيون النقديون أن ما يجعل المعرفة علمية ليس أسلوبها ولا منهجها في إنتاج المعرفة، وإنما هو محتواها؛
إذ، على خلاف التصور الوضعي، لا تُعَدُّ المعرفة علمية لأنها، وحسب، اتبعت مجموعة معينة من الإجراءات المبنية على "حقائق" تجريبية، ولكن لأنها تقوم ببناء تفسيرات لتلك الحقائق على شكل كيانات وإجراءات غير معروفة، ويُحتَمل أن تكون غير قابلة للملاحظة. من وجهة نظر الواقعيين النقديين، تذهب المعرفة العلمية إلى ما هو أبعد من المظاهر، وتبني تفسيرات غالبًا ما تتعارض - وأحيانًا ما تتناقض - مع المخرَجات الملاحَظة. وتتضمن العلوم الاجتماعية دراسة للعناصر الاجتماعية المعقدة والمتفاعلة التي تُنتجِ الأنماط التي نلاحظها. ونظرًا إلى طبيعتها غير القابلة للملاحظة، يجب العمل على إدراك معظم العناصر الاجتماعية من خلال وضع أطر مفاهيمية بدقة وحذر. دائمًا ما تكون هذه عملية معقدة وتتضمن إجراءات شُكِّلت على نحو متبادل بين الباحثين بوصفهم فاعلين، وبين موضوعات البحث/ المعرفة، إلا أن المعرفة الاجتماعية، وعلى الرغم من أنها غير مثالية، ومتضمَّنة في أطر مفاهيمية وخطابية، تبقى معرفة تتعلق بشيء ما، شيء اسمه الواقع الاجتماعي63. إبستمولوجيًا، يُقدِّم الواقعيون النقديون أنفسهم على أنهم نسبيون Relativists، ويجادلون بأنه ما من موقف إبستمولوجي يملك الأولوية في الحصول على المعرفة، لأن هناك دائمًا طرقًا عديدة يمكن من خلالها التوصل إلى معرفة العالم. لكن هذا لا يعني أن جميع وجهات النظر صحيحة بالدرجة نفسها، وهم يؤمنون بإمكان الحكم عقلانيًّا بين الادعاءات المعرفية المتنافسة. المهم بالنسبة إلى العلوم هو أن أي/ كلَّ ادعاء يبقى قابلً للتحدي من جانب ادعاءات أخرى؛ ما يؤكد أن العلوم ينبغي أن تستند إلى الالتزام بالنقد المستمر، بدلً من الالتزام بالإصرار الدوغمائي على صحة ادعاءاتها. منهجيًا، وعلى غرار الموقف الإبستمولوجي للواقعيين النقديين، فإنهم يتبنون موقفًا تعدديًّا إزاء الخيارات المنهجية؛ بحيث - على عكس الوضعيين الذين يركزون على المناهج الكمية، وما بعد الوضعيين الذين يركزون على المناهج الكيفية – يركز الواقعيون النقديون على التعددية المنهجية (تعددية المناهج.) ولأن العالم الاجتماعي شديد التعقد أنطولوجيًا، ولأن هناك طرقًا كثيرة للوصول إلى معرفة العالَم، فمن الأفضل أن لا يحصر الباحث أساليب البحث من خلال الاستدلال المسبق64. يُعَد بروز الواقعية النقدية توجهًا جديدًا ومُهمًّ في الحقل؛ بحيث يمكن أن تفتح قنوات جديدة وبنَّاءة للنقاش النظري بين مختلف مقاربات السياسة العالمية. فبرفضها المقارنة والمقايضة بين التحليلين التفسيري والفهمي من جهة، والتحليلين السببي وغير السببي من جهة أخرى، وبرفضها الالتزام الخطابي المسبق بأي من العوامل المادية أو العوامل الاجتماعية والعوامل المتعلقة بالأفكار، وبرفضها دعم أيٍّ من الاتجاهين الإبستمولوجيين المتعارضين – النموذج الوضعي للعلم، والنموذج الرافض لفكرة العلم لدى بعض التأمليِيّن – كل هذا يمكن أن يتيح الفرصة أمام الحقل للمضي قُدمًا إلى ما هو أبعد من التعارضات الثنائية التي أنتجتها/ أعادت إنتاجها النقاشات الكبرى، ومنها النقاش الرابع. ومن شأن كل هذا أن يتيح الفرصة أمام وجهات النظر غير الوضعية كي تحظى بالتقدير في صورة جديدة لها؛ لأن وجهات النظر تلك تبقى ذات مساهمات علمية وفكرية مهمة في الحقل65. يقبل الواقعيون النقديون أجزاء مهمة من موقف التأويليين ما بعد الوضعيين بشأن الموضوعية؛ إذ يجادلون بأنه على الرغم من أننا دائمًا ما نؤوِّل العالم من خلال عدساتنا المتموضعة اجتماعيًّا (وسياسيًّا)، وعلى الرغم من أنه لا توجد طريقة سهلة لإثبات حقيقة نظرية معينة، فإن النظريات ليست كلها متساوية. ولأن العالم تحديدًا هو ما هو عليه، مستقلٌّ عن أي نظرية، فإن المهم عند الواقعيين النقديين هو أن بعض النظريات قد يكوِّن أوصافًا للعالم أفضل مما يكونه بعضها الآخر، حتى وإن كنا لا نعلم ذلك. عندئذٍ، تتعلق المهمة بتحديد أيٍّ من النظريات هي الأشدّ قبولً من غيرها. ولتحديد ذلك، لا يستثني الواقعيون النقديون أيَّ شيء، كما لا يمنحون الأفضلية لأي عامل على آخر، فهم براغماتيون إبستمولوجيًّا؛ إذ يرون أنه ما من مجموعة واحدة من الإجراءات يمكن من خلالها الحكم بين الادعاءات المعرفية التي تغطي جميع حالات البحث، ولكن، يجب تقويم كل حالة بحسب مميزاتها، واستنادًا إلى الأدلة التي تقدمها66.
خاتمة
انطلقت هذه المقالة من افتراض أن منطق "النظرية الكبرى" في حقل العلاقات الدولية يتجه نحو حافة إفلاس نظريٍّ وفلسفي حادٍّ، على نحو يجعله في حاجة إلى التفكيك وإعادة النظر، فضلً عن الافتراض بأن إفلاس هذا المنطق هو ما يبرر الدعوة إلى إقحام النزعة الانتقائية التحليلية في الممارسات البحثية داخل الحقل. ومن خلال مختلف المباحث السابقة، في هذه المقالة، يمكن أن نبرز الملاحظات الختامية الآتية: تكمن القيمة المضافة للانتقائية التحليلية، بوصفها موقفًا إبستمولوجيًّا ومنهجيًّا، في نزع الشرعية عن خطاب "النظرية
الكبرى" في العلاقات الدولية، القادرة على التفسير والفهم لمظاهر التعقد المتزايد في الظاهرة الدولية وظواهر هذا التعقد، ومساعدة الباحثين على إدراك نقاط القوة والعجز في البرادايمات السائدة، علاوة على المفاضلة بينها. لا يعني تبنِّي الانتقائية التحليلية الاستغناء عن البرادايمات، لكنه يعني مزيدًا من الوعي لدى الباحث بأن التركيز على برادايم معيَّ من شأنه أن يجعله يميل نحو التركيز فقط على بعض القوى والعوامل السببية، بينما يتجاهل أخرى، وهكذا يبقى يواجه مخاطر الوقوع في الخطأ بدرجة جد عالية. من شأن الانتقائية التحليلية أن تساهم في بناء بحوث تتعايش فيها عناصر متنوعة من روايات سببية مختلفة ضمن مقاربات أشدّ تعقدًا، قادرة على معالجة القضايا ذات الأهمية للباحثين والممارسين على السواء. ويستلزم هذا إقحام الجهود البحثية المنظَّمة على نحو جيد التي يبذلها باحثون آخرون ملتزمون بمختلف التقاليد البحثية السائدة، لا استبعادها. تتبنى الانتقائية التحليلية روحًا براغماتية تمكِّنها من إنتاج أطر متنوعة ومرنة للبحث، ينتظم كلُّ إطار حول مشكلة بحثية محدَّدة، على أن تكون هذه المشكلة هي التي تحرك عملية البحث، لا الإطار النظري المختار مسبقًا. لذلك، فهي لا تطمح إلى الكشف عن قوانين عامة كما هو الحال مع التقاليد البحثية التي تشير إلى نفسها بأنها نظريات كبرى. وإذ لا تكتفي بالنتائج الجزئية/ الاختزالية المرتبطة بدراسة حالات محدودة، فإن أهمية الانتقائية التحليلية تكمن في عملها على ما يُعرَف بنظريات "المدى المتوسط" التي تكون ملائمة ضمن مجموعة محدودة ومحددة من السياقات القابلة للمقارنة؛ إذ يمكن روابط سببية معينة أن تتكرر على نحو قابل للملاحظة. ويختلف هذا تمامًا عن بناء نظرية كبرى أو قانون عام يكون ملائمًا عبر السياقات المكانية – الزمانية، وعبر مجموعة واسعة من المشكلات والقضايا ذات العلاقة بموضوع البحث. يأتي بروز الانتقائية التحليلية في سياق المراجعات الإبستمولوجية التي تُحدثها الفلسفة الواقعية النقدية في فلسفة علم العلاقات الدولية، وهي التي تؤكد ضرورة تحوُّل الحقل المعرفي نحو النسبية الإبستمولوجية/ المنهجية؛ بحيث ما من موقفٍ إبستمولوجي يملك الأولوية في الحصول على المعرفة؛ وحيث توجد دائمًا طرق عديدة يمكن من خلالها التوصل إلى معرفة العالم. كما تؤكد أيضًا ضرورة تبنِّي موقف تعدُّدي إزاء الخيارات المنهجية. وعلى عكس الوضعية التي تركز على المناهج الكمية، وما بعد الوضعية التي تركز على المناهج الكيفية، تدعو الواقعية النقدية إلى تبني تعددية منهجية أو تعددية في مناهج البحث. يبدو أن حقل العلاقات الدولية، وعلى الرغم من أنه ما يزال منظمً حول تقاليد بحثية محددة، لكلٍّ منها التزاماته الإبستمولوجية ومفرداته النظرية ومعاييره البحثية، شهد في السنوات الأخيرة – وما يزال يشهد – نزعة متزايدة، حتى بين بعض من يُعرَف عنهم التزامُهم بتقاليد بحثية معينة، للإقرار بوجود حاجة ملحَّة إلى إدماج عناصر تحليلية من مقاربات أخرى (مختلفة) من أجل إنتاج معرفة جديدة أشمل وأعمق وأصلح للتوظيف البحثي.
المراجع
العربية
حمشي، محمد. "النقاش الخامس في حقل العلاقات الدولية: نحو إقحام نظرية التعقد داخل الحقل." أطروحة دكتوراه في العلاقات الدولية. جامعة باتنة.1 الجزائر،.2017 الخولي، يمنى طريف. فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول - الحصاد - الآفاق المستقبلية. سلسلة عالم المعرفة 64.2 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2000 زقاغ، عادل. "النقاش النظري الرابع بين المقاربات النظرية للعلاقات الدولية." أطروحة دكتوراه في العلاقات الدولية. قسم العلوم السياسية، جامعة باتنة. الجزائر،.2009 كريبت، إيان. النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس. ترجمة محمد حسين غلوم، مراجعة محمد عصفور. سلسلة عالم المعرفة 44.2 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1999
الأجنبية
Ahmed, Amel & Rudra Sil. “When Multi-Method Research Subverts Methodological Pluralism — or, Why We Still Need Single-Method Research.” Perspectives on Politics. vol. 10. no. 4 (2012). Barnett, Michael & Martha Finnemore. Rules for the World: International Organizations in Global Politics. Ithaca: Cornell University Press, 2004. Brown, Chris. “The Poverty of Grand Theory.” European Journal of International Relations. vol. 19. no. 3 (2013).
Feyerabend, Paul. Against Method: Outline of an Anarchistic Theory of Knowledge. 3rd ed. New York: Verso Books, 1993. Halilovi´c, Enver. “Feyerabend's Critique of Scientism.” Enrahonar. vol. 28 (1998). Hellmann, Gunther (ed.). “The Forum: Are Dialogue and Synthesis Possible in International Relations?” International Studies Review. vol. 5 (2003). Campbell, John. Institutional Change and Globalization. Princeton: Princeton University Press, 2005. Dunne, Tim, Milja Kurki & Steve Smith (eds.). International Relations Theories: Discipline and Diversity. Oxford: Oxford University Press, 2010. ________. International Relations Theories: Discipline and Diversity. Oxford: Oxford University Press, 2007. Jervis, Robert. American Foreign Policy in a New Era. New York: Routledge, 2005. Kohli, Atul, et al. “The Role of Theory in Comparative Politics: A Symposium.” World Politics , vol. 48. no. 1
Kurki, Milja. “Causes of a Divided Discipline: Rethinking the Concept of Cause in International Relations Theory.” Review of International Studies. vol. 32. no. 2 (2006). ________. “Critical Realism and Causal Analysis in International Relations: Causes All the Way Down.” Millennium. vol. 35. no. 2 (2007). ________. Causation in International Relations: Reclaiming Causal Analysis. Cambridge: Cambridge University Press, 2008. Kurki, Milja & Hidemi Suganami. “Towards the Politics of Causal Explanation: A Reply to the Critics of Causal Inquiries.” International Theory. vol. 4. no. 3 (2012). Lake, David A. “Theory Is Dead, Long Live Theory: The End of the Great Debates and the Rise of Eclecticism in International Relations.” European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3 (2013). Lapid, Yosef. “Through Dialogue to Engaged Pluralism: The Unfinished Business of the Third Debate.” International Studies Review. vol. 5 (2003). Oberheim, Eric & Paul Hoyningen-Huene. “Feyerabend’s Early Philosophy.” Studies of History and Philosophy of Science. vol. 31. no. 2 (2000). Oneal, John R. & Bruce Russett. “The Kantian Peace: The Pacific Benefits of Democracy, Interdependence, and International Organizations, 1885 - 1992.” World Politics. vol. 52. no. 1 (1999). Patomäki, Heikki. “How to Tell Better Stories about World Politics.” European Journal of International Relations. vol. 2. no. 1 (1996). Patomäki, Heikki. After International Relations: Critical Realism and the (Re)construction of World Politics. London: Routledge, 2002. Patomäki, Heikki & Colin Wight. “After Post-Positivism? The Promises of Critical Realism.” International Studies Quarterly. vol. 44. no. 2 (2000). Reus-Smit, Christian & Duncan Snidal (eds.). The Oxford Handbook of International Relations. Oxford: Oxford University Press, 2008. Russett, Bruce & John R. Oneal. Triangulating Peace: International and Interdependence, Democracy, Organizations. New York: W. W. Norton, 2001. Shapiro, Ian, Rogers M. Smith & Tarek E. Masoud (eds.). Problems and Methods in the Study of Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 2004. Sil, Rudra & Eileen M. Doherty (eds.). Beyond Boundaries?: Disciplines, Paradigms, and Theoretical Integration in International Studies. New York: State University of New York, 2000. Sil, Rudra & Peter J. Katzenstein. Beyond Paradigms: Analytical Eclecticism in the Study of World Politics. London: Palgrave, 2010. ________. “Analytical Eclecticism in the Study of World Politics: Reconfiguring Problems and Mechanisms
across Research Traditions.” Perspectives on Politics. vol. 8, no. 2 (2010). ________. “De-Centering, Not Discarding, the ‘Isms’: Some Friendly Amendments.” International Studies Quarterly. vol. 55 (2011). Suganami, Hidemi. On the Causes of War. Oxford: Oxford University Press, 1996. ________. “Causal Explanation and Moral Judgement: Undividing a Division.” Millennium. vol. 39. no. 3 (2011). ________. “Causation-in-the-World: A Contribution to Meta-Theory of IR.” Millennium. vol. 41. no. 3 (2013). Wallerstein, Immanuel. The Essential Wallerstein. New York: The New Press, 2000. Waltz, Kenneth. Man, the State and War: A Theoretical Analysis. New York: Columbia University Press, 1959. Wendt, Alexander. “On Constitution and Causation in International Relations.” Review of International Studies. vol. 24. no. 5 (1998). ________. Social Theory of International Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1999. Wight, Colin. Agents, Structures and International Relations: Politics as Ontology. New York: Cambridge University Press, 2006. ________. “A Manifesto for Scientific Realism in IR: Assuming the Can-Opener Won’t Work!” Millennium. vol. 35. no. 2 (2007).