تغير الوزراء الفلسطينيين المتكرر وأثره في السياسات العامة: وجهة نظر الإدارات العليا

Jehad Alayasa جهاد العيسة |

الملخّص

تجادل الدراسة بأن غياب البرنامج السياسي الواضح للحكومة في الحالة الفلسطينية يترك للوزير المجال لتسييس الوزارة التي يديرها، وفرض رؤيته على المستويات الإدارية المختلفة؛ ما يجعل من التغيير المتكرر للحكومات والوجوه الوزارية تحديًا أمام قدرة المستويات الإدارية على صنع سياسات عامة مستدامة وتنفيذها. وتكمن مشكلة الدراسة في غياب الإطار القانوني الناظم للعلاقة بين الوزير والطاقم الإداري العامل معه. إن غياب مثل هذا الإطار أدى الى طغيان "شخصية الوزير" وتحولها إلى الإطار الناظم لعمل الوزارة؛ ما ينعكس سلبيًا على استدامة السياسات العامة. تبنى الباحث المنهج الكيفي، نظرًا إلى طبيعة الظاهرة المبحوثة. وأجرى عشرات المقابلات مع المستوى السياسي في الحكومات، وهم رؤساء ووزراء سابقون، ووزراء تكرر وجودهم بوصفهم وزراء أكثر من ث ثاا مرات، أما في المستوى المهني فكانت المقابلات مع الإدارة العليا لعينة الوزارات التي لديها أكثر من ثمانية تغيرات وزارية في الفترة 1996 - 2016. ومن أهم نتائج الدراسة أن المنظومة القانونية، وعلى رأسها القانون الأساسي، في العلاقة بين المستوى السياسي للوزارة (الوزير) والمستوى المهني (الوكيل، والوكيل المساعد، والمديرون العامون) تحتاج إلى المراجعة والإصلاح القانوني. كلمات مفتاحية: السياسات العامة، السياسات المستدامة، فلسطين، الحكومات الفلسطينية. This research addresses the problem of government turnovers in Palestine between 1994 and 2016 and the impact on public policy sustainability. The thesis of the research is that government turnovers (changing ministers repeatedly) disturb the capability of top management professionals to formulate and implement sustainable public policy that can make positive impact on generations. The research adapted a qualitative methodology through selecting all 18 ministries that had eight turnovers or more between 1994-2016 as case studies, some had 17 turnovers. More than 35 deep interviews with three levels of management in the selected ministries where conducted. The researcher also interviewed former prime ministries and a sample of ministers who were in positions for three terms or more. Questions of this category focused on the impact of politics on government turnovers and public policy in regard. Major findings of the research include the way in which governments are selected (the consensus tradition of selecting governments) and the absence of the Palestinian Legislative Council encouraged ministers to ignore law and politicize public service sector. Keywords: Puplic Policies , Palestine, Palestinian Governments.

Repeated Changes of Palestinian Cabinet Ministers and the Impact on Public Policies: the Point of View of Higher Authorities

مقدمة

على الرغم من أن منصب الوزير في أي حكومة هو منصب سياسي في الأصل – يفترض أن يعكس برنامج الحزب السياسي الذي يتولى الحكم من خلال فوزه في الانتخابات وتستثنى من ذلك حكومات التكنوقراط المكونة من وزراء كفاءات وخبراء، كلّ في مجال وزارته - فإنّ تسييس المنصب، بمعنى إخضاعه للحسابات السياسية سواءٌ أكان من طرف رئيس السلطة أم من رئيس الوزراء أم من الوضع السياسي العام، يُعدُّ الإشكالية الحقيقية في الحالة الفلسطينية. ويجادل بعض الخبراء في الحالة السياسيّة الفلسطينيّة، في أن غياب البرنامج السياسي الواضح يترك المجال للوزير لتسييس الوزارة التي يديرها، وفرض رؤيته على المستويات الإدارية المختلفة؛ الأمر الذي يجعل من التغيُّ المتكرر للحكومات والوجوه الوزارية، تحديًا أمام قدرة المستويات الإدارية على صنع سياسات عامّة مستدامة وتنفيذها. وتتمثل التحديات، أمام المستوى الإداري تحديدًا، في التنقلات التي يجريها الوزير الجديد عند تسلّمه مهمّ ته في الوزارة لضمان وجود الموالين له، وتحدي تنفيذ القرارات المالية للسياسات والخطط، وتحدي صنع الخطط الإستراتيجيّة وتنفيذها، والتي يعاد النظر فيها عادةً أو في بعض بنودها؛ بسبب عدم اقتناع الوزير الجديد بها. تكمن مشكلة الدراسة، من وجهة نظر أخرى، في غياب الإطار القانوني المنظِّم للعلاقة بين الوزير والطاقم الإداري العامل معه. وقد أَدّى غياب مثل هذا الإطار القانوني الذي انبثق عن غياب المجلس التشريعي طوال فترة طويلة من الزمن، وانعدام دوره الرقابي، إلى طغيان "شخصية الوزير" وتحولها إلى الإطار المنظِّم لعمل الوزارة؛ الأمر الذي ينعكس سلبيًا على استدامة السياسات العامة. ومقارنةً بنماذج عالمية تتغيّ فيها الحكومات باستمرار من دون تأثّر عمل المستويات الإدارية فيها، كالنموذج الإيطالي مثلً، فإن الفضل في استدامة السياسات العامة للوزارات يعود إلى وجود نظام، وإطار قانوني يحدِّد صلاحيات من يعملون في الوزارات كلِّهم، بمن فيهم الوزراء. تهدف الدراسة إلى معرفة انعكاسات تغيُّ الحكومات أو الوجوه الوزارية، على العمل الإداري في الوزارات الفلسطينية، وانعكاسات ذلك على استدامة السياسات العامة من وجهة نظر الإدارة العليا في الوزارات (وكلاء الوزارات، ومساعدي الوكلاء، والمديرين العاميّن للشؤون الإدارية والمالية.) وتهدف تحديدًا إلى التعرف إلى انعكاسات تغيُّ الحكومات أو الوجوه الوزارية على العمل بروح الفريق - وخصوصًا في الإدارات العليا في الوزارات - والقرارات المالية التي يرتبط بها تنفيذ السياسات العامة، وتنفيذ الخطط الإستراتيجيّة، والتعاون المشترك بين الوزارات، لما في ذلك من تحقيقٍ لاستدامة للسياسات العامة. يعدُّ موضوع الدراسة من الموضوعات القليلة في الأدبيات الفلسطينية التي تستهدف إشكالية استدامة السياسات العامة، كما يعدُّ موضوع التغيُّ المتكرّر للحكومات من الموضوعات البحثية الجديدة التي لم تُستهدف بالبحث المعمق من قبل. بناءً عليه، يُتوقع - من الناحية النظرية - أن تسدّ الدراسة فجوة بحثية مهمّة، تربط البعد السياسي لتأليف الحكومات وما يصاحبه من اعتبارات، بالبعد الإداري التنفيذي. أمّا من الناحية العملية، فيُتوقع من الدراسة أن تساعد المستويين؛ السياسي والتنفيذي في الحكومة الفلسطينية، على تصويب مسار العلاقة بينهما من خلال تسليط الضوء على نقاط الضعف والقوة في هذه العلاقة. ومن ناحية أخرى، يعدُّ هذا البحث جهدًا متواضعًا في مسار إصلاح الإدارة الفلسطينية العامّة؛ إذ يُتوقع أن يفتح الباب أمام الباحثين مستقبلً لتناول موضوعاتٍ ذات علاقة، تصب في جهد الخطة الوطنية الشاملة لإصلاح أداء القطاع الفلسطيني العامّ، ويتوقع لنتائج الدراسة، تحديدًا، أن تكشف النقاب عن مشكلات بحثية مهمة، يمكن أن تكون هدفًا لأبحاث معمقة. وفي الحد الأدنى، يتوقع من الدراسة أن توسع فهم القارئ المتخصص حول العلاقة بين المستوى السياسي في الحكومات، والمستوى التنفيذي الإداري وانعكاسات هذه العلاقة على استدامة السياسات العامة. تنطلق الدراسة من افتراض مفاده أن التغيير المتكرر للحكومات أو بعض الوجوه الوزارية فيها، ينعكس سلبيًا على العمل الإداري في الوزارات الفلسطينية، وفي الحصيلة، على استدامة السياسات العامة من حيث إنه: كلما كان تكرار التغيير في الوزراء عاليًا، عرقل العمل بروح الفريق داخل الإدارات العليا؛ وذلك بسبب التنقلات التي يجريها الوزير الجديد. كلما كان تكرار التغيير في الوزراء عاليًا، عرقل ذلك القرارات المالية التي يتوقف عليها تنفيذ السياسات العامة (الخطط الإستراتيجيّة والبرامج والمشاريع.) كلما كان تكرار التغيير في الوزراء عاليًا، عرقل تنفيذ الخطط الإستراتيجيّة كلّها أو بعض بنودها؛ وذلك بسبب رغبة الوزير الجديد في فرض رؤية جديدة أو عدم اقتناعه بما هو موجود في الخطة الإستراتيجيّة للوزارة. كلما كان تكرار التغيير في الوزراء عاليًا، عرقل التعاون بين الوزارة المعنية والمؤسسات والوزارات الشريكة في تنفيذ السياسات العامة، وخصوصًا الوزارات المحورية، مثل: وزارة المالية ووزارة الداخلية؛ الأمر الذي ينعكس سلبيًا على استدامة السياسات العامة.

تنتمي هذه الدراسة إلى المنهج الكيفي؛ وذلك نظرًا إلى طبيعة الظاهرة المبحوثة (التغيُّ المتكرر للحكومات)، وطبيعة سؤال الدراسة (كيف يؤثر التغيُّ المتكرر للحكومات في استدامة السياسات العامة؟)، والذي لا يمكن الإجابة عنه إلا من خلال الغوص في أعماق تجارب الخبراء المعنيين من المستويين السياسي والإداري في الوزارات الفلسطينية، وقد اتبع الباحث أسلوب التحليل الكيفي لتجارب المستجيبين وآرائهم (الخبراء)، ومن ثَمَّ المقارنة بين هذه التجارب؛ من أجل استخلاص النتائج منها. كذلك، اتبع الباحث الأسلوب المقارن لمعرفة الفرق بين الوزارات المختلفة، من حيث تأثير تكرار تغيُّ الحكومات في استدامة السياسات العامة، فالمقارنة، هنا، لها أثر كبير في تعزيز صدقية البحث، وقدرة الباحث على تعميم النتائج. ينقسم البحث إلى فصلين اثنين؛ يناقش الأوّل تأثير الأبعاد السياسية لتأليف الحكومات في استدامة السياسات العامة من وجهة نظر المستوى السياسي. بينما يناقش الثاني وجهة نظر المستوى المهني في تغيير الحكومات وانعكاساته على قدرة الفريق المهني على صنع سياسات عامة مستدامة وتنفيذها. اعتمدت الدراسة على أداتين لجمع المعلومات: الدراسات السابقة والمعلومات والوثائق الموجودة في الوزارات المختلفة، والمقابلات المعمقة مع الخبراء من هذه الوزارات. تناولت الدراسة جميع الوزارات الفلسطينية التي تكرَّر تغيير الوجوه الوزارية فيها ثماني مرات فأكثر بوصفها مجتمعًا للدراسة. في المستوى الإداري المهني، قابل الباحث 34 شخصًا من المسؤولين المعنييّن في الإدارة العليا (وكيل وزارة، وكيل مساعد، مدير عامّ الشؤون الإدارية والمالية) أو من هم في مستوى الإدارة العليا من قادة المؤسسات الحكومية التابعة لوزارة ما. ويعتقد الباحث أن مقابلة هذه الفئة تصب في مصلحة الدراسة؛ بسبب تأثرهم المباشر بالتغيُّ المتكرر للحكومات الفلسطينية. واشترط الباحث لتعزيز صدق دراسته، أن يكون المقابَل من هذه الفئة قد عمل مع ثلاثة وزراء على الأقل. أما بشأن المستوى السياسي فقد اختار الباحث عيِّنة قصدية ممثّلة بخمسة أشخاص من الوزراء السابقين أو الحاليين، على أن يكون الشخص قد شغل منصب رئيس حكومة أو وزيرٍ، أكثر من ثلاث مرات.

مصطلحات الدراسة

تغيير الحكومات الفلسطينية: تغيير الحكومات الفلسطينية كاملً، بما في ذلك رئيس الوزراء وتكوين حكومة جديدة، أو التعديلات الوزارية التي قد تذهب ببعض الوجوه وتأتي بوجوه جديدة. وهناك أيضًا وزارات احتفظت بالوجه نفسه، حتى بعد التغيُّ الكامل للحكومة. السياسات العامة: عرف جيمس أندرسون السياسات العامة بأنها: مجموعة من الأنشطة الهادفة والثابتة نسبيًا، ينفذها لاعب أو مجموعة لاعبين في مجال الحكم؛ من أجل حل مشكلة أو مشكلات عامة. ويركز تعريف أندرسون في الفاعلين في مجال الحكم، ويقصد الحكومة ومؤسساتها ومن يساندها أو يعمل معها لتنفيذ برامجها، ويركز كذلك في الأنشطة المقصودة التي هي أنشطة هادفة goal actions oriented وليست عشوائية. كما يشير أندرسون في تعقيبه على التعريف إلى أن السياسات العامة هي ما يتم تنفيذه على أرض الواقع done actually، لا ما تنوي الحكومة فعله أو يفترض أن تفعله 1done be to intended. ويعرّفها جون كنغدون بأنها: عملية إعداد

  1. James Anderson, Public Policy Making , 5th ed. (USA: Houghton Mifflin Company, 2003), pp. 2 - 3.

الأجندة الحكومية (للحكومة ومؤسساتها) وتحديد البدائل، واختيار البديل أو البدائل الأفضل ثمّ تنفيذها أو تحويلها إلى برامج وأنشطة عملية، ويجمع تعريف كنغدون عمليتي صنع السياسات العامة وتنفيذها2. تركز هذه الدراسة، مستفيدة من التعريفات السابقة الذكر، في عمليتي صنع السياسات العامة وتنفيذها، ومسألة الثبات النسبي لأنشطة السياسات العامة وأهدافها. وقد تجنَّب الباحث استخدام مصطلح استقرار السياسات العامة أو السياسات العامة المستقرة؛ لتجنب إضفاء صفة الاستقرار (الثبات وعدم التطور) لعمليات السياسات العامة، في حين أنها عمليات ديناميكية معقدة، لكن ما يهمنا حال كوننا دارسين لموضوعها، كما يشير أندرسون، أنها تؤتي عوائدها المستقبليّة3، أو كما يسميها الباحث، آثارها المستدامة. استدامة السياسات العامة: يقصد بها في هذه الدراسة قدرة الحكومة عمومًا والوزارات منفردة خصوصًا، على صنع سياسات مستقرة وتنفيذها، بحيث لا تتأثر كثيرًا بالبيئة الخارجية، بما فيها الضغوطات السياسية المسببة للتغيير الحكومي؛ إذ يُفترض أنّ استدامة السياسات العامة تنعكس إيجابيًا على قدرة فريق الحكومة أو الوزارة على العمل بأريحية، وتقديم خدمة أفضل، وتقليل الصراعات، وترك أثرها، وإبقائها للأجيال القادمة. وفي هذا الصدد، يجادل فيليب كوبر في أن أحد أهم أسباب نجاح السياسات العامة هو الاستدامة. فالإخفاق، بحسب كوبر، في تحقيق سياسات مستدامة ماليًا وقانونيًا وإداريًا وسياسيًا وحتى أخلاقيًا يؤدي حتمً إلى فشل هذه السياسات4. كما أشار جيمس سبولكا وروبرتا دارلن إلى أهمية الاستدامة وأثرها في إصلاح السياسات التعليمية في ولايتي ميرلاند ونيومكسيكو الأميركيّتين، وخلصت الدراسة إلى أن السياسات التعليمية في جامعات الولايتين ليست مستدامة5. تسييس الوظيفة الحكومية: Public job politicization إخضاع الوظيفة الحكومية للحسابات السياسية والاستقطاب السياسي، وخصوصًا انتماء الوزير إلى تيار سياسي معيّ (فتح أو حماس مثلً) وشخصيته ورغبته في إحداث تغييرات في وزارته لأسباب غير مهنية، منها تغليب مصلحة التيار السياسي الخاصة، على المصلحة العامة التي يفترض أن الوظيفة الحكومية تسعى لتحقيقها، ومنها أيضًا إلغاء قرارات إدارية اتخذها الوزير السابق، وتعيين مقرَّبين منه في مناصب رفيعة لضمان الولاءات السياسية، وإلغاء الخطط الإستراتيجيّة السابقة أو بعض بنودها أو عدم الرغبة في تنفيذها، لأسبابٍ غير مهنية. وعلى الرغم من وجود تسييس في الوظيفة العامة في رأي كثيرين6، فإنّ هناك نوعًا آخر من التسييس، وهو تغليب مصلحة الوزير على حساب مصلحة الوزارة، في التعيينات والقرارات الإدارية. التنقلات الإدارية: يقصد بها في هذا البحث إعادة هندسة المناصب العليا في الوزارة بما يلائم رغبة الوزير الجديد، وليس لأسباب مهنية، وكذلك منح صلاحيات إضافية لبعض الموظّفين، بناء على رغبة الوزير الجديد، وحجب الصلاحيات عن آخرين لأسباب غير مهنية. المؤسسات الشريكة: هي المؤسسات أو الوزارات التي تشترك مع الوزارة المعنية في تنفيذ سياسات عامة بينية، تتقاطع أهدافها مع هذه الوزارات أو المؤسسات. مثلً؛ تحتاج وزارة الحكم المحلي، لتنفيذ سياساتها، إلى العمل والتعاون مع وزارة المالية، والداخلية، والمحافظات، البلديات وغيرها من المؤسسات التي لا يمكن تنفيذ السياسات العامة إلا بالتعاون معها.

مراجعة نقدية للدراسات السابقة

يتناول هذا المبحث مراجعة نقدية للدراسات السابقة التي يتناول بعض منها الحكومات الفلسطينية المختلفة، مباشرة، خلال الحديث عن الإصلاح السياسي والإداري في السلطة الفلسطينية. جاءت هذه الدراسات في معظمها أوراقًا علميةً، عرضت في مؤتمرات حول الإصلاح، بينما تناول قليل من الباحثين موضوع الحكومات على نحو منفردٍ ومعمَّقٍ. وعمومًا، تعدُّ الدراسات التي تناولت الموضوعات التي من ضمنها موضوع الحكومات الفلسطينية، قليلة نسبيًا؛ إذ تأتي دراسة الباحث لتغطي جوانب جديدة لم تُبحث من قبل، كما أشرنا إلى ذلك سابقًا. ويمكن تقسيم الدراسات السابقة، من أجل تبسيط المراجعة النقدية لها، إلى قسمين: أوراق علمية نشرت في مؤتمرات حول إصلاح القطاع الفلسطيني العام، وكتب ومقالات تناولت جزئيات محددة حول الحكومات الفلسطينية. أمّا بخصوص الدراسات الإقليمية والعالمية حول الموضوع، فقد ارتأى الباحث أن يستفيد منها في الإطار النظري للدراسة؛ كونها تعبِّ عن أفكارٍ ومدارسَ في الحكم أكثر من كونها دراسات متخصصة. فالمدرسة الأميركيّة في تأليف الحكومات، تتميز بأن الحزب الحاكم يأتي بالسياسيين بوصفهم وزراء، ويأتي بقادة تنفيذيينٍ مهنيين للمناصب الإدارية العليا من الحزب نفسه، بينما يرحل هؤلاء (أي السياسيون والمهنيون من الفئة العليا) كلُّهم، إذا خسر الحزب الانتخابات التالية. أمّا المدرستان الفرنسية والإيطالية في تأليف الحكومات، فتتميزان، وخصوصًا المدرسة الإيطالية، بتغيُّ متكرّرٍ للمستوى السياسي واستقرار يضمنه القانون في مناصب التنفيذيين

  1. John W. Kingdon, Agendas, Alternatives and Public Policies , 2nd ed. (USA: Addison-Wesely Education Publishers Inc, 2003), p. 3.
  2. Anderson, p. 143.
  3. Phillip Cooper & Claudia Maria Vargas, Implementing Sustainable Development: From Global Policy to Local Action (USA: Rowman & Littlefied Publishing Group, Inc., 2004), pp. 13 - 14.
  4. James Cibolka & Robarta Derlin, “Accountability Policy Adaption to
  5. Policy Sustainability: Reforms and Systematic Initiatives in Colorado and Maryland,” Education and Urban Society , vol. 30, no 4 (1998). 6 علي الجرباوي، مقابلة شخصية، رام الله، 015/4/232؛ سلام فياض، مقابلة شخصية، رام الله،.2015/4/20

المهنيين. وعلى الرغم من تغيُّ الحكومات في النموذجين كليهما، فإن السياسات العامة تتسم بالاستدامة؛ الأمر الذي يترك انعكاسات إيجابية على نوعية الخدمة العامة التي يتلقاها مواطنو البُلدان المذكورة.

1. الأوراق العلمية المنشورة في المؤتمرات والتقارير الصادرة عن مؤسسات متخصصة

ركز هذا النوع من التقارير والأوراق العلمية في موضوع واحد7، هو موضوع الإصلاح السياسي والإداري لمؤسسات السلطة الفلسطينية. وتناولت معظم الأوراق والمداخلات التي تضمنتها هذه المنشورات قضايا هي أساسًا عناوين واهتمامات لمؤتمرات نظمتها المؤسسات الراعية لها. فعلى سبيل المثال، تناول نبيل قسيس8 الموضوع السياسي (الانقسام والانفصال الجغرافي) سببًا من أسباب الترهل الإداري لمؤسسات السلطة الفلسطينية. وشخَّص التشوهات التي شابت الهياكل الإدارية لمؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية عند تكوّنها بعد أوسلو، كما ركز في أهمية "نظام اللامركزية الديمقراطية" الذي اقترحه المؤلف؛ للانتقال بالسلطة الفلسطينية من الوضع الراهن إلى وضع الدولة، إذ تؤدّي الحكومة "الرشيقة" ومؤسساتها دورًا "مهمًّ ومحدودًا ومسؤولً " في الحكم الرشيد، إلا أن المؤلف أكد في خلاصة ورقته أن الحكومة "الرشيقة" المكونة من كفاءات مشهود لها بالنزاهة والمهنية، لا يمكن أن تحقِّق رؤيتها في الحكم من دون دعم القيادة السياسية، حتى تتمكن من العمل على نحو مستقرٍّ. وقد مثَّلت خلاصة المؤلف أساسًا لمشكلة الدراسة؛ إذ كيف لحكومة/ حكومات جاءت نتيجة لتجاذبات وصراعات سياسية وتسويات داخلية وضغوطات خارجية، والأهم من ذلك أنها (أي الحكومات) لم يكمل أي منها سنةً في الحكم 8(1 حكومة منذ تأسيس السلطة الفلسطينية حتى الآن)، أن تتمكن من الاستجابة لرؤية تتطلب بالضرورة أجواءً مستقرة حتى تتمكن من إحداث التغيير والإصلاح المنشود من خلال سياسات مستدامة. تناول تقرير الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق الإنسان 999()1 الذي أعده الباحث عزيز كايد موضوع "تداخل الصلاحيات في مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية." وهدف التقرير إلى الكشف عن مواطن الخلل في البنية الإدارية والتنظيمية لمؤسسات السلطة وممارساتها، وقدم معدّ التقرير توصيفًا سريعًا لإشكالية تداخل الصلاحيات بين الأجهزة التنفيذية للسلطة، وتداخل الصلاحيات بين السلطات الثلاث، ومشكلة التضخم الوظيفي ومشكلة الترهل الإداري الناتج منها. إلا أن التقرير لم يتناول أساس هذه المشكلات كغياب الإطار القانوني الواضح الذي ينظم العلاقة بين مؤسسات الحكم والسلطات الثلاث. كما أن التقرير لم يتعرض لجذور المشكلات التي وصفها، أي الموضوع السياسي أو كما يسميها الباحث "تسييس الوظيفة العامة." تناول تقرير مؤسسة أمان حول مؤتمرها السنوي الثالث 007()2 موضوع "صراع الصلاحيات وغياب المسؤوليات في السلطة الوطنية الفلسطينية"، وركَّز المتحدثون في أوراقهم ومداخلاتهم، في موضوع النظام السياسي الفلسطيني "المختلط - رئاسي برلماني" الذي يرأس فيه شخص واحد منصبَي: رئيس السلطة، ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، كما يسوده الصراع على الصلاحيات بين السلطة بمؤسساتها والمنظمة بمؤسساتها الموازية. ولم يقدِّم التقرير حلولً عمليةً لمشكلة صراع الصلاحيات في مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، بقدر ما وصف هذه المشكلة وشخَّصها9. لخص تقرير للباحث عزيز كايد خلاصة وقائع ورشة عمل نظمها مركز البراق للبحوث والثقافة بعنوان: "خارطة حكومة أول رئاسة وزراء فلسطينية"10. وقد ركزت معظم الأوراق التي تضمنتها ورشة العمل في موضوع الصراع السياسي الذي دار حول مسألة استحداث منصب رئيس وزراء في السلطة الفلسطينية (الذي شغله لأول مرة محمود عباس.) خلص التقرير إلى أن منصب رئيس الوزراء الفلسطيني استحدث لأسباب سياسية وأمنية، هدفت أساسًا إلى سحب الصلاحيات من الرئيس عرفات الذي فقد آنذاك ثقة الأميركييّن والإسرائيليين بوصفه شريكًا للسلام، وليس استجابة لمتطلبات الإصلاح الداخلي كما ادّعى المدافعون عن موضوع الإصلاح على الرغم من ضرورته. وعلى الرغم من تخصص التقرير في معالجة إشكاليات خريطة حكومة أول رئيس وزراء، من دون التطرق إلى حكومات أخرى، فإنّ الدراسة ستستفيد من التقرير بوصفه حالة (دليلً) داعمة لفرضية الانعكاس السلبي لتسييس الوظيفة العامة على استدامة السياسات الحكومية، وتحديدًا في موضوع الضغوطات السياسية الداخلية والخارجية التي تصاحب تكوين الحكومات، كما سيأتي بيان ذلك.

2. الكتب والمقالات العلمية

تتميز هذه المجموعة من الأدبيات المتعلقة بموضوع الدراسة بتخصصها أكثر من سابقتها، تعكس وجهة نظر باحث واحد، وليست تقارير تعكس أكثر من وجهة نظر، فالتنوع في المجموعة الأولى مفيد؛ لأنه يعطي الباحث وجهات نظر مختلفة وإن كانت غير معمقة،

  1. انظر على سبيل المثال: نبيل قسيس، "ملاحظات ختامية"، في: 7 أوراق مؤتمر أمان السنوي الثالث (رام الله: منشورات مؤسسة أمان، 007)2؛ "التقرير السنوي: حول تداخل الصلاحيات في مؤسسات السلطة الفلسطينية"، الهيئة العامة المستقلة لحقوق الإنسان (رام الله: بدون دار نشر، 999)1؛ باسم الزبيدي وآخرون، حول الإصلاح جذوره ومعانيه وأوجه استخدامه (بيرزيت: معهد أبو لغد للدراسات الدولية،.)2005
  2. نبيل قسيس، "بناء الهيكلية المناسبة والفاعلة للسلطة الوطنية الفلسطينية بالرغم من
  3. انظر على سبيل المثال: مداخلة علي الجرباوي، في: أوراق مؤتمر أمان، ص 13-11 عزيز كايد، "خارطة حكومة أول رئاسة وزراء فلسطينية"، 10 الهيئة العامة المستقلة لحقوق المواطن (رام الله: مركز البراق للبحوث والثقافة،.)2003
  4. وحدة الاقتصاد الفلسطيني رافعة رئيسية لإنهاء الاحتلال (القدس الانفصال الجغرافي"،: منشورات معهد ماس،.)2011

أمّا التخصص في المجموعة الثانية فيعطي الباحث نظرة معمَّقة حول القضايا التي تحيط بالبحث. فعلى سبيل المثال، قدم محمود دودين11 دراسة مفصّلة حول أداء الحكومة العاشرة (حكومة حماس) التي تألَّفت لأول مرة نتيجة لانتخابات سادها التنافس بين حركتين كبيرين في العمل السياسي الفلسطيني؛ حركتي حماس وفتح. وقام الباحث دودين بمراجعة نقدية لأداء الحكومة العاشرة من خلال النظر في مدى انسجامها مع ما جاء في برنامجها الانتخابي وبيانها الوزاري، وسلط الباحث الضوء على فكرة الإدارة الرشيدة في الحكم الذي ورد في برنامج قائمة الإصلاح والتغيير، بينما افتقر أداء الحكومة، واقعيًّا، إلى الخطط والسياسات التي تترجم رؤيتها على أرض الواقع. وعلى الرغم من تخصص دراسة دودين في الحكومة العاشرة فقط، فإنّ الدراسة ستستفيد منها؛ لكون الحكومة العاشرة هي الوحيدة التي تكوَّنت على أساس نتيجة انتخابات أتت بالمعارضة (حركة حماس) إلى سدة الحكم، فقد تضمّن تكوين الحكومة وجوهًا كلُّها جديدة، حاولت فرض أجندة حكم جديدة لم يُكتب لها النجاح. وفي السياق السابق نفسه، قدم الباحث سليمان فهد12 في كتابه قراءة في الحكومات الفلسطينية من إقامة السلطة إلى انتخابات التشريعي الثاني مراجعة نقدية لظروف تكوين الحكومات وحيثياتها، منذ تأسيس السلطة حتى انتخاب المجلس التشريعي الثاني، وركز الباحث في الأبعاد السياسية والأمنية التي أحاطت بتأليف الحكومات التي جاءت على حساب البعد المهني السياساتي الذي ستركز فيه الدراسة. فضلً عن ذلك، تتناول الدراسة حدودًا أوسع من الدراسات السابقة فتدخل حكومات ليست محسوبة على الحزب الحاكم، إن جاز الوصف، من خلال النظر إلى الحكومات التي جاءت بعد 0062 كانت برئاسة شخصيتين مستقلتين (لا من فتح ولا من حماس)، والمقصود الحكومات التي شكلها سلام فياض ورامي الحمد الله.

القيمة المضافة إلى دراسة الباحث

تتميز هذه الدراسة بالشمولية؛ إذ تتناول تغيُّ الحكومات منذ تأليف أول حكومة فلسطينية حتى آخر حكومة (حكومة الوفاق برئاسة رامي الحمد الله.) من ناحية ثانية، تتناول الدراسة متغيِّ ات لم تُطرح سابقًا (في حدود علم الباحث)، هما: تغيير الحكومات (الوجوه الوزارية) وانعكاساته على المتغيُّ الثاني، وهو استدامة السياسات العامة، كما تم تعريفها في مبحث مصطلحات الدراسة. أمّا من حيث المنهجية، فتتميز هذه الدراسة بأنها بحث ميداني يعتمد على آراء سياسيين ومهنيين مارسوا الحكم (رؤساء حكومات، ووزراء سابقين، ووكلاء وزارات، ووكلاء مساعدين، ومديرين عاميّن، ورؤساء مؤسسات حكومية، وخبراء في الحالة الحكومية الفلسطينية) وهؤلاء كلّهم، لهم خبرات وتجارب لا يمكن إغفال أهميتها، بل من الصعب إنجاز دراسة في هذا الشأن من دون الرجوع إليها.

عملية تأليف عمل الحكومات والوزراء وإنهائها

لعله من المفيد البدء بمناقشة قضايا مهمّة حول طبيعة النظام السياسي الفلسطيني، كالبعدين القانوني والسياسي لتأليف الحكومات الفلسطينية قبل البدء بالحديث عن البعد الإداري، لانعكاس تغيُّ الحكومات على استدامة السياسات العامة. فالبعدان القانوني والسياسي مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالموضوع الإداري ويساعدان على فهم العلاقة المفترضة بين التغيُّ المتكرر للحكومات واستدامة السياسات العامة، ويناقش هذا المبحث آلية تأليف الحكومات الفلسطينية، والاستحقاقات القانونية المتعلقة بالقانون الأساسي الفلسطيني في تأليف الحكومات، والتقاليد السياسة المتبعة في تشكيلها والضغوط السياسية التي تمارس داخليًا وخارجيًا عند تأليفها.

1. المحددات القانونية

ينص القانون الأساسي الفلسطيني في الباب الثالث، المادة 45()، على أن "يختار رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية رئيس الوزراء ويكلفه بتأليف حكومته." تاريخيًا، خضع هذا الاستحقاق، غالبًا، للاعتبارات السياسية، ويستثنى من ذلك تكليف الرئيس محمود عباس لإسماعيل هنية (وهو من غير الحزب الحاكم أو التيارات السياسية المحسوبة على منظمة التحرير) بتأليف الحكومة العاشرة بعد فوز حركة حماس في الانتخابات، وسنأتي على استحقاق التقاليد السياسية والضغوط السياسية في بند لاحق. وبحسب المادة 65() من القانون الأساسي، يتولى رئيس الوزراء المكلف من طرف رئيس السلطة الوطنية تأليف حكومته خلال ثلاثة أسابيع من تاريخ اختياره، وله الحق في مهلة أخرى أقصاها أسبوعان فقط، وإذا أخفق في تأليف حكومته خلال الموعد المذكور، أو لم يحصل على ثقة المجلس التشريعي، وجب على رئيس السلطة الوطنية استبدال آخر به خلال أسبوعين من تاريخ إخفاقه أو تاريخ انعقاد جلسة الثقة13، إلا أن الحكومات الفلسطينية، منذ انعقاد جلسة الثقة التي نالت من خلالها الحكومة الفلسطينية العاشرة برئاسة

  1. محمود دودين وموسى عيسى، الأداء الإداري للحكومة الفلسطينية العاشرة (رام الله: معهد السياسات العامة، 007)2، ص 6 - .16
  2. سليمان فهد، 12 قراءة في الحكومات الفلسطينية: من إقامة السلطة إلى انتخابات التشريعي الثاني (رام الله: د.ن.، 006)2، ص .15-4
  3. انظر: القانون الأساسي الفلسطيني المعدل، 005()2، الباب الثالث، المادة 45، ص 12؛ الباب الخامس، المادة 65، ص .17

إسماعيل هنية ثقة المجلس التشريعي، لم تعرض على المجلس لنيل الثقة؛ بسبب غياب المجلس التشريعي؛ الأمر الذي أدى إلى اطمئنان القوى المختلفة (رئيس السلطة، رئيس الوزراء، الأحزاب والحركات وكذلك الوزراء) إلى عدم إمكانية حدوث حجب ثقة عن الحكومة أو عن بعض وزرائها. فجلسة الثقة تعني على الأقل؛ أن المجلس سيقرأ البيان الوزاري لرئيس الحكومة والوزراء ويستمع له ويناقشه، وفي الحصيلة، يصوت على الثقة بالحكومة والوزراء أو حجبها. والسؤال المطروح في هذا الصدد: هل تكفي ثقة رئيس السلطة الفلسطينية وحدها لتأليف حكومة قادرة على صنع سياسات عامة مستدامة وتنفيذها؟ ثم إن رئيس السلطة أصلً يضع ثقته برئيس الوزراء (باختياره) وليس بالوزراء؛ وهو ما يزيد من إمكانية اطمئنان الوزراء (بالمعنى السلبي) لعدم وجود طرف ثالث محايد (وفي هذه الحالة يفترض أن يكون المجلس التشريعي) يحاسب أداءهم ويراقبه، أو حتى ينظر في إمكانية وجود برنامج حكومي لهم أصلً. وبناءً عليه تبقى أمور صوغ السياسات العامة وتنفيذها خاضعة لاجتهادات الحكومة برئيسها ووزرائها، فبحسب المادة 71() يختص كل وزير في إطار وزارته خصوصًا بما يلي: اق اررح السياسة العامة لوزارته والإشراف على تنفيذها بعد إقرارها. الإشراف على سير العمل في وزارته وإصدار التعليمات اللازمة لذلك. تنفيذ الموازنة العامة ضمن الاعتمادات المقررة. إعداد مشاريع القوانين الخاصة بوزارته وتقديمها لمجلس الوزراء. يجوز للوزير تفويض بعض سلطاته إلى وكيل الوزارة أو غيره من موظفي الإدارة العليا في وزارته وفي حدود القانون. وربما يعدُّ الاختصاص الأول (اقتراح السياسة العامة للوزارة والإشراف على تنفيذها) الأهم من بين الاختصاصات الخمسة التي يحددها القانون الأساسي للوزير؛ لأن الاختصاصات الأربعة الأخرى تعتمد عليه سواءٌ أكان ذلك من خلال الإشراف على سير تنفيذها أم استخدام الموازنة اللازمة للتنفيذ أم إعداد مشاريع قوانين تساعد في العملية (صوغ السياسات وتنفيذها)، أو حتى تفويض الصلاحيات إلى الآخرين عند الضرورة. والسؤال المطروح من خلال النظر إلى إشكالية الاستدامة بوصفها ضرورة لأي سياسة عامة، هو: كيف يتم إقرار السياسات في كل وزارة؟ وما المرجعية التي على أساسها تُقترح السياسات؟ أهي البيان الوزاري المصدّق (بالثقة) من المجلس التشريعي إن وجدت؟ أم هي ثقة رئيس السلطة؟ وفي الحالة الثانية: أهذا من صلاحيات رئيس السلطة واختصاصاته؟ أم أن الأمر متروك لاجتهادات الوزير في وزارته وقدرته على إقناع رئيس الحكومة بوجهة نظره، والتي ستمثِّل، في هذه الحالة، السياسات العامة للوزارة؟ سنحاول، من دون شك، الإجابة عن هذه التساؤلات، إلا أنه يمكن الاستنتاج مبدئيًا؛ أن غياب المجلس التشريعي صاحب الصلاحية المتمثلة بوضع القوانين والتشريعات وتعديلها، بما فيها القانون الأساسي والتصويت للثقة بالحكومة ومساءلة الوزراء ومحاسبتهم، أثّر سلبيًا في التزام الحكومات المتعاقبة والمتغيِّة بوتيرة عالية (أقل من سنة لكل حكومة) بوضع سياسات عامة مستدامة وتنفيذها. وسنرى لاحقًا إنْ كان هذا الاستنتاج المبكر المبني على المراجعة القانونية والتشريعية سيلقى دليلً داعمً في نقاش الجدلية السياسة التي تصاحب تأليف الحكومات.

2. المحددات السياسية

على الرغم ممّ يقال عن ديمقراطية الاختيار الفلسطيني، سواءٌ أكانت في اختيار رئيس الوزراء أم الوزراء، وضرورة توافق هذا الاختيار مع الأجواء السياسية الفلسطينية العامة (كنتائج الانتخابات مثلً)، فإن إشكالية الضغوط الخارجية مهيمنة على خيار رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية في اختيار رئيس الوزراء، واختيار رئيس الوزراء للوزراء، وتحديدًا، الوزارات ذات العلاقة بالحالات الأمنية. ويتمثل الضغط الخارجي بالثنائي الأميركيّ الإسرائيلي، وأحيانًا يظهر الضغط الأوروبي، ممثلً بتقديم الأموال المشروطة للحكومة الفلسطينية لدفع مستحقاتها وتنفيذ مشاريعها. إن استحداث منصب رئيس الوزراء في 0032 كان تغييرًا مفصليًا في بنية النظام السياسي الفلسطيني، فقد ذهب بعضهم إلى تسمية هذه المرحلة ب "العهد الثاني للسلطة الوطنية الفلسطينية"14. وعلى الرغم من الضغوط الدولية التي طالبت بالإصلاح بسبب الفساد وضعف الأداء الذي صبغ عمل الحكومة الثانية، واضطرار الرئيس عرفات، في ذلك الحين، إلى إقالتها وتأليف حكومة جديدة في 9 حزيران/ يونيو 0022، فإن هذه الحكومة لم تكن أحسن أداءً من سابقتها، فاستقالت في 11 أيلول/ سبتمبر 0022؛ تفاديًا لحجب الثقة عنها في المجلس التشريعي. بعد ذلك، أعلن الرئيس عرفات عن تأليف حكومة جديدة في 92 تشرين الأول/ أكتوبر 002.2 لكنها لم تستمر أكثر من ستة أشهر بسبب الضغوط الخارجية (الأميركيّة والإسرائيلية تحديدًا) لاستحداث منصب رئيس الوزراء. يجادل كثير من المهتمين بالنظام السياسي الفلسطيني في أن بداية الضغط العلني الأميركي - الإسرائيلي جاءت بعد أن أيقن الطرفان عدم إمكان الاستفادة من الرئيس ياسر عرفات لتحقيق المآرب الإسرائيلية،

  1. كايد، ص.9

وعدم عَدِّه "شريكًا للسلام." وتحديدًا، تُرجم الموقف الأميركيّ من خلال الإعلان في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 0042، عن خريطة الطريق التي تضمنت ضرورة التزام الجانب الفلسطيني استحداث منصب رئيس وزراء يمتلك صلاحيات واسعة، ويكون قادرًا على التعامل مع السياسة الأميركيّة والإسرائيلية ب "إيجابية ومرونة واعتدال"15. وعلى الرغم من رفض الجانب الفلسطيني للضغوط الأميركيّة - الإسرائيلية ومبدأ "التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية الفلسطينية" في مسألة استحداث منصب رئيس الوزراء، فإنّ الضغط الميداني على الرئيس الفلسطيني من خلال التضييق والحصار، والإهمال المتعمد للحالة الفلسطينية من طرف السياسة الخارجية والأميركيّة، أجبر الرئيس ياسر عرفات على الإعلان، فجأةً، في 92 نيسان/ أبريل 0032 عن موافقته على تعيين رئيس للوزراء، كوَّن محمود عباس، بعدها، حكومة فكان أول رئيس للوزراء. من ناحية أخرى، ظهر تأثير الضغط الإسرائيلي ومن ورائه الضغط الأميركيّ في النواحي الأمنية في تأليف الحكومة، فقد تمّ استحداث وزارة الداخلية إلى جانب وزارة الأمن الداخلي، وتم إلحاق الأجهزة الأمنية بها، في محاولة، على ما يبدو، لتجاوز صلاحيات وزارة الأمن الداخلي التي كانت تخضع لنفوذ الرئيس عرفات. والجدير بالذكر أن حكومة محمود عباس شهدت مخاضًا عسيرًا، قبل ولادتها، مع رئاسة السلطة الفلسطينية (بقيادة الرئيس الراحل ياسر عرفات)، على الرغم من انتماء الطرفين إلى حركة فتح. كان ذلك - كما تم ذكره - من أجل سحب الصلاحيات من الرئيس عرفات. ولم يتم التوافق بين الرئاسة ورئاسة الوزراء على تشكيلة الحقائب والأسماء، إلا بعد وساطة مدير المخابرات المصرية عمر سليمان، وبإيحاء أميركي - إسرائيلي للتدخل16. ومن خلال عملية مقارنة، فإنّ حقبة الرئيس محمود عباس اختلفت عن حقبة الرئيس ياسر عرفات، ويشير سلام فياض رئيس الوزراء الأسبق (عاصر الرئيسين كليهما) إلى أن التوافق بين رئاسة السلطة ورئاسة الوزراء كان سمة المرحلة التي شغل فيها منصب رئيس الوزراء؛ فرئيس الوزراء، بحسب فياض، "له حق الاختيار بينما رئيس السلطة له حق الاعتراض." وفي الحصيلة؛ حكومة توافقية ممثِلة للأطياف والأبعاد كلِّها التي ترغب في المشاركة، وتنال رضًا عامًّا17 من الأطراف الخارجية والداخلية الفاعلة على الساحة الفلسطينية كافّة. يُلْقي الضغط الخارجي بظلاله على الوضع الفلسطيني الداخلي؛ فهناك الصراع على البرامج السياسية، المتضاربة، بل المتناقضة أحيانًا للفصائل الفلسطينية التي تتألف منها الحكومات الفلسطينية، وتحديدًا الصراع بين برنامجي حماس وبعض فصائل منظمة التحرير المعارضة (التي ترى في المقاومة طريقًا لحل الصراع مع إسرائيل) وفتح (التي ترى في المفاوضات طريقًا لحل الصراع)، وهذا موضوع معروف ولا حاجة إلى ذكر تفاصيله. وهناك أيضًا الصراع على الصلاحيات بين مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية ممثلة بالوزارات ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك الصراع على الصلاحيات بين أقطاب الحكم الثلاثة؛ الرئاسة والحكومة والمجلس التشريعي. ومن الأمثلة على انعكاس الضغط الخارجي على الوضع الفلسطيني الداخلي، وخصوصًا تأليف الحكومات؛ وجود سلام فياض على رأس وزارة المالية منذ الحكومة الرابعة حتى الحكومة الثالثة عشرة (باستثناء الحكومة العاشرة حكومة حركة حماس)، فضلً عن شغله منصب رئيس الوزراء في كثير من الحكومات. عكس وجود سلام فياض، وهو من خارج الحزب الحاكم، على رأس وزارة المالية طوال فترة طويلة، رغبة الطرفين الأميركي والإسرائيلي في وجود إدارة "شفافة" لأموال السلطة الوطنية، وخصوصًا الأموال التي تأتي من المانحين لضمان عدم تمويل أنشطة لا يرغب الطرفان الأميركيّ والإسرائيلي فيها18. لم يُخْفِ الرئيس ياسر عرفات، منذ البداية، رغبته في الهيمنة على مسألة تأليف الحكومات الفلسطينية بعد أن انتزع منه قرار الموافقة على استحداث منصب رئيس الوزراء، كما ذكرنا سابقًا، فقد تقدم الرئيس عرفات حينئذ بمقترح للمجلس التشريعي لتعديل القانون الأساسي ليتيح لرئيس السلطة الوطنية التدخل في تأليف الحكومة، من خلال إلزام رئيس الحكومة بعرض حكومته على رئيس السلطة أو التشاور معه حولها، وقد رفض المجلس التشريعي هذا المقترح19. ومن خلال العودة إلى مبدأ التوافق الذي تحدث عنه سلام فياض وأكّده المقابَلون من المستوى السياسي كافّة، فإن حقبة الرئيس محمود عباس تتسم كذلك، بتدخل الرئيس، باسم التوافق، في تأليف الحكومات منذ تسمية رئيس الوزراء وتكليفه بتأليف الحكومة، وخصوصًا في ظل غياب دور المجلس التشريعي الذي من المفترض أن ينظر من خلال جلسة الثقة في أهلية الحكومة والوزراء (من خلال منح الثقة.) من ناحية أخرى، يخضع تأليف الحكومات الفلسطينية لضغط كبير من مراكز القوى الفلسطينية المختلفة، مثل: فصائل منظمة التحرير ومؤسساتها، ومراكز القوى داخل حركة فتح، بما فيها اللجنة المركزية للحركة، والمجلس الثوري، ومؤسسة الرئاسة، وقادة الأجهزة

  1. المرجع نفسه، ص.15
  2. المرجع نفسه، ص.16
  3. أشار بعض المقابَلين إلى وجود ضغوطات خارجية تمارس بخصوص وزارتي الداخلية والخارجية، إلا أن سلام فياض رئيس الوزراء الأسبق، رفض ما يقال حول وجود ضغوطات من أي طرف كان، لكنه أكد مبدأ التوافق الذي يعني ضمنيًّا اختيار شخصيات مقبولة لدى مؤسسة الرئاسة (إن لم تكن مرشحة من طرفها) ومؤسسات منظمة التحرير وهي كذلك
  4. المرجع نفسه، ص.17 19 فهد، ص.25
  5. مقبولة دوليًا.

الأمنية المختلفة. وفي هذا الصدد، يشير علي الجرباوي20 إلى تحوُّل النظام السياسي الفلسطيني إلى "نظام المغنَم"؛ إذ يصبح النظام السياسي مغنمً للفصيل أو الفصائل، الأمر الذي يؤدي إلى وجود نظام محاصصة في تأليف الحكومات الفلسطينية21. وهنا لا بد من التفريق بين نظام المغنم الذي يطرحه الجرباوي والتحالفات التي يضطر رئيس الوزراء في دول ديمقراطية كثيرة إلى عقدها مع أحزاب سياسية، موجودة في البرلمان ولها برامج سياسية، لضمان حكومة مستقرة، ويتطلّب هذا الأمر إرضاء هذه الأحزاب بحقائب وزارية ترغب في الحصول عليها. والمشكلة في نظام المغنم الذي ينتج منه نظام المحاصصة، أنه يرضي الأحزاب والحركات السياسية بحقائب وزارية أو مناصب عليا، من دون وجود برامج سياسية يمكن تحويلها إلى برامج سياساتية مستدامة، ولعل الدليل على ذلك التغيُّ المتكرر للحكومات الفلسطينية بمعدل حكومة لكل سنة تقريبًا. وسنأتي على تفاصيل ماهية الحكومة المستدامة.

3. ماهية الحكومة المستدامة

لا بد من التأكيد أن مصطلح "الاستدامة" (سياسات مستدامة، برامج وخطط مستدامة ... إلخ) لا يعني بأي حال عدم التغيير مطلقًا، فالسياسات العامة تتغيّ بحسب الظروف لخدمة المصلحة العامّة. ويقصد بالاستدامة، في هذا المحتوى، الاستقرار الكافي في الحكومة بما يضمن قدرتها على العمل والتخطيط وصنع سياسات عامة، تخدم المصلحة العامّة للأجيال الحالية وتنفذها، من دون الإضرار بفرص الأجيال المقبلة22. وفي هذا السياق أيضًا يمكن المجادلة في أن الحكومة المستدامة هي الحكومة القادرة على ترك بصماتها الإيجابية في الخدمة العامة ومن ثم التوريث والتراكم لإنجازات يمكن البناء عليها من طرف الحكومات التي تليها. وبالمفهوم العكسي، فإن الحكومة غير المستدامة هي الحكومة التي تتغير كليًّا أو تُعدَّل وزاريًا، بسبب الضغط السياسي الداخلي والخارجي وغير المبني على المصلحة العامة. ويزداد انعكاس تغيير الحكومة سلبيًا على استدامة السياسات العامة إذا كان هذا التغيير متكررًا، كما هي الحال في الوضع الفلسطيني؛ إذ إنَّ هذا التغيير المتكرر يخلق نوعًا من عدم الاستقرار والانسجام مع الجانب التنفيذي المهني في مؤسسات الدولة.

4. ماهية النظام السياسي الفلسطيني وانعكاسه على النظام الإداري

تشير المادة 5() من القانون الأساسي الفلسطيني إلى أن "نظام الحكم في فلسطين نظام ديمقراطي نيابي يعتمد على التعددية السياسية والحزبية، وينتخب فيه رئيس السلطة الوطنية انتخابًا مباشرًا من طرف الشعب، وتكون الحكومة مسؤولة أمام الرئيس والمجلس التشريعي الفلسطيني". إلا أن النظام السياسي الفلسطيني منذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية حتى الآن يتصف بعدم الوضوح وعدم الاستقرار. ونناقش في ما يلي الطريقة التي ألِّف بها النظام السياسي الفلسطيني ومدى صحة بعض الجدليات التي تدور حوله انعكاساتها على السياسات العامة.

5. ولادة النظام السياسي الفلسطيني وتطوُّره

تأثر النظام السياسي الفلسطيني بعملية الانتقال (غير المكتملة) من مرحلة الثورة الي مرحلة الدولة، وهنا يبرز عدم الوضوح في رؤية النظام السياسي، إن جاز الوصف، فهل هو في مرحلة تحرر (ثورة)؟ أم هل هو في مرحلة بناء (دولة)؟ انعكس هذا التخبط وعدم الوضوح في الرؤية على النظام الإداري الذي يُفترض أنه الأداة التنفيذية للنظام السياسي؛ إذ إن متطلبات التحرر تختلف عن متطلبات البناء. وفي هذا الصدد يشير الجرباوي23 إلى أن النظام السياسي الفلسطيني لم ينشأ بغاية أو بقصد أو بتخطيط مسبق، بل جاء وسيلة لتحقيق غاية التسوية السياسية كما أرادها الاحتلال الإسرائيلي والجانب الأميركيّ الراعي لعملية السلام، والدليل على ذلك، بحسب الجرباوي، أنّه في بداية عملية التسوية اعترفت الأطراف الخارجية وخصوصًا المهتمة بعملية السلام، بأن النظام السياسي الفلسطيني نظامٌ رئاسيٌّ بصلاحيّات واسعة للرئيس عرفات؛ لكي يتمكن من تمرير عملية التسوية كما أرادها الطرفان الإسرائيلي والأميركيّ، فلما رفض الرئيس عرفات توقيع تنازلات الحل النهائي، تم سحب الصلاحيات التنفيذية منه ومنحها منصب رئيس الوزراء الذي استُحدث، وترأَّسه محمود عباس، ثم عاد نمط النظام السياسي ومضمونه إلى التغيُّ، فقد عاد التركيز في الصلاحيات الممنوحة لمنصب رئيس السلطة بعد أن انتخب محمود عباس رئيسًا، وتم تحديد صلاحيات رئيس الوزراء، كما زاد من تركيز الصلاحيات بيد رئيس السلطة، غياب المجلس التشريعي أو تغييبه، كما ذكرنا سابقًا. ومن جهة أخرى، يجادل نعيم أبو الحمص24 في أن النظام السياسي الفلسطيني جاء نسخًا عن النظامين السياسييّن المجاورين (مصر والأردن)، بسبب غياب التجربة الفلسطينية العميقة في ممارسة الحكم التي فرضها وجود الاحتلال الإسرائيلي.

  1. الجرباوي، مقابلة شخصية.
  2. علي الجرباوي، "إشكالية الفصل بين السلطات في السلطة الوطنية الفلسطينية"، في: أوراق مؤتمر أمان، ص.17
  3. هذا التعريف مشتق من تعريف لجنة برنتلاند المعروفة رسميًا ب World Commission on Environment and Development 1983، والتي عرفت مصطلح "التنمية المستدامة" بأنه "التنمية التي تضمن تحقيق حاجات الجيل الحالي دون الأضرار بفرص الأجيال القادمة لتحقيق حاجاتهم." انظر: Cooper & Vargas, Implementing sustainable Development: from Global to
  4. الجرباوي، مقابلة شخصية. 24 نعيم أبو الحمص، مقابلة شخصية، رام الله،.2016/7/10
  5. Local Action, p. 3.

وبالعودة إلى الموضوع الأساسي للدراسة، وهو تأليف الحكومات وانعكاسه على السياسات العامة، فإن "النموذج التوافقي" الذي تحدَّث عنه سلام فيّاض وأَكّده باقي المشاركين في عينة الدراسة25 لتأليف الحكومات، سواءٌ أكانت هذه الحكومات سياسية أم تكنوقراط، لا يضمن وجود برنامج سياسي يعكس سياسات عامة مستدامة. فقد سعت هذه الحكومات غالبًا للتوافق مع البرنامج السياسي لرئيس السلطة (الرئيس عرفات والرئيس عباس) باستثناء الحكومة العاشرة التي انبثقت عن فوز حركة حماس في الانتخابات، ولم تدم هذه الحكومة طويلً بسبب تصادم برنامجها السياسي مع برنامج رئيس السلطة. وفي هذا الصدد، أشار أغلب المقابَلين إلى أن التوافق يشمل أيضًا، فضلً عن التمثيل السياسي للفصائل، التمثيل الجغرافي (محافظاتٍ ومدنًا وقرى ومخيماتٍ)، والتمثيل الديني، وتمثيل النساء، فضلً عن الخلفية العلمية والتخصص. وخلاصة القول: إن تجربة التوافق على تأليف الحكومات الفلسطينية، لا سيما الفصائلية منها، بنيت على نموذج "رئيس الحكومة له حق الاختيار ورئيس السلطة له حق الاعتراض لا التسمية أو الاختيار، وبنفس العرف السياسي فإن الفصائل تختار أو تسمي وزرائها بينما لرئيس الوزراء حق الاعتراض"26 وبحسب سلام فياض، فإن المشكلة ليست في مبدأ المحاصصة في حدّ ذاته، بل في واقع الحالة الفلسطينية وغياب الديمقراطية الحقيقية التي تفضي إلى تشاور مكونات حكومة وتوافقها على برنامج سياسي واضح، يفضي بدوره إلى صنع سياسات عامة مستدامة وتنفيذها27.

6. تسييس الإدارة العامة وانعكاسه على السياسات

يرى كثير من المهتمين بالحالة السياساتية الفلسطينية أن القطاع الفلسطيني العام (والوظيفة الحكومية تحديدًا) ما زال مسيَّسًا حتى اللحظة، ويعود ذلك إلى طبيعة النظام السياسي الفلسطيني وتناقضاته التي صاحبت تكوينه. وفي هذا الصدد، يرى الجرباوي28 أن النظام السياسي الفلسطيني "لم يتشكل بتخطيط مقصود بل جاء هكذا دون قصد أو تخطيط." فأثرت فيه الحسابات "التوافقية" (الجهوية، الجغرافية، الفئوية، ما للرئيس وما لرئيس الحكومة ... إلخ) سلبيًا في اتجاه تسييس الوظيفة الحكومية. وهذا بدوره، وجه السياسات العامة إلى خدمة المصالح التوافقية أكثر من المصلحة العامة. من جهة أخرى، يرى سلام فياض أن السبب الأساسي في تسييس العمل الحكومي ليس التغيير الحكومي غير المدروس الذي يعزز التسييس فحسب، بل هو "ذهنية الموظف الحكومي ونظرته للوظيفة الحكومية على أنها ملك للوزير أو الوكيل أو المدير، يعين فيها الأعوان والمعارف والأقارب، فالوظيفة العامة والموظف العام، يجب أن يكونوا مستقلين وأسياد أنفسهم بحكم القانون"29. وهنا لا بد من التطرق إلى موضوع الصلاحيات التي يمنحها القانون (وليس غيره) للموظف العام، وعلاقة ذلك باستقلال الجهاز الوظيفي وانعكاساته على السياسات العامة، فالصلاحيات المستندة إلى القانون تُشعر الموظَّف العام بأنه "سيّد نفسه"، وأنه لا يعمل عند أحد، وغياب القانون المفصل للصلاحيات، يعني بالضرورة إتاحة المجال للأشخاص (الوزير مثلً) للتعامل مع الصلاحيات (منحها أو سحبها)، كأنها جزءٌ من عمله أو ملكٌ له. وسنأتي على نقاشٍ مفصَّلٍ لموضوع الصلاحيات في ما يأتي.

وجهة نظر المستوى المهني بخصوص التغيير المتكرر للوزراء

1. القرارات الإدارية التي يتخذها الوزير الجديد وانعكاسها على السياسات العامة للوزارة

يناقش هذا المبحث القرارات الإدارية التي يتخذها الوزير الجديد، تحديدًا خلال أول ستة أشهر من توليه مهمّ ت منصبه، فقد طرح الباحث سؤالً على الفريق المهني (عينة المستجيبين من هذا الفريق 34 شخصًا) حول ماهية القرارات الإدارية التي يتخذها الوزير الجديد، وانعكاسها على قدرة الفريق المهني على العمل بانسجام وقدرته على صنع سياسات عامة مستدامة وتنفيذها. ويمثِّل هذا المبحث تأصيلً لفهم العلاقة بين الوزير والفريق المهني العامل معه في الوزارة وخصوصًا المستوى الأعلى، وهم: الوكيل، والوكيل المساعد، والمديرون العامّون، وقد اختار الباحث مجموعة من المحاور الفرعية التي دار حولها الأسئلة والنقاش، لمعرفة مدى تأثيرها في السياسات العامة سلبيًا أو إيجابيًا. وقد عدَّ الباحث محور القرارات الإدارية في أول ستة أشهر من عمل الوزير الجديد، عاملً مؤثرًا في قدرة الفريق المهني على العمل بانسجام على صنع سياسات عامة مستدامة وتنفيذها، واستخدم الباحث العبارات التالية لاستخلاص النتائج: اتفق جميع المستجيبين من الفريق المهني وعددهم 34 (عند اتفاق المستجيبين كلِّهم، من دون استثناء.)

  1. المرجع نفسه؛ الجرباوي، مقابلة شخصيّة؛ غسان الخطيب، مقابلة شخصية، رام الله، 015/4/302؛ نبيل شعث، مقابلة شخصية، رام الله،.2015/5/2
  2. فياض.
  3. المرجع نفسه.
  4. الجرباوي، مقابلة شخصيّة.
  5. فياض.

اتفق معظم المستجيبين من الفريق المهني (عند اتفاقهم بنسبة تزيد على 80 في المئة وتقل عن 001 في المئة.) اتفق أغلب المستجيبين من الفريق المهني (عند اتفاقهم بنسبة تفوق 50 في المئة وتقل عن 80 في المئة.) انقسمت آراء المستجيبين من الفريق المهني (عند تناصف الآراء بنسبة 50 في المئة.) بينما استخدم الباحث عبارة "لا يوجد اتّفاق"، أو "هناك اختلاف " (عند وجود معارضة للفكرة بنسبة مستجيبين تزيد على 50 في المئة.) والجدير ذكره، أنّ المستجيبين تلقوا أسئلة موحّدة ولم يرفض أحدهم الإجابة عن أي منها.

أ. التنقلات والصلاحيات والعلاقة بين منصبي الوكيل والوزير

اتفق معظم المستجيبين من الفريق المهني على أن الوزراء الذين عاصروهم، خلال الشهور الأولى، قاموا بإجراء تنقُلّات إدارية في صفوف موظفي الوزارة، وصفها كثير منهم بأنها "غير مهنية" هدفت إلى تعيين مقرّبين "أهل ثقة" في مناصب حساسة يريدها الوزير الجديد، منها مديرو مكاتب الوزراء. واتفق معظم المقابَلين، أيضًا، على أن وزاراتهم شهدت مع تعين وزراء جدد، سحبًا للصلاحيات ومنح صلاحيات لموظفين لأسباب "تبدو في ظاهرها قانونية" استنادًا إلى القانون الأساسي الذي يمنح الوزير الحق في إدارة وزارته كما يشاء، من دون تحديد للصلاحيات. فغياب تفاصيل القانون بحسب كثير من المستجيبين "يعطي الوزير الحق في إدارة الوزارة، بما فيها سحب الصلاحيات ومنحها، بحسب مزاجه وكيفما يرتئي" (مديرون عامّون في وزارات مختلفة 0162، ووكلاء وزارات مختلفة 016.)2 وصف بعض المستجيبين التنقلات ومنح الصلاحيات وسحبها بعبارات قاسية، مثل: "مزرعة الوزير"، في حين لم ينكر المستجيبون المعارضون فكرة وجود تنقلات وسحب صلاحيات ومنحها (وهم أقل من 01 في المئة) وجودها في وزاراتهم عند تولّ وزير جديد، إنما برَّروها بمقتضى مصلحة العمل وأكّدوا وجودها بكثرة في عهد الحكومة العاشرة التي شكلتها حركة حماس. وتعليقًا على هذا الموضوع، أشار سلام فياض، رئيس الوزراء الأسبق، إلى وجود مبدأ التنقلات وسحب الصلاحيات ومنحها من طرف الوزراء الجدد؛ بسبب وجود أرضية خصبة "ذهنية الموظف العام"، بكلمات فياض، داخل المؤسسات العامة التي تشجع الوزراء على سحب صلاحياتٍ ومنحها، وإجراء تنقلات غير مهنية، لكنها، بحسب فياض، محدودة، وقلّت كثيرًا، وخصوصًا التعيينات30، كما أكّد خبراء من ديوان الموظفين31 أن الديوان أدى دورًا مهمًّ في الحد من التعينات والتنقلات غير القانونية، لكن موضوع الصلاحيات يحتاج إلى سند، وإلى تفاصيل قانونية وهي غير موجودة حاليًا، ويمثِّل غياب المجلس التشريعي عائقًا دون استحداثها. ومن خلال النظر إلى قرار مجلس الوزراء رقم 44()1 عام 0042، بخصوص الوصف الوظيفي للمناصب العليا في الوزارات، في المادة)2(التي تبين صلاحيات الوزير ومهمّ ته، أعاد القرار تأكيد حق الوزير في تفويض بعض صلاحياته إلى وكيل الوزارة في حدود القانون وفق قرار مجلس الوزراء رقم 441 لسنة 0042، المادة.2 لكن القرار في المادة 5() منه أتى على ذكر تفاصيل خاصة بوكيل الوزارة والمهمّ ت الموكلة إليه، بوصفه مسؤولً تنفيذيًا أول عن تنفيذ سياسات الوزارة وقيادة فريقها التنفيذي، إلا أن الإشكالية تبقى في أمرين اثنين، هما؛ أولً: أن الوكيل يعيّ بقرار من رئيس السلطة الأمر الذي يترك المجال مفتوحًا للتسييس والتشكيك في كفاءة من يشغل هذا المنصب ومهنيته بقرار سياسي، وثانيًا: أن صلاحيات الوزير ما زالت واسعة في إعطاء الصلاحيات أو سحبها من الوكيل. وقد رصد الباحث أكثر من ثلاث حالات في وزارات مختلفة لوزراء سحبوا أو جمّدوا صلاحيات وكلاء عاميّن ومديرين؛ بسبب خلافات شخصية أو خلافات في وجهات نظر. ثمّ إنّ هناك وزارات أخرى من عينة الدراسة أشار مستجيبوها من المستوى المهني إلى الانعكاس السلبي لتداخل الصلاحيات وتضاربها، وعدم وضوح تفاصيل القانون بين الوزير والوكيل على السياسات العامة للوزارة. ويناقش البند التالي حالة وزارة التربية والتعليم العالي نموذجًا لعدم وضوح العلاقة بين المستوى المهني والمستوى السياسي، وانعكاس ذلك على السياسات العامة.

ب. قرارات الوزير وإمكانية تسييس الوظيفة الحكومية

اتفق معظم المستجيبين من المستوى المهني على أن قرارات الوزير الجديد، تخلق صراعات بين أقطاب المستوى المهني (وكيل، ووكلاء مساعدين، ومديرين عاميّن.) كما أشار المستجيبون إلى أسباب عدة تؤدي إلى وجود هذا الصراع، فضلً عن الصراع الأساسي وهو بين المستويين السياسي والمهني؛ منها أن الوزير يعتمد على مبدأ الثقة بالمقربين في تلقي المعلومات عن الوزارة وخصوصًا في بداية توليه للمنصب؛ إذ يكون مبدأ الثقة بالأعوان على حساب المعلومات المهنية والرسمية، وذلك يخلق انطباعًا لدى الوزير أن الصراعات موجودة ويجب التعامل معها أمرًا واقعًا، ومن الأسباب أيضًا، كما أكّد أغلب المستجيبين من المستوى المهني، أنّ ذهنية الموظف

  1. فياض.
  2. فتحي خضر، مقابلة شخصية، رام الله، 016/9/102؛ زياد رجوب، مقابلة شخصية، رام الله 016/5/72؛ لطفي سمحان، مقابلة شخصية، رام الله،.2016/9/10

العام وتطوعه في تقديم معلومات وتقارير غير رسمية، وربما غير مهنية، يشجعان الوزير على الاعتماد على وجهة نظره الشخصية أكثر من القانون، وقد أظهر حالات كثيرة أشار إليها المستجيبون من وزارات مختلفة، أن خلفية الوزير واهتماماته والتقارير التي تقدَّم إليه في بداية ولايته، تمثّل، مجتمعةً، أرضية خصبة لتسييس العمل الحكومي. ويندرج كل ما هو غير مهني أو نابع من رغبات شخصية (ومنها ما هو مخالف للقوانين) ضمن مصطلح التسييس. ومن هذه الحالات أن وزيرًا جديدًا قام بإجراء تنقلات شملت 52 في المئة من طاقم الوزارة من دون الاعتماد على أسس مهنية، بل بناءً على توجهات شخصية وتقارير كيدية من بعض الموظفين، ومنها أيضًا أن وزيرًا اتّخذ قرارًا (وصفه الفريق المهني بأنّه "شخصيٌّ وغير مدروس ومربك لعمل فريق الوزارة، وفيه تبديد للمال العام)" بنقل مختبر فحص العينات في وزارة الزراعة من رام الله إلى الخليل؛ ما زاد من الإرهاق والتكاليف في نقل العينات من الخليل وإليها. كما أشار أحد المستجيبين من وزارة الأوقاف إلى أن وزراء متعاقبين اتّخذوا قرارات "غير مهنية بنقل موظفين بطريقة تعسفية، وذلك أربك عمل الفريق المهني." وتندرج هذه الأمثلة وغيرها ضمن مصطلح التسييس الذي أضرّ كثيرًا، بحسب معظم المستجيبين، باستدامة سياسات الوزارات. وفي هذا الصدد أَشار زياد الرجوب، وكيل وزارة الأوقاف، إلى أن الفريق المهني جزء من المشكلة؛ إذ يشاركون بقصد أو بغير قصد في تهيئة أرضية مناسبة للوزير، لاستخدام صلاحيات مطلقة ومزاجية أحيانًا، فالفريق المهني له دورٌ في إفساد الوزراء الجدد أو تضليلهم، وخصوصًا البعيدين عن الحقل، ويكمن جزء من هذه المشكلة في الثقافة الموجودة في الوزارات32. ومع التغيير المتكرر للوزراء، من المؤكد أنّ الأمر يزداد سوءًا.

2. قرارات الوزير ذات الأثر المالي

أ. القرارات ذات العلاقة بوزارة المالية والقرارات ذات العلاقة بالمشاريع

لا شك في أنّ الأموال عنصر أساسي في تنفيذ السياسات العامة، كما أن توافرها أو ضمان توافرها يعطي هامشًا مريحًا لصناع السياسات العامّة. ولذلك خصص الباحث محورًا لمناقشة هذا الموضوع مع الفريق المهني وخصوصًا مديري الشؤون الإدارية والمالية. واتَّفق المستجيبون اتّفاقًا تامًّا من دون استثناء على أن الوزراء مهما كان نفوذهم أو خلفياتهم، لا يستطيعون التدخل في الأمور المالية ذات العلاقة بوزارة المالية؛ كالرواتب وبنود الصرف المحددة من طرف وزارة المالية، إلا أنّ الإشكالية تبقى في القرارات ذات العلاقة بالمشاريع، وتحديد أولوياتها التي غالبًا ما تأتي إلى الوزارات من المانحين. اتّفق أ غلب المستجيبين على أن الوزراء المتعاقبين على وزاراتهم (أي المستجيبين) تدخّلوا في تحديد أولويات الصرف على المشاريع، على الرغم من اتفاق الوزارات على مبادئ عامة مع المانحين حول أولويات المشاريع؛ فقد ذكر مستجيبون من وزارات الحكم المحلي؛ النقل والمواصلات والتربية والتعليم والزراعة، أنّ أولويات الصرف على المشاريع اختلفت، وأحيانًا تضاربت، وعطلت عمل الفريق المهني بسبب تغيُّ الوزراء المتكرِّر. أمّا المستجيبون الذين ذكروا عدم تدخّل الوزراء الذين عاصروهم، أو بعضهم على الأقل، في أولويات الصرف على المشاريع، فكان السبب أنهم (أي الوزراء الجدد) لم يلبثوا في الوزارة للتعرف إلى المشاريع ولم يجلسوا مع المانحين مطلقًا، أو ربما جلسوا معهم مرةً واحدةً فحسب. وفي سياق متصل، طرح الباحث سؤالً مفاده: مَن المسؤول عن تحديد أولويات المشاريع والصرف عليها؟ فأجمع المستجيبون على أن هذا الأمر يُعدُّ فنيًّا، ويُفضَّ ل أن يتُرك للفريق المهني. وبطبيعة الحال، إنّ تدخل الوزراء المتعاقبين في تغيير أولويات المشاريع والصرف عليها، يربك تنفيذ هذه المشاريع، وفي الحصيلة، يؤثّر سلبيًا في استدامتها. ومن الأمثلة الدالة على تدخل بعض الوزراء في أولويات المشاريع، أنّ المدير العام للشؤون الإدارية والمالية في إحدى الوزارات أشار إلى أنه اضطر إلى إجراء مناقلات بين بنود الصرف لتمويل سفريات أشخاص اختارهم الوزير، فقد تم الزج بهم في العمل على مشروع لم يكونوا جزءًا منه من أجل السفريات وتغطيتها ماليًا.

ب. تغيُّر الوزراء وانعكاساته على التخطيط الإستراتيجيّ

اتفق أغلب المستجيبين على أن التغيير المتكرر للوزراء يؤثر سلبيًا في عمل الفريق المهني المتعلق بصنع الإستراتيجيّات وتنفيذها. تركزت أسئلة الدراسة في هذا المبحث في وضوح الصلاحيات أو عدم وضوحها، بشأن الخطط الإستراتيجيّة للوزارات، وتحديدًا، فيمن يضع الخطة الإستراتيجيّة: أهو الوزير، أم الفريق التنفيذي (الوكيل، والوكلاء المساعدون، والمديرون العامّون) كلّ بحسب اختصاصه؟ اتفق معظم المستجيبين على أن الوزراء لا يأتون بخطط إستراتيجيّة، لكنهم يأتون بأفكار وتوجُّهات، وهذا من حقهم. كما اتفق معظم المستجيبين على أن دور الوزير، في ما يتعلق بالخطط الإستراتيجيّة، هو مراجعة الخطط وإقرارها واستيضاح بنودها. أمّا في ما يتعلق ببناء الخطط وصنعها وتنفيذها، فإنّ مسألة فنية يجب أن تتُرك للفريق المهني. كما طرح الباحث أسئلة حول مدى تدخل الوزراء في الخطط الإستراتيجيّة عمومًا، واتفق أغلب المستجيبين على أن هناك تدخلات حصلت من طرف وزراء جدد في الخطط الإستراتيجيّة لوزاراتهم، بعد أن بذل الفريق المهني جهدًا كبيرًا في إعدادها، وأحيانًا في تنفيذ بعض بنودها، كما تراوح التدخل، بحسب المستجيبين، بين محاولة تغيير

  1. رجوب.

بعض بنودها إلى التدخل في أولوياتها، وأحيانًا، نسف الخطة نسفًا كاملً، وأشار مستجيبون من ثلاث وزارات على الأقل، إلى أن تدخل الوزير في الخطة الإستراتيجيّة كان بسبب خلاف مع الوزير السابق، بينما أشار آخرون إلى أن التدخل لم يكن بسبب خلافات مع وزير سابق؛ بل بسبب عدم اقتناع الوزير بما هو موجود، ورغبته في إضافة بصماته الخاصة على الخطة. وعمومًا، فإن هذه التدخلات أربكت عمل الفريق المهني وانعكست سلبيًا على استدامة السياسات العامة المنبثقة عن الخطط الإستراتيجيّة. ولتوضيح أشدّ حول الموضوع، تجد أن البند التالي يلخِّص تفاصيل حالة وزارة التربية والتعليم.

ج. حالة وزارة التربية والتعليم العالي: غياب الوضوح في الصلاحيات وانعكاساته على تنفيذ السياسات والخطط الإستراتيجيّة

توضح هذه الحالة الدراسية أهمية المأسسة وانعكاسها على عملية صنع السياسات العامة وتنفيذها، وخصوصًا الخطط الإستراتيجيّة، ويقصد بالمأسسة، تحديدًا، الالتزام بالقوانين والأنظمة المتمثلة باحترام التسلسل الإداري الذي أكده قرار مجلس الوزراء رقم 46()1 عام 0042، بخصوص تطبيق نظام التعليم والتدريب المهني، وكذلك الخطة الإستراتيجيّة الثالثة 015.2 وعلى الرغم من انعكاس قانون 0042 على هيكلية الوزارة التي أقرّت في 0052، وجاءت متوافقة مع القانون، فإنّه تم التعامل مع الالتزام بالقانون والخطة الإستراتيجيّة بطرق مختلفة، تختلف من وزير إلى آخر، وتراوحت بين المركزية (الصلاحيات الإدارية كاملة مع الوزير) مع إعطاء الوكيل بعضًا من الصلاحيات، من دون أن يعكس ذلك مسؤوليات الوكيل المنصوص عليها على نحو ما في هيكلية 0052، وبين المرونة في إعطاء الصلاحيات والالتزام بما هو منصوص عليه في القانون والخطة، فبالرجوع إلى ما ورد من مسؤوليات حددتها الخطة التشغيلية السنوية للوزارة، المستندة إلى الخطة الإستراتيجيّة، نجد أن الوكيل ومساعديه والإدارات العامة المعنية، هم من يصنع السياسات العامة وينفّذها بعد إقرارها من الوزير، إلا أن ذلك لم يتم الالتزام به، وخضع تنفيذ الخطة لتقديرات الوزراء المتعاقبين. وضعت الخطة الإستراتيجيّة الأولى للتربية والتعليم في عهد الوزير نعيم أبو الحمص، وساعد في وضع الخطة الهيكلية للوزارة خبيرٌ مغربيٌّ، جاء بالمدخلات وسمّ ها إدارات عامة (الإدارة العامة للمناهج، للتعليم العام، الإشراف ... إلخ.) وشهدت الإدارات العامة تداخل صلاحيات بينها، وأصبح التعدي على صلاحيات غيرها شائعًا جدًا، ولم يكن بين الإدارات العامة توافق وتنسيق أفقي؛ الأمر الذي أربك المانحين، فقد كانت كل إدارة تتقدم بالمشاريع وتأتي بها وحدها، من دون تنسيق مع الإدارات الأخرى. وضعت الإستراتيجيّة الثانية على أساس البرامج، وطرح أمر التداخل بين عمل الإدارات التي تشترك في برامج معينة، كما بدأ الحديث عن التعليم النوعي لأول مرة، ولم تنجح الوزارة في خلق تواصل أفقي كامل بين الإدارات، لكن تم تثبيت مبدأ البرامجية، مع بقاء موضوع "الممالك"، فكل إدارة عامّة تمثّل مملكة. أمّا في الإستراتيجيّة الثالثة؛ فقد تم مراجعة أخطاء الخطة الثانية كلّها، واستعانت الوزارة بخبراء دوليين حاولوا إدخال مبدأ المشاركة والعمل المشترك، وأكّد الخبراء مبدأ جديدًا؛ هو الخطط والموازنات المبنية على البرامج ونتائجها، وعمل فريق الوزارة مع الخبير الدولي مارتن ثومبسون، وبرقابة وزارة المالية وشراكتها. وفي الحصيلة؛ فإنه لم يسع أحد في الوزارة لإنجاح البرامجية، ولذلك بقيت متعثرة. وشهدت الوزارة على المستوى الإداري، نهجًا "مسيّسًا" في الإدارة؛ فمن الوزراء المتعاقبين من أعطى صلاحيات لوكيل الوزارة بوصفه مسؤولً أول عن تنفيذ الإستراتيجيّات والسياسات، مستنِدًا إلى قرار مجلس الوزراء رقم 441 عام 0142 الذي يوضح صلاحيات وكيل الوزارة، ومنهم من سحب هذه الصلاحيات، مستندًا إلى القانون الأساسي الذي يعطي الوزير الحق في منْح الصلاحيات للوكيل أو عدم منحها، كما يشاء، ومنحها للوكلاء المساعدين والمديرين العاميّن. وأصبحت مسألة الصلاحيات، تاريخيًّا، مزاجيةً خاضعةً لقناعات الوزير33. في الفترة 2013 - 0152، تم تعيين ثلاثة وزراء للتربية، ما أحدث خللً في توفير الاستمرارية اللازمة لصوغ الإستراتيجيّة الثالثة، وفي الحصيلة، في تنفيذ الخطط التشغيلية المنبثقة عنها. وقد تزامن ذلك مع تأليف مجلس الوزراء لجنه "تطوير وإصلاح التعليم"، وهي من خارج الوزارة؛ ما أربك عمل الفريق التنفيذي للوزارة إلى حد تجميد بعض أوجه نشاطه، وكلف رئيس الوزراء رامي الحمد الله اللجنة بمراجعة سياسات وزارة التربية والتعليم وتقديم مقترحات حول كيفية إصلاح النظام التعليمي، إلا أن هذه اللجنة خلقت صلاحيات موازية لجهود الوزارة لقناعة رئيس الوزراء ووزير التربية والتعليم العالي الحالي صبري صيدم، بأن إصلاح الوزارة يأتي من خارجها وليس من داخلها، واجتمع أعضاء اللجنة، وهم من خارجها، مرات عدّة داخل الوزارة، وبتجاهل واضحٍ لدور وكيل الوزارة، فالوزير صيدم، طرح مفاهيم إستراتيجيّة جديدة، لم تكن موجودة في الإستراتيجيّة كالإدارة الإلكترونية والرقمية، حاول تنفيذها باستخدام لجنة من خارج الوزارة34. كما طرح صيدم مفاهيم جديدة من 51 نقطةً، كانت قد طرحتها اللجنة، وعلى الرغم من أن وكيل الوزارة أدخل النقاط التي طرحها الوزير على

  1. محمد أبو زيد، مقابلة شخصية، رام الله،.2016/5/10
  2. المرجع نفسه.

الخطة الإستراتيجيّة، فإن الوزير لم يأخذ ذلك بالحسبان. وبكلمات أخرى، إن وزارة التربية والتعليم العالي تعدّ مثالً على عدم وجود نمط مؤسسي موحَّد لإدارة العمل فيها، فالوزير علي أبو زهري لم يتدخل في الجوانب التنفيذية للوزارة، وأعطى الوكيل صلاحياته لتنفيذ الإستراتيجيّة الثالثة، بينما اختلفت الوزيرة الجديدة خولة الشخشير مع الوكيل في فهم موضوع التغيير المطلوب بشأن موضوعي المناهج والإصلاح الإداري، أيكون تغييرًا جذريًّا أم طفيفًا؟ ففي موضوع الإصلاح الإداري، بحسب محمد أبو زيد، ارتأت الوزيرة أن تمنح صلاحيات للوكلاء المساعدين والمديرين العاميّن على حساب الوكيل، وهذا أضرَّ بمبدأ التشاركية والتنسيق الأفقي، فقد خلق صراعات داخلية في الوزارة. أمّا في موضوع إصلاح المناهج، فكان الخلاف بين الوزيرة الشخشير ووكيل الوزارة حول عمق تغيُّ مبادئ الإستراتيجيّة والتغيير الطفيف الذي أصرت عليه الوزيرة. فمن وجهة نظر الوكيل، فإن الإستراتيجيّة أشبه بقانون أخذ من الجهد والوقت والمال ما لا يتوقع الإخلال بها، فكيف بنسفها أو تغييرها تغييرًا جذريًّا35؟ أمّا الوزير صيدم فقد أدخل مفاهيم جديدة على الإستراتيجيّة وقلص صلاحيات الوكيل من خلال العمل مع لجنة إصلاح التعليم لقناعته أن الإصلاح يأتي من خارج الوزارة. وعلى الرغم من أن التجارب الدولية التي استعانت بها الوزارة التي ركزت في مبدأ الفصل بين المستوى التنفيذي (الوكيل، ومساعديه، والمديرين العامين)، والمستوى السياسي (الوزير ودوره)، فإنَّ الوزراء المتعاقبين اختلفوا واستخدموا قناعاتهم الخاصة في منح الصلاحيات وسحبها، فأدى ذلك إلى إرباك التنسيق الأفقي بين عناصر المستوى المهني لمصلحة تدخل الوزراء في عمل المهنيين عن طريق إيجاد مراكز قوى موالية لهم، وكل ذلك أثّر تأثيرًا سلبيًا في السياسات العامة ولم يترك تراكمً مؤسسيًا راسخًا يمكن للوزارة أن تبنى عليه في صنع سياسات عامة مستدامة وتنفيذها.

د. تغيُّر الوزراء وانعكاساته على السياسات البينية

يقصد بالسياسات البينية: تلك السياسات التي لا يمكن تنفيذها إلا بالتنسيق، وأحيانًا التشارك، بين مؤسسات مختلفة، فلا يقتصر تنفيذ سياسات وزارة الحكم المحلي، مثلً، على الوزارة بل يحتاج إلى التنسيق مع البلديات، والمحافظات، ووزارة المالية، ووزارة الأشغال العامة، ومؤسسات أهلية، وأحيانًا القطاع الخاص. ويُجمع المستجيبون كلهم من المستوى المهني على أن وزارة المالية بحكم الاختصاص، تعدّ شريكًا دائمًا في تمويل السياسات العامة، والبرامج، والخطط الإستراتيجيّة. من جهة أخرى، يمكن وصف قلة التنسيق أو انعدامه أو الصراعات بين المؤسسات المختلفة (الشريكة في تنفيذ سياسة عامة ما) معوّقًا أساسيًّا يحول دون تنفيذ السياسات العامة واستدامتها. كما أ جمع المستجيبون على أن التنسيق بين الوزارة "وشركائها" يسهل عملية التنفيذ ويساعد على استدامة السياسات العامة. طرح الباحث سؤالً حول دور شخصية الوزير (الوزراء المتعاقبين) في تعزيز التنسيق أو إضعافه بين الوزارة والمؤسسات الشريكة بخصوص تنفيذ سياسات الوزارة، فلم يتفق المستجيبون حول دور الوزير. فمنهم من أكّد أن العلاقات الشخصية بين الوزير ورؤساء المؤسسات الشريكة أو الوزارات الأخرى يؤدي دورًا في تعزيز تنفيذ السياسات أو إضعافها، ومنهم من أكّد أنَّ موضوع التنسيق موضوع فني، ترك للفريق المهني ولم يكن لشخصية الوزراء المتعاقبين أي دور في عرقلة تنفيذ السياسات أو تسهيلها أو تنفيذها. فقد أشار مستجيبون من وزارة النقل والمواصلات إلى وجود معوّقات حصلت في عهد أكثر من وزير تعاقب على الوزارة؛ بسبب سوء العلاقات الشخصية بين الوزير ورؤساء مؤسسات تشترك مع الوزارة في تنفيذ السياسات. كما أشار مستجيبون من وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إلى فشل مشروع ما يسمى "الشبكة الحكومية"، بسبب ضعف التنسيق مع الجامعات الفلسطينية، كما أشار مستجيبون من وزارة الاقتصاد الوطني إلى حالة "سحب صلاحيات حماية المستهلك من وزارة الاقتصاد وإعطائها لمؤسسة الضابطة الجمركية"، فقد اعتمدت الضابطة الجمركية في تنفيذ سياسة حماية المستهلك على وزارة الاقتصاد بسبب نقص الاختصاص في الضابطة الجمركية، لكن التنفيذ، بحسب المستجيبين، كان رهنًا للعلاقات الشخصية بين الوزير ومدير الضابطة الجمركية، فتحسَّن تارة وساء تارة أخرى. كما استشهَد سامر الشرقاوي، الوكيل المساعد والمدير العام للشؤون الإدارية والمالية في وزارة العدل، بحالة خطة الإصلاح التنموي التي أطلقها الوزير علي الجرباوي في وزارة التخطيط عام 0082 التي فشلت بسبب عدم تعاون الوزارات والمؤسسات الأخرى على التنفيذ36. ومن جهة أخرى، أشار عدد من المستجيبين37 من وزارة الثقافة إلى أن العلاقات الشخصية بين الوزير ووزراء آخرين أو مسؤولين في مؤسسات شريكة، كوزارة التربية والتعليم العالي، ووزارة السياحة والآثار، واللجنة الوطنية العليا للثقافة والفنون، استخدمت إيجابيًّا لمصلحة تسهيل تنفيذ سياسات وزارة الثقافة. ويجدر بالذكر أنه على الرغم من عدم توافق تجارب المستجيبين حول دور شخصية الوزير في تعزيز التنسيق مع المؤسسات الشريكة أو إضعافه، فإنهم اتفقوا اتفاقًا مطلقًا على أن أمرَ التنسيق أمرٌ فنيّ، يجب أن يترك للفريق المهني.

  1. 37 أبو ريدة.
  2. سامر الشرقاوي، مقابلة شخصية، رام الله،.2016/6/3
  3. 35 ماهر أبو ريدة، مقابلة شخصية، رام الله،.2016/5/15

ه. جدلية المأسسة بين الواقع والمأمول

يقصد بالمأسسة في هذه الدراسة: وجود مؤسسات حكومية راسخة تعتمد النظام والقانون والإجراءات المتفق عليها، أساسًا للعمل في عمليات صنع السياسات والبرامج والخطط الإستراتيجيّة وتنفيذها وإقرارها وتمويلها، وأضاف بعض المستجيبين مبدأ حوكمة القرارات جزءًا من المأسسة38، واتفق المستجيبون جميعًا على أن المأسسة مطلب مهم ورئيس في عملية إصلاح القطاع الحكومي عمومًا واستدامة السياسات العامة خصوصًا، كما اتفقوا على أن القطاع الحكومي الفلسطيني قطع شوطًا لا بأس به في مجال المأسسة إلا أنه غير كافٍ، بينما اختلف المستجيبون حول آلياتها، فمنهم من يرى أن المأسسة يجب أن تبدأ بتعديل القانون الأساسي الذي يعطي الوزراء صلاحيات مطلقة في إدارة الوزارات كما يشاؤون، من خلال الحد من صلاحيات الوزراء وتوضيح العلاقة بين منصبي الوزير والوكيل. ويرى بعضهم الآخر أن المأسسة تكمن في تفاصيل القانون التي يجب ألّ تترك شيئًا للتأويل أو المزاجية، فالقانون المفصل والشامل من خصوصيّاته أن يحدد الصلاحيات، ويفصل بين المستويات الإدارية من حيث الواجبات والمسؤوليات. ويرى آخرون أن المشكلة من أساسها تكمن في غياب المجلس التشريعي وحرمان النظام الإداري الفلسطيني من وجود قوانين ناظمة للعلاقة بين المستويات المختلفة، كما حرم غياب المجلس التشريعي أو تغييبه الوزارات من حقها في صوغ قوانين خاصة بكل وزارة، يصدّقها المجلس التشريعي وتؤسس نظامًا قائمًا على العمل المؤسسي، لا على الأفراد. وإذ يستعاض حاليًا من دور المجلس التشريعي بقرارات الرئيس بقانون مجلس الوزراء وقراراته، فإن هذه القرارات لا تمثل، بحسب رأي معظم المستجيبين، بديلً مستدامًا من بناء نظام مؤسسي. أمّا من وجهة نظر المستوى السياسي، فيتفق أغلبهم على أن التراكم المؤسسي في الحالة الفلسطينية لا يرقى إلى المستوى المطلوب على الرغم من التحسن التراكمي أيضًا. فالمأسسة من وجهة نظر بعضهم39 تحتاج إلى قرار سياسي، وهي أصلً مرتبطة ببنية النظام السياسي الفلسطيني غير الثابتة، التي تكوّنت بطريقة غير مقصودة أو مدروسة، وإنما جاءت استجابة وانعكاسًا لتناقضات الوضع الفلسطيني. فتسييس الوظيفة الحكومية مثلً، يحول دون التراكم المؤسسي. وفي السياق نفسه، يرى سلام فياض أن المشكلة لا تكمن في النظام السياسي فحسب، بل في ذهنية الموظف العام الذي ينظر إلى نفسه على أنه يعمل عند أشخاص، لا في مؤسسات لها قوانين ونظم تحميه وتدافع عنه، "إذ لا بد من تحرير الجهاز الوظيفي من هذه الذهنية السائدة"40. وقد أثار الباحث جدلً بين المستجيبين من المستوى المهني حينما سأل حول طبيعة منصبي الوزير والوكيل، فأجمع المستجيبون على أن منصب الوزير منصبٌ سياسيٌّ ويفضل أن يكون سياسيًّا يحمل برنامجًا حكوميًّا عامًّا خاضعًا للرقابة والمساءلة، بينما يجب أن يكون منصب الوكيل منصبًا مهنيًّا لا سياسيًّا، وهنا يكمن الجدل حول مسألة تعيين الوكيل في الوزارات جميعها، بقرار من رئيس السلطة لا بتسلسل مهني؛ الأمر الذي يفسر وجود بعض الوكلاء غير المؤهلين لهذا المنصب بسبب التعيين السياسي، ومن المؤكد أنه أمر يعزز التسييس ويضعف المأسسة؛ إذ كيف يمكن الوكيلَ وهو قائد الفريق المهني في الوزارة أن يكون معيَّنًا بقرار سياسي؟ طرح الباحث موضوع المؤسسة على خبراء في ديوان الموظفين العام41، فكان إجماعهم على أن الديوان يجب أن يُ كَّن ويُعطى صلاحيات أكثر من طرف رئيس السلطة ومجلس الوزراء، فالديوان بحسب المستجيبين ظلّ يبذل جهدًا كبيرًا في سبيل ترسيخ المأسسة، ونجح في كثير من الأمور، لكنه لا يستطيع سن القوانين، وهنا تعود المشكلة إلى مربع غياب المجلس التشريعي أو تغييبه، كما أن الديوان ليس له صفة قانونية لمحاسبة الوزارات وإلزامها بترسيخ قيم المأسسة. خلاصة القول: إنّ المأسسة أو التراكم المؤسسي وصْفة الترياق التي يمكن أن تلغي أو تحد تسييس الجهاز الوظيفي الحكومي، وفي الحصيلة تقلل من تأثير التغيير الحكومي المتكرر في استدامة السياسات العامة، ففي ظل نظام المؤسسات، تتغيّ الحكومات مرارًا وتكرارًا من دون التأثير في الجهاز الوظيفي المهني الذي تعمل مؤسساته على إخراج سياسات مستدامة، تترك أثرها الإيجابي في المجتمع وتؤدي الدور المأمول منها في التنمية.

و. السياسات العامة في ظل التغيير المتكرر للحكومات

قال معظم المستجيبين من المستويين السياسي والمهني، عدا ثلاثة من المستويين كليهما، إنّ التغيير الحكومي المتكرر في الحالة الفلسطينية، يؤثر سلبيًا في استدامة السياسات العامة، بينما اتّفق المستجيبون من المستوى السياسي على أن التغيير الحكومي يمكن أن يكون مبرَّرًا لضرورة ما، لكن لا يمكن عَدُّ الحالة الفلسطينية (معدل حكومة كل سنة) ضرورة؛ فمن الوزراء من لم يتعرَّف إلى وزارته حتى جاء قرار التغيير الوزاري، فخرج من الوزارة قبل أن يتعرف إليها؛ ففي ظل غياب المأسسة الحقيقية والتغيير المتكرر، يمكن القول: إنَّ السياسات العامة تعيش معضلة حقيقية.

  1. أبو زيد؛ عبد الكريم سدر، مقابلة شخصية، رام الله،.2016/2/13
  2. الجرباوي، مقابلة شخصية.
  3. فياض.
  4. خضر؛ رجوب؛ سمحان.

وفي السياق نفسه، يجادل كثيرٌ من المستجيبين من المستوى المهني في أن مشكلتهم ليست مع الوزراء الذين لديهم رؤية تطويرية للوزارة ويحاولون تحقيقها، على الرغم من أن هؤلاء لم يُ نحوا فرصة كافية لتحقيق رؤية، بل مع الوزراء الذين يأتون من دون رؤية، ويعملون بقصد أو بغير قصد على تسييس المؤسسة والإضرار بقدرة الفريق المهني على صنع وتنفيذ لسياساتٍ مستدامة تترك أثرها في المجتمع الفلسطيني، وهنا يعيد كثيرٌ من المستجيبين الكرة إلى ملعب رئيس الحكومة عند اختيار الوزراء وعند تأليف الحكومة. فالنموذج التوافقي، بحسب رأي كثير من المستجيبين، يفرز وزراء لا يتصفون بصفات قيادية، وتشجعهم البيئة أو الذهنية السائدة في الجهاز الحكومي، وغياب القانون المفصل، وضعف المأسسة في إدارة الوزارات بطرق "مزاجية" تنعكس سلبيًا على السياسات العامة، فالتغيير المتكرر للحكومات في الحالة الفلسطينية ليس سمة نادرة عالميًا. فعلى سبيل المثال تتغير الحكومات مرارًا في إيطاليا واليونان، لكن من دون انعكاس سلبي على عمل الجهاز التنفيذي المهني للدولة، ومن دون انعكاس على السياسات العامة، ويعود الفضل في ذلك إلى رسوخ النظام المؤسسي الذي يفصل بين المستوى المهني الثابت، والمستوى السياسي المتغي 42. ويفاقم الغياب أو التغييب للمجلس التشريعي الذي يُفترض أنه يراقب أداء الحكومة، بل ربما يساهم بقوة في إفراز حكومات جديرة بالثقة (من خلال التصويت بداية على الثقة بالحكومة والوزراء) ويراقب الوزراء ويحاسبهم أثناء عملهم، من معضلة ضعف القانون والمأسسة وتسييس الوظيفة الحكومية.

خاتمة

ناقشت هذه الدراسة موضوع التغيير المتكرر للوزراء الفلسطينيين وأثره في السياسات العامة، وقد خرجت الدراسة بنتائج، أهمها؛ أن المنظومة القانونية، وعلى رأسها القانون الأساسي، التي تنظم الإدارة الفلسطينيّة العامة عمومًا، والعلاقة بين المستوى السياسي للوزارة (الوزير) والمستوى المهني (الوكيل، والوكيل المساعد، والمديرين العاميّن) تحتاج إلى المراجعة والإصلاح القانوني، فالقانون موجود، لكنه يحتاج إلى تعديلات وتفاصيل؛ تبين صلاحيات المستويات الإدارية المختلفة وتفصِ ل بينها. كما أن غياب المجلس التشريعي كان له أثرٌ سلبي في عملية إصلاح القوانين، وعطَّل عملية الإصلاح القانوني أو التعديل القانوني المنشودين، وأعطى الحكومات المتعاقبة شبكة أمان "وهمية"، من خلال عدم عرض الحكومة برنامجها على المجلس التشريعي لنيل الثقة، واكتفائها بثقة الرئيس. كما أن غموض تفاصيل القانون وغياب المجلس التشريعي، شجع الوزراء (بحسب معظم المهنيين) على استخدام صلاحياتهم لإدارة الوزارات كما يشاؤون. من جهة أخرى، انعكس النموذج التوافقي لتأليف الحكومات على أدائها، فكان التوافق على حساب الكفاءة والمهنية (رئيس الوزراء له حق الاختيار بينما رئيس السلطة له حق الاعتراض وهناك ضغط داخلي وخارجي يقتضي التوافق، والحصيلة حكومات توافقية ترضي الأطياف والأبعاد التي ترغب في المشاركة كلّها، وتنال رضًا عامًّا من الأطراف الخارجية والداخلية الفاعلة في الساحة الفلسطينية كافّة.) وفي الحصيلة؛ فإن النموذج التوافقي يعني في ثناياه: التوافق بين سياسات الحكومة وسياسات رئيس السلطة، عدا الحكومة العاشرة (حكومة حماس) التي لم تدم طويلً، وهذا يقلِّل من استقلالية برنامج الحكومة إن وجد. لقد أكّدت نتائج الدراسة أن النموذج التوافقي أدى مباشرةً أو على نحو غير مباشر إلى تسييس الوظيفة العامة، ما انعكس سلبيًا على استدامة السياسات العامة. بينت الدراسة (بحسب وجهة نظر المقابَلين من المستوى المهني) أن الوزراء الجدد يجرون تنقُلّات إدارية داخل وزاراتهم، تتضمن أيضًا سحب صلاحيات من بعض الموظفين، ومنحها لآخرين من أجل ضمان ولاءات ما يُسمّى بحاشية الوزير وانسجامهم43. كما اتفق أغلب المقابلين من المستوى المهني على أن أغلب الوزراء الجدد يعتمدون على معلومات (تقارير) غير مهنية، فالوزير يتجاوز الوكيل ويستمع إلى معلومات من مصادره الخاصة (أي موظفين ممن هم دون الوكيل)، فيخلق ذلك صراعات داخلية ويؤثر سلبيًا في انسجام الفريق المهني، وفي الحصيلة في استدامة السياسات العامة. بناء عليه، فإن قرارات الوزير الإدارية وخصوصًا في فترته الأولى (أول ستة أشهر) تساهم في تسييس العمل العام، وتغذي الأرضية الخصبة للتسييس الموجودة أصلً، لكن إجراءات ديوان الموظفين في السنوات الأخيرة (منها مدونة السلوك، وجدول التشكيلات، وضوابط التعيين) خَفَّفت من التسييس. أجمع الوكلاء كلّهم، ومعظم الوكلاء المساعدين، والمديرون العامّون من عيّنة الدراسة، على أن العلاقة بين منصب الوزير ومنصب الوكيل غير موضحة بالقانون، ويحكمها غالبًا مزاج الوزير والصلاحيات المطلقة الممنوحة له وفق القانون الأساسي. كما اتفق المقابَلون من المستوى المهني كلّهم، على أن القرارات المالية المتعلقة بوزارة المالية ثابته ولا يؤثر فيها التغيير الوزاري المتكرر، والتأثير (بحسب أغلب الفريق المهني) يكون في المشاريع فحسب، بوصفها أولويات تختلف من وزير إلى آخر؛ ما يربك عمل الفريق ويؤثر سلبيًا في استدامة السياسات العامة. وأشارت نتائج الدراسة إلى أن الخطط الإستراتيجيّة (كلها أو بعض بنودها) تتأثر سلبيًا بأولويات الوزير الجديد (بحسب

  1. الجرباوي، مقابلة شخصية،.2015
  2. اتفاق أغلب المستجيبين من المستوى المهني.

أغلب مقابلي الفريق المهني)، كما أنّ هناك وزراء ألغوا الخطة كاملة، وبدؤوا من جديد. ومن جهة أخرى، أشارت النتائج إلى أن علاقة الوزارة بوزارات ومؤسسات أخرى شريكة في تنفيذ السياسات العامة، تتأثر إيجابيًا أو سلبيًا برغبة الوزير (علاقته الشخصية بقيادات المؤسسات الشريكة)، وهذا يربك الفريق المهني وينعكس سلبيًا على استدامة السياسات، فالأصل أن تكون العلاقة ممُأسسة. فالمَأْسسة بحسب اتفاق المستجيبين كلّهم (من المستويين السياسي والمهني) قطعت شوطًا جيدًا لكنه غير كافٍ، وقد عدّ المستجيبون الإصلاحات القانونية والإرادة السياسية مفاتيح المأسسة. ومن خلال النظر إلى نتائج الدراسة سالفة الذكر، يوصي الباحث بالخروج التدريجي من مبدأ التوافق في اختيار الوزراء واعتماد الكفاءة القيادية والمهنية والتخصص بديلً من التوافق، ثم الإصلاح القانوني للعلاقة الناظمة بين المستوى السياسي (الوزير) والمستوي المهني (الوكيل، والوكيل المساعد، والمديرين العاميّن)؛ من أجل تفصيل الصلاحيات وتوضيحها وفصلها. ثمّ إعداد عملية تحضير للوزراء الجدد تكفل تعريفهم بالأبعاد القانونية والإدارية للعمل الحكومي عمومًا، والوزارات التي سيعملون فيها خصوصًا، على أن يتولّ هذه المهمة طرفٌ محايدٌ؛ كديوان الموظفين أو الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وذلك لتجنب حصول الوزير على معلومات مضللة من أقطاب الوزارة المختلفة. ثمّ الثبات النسبي في بقاء الحكومات الفلسطينية، بحيث لا يقل عمر الحكومة عن ثلاث سنوات، ولا يزيد على أربعة إلا لضرورة، وإعطاء صلاحيات أوسع (مكفولة بالقانون) لديوان الموظفين؛ لقيادة عملية إصلاح شاملة الإجراءات الإدارية والتي من اختصاصها كفالة تنظيم العلاقة بين المؤسسات المختلفة، والمساعدة في توحيد الإجراءات والفصل في النزاعات، ومنها العمل على إنشاء محاكم إدارية متخصصة ومستقلة، تفصل في النزاعات الإدارية، وتطبق القانون، وتحد من التسييس ومن منح الصلاحيات وسحبها خارج القانون، ثم تأليف لجنة وطنية عليا مستقلة خاصة بالمأسسة تتولى إعادة النظر في النظام الإداري وعلاقته بالنظام السياسي، وتقدم توصياتها ومقترحاتها لمجلس الوزراء. كذلك، إلغاء التعيين السياسي لمنصب وكيل الوزارة واستبدال به تعينًا وفق التسلسل المهني (الترقية بناءً على الكفاءة.) وأخيرًا تفعيل دور الأجهزة الرقابية (الخارجية والداخلية) على المؤسسات العامة للحد من التجاوزات الإدارية والتسييس.

المراجع

العربيّة

الزبيدي، باسم وآخرون. الإص حاا: جذوره ومعانيه وأوجه استخداماته، الحالة الفلسطينية نموذجًا. بيرزيت: معهد إبراهيم أبو لغد للدراسات الدولية،.2005 فهد، سليمان. قراءة في الحكومات الفلسطينية: من إقامة السلطة إلى انتخابات التشريعي الثاني. رام الله: بدون دار نشر،.2006 مجموعة مؤلفين. أوراق مؤتمر أمان السنوي الثالث. رام الله: منشورات مؤسسة أمان،.2007

الأجنبيّة

Anderson, James. Public Policy Making. 5th ed. USA:.Houghton Mifflin Company, 2003 Cooper, Phillip & Claudia Vargas. Implementing Sustainable Development: From Global Policy to Local Action. USA: Rowman & Littlefied Publishing Group,.Inc., 2004 Cibolk, James & Robarta Derlin. “Accountability Policy Adaption to Policy Sustainability: Reforms and Systematic Initiatives in Colorado and Maryland.”.) Education and Urban Society. vol. 3. no. 4 (1998 Kingdon, John W. Agendas, Alternatives and Public Policies. 2nd ed. USA: Addison-Wesely Education.Publishers, Inc., 2003