من التنوع إلی الانقسام: إمكانية نموذج توافقي لاقتسام السلطة في كركوك
الملخّص
ط الورقة الضوء على مشكلة كركوك، وتحاول إيجاد حل لمشكلة الحوكمة فيها تسل. وقد سُ مِّ یت كركوك "العراق المصغ ر" لتنوُّعها العرقي واللغوي والديني والثقافي؛ لذلك فإنّ إیجاد حل لأيّ مشكلة تتعلق بمعضلتها سيكون له دور إيجابي في تحقيق الاستقرار في جميع أنحاء العراق. تعود بدایة مشكلة كركوك إلی اكتشاف النفط في المدینة؛ إذ بدأت سياسة التعريب بالتدريج، وظهرت خطوط الإثنية في المدینة والمحافظة. وبعد سقوط نظام البعث عام 2003َ، أصبحت كركوك مدينة مستقط بة، وظلت مشكلة الحوكمة إحدى المشكلات الرئيسة التي لم تِّسوَّ بعدُ في المحافظة. تقترح هذه الورقة تبن ي الديمقراطية التوافقية، بدل ا من الإستراتيجيات الأخرى، في التعامل مع الاختلافات والانقسامات العرقية والدينية في المجتمعات المتعددة؛ استنادًا إلى الدراسات المتاحة حول كركوك، والدستور العراقي، وتجربة الحكم في مرحلة ما بعد عام 2003 في المدينة. كلمات مفتاحية: كركوك، الكرد، العرب، التركمان، الدیمقراطیة التوافقیة، اقتسام السلطة. This paper explores the difficulties of the city and governorate of Kirkuk, specifically the problems from its diverse composition. Kirkuk has been described as a “microcosm of Iraq”, in recognition of the ethnic, linguistic, cultural and religious diversity in the region. This gives added impetus to finding a resolution to the difficulties of governance in the governorate-city: a solution to the problems in Kirkuk could have positive reverberations for the rest of Iraq. The governorate’s problems began in the wake of the discovery of oil there, with a gradual effort towards “Arabization” of the population there undertaken by the then-government of Saddam. This led to the formation of clear ethnic fault lines, which became clearer following the invasion of Iraq in 2003. At that point, Kirkuk became even more polarized, serving to further entrench the problems of governance in the region. Based on the existing literature on Kirkuk, on the Iraqi constitution and the experience of government in Iraq since 2003, this paper proposes consociational democracy as the preferred approach to resolving Kirkuk’s long-outstanding issues, including the disputes resulting from religious and ethnic differences typical of pluralist societies. Keywords: Kirkuk, Kurds, Arabs, Turcoman, Consensusal Democracy, Power Sharing.
From Diversity to Division: the Prospects for a Consociational System of Power-Sharing in Kirkuk
مقدمة
تقع مدينة كركوك جغرافیًّا في شمال العراق، على مسافة 362 كيلومترًا (نحو 471 ميلً) إلى الشَمّال من العاصمة بغداد، و 85 ميلً) إلى الجنوب من مدينة أربيل1. كيلومترًا (نحو 53 وكركوك مدينة قديمة، اكتسبت سمعة ثقافية طوال قرون عديدة، وعُرِفت بتنوُّعها العرقي واللغوي والديني والثقافي المتميز. باختصار، كركوك هي إحدى أكثر المدن القديمة في العالم التي عاشت فیها أربع مجموعات عرقية معًا قرونًا عديدة. وتنقسم هذه المجموعات على أسس دينية ولغوية؛ دينيًّا، هنالك مسلمون ومسيحيون، وينقسم المسلمون إلى سُ نة وشيعة. ومع ذلك، كانت اللغة - ولیس الدين - هي العلامة الرئيسة للتمايز بين المجموعات السكانية في المدينة حتى الآن. ولم يتسبب التعدد اللغوي والتنوُّع العرقي في التوتر والعنف في المدينة حتى القرن العشرين واكتشاف النفط كما سيتمّ تفصيل ذلك لاحقًا. نظرًا إلى موقعها الجيوستراتيجي، شكَّلت كركوك مركزًا للصراع بين العثمانيين السُّنة والصفويين الشيعة فترة طويلة في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وبناءً على ذلك، شهدت المدينة أنظمة حكم مختلفة خلال تلك الفترة2. وبحلول القرن التاسع عشر، أصبحت المدينة مركزًا ثقافيًّا وسياسيًا واقتصاديًّا مهمًّ جدًا، ولا سيما بالنسبة إلى التركمان والأكراد3. كانت كركوك جزءًا من الإمبراطورية العثمانية حتى نهاية الحرب العالمية الأولی حينما احتل البريطانيون المدينة في عام 918.1 وكانت بريطانيا تعتزم تسليم ولاية الموصل إلى فرنسا، بموجب اتفاقیة سايكس - بيكو في عام 9161، لكنّ إمكانية اکتشاف النفط في المنطقة جعلت البريطانيين يتراجعون عن قرارهم هذا4، وتوصَّلوا إلى اتفاق مع الفرنسيين لتغيير بنود اتفاقية سايكس - بيكو في معاهدة سيفر عام 920.1 وأعطت هذه المعاهدة الجديدة الحق لبريطانيا في السيطرة على ثلاث ولایات عثمانية - هي التي تشكّل العراق الحديث اليوم – وهي: الموصل (ومنها كركوك)، وبغداد، والبصرة. وأسَّس البريطانيون ما يُسمَّى "دولة العراق الحديث" في عام 9201 في بغداد والبصرة، وضُ مَّت ولاية الموصل إلیها في عام 925.1 كما وضعت تلك المعاهدة سورية ولبنان تحت سلطة الاحتلال الفرنسي. مشكلة كركوك شائكة، ذات أبعاد ومستويات مختلفة: محلية ووطنية، وإقليمية ودولية أیضًا؛ محليًّا، یدور النزاع بين الطوائف الإثنية الرئيسة الثلاث (الأكراد، والعرب، والتركمان)، والكلدو آشوريين المسيحيين بدرجة أقلّ. وداخل كل جماعة إثنیة منافسة حادة بين أحزابها السياسية لأخذ زمام المبادرة في مجتمعها. وعلى الصعيد الوطني، فإنّ الخلافات قائمة بين بغداد وأربیل على المدينة والمحافظة5. وإقليميًّا، تنخرط الدول المجاورة في قضية كركوك، وخصوصًا تركيا. ودوليًّا، تشارك بعثة الأمم المتحدة بنشاط في مشكلة كركوك6. ومع ذلك، تكمن مشكلة كركوك في بعدين أساسييّن، هما: الوضع الإقليمي - السياسي للمدینة في العراق، وکیفیة إنشاء الحكومة المحلیة وإدارتها في المدينة. ویبیِّن ليام أندرسون أنّ ثلاثة عناصر تمثّل مشكلة كركوك، هي: النفط، ومستقبل المدینة، وکیفیة إدارتها محلیًّا7.
على الرغم من أنّ مستقبل المدینة وکیفیة إدارتها هما في قلب تلك النزاعات، فإنّ دور النفط لا يمكن التغاضي عنه. ويقدَّر احتياطي حقول نفط كركوك بعشرة مليارات برميل8، وهي تمثل ثاني أكبر حقول النفط في البلد، وتمثّل 02 في المئة من الاحتياطي الإجمالي للنفط العراقي9؛ لذلك، تُعَد المدينة واحدة من أغنى مدن العالم؛ إذ تمثِّل ثرواتها من الموارد الطبيعية من النفط والغاز 4 في المئة من الاحتياطي العالمي10.
وهكذا، يجعل النفط قضية كركوك فريدة، مقارنةً بالمدن الأخرى المتنازع فيها في جميع أنحاء العالم. وباختصار، فإنّ الأبعاد التاريخية والسياسية والاقتصادية لمشكلة كركوك تجعل دراسة حالة کرکوك فريدةً ومميّزةً، ولكنها في الوقت نفسه صعبة ومعقدة. ومع ذلك، يرى ستيفان وولف أنّ قضية كركوك تتشابه مع قضية منطقة برجكو في البوسنة؛ إذ تُعدّ كلتا المنطقتين من المناطق المتنازع فيها بين جماعات مختلفة داخل دولة ذات سيادة11. كركوك متنازع فيها من جهة بغداد وأربیل، وبرجكو یتنازع فيها الاتحاد الكرواتي المسلم وجمهورية صربسكا في البوسنة. وفي كلتا الحالتين، فإنّ بؤرة التوتر هي داخل الدولة الواحدة. وقد بقيت برجكو منقسمة؛ إذ تُرِكت مسألة الحكم فیها من دون حلّ في اتفاق دايتون للسلام12. وفي كلتا المدينتيَن، لم يتمّ التوصل إلى حلّ يحسم النزاع. فقد مُنِحَت برجكو وضعًا خاصًّا، وذلك بفضل المحكّمين الدوليين، ولم تُحسَم، كذلك، قضية كركوك بعدُ. وثمّة مثال آخر ذو صلة بحالة کرکوك هو حالة موستار (في البوسنة) التي تشبه كركوك في تنوعها قبل الحرب والانقسام. لكن في وقت تقدم فيه هاتان الحالتان مقارنة جیدة، فإنّ التنوع العرقي والديني في كركوك أكبر ممّ فيهما. والأهمّ من ذلك أنّ مدينة کرکوك هي الوحيدة التي فیها موارد طبيعية وافرة من بين تلك المدن، على نحوٍ يجعلها فريدة من نوعها بين النزاعات التي تدور حول ملكیة الأراضي13. يمكن عوامل عديدة، مثل العرق والدين واللغة، أن تكون من السمات المميزة للمجتمعات المنقسمة. وكما یرى بنيامين رايلي، فإنّ المجتمع المنقسم "یتَّسم بالتنوُّع العرقي؛ إذ تكون الإثنیة هي الانقسام البارز فیه سياسيًّا، ويتم تنظيم المصالح حول الانقسام الإثني لأغراض سياسية"14. ویُعرِّف لیبهارت "المجتمع المنقسم بعمق"، قائلً: "إنه مجتمع منقسم بشدة، على أسس دينية أو عقائدية أو لغوية أو ثقافية أو عرقية أو عنصرية، ویتم تنظیم الأحزاب السياسية، وجماعات المصالح، ووسائل الإع ماا حول تلك الأسس"15. ويتفق معه أدريان غیلك، مبينًا أنّ "المجتمعات المنقسمة بعمق تتميز بغياب التوافق والإجماع في الآراء بشأن إطار لاتخاذ القرارات والعملية السياسية المتنازع فيها، کما أن الممثِّلين السياسيين لإحدى الجماعات العرقیة، علی الأقل، يطعنون شرعية نتائج العملیة السیاسیة عادة في"16. من ناحیة أخری، تقول أليسون مكولوتش: "عندما تصبح العضویة في جماعة عرقية مسيّسة على نحو علني، وعندما تستمر العلاقات بين الجماعات العرقیة بطريقة عدائية، ويحتمل أن تكون عنيفة، يمكن القول إنّ النظام السياسي منقسم بعمق"17. البقاء على الوضع الراهن لیس حلًّ لمحافظة كركوك. وإجراء عملية انتخابية واحدة فقط خلال اثنتي عشرة سنة علی مستوی المحافظة (في حين عُقِدت في المحافظات الأخرى ثلاث عمليات انتخابية في الأعوام 0050092 و 0132 و)2، هو مؤشر واضح إلى عمق الخلافات بين المجموعات العرقية الرئيسة الثلاث في ما يتعلق بإدارة المدينة. لذا، لا تحتاج المدينة إلى وضع أوضح علی المستویين القانوني والسياسي بشأن مستقبلها الإداري فحسب، بل في ما يتعلق بالحكم المحلي بين جماعاتها العرقیة أيضًا. بناءً على ذلك، جرى تقسيم هذه الدراسة إلى ثلاثة محاور رئيسة. في المحور الأول، سأقدم لمحة عامة عن تاريخ كركوك، ابتداءً بالعصور القديمة حتى سقوط نظام صدام حسين عام 003.2 ثمّ يأتي الكلام على التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها المدينة في بداية القرن العشرين، وظهور الخطوط العرقیة في المدینة، واندلاع التنافس السياسي والعسكري الكردي - العربي المتعلّق بالمدينة أیضًا. والفرضية المطروحة في هذا المحور هي أنّ الجذور العرقية في المدینة تتشابك تشابكًا وثيقًا مع اكتشاف النفط؛ إذ أدّى هذا الاکتشاف إلی اتِّباع سياسة التعريب من مختلف الحكومات العراقية المتعاقبة. أمّا في المحور الثاني، فأبيِّ الانقسام والاستقطاب اللذَين ظهرا في فترة ما بعد عام 0032، کما أقدّم عرضًا مختصرًا للحلول التي وضعها القانون الانتقالي الإداري والدستور العراقي لقضیة کرکوك. وأمّا المحور الأخیر فأخصصه لمناقشة الإستراتيجيات المختلفة التي تستخدمها الحكومات للتعامل مع الاختلافات العرقية والدینیة. وأؤكد أنه يجب تجنُّب وضع حلّ أحادي الجانب لقضية کرکوك، وأنّ الحل يجب أن يكون توافقيًّا یُرضي جمیع الأطراف المعنیة في المدینة، لتحقیق الاستقرار السياسي، وللحفاظ على التنوُّع في المدینة. ويستند هذا الاستنتاج إلى الوثائق القانونية العراقية؛ مثل الدستور، والقوانين الصادرة من مجلس النواب العراقي، وكذلك إلى تقارير وسائل الإعلام والدراسات المتاحة حول کرکوك.
جذور الانقسام في كركوك: النفط والتعریب
کان اكتشاف النفط في كركوك عام 9271 نقطة تحوّل في تاريخ المدينة. في تشرين الأول/ أكتوبر 9271، اكتشفت شركة البترول التركية التي شُكِّلت في عام 9111 على أيدي الأتراك العثمانيين، النفط في حقل "بابا كوركور" بمدينة كركوك18. کان الحقل يحتوي احتياطيًا نفطيًا يبلغ نحو 61 مليار برميل آنذك19. وكان اكتشاف هذه الكمية الكبيرة من النفط سببًا رئیسًا لضم كركوك إلى المملكة العراقية في عام 9251، بوصفها جزءًا من ولاية الموصل20. وكان هذا الاکتشاف سببًا رئیسًا، أيضًا، لإقناع البريطانيين بوقف دعمهم لإقامة دولة كردية مستقلة21. یُذکَر أنّ شرکة البترول الترکیة كانت تعلم بوجود النفط في المنطقة، ولكن الاستغلال المنظم لحقول كركوك النفطية لم يبدأ حتى آذار/ مارس 9251، وبدأ تدفق النفط من حقل بابا كوركور في 72 تشرين الأول/ أكتوبر 927.1 وبحلول عام 9271، أصبح جليًّا للحكومة العراقية التي كانت واقعة تحت الانتداب البريطاني 932-1920()1، أنّ كركوك تقع على احتياطي نفطي ضخم. ولكن في الوقت نفسه، أدركت الحكومة أنّ العرب هم الأقلية في المدينة، فعملت على تعزيز قوتها من خلال زيادة عدد السكان العرب في المحافظة بالتدريج. وبسبب هذا الاكتشاف، تحوّل التاريخ الطويل من التنوع والتعايش السلمي بين تلك المجتمعات إلی الانقسام والصراع، ولا سيما بعد البدء باتباع سياسة التعريب السيئة الصيت تجاه المدينة. طفنلا ةعانص زكرم كوكرك تحبصأ الامحو، فاشتكلاا كلذ ثدح الامح في العراق، بدأت المرحلة الأولى من التعريب. فكان الهدف من سياسة التعریب المتعمَّدة هو تغيير ثقافة المدينة وهویتها؛ من مدينة متنوعة بمختلف مكوناتها، إلى مدينة تطغى عليها الهوية والثقافة العربيتان. اتبعت الحكومات العراقية كافةً هذه السياسة بعد اكتشاف النفط في المدينة، 2. واستمرت حتى سقوط نظام البعث في عام 003 وأصبحت القوميتان الكردية والتركمانية في المدينة هما الهدفين الرئيسين لهذه السیاسة. نظرًا إلى وجود شرکة نفط العراق في المدينة، بدأ الناس في الانتقال من جميع أنحاء العراق إلى المدينة، للعمل في حقول النفط وفي المشاريع الأخرى ذات الصلة بالنفط. ومن ثمّ، زاد عدد سكان كركوك سريعًا؛ فمثلً، قُدِّر عدد موظفي الشركة وعائلاتهم في أواخر الأربعینیات من القرن الماضي بنحو 30 ألف شخص، وهو ما يعني أنها كانت تمثّل في المئة من سكان كركوك آنذاك22ما بين 30 و 40. وبعبارة أخرى، كان عدد سكان المدينة نحو 52 ألف نسمة في منتصف العشرینیات، ولكنّ هذا العدد ازداد إلى أكثر من 012 ألف نسمة في تعداد عام 1957 23. وكان السبب في هذا النمو السكاني السريع هو حاجة شركات النفط إلی الكوادر من ذوي الخبرة والفنيين المدرَّبين تدريبًا عاليًا، وهم الذين كانت أغلبيتهم من القومية العربية مع قلة قليلة من القومية الكردية. كان هذا مبررًا مناسبًا للحكومة لجلب الناس من الأجزاء الأخرى من العراق إلى كركوك. وأُنشِئت أحياء جديدة لدعم العمال الجدد، واستوطنت أعداد كبيرة من العرب كركوك وضواحيها، فحدث تغيير ديموغرافي واجتماعي واسع النطاق في المدينة24. استمرت سياسة التعريب بالتدريج وعلى نحو متزايد، وخصوصًا بعد انقلاب عام 9581 الذي أطاح الحكم الملكي في العراق، ثمّ اندلاع الصراع المسلح بين الحركة الكردية والحكومة العراقية "الجديدة" في عام 961.1 ومثّلت الهيمنة العددية التي أظهرها إحصاء عام 9571 للكرد في كركوك (جدول: مقارنة إحصاءات الجماعات العرقية في كركوك) "تهديدًا إستراتيجيًّا مهمًّ " من وجهة نظر الحكومة25. وفي عام 9631، طالب الحزب الديمقراطي الكردستاني بقیادة الملا مصطفى البارزاني الحكومة العراقية بأن تعترف رسميًّا بالحكم الذاتي للأكراد ضمن حدود ولایة الموصل القديمة، شاملة حقول نفط كركوك، باستثناء مدينة الموصل نفسها26، ولكنّ هذا الطلب رُفِض. ونتيجةً لذلك، استؤنفت الثورة الكردية مرةً أخرى. ثمّ كثَّفت الحكومة العراقية جهودها الهادفة إلى إضعاف الوجود الكردي في المدينة وتقليصه، لضمان حمایة المناطق القريبة من خطوط الأنابيب التي تمتد من كركوك إلى الجنوب الغربي؛ لذلك، دُمِّرت عدة قرى كردية بالقرب من حقول النفط، ووُطِّنت قبائل عربية فيها بدلً من الأكراد. واتُّبعت إستراتيجيات أخرى في إطار عمليات التعريب وتقليص نسبة الأكراد خلال الفترة 1963 - 968.1 فمثلً، ألحقت الحكومة منطقة الحويجة (كان عدد سكانها 77052 نسمة بحسب تعداد عام 957)1 بمحافظة كركوك خلال تلك الفترة.
وخلال تلك الفترة أيضًا، هدمت الحكومة بعض الأحياء الكردية في المدينة، واضطُر بعض سكانها إلى مغادرة المدينة. كما نقلت الحكومة كثيرًا من معلمي المدارس الابتدائية والثانوية من جنوب العراق ووسطه قسرًا إلى المدينة. وطُرِدت أعداد كبيرة من العمال الكرد في شركة النفط من وظائفهم، وحلّ محلهم عمال عرب. وغُيِّ ت أسماء المدارس والشوارع في المدينة إلى اللغة العربية، وکان استخدام اللغة العربية في ازدياد، نتيجة "جهد بغداد لتعزيز اللغة العربية في التعليم الابتدائي والثانوي في المناطق ذات الأغلبية غير العربية"27، حتى إنّ اسم المدينة غُيِّ من كركوك إلى "التأميم." في عام 9701، توصلت الحركة الكردية وحكومة البعث إلی اتفاقیة 11 آذار/ مارس التي كان من المفترَض أن تمنح الأكراد صلاحيات واسعة، من خلال منحهم الحكم الذاتي في المناطق ذات الأغلبية الكردية. وكان من المفترض أن تُتوَّج الاتفاقية بإجراء استفتاء أو تعداد لتحديد حدود منطقة الحكم الذاتي. ولكن لم یتم إجراء الاستفتاء ولا التعداد. واتهم الملا مصطفى الحكومة بإعادة توطين العرب في كركوك وغيرها من المناطق المتنازع فيها؛ مثل خانقين وسنجار، وأعلن أنه "لن يقبل نتائج التعداد إذا كانت تشير إلى وجود أغلبية عربية"28. وهكذا فشلت اتفاقية عام 9701 بسبب قضايا الحدود عمومًا، وكركوك خصوصًا، واستؤنفت الحرب بين الحركة الكردية والحكومة العراقية بقيادة حزب البعث. هُزِم الأكراد عسكريًّا بسبب "اتفاقية الجزائر" برِمت في آذار/ مارس التي أ 9751 بين العراق وإيران؛ إذ سحبت إيران بموجبها دعمها للكرد، وتسبَّب هذا الأمر في هزيمة الحركة الكردية في العراق بقيادة البارزاني وانهيارها. بعد ذلك، كثّف البعثيون جهودهم في تنفيذ سياسة التعريب لضمان وجود أغلبية عربية في كركوك. في هذه الفترة، ضيَّقت الحكومة على الأكراد من الناحيتين الاقتصادية والتجارية؛ فلم يُسمَح للأكراد بشراء العقارات في أيّ وضع من الأوضاع كان. وفي المقابل، کانوا یستطیعون بيع ممتلكاتهم، ولكن للعرب فقط29. وإضافةً إلى ذلك، ومن أجل حَثّ العوائل الكردیة على مغادرة المدينة والانتقال للعيش في المدن الأخرى في جنوب العراق أو وسطه، عرضت الحكومة مكافأة مالية لأيّ شخص يبدي الاستعداد للقيام بذلك30. وفي المقابل، قدمت عشرة آلاف دينار عراقي وقطعة أرض سكنية لأيّ عائلة عربية على استعداد للانتقال إلى كركوك من جنوب العراق31. ونتيجةً لتلك السياسة، انتقل آلاف العرب إلى المدينة ليعيشوا في كركوك على نحو دائم. وخلال تلك المرحلة، بدأ نظام البعث في إعادة رسم حدود محافظة كركوك، في محاولة واضحة لضمان أغلبية عربية. فوفقًا للمرسوم الجمهوري رقم 608، الصادر في تشرين الثاني/ نوفمبر 9751، فُصِ لت من المحافظة عدّة مناطق تقطنها أغلبية كردية وذات كثافة سكانية عالية: جمجمال 50(ألف نسمة)، وكلار 50( ألف نسمة)، وكفري 30(ألف نسمة)، وطوز خورماتو 80(ألف نسمة)، ومن ثمّ أُلحقت بالمحافظات الأخرى، وهي السليمانية وديالى وصلاح الدين. ومن بين الإجراءات الأخرى المتعمَّدة التي اتبعتها الحكومة لتحقيق الاستيعاب العرقي مَنْح مكافآت مالية للعرب الذين يتزوجون نساءً كرديات32. في عقد الثمانینيات، اشتدت حملات التعريب على نحو لا يوصف، وخصوصًا بعد تعيين علي حسن المجيد أمينًا عامًّا لمكتب الشمال لحزب البعث الذي اتخذ من كركوك مقرًا له. شرع المجید في عملياته بحملة إبادة جماعية في حق الأكراد في المدينة، وفي المدن الكردية الأخرى. سُمِّيت تلك الجرائم "حملات الأنفال"، وبدأت بعدة مراحل33. وقد استهدفت المرحلة الثالثة من "الأنفال" 0-7(2 نيسان/ أبريل 988)1 - وهي الأكثر عنفًا - مناطق كرمیان وکرکوك، وكان الهدف منها هو هدم جميع القرى الكردية في محافظة كركوك، والتخلص من سكانها لاستكمال عملية التعريب34. وبحسب تقریر شامل لمنظمة هيومن رايتس ووتش بعنوان "الإبادة الجماعية في العراق: حملة الأنفال ضد الأکراد"، نشُر في عام 9931، قُتِل نحو 001 ألف كردي عام 9881 بطريقة منهجية ومدروسة بسبب انتمائهم العرقي. استمرت سياسة التعريب في التسعینيات حتى سقوط حزب البعث في عام 003.2 واعتمدت الحكومة البعثية في هذه الفترة، على سبيل المثال، سياسة عرقیة ضیقة ضد القومیات غير العربية هي سياسة "تصحيح القومية." فقد وزَّع النظام على الأكراد والتركمان والآشوريين استمارات "تصحيح القومیة"، طالبًا منهم تغيير قوميتهم وتسجيل أنفسهم عربًا35. ووفقًا لتقرير أصدرته هیومن رایتس ووتش عام 0032، بلغ عدد النازحين من غير العرب من مدينة كركوك وضواحيها خلال الفترة 1991 - 0032، ما بين 012 ألفًا و 002 ألف، كان أغلبهم يعيشون أوضاعًا قاسيةً في المخيمات بإقليم كردستان.
وكانت آثار التعريب "مذهلة" بوجه عامّ. أدّت تلك السیاسة إلى تغيير ديموغرافية المدينة من خلال تغيير التركيبة العرقية في كركوك وتقليل مساحتها الجغرافية من 02 ألف كيلومتر مربع في الثلاثینيات من القرن الماضي، إلى 9679 كيلومترًا مربعًا اليوم (قُلِّصت مساحتها إلى النصف تقريبًا)36. وبحلول عام 9871، أصبحت المدينة ذات طابع قومي عربي. فقد أصبح العرب يمثّلون الأغلبية السكانية في المحافظة37. یقدّم الجدول الآتي البيانات المأخوذة من ثلاثة تعدادات رسمية جريت في العراق منذ عام أ 9571، وهي توضح تأثير سياسات التعریب المتمثلة بارتفاع نسبة السكان العرب علی حساب الأكراد والترکمان في كركوك.
جدول: مقارنة إحصاءات الجماعات العرقية في كركوك (خلال الفترة)1997-1977-1957
| 1997 | 1977 | 1957 | جماعات عرقیة | |||
|---|---|---|---|---|---|---|
| النسبة )%( | العدد | النسبة )%( | العدد | النسبة )%( | العدد | |
| 21 | 155861 | 38 | 184875 | 48 | 187593 | الکرد |
| 72 | 596544 | 45 | 218755 | 28 | 109620 | العرب |
| 7 | 50099 | 17 | 80347 | 21 | 83371 | الترکمان |
| 100 | 752747 | 100 | 483977 | 388829 | مجموع | |
ثمّة تأثير سلبي آخر للتعريب؛ من جهة أنّه أدّى دورًا سلبيًّا في تكريس أسس العرقية والقومية بين المجموعات في المدينة. والآن، لدى كل مجموعة من المجموعات العرقية الرئيسة الثلاث في المدینة (الأكراد، والعرب، والتركمان) رواياتها العرقية الخاصة، لإثبات أنّ المدينة تعود إلیها تاریخیًّا. مهمٌّ، أيضًا، أن نلاحظ تأثير التوترات والعنف الطائفي بين الأكراد والتركمان في تموز/ يوليو 9591 في تحویل النزاع إلى نزاع إثني في المدينة في منتصف القرن العشرين. وللاحتفال بالذكرى السنوية الأولى لانقلاب 9581 (الذي عُرِف بثورة 41 تموز/ يوليو 9581 لاحقًا)، قرّر الحزب الشيوعي العراقي (وكان بعض قادته من الكرد) تنظيم مسیرة في كركوك في 41 تموز/ يوليو 959.1 وكان التركمان يخطِّطون أيضًا لتنظيم مسیرة خاصة بهم في اليوم نفسه، ردًّا على التظاهرة الكردية في ما يبدو38. تواجهت المسیرتان في وسط المدينة، وأُطلِقت نيران بالقرب من مقهى تركماني، فأثار ذلك المتظاهرين الأكراد الشیوعیین، فاندلعت الفوضی والعنف. هاجم المتظاهرون الأكراد (الذين انضم إليهم الجنود الأكراد في إحدى فرق الجيش في كركوك) المقهى، واستمرت الهجمات على المحالّ والمنازل التركمانية الأخرى يومين. وكانت نتيجة هذه الحادثة المأساوية مقتل 32 شخصًا 8(2 منهم من التركمان)، وجرح 301 آخرين، وتدمير 012 منزلً ومقهى ومخزنًا أو نهبها39. وأدت هذە الحادثة إلى العنف الطائفي والاستقطاب في المدينة لأول مرة من خلال تعبئة الناس حول الهويات الإثنية. وكان هذا أول صراع عرقي عنيف حول قضايا السلطة والموارد في المدينة.
كركوك: مجتمع عميق الانقسام
بعد عام 0032، بدأ وضع سياسي جديد في العراق وفي كركوك أیضًا. في مطلع آذار/ مارس 0032، رفض البرلمان الترکي السماح بمرور القوات الأميركیة عبر تركيا إلى شمال العراق لفتح جبهة ثانية في الشمال. وكانت هذه فرصة جيدة بالنسبة إلى الكرد لإثبات ولائهم للولايات المتحدة40. سقطت مدينة كركوك في 01 نيسان/ أبريل 0032، ودخل عشرة آلاف عنصر من قوات البشمركة إلى المدينة. وكان لتجربتهم في إدارة إقلیم کردستان منذ عام 9911 دور مهمّ في تعزيز السلطتين السياسية والعسكرية الكردیتين في المدينة. وكما ذكرتُ سابقًا، كان عدد السكان العرب في كركوك قد ازداد ازديادًا كبيرًا نتيجة لسياسة التعريب، ولكن، بعد سقوط نظام البعث في عام 0032، عادت عشرات الآلاف من النازحين الكرد والتركمان إلی كركوك من المناطق
الأخرى؛ في محاولة لاستعادة التوازن الدیموغرافي في المدینة. وسهَّلت القيادة الكردية عودة أكثر من 001 ألف شخص كردي إلى المدينة، وأصرّت السلطات على إخراج نحو 80 ألفًا من العرب من المدينة41. بعد عام 0032، بدأت معرکة الأرقام على نحو مكثف. كانت كل مجموعة تبالغ في تقدير عددها عمدًا، وتدَّعي أنها تمثِّل الأغلبية في المدينة. ومع ذلك، فإنّ عدد سكان كركوك، والعدد النسبي للمجموعات العرقية في البلاد عمومًا، غیر معروفين في الوقت الراهن، ولا یمكن تقديرهما إلّ من خلال بعض المؤشرات؛ وذلك لغياب أرقام موثوق بها منذ إحصاء عام 9571، الذي يُعدّ من الإحصاءات أو التعدادات غير المسيسة نسبيًّا، ولیس لدی المجموعات الثلاث الرئيسة جدال عمیق حول صحته. وتقدِّر مجموعة الأزمات الدولية42، تعداد سكان محافظة كركوك بنحو 51. مليون نسمة؛ يعيش 800 ألف منهم داخل المدينة، والبقية تعيش في الأقضية والنواحي التابعة لها. ويشكّل الأكراد الأغلبية في الوقت الراهن عمومًا43. ومما يدل علی الأغلبیة الكردية في المدينة نتائج الانتخابات المتعاقبة التي أجريت منذ عام 0052 في المحافظة، فقد أظهرت أنّ الأحزاب الكردية هي الفائز الأكبر فیها. وعلى سبيل المثال، فازت الأحزاب الكردية بنسبة 59 في المئة من الأصوات، وب 62 مقعدًا من أصل 41 مقعدًا في مجلس محافظة کرکوك44. أضف إلی ذلك أنّ الأحزاب الكردية في المحافظة فازت بثمانية مقاعد من المقاعد الثلاثة عشر المخصصة لمحافظة كركوك في مجلس النواب العراقي، في حين حصل العرب على مقعدين، والتركمان على مقعدين أيضًا، وكان المقعد الأخير من نصيب المسيحيين الذين حصلو عليه وفق نظام "الكوتا"؛ لذلك، على الرغم من غياب إحصاء رسمي موثوق به في الوقت الحالي، تشير نتائج الانتخابات إلى أنّ الكرد هم الأغلبية العددية، مقارنةً بالمجموعات الأخرى. بعد عام 0032، اتفقت الأطراف العراقية على اقتسام السلطات على مستوى الدولة، لكنها لم تتمكّن من التوصل إلى تفاهم مماثل بشأن وضع كركوك. كان الخلاف الرئيس حول كركوك بين الجماعات العرقية الرئيسة الثلاث یتعلق بإدارة المحافظة45. ومنذ عام 0032، شُكِّلت ثلاثة مجالس للمحافظة في المدينة، ضمت كل الأطراف الموجودة في إدارة المدینة، ومن ثمّ انبثقت من تلك المجالس حكومات محلية. واستمرت الحكومة الأولى نحو ستة أشهر بين حزيران/ يونيو 2003 وكانون الأول/ ديسمبر 003.2 وخلال هذه الفترة، عيَّ الجيش الأميركي 30 عضوًا بطريقة غير مباشرة في المجلس البلدي لإدارة كركوك. وشُكِّل هذا المجلس من خمس كتل (الكرد، والعرب، والتركمان، والمسيحيين، والمستقلين)، ومُثِّل كل مُكوّن بستة أعضاء46. وشغل الكرد خمسة من المقاعد الستة التي كانت مخصصة لكتلة المستقلين. وتمّ توسيع الحكومة الثانية، واستمرت خلال الفترة من كانون الثاني/ يناير 0042 حتى كانون الثاني/ يناير 005.2 وكانت تسمى "مجلس المحافظة" الذي تألف من 40 عضوًا من كل شرائح المحافظة. وبدأت الحكومة الثالثة من كانون الثاني/ يناير 0052؛ إذ تمّ انتخاب 41 عضوًا في انتخابات عامة لمجلس المحافظة. وبعبارة أخرى، فإنّ الحكومة الثالثة القائمة منذ عام 0052 شُكِّلت بناءً على نتائج انتخابات مجالس المحافظات. في مرحلة ما بعد عام 0032، عمل الكرد على نحو وثيق مع قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية لمعالجة قضية كركوك، وأسفرت جهودهم عن تبني المادة 58 من "قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية" عام 2004 47، التي أوجبت على الحكومة الفيدرالية العراقية التحرك بسرعة لرفع الظلم الذي سببته ممارسات النظام السابق. وحددت المادة كيفية تصحیح سياسة التعريب من خلال عملية التطبيع لتسوية مشكلة إدارة المناطق المتنازع فيها. وحددت المادة خطوات التطبيع؛ ومنها: عودة النازحين، واستعادة ممتلكاتهم ومنازلهم، وإعادة الحدود الإدارية للمدينة إلى عهدها السابق، أي تغيير الحدود الإدارية لكركوك إلى حدود ما قبل 1. عام 976 وأخَّرت المادة التسوية النهائية للأراضي المتنازع فيها إلى حين تصديق الدستور الدائم. في عام 0052، تمّ تصدیق الدستور العراقي الجديد. وحلَّت المادة 401 محلّ المادة 58 في "قانون إدارة الدولة." ووضعت المادة 401 ثلاث خطوات من أجل معالجة قضية كركوك والمناطق الأخرى المتنازع فيها، هي: التطبيع، فالتعداد السكاني، ثمّ الاستفتاء لتحديد رغبة مواطني كركوك بشأن مستقبل مدینتهم وتقریر مصيرها. أمّا الخیارات المنطقیة لسؤال الاستفتاء التي یمكن أن تُستنبَط من روح المادة وفحوى نصها، فهي متعلّقة بالأسئلة التالية: هل يريد سكان كركوك البقاء تحت سلطة الحكومة المركزية؟ أم هل تصبح إقليمً فيدراليًّا متمتعًا بحكم ذاتي؟ أم هل تنضم إلى إقليم كردستان؟
وفق المادة 401، علی السلطة التنفيذية أن تتخذ الخطوات اللازمة لاستكمال تنفيذ مقتضيات المادة 58 بشأن المناطق المتنازع فيها التي تمتد، کما یشیر إلى ذلك بیتر بارتو، عبر الخط الشمال الغربي - الجنوب الشرقي من سنجار على الحدود العراقية - السورية إلى خانقين ومندلي على الحدود العراقية - الإيرانية، مع محافظة كركوك التي تُعدّ بؤرة النزاع48. بعبارة أخری، ليست المادة 401 محدَّدة بقضية كركوك فقط، ولكنها تتعامل مع جميع المناطق المتنازع فيها في البلاد، وهي تتمثل بمحافظات الموصل، وصلاح الدين، وديالى، وكركوك. تتطلب عملية التطبيع إعادة توطين العرب في مناطقهم الأصلية عودة الكرد والتركمان المطرودین إلى كركوك، وتغيير الوحدات الإدارية في كركوك إلى حدودها ما قبل عام 1976 49؛ أي إنه يجب أن تعاد إلى محافظة كركوك الأقضية الأربعة (جمجمال، وكلار، وكفري، وطوز خورماتو) التي ألحقها النظام البعثي بالمحافظات المجاورة لكركوك في عام 975.1 کان ينبغي إجراء الاستفتاء بحلول الموعد النهائي المنص`ب والترکمان أنّ عملیة التكرید التي بدأت منذ عام 0032 هي المشكلة الكبیرة أمام تطبیق المادة 401، وهم یتهمون حكومة إقليم كردستان بتشجيع الكرد على العودة إلى كركوك، لتغيير الترکیبة الإثنیة في المدینة؛ من أجل ضمان الأغلبیة في حال إجراء الإحصاء والاستفتاء. وبطبيعة الحال، یرفض الكرد هذە التهمة. أضف إلی ذلك مشكلات أخری، منها غموض جوانب الاستفتاء في الممادة 58 من قانون إدارة الدولة والمادة 401؛ وذلك لأنهما لم توفِّرا المتطلبات أو الخطوات المحددة بشأن كيفية إجرائه. وتشير إليزابيث فيريس وكيمبرلي ستولتز إلی ثلاث نقاط في هذا الصدد: أولً، لغة المادة 401 غامضة بخصوص المناطق التي یمكن أن يشملها الاستفتاء مع كركوك، وهذا بسبب الافتقار إلى تحديد "المناطق المتنازع فيها" وتعريفها في الدستور. ثانيًا، صعوبة التنبؤ بنتيجة الاستفتاء. وأخيرًا، الخلاف في التسجيل، أو أهلیة الناخبین، وهو أمرٌ یمكن أن یمنع التصويت طوال سنوات، إن لم يكن إلى أجل غير مسمّى. وعلاوةً على ذلك، لم تصل المجتمعات المحلية في كركوك إلى أيّ تسوية مناسبة لمستقبل مدينتها، ولدیها وجهات نظر متضاربة بهذا الشأن50. وهكذا، لا يزال الوضع المستقبلي للمدينة من دون حلٍّ، ولم یكن الدستور المؤقت تحت سلطة الائتلاف المؤقتة ولا الدستور العراقي الدائم لعام 0052 قادرين على حلّ مشكلة كركوك. هكذا تُظهر الأحداث السیاسیة لمرحلة ما بعد عام 0032 أنّ كركوك مدينة منقسمة سياسيًا بقدر كبير؛ لذلك استنتج ليام أندرسون وغريث ستانسفيلد أنّ كركوك هي "المدينة المقسَّمة بامتياز"51. ویمكن أن نذهب بعیدًا ونقول إنّ کرکوك لیست منقسمةً فحسب، ولكنها "منقسمة بعمق"، لأنّ تعریفات "المجتمع المنقسم" و"المجتمع المنقسم بعمق" التي تمّ ذکرها تنطبق علی حالة کرکوك. والأمر لا یتوقف عند هذا الحد، بل یمكن أن تصل حالة الانقسام إلی الاستقطاب. والمدن المستقطَبة، بحسب سكوت بولینز، هي المدن التي تكون فيها مجموعتان إثنیتان أو أکثر منقسمة دينیًّا، أو لغویًّا، أو ثقافیًّا، ولا تكون أيّ مجموعة إثنیة من المجموعات المتعايشة مستعدة للتنازل للآخرین52. وفعلً، يَعُدّ بولینز کرکوك مدینة مستقطَبة. وفي تحليل مقارن لسبع مدن مستقطبة (بروكسل، وجوهانسبرغ، وبلفاست، وسراييفو، والقدس، وبغداد، وكركوك)، يصنف بولینز هذه المدن إلى ثلاثة أنواع؛ هي: أولً، المدن المستدامة Cities Sustainable التي تشمل بروكسل (بلجيكا)، وجوهانسبرغ (جنوب أفريقيا)، حيث هناك اقتسام للسلطة واستقرار علی الصعیدين المحلي والوطني. ثانيًا، المدن الهشة Fragile Cities، مثل بلفاست (إيرلندا الشمالية)، وسراييفو (البوسنة والهرسك)؛ فهناك بعض التقدم فیهما، إلا أنّ ترتيبات الإدارة المحلية ليست مستقرة على نحوٍ كافٍ، والوضع معرض للانتكاس. ثالثًا، المدن القابلة للاحتراق Cities Combustible، وهي القدس (فلسطين)، وبغداد، وكركوك (العراق.) وفي الحالات المذكورة، لیست المدن فحسب هي التي تكون محلّ نزاع، ولكن أيضًا اقتسام السلطات فیها، حیث تتنافس الجماعات العرقیة في ملكیة تلك المدن وأحقیة إداراتها53. ويخلص بولینز إلى أنّ المدن المصنَّفة في المجموعة الثالثة يمكن أن تكون عقبات رئيسة أمام اتفاقات السلام الوطنية أو إدارة الصراع. وقد وصل أندرسون وستانسفيلد إلى النتیجة نفسها في تحلیلهما لحالة کرکوك؛ إذ یقولان: "ليس من المبالغة تأكيد أنّ مستقبل العراق يتوقف على إيجاد حلّ لمشكلة وضع كركوك"54. أمّا سيفيم، فيقول: "كركوك هي القلعة الأخيرة لحكومة بغداد من أجل حماية سلامة الأراضي العراقية"55. وهكذا ظلّت كركوك في قلب الصراعات بين الكرد والحكومات العراقية المتعاقبة، التي يُنظَر إليها دائمًا على أنها تهديد لسلامة البلد. وبناءً على ذلك، فإنّ إیجاد حلّ لمشكلة كركوك لا يعني إيجاد وسيلة لحلّ إحدی المشكلات المستعصية بالنسبة إلى
المحافظة فحسب، بل بالنسبة إلى البلد بكامله. فهذا الأمر يؤدي إلی تحقیق الاستقرار والسلام الدائم في المحافظة وربما في البلد أیضًا.
إستراتیجیات إدارة الاختلافات: لماذا تُقتسم السلطة؟
کما ذکرتُ من قبل، اهتم "قانون الإدارة للمرحلة الانتقالية" والدستور العراقي اهتمامًا خاصًّا بحل مشكلة كركوك. هناك ضرورة ملحّة لاقتسام السلطة داخل کرکوك، بغضّ النظر عن إمكان بقاء المدینة تحت سلطة الحكومة المركزية، أو أنّها ستصبح منطقة حكم ذاتي مستقل ضمن الفيدرالية العراقية، أو أنّها ستنضم إلى إقليم كردستان. وجدير بنا أن نذكر الإستراتيجيات المختلفة التي تستخدمها الحكومات للتعامل مع الاختلافات العرقية والدینیة، ولإدارة الصراعات في الأماكن المنقسمة بعمق. عادةً ما تستخدم الدول طريقتين رئيستين للتعامل مع الصراع العرقي، هما: القضاء على الاختلافات، أو إدارة الاختلافات. أمّا القضاء على الاختلافات، فيشمل: الإبادة الجماعية، والنقل الإجباري للسكان، والتقسيم Partition، والفصل Secession، والاندماج Integration، والاستیعاب Assimilation. وأمّا إدارة الخلافات، فتشمل آلیات الفدرلة واقتسام السلطة56. ويمكن إحراز هذا التمييز بطرق مختلفة، کالآتي: "الاستیعاب"، أو "نقل السلطة وتفویضها"، أو "القمع"، أو "التعایش"، أو "الرفض" أو "القبول"57. الإبادة الجماعية هي أسوأ نتيجة ممكنة للقضاء على الاختلافات الإثنیة والدینیة، يليها في ذلك الطرد أو الاستبعاد القسري. وتُعرّف الإبادة الجماعة بأنها تشمل "أيًّا من الأفعال التالية، المرتكَبة على قصد التدمير الكلّ أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية"58. وإذا كان الطرد القسري یستهدف نقل مجموعات عرقية أو إزالتها من إقليم معيّ، فإنّ الإبادة الجماعية أكثر فتكًا من الطرد القسري بسبب تركيزها في تدمير الإنسان59. وقد ارتكب حزب البعث العراقي بقيادة صدام حسين هاتين الجريمتين كلتيهما ضد أعداد كبيرة من السكان في العراق، وخصوصًا ضد الكرد والتركمان في كركوك في إطار سیاسة التعریب. أمّا القضاء على الاختلافات بالتقسيم والفصل فليس ممكنًا في كركوك؛ لأنها مدينة مختلطة، ولها ثلاثة خيارات محددة، وفقًا للدستور العراقي: أن تكون محافظة تحت سیطرة بغداد، أو تكون منطقة ذاتية تدیر نفسها بنفسها ضمن الدولة الاتحادية، أو تنضم إلى إقليم كردستان. تمیل إستراتيجية الاستیعاب إلی الجماعة التي تمثّل الأغلبية، ومحاولة جعل الأقليات والجماعات الضعیفة تتلاءم مع ثقافة الجماعة القویة والمسیطرة في المجتمع. وبحسب مكاري وأوليري، يهدف الاستیعاب في نهاية المطاف إلى خلق هوية عرقية مشتركة من خلال دمج الاختلافات، واستخدام بوتقة الانصهار Pot Melting 60. وفي هذه الإستراتیجیة، يعامَل كل فرد بوصفه مواطنًا، لا بوصفه عضوًا في مجموعة إثنية أو ثقافية معينة. ويمكن أن تكون هذه الإستراتيجية مجديةً مع المهاجرين الذين تركوا أوطانهم والذين يتمنون أن يتمّ استیعابهم في المجتمع الذي یختارون أن یعیشوا فیە (مثل كثير من المهاجرين في المملكة المتحدة أو كندا.) ولكنّ هذا الأمر غير مقبول في المجتمعات المنقسمة. وقد ثبت فشل سیاسات الصهر والدمج القسري، وخطورتها أيضًا، في النموذج الترکي الذي استهدف الكرد طوال قرن من الزمان تقريبًا. إذًا، الدمج القسري، ولیس الاندماج الطوعي، مشكلة؛ أخلاقيًّا وسياسيًّا61. وفي کرکوك، جرت محاولات الدمج القسري من خلال إجبار غير العرب على تسجيل أنفسهم بوصفهم عربًا. ولكنّ تلك المحاولات باءت بالفشل وثبت أنها غیر فعّالة لإدارة المدینة. على عكس الاستیعاب، يستطيع الفرد، في إطار إستراتيجية الاندماج، أن یحافظ على تميزه الثقافي. ولا تسعى الحكومة أو السياسة، بوجه عامّ، إلى تحقيق التجانس الثقافي الكامل وانصهار الأقليات في بوتقة الثقافة السائدة. وفي الإستراتیجیة المذكورة، يكون الناس أحرارًا في فتح مدارسهم بلغاتهم، وممارسة أدیانهم، لكنهم لا يحصلون على الإعانات الحكومية للقيام بذلك62. ويعني هذا أنّ هناك اعترافًا بالاختلافات في المجالات والشؤون الخاصة. ومع ذلك، فإنّ المجال العام متجانس، بمعنى أنه يُفضَّ ل أن تكون هناك لغة ورموز عامة مشتركة للبلد المعنيّ. وتشجّع سیاسة الاندماج مشاركة الأقليات في الحياة العامة، ولكنها تتوقع منها أن تغادر ثقافاتها الخاصة على أبواب المسائل العامة؛ كما "يتوقع بعض المؤسسات والناس من
الزوار أن یتركوا أحذیتهم قبل الدخول"63. إستراتیجیة الاندماج هي السائدة بين الدول الأوروبية. ولكن من غير المرجح أن يكون الاندماج مقبولً في المجتمعات المنقسمة. في العراق، مثلً، رُفِضت هذه الإستراتیجیة منذ البدایة، حينما ورد في قانون "إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية" اتباع نموذج التوافقية واللامركزية والفيدرالية للبلد. وعلی جانب آخر، يتعذر تطبیق الفيدرالية علی أُسس إثنية في الأماكن التي تختلط فیها الجماعات العرقیة والدینیة؛ حيث يكون الاستقلال القطاعي هو الخيار الأنسب. إذًا، في مجتمع متعدد ومنقسم مثل کرکوك، من المستبعَد جدًّا أن تقبل الفئات المختلفة إستراتیجیة الاندماج، والفيدرالیة لیست خیارًا للمدینة من حيث الأصل؛ لأنها مدينة مختلطة، فیها جماعات عرقیة ودینیة مختلفة. ديمقراطية الأغلبية Democracy Majoritarianهي خيار آخر، وتسمى أيضًا "النموذج البريطاني" أو "نموذج وستمنستر." وفي هذا النوع من الديمقراطية، هناك معارضة مقابل حكومة، والمرشحون الذین يمثلون أغلبية المجتمع هم الذين يشكّلون الحكومة، وتتشكّل المعارضة من الأحزاب التي لم تحصد أغلبیة أصوات الناخبین. ولكنّ تطبيق هذە الديمقراطية في المجتمعات المنقسمة سيمثّل كابوسًا للأقليات. وكما یقول لیبهارت، في المجتمعات المنقسمة "ليس حكم الأغلبية غير ديمقراطي فحسب، ولكنه خطِر أيضًا"؛ لأنه يحرم الأقليات من الوصول إلى السلطة، فيخلق هذا شعورًا بالإقصاء والتهمیش والتمييز لدی الأقلیات، وهو أمرٌ قد یزعزع ولاءهم للحكومة. وفي هذه الحالة، يكون الاستقرار السیاسي الحقیقي بعید المنال64؛ لذلك، يبين أرينت ليبهارت أنّه ثمّ ة "إجماع ضد أنظمة الأغلبية في المجتمعات المنقسمة"65. هناك نوع آخر من الدیمقراطیة يسمى "الدیمقراطیة الإثنیة"، وهي دیمقراطیة من الدرجة الثانیة، تفتقر إلى میزة "المساواة المدنیة." وإذا أردنا أن نحدد موقعها بین الدیمقراطیات الأخرى، فإنّه یمكننا وضعها بین الدیمقراطیة التوافقیة واللادیمقراطیة66. فهي تتّصف بأنّها "إثنیة"؛ لأنها تفضل سیطرة الإثنیة التي تمثّل الأغلبیة علی الأقلیات من حیث إعطاء الحقوق. وإنّ إسرائیل هي نموذج للدیمقراطیة الإثنیة، لأنها دولة یهودیة تمنح حقّ التصویت والمواطنة للعرب الذین بقوا داخل حدود ما قبل عام 9671، ولكنها تمارس التميیز في حقهم قانونیًّا وواقعیًّا67. هذه الديمقراطية لا يمكن تطبيقها في كركوك؛ فالعرب والترکمان لا يقبلون أن يمارَس هذا النوع من التمیيز في حقهم، ولذلك فإنّها دیمقراطیة لا تستطیع أن تقدّم حلًّ مناسبًا لتخفیف الصراع في المدینة. هنالك إستراتیجیة دیمقراطیة أخری تُسمَّی "نظریة المحوریة" Centripetalism of Theory. وترتبط هذه النظریة بكتابات دونالد هورويتز الذي وصفها ب "التحالف بين المعتدلين من الإثنیات المختلفة قبل الانتخابات"، وحشد التأييد العابر للخطوط الإثنية68. ویعمل هذا النظام علی تقلیل التطرف، ويحثّ على الاعتدال، من خلال اختیار نظام انتخابي يسمی "الصوت البدیل" Alternative Vote. ویسمح هذا النظام الانتخابي للناخبین بترتيب مرشَّحهم المفضل في صناديق الاقتراع؛ لتسهيل انتخاب السياسيين المعتدلين في مختلف الجماعات والإثنیات69. ولكسب أصوات الناخبین المنتمین إلى الجماعات الأخرى، على الأحزاب السياسية "تلطيف" موقفها في ما يتعلّق بالمسائل ذات الاهتمام الاجتماعي. وإنّ الأمر المأمول هو أن تشكّل تحالفًا قويًّا عابرًا للخطوط الإثنية من المعتدلين على نحوٍ كافٍ لصد المتطرفين70. باختصار، یعتقد مؤيدو هذه النظریة أنّ إدراج جميع الجماعات المهمة، من دون أن تؤخذ مسألة الاعتدال في الحسبان، لا يعزز الاستقرار السياسي في المجتمعات المنقسمة. ویرى المحوریون أنّ إدراج المتطرفین في حكومة ائتلافية موسعة يمثّل تهديدًا لاستقرار الحكومة. بعبارة أخرى، تدعم هذه النظریة المعتدلين ضد المتطرفين71. على الرغم من أنّ هذه النظریة تُعَد شكلً من أشكال اقتسام السلطة، فإنها تصبّ في نهایة المطاف في مصلحة المجموعة التي تمثّل الأغلبية في المجتمعات المنقسمة. وفي حالة العراق، يستنتج لیبهارت أنّ هذا النموذج لو طُبِّق علی مجلس الحكم العراقي، لأنتج هیئة شيعیة، ولكنْ على أن يكون معظم الأعضاء الشيعة في تلك الهيئة من المعتدلين والمتعاطفين مع مصالح السنة والكرد. ويشير لیبهارت، على نحو مقنعٍ، إلى أنّ الكرد والسُنة ما كانوا ليقبلوا بمثل هذا النموذج؛
لأنّ الجماعات الإثنیة تفضّ ل أن تكون ممثلة من أعضائها، وليس من الأعضاء المعتدلين من المجموعات الأخرى، ولا سيما في المجتمعات التي مرّت بمرحلة العنف والاصطدام العسكري التي تمتاز بفقدان الثقة بين مختلف الجماعات72. وإن حظيَ هذا النموذج بالتطبيق في كركوك، فإنّ ذلك سيؤدّي إلى تشكّل مجلس المحافظة من الكرد فقط؛ ذلك أن الأحزاب الكردية المعتدلة هي التي ستسیطر حينئذٍ على المجلس، في حين أنّ باقي القوميات الأخرى، من العرب والترکمان، لن تستطيع الوصول إلی المجلس. وبناءً عليه، فإنّ هذا السيناريو مستبعد، ولا يمكن الاعتماد عليه لحلّ قضية كركوك في المستقبل؛ إذ لا یُتَوقع من العرب والترکمان أن یقبلوا بالتهميش وانفراد الأكراد بالسيطرة علی المجلس، حتى إن كان هؤلاء الأكراد من المعتدلين.
یمكن بعض تلك الإستراتیجیات المذکورة؛ کالإبادة الجماعیة، والنقل الإجباري للسكان، والاستیعاب القسري، أن تحقق الاستقرار في المجتمعات المنقسمة، ولكنه استقرار فاقد للدیمقراطیة. ومن ناحية أخرى، نرى أنّ حكم الأغلبیة، والإستراتیجیة المحوریة، یُعدَّان نظامين دیمقراطیين، ولكنّ الأقلیات والمجموعات الضعیفة تخسر دائمًا في ظلهما؛ لذلك لا تقدّم هذه الإستراتیجیات حلولً مناسبة للمجتمعات المنقسمة إذا أردنا تحقيق الاستقرار السیاسي وتحقيق الدیمقراطية في آنٍ واحد. فالهدف من وراء هذه الدراسة، هو تحقيق استقرار سیاسي في مناخ دیمقراطي في کرکوك، والغاية هي تحقیق السلام الدائم فیها. وبناءً على ذلك، مقارنةً بالبدائل المذکورة، یمكن أن نقول إنّ اقتسام السلطة (الدیمقراطیة التوافقیة في هذا السياق) هو أنسب آلية مؤسسية لإدارة الصراع في کرکوك. وكما يقول أوليري، فإنّ اقتسام السلطة - على عكس إستراتيجيات الإبادة الجماعية والطرد والتقسيم والسيطرة - يهدف إلى الحفاظ علی دولة ما بمشاركة فاعلة وموافقة من أقلياتها73. ويلاحظ أيضًا أنّ مزايا اقتسام السلطة تظهر أكثر وضوحًا حينما تقارن بالبدائل الأخرى. وترتبط النظرية التوافقية ارتباطًا وثيقًا باسم لیبهارت، وحجته الأساسية أنّ التعاون على مستوى النخبة في المجتمعات المنقسمة يمكن أن یُهدِّئ النزاع، وأن يؤدي إلی التغلب على الخلافات الطائفية العميقة. وتنبع أهمية تعاون النخبة، كما یوضح ماتیس بوکاردس، من افتراض مفاده أنّ الديمقراطية ممكنة في المجتمعات المنقسمة إذا تعاونت النخب السیاسیة، في حال بقاء القاعدة الشعبية منقسمة74. یشیر لیبهارت إلى أنّ المجتمعات المتعددة في حاجة إلى نظام ديمقراطي یعزِّز التوافق بدلً من المعارضة، ویعمل علی احتواء القوی السیاسیة الفاعلة في الحكومة بدلً من استبعادها. ويؤدي حكم الأغلبیة في هذه المجتمعات إلی طغیان الأغلبیة، وینبغي تجنب هذه النتيجة الوخیمة في المجتمعات المنقسمة. إنّ الدیمقراطیة التوافقیة هي البدیل الأمثل بحسب مؤيديها. ومن وجهة نظر ليبهارت، تكون الدیمقراطیة التوافقية "ألطف" كثيرًا بالنسبة إلى المجتمعات المنقسمة من ديمقراطية الأغلبية التي يأخذ الفائز فیها كلّ شيء75. ويمكن إبراز أهمّ عناصر الديمقراطية التوافقية كما يلي76: ائتلاف واسع: العنصر الأول والأهمّ للديمقراطية التوافقية هو أن يكون لكل المجموعات الكبيرة تمثيل فعّال؛ بعبارة أخرى، تشترك کل القطاعات المؤثرة من المجتمع التعددي في السلطة التنفيذية. ومن الممكن مقابلة ذلك بنموذج حكومة - ضد - المعارضة، أو ما یسمی بالنموذج البریطاني. ويرى دعاة التوافقية أن تشكيل ائتلاف واسع هو أكثر ملاءمةً من النموذج البریطاني لتحقيق الاستقرار السياسي في المجتمعات المنقسمة. ويمكن أن يتخذ الائتلاف الواسع أشكالً مختلفة؛ وقد يظهر في نظام برلماني أو نظام رئاسي. وأهم نقطة هنا هي وجود مبدأين مهمین قبل قيام أيّ حكومة ائتلافية موسّ عة وبعد ذلك؛ هما: إدراج القطاعات المهمة والمؤثرة من المجتمع التعددي في العملیة السیاسیة، والتعاون بین نخب تلك الجماعات بعد تشكیل الحكومة. الفیتو المتبادل: يعني الفيتو المتبادل منح الحق لكل قطاع لمنع التغييرات التي تؤثّر سلبيًا في مصالحهم الحيوية. وهذا الحق مهمّ لحماية الأقليات، لأنّ وجودهم في الائتلاف وحده لا يضمن الحماية الكاملة لحقوقهم، فقد تُهزَم مشاريعهم أمام أصوات الأکثریة، ومن غير المقبول إصدار قرار ما يؤثر سلبيًا في المصالح الحیوية للأقلیات؛ لأنّ إصدار قرار على هذا النحو يعرِّض التعاون بین نخب تلك الشرائح للخطر. وبناءً على ذلك، ولضمان کامل للحمایة السیاسیة، لا بد من منح حقّ الفیتو لكل القطاعات المشارکة في الحكومة الائتلافیة.
النسبیة: تعني النسبية أنّ مختلف القطاعات لا بدّ أن تكون ممثلة نسبيًّا في الحكومة، والمؤسسات العامة، وفي التوظيف في القطاع العام. والنسبیة، مثلها مثل الفیتو المتبادل، وثيقة الصلة بمبدأ الائتلاف الواسع، کما أنها طریقة في توزیع الموارد المالية القلیلة والتعيينات في الإدارات المدنية في مختلف القطاعات. ویمكن مقابلتها بمبدأ "الرابح یأخذ کل شيء" في حكم الأکثریة غیر المقیدة77. الاستقلال القطاعي: يشير مبدأ الاستقلال القطاعي إلى أنّ كل أقلية تحظى بقدر متميز من الحكم الذاتي، وخصوصًا في مجال الاهتمامات الثقافية للأقلية. وتتخذ کل القطاعات داخل الحكومة القرارات معًا حول الشؤون التي تعني الجمیع. أمّا القرارات المعنية بأقلیة محددة، فینبغي أن تتخذها تلك الأقلیة حصرًا. مقارنةً بالإستراتیجیات الأخرى، تعترف النظریة الدیمقراطیة التوافقیة بوجود انقسامات قطاعية، وتعدّها لبنة أساسية لبناء النظام السياسي في المجتمعات المنقسمة؛ بمعنی آخر، تقدّم هذه النظریة أقصى اعتراف بالأقلیات من خلال الاعتراف بالانقسامات القطاعية، بدلً من السعي إلى إلغائها أو إضعافها عمدًا، وتتيح لها الاستقلالیة الثقافیة، وحق التمثیل في الحكومة. وهكذا، تهدف هذه النظریة إلى تحقيق الاستقرار السياسي والدیمقراطیة معًا على نحو متناغم في مجتمع متعدد الأطیاف. على الرغم من ذلك، تعرضت الدیمقراطیة التوافقیة لانتقادات لاذعة؛ لعل أبرزها أنها تعزِّز العقلیة العرقیة والتفرقة في المجتمع. ويؤدي هذا الأمر إلی تعمیق الانقسامات الموجودة، بدلً من تشجیع الاعتدال وحلّ الصراعات، وهو ما قد يشجع - من وجهة نظر منتقدي التوافقیة - قادة مختلف القطاعات على استغلال الوضع، من خلال الحفاظ على الانقسامات وترسيخ الطائفية، لتعزيز مواقعهم. علاوةً علی ذلك، فإنّ المؤسسات التوافقية، من وجهة نظر منتقديها، يمكن أن توفر وسيلة لتخفیف حدة الصراع العرقي في المدى القصير، لكن هناك دائمًا إمكانية لاندلاع الصراعات مرةً أخرى في المدى الطويل. أمّا مؤيدو التوافقیة واقتسام السلطة، فيجادلون بأنّ الهويات الجماعیة تنزع إلى أن تكون دائمة حالما تُصنَع. ويشير أوليري78، على سبيل المثال، إلى أنّ الهويات الجماعیة غالبًا ما تكون دائمة، وصلبة، وثابتة، بدلً من أن تكون زائلة، ولينة، وسريعة التحول. وحينما تُشكّل الهويات الجماعية على أسس العرق أو اللغة أو الدين، فسوف تدوم ولن تذوب بسهولة. وینتقد أولیري معارضي التوافقیة بأنهم منحازون إلی إستراتيجيتَي الاستیعاب والدمج القسري، ویستنتج أنّ محاولات تطبيقهما في الأماکن المنقسمة بعمق غیر عادلة، ولا يمكن أن تنجح إلا بسفك دماء کثیرة؛ لأنّ الهویات الإثنیة لیست کغيرها من الهویات، کالطبقة الاجتماعیة، التي یمكن أن تتغیر بسهولة تقریبًا. وفي هذە الحالة، يجب الاعتراف بالهویات الإثنیة من خلال تصمیم الآلیات المؤسسیة لإدارتها. وأخیرًا، یعترف مؤيدو الدیمقراطیة التوافقیة بأنّ المجتمعات المنقسمة ليست مثالية لإقامة الديمقراطية والاستقرار السياسي في المقام الأول، إلا أنهم یعتقدون أنّ البدائل التي تبنّاها منتقدو التوافقية لا يمكن أن تحقق نتائج أفضل ممّ تحققه التوافقیة للمجتمعات المنقسمة. وينطبق هذا على كركوك؛ ولذلك، یمكن القول نظريًّا إنّ اقتسام السلطة هو أفضل وسیلة دیمقراطیة لتحقیق الاستقرار السیاسي في المدینة. أمّا عمليًّا، فهناك أرضیة مناسبة لتبنّي اقتسام السلطة والدیمقراطیة التوافقیة. هناك المحاولات والاتفاقات وإعلانات المبادئ والتفاهمات التي تمّ التوصل إليها بين أطراف مختلفة في كركوك لاقتسام السلطة منذ عام 003.2 هناك، مثلً، اتفاق 2 كانون الأول/ ديسمبر 0072 بين أعضاء كتلة التجمع الجمهوري العراقي، وهم خمسة أعضاء عرب في مجلس محافظة كركوك، وكتلة كركوك المتآخية في المجلس، وهي كتلة تسيطر عليها الأحزاب الكردية، لاقتسام السلطة في المحافظة. ووفق هذا الاتفاق، أُعطي منصب نائب المحافظ للمكون العربي، وتمّ الاتفاق علی اقتسام السلطة وفق صيغة 4-32-32-32 بین الكرد والعرب والترکمان والمسیحیین79. وهناك أيضًا إعلان البحر الميت حول كركوك في كانون الأول/ ديسمبر 0082، وإعلان برلين في نيسان/ أبريل.2009 وقد نظمت "مؤسسة فریدریش ناومان من أجل الحریة" مؤتمرًا بعنوان "تسهيل الترتيبات الإدارية لكركوك" ل 32 شخصًا من صنّاع القرار السياسي في محافظة كركوك في منطقة البحر الميت في الأردن، 2. خلال الفترة 1 - 5 كانون الأول/ ديسمبر 008 وكان الهدف من المؤتمر هو تناول توصيات منصوص عليها في المادة 32 من قانون انتخاب مجالس المحافظات، والبحث عن التعايش السلمي في المحافظة، ومناقشة ترتيبات عادلة وممكنة لاقتسام السلطة في المحافظة80. وفي خطوة ملحوظة من التعاون، وقّع المشاركون إعلانًا مشتركًا يسمى "إعلان البحر الميت"، اتفقوا فيه في النقطة الأولى على تنفيذ مبدأ اقتسام السلطة. كما اتفقوا على العمل على تحقيق بعض القضايا الرئيسة الأخرى؛ مثل تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والإدارية،
ودعم لجنة المادة 32 المكونة من سبعة أعضاء، والتعجيل بعملية حل نزاعات الملكية في كركوك. وخلال الفترة 28 - 30 نيسان/ أبريل 0092، عقدت المؤسسة نفسها ورشة عمل لاحقة في برلين بعنوان "تنفيذ إعلان البحر الميت: حلول عادلة ودائمة لتحديات الحكم في كركوك"، وأسفرت عمّ عُرف لاحقًا باسم "اتفاق برلين." وقد اتفق المشاركون على عدة نقاط، وأكدوا التزامهم بمبادئ إعلان البحر الميت وأحكامه. وشددوا، أيضًا، على أهمية تنفيذ ترتيبات اقتسام السلطة المتفق عليها فعلً في الاتفاق الكردي - العربي في 2 كانون الأول/ ديسمبر 0072، کما أکدوا أهمية تنفیذ المادة.23 وفي آذار/ مارس 0112، تمّ الاتفاق بين كتلة كركوك المتآخية والجبهة التركمانية على تسمية النائب الكردي، آنذاك، نجم الدين كريم، محافظًا؛ والنائب التركماني الحالي، حسن توران، رئيسًا لمجلس المحافظة. وکان هناك نوع من اقتسام السلطة منذ عام 0032 في المحافظة، وإن لم يتخذ شكلً أو إطارًا رسميًّا. وتكمن مشكلة هذه التركيبة غیر الرسمیة في أنها عرضة للانتكاس في أيّ وقت. أمّا سبب الإحجام عن تبني اقتسام السلطة رسميًّا حتى الآن، فهو أنە یُعَد رغبة محلیة للمكونات الموجودة في المحافظة. وکما ورَد في مقدمة هذا البحث، فإنّ مشكلة كركوك لها أبعاد وطنية وإقليمية ودولية. ويستلزم تبنّي اقتسام السلطة رسمیًّا اتفاق الحكومة المرکزیة وإقلیم کردستان معًا علی حلّ هذه المعضلة. وعلى الرغم من أنّ مشكلة الحوکمة في کرکوك ومشكلة مستقبل کرکوك مختلفتان، فإنّهما مترابطتان. وفي حالة تسوية مشكلة مستقبل كركوك، فإن إيجاد حلّ لحكمها وإدارتها سيكون أسهل. وبما أنّ تسویة مشكلة مستقبل کرکوك معقدة، فمن المهم أن یكثف صنّاع القرار في كركوك جهودهم لإقناع المسؤولین المعنیین في أربیل وبغداد؛ بأن یأخذ الإجماع علی ضرورة اقتسام السلطة في المحافظة شکلً رسمیًا.
خاتمة
کانت كركوك مدينة متنوعة، عاشت فیها القومیات المتعددة بسلام طوال عدة قرون حتی بدایة القرن العشرین. وبعد اكتشاف النفط في المدينة، بدأت الحكومات العراقية المتعاقبة بتنفيذ سياسة التعريب لإعطاء المدينة هوية عربية. وكان لسياسة التعريب أثر كبير في إيقاظ الاختلافات العرقية، خصوصًا بين الأكراد والتركمان. وهكذا، ظهرت خطوط الإثنية بالتدريج، بطريقة حولت کرکوك من مدينة متآخیة، إلى مدينة منقسمة بعمق ولا سيما علی المستوى السیاسي. ومنذ عام 0032، تحولت كركوك من مدينة منقسمة إلى مدينة مستقطَبة، تُ ثَّل فيها الجماعات الإثنیة بأحزاب وشخصيات سياسية، ولكل مجموعة عرقیة فیها قصصها الخاصة، وما من أحد مستعد لتقديم تنازلات للآخرين. ليست قضیة کركوك مشكلة محلیة فحسب، ولكنّ لها أبعادًا وطنیة وإقلیمیة ودولیة أیضًا. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ القضية تتعلق بثلاث نقاط رئیسة، هي: النفط، ومستقبل المحافظة، وکیفیة إدارتها محلیًّا. وهذه المشكلات مترابطة ترابطًا وثيقًا. ثمة إستراتیجیات مختلفة للتعامل مع الخلافات الإثنیة في الأماکن المنقسمة، لكنّ إستراتيجية اقتسام السلطة، أو الديمقراطية التوافقية هي الإستراتيجية المثلى في حالة کرکوك؛ لأنها یمكن أن تجمع بين الاستقرار والدیمقراطیة في آنٍ واحد. كما أنّ فرصة تطبيق هذه الإستراتيجية أكبر عمليًّا، مقارنةً بالإستراتيجيات البديلة، بفضل الخبرة السابقة بعد عام 0032، ووجود تفاهمات متعددة بشأنها. وبما أنّ مشكلة کرکوك لها بعد وطني، إضافةً إلى أنّ الممثلین المحلیِّین في کرکوك لیست لديهم سلطة کافیة لحسم الأمور والوصول إلی التسویة النهائیة، فإنّ نجاح أيّ محاولة للتسویة مرهون بمشاركة حكومة إقلیم کردستان والحكومة المرکزیة مشاركةً فعّالةً. في ما يتعلّق بحسم مشكلة مستقبل المحافظة، سيكون حسم مشكلة 1 الحوکمة فیها أسهل إلى حدّ ما. ولكن بما أنّ المادة 40 لم تستطع حلّ المشكلة، والأطراف المختلفة لم تتوصل إلى أيّ اتفاقیة بصدد مستقبل المحافظة، فمن المهمّ أن تسعی المكونات الموجودة في المحافظة إلی حلّ مشكلة الحوکمة فیها بغضّ النظر عن مستقبلها.
المراجع
العربية
قادر، جبار. قضایا کردیة معاصرة: کرکوك – الأنفال - الکرد وترکیا. أربیل: دار آراس للطباعة والنشر،.2006
الأجنبية
Anderson Liam & Gareth Stansfield. Crisis in Kirkuk: The Ethnopolitics of Conflict and Compromise. Philadelphia: University of Pennsylvania Pres, 2009. Anderson, Liam. Federal Solutions to Ethnic Problems: Accommodating Diversity. London: Routledge, 2012. _________. “Power-Sharing in Kirkuk: Conflict or Compromise?” paper presented at the Globalization. Urbanization and Ethnicity Conference. Queen’s University. Ottawa. 3-4/12/2009.
Bartu, Peter. “Wrestling with the Integrity of a Nation: The Disputed Internal Boundaries in Iraq.” International Affairs. vol. 86. no. 6 (2010). Batatu, Hanna. The Old Social Classes and the Rvolutionary Movements of Iraq: A Study of Iraq’s Old Landed Classes and Its Communists, Bathists and Free Officers. Princeton: Princeton University Press, 1978. Bet-Shlimon, Arbella. “The Politics and Ideology of Urban Development in Iraq’s Oil City Kirkuk, 1946– 58.” Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East. vol. 33. no. 1 (2013). ________. “Group Identities, Oil, and the Local Political Domain in Kirkuk: A Historical Perspective.” Journal of Urban History. vol. 38. no. 5 (2012). ________. “Provincial Histories of Twentieth-Century Iraq: Reflections on the Research Process.” TAARII Newsletter (2011). at: http://bit.ly/2xxRQni Bilson, S. et al. Kirkuk: Reaching a Comprehensive Settlement for a Disputed Province (2011). at: http://bit.ly/2gayty7 Bogaards, Matthijs M. “Democracy and Power- Thematic States: Multinational in Sharing Introduction.” International Journal on Multicultural Societies. vol. 8. no. 2 (2006). Cordell, Karl & Stefan Wolff (eds.). Routledge Handbook of Ethnic Conflict. London: Routledge, 2011. Dahlman Carl & Gearóid Ó. Tuathail. “Broken Bosnia: The Localized Geopolitics of Displacement and Return in Two Bosnian Places.” Annals of the Association of American Geographers. vol. 95. no. 3 (2005). Romano, David. “The Future of Kirkuk.” Ethnopolitics. vol. 6. no. 2 (2007). Dawisha, Adeed I. “Democratic Institutions and Performance.” Journal of Democracy. vol. 16. no. 3 (2005). Ferris, Elizabeth & Kimberley Stoltz. The Future of Kirkuk: The Referendum and Its Potential Impact on Displacement. The Brookings Institute and University of Bern, 2008. at: http://brook.gs/2zgfqHk Galleti, Mirella. “Kirkuk: The Pivot of Balance in Iraq: Past and Present.” Journal of Assyrian Academic Studies. vol. 19. no. 2 (2005). Guelke, Adrian. Politics in Deeply Divided Societies. Cambridge: Polity, 2012. Hanish, Shak. “The Kirkuk Problem and Article 140 of the Iraqi Constitution.” Digest of Middle East Studies. vol. 19. no. 1 (2010). Heacock, Ashley. Conflict in Kirkuk: Understanding Ethnicity (2010). at: http://bit.ly/2gafK5y Heraclides, Alexis. “Ethnicity, Secessionist Conflict and the International Society: Towards Normative Paradigm Shift.” Nations and Nationalism. vol. 3 no. 4 (1997). Horowitz, Donald L. “Ethnic Power Sharing: Three Big Problems.” Journal of Democracy. vol. 25. no. 2 (2014). _________. “Conciliatory Institutions and Constitutional Processes in post-Conflict States.” William and Mary Law Review. vol. 49. no. 4 (2008). Human Rights Watch. Claims in Conflict: Reversing Ethnic Cleansing in Northern Iraq. HRW, 2/8/2004. at: http://bit.ly/2gtWywM International Crisis Group. Iraq and the Kurds: The Brewing Battle over Kirkuk. Report no. 56 (18 July 2006). at: http://bit.ly/2xynHo5 Jaffe, Amy Myers. Iraq’s Oil Sector: Past, Present and Future (2007). at: http://bit.ly/2gujBYp Janabi, Nazar. “Kirkuk's Article 140: Expired or not?” The Washington Institute. 30/1/2008. at: https://goo.gl/7dQpXP Kymlicka, Will (ed.). The Rights of Minority Cultures. Oxford: Oxford University Press, 1995. Letayf, Patricia. “An Ethnic Tug-of-War? The Struggle over the Status of Kirkuk.” NIMEP Insight (2011). at: http://bit.ly/2gama4P
Lijphart, Arend. Thinking about Democracy: Power Sharing and Majority Rule in Theory and Practice. New York: Routledge 2008. _________. “Constitutional Design for Divided Societies.” Journal of Democracy. vol. 15. no. 2 (2004). _________. Patterns of Democracy. New Haven and London: Yale Univesity Press, 1999. _________. Democracy in Plural Societies: A Comparative Exploration. New Haven and London: Yale University Press, 1977. McCulloch, Allison. Power-Sharing and Political Stability in Deeply Divided Societies. London and New York: Routledge, 2014. McDowall, David. A Modern History of the Kurds. London and New York: I.B. Tauris, 2004. McEvoy, Joanne & Brendan O'Leary (eds.). Power Sharing in Deeply Divided Places. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2013. McGarry, John & Brendan O'Leary. “The Political Regulation of National and Ethnic Conflict.” Parliamentary Affairs. vol. 47. no. 1 (1994). _________. The Politics of Ethnic Cconflict Regulation: Case Studies of Protracted Ethnic Conflicts. London: Routledge, 1993. Natali, Denise. “The Kirkuk Conundrum.” Ethnopolitics. vol. 7. no. 4 (2008). O'Flynn, Ian. “Review Article: Divided Societies and Deliberative Democracy.” British Journal of Political Science. vol. 37 (2007). Peltier, Isaac J. Surrogate Warfare: The Role of American Special Forces (2005). at: https://goo.gl/EfjhLZ Reilly, Benjamin. Democracy in Divided Societies: Electoral Engineering for Conflict Management. Cambridge: Cambridge University Press, 2001. Sevim, Tu ğ çe Varol. “Rethinking Past, Today and Future of Kirkuk and Its Black Gold.” European Journal of Research on Education. Special Issue (2014). Smooha, Sammy. “Types of Democracy and Modes of Conflict Management in Ethnically Divided Societies.” Nations and Nationalism. vol. 8. no. 4 (2002). Talabany, Nouri. Iraq’s Policy of Ethnic Cleansing: Onslaught to Change National/ Demographic Characteristics of the Kirkuk Region (1999). at: http://bit.ly/2gayty7 Van Den Berghe, Pierre L. “Multicultural Democracy: Can It Work?.” Nations and Nationalism. vol. 8. no. 4 (2002). Wolff, Stefan. “Governing (in) Kirkuk: Rsolving the Status of a Disputed Territory in post-American Iraq.” International Affairs. vol. 86. no. 6 (2010).