الأمن الجماعي في جامعة الدول العربية بين النظريات الواقعية والبنائية
عنوان الكتاب: الأمن الجماعي في جامعة الدول العربية بين النظريات الواقعية والبنائية. المؤلف: أحمد علي سالم. سنة النشر: 2.016 الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. عدد الصفحات: 333 صفحة.
Collective Security in the Arab League: Realistic and Structural Theories
مقدمة
تركز الدراسات التقليدية في حقل العلاقات الدولية على تحليل العوامل التي تدفع "الدولة"، بوصفها الفاعل الأساسي في النظام الدولي وفق المنظور الواقعي، إلى الحرب، وكذلك عوامل السلام والأدوات التي تحققه، علمً أنّ أسباب الحرب ليست المسألة الوحيدة التي تثير الجدل الفكري بين منظري العلاقات الدولية اليوم، فلقد ظهرت مجموعة من الأزمات والمشكلات والمسائل المختلفة التي فرضت نفسها على دارسي العلاقات الدولية، منها علاقات التعاون بين الدول التي تضبطها المنظمات الدولية، والدور الذي يمكن تلك المنظمات أن تقوم به لناحية تغيير أولويات الجهات الدولية الفاعلة في النظام الدولي، وحدود التقدم في التطرق إلى المشكلات السياسية العالمية العاجلة وإمكانيات التوصل إلى حلول مرضية ومقنعة لمشكلات الفقر والأزمة الاقتصادية، وصولً إلى الإرهاب أو التغير المناخي، بالنظر إلى أن المنظمات الدولية تعكس الحاجة المتزايدة إلى أدوات دولية جديدة تضبط الأداء والتفاعل السلوكي بين الدول، وتحدّ من اندفاعها وتعمل على عقلنة أهداف سياستها الخارجية وهي تسعى إلى تحقيق مصالحها الذاتية وتدفع بها إلى إيجاد حلول للمشكلات الدولية والبحث عن سبل التعاون والتضامن لإقامة عالم مستقر وآمن. المنظمات الدولية هي نتاج الحاجة إلى تحقيق أهداف تعاونية غير تصارعية تساعد المجتمع على تجاوز حالة الفوضى Anarchy التي تميز النظام الدولي، ومن ثم تأخذه إلى آفاق أرحب من العمل المشترك الهادف والبناء، لخلق أوضاع مستقرة تضمن للدول كافة أن تعبّ عن إرادتها في إنشاء وسيلة أو أداة تسمح باستمرارية العلاقات الدولية في الميادين الحيوية تحقيقًا لمصالح جميع الأطراف الدولية. كما أن المنظمات الدولية لها دور مهم في نزع فتيل الحروب أو التقليل من اتساع رقعة الصراعات. لقد كان لنظريات العلاقات الدولية إسهامات عديدة في شرح دور المنظمات الدولية وتحليله بوصفها فاعلً دوليًا له دور وتأثير في خلق أدوات تعاونية بين الدول أو الحد من النزاعات العسكرية1. ومن هنا سعى كتاب الأمن الجماعي في جامعة الدول العربية بين النظريات الواقعية والبنائية الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إلى اختبار نظريات المدرسة الواقعية القائمة على محورية الدولة في العلاقات الدولية، ونظريات المدرسة البنائية الرافضة استمرارية سيادة التيار الواقعي القائم على فكرة أن الدولة هي الفاعل الأساس في النظام الدولي، على الرغم من الشواهد الدالة على تزايد أهمية الفاعلين الدوليين من غير الدول، والداعين إلى تصحيح هذا الوضع بطرح نظريات لا ترى هؤلاء الفاعلين متغيرات تابعة في السياسة الدولية فحسب، بل متغيرات مستقلة أيضًا.
تختبر الدراسة النظريتين الواقعية والبنائية تحديدًا في المنظمات الدولية الإقليمية التي تطبق قواعد الأمن الجماعي لردع المعتدين أو دحرهم، أثناء الصراعات بين دولها الأعضاء. ويحاول الكاتب من خلال هذين النموذجين النظريين (الواقعية، والبنائية) اختبار قدرة المنظمات الدولية على العمل باستقلالية عن الدول، وتأثرها بالأعراف والمبادئ الدولية تمامًا كما تتأثر بعوامل القوة وتوزيعها، وإن كان ثمة تعارض ما بين تأثيرات القوة والأعراف الدولية في المنظمات الدولية. وفي سبيل ذلك، يحلل الكاتب أزمتي العراق والكويت في عامي 9619901 و 1 لاختبار الافتراضات الواقعية والبنائية، بوصفهما أزمتين قررت جامعة الدول العربية فيهما تطبيق مبدأ الأمن الجماعي، وإن بدرجات متفاوتة، وذلك من خلال تحليل توزيع القوة بين أعضاء الجامعة وقت اندلاع الأزمة، لبيان أقوى الأعضاء آنذاك، من أجل بيان إن كانت الجامعة قد تصرفت بناءً على توجيهات أقوى الأعضاء في الجامعة وحلفائهم من القوى الكبرى وخدمة لمصالحهم كما يزعم دعاة المدرسة الواقعية، أو كان سلوكها مبنيًا على إجماع أعضائها ورؤية أمينها العام، كما يزعم دعاة الاتجاه المؤسسي الاجتماعي في المدرسة البنائية.
الواقعية والبنائية: الفرضيات، التعاون الدولي، المنظمات الدولية
المدرسة الواقعية
يتفق أنصار المدرسة الواقعية على عدة أسس تتمثل بأن الدولة State هي الفاعل الأساسي الوحيد في النظام الدولي، وأن الحكومات هي ممثلها الوحيد على المستوى الدولي، وهي، أي الحكومات، تسعى جاهدة إلى تحقيق المصالح القومية لبلدانها، في ظل نظام دولي تغيب عنه السلطة المركزية Anarchy، وأن هذه المصالح القومية لا تتبدل ولا تتغير من زمن إلى آخر ولا من دولة إلى أخرى، وأن سلوك الدولة
في ظل نظام دولي يتسم بالفوضى، عقلاني Rational؛ فهي تهدف إلى البقاء وتحقيق أهدافها على قاعدة حسابات التكلفة والعائد، فتجتهد لتعظيم المكاسب وتقليل الخسائر. ولتحقيق ذلك تعمل على زيادة قوتها، مقارنةً بالدول الأخرى خصوصًا، ويؤدي ذلك حتمً إلى الصراع بين الدول. وتتحدد نتيجة هذا الصراع أساسًا وفق توزيع القوة بين الدول. وقد درج الباحثون على التمييز بين اتجاهين رئيسين في المدرسة الواقعية، هما: التيار الواقعي الكلاسيكي "التقليدي": يركز الكاتب في دراسة التيار الواقعي الكلاسيكي على عالمين في العلاقات الدولية هما إدوارد كار Edward Carr وهانز مورغنثاو Hans Morgenthau؛ فقد عرّف كار الواقعية بأنها نقيض للمثالية أو الطوباوية، ورأى أنّ السياسيين الواقعيين يميلون إلى الاعتراف بأنّ القوى التي تشكل العالم لا يمكن مقاومتها، والاعتراف بالطبيعة الحتمية لحركتها وتطورها، وأنّ قمة الحكمة هي التسليم بهذه القوى وتلك الحركة والتكيف معها. وأضاف مورغنثاو طابعًا علميًا على المدرسة الواقعية منطلقًا من فرض متمثل بأن السياسة، بل المجتمعات عمومًا، تحكمها قوانين موضوعية تمتد جذورها إلى الطبيعة الإنسانية. وبحسب رأيه، فإنّ السياسة هي صراع على السلطة التي هي جزء لا يتجزأ من الحياة ذاتها2، والقوة هي الأساس الذي تبني عليه الدول إستراتيجية توازن القوى كي تحافظ على استقلالها الوطني والاستقرار الدولي وبقائها في النظام الدولي. التيار البنيوي: يمثله المفكر الواقعي كينث والتز Kenneth Waltz الذي انتقد الواقعيين الكلاسيكيين أمثال مورغنثاو وستانلي هوفمان، وذلك لأنهم خلطوا السياسة الداخلية للدولة - الأمة مع نظرياتهم المتعلقة بالصراع. ويوضح أن السياسات الدولية تقوم أساسًا على هيكل النظام الدولي، من دون النظر إلى العوامل الداخلية للدول3. نظر والتز إلى توازن القوى بوصفه واقعًا تفرضه بنية النظام الدولي، وتصوُّر تلك البنية هو الذي يمكننا من النظر إلى الدول بوصفها أجزاء من كلٍ متكامل، وليست كحبات عقد منفرط. وتفرض بنية النظام الدولي قيودها على الدول بتوجيهها إلى التصرف بطرائق محددة. وعلى الرغم من أن نظرية والتز الواقعية البنيوية ألهمت كثيرًا من الباحثين، فإن معظمهم قد تناولها بالنقد. وطرح بعضهم تصويبات عدة لها، ما أفرز نقاشًا ثريًا، كان لاذعًا أحيانًا، وظهرت ثلاثة اتجاهات في نقد نظرية والتز الواقعية البنيوية: فريق يود العودة إلى الواقعية الكلاسيكية وتخليص المدرسة الواقعية من النظريات البنيوية. ومن أنصار هذا الاتجاه الواقعي التقليدي بول هوث Paul Huth الذي قدّم ما سماه نظرية واقعية معدلة مبنية على مفهوم طرحه روبرت بتنام Robert Putnam عن التفاوض الدولي كمباراة يخوضها المفاوض مع فريقين في الوقت نفسه، أحدهما دولي والآخر محلي. فريق من منتقدي نظرية والتز البنيوية. ويطرح هذا الفريق إصلاح أوجه ضعفها، ومنها المفهوم الذي تستخدمه عن القوة. ويعد ستيفن والت Stephen Walt الذي طرح نظرية توازن التهديد تصحيحًا لنظرية توازن القوة. وأضاف عناصر غير مادية في تعريف مفهوم القوة، كما دافع عن وجود مصادر للتهديد غير القوة. يركز الفريق الثالث في تبعات غياب سلطة مركزية في النظام الدولي تخضع لها الدول، ويصل بتحليله إلى آفاق لم يصل إليها والتز. وقد أنتج هذا الفريق اتجاهات واقعية جديدة، بل مدارس جديدة غير الواقعية. ويمثل هذا الفريق جون مارشهايمر Mearshiemer John الذي يصنف على أنه واقعي هجومي، وجوزيف غريكو Grieco Joseph الذي يصنف واقعيًا دفاعيًا.
ينكر أنصار المدرسة الواقعية أن تكون المنظمات الدولية فاعل مستقلً في السياسة الدولية، وينتقدون مخالفيهم الذين يرون أن الفاعلين الدوليين من غير الدول – بما في ذلك المنظمات الدولية - لهم تأثير قوي في السياسة الدولية. ويرى أنصار النظرية الواقعية أنّ هذا التصور مثالي، لأنه يفترض قدرة هؤلاء الفاعلين على إحداث تغيير نوعي في السياسة الدولية، على الرغم من أنّ الملامح العامة لتلك السياسة ظلت كما هي طوال قرون عدة، ولم يغيرها بروز هؤلاء الفاعلين على مسرحها. ويذهب والتز إلى أبعد من ذلك، فيرى أنّ المنظمات الدولية ظاهرة مرضية في السياسة الدولية لأسباب ثلاثة: كثير من المنظمات معني باستمرار وجودها أكثر من القيام بما عليها من أعمال. تشتت هذه المنظمات انتباه الدول؛ فعند عرض مشكلة على منظمة دولية، لا تركز الدول الأعضاء في حل المشكلة، بل في
إدارتها بما يحقق أعلى درجات الاتفاق في ما بينها، للحفاظ على تماسك المنظمة. تعمل المنظمات وفق نظم محكمة من القواعد، فتضبط العلاقات بين أعضائها إذا كانت لديها صلاحيات في الواقع. وعلى الرغم من أن ذلك قد يزيد من شعور حكومات الدول بالأمن، فإنه يحد من حريتها؛ لأن هناك علاقة عكسية بين الشعور بالأمن والتمتع بالحرية. وهي علاقة تنطبق على الدول، كما تنطبق على البشر؛ بعبارة أخرى، إذا أرادت الدول حريتها فعليها قبول درجة من انعدام الأمن، ومن ثم غياب أي سلطة دولية فوقها. يرى أنصار المدرسة الواقعية أن المنظمات الدولية، والأمر ينطبق على المنظمات الإقليمية، محافل لدول مستقلة ذات سيادة تحدد لها ما الذي ينبغي فعله، فما هي إلا واجهات تخفي وراءها كيف تعمل حسابات توازنات القوى، وساحات تتعارك فيها الأحلاف الدبلوماسية المتضادة، ومنتديات تتصارع فيها الدول ذات القدرات المتباينة لتحقيق مصالحها. ولا تستطيع أي منظمة دولية العمل بفاعلية إلا إذا اكتسبت بعض صفات الدول وقدراتها، كحال الكرسي الباباوي في العصور الوسطى، أو إذا حصلت على دعم الدول الرئيسة المهتمة بالأمر المعني، أو على موافقتها. أما في ما يتعلق بالتعاون الدولي، فتتفق رؤى المدرسة الواقعية للمنظمات الدولية مع رؤاها لأشكال التنظيم الدولي الأخرى، مثل نظم التعاون الدولي، وهي تعرف النظم الدولية بأنها مجموعة من المبادئ والأعراف والقواعد والإجراءات المعلنة أو الضمنية التي تضبط توقعات الفاعلين الدوليين في أحد مجالات العلاقات الدولية. تُبنى رؤى المدرسة الواقعية عمومًا على أساس من الشك في التعاون الدولي بوصفه ظاهرة أعم؛ فبحسب هذه المدرسة، لا يهتم صناع السياسة إلا بمصالح دولهم فقط، ولخدمة هذه المصالح يسعون جاهدين بمفردهم إلى حشد القوة، واستخدام ما لديهم من قوة للحصول على مزيد منها. وأقصى تعاون ممكن بين صناع السياسة في الدول المختلفة هو التعاون المشروط، أي حين يكون التعاون وسيلة لا بد منها لتحقيق المصالح. وبناءً عليه، فإن الدول تتعاون في أطر جماعية كالمنظمات الدولية حين تتفاوت قوتها تفاوتًا شديدًا، أي حين يمتلك عدد قليل من أعضاء المنظمة نسبة كبيرة من مجموع قدرات أعضائها، وتصبح خريطة توزيع القوة في المنظمة هرمية بوضوح.
المدرسة البنائية
يرفض أنصار المدرسة البنائية القول إن المصالح المادية الثابتة للدول وتوزيع القوة بينها هما المحددان الرئيسان للسياسة الدولية، ويرون أن المكونات الاجتماعية كالهويات والأعراف والمبادئ والقواعد واللغة تقوم بأدوار رئيسة في تحديد مصالح الدول، ومن ثم السياسة الدولية، إذ ينظرون إلى السياسة الدولية من منظور علم الاجتماع، وليس الاقتصاد الجزئي الذي هو أساس المدرستين الواقعية والمؤسسية الليبرالية الجديدة. ففي وقت ترى فيه هاتان المدرستان الدولة فاعلً عقلانيًا، وهوياتها ومصالحها معطيات مفروضة من خارجها ومحددة سلفًا وتتجاوز عوامل تطورها التاريخي، يرفض أنصار المدرسة البنائية عدّ الدولة الفاعل الدولي واختياراته المفضلة كالصندوق المغلق، بل يصرون على تشريح مكوناتها والتعامل معها على أنها مركبات اجتماعية يتعلمها الفاعل الدولي بطريقة ربما تكون غير مقصودة من خلال عمليات الاتصال والإقناع.
يجادل البنائيون بأن السياسة الدولية هي عالم من صنعنا وبنائنا من خلال تركيزهم على عمليات التفاعل4، فهم يقومون بتعريف الفاعل الدولي لمصالحه واختياراته المفضلة من خلال تعريف المواقف التي يجد فيها نفسه، أي إن تعريف المصالح والاختيارات المفضلة يتوقف على السياق الاجتماعي، بما فيه من أعراف يلتزم بها الفاعلون الدوليون الآخرون، وفهمهم المختلف للسياسة الدولية. فالسياق الاجتماعي يُعين الفاعل الدولي على تحديد ما هو جيد وملائم في السياسة الدولية. كما يُعرف الفاعل الدولي مصالحه واختياراته المفضلة من خلال تعريف هوياته. وهوية الفاعل الدولي تتحدد بفهمه لدوره وتوقعاته عن نفسه. وهي مستقرة نسبيًا ومتعلقة حتمً بهويات الفاعلين الدوليين الآخرين. وبتعريف هوية الفاعل الدولي ومصالحه تتحدد المؤسسة، فهي مجموعة مستقرة نسبيًا من الهويات والمصالح التي تصاغ عادةً في شكل قواعد وأعراف رسمية، على نحو ما في المنظمات الدولية. وتختلف البنائية عن النظرية الواقعية من حيث إن علاقة المنظمات الدولية بأعضائها تتحدد وفق ما يتفقون عليه، وليس وفق ما يراه أقواهم، فلا تقوم المنظمة الدولية إلا بما يجمع عليه أعضاؤها، لأنها أنشئت أصلً على خدمة مصالحهم المشتركة، وتحقيقًا لإرادتهم الجماعية، وتجسيدًا لهم بوصفهم جماعة متميزة من غيرها؛ ففي الأمم المتحدة على سبيل
المثال، يمثل مجلس الأمن جميع الدول، أو هذا ما يقال عادةً، خصوصًا عند اتخاذ قرارات تطبيق إجراءات الأمن الجماعي، كما في حالة أزمة الخليج وحرب الخليج في عامي 1990 - 991.1 فهذه الصفة التمثيلية هي التي دفعت الولايات المتحدة ودولً أخرى إلى طلب اتخاذ المجلس تلك القرارات. كما تنفق الأمم المتحدة جانبًا من مواردها لرسم صورة إيجابية لعملياتها في حفظ السلام بوصفها عمليات مستقلة ومحايدة تسعى ببساطة إلى تطبيق قرارات مجلس الأمن، وتمثل المجتمع الدولي كله، بما يتفق مع مبادئ الأمم المتحدة وقراراتها، وليست أدوات في أيدي القوى الكبرى. إذًا تمثل المنظمة الدولية أعضاءها بوصفهم جماعة متميزة من الدول، خصوصًا حين يشتركون في هوية جماعية واحدة أو يشكلون معًا ما يسمى "مجتمع الأمن"، وهو نظام أمني تعاوني، ليس أحاديًا أو تنافسيًا تعرف كل دولة هويتها بما يتفق مع تعريفات الدول الأخرى لهوياتها، حتى تتصور جميعها أن أمن كل منها مسؤولية الجميع؛ ما يعني أنّ المنظمة لا تقوم إلا بما يخدم مصالح أعضائها جميعًا. تتضح قدرة الأجهزة الإدارية في المنظمة الدولية على توجيه نشاطاتها حين يستخدم أمينها العام امتيازات منصبه الخاصة لإطلاق المبادرات أو اقتراح المهمات أو حل الصراعات، خصوصًا حين يتمتع بصفات شخصية تعزز قوة الأجهزة الإدارية في المنظمة الدولية في مواجهة الفاعلين الآخرين، كما تسمح الرؤية البنائية بعدّ تحقيق مصالح الأجهزة الإدارية في المنظمة، ممثلة بالأمين العام، شرطًا ضروريًا لعمل المنظمة الدولية، على الرغم من أن تلك الأجهزة لا تتخذ قرارات المنظمة. وهذا يعني أنّ المنظمة الدولية لا تقوم إلا بما يخدم مصالح أجهزتها الإدارية ممثلةً في أمينها العام. وفي وقت يرفض فيه أنصار المدرسة الواقعية النظر إلى الأعراف والمبادئ بصفتها عوامل سببية مستقلة، ويعدّون الحديث عنها رطانة فارغة، لأن الأعراف ليست إلا غطاء لسياسة القوة، فهي أدوات في أيدي صناع سياسة الدول الخارجية، فإن البنائية تؤكد أهمية الأعراف والمبادئ الناظمة لعمل المنظمات الدولية، فالأعراف ليست وصفات بما ينبغي فعله وما ينبغي تركه، بل هي أيضًا توقعات سلوكية، وفي المنظمة الدولية تبنى تلك التوقعات على أنماط السلوك والأفعال المتكررة عبر خبرتها التاريخية. ولا يخلو ميثاق أي منظمة دولية كما وثائقها الرسمية وغير الرسمية وخبرتها التاريخية من عدد وافر جدًا من الأعراف والمبادئ التي تكفي، عادة، لتبرير جميع قراراتها. وبناءً على ذلك، كلما زادت درجة استقرار العرف أو المبدأ في المنظمة الدولية، زاد احتمال قيام المنظمة بعمل مبني على هذا العرف أو المبدأ، وكلما زادت أهمية العرف أو المبدأ في المنظمة الدولية، زاد احتمال قيام المنظمة بعمل مبني على هذا العرف أو المبدأ على حساب عرف أو مبدأ آخر أقل أهمية في المنظمة.
الأمن الجماعي وجامعة الدول العربية
تقوم المنظمات الدولية بنشاطات عسكرية متنوعة، كالدفاع الجماعي والأمن الجماعي وعمليات حفظ السلام، ويعني الدفاع الجماعي ردع معتدٍ محدد خارج المنظمة المعنية أو دحره. أما الأمن الجماعي، فهو ردع أو دحر لاعتداء محتمل أو فعلي من عضو في المنظمة المعنية ضد عضو آخر. وأما عملية حفظ السلام تقليديًا، فهي عملية محايدة بين عدوين تستخدم العنف في أضيق حدود لمنع العنف بينهما أو الحد منه، وهدفها النهائي التسوية السلمية لنزاعهما. وقد اختبرت الدراسة الافتراضات الواقعية والبنائية في قرارات تطبيق إجراءات الأمن الجماعي، وهو أحد الترتيبات العسكرية التي تفرض على أعضاء المنظمة الدولية الاشتراك في مواجهة الاستخدام غير المشروع للقوة أو التهديد باستخدامها من عضو في المنظمة ضد عضو آخر. وقدمت الدراسة مبررين للتركيز على الأمن الجماعي من دون غيره من نشاطات المنظمات الدولية عمومًا والنشاطات العسكرية خصوصًا، بوصفها أنسب مجال لاختبار الافتراضات الواقعية والبنائية. فالأمن الجماعي هو أولً عمل عسكري خطر يتجاوز الجدل في شأن مدى أهمية نشاطات المنظمات الدولية، ويمس جوانب حساسة في المدرستين الواقعية والبنائية، إذ يختبر المقولات البنائية في ما يسمى "السياسة العليا"، أي قضايا الأمن، وهو مجال يندر تناوله عند أصحاب الاتجاه المؤسسي الاجتماعي، ويختبر المقولات الواقعية بأن المنظمات الدولية لا تؤثر في مجال الأمن. وثانيًا، إن الأمن الجماعي أفضل من النشاطات العسكرية الأخرى للمنظمات الدولية كالدفاع الجماعي وعمليات حفظ السلام ولاختبار الافتراضات الواقعية والبنائية في هذه الدراسة. فعلى عكس العدوان المتوقع أصلً من عدو خارجي، يؤدي استخدام القوة أو التهديد بها في صراع بين عضوين في منظمة الأمن الجماعي إلى تشكيل تكتل وتحالفات متعارضة، واختلاف كبير بين الأعضاء في شأن تحديد المعتدي والضحية، والمبادئ والأعراف التي ينبغي للمنظمة الدفاع عنها ولو على حساب مبادئ وأعراف أخرى تقرّها المنظمة. ومن جهة أخرى، لا تعدّ عمليات حفظ السلام من قضايا السياسة العليا، على الأقل مقارنةً بعمليات الأمن الجماعي، فلا شك في أن قرار المنظمة الدولية نشر قوة محايدة وغير مقاتلة صغيرة نسبيًا في صراع مسلح من أجل حلّه سلميًا يثير جدلً أقل كثيرًا من الجدل الذي يثيره قرارها تحديد المعتدي الفعلي أو المحتمل في صراع بين أعضائها، واتخاذ مواقف تدينه صراحةً وتدعم ضحية العدوان، واستخدام قوة باقي الأعضاء للدفاع عن تلك الضحية والعودة إلى وضع ما قبل العدوان، بغضّ النظر عن مطالب المعتدي بتحقيق العدالة في صراعه مع ضحيته، أو إزالة المظالم التي ربما وقعت به حقًا في إطار هذا الصراع.
كما قدّم الباحث سببين لاختيار جامعة الدول العربية بوصفها واحدة من أنسب المنظمات الدولية لاختبار افتراضات الواقعية والبنائية: السبب الأول: أن جامعة الدول العربية منظمة إقليمية لا تضم إلا دولً نامية، وهذا يمنحها ميزتين؛ فمن جهة يعدّ تطبيق إجراءات الأمن الجماعي في السياق الإقليمي عمليًا أكثر مقارنة بتطبيقه في السياق العالمي؛ إذ على الرغم من أنّ منظري الأمن الجماعي كانوا يرون أنّ إجراءات الأمن الجماعي لا تطبقها منظمة تضم دول العالم كلها، فإنّ عدد محاولات تطبيق تلك الإجراءات في السياق الإقليمي يفوق كثيرًا عددها في السياق العالمي. ومن جهة أخرى تميل النظريات العامة في العلاقات الدولية إلى التركيز على السياسة العالمية دون الإقليمية، وفي الدول المتقدمة دون النامية، والمدرستان الواقعية والبنائية ليستا استثناء. فهناك حاجة إلى اختبار مقولاتهما في السياق الإقليمي وفي العالم النامي. السبب الثاني: لم تضم الجامعة دولة مهيمنة قط، أي عضوًا لديه أكثر من نصف مجموع قوتها، ومصالح في إقليمها كله، وله قوة تمكّنه من القيام دائمًا بعمليات عسكرية فيه. ولا يشترط أنصار الواقعية وجود دولة مهيمنة في المنطقة كي تقوم بنشاط جماعي، بل يكفي أن تتفاوت قوة الأعضاء تفاوتًا بينيًا. طبّقت جامعة الدول العربية إجراءات الأمن الجماعي في أزمتي العراق والكويت في عامَي 9619911 و 1 فحسب. فتعاملت مع الحالة الأولى بوصفها عدوانًا مسلحًا محتملً، ومع الثانية بوصفها عدوانًا مسلحًا فعليًا على الكويت وتهديدًا بعدوان مسلح على دول أعضاء أخرى هي المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربية. وتمثّل هاتان الأزمتان حالتين متميزتين لاختبار مقولات الواقعية والبنائية من الناحيتين النظرية والمنهجية. فمن جهة، واجهت الجامعة معضلة حقيقية لأن تحقيق مصالح بعض الأعضاء كان يعني بالضرورة التضحية بمصالح أعضاء آخرين، والتزام بعض المبادئ والأعراف التي تحكم سلوكها والعلاقات بين أعضائها كان يعني التضحية بمبادئ وأعراف أساسية أخرى. فكان عليها أن تختار، وهذه فرصة ممتازة لاختبار الافتراضات الواقعية والبنائية عن تطبيق إجراءات الأمن الجماعي في المنظمات الدولية. ومن جهة أخرى، لا يعني اختبار الافتراضات في حالتين فقط استحالة تعميم النتائج أو إثارة الشك في مدى انطباقها على حالات أخرى، لأن هذه الدراسة تحقق الشروط المنهجية الثلاثة لقبول التحليل القائم على عدد قليل من الحالات. فهي أولً: تستخدم متغيرين تفسيريين فقط؛ متغير القوة في المدرسة الواقعية، ومتغير الأعراف والمبادئ في الاتجاه البنائي المؤسسي الاجتماعي. وثانيًا، تتناول الدراسة جميع حالات تطبيق إجراءات الأمن الجماعي في الجامعة، فهما كافيتان تمامًا للبحث عن الشروط الضرورية لتطبيق تلك الإجراءات في الجامعة. وثالثًا، تتشابه الحالتان إلى أقصى حد؛ إذ تمثلان صراعًا واحدًا انفجر مرتين. مع ذلك لم تطبق الجامعة فيهما إجراءات الأمن الجماعي بالطريقة نفسها، بل بطرائق مختلفة. ففي حين نشرت الجامعة قوات ترفع علمها في الكويت في عام 9611، اكتفت في عام 9901 بدعوة أعضائها إلى تقديم دعم غير عسكري للكويت، ودعم عسكري لدول الخليج العربية بما فيها السعودية، وهي صورة ضعيفة لتطبيق إجراءات الأمن الجماعي الواردة في ميثاق الجامعة ومعاهدة الدفاع العربي المشترك.
سلوك جامعة الدول العربية في أزمة العراق والكويت عام 1961
تبادلت الكويت والمملكة المتحدة في 91 حزيران/ يونيو 9611 مذكرتين ألغيت بموجبهما اتفاقية عام 8991 التي أتاحت للكويت الحماية البريطانية5، كما اعترفت الحكومة البريطانية بسيادة الكويت واستقلالها وعبرت عن استعدادها لمساعدة حكومة الكويت إذا رغبت في ذلك. وأيد العراق رسميًا استقلال الكويت، ولكن بعد ذلك بفترة وجيزة وزعت الخارجية العراقية بيانًا على الدبلوماسيين في بغداد يلخص موقف العراق من الاتفاق بين بريطانيا وشيخ الكويت. وأشار البيان إلى حقوق العراق التاريخية في الكويت، ودور بريطانيا في فصل الكويت عن العراق، وعدم شرعية ذلك الاتفاق. وأكد تعارضه مع ما سماه حقيقة أن الكويت كانت ولا تزال جزءًا لا يتجزأ من العراق. ويفسر الكاتب سلوك الأطراف الفاعلة في الأزمة بين العراق والكويت من منظور واقعي وبنائي؛ فالعراق تحرك، من وجهة نظر واقعية، لملء فراغ القوة الناتج من انسحاب القوات البريطانية، وحاجته الشديدة إلى منفذ بحري على مياه الخليج لزيادة قدراته بوصفه قوة إقليمية. وكان ضم الكويت إليه سيلبي، من دون شك، هذه الحاجة. كما كان من المتوقع أن يؤدي ذلك إلى زيادة ثروة العراق زيادة كبيرة، لأن الكويت كانت آنذاك رابع أكبر منتج للنفط في العالم، وصاحبة أكبر مخزن نفطي في المنطقة يقدَّر بثلث مخزونها منه. ومن المنظور البنائي، كان الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم الذي وصل إلى السلطة في العراق بانقلاب عسكري عام 9581 يهدد بضم
الكويت للعراق تحت ذريعة الحق التاريخي في الكويت، لكن خلافًا لأزمة عام 9901 لم يقم قاسم بنشر قوات عسكرية على الحدود الكويتية. وحاول انتهاز فرصة انسحاب القوات البريطانية من الكويت لتحقيق هدفين: أحدهما وطني عراقي، وهو وحدة أراضي العراق، والآخر قومي عربي وهو توحيد بلدين عربيين. فكان يرفع شعارات وطنية عراقية وقومية عربية في آن واحد. وكان يطمح إلى أن يؤيده وطنيون عراقيون عرب وغير عرب، وقوميون عرب في العراق وخارجه. لكن معظم القوى السياسية العراقية عارضت موقفه، بما فيها النقابات المهنية ومعظم الأحزاب القومية والعربية واليسارية. على الرغم من أن حكومة الكويت كانت تدرك عجزها عن مواجهة أي هجوم عسكري عراقي، فإنها رفضت جميع مزاعم الحكومة العراقية وأصدرت بيانًا في 62 حزيران/ يونيو أكدت فيه أن الكويت دولة عربية ذات سيادة كاملة معترف بها دوليًا. وأنها مصممة على حماية استقلالها والدفاع عن أراضيها بدعم جميع الدول الصديقة والمحبة للسلام، خصوصًا الدول العربية الشقيقة. وكانت المملكة العربية السعودية أول الداعمين لموقف حكومة الكويت عربيًا. ودوليًا، أرسلت بريطانيا عشرة آلاف جندي مكلفين بحماية الحدود الشمالية للكويت مع العراق، في حين تمركزت قوات سعودية في المناطق الغربية والشمالية. يمكن تفسير الموقف السعودي من وجهتي نظر واقعية وبنائية؛ فمن المنظور الواقعي، كان العراق جارًا تفوق قوته العسكرية والاقتصادية قوة السعودية، فكان لا بد من لجمه مخافة زيادة قوته بضم الكويت. ومن المنظور البنائي، كانت السياسة الخارجية للحكومة العراقية ثورية، وسياستها تجاه الدول العربية مبنية على رؤية قومية عربية وحدوية، على عكس سياسة السعودية ورؤيتها المحافظة. والأهم أن حديث الحكومة العراقية عن حقوق العراق التاريخية في الكويت كان تهديدًا مبطنًا للسعودية التي كان جزءٌ من إقليمها الشرقي تابعًا لولاية البصرة العثمانية. كما أن السعودية ملتزمة بحماية الأسر الحاكمة في الدول المجاورة الصديقة، ولا سيما الكويت التي أمّنت الحماية للأسرة المالكة السعودية في مرحلة تاريخية حرجة. أمّا بريطانيا، من المنظور الواقعي، فلم تكن مستعدة لترك العراق يظفر بثروة الكويت النفطية وضمها إلى ثروته النفطية، خصوصًا أنّ دول الغرب كانت ترى حكومة العراق معادية لمصالحه في المنطقة وموالية لعدوه الأكبر، أي الاتحاد السوفياتي. ومع ذلك، زعم وزير خارجية العراق أنّ محادثاته مع سفير بريطانيا في بغداد أوحت إليه بأنّ الحكومة البريطانية ربما تدعم اتحادًا فيدراليًا بين الكويت والعراق والأردن، إذا ضمنت تحقيق مصالحها الاقتصادية في المنطقة. ومن المنظور البنائي، كانت الحكومة البريطانية تحمي سمعتها الدولية بالدفاع عن استقلال حلفائها والوفاء بالتزاماتها حيالهم. من بين جميع القوى المنخرطة في الأزمة كان موقف الجمهورية العربية المتحدة شديد الحرج، وكان عليها أن تتخذ قرارات صعبة؛ فمن المنظور البنائي، كان التوجه القومي العربي والوحدوي والثوري لحكومة الجمهورية العربية المتحدة يحتم عليها دعم اندماج العراق والكويت في دولة واحدة، بغض النظر عن صحة مزاعم العراق التاريخية، ويمنعها من الانحياز إلى الكويت في أي نزاع لها مع العراق، لأن النظم الثورية كانت تنظر إلى الكويت بوصفها "صنيعة للاستعمار" يحكمها "نظام رجعي." يضاف إلى هذا الموقف المبدئي تقارب العراق والجمهورية العربية المتحدة في الفترة التي سبقت الأزمة. أما من المنظور الواقعي، فكانت الجمهورية قلقة من زيادة قدرات العراق في حال ضمه الكويت، وما يعنيه ذلك من تراجع الوزن النسبي لقوة الجمهورية العربية المتحدة في المنطقة، بل ربما أصبح العراق منافسًا خطرًا لها في زعامة المعسكر الثوري والقومي العربي، ولا سيما أنّ عبد الكريم قاسم كان بالفعل يسعى إلى منافسة عبد الناصر في كسب قلوب العرب وعقولهم. أما على مستوى جامعة الدول العربية، فتعامل أمينها العام عبد الخالق حسونة مع الأزمة منذ بدايتها، وقد بذلت الرياض والكويت جهدًا كبيرًا لكسب الجامعة في صفّهما؛ فطلبت المملكة السعودية في 72 حزيران/ يونيو عقد جلسة عاجلة لمجلس الجامعة لقبول الكويت عضوًا فيها. وازدادت صعوبة مهمة الأمين العام حين أصرت السعودية على عقد جلسة طارئة لمجلس الجامعة، في حين رأى العراق أن عقد هذه الجلسة يتعارض مع مهمة الأمين العام الذي قدم في اجتماع 12 تموز/ يوليو نتائج مساعيه في العراق والكويت والسعودية، بحيث أكد للمسؤولين العراقيين في بغداد ضرورة الإعلان رسميًا التزام العراق عدم استخدام القوة في هذا النزاع، والسعي سلميًا إلى إزالة كل أسباب التوتر مع الكويت ودعم استقلالها، وقد عبّ الأمين العام للمسؤولين في الكويت عن قلقه البالغ من عودة القوات البريطانية إليها، واقتناعه بأن الدول العربية قادرة على القيام بعمل مشترك لحماية استقلال الكويت، والدفاع عن أراضيها. أما في الرياض، فقد عبّ الملك سعود للأمين العام عن حرصه على إزالة أسباب التوتر بين العراق والكويت والسعودية والتعاون الوثيق مع الدول العربية كلها، خصوصًا الجمهورية العربية المتحدة، لتسوية الأزمة ومن ثم التركيز على خطر إسرائيل المحدق. وبعد سلسلة من المداولات والمشادات التي شهدتها أروقة جامعة الدول العربية في 12 و 31 تموز/ يوليو، وكذلك 02 تموز/ يوليو 9611، اتخذ بالإجماع القرار رقم 7771 الذي ينص على قبول عضوية الكويت في الجامعة بناءً على مشروع قرار سعودي. مع الإشارة إلى أنّ الأزمة العراقية - الكويتية عام 9611 تحولت إلى معركة دبلوماسية بين العراق والسعودية في الجامعة، خسرها العراق لفشله في الحصول على دعم الجمهورية العربية المتحدة التي كانت أقوى أعضاء الجامعة بمقاييس القوة
كلها، في حين نجحت السعودية لأنها حصلت على هذا الدعم إضافة إلى دعم الدول العربية الأخرى والأمانة العامة للجامعة، أي إنّ جميع الافتراضات الواقعية والبنائية عن الفاعلين الأساسيين الذين يوجهون الجامعة من داخلها قد ثبتت.
سلوك جامعة الدول العربية في أزمة العراق والكويت عام 1990
عندما اندلعت الأزمة بين العراق والكويت مجددًا في صيف 9901 كانت جامعة الدول العربية قد توسعت، وبلغ عدد أعضائها واحدًا وعشرين عضوًا، فقد أظهرت الحكومة العراقية خلافها مع الحكومة الكويتية يوم 61 تموز/ يوليو 9901، فنشرت خطابًا أرسله وزير خارجية العراق إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية اتهم فيه حكومة الكويت بسرقة نفط من بئر على الحدود بين البلدين، ووصف سياسة الكويت زيادة إنتاج نفطها بحرب اقتصادية ضد العراق، لأنها أدت إلى انخفاض شديد في أسعار النفط عالميًا، ومن ثم تراجع عائدات العراق من تصديره تراجعًا كبيرًا. وعلى الرغم من أنّ حكومة الكويت دافعت عن نفسها في مذكرة صادرة عن وزارة خارجيتها ورسائل وجهتها إلى عدد من القادة العرب وإلى الأمين العام لجامعة الدول العربية، فإنها خفضت إنتاجها النفطي مع الإمارات العربية المتحدة، وارتفعت الأسعار ارتفاعًا ملحوظًا. إلا أنّ ذلك لم يؤدّ إلى انحسار الأزمة؛ إذ كانت مسألة أسعار النفط غطاء لمطالب الحكومة العراقية الأخرى. وعلى الرغم من الحراك الدبلوماسي العربي لاحتواء الأزمة فقد قام الجيش العراقي بغزو الكويت بدعوى تقديم الدعم لجماعة عسكرية ثورية من الضباط الكويتيين أطاحوا الأسرة الحاكمة وطلبوا مساعدة من العراق. وأحيا العراق دعوى العراق التاريخية بأن الكويت جزء لا يتجزأ منه. ومع ذلك، عبّ العراق عن استعداده لعقد صفقة يتم بموجبها تحرير جميع الأراضي المحتلة في الشرق الأوسط، أي أن ينسحب العراق من الكويت في مقابل انسحاب سورية من لبنان، وإسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام.1967 بحلول اليوم التالي للغزو، تبلورت مواقف أحد عشر عضوًا في الجامعة، فنددت بالغزو، وهو عدد مثّل أغلبية بسيطة في مجلسها الذي حدد موعد اجتماعه في القاهرة. وأصدر مجلس الجامعة القرار 5036 في 2 آب/ أغسطس 9901 الذي دان العدوان العراقي على الكويت، وطالب العراق بسحب قواته منها فورًا ومن دون شروط، وأكد التزامه القوي حماية سيادة الدول الأعضاء في الجامعة ووحدة أراضيها. كما صدر في القمة العربية القرار رقم 951 في 9 - 01 آب/ أغسطس 9901 الذي دان العدوان العراقي على الكويت وتهديدات العراق ضد دول الخليج، وأيد الإجراءات التي تتخذها الحكومة الكويتية؛ أي إنّ الدول العربية وافقت ضمنيًا على طلب الحكومة الكويتية مساعدة أميركية. لم يكن بين أعضاء جامعة الدول العربية خلال أزمة عام 9901 من يمكن الإجماع على عدّه الأقوى؛ لذلك ثبت الافتراض الواقعي المتعلق بقرار الجامعة تطبيق إجراءات الأمن الجماعي في هذه الأزمة على نحو يحقق مصلحة أقوى التحالفات داخلها. كما ثبت أيضًا الافتراض القائل إن القرار كان يخدم مصلحة الولايات المتحدة الأميركية في تشكيل تحالف دولي واسع وقوة دولية لإخراج القوات العراقية من الكويت، وكانت الولايات المتحدة الحليف العالمي لمعظم دول التحالف الأقوى في الجامعة. أما الافتراضات البنائية فلم تثبت في هذه الحالة، لأن قرارات الجامعة المتعلقة بالأزمة لم تتخذ بالإجماع، بل بأغلبية بسيطة كانت تتضاءل مع مرور الوقت، كما أن الأمين العام للجامعة لم يكن منخرطًا بوضوح في عملية صوغ موقف الجامعة، بل كان دوره في اتخاذ قراري مجلسها وقمتها هامشيًا. أما في ما يتعلق بالافتراضات الخاصة بتأثير القوة من جهة والمبادئ والأعراف من جهة أخرى في المنظمات الدولية، فتختبر بمقارنة توزيع القوة بين أعضاء الجامعة ومدى استقرار مبدأ الأمن الجماعي وأهميته النسبية خلال الأزمتين. من خلال العودة إلى تطبيق فرضيات النظرية الواقعية على دور جامعة الدول العربية في أزمة الخليج، وانطلاقًا من الفرض الواقعي الذي يقوم على أنّ المنظمة الدولية لا تقوم إلا بما يخدم مباشرة مصالح الدولة أو التحالف الأشد قوة وهيمنة فيها، فإنّ جامعة الدول العربية قررت تطبيق إجراءات الأمن الجماعي في هذه الأزمة على نحوٍ يحقق مصالح أقوى التحالفات فيها. فنسبة قوة أعضاء الجامعة الذين وافقوا على هذا القرار إلى مجموع قوة الأعضاء وفقًا لمؤشرات القوة المستخدمة في الدراسة هي كما يلي: 55 في المئة من عدد السكان، 66 في المئة من الإنفاق العسكري، 62 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين أنّ نسبة قوة أعضاء الجامعة الذين لم يوافقوا على هذا القرار إلى مجموع قوة الأعضاء وفقًا لهذه المؤشرات الثلاثة كما يلي: 45 في المئة من عدد السكان، و 34 في المئة من الإنفاق العسكري، و 38 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. أما الافتراض الواقعي الثاني، فيقوم على أن النشاطات ذات الأهمية العالمية التي تقوم بها المنظمة الإقليمية تخدم دائمًا بصورة مباشرة أو غير مباشرة مصالح الحلفاء العالميين للدولة أو التحالف الأشد قوةً وهيمنة فيها. كانت الولايات المتحدة الأميركية، فعلً، الحليف العالمي للتحالف الذي وافق على القرار، وحقق قرار الجامعة مصالح أكيدة لها، وهي إظهار الدعم العربي للموقف الدولي الذي تقوده الأزمة عمومًا، وإرسال قوات عربية للمشاركة في الحرب ضد العراق خصوصًا.
في ما يتعلق بالافتراضات البنائية في تفسير سلوك جامعة الدول العربية، من جهة أن المنظمة الدولية لا تقوم إلا بما يخدم مصالح جميع أعضائها وأجهزتها الإدارية ممثلة في أمينها العام، ثبت عدم صحتها في هذه الحالة؛ فمن جهة، سارعت الجامعة إلى اتخاذ موقف في الأزمة بغضّ النظر عن مدى الانقسام الذي نتج بين أعضائها، وذلك بخلاف الحال في أزمة عام 9611 حين أصرت الجامعة على التوصل إلى موقف يحظى بإجماع أعضائها، بغضّ النظر عن الزمن الذي احتاج إليه، فلم يؤيد قرار مجلس الجامعة رقم 5036 إلّ أربعة عشر عضوًا، ثم تقلص هذا العدد عند التصويت على قرار القمة العربية رقم 951 إلى اثني عشر عضوًا فقط، إذ أيّدت الجزائر وتونس قرار الجامعة ولم تؤيدا قرار القمة الذي صدر بأغلبية ضئيلة بلغت 57 في المئة من الأعضاء فقط. من جهة أخرى، لم تثبت مشاركة الأمين العام للجامعة في المداولات التي سبقت قرار المجلس يوم 3 آب/ أغسطس، أو تلك التي انتهت بإصدار قرار القمة يوم 01 آب/ أغسطس، بل إنه لم يستشر قبل دعوة الرئيس المصري إلى عقد قمة عربية عاجلة، وعلّق على ذلك بالقول: إنها أول مرة يدعى فيها إلى قمة عبر الأثير. ولم يستشر في صوغ مشروع القرار الوحيد الذي طرح للتصويت في اجتماع القمة، وبناءً عليه، فالأمين العام لم يمثل الأمانة العامة في الجامعة تمثيلً كاملًا؛ إذ اعترض على قرارات الجامعة التي أيّدها بعض كبار المسؤولين فيها.
خاتمة
تكمن أهمية هذا البحث في إثبات قدرة المنظمات الدولية "جامعة الدول العربية" على العمل باستقلالية عن الدول، وتأثّرها بالأعراف والمبادئ الدولية تمامًا كما تتأثر بعوامل القوة وتوزيعها، الأمر الذي يستتبع بالضرورة تغيرًا كبيرًا في السياسة الدولية من جهات عدة؛ فأولً سيكون على صناع السياسة الخارجية التعامل مع المنظمات الدولية بالجدية ذاتها التي يتعاملون بها مع الدول في النظام الدولي، أي على أنّها عدو وصديق، لا على أنها أدوات لتنفيذ السياسة الخارجية، بل إنّ تصديق بعض المنظمات الدولية ذات الموارد الكبيرة والسمعة الطيبة أو معاداتها، قد يكون أهم من تصديق كثير من الدول الفقيرة أو المنطوية على ذاتها، أو معاداتها، ويتم ذلك بالطبع من خلال اختبار الفرضيات الواقعية والبنائية في العلاقات الدولية، ولا ضير من الجمع في الدراسة الواحدة بين المتغيرات التفسيرية التي تقترحها المدرسة الواقعية، وتلك التي تقترحها البنائية، أو حتى الدمج بينهما بعناية، مع الأخذ في الحسبان حجج القائلين بتناقض الأسس الأنطولوجية والإبستمولوجية لهاتين المدرستين. والجمع بين المتغيرات يختلف عن دمجها. فالجمع يعني تفسير مشكلة ما باستخدام المفاهيم والنظريات التي تقدمها مدارس عدة كالمدرستين الواقعية والبنائية، أي بالنظر إلى القوة والمبادئ بوصفها متغيرات مستقلة متكافئة لكنها منفصلة. وبذلك تقوم مفاهيم كل مدرسة ونظرياتها بالكشف عن التحيز في استخدام مفاهيم المدرسة الأخرى ونظرياتها، فتُضبط نتائج الدراسة. أما الدمج بين المتغيرات فيعني صهر المتغيرات الأساسية في مدارس عدة، مثل المدرستين الواقعية والبنائية، في إطار نظري واحد. فلا يقوم هذا الإطار النظري على أساس أن القوة والمبادئ معًا، بل أيضًا على عدّ كليهما جزءًا لا يتجزأ من الآخر، ويركز في العنوان التالي على حجج المؤيدين والمعارضين لبناء مثل هذا الإطار النظري، وبعض المحاولات في هذا الاتجاه.
المراجع
العربية
فهمي، عبد القادر محمد. النظريات الجزئية والكلية في العلاقات الدولية. عمان: دار الشروق،.2010 دان، تيم وميليا كوركي وسميث ستيف. نظريات العلاقات الدولية: التخصص والتنوع، ترجمة ديما الخضرا. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 عاني، خالد عبد المنعم. الكويت والصراع العثماني - البريطاني. بيروت: الدار العربية للموسوعات،.2008
الأجنبية
Waltz, Kenneth. Teoria della politica internazionale. Bologna: Società editrice il Mulino, 1997. Onuf, Nicholas. World of Our making: Rules and Rules in Social Theory and International Relation. Columbia: University of South Carolina Press, 1989.