ندوة "أزمة الخليج وحصار قطر من منظور الاقتصاد والقانون والسياسة"

Ihab Maharmeh إيهاب محارمة |

Symposium “The Gulf Crises and Blockade of Qatar:Economic, Legal and Political Perspective

تشهد دول الخليج العربية منذ 5 حزيران/ يونيو 0172 أزمة دبلوماسية، بدأت بحملة إعلامية، شنّتها وسائل إعلام سعودية وإماراتية على دولة قطر، تجاوزت الحيِّز الإعلامي إلى الجوانب الاقتصادية والقانونية والسياسية. فقد قطعت السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها الدبلوماسية بدولة قطر، وأغلقت المنافذ البرية والبحرية والجوية، فضلً عن منع مواطنيها من السفر إلى قطر، ومنع القطريين من الدخول إلى أراضيها، وإمهال المقيمين والزائرين من مواطني دول الحصار أسبوعين لمغادرة قطر. وضمن نشاطات "منتدى دراسات الخليج والجزيرة العربية" الذي ينظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، نظمت لجنة المنتدى يوم الأربعاء 9 آب/ أغسطس 0172 ندوة لمناقشة الجوانب والآثار الاقتصادية والقانونية والسياسية المترتبة على الأزمة الخليجية. وشارك في هذه الفعالية نخبة من الباحثين والمختصين القطريين، هم: خالد الخاطر، الخبير في السياسة النقدية وعلم الاقتصاد السياسي، ومحمد بن عبد العزيز الخليفي، عميد كلية القانون بجامعة قطر، وماجد الأنصاري، أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة قطر.

المنظور الاقتصادي للأزمة الخليجية

أشار خالد الخاطر في مداخلته إلى أنّ ما تقوم به دول الحصار يُعدّ بمنزلة إعلان حرب على دولة قطر؛ إذ تسعى دول الحصار، من خلال هذه الحرب، لقطع إمدادات السلع، والغذاء، والمواد الأولية، وعزْل قطر، على نحو يجعلها عاجزة عن توفير هذه المواد. ورأى الخاطر أنّ الحرب على قطر اشتملت على قرارات مقاطعة، وحصار جويّ وبحريّ وبريّ. ولكنّ الاقتصاد القطري تمكّن من مواجهة الأزمة، مستندًا إلى مصدرين من مصادر القوّة؛ هما الموارد الطبيعية التي تمتلكها قطر، والسياسات الاقتصادية التي اتّبعتها خلال فترة الرواج الاقتصادي. ويفصّل الخاطر ذلك بقوله: إنّ هذين المصدرين ساهما في تحقيق التنمية وتشجيع الاستثمار في البنية التحتية، وتشجيع السياسات الاستثمارية والتحول نحو التنويع الاقتصادي، وصولً إلى توفير البدائل من المنتجات والسلع وحاجات التنمية، والانفتاح على أسواق جديدة؛ من خلال توقيع الحكومة القطرية اتفاقيات ثنائية مع الدول الأجنبية في مجالات التنمية والاستثمار. أمّا بخصوص القطاعين المالي والمصرفي القطريّيَن، فحاول الخاطر، في مقاربته الاقتصادية، تفسير تحصين هذه القطاعات من خلال السياسات الائتمانية التي اتبعها مصرف قطر المركزي منذ بداية الأزمة، وأرْجَعَ ذلك إلى أنّ السياسات المتَّبعة حدَّت من تأثّر القطاعين المالي والمصرفي؛ وذلك من خلال ضخّ الأموال والودائع. وفي ضوء ذلك، أثبتت العملة القطرية، على الرغم من تعرضها لمحاولات المضاربة خلال الأزمة، أنها عملة قوية، إذ تُعدّ العملة الأكثر استقرارًا في المنطقة منذ عقود؛ وذلك بفضل الاحتياطات المالية، وصندوق الدولة السياديّ. ورأى الخاطر أنّ مكامن انكشاف الاقتصاد القطري خلال الأزمة ظهرت في أمرين؛ هما قلة التنويع الاقتصادي، وضعف التنويع في قطاعي التجارة والاستيراد. وأشار إلى أنّ التدخل السريع للحكومة القطرية خلال الأزمة حال دون تفاقم هذا الانكشاف، وحافظ على محدوديته، وقد تبصّ المجتمع القطري ذلك حينما وُفِّرت له بدائل بالأسعار نفسها، وبالجودة نفسها أيضًا، من خلال ميناء حمد ومطار حمد الدولي. وفي سياق متّصل، استشرف الخاطر المستقبل بقوله: إنّ دول الحصار ستفقد ثقتها وصدقيتها على المدى الطويل؛ نظرًا إلى تدمير الأزمة الخليجية بيئة الأع لاا ومشاريع التكامل الاقتصادي. وذهب الخاطر إلى أنّ غياب الإرادة السياسية قبل الأزمة الخليجية حال دون تحقيق اندماج وتكامل اقتصاديين بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة، ويتوقع أن يمتد هذا الصدع ليؤثِّر في نموها الاقتصادي على المدى الطويل. وأضاف الخاطر قائلً: إنّ الدروس المستفادة من هذه الأزمة عديدة؛ تبدأ بضرورة العمل على سياسات اقتصادية جديدة تضمن للاقتصاد القطري ألّ يعود إلى ظروف ما قبل الأزمة في الاعتماد على تقلبات سياسات دول الجوار وتقلبات أسعار النفط والطاقة. وهذا يستلزم إعادة رسم السياسات، وتحفيز التنويع الاقتصادي في المجالات المختلفة؛ من أجل تحقيق الأمن الغذائي والدوائي والاستقرار الاقتصادي والتنمية المستدامة، وصولً إلى الرفاه الاجتماعي والاقتصادي، ويكون ذلك باعتماد ثلاث ركائز؛ هي تحقيق أكبر قدر ممكن من الاعتماد على الذات وتقليص الاعتماد على دول الجوار، وتنويع وكلاء الاستيراد ووسطائه، فضلً عن تشجيع السياسات الصناعية والزراعية والصحية والبحث العلمي في خضمّ عملية التنويع الاقتصادي. وانطلاقًا من أهمية ذلك، على الحكومة الارتكاز على شروط التنويع الملائمة. وتتمثل هذه الشروط بالتنمية البشرية وإصلاح القطاع العامّ والحوكمة وتحفيز القطاع الخاص وتشجيع الاستثمار.

الأبعاد القانونية للأزمة الخليجية من منظور القانون الدولي

عالج محمد الخليفي الإشكاليات القانونية للحصار من خلال توضيح أنّ القانون الدولي، بوصفه مرجعًا رئيسًا في العلاقات بين الدول، وُجِد لتحديد حقوق الدول وواجباتها، وتنظيم المسائل المتعلقة بالقضايا الدولية، وتنظيم قضايا حقوق الإنسان وكرامته. وبنى الخليفي مداخلته على ركيزتين؛ هما المبادئ والأحكام المتصلة بالقانون

الدولي التي خالفتها دول الحصار، والإجراءات القانونية التي يحق للدولة المتضررة (قطر) أن تتخذها لدى الهيئات والمنظمات الدولية والهيئات القضائية الدولية. رأى الباحث أنّ قرار حصار دولة قطر مخالف للعديد من الأحكام والمبادئ القانونية؛ منها مبدأ حظر استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية (ليست القوّة العسكرية وحدها هي التي تندرج ضمن إطار القوة، بل إنّ الضغوط السياسية والاقتصادية تندرج في هذا الإطار أيضًا)، ومبدأ عدم التدخل في القضايا الداخلية للدول، ومبدأ السيادة الذي يقتضي حرية الدولة في إدارة قضاياها الداخلية والخارجية، ومبدأ فضّ النزاعات وتسويتها بالطريقة السلمية التي تبدأ بالمفاوضات، ثم المساعي الحميدة، ثم الوساطة والتحقيق، ومبدأ تنفيذ الالتزامات بحسن نيّة، وعدم التحلل منها بالإرادة المنفردة؛ فلا يجوز لأيّ دولة التحلل من التزاماتها التي أقرّتها المعاهدات والاتفاقيات، ومبدأ عدم التعسف في استخدام الحق الموجود في القوانين الدولية والوطنية للدول، ومبدأ احترام قواعد حقوق الإنسان؛ كأداء الشعائر الدينية، وحق الأسرة في عدم التفريق بين أفرادها، والحق في التعليم، والحق في التنقل، والحق في اعتناق الآراء وحرية التعبير والأفكار، وتبادل المعلومات. كما يخالف قرار دول الحصار العديد من بنود المعاهدات والاتفاقيات المتعلقة بحرية الملاحة. وخلص الخليفي إلى أنّه لا يحق لأيّ دولة القيام بأيّ نشاط يهدف إلى قمع أيّ حق من حقوق الإنسان وحرياته التي قررتها الوثائق والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، وذلك وفق نص المادة 30 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فقواعد القانون الدولي جميعها تحظر القيام بأيّ فعل يؤدي إلى انتهاك أيّ حق من حقوق الإنسان وحرياته التي قررتها المعاهدات والمواثيق الدولية. وفي سياق متصل، رأى الباحثُ أنّ المخالفات شملت الاتفاقيات التي تنص على تنظيم العلاقة، وفضّ المنازعات بين دول مجلس التعاون وميثاق جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي بالطرق السلمية. كما أنّ قرار دول الحصار يخالف اتفاقية شيكاغو للطيران المدني الدولي وتعديلاتها سنة 9441، والتي تُعنى بتنظيم حركة المرور الجوي للطيران؛ إذ إنّ هذه الاتفاقية لا تجيز لأيّ دولة عضو منْع الطيران فوق إقليمها أو جزء منه بناءً على الجنسية إلّ في وقت الحرب. وفي الحال التي يتمّ فيها ذلك، يجب أن يكون قرار المنع مؤقتًا، وأن يتمّ إشعار منظمة الطيران المدني الدولي به. وفي السياق نفسه، خالف قرار دول الحصار اتفاقية قانون البحار عام 9821 التي تمنع الدول الساحلية من عرقلة المرور البحري للسفن. وفي محور ثانٍ، تحدّث الخليفي عن الآليات القانونية التي يحق لدولة قطر أن تتحرك من خلالها من أجل تقديم شكوى ضد دول الحصار. ورأى أنّ هذه الآليات تتمثل بإجراءات قانونية ذات طابع سياسي، وأنها تكون من خلال المفاوضات والوساطة، ومن ثم اللجوء إلى المنظمات الدولية المتخصصة في مجالات الانتهاكات بشأن حق دولة قطر؛ ومن بينها المنظمة الدولية للطيران المدني، والمنظمة البحرية الدولية، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو"، ومنظمة التجارة العالمية، فضلً عن إجراءات تحقيق دولية تتعلق بحقوق الإنسان؛ وذلك من خلال إرسال تقارير للجهات الدولية، وإجراءات قانونية ذات طابع قضائي عن طريق اللجوء إلى التحكيم ذي الطابع الوفاقي، واللجوء إلى محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، على أن يتمّ استيفاء الاشتراطات اللازمة لتقديم الشكوى. وفي خاتمة المداخلة شدد الباحث على "أنّ احتكام الدول إلى قواعد القانون الدولي إنما يدلّ على ثقافتها القانونية؛ وهذه الثقافة هي التي تدفع الدولة إلى احترام حقوق الإنسان، وهذا الاحترام هو دافع لها للامتناع عن الاعتداء على حقوق الآخرين وحقوق الجوار. فهذه الثقافة تدعو إلى احترام المواطنين والعقود والمواثيق، وإنّ عدم تجاوزها هو ثقافة تدعو إلى الاحترام والتعقل وتجنب الخطأ وصون الحقوق ومعرفة مواطن المسؤولية وأنماطها، لذلك فإنّ إدراك هذه الأحكام والقوانين أمر مهمّ قبل أن تقوم أيّ دولة بمخالفتها. فهذه الأحكام هي مبادئ سامية."

المسألة السياسية في الأزمة الخليجية وأبعادها

تناول ماجد الأنصاري في مداخلته التصورات السياسية للأزمة من خلال بعدٍ زمني، مقسّمً إياها إلى ثلاث مراحل؛ ما قبل الأزمة، وخلالها، ومستقبلها. وبيّ أنّ واقع ما قبل الأزمة يقوم على خمس ركائز، أولً: نقض المسلَمّات القائمة على انعدام خلاف بين دول الخليج العربية؛ إذ إنّ الخلاف التاريخي بين هذه الدول وقطر يعود إلى سنين طويلة. فالخلاف مع السعودية يعود إلى حادثة الخفوس عام 992.1 ومع البحرين، يعود إلى الخلاف على جزر حوار، قبل أن يجري تسوية النزاع الحدودي بينهما. ومع الإمارات العربية المتحدة، يعود الخلاف إلى عام 996.1 ويرى الباحث أنّ العلاقة التاريخية بين دول الخليج العربية لم تشهد استقرارًا دائمًا بل كانت عرضة، دومًا، لتقلُّبات دورية. ثانيًا: الخلاف القطري - الأميركي حول موقف قطر من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في عام 008.2 وفي هذا الشأن، رأى الأنصاري أنّ العلاقة بعد ذلك حافظت على اتفاق في مجموعة من الملفات السياسية، على الرغم من وجود خلافات في قضايا أخرى. ثالثًا: موقف قطر من الثورات العربية وانحيازها إلى موقف الشعوب العربية وحريتها، مقابل دعم دول الحصار لموقف

الأنظمة. رابعًا: الصراعات داخل بيت الحكم في السعودية منذ وفاة الملك عبد العزيز آل سعود. وفي هذا السياق، ذهب الباحث إلى أنّ الخلافات تنبع من الصراعات الهادفة إلى وقف الحركة الأفقية في ولاية العهد ونقلها إلى الحركة الرأسية. وأكّد الباحث أنّ سعي المملكة العربية السعودية لفرض حالة من الاستقرار في المنطقة تكون مسؤولة عن تحديد حيثياتها، يتطلب منها استقرارًا في داخل البيت السعودي، وهذا لا ينفصل عن صراع "الأنا السياسية." خامسًا: وصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة الأميركية بعد سخط سياسي داخلي، قبل أن يصل ذلك إلى فوضى في إدارته السياسية. وهذا الأمر، بحسب الباحث، جعل السعودية تعدّ قمة الرياض، أيار/ مايو 0172، فرصة لاستغلال حالة الارتباك السياسي في الإدارة الأميركية، وإطلاق مشاريع سياسية تعيد إليها مكانتها في المنطقة. واستمر الأنصاري في عرض السياقات المحورية التي أثّرت في الأزمة، فقد رأى أنّ دول الحصار تسعى في خطابها لإيصال رسالة إلى البيت الأبيض؛ مفادها ضرورة إعادة فرض الأنظمة السابقة في المنطقة العربية حتى تستقر، وترى هذه الدول أنها ستحافظ بذلك على استقرارها واستقرار المنطقة، ويكون استكمال ذلك باجتثاث الدول المعارضة لهذا المشروع، وإعادة فرض الأنظمة السابقة. لهذا، قبلت إدارة ترامب هذا الطرح، ما أدى إلى تعزيز موقف دول الحصار في بداية الأزمة، حتى وصلت إلى وجود استعداد لهجوم عسكري على قطر. وعلى الرغم من ذلك، أكد الأنصاري أمرين رئيسين كان لهما أثر خلال الأزمة؛ تمثّل الأول بفشل دول الحصار في استجلاب موقف أميركي حقيقي، بدلً من استجلاب موقف شخصيّ من ترامب، وهذا ما أوضح دور المؤسسة الأميركية في إدارة الأزمة لاحقًا من خلال وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون. أمّا الأمر الثاني في هذه الأزمة، فقد تمثَّل باجتماع القاهرة في 5 تموز/ يوليو 0172 الذي ضمّ وزراء خارجية الدول الأربع. ورأى الأنصاري أنّ هذا الاجتماع قد كان "نقطة نهاية" التصعيد في هذه الأزمة. فقد أثبتت دول الحصار أنها باتت غير قادرة على التصعيد منذ مؤتمر القاهرة، ليأتي بعد ذلك مؤتمر المنامة في 30 تموز/ يوليو 0172، مثبتًا هذه الرؤية. ووضح الأنصاري أنّ لمستقبل الأزمة العديد من التداعيات التي ستنقل قطر إلى الاستقلال السياسي الحقيقي، والاعتماد على تنويع العلاقات الثنائية، والخروج من مبدأ المجاملة السياسية الذي كان يُعتمد قبل الأزمة. وعلى المستوى المبدئي، أوضح الباحث أنّه قد أصبح لدى قطر مبادئ واضحة تدير من خلالها علاقاتها وسياستها الخارجية. أمّا من الناحية الإقليميّة، فقد بدأ الحديث عن تشكّل لمحاور جديدة تضم إيران وتركيا.