المساعدات الإنسانية القطرية لفلسطين
Qatar's Humanitarian Aid to Palestine
الملخّص
تهدف هذه الدراسة إلى توثيق مساهمة قطر الأخيرة في المساعدات الإنسانية المقدمة للفلسطينيين. ونحن نرى في قطر نموذجًا لدولة صغيرة تعتمد على ثروتها وقوتها الناعمة لتعزز مصالحها في الشرق الأوسط وتدعم دولة مسلمة عربية محاصرة. تّجري الورقة تحليلًُا للصحف العربية وغيرها من الأدلّة المستندية لتحديد سياق مساهمة قطر المالية في الفترة 2010 - 2016 وإجراء تقييم لها. وتتطل ب عملية تأطير المساعدات القطرية الأخذ في الاعتبار سيطرة إسرائيل العسكرية على الأراضي الفلسطينية وقدرتها على ضبط تدفق المساعدات إلى فلسطين عبر القوة الصلبة التي تلجأ إليها. وت ختتم الورقة بالدعوة إلى اعتماد منظورُ الاقتصاد السياسي في التعامل مع المساعدات الإنسانية.
Abstract
The purpose of this paper is to document Qatar's recent contribution of humanitarian aid to the Palestinians. We consider Qatar as an example of a mini state that relies on its wealth and soft power to further its interests in the Middle East and support a beleaguered Arab-Muslim state. The paper carries out analysis of Arabic newspapers and other documentary evidence to contextualize and estimate Qatar's financial contribution from 2010 to 2016. Contextualizing Qatar's aid necessitates considering Israel's military control of the Palestinian Territories, and its ability through hard power to regulate the inflow of aid to Palestine. The paper concludes by calling for adopting the political economy perspective in dealing with humanitarian aid.
- قطر
- فلسطين
- القوة الناعمة
- المساعدات الإنسانية
- إسرائيل.
- Qatar
- Palestine
- Soft Power
- Humanitarian Aid
- Israel.
"إن إسهام الدولة الخليجية [قطر] هو العلامة المهمّة الوحيدة التي تشير إلى إعادة البناء في قطاع غزة"2.
بيان المشكلة3
تصدّرت قطر مؤخرًا عناوين الصحف الدولية عندما أعربت ثلاث دول خليجية ومصر، بقيادة المملكة العربية السعودية، عن معارضتها سياسات قطر الإقليمية في الشرق الأوسط، وفرضت عليها الحصار البري والبحري والجوي. وفي حين لا يزال هذا الحدث يفتقر إلى أي حل، لا يُعرف سوى القليل عن المساعدات الإنسانية التي تقدّمها قطر في مناطق النزاع في الشرق الأوسط وأماكن أخرى. تضيف دراسة الحالة التي نقدّمها هنا إلى أدبيات العمل الإنساني من خلال التركيز على المساعدات الإنسانية القطرية للفلسطينيين، والتي تتناولها ضمن منظور الاقتصاد السياسي؛ إذ ترى أن سيطرة إسرائيل على تدفّق المساعدات إلى الضفة الغربية وقطاع غزة ما هي إلا نتيجة احتلال قواتها العسكرية للأراضي الفلسطينية. وقد جرى اختيار البيانات المستخدمة في التحليل من الجرائد العربية التي تغطي الفترة 2016-2010؛ ما يتيح تبويب هذه البيانات وفقًا لتاريخها ومصادر المساعدات ونوعها وكميتها. وتسلّط الدراسة الضوء على السجال بشأن استخدام القوة الناعمة مقابل القوة الصلبة عندما يتعلّق الأمر بقطر.
القوة الناعمة لقطر
يعدّ مفهوم القوة أساسيًا في العلوم الاجتماعية، ولا سيما العلوم السياسية والعلاقات الدولية. فمنذ أكثر من نصف قرن قدم المنظّر السياسي الأميركي روبرت دال4 الملامح الرئيسة للنقاش بشأن ما يشكّل القوة وكيفية تقييمها. وبعده أثار المحلّل ومنظّر العلاقات الدولية الأميركي جوزيف ناي5 سجالً ذا صلة بشأن التمييز بين القوة الناعمة والقوة الصلبة، إذ تشكّل الأيديولوجيات والقيم والمساعدات الإنسانية والثقافة العناصر الرئيسة للقوة الناعمة؛ بعكس القوة الصلبة التقليدية التي ينادي بها الواقعيون والتي تقوم على القوة العسكرية والموارد الاقتصادية والتدخل الإقليمي. وفي حين تدلّ القوة الصلبة على الإكراه المباشر، ترمز القوة الناعمة، من خلال الدبلوماسية العامة، إلى الحاجة إلى بسط النفوذ عبر الوساطة والحوار والإقناع. وكما يقول ناي فإن القوة الناعمة "هي القدرة على التأثير في الآخرين للحصول على النتائج التي يريدها المرء من خلال الاستقطاب بدلً من الإكراه أو المدفوعات"6. ولكنّ القوة الناعمة مرتبطة أيضًا بتكريس صورة الدولة، وهنا تكمن المشكلة. إذ تتشكّل الصور عن طريق الاتصال؛ وعملية الاتصال عملية ذاتية وتفسيرية في جوهرها، إذ لا تملك الدول يقينًا بشأن الكيفية التي يرى بها العالم الخارجي صورتها ومن ثمّ يفسّها7. وحتى عندما تحمل الصورة دلالات إيجابية، كما هي الحال في الولايات المتحدة الأميركية، فليس هناك ما يضمن أنه سيتمّ التصديق عليها، ومثال على ذلك العداء الذي يكنّه المثقفون والطلاب للسياسة الخارجية الأميركية عند استرجاعهم ذكرى حرب فيتنام، على الرغم من أنهم نتاج النظام التعليمي الأميركي وقيمه؛ والتي هي من أركان القوة الناعمة. يرى البعض أن سياسات قطر تبرز مثالً ناجحًا على القوة الناعمة أو الحاذقة التي تمارسها الدول الصغيرة، والتي تسعى للتأثير في السياسة الدولية بما يتجاوز وزنها8، بينما يحذّر البعض الآخر من المزالق التي تواجهها دول صغيرة مثل قطر في جهود الوساطة التي تبذلها. أما المشكلة الرئيسة التي تواجهها قطر، فتكمن في عجزها عن رصد تقدّم جهود وساطتها في حل النزاعات، وعدم قدرتها على ضمان تنفيذها9. لكن هناك مجموعة ثالثة تُركّز على الحاجة إلى تبنّي موقفٍ نقدي أكثر يدعو إلى النبذ التام لفكرة أن قطر هي من الدول التي تستخدم القوة الناعمة بفاعلية10. وأخيرًا، هناك الذين يعرّفون سياسات قطر بأنها تجمع بين القوة الناعمة والقوة الصلبة11.
وقد بادر الباحث الألماني فيلش إلى دحض فكرة أنّ قطر هي بالفعل دولة ذات قوة ناعمة، مستندًا إلى تطبيق المكوّنات الرئيسة الثلاثة للقوة الناعمة التي ذكرها ناي (الأيديولوجيات السياسية، والثقافة، والسياسات الخارجية)12. فعلى الرغم من تأثير شبكة الجزيرة الفضائية القطرية في مجال المعلومات والقيم، يزعم فيلش أن إسباغ ما يُعرف بالقوة الناعمة على قطر في علاقاتها الدولية هو "خرافة"، جازمًا أنّ المفاهيم التقليدية والواقعية للقوة هي أدوات تفسيرية أفضل. ويطبّق فيلش عمليًا، وخاصة، مفهوم ناي ليجد أن سياسات قطر قاصرة على جميع الجبهات. ومن خلال استناده إلى خمس فئات (الأعمال، والابتكار، والثقافة، والتعليم، والدبلوماسية العامة) يستشهد فيلش بالمسح الذي يجريه معهد الحكومة Monocle البريطانيInstitute for Government ومجلة مونوكل البريطانية بشأن مؤشر القوة الناعمة الذي يضع ألمانيا على رأس قائمة من خمسين دولة تمارس القوة الناعمة، في حين لا تظهر قطر في أي مكان من القائمة. إذ تعتبر قدرة البلد على اجتذاب الطلاب الأجانب سمةً أساسية من سمات تأثير القوة الناعمة للبلد؛ وعادة ما يشار إلى الولايات المتحدة مثالً رئيسًا. وبالنسبة إلى قطر، وقياسًا على حجم سكانها، تأتي في مرتبة عالية بهذا الصدد، ولكن تفسير فيلش هو أن هذا الأمر ليس نتيجة انجذاب الطلاب الأجانب للقيم الليبرالية في حد ذاتها، بل إلى التعليم العالي شبه المجاني في قطر. ومن الجدير بالذكر أن التجربة الجريئة الأخيرة لمعهد الدوحة للدراسات العليا في استقطاب الطلاب العرب أساسًا من جميع أنحاء العالم العربي، والذين يسعون للالتحاق ببرامج الدراسات العليا من دون أن يضطروا إلى دفع ثمن الإقامة والرسوم الدراسية، قد تتطور في الوقت المناسب إلى شكل مهم من أشكال القوة الناعمة. وفي ما يتعلق بحقوق الإنسان، تعرّضت دولة قطر لانتقادات من مختلف المنظمات الدولية بسبب معاملة البلاد للعمال الأجانب الذين يمثّلون 88 في المئة من سكانها. وكانت قطر قد اضطلعت، بعد اندلاع ثورات الربيع العربي مباشرة، بدور واضح لا لبس فيه، من خلال قناة الجزيرة في الدفاع عن المثُل الثورية للحرية والديمقراطية في العالم العربي، وفي التوسط في النزاعات الإقليمية؛ بما في ذلك النزاعات بين الفصائل الفلسطينية. فالدول الصغيرة تبسط سلطتها حصنًا منيعًا ضد دول أقوى13. لكن يصف فيلش القصور الذي تعانيه قطر في التوسّط لحل دائم بين مختلف الفصائل الفلسطينية بقوله "تؤدي 'دبلوماسية دفتر الشيكات' التي تعتمدها قطر إلى اتفاقات قصيرة الأجل غالبًا، إلا أنها لا تحقّق تسويات حقيقية ومستدامة للنزاع"14. ويبيّ أستاذ العلوم السياسية في جامعة الإمارات العربية المتحدة عثمان أنتوي - بواتنغ والباحث الكندي بن أوبرايت أنّ التوصيف السابق لقوة قطر الناعمة ليس بمكتمل15. صحيح أن القوة الناعمة لقطر تدعمها الوفرة والبحبوحة ووجود عسكري أميركي في البلاد؛ ما يجعل استقرار قطر النسبي وليبراليتها الاقتصادية من المسائل الجذابة، لكنه من اللافت للنظر في استطلاعات الرأي العام أنّ تفضيل الاستقرار الاقتصادي الذي بيّنه ثلثا القطريين الذين شملهم الاستطلاع، يفوق تفضيل الديمقراطية الذي لم يثر اهتمام إلّ ثلث الذين شملهم الاستطلاع في عام 2008 وفضّ لوه16؛ ما قد يفسّ عدم تجاوب القطريين مع الربيع العربي في ما يخص الجبهة الداخلية.
المساعدات الإنسانية القطرية
تزهو دولة قطر التي بلغ عدد سكانها نحو 2.4 مليونَ نسمة في عام 201717، منهم نحو 350 ألف مواطن18، بناتج محلي إجمالي عال بلغ 164.6 مليار دولار أميركي في عام 2016، وهو أقل من المعدّل الذي سجّلته قبل عامين، إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي مستوى عاليًا كان قدره 206.2 مليارات دولار أميركي في عام 2014، قبل الهبوط الأخير في أسعار النفط والغاز الطبيعي؛ وهما المصدران الرئيسان للثروة في قطر. ولدى تصنيف ذلك المعدّل تناسبيًا على أساس تعادل القوة الشرائية وعملية التعديل وفقًا للتضخم وحجم السكان، بلغ نصيب الفرد في قطر من الناتج المحلي الإجمالي 132937 دولار أميركي في عام 2015؛ وهو الأعلى في العالم19. ومن الناحية النسبية، فإن قطر هي الوافد الجديد إلى دبلوماسية المساعدات الخارجية؛ ويمكن تعقّب دورها النشِط بوصفها وسيطًا إلى منتصف التسعينيات، وعادةً ما تكون مساعداتها إنسانية تقوم على اتفاقات ثنائية هدفها الرئيس الدول العربية والدول الإقليمية الأخرى20، إلا أن هذا النمط شهد تغييرًا مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والتي تعد دولة قطر أحد أعضائه، إذ بات مجلس
التعاون يتبنّى المساعدات المتعدّدة الأطراف. وبحسب الاتحاد الأوروبي "فضلت دول الخليج، ولفترة طويلة المساعدات الثنائية؛ غير أن مساهماتها في التمويل المتعدّد الأطراف تنامت منذ عام 2012، وإن كانت الأموال مرصودة بحسب بلد المقصد. ويلاحظ مراقبون أن المدخلات الكبيرة جدًا التي تقدّم مرة واحدة لمنظومة الأمم المتحدة تجعل مساعدات دول مجلس التعاون الخليجي أكثر وضوحًا، فتصبح إمكانية التنبؤ بالمساعدات أكثر صعوبة"21. وقد أصدر الاتحاد الأوروبي تقريرًا في أيار/ مايو 2016 بيّ فيه أن مساهمة دول الخليج بلغت 9 في المئة من إجمالي المساعدات الإنسانية العالمية؛ ما يشير إلى زيادة مهمة مقارنةً بمساعدات عام 2005، إذ وصل مستوى المساعدات إلى 4 في المئة22. ويشير تقرير الاتحاد الأوروبي أيضًا إلى أن دول الخليج الثلاث المتبقية، باستثناء البحرين، تشارك بنشاط وفاعلية في تمويل مختلف جماعات المعارضة والحروب الأهلية في سورية وليبيا واليمن؛ ما يثير موجة انتقادات من داخل العالم العربي وخارجه23. أما في التصريحات العلنية، فتبدو العروبة والإسلام عنصرين أساسيين للسياسة الخارجية لدولة قطر، كما ذكر وزير خارجية قطر في عام 2013. وبعد أن تولّ الشيخ تميم بن حمد آل ثاني منصب الأمير في عام 2013، وصَف السياسة الخارجية النشطة لبلاده على هذا النحو: "نحن قوم نلتزم بمبادئنا وقيمنا لا نعيش على هامش الحياة ولا نمضي تائهين بلا وجهة ولا تابعين لأحد ننتظر منه توجيهًا. لقد أصبح نمط السلوك المستقل هذا من المسلَمّات في قطر وعند من يتعامل معنا، نحن أصحاب رؤية [...] نحترم جميع التيارات السياسية المخلصة المؤثرة والفاعلة في المنطقة، ولكننا لا نُحسب على تيارٍ ضد آخر. نحن مسلمون وعرب نحترم التنوع في المذاهب ونحترم كل الديانات في بلداننا وخارجها، وكعربٍ نرفض تقسيم المجتمعات العربية على أساس طائفي ومذهبي، ذلك لأن هذا يمسّ بحصانتها الاجتماعية والاقتصادية ويمنع تحديثها وتطورها على أساس المواطنة بغض النظر عن الدين والمذهب والطائفة"24. صحيح أن قطر تعطي الأولوية للمتلقيّن العرب لدى توزيعها المساعدات الإنسانية، إلا أن تلك المساعدات لا تقتصر البتّة على العالم العربي. وعند التمعن في البلدان المتلقّية للمساعدات في الفترة المشمولة في الجدول (1)، يتبيّ أن المساعدات تشمل 25 بلدًا، أغلبيتها غير عربية، بما في ذلك عدة منظمات تابعة للأمم المتحدة مثل برنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومنظمة الصحة العالمية. وفي إحدى الحالات، وجهت قطر مساعداتها إلى المجلس النرويجي للاجئين. أما البلدان ال 25 التي حددتها دائرة التتبّع المالي (في الأمم المتحدة، ويديرها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية) فشملت: إثيوبيا وأفغانستان وإندونيسيا وأوكرانيا وإيران وباكستان وتايلند وتركيا وتونس والجزائر وجنوب السودان ودارفور وسريلانكا والسودان والعراق وغزة والفلبين وكشمير وكوبا ولبنان وجزر المالديف وموزمبيق ونيجيريا وهايتي والهند. وتتدفق المساعدات الإنسانية على المستوى الثنائي من حكومة إلى حكومة، و/ أو من الجهات المانحة إلى مجموعات محدّدة داخل الدول المتضرّرة مثل المنظمات غير الحكومية والمؤسسات التعليمية والجهات التي تقدّم الرعاية الصحية والبلديات وغيرها من المؤسسات. وبناءً عليه، ينصب اهتمام هذا البحث على تفسير دوافع المساعدات الإنسانية القطرية التي تستهدف تحديدًا الأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية، وقطاع غزة.) يتضح بعد مناقشة المساعدات القطرية لفلسطين، أن التفاوت الفاضح بين حجم المساعدات المعلَنة، وتلك التي يجري إيصالها، يتم تعويضه إلى حدٍ ما، كما نلاحظ في القسم التالي، من خلال المنح القطرية المستمرة من جانب واحد لتلبية الاحتياجات الأساسية (الصحة، والكهرباء، والغذاء، والبنية التحتية، وعجز الميزانية الفلسطينية) التي يواجهها الفلسطينيون، بخاصة في غزة. ولا يقتصر هذا النقص في المساعدات على قطر وحدها، بل يشمل عددًا من المنظمات الإنسانية الدولية. فعملً باتفاقات أوسلو، تلقّت السلطة الفلسطينية خلال الفترة 2016–1993 ما مجموعه 17 مليار دولار أميركي من المساعدات؛ أي نصف المبلغ الذي جرى التعهّد به، وفقًا للسلطة الفلسطينية، وظلّت المساعدات تنخفض على مر السنين. وفي بداية عام 2016، كان من المتوقع أن تصل ميزانية السلطة الفلسطينية لعام 2016 البالغة 4.25 مليارات دولار أميركي، إلى مستوى 2.0 مليارَي دولار أميركي فقط، قوامها الضرائب والإيرادات والمساعدات الموعودة؛ ما يشير إلى عجز يبلغ 2.25 مليارَي دولار أميركي25.
الجدول (1) المساعدات الإنسانية القطرية عبر العالم، 2001، 2003 - 2017 (مليون دولار أميركي)
| القيمة (مليون دولار أميركي) | السنة | القيمة (مليون دولار أميركي) | السنة |
|---|---|---|---|
| 2.1 | 2010 | 1.0 | 2001 |
| 17.1 | 2011 | 15.3 | 2003 |
| 104.9 | 2012 | 20.5 | 2004 |
| 108.7 | 2013 | 24.7 | 2005 |
| 155.7 | 2014 | 5.0 | 2006 |
| 103.3 | 2015 | 0.2 | 2007 |
| 41.4 | 2016 | 2.6 | 2008 |
| 2.0 | 2017 كانون الثاني/ يناير -شباط/ فبراير | 13.1 | 2009 |
الجدول (2) قائمة التعهدات لأعلى 11 دولة مانحة في مؤتمر القاهرة عام 2014 (بملايين الدولارات)
| نسبة الإنفاق من نصيب غزة % | نصيب غزة من إجمالي التعهد | إجمالي التعهد | الدولة |
|---|---|---|---|
| 19 | 1000 | 1000 | قطر |
| 23 | 500 | 500 | المملكة العربية السعودية |
| 100 | 277 | 414 | الولايات المتحدة الأميركية |
| 114 | 10 | 410 | السويد |
| 87 | 145 | 362.4 | النرويج |
| 85 | 348.3 | 348.3 | الاتحاد الأوروبي |
| 100 | 61 | 200 | اليابان |
| 15 | 29 | 200 | الكويت |
| 32 | 200 | 200 | تركيا |
| 15 | 200 | 200 | الإمارات العربية المتحدة |
| 100 | 14.5 | 186.2 | الدنمارك |
الأزمات دفعت بالمساعدات القطرية إلى الأراضي الفلسطينية
نقدّم، هنا، ملخصات التقارير الإعلامية التي جرى جمعها أساسًا من الجرائد الإنكليزية والعربية، وذلك لإظهار طبيعة المساعدات الإنسانية التي تقدّمها قطر للأراضي الفلسطينية واستعراض نطاقها. وعلى الرغم من أن المعلومات لا تستند إلى وصول المؤلِّف مباشرة إلى البيانات الرسمية للمساعدات الخارجية القطرية، فهذه المقاربة القائمة على تحليل المحتوى تتميّز بكونها تضع المساعدات الإنسانية ضمن سياق، وتعوّض عن عدم الوصول إلى البيانات الرسمية. ففي أعقاب الحرب المروّعة التي شنّتها إسرائيل على غزة في صيف عام 2014، انعقد مؤتمر دولي في القاهرة في تشرين الأول/ أكتوبر 2014 لجمع الأموال من أجل إعادة إعمار غزة، إذ تعهّدت خمسون دولة في البداية، وفقًا للبنك الدولي، بمساعدة فلسطين بمبلغ 5.082 مليارات دولار أميركي. ويبدو أنّ تصنيف البنك الدولي تضمّن ثلاثة مستويات من الدعم: المبلغ الإجمالي المخصّص لفلسطين، والمبلغ المخصّص لغزة فحسب، والمبالغ الفعلية المدفوعة (انظر الجدول 2). فهناك تفاوت بين التعهدات المقدَّمة وحجم المساعدات المدفوعة لغزة بعد مؤتمر القاهرة. ففي الوقت الذي تجاوزت التعهّدات الفعلية لغزة 3.5 مليارات دولار أميركي، بلغ المبلغ الذي جرى إيصاله حتى 31 تموز/ يوليو 2016، 1.596 مليار دولار أميركي؛ أي 46 في المئة فقط من التعهدات الأصلية لغزة26. يعرض الجدول (2) بيانات البنك الدولي التي تسرد قائمة من 11 بلدًا حضر ممثلوها مؤتمر القاهرة في عام 2014، ومثّلت مساهماتهم الحصة الأكبر من المساعدات؛ كما ترد فيه المبالغ الإجمالية التي تعهّد بها كل منهم للأراضي الفلسطينية، بما في ذلك الجزء المخصّص لقطاع غزة فقط. ويتبيّ من الجدول أن تعهّد قطر بمبلغ مليار دولار أميركي كان الأعلى، تليها المملكة العربية السعودية بمبلغ 0.50 مليار دولار أميركي. ومع ذلك، وحتى 31 تموز/ يوليو 2016، ووفقًا للبنك الدولي، لم تسدِّد قطر سوى 19 في المئة من المبلغ الذي تعهّدت به، والسعودية 23 في المئة من المساعدات التي وعدت بإيصالها إلى قطاع غزة. وفي عام 2017، ناشدت الأمم المتحدة الدول الأعضاء، لتقديم مساعدات بقيمة 547 مليون دولار أميركي لفلسطين. وبالطبع، يبقى تحقيق مجموع هذه المساعدات المطلوبة مسألةً مشكوكًا فيها؛ إذ قبل عام، أي في عام 2016، وعقب نداء لجمع مساعدات بقيمة 571 مليون دولار أميركي، لم يصل فعليًا إلى فلسطين إلا 47 في المئة أو 267 مليون دولار أميركي فقط. وتحذّر الأمم المتحدة من أن قطاع غزة المكتظ بالسكان قد يصبح غير صالح للسكن بحلول عام 2020 إذا استمرت الاتجاهات الحالية27.
من الواضح أن الجمهور الفلسطيني يثمّن دور قطر في التوسّط في النزاع في فلسطين، إذ بيّ استطلاع للرأي أجري في آذار/ مارسُ 2012 أن 84 في المئة يؤيدون اتفاق الدوحة الذي تفاوضت عليه قطر لحل النزاع بين فتح وحماس، في حين رحّب 69 في المئة بالدور الذي اضطلعت به قطر في المصالحة تحديدًا، على الرغم من أن الجمهور يشك في أن المصالحة ستنجح. وعلاوة على ذلك، فإن ثلاثة أرباع الفلسطينيين الذين شملهم الاستطلاع، يعتقدون أن هناك فسادًا في السلطة الفلسطينية، ويعزو ثلثهم الفساد إلى حكومة حماس أيضًا28.
اعتبارات منهجية
تغطّي مصادر المعلومات لهذا البحث الفترة 2010 - 2016 وتشمل تقارير صحفية باللغة العربية، تكمّلها تقارير رسمية من الوكالات الدولية والأمم المتحدة في حال كانت متوافرة. وقد تمكّنا من جمع 24 مصدرًا باللغة العربية تحتوي على بيانات عن التمويل. وبطبيعة الحال، فإن الطريقة الأكثر دقةً هي استخدام البيانات الرسمية التي تقدّمها وزارة خارجية قطر، وهي المصدر الرئيس للتمويل المقدّم للفلسطينيين. ولاحظنا أيضًا أن هناك حالات شهدت تقديم بيانات عن النفقات المقبلة. ولم تدرج هذه المبالغ عند حساب المبالغ الإجمالية للمساعدات المدفوعة فعليًا. وقد تفادينا أيضًا الحساب المزدوج عندما كانت بيانات التمويل نفسها، ولكن أعلنت عنها مصادر مختلفة29.
الجدول (3) ملخص المنح التي قدمت للفلسطينيين من مصادر عربية
| تاريخ النشر | الجهة المانحة | الجهة المتسلمة | تمفاصيل عن المساعدة | المبلغ (مليون دولار) | ملاحظات |
|---|---|---|---|---|---|
| أيلول/ سبتمبر 2016 | حكومة قطر | مؤسسة الدراسات الفلسطينية | منحة لتسهيل أعمال المؤسسة | 5 | ____ |
| آب/ أغسطس 2016 | صندوق قطر للتنمية | غزة | ممساعدة الأيتام | لم يتم الكشف عن قيمة المبلغ | ____ |
| تموز/ يوليو 2016 | مجلس التعاون لدول الخليج العربية والبنك الإسلامي | غمزة والضفة الغربية | المعاقون، والمستشفيات | 7 | ____ |
| حزيران/ يونيو 2016 | قطر الخيرية | نطاق عالمي | الصحة والفقر | 1 | غير محدد لفلسطين |
| حزيران/ يونيو 2016 | قطر الخيرية | غزة | 2000م سلة غذائية للفقراء | لم يتم الكشف عن قيمة المبلغ | ____ |
| م حزيران/ يونيو 2016 | حكومة قطر، مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أونكتاد)( | غزة والضفة الغربية | التدريب التقني | لم يتم الكشف عن قيمة المبلغ | ____ |
| حزيران/ يونيو 2016 | قطر الخيرية | غزة والضفة الغربية | تعليم الأيتام | 100 | |
| نيسان/ أبريل 2016 | حكومة قطر | غزة | مشروعات سكنية | 20 | ____ |
| أيار/ مايو 2016 | حكومة قطر | غزة | مشروعات متنوعة | 2ا15.1 | إجمالي المساعدات للربع الأول من عام 2015 |
| كانون الأول/ ديسمبر 2014 | قطر الخيرية | غزة | رعاية تعليمية وصحية لم 8250 يتيم ً | لم يتم الكشف عن قيمة المبلغ | |
| كانون الأول/ ديسمبر 2014 | حكومة قطر | فلسطين | مساعدات للَجئين سوريين وصوماليين وفلسطينيين | 170 أ نفقت على اللاجئين ُ االفلسطينيين | أنفقت قطر 185 مليون دولار على اللاجئين السوريين، و25 مليون دولار على اللاجئين الصوماليين |
| تشرين الأول/ أكتوبر 2014 | قطر الخيرية | غريزة | تقديم مساعدات فورية للفقراء، ولقطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية مباشرة بعد العدوان الإسرائيلي في آب/ أغسطس 2014 | 30.4 |
| إ تشرين الأول/ أكتوبر 2014 | البنك الإسلامي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) | غزة | التدريب والتنمية | 4.5 | استفاد 4200 فرد من المنحة |
|---|---|---|---|---|---|
| تشرين الأول/ أكتوبر 2014 | حكومة قطر | غزة | مساعدات للصيادين والمزارعين | 9.975 | ____ |
| تشرين الأول/ أكتوبر 2014 | حكومة قطر | غزة | إدارة الأزمات ومساعدة الأفراد النازحين | 2.281 | ____ |
| تشرين الأول/ أكتوبر 2014 | حكومة قطر | غزة | إصلاح المساجد وبناؤها | 3.165 | ____ |
| أيار/ مايو 2014 | حكومة قطر | غزة | مساعدة 163 فردًا من الذين يمعانون الأمراض المزمنة | لم يتم الكشف عن قيمة المبلغ | ____ |
| شباط/ فبراير 2014 | قطر والهلال الأحمر الفلسطيني | غزة | مساعدة ضحايا مرض "أليكسا" | 23 | ____ |
| حزيران/ يونيو 2013 | حكومة قطر | فرلسطين | مشروعات تنمية وبنية تحتية | 4م78 | هذا المبلغ هو المبلغ الإجمالي الذي ساهمت به قطر خلال الفترة)2012-2001( |
| آذار/ مارس 2013 | قطر الخيرية | غزة | مساعدات )طوارئ) عاجلة ل 750 صيادًا في غزة | 0ا.799 | هذا المبلغ جزء من برنامج المساعدة العام وقيمته 10.2 ملايين دولار بدعم من وزارة الخارجية القطرية |
| تشرين الأول/ أكتوبر 2012 | حكومة قطر | غزة | إنتاج الأطراف الاصطناعية في مستشفى جديد | 15 | ____ |
| تشرين الأول/ أكتوبر 2012 | حكومة قطر | غزة | 3000 وحدة سكنية جديدة | 400 | ____ |
| تشرين الأول/ أكتوبر 2012 | حكومة قطر | غزة | تجديد وحدات سكنية جديدة | 8 | ____ |
| حزيران/ يونيو 2012 | حكومة قطر | غرزة | شرماء كَراسٍ آلية ل 300 مريض | لم يتم الكشف عن قيمة المبلغ | ____ |
| حزيران/ يونيو 2010 | صندوق الزكاة | غزة | مساعدة الأسر الفلسطينية الفقيرة | 25 | ____ |
تعليق على التمويل
يبيّ الجدول (3) أن الجزء الأكبر من التبرعات الإنسانية كان موجّهًا إلى دعم الصحة والتعليم، وأنواع أخرى من مشاريع البنية التحتية مثل الكهرباء والإسكان وإصلاح الطرق. وتجدر الإشارة إلى أن وزير الخارجية القطري أعلن في بيان صدر في أيار/ مايو 2016 أن قطر أنفقت خلال الفترة 2011 - 2015، 3.6 مليارات دولار أميركي (13.2 مليار ريال قطري) على المساعدات الخارجية. وبصفة عامة، قال إن قطر ملتزمة بإنفاق 10 مليارات دولار أميركي على المساعدات الخارجية للمجتمعات المدنية لمكافحة الأمّية والبطالة
والتمييز والأيديولوجيات المتطرفة، على الصعيد العالمي30. وقد كرّر هذا الموقف وزير الخارجية القطري الحالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، إذ أشار في كلمة ألقاها في معهد تشاتام هاوس البريطاني المعني بالشؤون الدولية في لندن إلى أن قطر خصّصت 25 في المئة من مساعداتها الخارجية للمشاريع التعليمية لوقف موجة التطرف بين الشباب، وأن هذه المشاريع تنتشر في 42 بلدًا في جميع أنحاء العالم31، وتُ ثّل هذه الخطوة بوضوح، دفعة جديدة لسياسة المساعدات الخارجية القطرية. صحيح أن الأغراض تستهدف تمويل تدابير إنسانية، إلا أن الهدف الأساسي هو سياسي أيضًا، إذ يسعى للتصدي للتيارات الأيديولوجية المتطرّفة.
وعند التمعّن في البيانات الواردة في الجدول (3) من المصادر العربية، يتبين أنه منذ عام 2010 قدّمت قطر، وفي بعض الأحيان بالاشتراك مع جهات مانحة أخرى، نحو 800 مليون دولار أميركي لفلسطين. وتظهر النفقات أن المساعدات الإنسانية القطرية خُصّصت لما يُعد احتياجات أساسية للفلسطينيين، أغلبيتهم في غزة، مثل الإسكان والصحة والتعليم وتخفيف الفقر؛ وهي تمثل الحصة الأكبر من المدفوعات. ومن الجدير بالذكر أن الرقم الأخير من المصادر العربية قريب من الرقم الرسمي الذي أعلنته الحكومة القطرية مؤخرًا والبالغ 812 مليون دولار أميركي32. ویمکن ملاحظة أن أغلبية التمويل مخصّص لغزة بدلً من الضفة الغربية، ويفسّه سببان رئيسان؛ أولهما، أن دولة قطر أقامت أوثق العلاقات مع حماس في غزة، وبهذا المعنى استمرت علاقاتها الوثيقة بالإخوان المسلمين في مصر والقريبين من حماس. و ثانيهما، وهو الأهم، أن قطاع غزة تعرّض لهجمات إسرائيلية سعت إسرائيل من خلالها لمعاقبة حماس؛ ما أدّى إلى تدمير واسع النطاق في القطاع. ولذلك كان من المنطقي تحويل التمويل القطري نحو إعادة إعمار غزة.
العامل الإسرائيلي
أعربت الجهات المانحة العربية وغير العربية، بما فيها وكالات الأمم المتحدة، عن انتقاداتها للقيود التي تفرضها إسرائيل ولتكتيك التأخير الذي تتّبعه في تسليم المساعدات الإنسانية وغيرها من المساعدات الإنمائية للفلسطينيين، فضلً عن الحصار المفروض والمتواصل على قطاع غزة. ومن ناحية أخرى، تعرّضت السلطة الفلسطينية للنقد بسبب الفساد، وعدم الكفاءة، وعدم الاستقرار الداخلي جرّاء التنافس المستمر بين فصيلَ فتح وحماس؛ ما يعوّق تقديم المساعدات للأراضي الفلسطينية. ونتيجة ذلك، تحوّلت قطر إلى أساليب أخرى لإيصال المساعدات، مثل العمل مباشرة مع وكالات الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الخيرية المحلية والدولية، كما ورد مسبقًا. وبسبب الحالة على أرض الواقع، اضطرت قطر في بعض الأحيان إلى التوجه إلى إسرائيل لضمان إيصال المساعدات. والسؤال الذي نطرحه: ما ثمن هذا التدخل الإسرائيلي؟ ألقى البنك الدولي في تقريره الأخير باللوم على إسرائيل بسبب الركود الاقتصادي الذي أصاب الأراضي المحتلة. وفي حين أن السلطة الفلسطينية تحتاج إلى تحسين مناخ الأعمال في الأراضي المحتلة، يشير التقرير إلى أن "القيود الإسرائيلية تشكّل العقبة الرئيسة أمام النمو." أما في ما يتعلق بتراخيص البناء، فيشير التقرير إلى أن "نحو 10 في المئة فقط من القرى الفلسطينية البالغ عددها 130 قرية في المنطقة ج [في الضفة الغربية] تملك مخطّطًا مكانيًا تمهيديًا عامًا؛ ما يعطّل بشكل كبير أعمال البناء. ولا تتم الموافقة إلا على 3.5 في المئة من تصاريح البناء التي يقدّمها الفلسطينيون للإدارة المدنية الإسرائيلية للبناء في المنطقة ج"33. وحتى عندما يجري منح التصاريح، تخضع شحنات مواد البناء للضوابط الإسرائيلية؛ ما يؤدي إلى ارتفاع التكاليف34. ويمكن رصد الآثار المترتبة على السياسات الإسرائيلية تجاه غزة في الملاحظة التالية للبنك الدولي: "إن تجريد الاقتصاد
من الطابع الصناعي، والحروب المتعددة، وفقدان فرص العمل في إسرائيل هي عوامل أدت إلى ارتفاع معدل البطالة، ولا سيما بين الشباب في غزة؛ إذ وصل إلى 58 في المئة. ويعيش نحو 40 في المئة من سكان قطاع غزة تحت خط الفقر على الرغم من أن نحو 80 في المئة منهم يتلقون نوعًا من المساعدات. غير أن هذه الأرقام لا تصوّر درجة معاناة مواطني قطاع غزة نتيجة قلة توافر الكهرباء والمياه والصرف الصحي، إضافة إلى الصدمات النفسية المرتبطة بالحرب، ومحدودية الحركة، وتداعيات سلبية مؤذية أخرى ناجمة عن الحروب والحصار"35. ويكمن جوهر المأزق الذي تواجهه الأراضي الفلسطينية في التبعية الاقتصادية الناجمة عن قيام إسرائيل بإدخال آليات المراقبة عقب اتفاقات أوسلو في عام 1993. ويبلغ العجز التجاري بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية بصورة عامة، نحو 80 في المئة لمصلحة إسرائيل؛ ما دفع أحد المحللين إلى الخروج بخلاصة مفادها أن "الأراضي الفلسطينية المحتلة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الاقتصاد الإسرائيلي"36. فالفلسطينيون يُعَدّون مستهلكين رئيسيين للمنتجات الإسرائيلية في إطار علاقة غير متكافئة بين الطرفين. وفي تقييمٍ حديث لاقتصاد الأراضي الفلسطينية التابع يغطي الفترة 2013–2000، عمل الباحث الاقتصادي شير هيفر37 على تحديث دراسة رائدة سابقة كانت قد أجرتها الباحثة القانونية نيكي تيليكنس وأكّد ما كان جاء فيها38، ليخلص إلى أن 72 في المئة من المساعدات المقدّمة لفلسطين تؤول عادةً في النهاية إلى مصلحة الشركات الإسرائيلية؛ ما يدعم احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية. فمنذ عام 2008، بلغ مجموع الإنفاق الإسرائيلي الحكومي على الاحتلال نحو 6.84 مليارات دولار أميركي؛ أي إنّ الفائض التجاري الذي تتمتع به إسرائيل مع الفلسطينيين يموّل نحو 23 - 34 في المئة من تكاليف الاحتلال. ويخلص هيفر إلى القول: "نظرًا إلى أن الصادرات إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة تمثل نحو 5 في المئة من إجمالي الصادرات الإسرائيلية [...] وأغلبية هذه الصادرات مموَّلة من المساعدات الدولية، قد يستنتج المرء أن المساعدات الدولية للفلسطينيين تساهم بمليارات الدولارات الأميركية في الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي، ما يمكّن إسرائيل من تحمّل تكلفة استمرار الاحتلال العسكري. وتشير النتائج هنا إلى أن 78 في المئة على الأقل من أموال المساعدات تستخدم للاستيراد من إسرائيل، وبالتالي تغطي 18 في المئة على الأقل من تكاليف الاحتلال الإسرائيلي"39. ويُعَد قطاع الاتصالات من الأمثلة البارزة في تصوير تكتيكات إسرائيل في إعاقة التنمية التكنولوجية والصناعية في الأراضي الفلسطينية. فعقب اتفاقات أوسلو، أكدت إسرائيل سيطرتها على قطاع الاتصالات؛ والذي وصفته الباحثة الأكاديمية هلجا طويل - الصوري بأنه شكل من أشكال "الاحتلال الرقمي"، إذ إنها تسيطر على توزيع طيف التردّدات ومواقع أجهزة إرسال الإشارة. وبحسب طويل - الصوري "تسيطر إسرائيل على جميع البنى التحتية الرقمية في فلسطين، ما يحدّ من استخدام الهواتف والهواتف النقالة والإنترنت في أي وقت"40، وهذا يتضمّن اختراق الهواتف الفلسطينية وإغلاق خدمة الإنترنت عمومًا، وهو ما يحدث عادةً بناءً على طلب الجيش الإسرائيلي. ويوافق البنك الدولي على الآثار الضارة بالاقتصاد الفلسطيني، وهذا ما أشار إليه في تقريره: الفرص المفقودة للتنمية الاقتصادية41 الصادر في كانون الثاني/ يناير 2016؛ فالتدابير التقييدية التالية أثّرت كثيرًا في تطور قطاع الاتصالات الفلسطيني، "في أواخر عام 2015، تم التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل لإطلاق طيف الجيل الثالث 3G في الضفة الغربية. ومع ذلك، فإن المشغّلين الفلسطينيين لا يزالون في وضع غير مؤات للمنافسة نظرًا إلى أن المشغلين الإسرائيليين يتمتعون بقدرات الجيل الثالث والرابع، ولديهم القدرة على جذب زبائن أهمّ. ويستولي المشغّلون الإسرائيليون، غير المصرّح لهم، على أكثر من 20 في المئة من حجم سوق الضفة الغربية"42. صحيح أن المساعدات الإنسانية ضرورية للبقاء، إلا أنه من المهم تأكيد التخلّف التكنولوجي في الأراضي الفلسطينية واستمرار الاعتماد الاقتصادي على إسرائيل. وتستخدم إسرائيل الحجة الأمنية لفرض قيود على النفاذ إلى عرض النطاق التردّدي الضروري لإنشاء قطاع
للاتصالات السلكية واللاسلكية قابل للاستمرار. وينبغي للجهات المانحة الدولية، بما فيها قطر، أن تسلّط الضوء على هذا البعد في حملات المساعدات التي تقدّمها.
الخلاصة
يجب الإشارة إلى أن حجم المساعدات العربية للمناطق المتضرّرة من النزاعات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عامي 2008 و 2009 كان مهمً. وقد أتت تلك المساعدات عقب العدوان الإسرائيلي السافر على غزة، إذ تعهّدت دول الخليج حينها بتقديم 1.65 مليار دولار أميركي من المساعدات لقطاع غزة، وهو مبلغ يعادل ضعفَي المبلغ الذي قدمته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي معًا43. ويشير الكاتبان سلطان بركات وستيفن زيك الباحث في المساعدات الإنسانية، إلى أنّ "المساعدات التي تقدّمها الدولة الخليجية كانت مدفوعة بمبادئ دينية راسخة قوامها الأعمال الخيرية التي كثيرًا ما تصاغ وفقًا للأهداف السياسية الوطنية للبلدان المانحة على وجه الخصوص. ولكن، بدلً من أن تكون تلك المساعدات التي قدّمتها دول الخليج تعهّدًا إستراتيجيًا فحسب، فقد عكست أيضًا المواقف المبدئية المتعلقة بالأمن البشري والتكامل الثقافي وسيادة الدولة"44. وعلى نحوٍ أكثر تحديدًا، يحدّد الكاتبان بركات وزيك ثلاثة دوافع رئيسة تتحكّم في سياسات المساعدات الإنسانية لدى دول الخليج: 1. الدبلوماسية والاستقرار، 2. التضامن مع القضية الفلسطينية؛.3 الاعتبار الإنساني45. وليس ثمة شك في أن التضامن مع الفلسطينيين على المستويين العام والرسمي هو جوهري وحقيقي طالما يخدم الاستقرار الإقليمي ومصلحة دولة قطر. وهو يفسّ، إلى جانب الاعتبارات الإنسانية، سياسات المساعدات السخية تجاه الفلسطينيين. فقد حاولت قطر أن ترسم صورة الطرف المحايد في دورها بوصفها وسيطًا، ولدى إبرامها اتفاقات في مناطق النزاعات مثل لبنان وليبيا والسودان/ دارفور، وفي وقت ما اليمن46. وكانت بعض هذه الاتفاقات دائمة، كما في لبنان، في حين لم يكن بعضها الآخر كذلك، مثل اليمن. ومن الواضح أن دور قطر في حالات اليمن وليبيا وسورية ينحرف بها عن الصورة الحيادية؛ إذ أصبحت قطر في هذه الحالات، متورّطةً عسكريًا سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وقد انحازت إلى بعض الأطراف في الحرب الأهلية. ومع ذلك، يبقى السؤال: لماذا لم تنجح قطر في إبرام اتفاقات دائمة في فلسطين بين الطرفين الرئيسين المتنازعيْ؛ حماس وفتح؟ والجواب هو أن الحالة الفلسطينية مثيرة للاهتمام، لأن قطر، وبكل وضوح، هي الجهة المانحة الرئيسة الفعلية في فلسطين على نحو مستدام، ومن ثم، فهي تحظى بنفوذ كبير. ويكمن الجواب، أقلّه جزئيًا، في الفيتو الإسرائيلي المستمر القائم على قوتها الصلبة. فعلى الرغم من أن قطر لديها بعض التأثير في إسرائيل، فإن الأخيرة لن تحيد عن ضمان إخضاع الفلسطينيين، حتى بطرق وحشية عندما تريد ذلك؛ وهذا يمكن أن يكون مكمن الضعف في القوة الناعمة. فما دامت المساعدات لا يعزّزها ما يعرف بالقوة الصلبة، لن تتردّد إسرائيل في تجاوز المبادرات القطرية وغيرها. وعلى الأرجح، إنّ بذل جهد جماعي متضافر من جانب الدول العربية من شأنه أن يخفف من هيمنة إسرائيل على هذه الجبهة. ولكن للأسف، هذا احتمال بعيد الآن، لأن دول الخليج تتقارب مع إسرائيل في مواجهتها مع إيران. ويتطلّب حجم المساعدات ونطاقها آليةً أفضل لضمان المساءلة؛ ما يعزّز بدوره استمرار المساعدات. والمساءلة أمر تدعو إليه الدول المانحة. وثمة خطر يتمثّل في أن تولّد المساعدات المقدّمة لفلسطين إحساسًا بالتبعية، قد يكون في المدى البعيد في مصلحة إسرائيل. فكما رأينا، صحيح أن إسرائيل قد تحتجّ علنًا على تسليم المساعدات الأجنبية، إلا أنها تستفيد اقتصاديًا من كونها بائع المواد التي يحتاج إليها السكان الفلسطينيون الواقعون تحت الاحتلال. ومن ناحية أخرى، وطالما بقيت إسرائيل الحكَم النهائي في عملية وصول المساعدات، فإنها ستكون قادرةً على ضبط تدفّق المساعدات
لتتناسب مع سياساتها، وذلك بطريقتين؛ أول، بحيث لا يقع الفلسطينيون تحت الحدّ الفاصل للبقاء على قيد الحياة، لتفادي دعاية سلبية غير ضرورية، من وجهة نظر إسرائيل. وثانيًا، بحيث تساهم هذه المساعدات في تهدئة السكان المحليين في مقاومتهم لإسرائيل. وما ندعو إليه هنا هو إدماج مقاربة الاقتصاد السياسي في تحليل المساعدات الإنسانية47، إذ إنه يساعد في إلقاء الضوء على اتجاه إسرائيل والولايات المتحدة إلى التذرّع بحجة الإرهاب للحدّ من المساعدات المقدّمة للفلسطينيين. ومن الأمثلة على ذلك، ذكرنا أن إسرائيل تعارض استيراد الإسمنت ومواد بناء منشآت البنية التحتية الأخرى إلى غزة بحجة أن الفلسطينيين سيستخدمونها لأغراض عسكرية. وتُربط المساعدات الغربية لفلسطين بشرط ألا تستخدم هذه المساعدات لأغراض عسكرية، وهذا شرط لا تتردد إسرائيل والولايات المتحدة في الإجهار به دوليًا، حتى عندما تكون الشروط نفسها مفروضةً من جانب واحد وتخضع لتفاسير فضفاضة. فعلى سبيل المثال، وكما سبق وأوضحت بمزيد من التفصيل، جرى وضع قيود على عملية استيراد المواد الغذائية خلال ذروة الحصار المفروض على غزة في عام 2014، وأخضعتها إسرائيل للتدقيق؛ إذ كانت هي أيضًا عرضة لربطها بتهمة الإرهاب. ففي الواقع، وضعت إسرائيل حسابات تفصيلية لتقدير كمية السعرات الحرارية التي يحتاج إليها الفرد للحؤول دون حدوث مجاعة جماعية فلسطينية، وفي الوقت نفسه كانت تدافع عن موقفها في استخدام تهمة الإرهاب48. وقد بلغت المساعدات الأميركية للأراضي الفلسطينية نحو 400 مليون دولار أميركي سنويًا خلال الفترة 2008 - 2016 مع اشتراط بند على أن تستهدف هذه المساعدات تنازليًا 1". تعزيز القدرة على منع الإرهاب ضد إسرائيل أو الحدّ منه، 2. تعزيز الاستقرار والازدهار والحكم الذاتي في الضفة الغربية بما يفيد الفرص الدبلوماسية الإسرائيلية الفلسطينية، و 3. تلبية الاحتياجات الإنسانية". واللافت للنظر أن غزة لم تُذكر باعتبارها طرفًا مستفيدًا محتملً من المساعدات الأميركية، وأن المساعدات الإنسانية احتلّت المرتبة الأخيرة على قائمة الأولويات لدى الولايات المتحدة. وفي الواقع، أنفقُ 25 في المئة من المساعدات الأميركية للضفة الغربية على إنفاذ القانون ومكافحة المخدرات، وتدريب قوات الأمن الفلسطينية، وقطاع العدالة الجنائية.
المراجع
Abu Amer, Adnan. "Why Donor Countries are Giving Less to the Palestinians." Al-Monitor. February 24, 2016. at: https://goo.gl/ghDC1D Antwi-Boateng, Osman. "The Rise of Qatar as a Soft Power and the Challenges." European Scientific Journal. no. 2 (2013). Barakat, Sultan & Stephen Zyck. "Gulf State Assistance to Conflict-Affected Environments." The LSE: Center for the Study of Global Governance. no. 10. (2010). Barakat, Sultan. "Qatari Mediation: Between Ambition and Achievement." Brookings Doha Center Analysis Paper. no. 12 (2014). Chatham House. The Crisis of the Gulf: Qatar Responds. July 5, 2017. at: https://goo.gl/1mKbCE Dahl, Robert A. "The Concept of Power." Behavioral Science. vol. 2. no. 3 (1957). De Beer, Nikki. "Palestinian Economic Dependency on Israel." Monthly Review Online. September 25, 2010. at: https://goo.gl/Pppqnn De Laurie, Antonio. The Politics of Humanitarianism: Power, Ideology and Aid. London: I. B. Tauris, 2015. European Parliament. "At a Glance: Humanitarian Policies of the Gulf States." European Parliamentary Research Services. 2016. at: https://goo.gl/1At1Ra Felsch, Maximilian. "Qatar's Rising International Influence: A Case of Soft Power." Conjuntura Internacional. vol. 13. no. 1 (2016). Hever, Shir. "How much International Aid to the Palestinians Feeds the Israeli Economy?" Aid Watch. (September 2015). at: https://goo.gl/DYU9Ei Kamrava, Mehran. "Mediation and Qatari Foreign Policy." Middle East Journal. vol. 65. no. 4 (2011). Kaussler, Bernd. "Tracing Qatar's Foreign Policy and its impact on Regional Security." Research Paper. Arab
Center for Research and Policy Studies. September 2015. at: https://goo.gl/7Rq9bF Kharas, Homi. "Trends and Issues in Qatari Foreign Aid." Silatech Working Paper. vol. 15. no. 11 (November 2015). Khatib, Lina. "Qatar's Foreign Policy: The limits of Pragmatism." International Affairs. vol. 89. no. 2 (2015). Nye, Joseph. Soft Power: The Means to Success in World Politics. New York: Public Affairs, 2004. ________. "Public Diplomacy and Soft Power." The ANNALS of the American Academy of Political and Social Science. no. 616 (2008). O'Bright, Ben. The Conceptualization of a Qatari-Africa Foreign and Economic Policy Framework: The Case of Soft Power. Ottawa: Center of Governance-University of Ottawa, 2016. Palestinian Center for Policy and Survey Research. "Palestinian Public Opinion Poll No (43)." March 15,17- 2012. at: http://www.pcpsr.org/en/node/210 Saeid, Sameh. "Qatar Provides $812 mil. Aid to Palestinians in Last Five Years." Qatar Tribune. March 9, 2017. at: https://goo.gl/yGE3pt Sharp, Jeremy. U.S. Foreign Aid to Israel. Washington D.C.: Congressional Research Service (December 22, 2016). at: https://goo.gl/FIqDRu Snoj, Jure. "Population of Qatar by nationality-2017 report." at: https://goo.gl/o3JGMG Tawil-Souri, Helga. "Hacking Palestine: A Digital Occupation." Aljazeera. November 9, 2011. Tillekens, Nikki. "71% of the Aid to the Palestinians Ends Up in the Israeli Economy." Monthly Review Online. (September 2010). at: https://goo.gl/e46v1d Trading Economics. "Qatar GDP 1970 - 2017." 2017. at: https://goo.gl/iph5CW United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA). $547 million Funding Appeal to Address Humanitarian Needs in Palestine During 2017 (Occupied Palestinian Territory: 2016). at: https://goo.gl/r8gjxw Walker, Lesley. "Qatar Commits $10 Billion to Humanitarian Causes Worldwide." Doha News. May 2016. at: https://goo.gl/4HBy1A Windecker, Gideon & Peter Sendrowicz. "Qatar between Marketing and Realpolitik: A Smart Business Model for a Microstate." KAS International Reports. no. 1 (2014). World Bank. Economic Monitoring Report to the Ad Hoc Liaison Committee. (September 2016). at: www. worldbank.org/ps World Bank. Reconstructing Gaza-Donor Pledges. (2017). at: https://goo.gl/rJ5WHp ________. The Telecommunication Sector in the Palestinian Territories: Missed Opportunity for Economic Development. (January 2016). World Population Review. Qatar Population. 2017
Zanotti, Jim. U.S. Foreign Aid to the Palestinians. Washington D.C.: Congressional Research Service, 2016. Zureik, Elia. Israel's Colonial Project in Palestine: Brutal Pursuit. London: Routledge, 2016.