هل جرت أسلمة التطرف؟ مراجعة كتاب "الجهاد والموت"

Has Radicalization been Islamized? A Reading of Le Djihad et la Mort (Jihad and Death)

هيثم مزاحم| Haytham Mouzahem *

الملخّص

عنوان الكتاب في لغته: Le Djihad et la mort

Abstract

عنوان الكتاب في لغته: Le Djihad et la mort

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

عنوان الكتاب في لغته:.Le Djihad et la mort عنوان الكتاب: الجهاد والموت. المؤلف: أوليفييه روا Roy.Olivier المترجم: صالح الأشمر. سنة النشر:.2017 الناشر: دار الساقي، بيروت. عدد الصفحات: 160 صفحة.

يلاحظ الباحث الفرنسي المعروف والمختص بالشؤون الإسلامية أوليفييه روا، في كتابه المُعنْوَن "الجهاد والموت"، الصادر في أصله الفرنسي سنة 2016، وبترجمته العربية سنة 2017، ارتباط الإرهاب والجهادية بالسعي المتعمد للموت، وهذه المسألة هي محور الكتاب، ومنها استمدّ عنوانه. فمن عملية الجزائري خالد كلكال من "الجماعة الإسلامية المسلحة"، منفذ تفجيرات مترو باريس في 29 أيلول/ سبتمبر 1995 إلى تفجيرات مسرح باتكالان في باريس في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، نجد أن هؤلاء الإرهابيين أقدموا على تفجير أنفسهم أو الاشتباك مع الشرطة حتى الموت، من دون أن يحاولوا الهرب، بل إنّ موتهم لم يكن ضروريًا دائمًا لإنجاز عملياتهم. يقول روا إن العنف الإرهابي و"الجهادي"، الآخذ في الانتشار منذ عقدين من الزمن، ينطوي على حداثة متأصلة، على الرغم من أن الإرهاب والجهاد ليسا بظاهرتين جديدتين، إذ ظهرت أنواع "الإرهاب العالمي" الذي "ينشر الرعب باختياره لأهداف ذات رمزية رفيعة، أو على العكس باستهداف مدنيين "أبرياء" من دون أن يعبأ بالحدود، منذ سبعينيات القرن الماضي، حين نشأ تحالف بين عصابة "بادر" الألمانية وأقصى اليسار الفلسطيني والجيش الأحمر الياباني. لتأكيد مقاربته عن سعي "الجهاديين" للموت، يستشهد روا بكلام أحد "الجهاديين" الفرنسيين دافيد فالا الذي اعتنق الإسلام وكان قريبًا من خالد كلكال وزوّده بسلاحه؛ إذ يقول: "كانت القاعدة هي ألا يؤخذ حيًا. فعندما رأى كلكال رجال الدرك علم أنه سيموت، وأراد أن يموت". وردد أحدهم قولً منسوبًا إلى مؤسس تنظيم "القاعدة" أسامة بن لادن: "نحن نحب الموت، أنتم تحبون الحياة." إذًا، لم يعد موت الإرهابي مع "الجهاديين" احتمالً، بل أصبح في صلب مشروعه، وخصوصًا مع المنضمين إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" الذين يعدّون الهجوم الانتحاري الغاية المثلى لالتزامهم. هذا الاختيار المنهجي للموت من الجيل الجديد للجهاديين أمر مستجد؛ إذ كان منفذو الهجمات في الفترة 1970 - 1980، سواء كانوا من الشرق الأوسط أم من غيره، يساريين أم إسلاميين، يرتبون عملية فرارهم بعناية، لأن الفقه الإسلامي، وإن كان يقر بفضل الشهيد الذي يقتل في الجهاد، فإنه يحرّم الانتحار. من هنا يطرح الباحث روا أسئلة عن سبب اختيار هؤلاء "الجهاديين" الجدد الموت المنهجي، إضافةً إلى تفسير ذلك بشأن التطرف الإسلامي المعاصر. يتبنى روا مقاربة جديدة في هذا الخصوص تربط بين حب الموت والسعي له، وبين كون "الجهادية" في الغرب والمغرب وتركيا هي حركة شبّان، لا تنفصل عن "الثقافة الشابّة" لهذه المجتمعات. فهذا البُعد الجيلي جوهري، لكنه على حداثته، ليس وقفًا على الجهاد الحالي. يذهب الباحث الفرنسي بعيدًا من جهة أن التمرد الجيلي قد نشأ مع الثورة الثقافية الصينية، فهي للمرة الأولى في التاريخ، لم تكن ثورة ضد طبقة، بل ضد فئة عمرية معيّنة، باستثناء زعيم الثورة ماو تسي تونغ. وقد استعاد "الخمير الحمر" في كمبوديا، في الفترة 1975 - 1979، و"داعش" هذه الكراهية للآباء ذات البعد المرضي والكوني الذي يتجلى في ظهور الجنود الأطفال، وفي تدمير الآثار الثقافية. فلا يقتصر الأمر هنا على تحطيم الأجساد، بل كذلك على إتلاف التماثيل والهياكل والكتب، أيّ تدمير الذاكرة.

يرى روا أن بُعد إماتة الجسد لا علاقة له البتة بالصراعات الجيوستراتيجية في الشرق الأوسط، وهو غير منتج سياسيًا وإستراتيجيًا. لكن هذا البُعد الانتحاري مرتبط بخلافة "داعش"، وقبلها مشروع الجهاد العالمي مع "القاعدة" التي ترفض أي حل سياسي أو تفاوض، لأن من يسعى إلى الموت لا يفاوض على شيء. ويذهب الباحث الفرنسي إلى أن خلافة "داعش" وهمٌ وخرافة ووحدة أيديولوجية في توسع إقليمي مستدام، واستحالتها الإستراتيجية تفس السؤال: لماذا كان أولئك المتماهون بها متعاقدين على الموت، بدلً من نذر أنفسهم لمصلحة المسلمين؟ ففي هذه الحال، لا وجود لأي أفق سياسي أو غد مشرق. وعلى الرغم من أن الخلافة تمثل جزءًا من المتخيّل الديني للمسلم، فليس الأمر سواء في ما يتعلق بالموت المنشود؛ أي الانتحار. فالسلفية المتهمة بالشرور كلّها تدين الانتحار؛ لأنه استباق لإرادة الله، وذلك لأن السلفية تهتم أولً بتقنين سلوك الفرد، وتنظم كل شيء، بما في ذلك استخدام العنف. كما أن السلفي لا يبحث عن الموت، لأنه يحتاج إلى الحياة كي يستعد لملاقاة ربّه في الحياة الآخرة. يرفض روا فكرة أن يكون الإرهاب "الداعشي" أو "القاعدي" سببه الحرمان الاجتماعي والمظالم السياسية؛ لأن هذا الإرهاب يقتل السياسة قبل التساؤل عن الأسباب السياسية للنزوع نحو التطرف. وهذا الإرهاب "الانتحاري" ليس فعّالً من وجهة نظر عسكرية، بينما يتضمن الإرهاب "البسيط" بعض العقلانية المتعلقة بالحرب

غير المتكافئة، حينما يقوم بعض الأفراد بإلحاق خسائر كبيرة بعدو أقوى منهم كثيرًا. أمّا الإرهاب الانتحاري، فهو غير عقلاني؛ بسبب استخدامه المقاتلين مرة واحدة وأخ ةرر، وهو يدفع المجتمعات الأوروبية إلى التطرف المضاد، ويقتل من المسلمين عددًا أكبر من عدد القتلى الغربيين. يعتقد الكاتب أن الارتباط المنهجي بالموت هو أحد المداخل لفهم التطرف الراهن، فالبُعد العدمي مركزي هنا، والعنف ليس وسيلة بل غاية، وهو عنف بلا مستقبل. يقول روا إنه بدلً من اعتماد مقاربة عمودية تنطلق من القرآن لتصل إلى "داعش"، مرورًا بابن تيمية، وحسن البنا، وسيّد قطب، وابن لادن، على افتراض وجود ثابت "عنف إسلامي" يظهر بانتظام، فإنه فضّ ل اللجوء إلى مقاربة مُستعرِضة، تحاول أن تفهم العنف الإسلامي المعاصر بالتوازي مع أنواع أخرى من العنف والتطرف، قريبة جدًا منه (تمرّد جيلي، وتدمير ذاتي، وقطيعة جذرية مع المجتمع، وجمالية الموت، واندراج الفرد المنقطع في سردية عالمية كبرى، وبِدع عالمية). فالإرهاب الانتحاري والظواهر من طراز "القاعدة" و"داعش"، في رأي روا، هي حديثة العهد بتاريخ العالم المسلم، ولا يمكن أن تفسّ بصعود الأصولية فحسب، ولذلك يقول الكاتب إنه خلص منذ سنة 2008 إلى أن الإرهاب لا يتأتى من تطرف الإسلام، بل من أسلمة التطرف. وإذ يقر الكاتب الفرنسي بوجود أصولية إسلامية تنتشر منذ أربعين عامًا، فإنها لا تكفي في نظره لإنتاج العنف. وقد تعرّضت هذه المقاربة لنقد كثير من زملائه، من بينهم الباحث الفرنسي فرانسوا بورغا الذي آخذه بأنه لم يلحظ الأسباب السياسية للتمرد، وهي الإرث الاستعماري، والتدخلات العسكرية الغربية ضد شعوب الشرق الأوسط، والتهميش الاجتماعي للمهاجرين وأبنائهم. كما اتهمه الباحث الفرنسي جيل كيبل بأنه يتجاهل العلاقة بين العنف الإرهابي والتطرف الديني للإسلام متجلّيًا في السلفية. لكن روا يقول إنه لا يتجاهل أي بعد من هذه الأبعاد، لكنها لا تكفي لتفسير الظواهر التي يدرسها؛ لأننا لا نجد أي صلة سببية انطلاقًا من المعطيات التجريبية التي يملكها. فالباحث يرفض مسألة "التطرف الديني"؛ لأن إلصاق عبارة تطرف بالدين أمرٌ سيءٌ، إذ يترتب على ذلك أننا نحدد حالة معتدلة للدين، فلا توجد أديان معتدلة. أكان كالفن ولوثر معتدلين؟ بالتأكيد لا، فالكالفانية في المفهوم اللاهوتي، مثلً، تُعد "متطرفة." ويذهب روا إلى وجود سيرورة معاصرة لتطرف أصولي في الأديان، مردّه إلى تقهقر الهوية الثقافية للديني، وغلبة نزعة دنيوية ما عادت تفهم الديني. وتقوم فرضية الباحث على أن التطرف العنيف ليس نتيجة للتطرف الديني، وإن اقتبس منه الطرق والنماذج، وهذا ما يسمّيه "أسلمة التطرف". فالأصولية الدينية موجودة طبعًا وتطرح مشكلات اجتماعية مهمة؛ لأنها ترفض القيم القائمة على مركزية الفرد وحريته في المجالات جميعها، لكن هذه الأصولية لا تُفضي بالضرورة إلى العنف السياسي. فيهودي لوبافيتشي المتزمت أو راهب بندكتي، هما مؤمنان "مطلقان" بدلً من أن يكونا متطرفيَن، ويعيشان نوعًا من الانفصال الاجتماعي، لكنهما ليسا عنيفين سياسيًا، وغالبية السلفيين تُدرج في هذا السجل غير العنيف. وينتقد روا فرضية فرانسوا بورغا القائمة على أنّ المتطرفين تحفّزهم معاناة المسلمين، المستَعمرين سابقًا، أو ضحايا العنصرية والتمييز، وعمليات القصف الأميركية... إلخ. وفي الحصيلة فإن التمرد هو أول تمرد الضحايا، لكن الصلة بين المتطرفين والضحايا هي صلة خيالية أكثر منها واقعية، وليس الذين ينفذون التفجيرات في أوروبا هم سكان قطاع غزة أو الليبييّن أو الأفغان، وليسوا هم بالضرورة الأشد فقرًا، أو الأقل اندماجًا. ويستدل الباحث بوجود 25 في المئة من المتحوّلين إلى الإسلام في صفوف "الجهاديين" على أن الصلة بين المتطرفين و"شعبهم" هي من قبيل المتخيّل أيضًا. فالثوريون لا ينحدرون مطلقًا من طبقات معذبة، بل يكون في تماهيهم في البروليتاريا و"الجماهير" والمستَعمرين إعادةُ بناء خيالية لوجودهم في العالم، وبلاغةٌ للتعبير عنه. فقلة من المناضلين تنتمي إلى هذه البروليتاريا الافتراضية وتكون على استعداد للموت في سبيلها. إذًا، لا يمكن فهم السياسي ما لم تجرِ دراسة المتخيّل، وتقديم المعاناة على أنها تفسير للتطرف هو إدخال لعامل المتخيّل مجددًا. فالمتمردون يعانون معاناة الآخرين، وهم ليسوا ضحايا الظلم والاحتلال الإسرائيلي أو الغزو أو القصف الأميركي في أفغانستان أو العراق، لكنهم شاهدوا هذه المعاناة وتأثروا بها. ولم تبدأ منهجة العمل الانتحاري إلا عام 1995، فقبل الثمانينيات، كان الإرهاب العادي سلاحًا تستخدمه مجموعات علمانية، قومية أو ثورية. و"إرهاب" الشرق الأوسط ليس جديدًا، فقد اتسمت سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته بسلسلة هجمات في أوروبا مرتبطة بإستراتيجيات دولية، فكانت هجمات مؤيدة لفلسطين أو سورية أو ليبيا أو إيران، في سياق الرد على السياسة الفرنسية في الشرق الأوسط. وحتى الهجوم الانتحاري ليس ابتكارًا إسلاميًا؛ فقد بدأت منهجته منذ الثمانينيات على أيدي "نمور التاميل"، مخترعي الحزام الناسف.

الجهادية تحل محل الجهاد

الجهاد، بوصفه مفهومًا قرآنيًا وعملً في سبيل الله، كان له معنى عسكري في البداية. لكنه، منذ عهد الرسول محمد، تطور وأصبح مبحثًا علميًا تشريعيًا يهدف إلى تقنين الجهاد حتى لا يصير ذريعة للتمرد وإثارة الفتنة في المجتمع، وإلى وضع ضوابط للسيطرة على الحروب الخارجية. والرأي الغالب عند العلماء أن الجهاد ليس من الأركان الخمسة للإسلام، وليس فرض عين، بل فرض كفاية على المسلم، وهو عمل جماعي يختص بأرض معيّنة تقع تحت تهديد غير المسلمين. يقول روا: إن التاريخ لا يذكر مطلقًا دعوات كبرى للجهاد، مع أنه استعمل مصطلحًا في النضال ضد الاستعمار. بدأ التفكير في الجهاد بعد نكبة 1948، وانتقل من أيدي الدول إلى أيدي المناضلين، بعدما عجزت الدول العربية عن تحمّل مسؤولية الجهاد ضد إسرائيل وسقطت فلسطين، وبرز في موازاة منظمة التحرير الفلسطينية، ذات التوجهات القومية والعلمانية، حزب التحرير الإسلامي الذي أسس عامُ 1953 بوصفه حزبًا تحريريًا فلسطينيًا إسلاميًا، تحول تدريجيًا إلى نصير للخلافة المتجاوزة للحدود القومية. بدأت "الجهادية" تنتشر، بوصفها "نظرية"، في خمسينيات القرن العشرين، وهي نظرية ملحوظة في كتابات سيّد قطب، وعبد السلام فرج، وعبد الله عزام. وهي تعرّف الجهاد بأنه فريضة دينية فردية وليست جماعية، بمصاف أركان الإسلام الخمسة، حين يخضع جزء من الأمة لسلطة أجنبي، وهو ما سمّ ه فرج "الفريضة الغائبة"؛ الركن السادس للإسلام. يلاحظ روا أن "الجهاديين" لا يترددون في ابتكار أشياء غير موجودة في العقيدة، وأنهم يبتعدون عن النصوص المقدسة والتفاسير المجازة. فهذا النمط العملياتي للهجوم، أي موت المهاجم، يصير هو المعيار، وهو يتداخل مع إخفاق سياسي وتشاؤم عميق في الوقت نفسه، متأتٍ من مؤلفات سيّد قطب حول الجاهلية وتكفير المجتمع، وإضافة بُعد قيامي كامل وعدمي، والتفكير في الخلاص الشخصي بدل من التفرغ لبناء مجتمع أفضل، وهو خلاص يمر بالموت الانتحاري؛ لأنه الطريق الأقصر والأضمن.

المتطرفون الجدد

كان الجهاديون الدوليون، حتى منتصف تسعينيات القرن الماضي، أفرادًا قادمين من الشرق الأوسط، قد جاهدوا في أفغانستان قبل أن يعودوا إلى بلدانهم الأصلية لكي يباشروا العمل فيها، أو باحثين عن أراضٍ جديدة للجهاد بعد سقوط النظام الشيوعي في أفغانستان عام 1992. هؤلاء هم الذين نفذوا أول موجة تفجيرات عالمية (أول محاولة لتفجير مركز التجارة العالمي عام 1993، والهجمات ضد السفارات الأميركية في شرق أفريقيا عام 1998، وضد المدمرة الأميركية كول عام 2000، وصولً إلى هجمات 11 سبتمبر 2001 في أميركا.) هؤلاء هم الجيل الأول من الجهاديين التابعين لأسامة بن لادن، ورمزي بن الشيبة، وخالد شيخ محمد. وابتداءً من 1995، نشأ جيل جديد يسمّى في الغرب "أبناء البلد"، ممّن ليس لهم علاقات ببلدانهم الأصلية. ومن بين هؤلاء نسبة متزايدة من معتنقي الإسلام ومن النساء، ومجال عملهم عالمي تمامًا. وهم الجيل الثاني من الجهاديين، من خالد كلكال إلى الأخوين كواشي وعبد الحميد أبا عود، ولهم الملامح نفسها. وقد قُتلوا جميعًا أثناء العمل (قتلوا أنفسهم أو قُتلوا خلال مواجهتهم مع الشرطة)، ولم يهتموا بتدبير فرارهم. يقول روا إن الإرهابيين الغربيين الذين نفذوا هجمات في أوروبا كلهم معروفون؛ نتيجة وجود سجلات لهم لدى الشرطة وأجهزة الأمن الغربية، ويشير إلى وجود ملفات تضم أسماء 4118 جهاديًا أجنبيًا جنّدهم "داعش" في الفترة 2013 - 2014. ويهتمّ في كتابه هذا، خصوصًا، بالفرنسيين والبلجيكيين الذين يمثّلون العدد الأكبر من الجهاديين الغربيين، من دون أن يغفل نظراءهم الأوروبيين، فهو يجد بينهم خصائص مشتركة، مع وجود بعض الاختلافات، بكل تأكيد. وينطلق روا من قاعدة بيانات كوّنها تضم نحو مئة شخص متورطين في الإرهاب على الأراضي الفرنسية و/ أو غادروا فرنسا؛ للاشتراك في الجهاد "العالمي" في الفترة 1994 - 2016، ومن ضمنهم المشاركون الرئيسون جميعهم في هجمات ناجحة، أو فاشلة، استهدفت الأراضي الفرنسية والبلجيكية. ووفق هذه القاعدة، أرسى الباحث تحليله، خصوصًا أنها معززة بقواعد البيانات الأخرى. فمسارات الجهاديين متقاربة جدًا وتنتمي إلى الفئات نفسها. ولا يجد روا صورة نمطية للإرهابيين، لكنه يقع على مميزات متواترة. فأول استنتاج يمكن استخلاصه من هذه البيانات الشخصية أنه لم يطرأ عليها أي تغيير خلال عشرين عامًا. فخالد كلكال أول إرهابي من أبناء البلد (عملية ليون، 1995)، والأخوان كواشي (عملية صحيفة شارلي إيبدو، 2015)، بينهم أوجه شبه محددة؛ ذلك أنهم من الجيل الثاني، ومندمجون جيدًا في المجتمع الفرنسي، ومرّوا بمرحلة جنوحية قصيرة، وصاروا متطرفين في السجن؛ إذ قاموا بهجمات، وقتلوا، وأشهروا أسلحة في وجه الشرطة. كانت الصورة النمطية للإرهابيين ثابتة، إذ نجد فئتين أساسيتين؛ هما الجيل الثاني (60 في المئة منهم)، والمتحولون إلى الإس ماا

(25 في المئة منهم)، وعلى نطاق أضيق الجيل الثالث (25 في المئة). أما الجيل الأول فمحدود (محمد الحويج بوهلال، منفذ مجزرة نيس في تموز/ يوليو 2016). ويفسّ روا غلبة الجيل الثاني، انطلاقًا من حقيقة مفادها أن التطرف قد ظهر في وقت بلغ فيه أبناء المهاجرين سن الرشد، بعد جمع شمل العائلات سنة 1974. فعلى مدى عشرين سنة، ظلت الغلبة للجيل الثاني في حين كان الجيل الثالث يقترب من سن الرشد. ثمة ميزة أخرى مشتركة بين البلدان الأوروبية جميعها، هي أن المتطرفين فيها، جميعهم تقريبًا من "المولودين الجدد" الذين بعدما عاشوا حياة دنسة (ملاهٍ، وكحول، وجنوحية)، "اهتدوا" فجأةً إلى الممارسة الدينية، على نحو فردي أو في نطاق مجموعة صغيرة، وليس في إطار منظمة دينية. نجد أن معظم المتطرفين غائصون عميقًا في "الثقافة الشابة" المعاصرة، في تقنيات الاتصالات، وأنّهم قصدوا علب الليل، وغازلوا الفتيات، واحتسوا الكحول، وارتكب نحو نصفهم جنحًا صغيرة، كما أنّ أزياءهم مماثلة لأزياء أترابهم (ملابس الشارع من قبعات وبرانس وعلامات)، وما عادت اللحية علامة على التقوى، فهم لا يرتدون البتة اللباس السلفي، ويحبون الراب، ويتابعون أفلام العنف الأميركية، وربما ألعاب الفيديو، وارتياد صالات الرياضة، وخصوصًا بعض الرياضات العنيفة؛ كالكونغ فو والملاكمة، إضافةً إلى ركوب الدراجات النارية. ثمّ إنّ لغة المتطرفين هي لغة بلد الإقامة، وهي الفرنسية في هذه الحالة، وهم يتحدثون بلغة "شابة"؛ لغة الضواحي المحوّرة سلفيًا. وكان دور السجن محوريًا؛ فهو يفاقم ظواهر عدة: البعد الجيلي، والتمرد على النظام، وبث سلفية مبسطة، وتأليف مجموعة متلاحمة، وقراءة الجنوح مجددًا بمصطلح الاحتجاج السياسي المشروع.

أسلمة التطرف

من الشائع جدًا النظر إلى الجهادية على أنها امتداد للسلفية، وليس كل السلفيين بجهاديين، لكن كل الجهاديين سيصيرون سلفيين. إذًا، ستكون السلفية ممرًّا للولوج إلى الجهادية. وبعبارة أخرى، سيكون التطرف الديني المرحلة الأولى للتطرف السياسي. لكن روا يرى أن الأمور أشدّ تعقيدًا. فمن الواضح أن هؤلاء المتطرفين مؤمنون حقًا يظنون أنهم سيذهبون إلى الجنة ومرجعيتهم إسلامية خالصة. فهم ينضمون إلى تنظيمات تريد إقامة نظام إسلامي، بل إعادة الخلافة بالنسبة إلى "داعش". ويرى روا أن الخطأ يكمن في التركيز على اللاهوت، ومن ثم على النصوص. لكنّ الجهاديين، كما رأينا، لا يقدمون على العنف بعد التأمل في النصوص؛ إذ ليس لديهم العلم الديني المطلوب، وقلمّا يهتمون باكتسابه. فهم لا يصبحون متطرفين لأنهم أساؤوا قراءة النصوص، بل لأنهم اختاروا أن يكونوا متطرفين. بين أربعة آلاف مجنّد غربي في "داعش" تظهر سجلاتهم أنهم ذوو مستوى تعليم جيد، وأنّ معظمهم أنهى الثانوية العامة، لكن 70 في المئة منهم صرّحوا أنْ ليس لديهم سوى معرفة أولية بالإسلام. وما يعمل هنا هو التدين وليس الدين، أي الطريقة التي يعيش بها المؤمن الدين؛ من العقيدة، والممارسات، والمتخيلات، والشعائر، لكي يبني تساميه الذي يدفعه إلى احتقار الحياة، حياته وحياة الآخرين. وعلى الرغم من اعتماد "داعش" على تفاسير الحديث النبوي، فإن المتطرفين الغربيين لا يعمدون إلى هذه الشروح المطوّلة؛ فهم أقل كلامًا عن الدين من السلفيين، وصفحاتهم الإلكترونية ونصوصهم أشد تركيزًا على العمل منها على الدين. يرجع الإرهابيون دوافع القيام بأعمالهم الإرهابية إلى الانتقام من الغرب؛ بسبب الفظاعات التي ارتكبتها الدول الغربية ضد المسلمين، بحيث يؤدي الجهادي دور البطل المنتقم، إضافة إلى دافع الموت المؤدي إلى الجنة واستقبال النبي له، والدرجة التي ينالها. يلاحظ روا أنّ الغريب عدم تحدّث جميع المدافعين عن "الدولة الإسلامية" عن الشريعة البتة، وعدم إتيانهم تقريبًا على ذكر المجتمع الإسلامي الذي سيقوم في ظل "داعش"، كأنّ إرادة القيام بالجهاد وإرادة العيش في ظل الإسلام أمران متعارضان. فالعيش في مجتمع إسلامي لا يعني الجهاديين؛ فهم لا يهاجرون للجهاد من أجل الحياة، وإنما من أجل الموت. تبدو مقاربة روا لأسباب التطرف "الإسلامي" ودوافع سعي المتطرفين للموت، مقنعة وصحيحة إلى درجة كبيرة بالنسبة إلى القسم الأكبر من الجهاديين الغربيين، لكن لا يمكن تعميمها على جميع "الجهاديين"، وخصوصًا أولئك الذين ولدوا وعاشوا في دول إسلامية عانت الاستعمار والغزو الغربيين والاحتلال الإسرائيلي، واستبداد الأنظمة، وسط صعود للأصولية الإسلامية وانتشار للأفكار السلفية، خلال العقود الأربعة الأخيرة. كما أن لمعظم "الجهاديين السلفيين" الذين انضموا إلى "القاعدة" أو "داعش" وغيرهما من التنظيمات "الجهادية" إيمانًا بالعقيدة السلفية الجهادية، وهم ملتزمون بالفقه السلفي، ودوافعهم دينية وسياسية واجتماعية من جهة، وفردية خلاصية من جهة أخرى. ومن غير الموضوعي حصر نشوء هذه الظاهرة في عامل واحد. وأعتقد أن التطرف والإرهاب ناتجان من عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية وثقافية مجتمعة.