في تطوّر مفهوم الديمقراطية التوافقية وملاءمتها لحل

Azmi Bishara عزمي بشارة |

الملخّص

تناقش الدراسة "نموذجًا نظريًا" إشكاليًا يُعَ رف ب "الديمقراطية التوافقية"، وتبدأ من البدايات الأولى لنشأة المصطلح، مع الماركسية النمساوية، مرورًا بنضوج معالمه التفسيرية عام 1969 في سياق نقاش عالم السياسة الهولندي الأميركي آرنت ليبهارت تصنيفات غابرييل ألموند للأنظمة السياسية الديمقراطية الغربية، قبل بلورته بوصفه "نظرية" يمكن تطبيقها على المجتمعات المنقسمة. تقدم الدراسة نقدًا بنيويًا للمصطلح واستعمالاته، فتحاجج بأن "الديمقراطية التوافقية" بدأت بوصفها سياسات عملية أملتها الضرورة قبل أن تصبح نموذجً ا نظريا، وأن إسهامات ليبهارت اللاحقة لا تعدو عن كونها عملية استقراء لتجارب عينية من دون أن تكون "نظرية"، ومن ثم، لا يعني مصطلح "تشارك السلطة" Sharing Power، بالضرورة، تحقيق الديمقراطية. في ضوء ذلك، تصوغ الدراسة ملاحظات نظرية عدة من شأنها أن تساعد في التمييز على نحو كافٍ بين التوافقية والديمقراطية التوافقية. وأخيرًا، تقارن الدراسة مدى ملاءمة هذا "النموذج النظري" في حالتين، أوروبية (إيرلندا)، وعربية (لبنان.) كلمات مفتاحية: الديمقراطية التوافقية، آرنت ليبهارت، تشارك السلطة، الفيتو المتبادل، المجتمعات غير المتجانسة. This paper addresses a theoretical model for the concept of "consociational democracy", beginning with the concept's roots in the Austrian Marxist tradition before describing its elaboration in 1969 by the Dutch-American political scientist Arend Lijphart. Lijphart's work was part of his wider critique of Gabriel Almond's categorization of Western political systems. This study presents a structural criticism of the term "consociational democracy" and its usage, arguing that the practice of "consociational democracy" was born of pragmatic policies before maturing into a theoretical model. It argues that the subsequent contributions of Lijphart were merely an extrapolation from a set of examples without "theory" to underpin it and that "power sharing" does not necessarily lead to democratization. The study thus draws up several theoretical observations that help distinguish "consociationalism" from "consociational democracy". Finally, the paper contrasts the suitability of this theoretical model for both Northern Ireland and Lebanon. Keywords: Consociational Democracy, Arend Lijphart, Power Sharing, Mutual Veto, Heterogeneous Societies.

الصراعات الطائفية: نموذجا إيرلندا ولبنان

On the Development of the Concept of Consociational Democracy and its Adequacy for Resolving Sectarian Conflicts:

Northern Ireland and Lebanon as Case Studies

من الفرد إلى الجماعة1

تمثل فكرة التوافقية نقطةَ تقاطع الحلول السياسية التي تأخذ تمثيل الهويات الجماعية في الحسبان على مستوى طريقة الانتخابات، والائتلافات، وأحيانًا على مستوى النظام السياسي بمجمله من أجل تحقيق الاستقرار وتجنّب الصراع والحرب الأهلية. وقد ظهرت نماذج التوافقية عمليًّا في نهاية القرن التاسع عشر، ومع بداية القرن العشرين في بلدان أوروبية غربية، بدايةً في هولندا وبلجيكا وسويسرا والنمسا، أي تحديدًا في بعض الدول المتعددة القوميات واللغات، سعيًا لتحقيق الاستقرار في إطار سياسي لا يحصر نفسه في "ديمقراطية الأغلبية" التي قد تُهمَّش فيها الأقليات الإثنية. وعلى هذه التجارب العينيّة وتطورها، بنى مفكرون سياسيون منذ خمسينيات القرن الماضي وستينياته فكرة الديمقراطية التوافقية Democracy Consociational، ومن أبرزهم غيرهارد ليمبروخ Gerhard Lehmbruch وغابرييل ألموند Gabriel A. Almond، وآرنت ليبهارت Lijphart Arend. وقد تخصص ليبهارت في هذا النموذج، ونظّر له، وتابع نشوء نماذج جديدة لإدخال تعديلات على ما عُدَّ نظرية. يعني هذا أنّ التوافقية بدأت بوصفها سياسات عمليةً أمْلتها الضرورة ودساتير متناسبة مع الحاجة والتجربة التاريخية والثقافة، وتوطّنت حتى في الأعراف في دول معنية، وذلك قبل أن تصبح نموذجًا نظريًا. وهذه حقيقة يُفترض أن توضع نصب أعيننا قبل التعامل مع هذه الفكرة كأنها نظرية قائمة بذاتها، إذ يقاربها بعضهم كأنها النموذج الأوحد الذي يفترض أن يُطبّق، على الرغم من أنه في هذه الحالة سبقت الممارسة النظرية تاريخيًا؛ ومن ثمّ لم يجرِ تطبيق نموذج حصري أصلً. فأنماطها المختلفة ارتبطت بالبنية الاجتماعية والسياسية والظروف والمعطيات والثقافة السياسية السائدة في أوساط الفاعلين السياسيين في كل دولة. وبعضها لم يُنتج أنظمةً توافقيةً ديمقراطيةً، بل "توافقيات"، أو توافقات، هي بمنزلة "كارتيلات" بين نخب طائفية أو إثنية أو غيرها. وما زال النموذج الأعم لحلّ قضايا الصراع على السلطة على نحوٍ عادل هو الدولة الديمقراطية القائمة على أساس المواطنة المتساوية وسيادة القانون، وقد يتضمن ذلك أشكالً مختلفةً من الإدارات الذاتية المحلية والجهوية والثقافية. ويعود المصطلح إلى كتابات الفيلسوف الألماني يوهان ألتوسيوس Johannes Althusius (1638-1557) المصطلح استخدم الذي 2اللاتيني Consociation. ويُبيّ ليبهارت أنّ هذا المصطلح قد استُخدم أيضًا في كتابات السياسيين الماركسيين النمساويين؛ من في بداية Karl Renner وكارل رينرOtto Bauer أمثال أوتو باور القرن العشرين، وفي دراسة ديفيد أبتر في عام 1961 حول أوغندا3، وكذلك في دراسة آرثر لويس بعنوان "السياسة في غرب أفريقيا"4 في عام 1965. كما يشير إلى أنّ الباحث الألماني غيرهارد ليمبروخ استخدم المصطلح ذاته في عام 1967 في دراسته "ديمقراطية التمثيل المتناسب"5 التي تتشابه مع نظريته "الديمقراطية التوافقية "6. وتتمثّل مساهمة الماركسية النمساوية المهمّة في بداية القرن الماضي عند أوتو باور7 وكارل رينر، على نحوٍ خاص، بضرورة الاعتراف بالقوميات في إطار الدول المتعددة القوميات، ومنحها إدارةً ذاتيةً ثقافيةً على أساس

  1. يمثل هذا النص جزءًا من الفصل الذي يحمل العنوان نفسه، من كتاب المؤلف 1 الطائفة  ، الطائفية، الطوائف المتخيلة، الذي يصدر قريبًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
  2. من الصعب في هذا المقام مراجعة أفكار هذا المفكر السياسي، فذكره هنا يَرِد من باب التأريخ للمصطلح. أمّا بخصوص الفكرة ذاتها، فثمة نقاش بين الباحثين حول مكانة التوسيوس في وضعها. فبعضهم يعدّه أبا الفيدرالية الحديثة، وبعضهم الآخر يعُدُّ فكره محاولةً في إحياء كوربراتية العصر الوسيط. وعلى كل حال، لا بدّ هنا من تأكيد أنّ التوسيوس انطلق من أولوية الجماعة في التنظير السياسي، وليس من الفرد. وهذه مقولة تاريخية ونظرية؛ فهو خلافًا لمنظّري العقد الاجتماعي، رفض فكرة الفرد من دون جماعة في الحالة الطبيعية.
  3. David E. Apter, The Political Kingdom in Uganda: A Study in Bureaurcratic Nationalism (Princeton: Princeton University Press, 1961).
  4. Arthur W. Lewis, Politics in West Africa (London: Allen and Unwin,
  5. Gerhard Lehmbruch, Proporzdemokratie: Politisches System und politische Kultur in der Schweiz und in Österreich (Tübingen: Mohr, 1967). ترجمنا Proportion وProportional إلى "تناسب" و"متناسب" و"تناسبي"، لتمييز المصطلح من طريقة الانتخابات النسبية، حيث تمثيل القائمة نسبي في البرلمان والمجالس. ولكنّ التمثيل المتناسب هو الذي يتناسب مع العدد أو النسبة إلى "الجماعة" من السكان، سواء أكانت إثنيةً أم مذهبيةً أم غيرها.
  6. Arend Lijphart, Thinking about Democracy: Power Sharing and Majority Rule in Theory and Practice (London and New York: Routledge, 2008), pp. 3 - 4.
  7. أصدر باور كتابه مسألة القوميات والاشتراكية الديمقراطية في فيينا عام 1907 (الطبعة الثانية عام 1924)، وأثار نقاشًا واسعًا ومعارضةً حادةً من جانب الشيوعيين الروس. وقد رد عليه ستالين بتشجيع من لينين نفسه. وشكّل الكتاب تغييرًا جذريًا في الموقف الماركسي السائد من القومية، وذلك بعدم اختزالها في مسألة الصراع الطبقي، بل عدّها إطارًا ثقافيًا جامعًا للطبقات. لقد كان كتاب أوتو باور وكارل رينر في ظروف الإمبراطورية النمساوية الهنغارية بحثًا عن حلول لمسألة القوميات، من دون أوهام متعلّقة بإمكانية دمج القوميات في قومية واحدة، ومع تجنب تفتيت الكيانات القائمة وانفصالات تؤدي إلى تطهير إثني كما حصل في البلقان في نهاية القرن العشرين. لهذا، صاغَا فكرة الحكم الذاتي الثقافي للقوميات غير المرتبط بأرض محددة. انظر: Otto Bauer, The Question of Nationalities and Social Democracy, Joseph O'Donnell (trans.), (Minneapolis and London: University of Minnesota Press, 2000). وانظر، خاصّةً، الفصلين الأول والثاني حول القومية، وكذلك الفصل الرابع عن الحكم الذاتي؛ وانظر أيضًا مقالة كارل رينر عام 1899 التي لم أجد ترجمةً إنكليزيةً لها: Karl Renner, "Staat und Nation," in: Karl Renner, Schriften (Wien: Residenz Verlag, 1994); Karl Renner, Der Kampf der österreichischen Nationen um den Staat  (Published under the pseudonym Rudolf Spring), (Leipzig und Wien: Deuticke, 1902); Karl Renner, Das Selbstbestimmungsrecht der Nationen in besonderer Anwendung auf Österreich (Leipzig und Wien: Deuticke, 1918). نموذجا إيرلندا ولبنان

شخصي، وليس على أساس إقليمي أو جهوي، أي على أساس انتماء الأفراد إلى القومية، وهي بالنسبة إليهما جماعة ثقافية. وتقوم الإدارة الذاتية في الدول التي تتداخل فيها القوميات، حيثما وُجد الأشخاص المنتمون إلى هذه الثقافة، وليس بناءً على أرض أو إقليم معيّ؛ وبذلك اعترضَ ا على الماركسية الأرثوذكسية التقليدية التي ترى في نهاية الصراع الطبقي حلً لجميع المشكلات، بما فيها الصراعات القومية، كما خالفَا النظرية الليبرالية التي لا تعترف بأيّ كيان قانوني بين الفرد والدولة. فالحقوق في النظرية الليبرالية الكلاسيكية هي بتعريفها متعلقة بالمواطن الفرد، ولا مكان فيها لحقوق تمنح للجماعات داخل الدولة. لقد أضاف باور ورينر القومية بوصفها جسمً تعاضديًا Corporative قائمًا بين الفرد والدولة، لا بدّ من الاعتراف به للحفاظ على وحدة الدول المتعددة القوميات. وهما لا يريان أنّ نموذجهما هذا ينطبق على الطوائف الدينية، ما عدا في الحقوق الدينية ذاتها، بما فيها إدارة المؤسسات الدينية والعبادات. أمّا الإدارة الذاتية الثقافية، فتمنح للقوميات في حالة تعددها داخل الدولة. ولذلك اعترض باور على منح الحكم الذاتي الثقافي لليهود وعَدّه عودةً إلى الخلف، مقارنةً بالاندماج الذي بدأ يتحقق في المجتمع الحديث، فاليهود يندمجون في قوميات مختلفة8. ومن هنا نرى أنّ برنامج الإدارة الذاتية لجماعات داخل الدولة لم يعد أصلً للطوائف الدينية. فهذه تدير شؤونها العبادية وأعرافها بنفسها، وهذه مفصولة عن الدولة في حالة المجتمعات المعلمنة، إنها إدارة ذاتية في الشؤون الدينية. لهذا، فلا حديث عن فيدراليات طوائف، أو إدارة ذاتية ثقافية ممأسسة دستوريًا للطوائف كأنها قوميات9. ونجد باحثًا لبنانيًا يأخذ نموذج الحقوق الجماعية على أساس شخصي لتطبيقها على الطوائف اللبنانية كأنها إثنيات تُنشئُ في ما بينها فيدرالية جماعات (وليس ولايات أو محافظات مثلً.) فيكتب أنطوان مسرّة في النظرية العامّة في النظام الدستوري اللبناني أنّ الدستور والميثاق في لبنان فيدراليان، ولكنّ ذلك على أسس شخصية وليس على أُسس إقليمية، أي من خلال تمثيل الطوائف بناءً على انتماء المواطن إلى طائفة، ومن خلال استقلالية الطوائف في مسائل مثل الأحوال الشخصية والتعليم10. ويستند في ذلك إلى التمييز بين ثلاثة تعريفات للطائفية، هي: أولً، قاعدة "الكوتا" أو التخصيص للطوائف؛ ويؤدي تطبيقها على نحوٍ مغلق، في رأيه، إلى تصنيف المواطنين والإساءة إلى مبدأ تكافؤ الفرص، إضافةً إلى إرهاق الإدارة بمراكز لتحقيق التوازن، ومنْع اتخاذ القرارات، لأنّ الأكثرية البسيطة لا تسمح بها. والتخصيص (الكوتا) قائم، بحسب رأيه، في النمسا وسويسرا وهولندا وبلجيكا وكندا وماليزيا وكولومبيا وقبرص، قبل الانقسام، والهند وفيتنام، وغير ذلك من البلدان. ثانيًا، الاستقلالية في الأحوال الشخصية للطوائف وربما التعليم وغيرها؛ ويعني ذلك نوعًا من الفيدرالية على أساس شخصي حيث لا يكون التقاء بين الحدود الطائفية والحدود الجغرافية. ثالثًا، المعنى السلبي للطائفية؛ أي تطييف الدين لإذكاء النزاعات11، أو استغلال الدين في التنافس السياسي من جانب رجال السياسة ورجال الدين، وهذه الأمور من معضلات النظام اللبناني والأنظمة العربية الأخرى. ولا تُعالَج هذه المسألة بإلغاء الطائفية بالمعنيين السابقين. فهي إشكالية مختلفة. ويكرّر مسرّة هذه التعريفات الطائفية على امتداد كتابه المؤلّف من عدّة مقالات ومحاضرات، مثلما يكرّر تعريف الميثاقية اللبنانية وتحديدها كخيطٍ ناظم لهذا الكتاب. وهو، كما يقول، يستند في استعمال مصطلح "فيدرالية مندمجة"، أو "فيدرالية تشريعية" إلى ميشيل شيحا الذي كتب سنة 1947: "يمثّل مجلس النواب نموذجًا خاصًا من الفيدرالية. كما أنّه يوجد في سويسرا كنتونات يوجد في لبنان طوائف. أساس الكنتونات مناطق، وأساس الطوائف تشريع فقط، أي الانتماء إلى أحوال شخصيّة"12. ولو كان هذا صحيحًا لانتهى النظام الطائفي اللبناني بمجرد علمنة قوانين الأحوال الشخصية، فهل ستكفي خطوة كهذه لإنهاء نظام الطوائف بعد أن ترسخت الطائفية السياسية؟ وهل ظل أمر هذا النظام مختزلً في الأحوال الشخصية ومتوقفًا عليها؟

نظرية ليبهارت في التوافقية

بدأ ليبهارت في التنظير لمفهوم الديمقراطية التوافقية عام 1968، وذلك في كتابه سياسات الاستيعاب13 الذي درس الحالة الهولندية. وفي هذه الدراسة، اعتمد على متغيرين: أولهما الانقسامات الاجتماعية والسياسية حول قضايا طبقية وقضايا الدين والدولة (بما في ذلك الانقسام بين كالفينيين وكاثوليك) في المجتمع الهولندي، وثانيهما طبيعة النخب السياسية، ومدى توافقها في تحقيق الاستقرار الديمقراطي. وخلص ليبهارت إلى نتيجة مفادها أنّ هولندا حققت

  1. بخصوص موقف باور السلبي من مسألة الحكم الذاتي لليهود وتأكيده للاندماج، انظر: Bauer, pp. 291-308.
  2. وهذا أيضًا رأينا الذي عبرنا عنه في كتاب آخر. انظر: عزمي بشارة 9، في المسألة العربية:
  3. أنطوان مسرّة، 10 النظرية العامة في النظام الدستوري اللبناني: أبحاث مقارنة في أنظمة المشاركة (بيروت: المكتبة الشرقية، 005)2، ص .89
  4. المرجع نفسه. 12 المرجع نفسه، ص.199
  5. مقدمة لبيان ديمقراطي عربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 007)2، ص 162-160،
  6. Arend Lijphart, The Politics of Accommodation: Pluralism and Democracy in the Netherlands (Berkeley: University of California Press,

في النهاية ديمقراطيةً مستقرةً، وأنّ النموذج التوافقي الهولندي يُ كن تطبيقه في المجتمعات ذات الانقسامات الحادة، لكن بشرط توافر قيادات قادرة على التفاهم مع المجموعات التي تمثلها، وفي ما بينها أيضًا14. ومثّلت هذه النتيجة النواة الأساسية لنظرية الديمقراطية التوافقية التي جرى التركيز فيها على دور النخب التي تقود الجماعات، من دون تحديد دقيق لآلية التفاهم في ما بينها والعناصر الأساسية لتحقيقها وضمان استمراريتها.، نشر مقالةً في مجلة السياسة العالمية وفي عام 1969 بعنوان "الديمقراطية التوافقية"15، وهي تُعدّ مقالته الكلاسيكية في هذا الموضوع. وفيها، قدّم تصنيفًا آخر للأنظمة السياسية الديمقراطية في الدول الغربية؛ من خلال نقده للتصنيف الذي قدّمه غابرييل ألموند في مقالته "النُظم السياسية المُقارنة"16، إذ صنّف ألموند الأنظمة السياسية في أربع فئات، هي: أولً، الأنجلو أميركية (بما فيها دول الكومونويلث.) ثانيًا، القارية الأوروبية (باستثناء الدول الإسكندنافية وهولندا التي تضم عناصر من الأنظمة السياسية الأنكلو أميركية والقارية الأوروبية.) ثالثًا، قبل الصناعية أو الصناعية جزئيًّا خارج أوروبا وأميركا. رابعًا، الأنظمة السياسية التوتاليتارية17. واعتمد هذا التصنيف معايير "الثقافة السياسية" culture Political و"بنية الأدوار السياسية" structure role Political لمكونات النظام السياسي18. وربط ترتيب الدولة بموجب هذين المعيارين بالاستقرار السياسي19. كما دمج ألموند عديد النظريات والمفاهيم ذات الصلة في تصنيفه هذا، ومنها العضوية العابرة أفقيًا، وتلك المتطابقة Overlapping and cross-cutting membership، والأنساق الحزبية Party systems، والفصل بين السلطات powers of Separation، والتنمية السياسية20Political development التي يعدّها ليبهارت أيضًا عوامل ذات أهمية في تحليل الديمقراطية التوافقية. أمّا في ما يتعلق بالفئتين الأولى والثانية، وهي الأنظمة الديمقراطية الغربية، فقد صنّفها ألموند في ثلاثة نماذج: الأول هو النظام الأنكلو أميركي (وهو يضمّ النظام الديمقراطي في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا)، أمّا الثاني، فهو القاري الأوروبي (في فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا)، ويضم الثالث كلً من الدول الإسكندنافية وهولندا، وصنّفه ألموند ما بين النموذجين الأول والثاني، لأنه يجمع بعض الخصائص من النظام السياسي في هذين النموذجين21.

وبالنسبة إلى ألموند، تتميّز النظم الديمقراطية الأنكلو أميركية بثقافة سياسية علمانية متجانسة، وتتّسم هيكلية أدوار/ بنية وظائف وحدات أو مكونات النظم السياسية هذه، التي تتمثّل في الهيئات الحكومية والأحزاب وجماعات المصالح والمؤسسات الإعلامية، وأيضًا الشعب من مختلف أطيافه/ فئاته، بالسمات التالية: أولً، تمايزها إلى حدّ بعيد. ثانيًا، وضوحها وتنظيمها على نحوٍ بيروقراطي. ثالثًا، ذات درجة عالية من الاستقرار. رابعًا، انتشارها ونفاذها في النظام السياسي كلّه22. في حين أنّ الثقافة السياسية في النظم القارية الأوروبية غير متجانسة ومتفاوتة في درجة تطورها، على الرغم من أنّ لها جذورًا وتراثًا مشتركًا. وتنقسم هذه الثقافات المجزّأة أيضًا إلى ثقافات سياسية فرعية منفصلة، إذ تتركز هيكلية أدوار (أو بنية وظائف) الوحدات، أو مكونات النظام، في إطار هذه الثقافات الفرعية، ومن ثمّ تميل إلى تشكيل نظام فرعي منفصل؛ فمثلً، للثقافة الكاثوليكية الفرعية كنيستها ومدارسها والجمعيات الخاصة بها؛ كالاتحادات العمالية التابعة للكنيسة الكاثوليكية والأحزاب السياسية والمؤسسات الإعلامية. وهي حال الثقافة الفرعية بالنسبة إلى الشيوعيين والليبراليين والاشتراكيين، ما يخلق مكونات نظام لكل ثقافة فرعية داخل الدولة. وقد تكون النتيجة حالةً من الانسداد السياسي المؤدي إلى عدم الاستقرار23. فالاستقطاب يعطل دينامية التطور ويؤدي، في الوقت ذاته، إلى عدم استقرار. ونحن لا نتفق بالضرورة مع هذه التقسيمات، ولا سيما ما يتعلق بالتجانس في الولايات المتحدة وبريطانيا. فهذه الدول تتعرض حاليًا لصراعات سياسية تشبه إلى حدّ بعيد صراعات الهوية الثقافية، وتنقسم بحسب جماعات الهوية إلى حدّ بعيد، ولا سيما

  1. M.P.C.M. Van Schendelen, "Consociational Democracy: The Views of Arend Lijphart and Collected Criticisms," Political Science Review, vol. 14 (1985), p. 148.
  2. Arend Lijphart, "Consociational Democracy," World Politics , vol. 21 (January 1969), pp. 207 - 225.
  3. Gabriel A. Almond, "Comparative Political Systems," Journal of Politics , vol. 18, no. 3 (August 1956), pp. 391 - 409.
  4. Ibid., pp. 392 - 393.
  5. Ibid., p. 393.
  6. Ibid., pp. 393, 396; Lijphart, "Consociational Democracy," p. 207.
  7. Arend Lijphart, Democracy in Plural Societies: A Comparative
  8. Almond, pp. 398, 405.
  9. Ibid., pp. 398 - 399. 23  Ibid., pp. 405 - 408. نموذجا إيرلندا ولبنان
  10. Exploration (New Haven and London: Yale University Press, 1977), p. 6.

إذا أخذنا في الحسبان الفرق بين الساحلين الشرقي والغربي من جهة، وما يسمى "الغرب الأوسط" من جهة أخرى، وقد تجلى ذلك على نحوٍ واضح في الانتخابات، وخصوصًا الانتخابات الرئاسية عام.2017 أمّا الفئة الثالثة، فهي ذات خصائص مشتركة بين النظامين السابقين بحيث يصعب تصنيفها تحت أيِّ فئة من هاتين الفئتين، بحسب وجهة نظر ألموند، وهي الفئة التي يُسميها "ما بين الفئتين." إذ يرى ألموند أنّ الدول الإسكندنافية تتشارك مع النظم الأنكلو أميركية في "بنية أدوار وظائف" مكونات النظام فيها، والتي تتميز بدرجة عالية من الاستقلالية، في حين أنّ هولندا وسويسرا والنمسا، تتشارك مع أنظمة الدول القارية الأوروبية بمحدودية استقلالية مكونات النظام. وعلى مستوى "الثقافة السياسية"، يُشير ألموند إلى أنّ الثقافة السياسية بالنسبة إلى كلّ من الدول الإسكندنافية وهولندا تتشابه مع الثقافة السياسية القائمة في الأنظمة الأنكلو أميركية؛ فهي أكثر تجانُسًا واندماجًا وعلمانيةً، وتميزًا في العناصر التقليدية الخاصة بها، مقارنةً بتلك الثقافة بالنسبة إلى الأنظمة القارية الأوروبية24. ويعارض ليبهارت ألموند في هذه النقطة. فباستثناء الدول الإسكندنافية، يرى ليبهارت أنّ الدول الأخرى منقسمة إلى ثقافات فرعية كما هي الحال في الأنظمة القارية الأوروبية؛ ذلك أنّ بلجيكا ولوكسمبورغ كلتيهما تنقسمان إلى عائلات روحية من الكاثوليك والاشتراكيين والليبراليين؛ وفي هولندا انقسامات عمودية بين كاثوليك وكالفينيين واشتراكيين وليبراليين؛ وفي النمسا معسكرات Lager من الكاثوليك والاشتراكيين والليبراليين الوطنيين. وبناءً على ذلك، قسّم ليبهارت الديمقراطيات الغربية إلى نوعين؛ أحدهما الديمقراطيات المتجانسة والمستقرة (والتي سمّ ها ألموند الأنكلو أميركية)25، والثاني الديمقراطيات الطاردة عن المركز، وهي الديمقراطيات غير المتجانسة26. بنى ليبهارت نظريته "الديمقراطية التوافقية" وتحليله لها على أساس النوع الثاني من الديمقراطيات المذكور آنفًا، إذ تتضمن هذه الفئة دولً غير متجانسة، يحظى بعضها بدرجة عالية من الاستقرار، وأخرى أقلّ استقرارًا. ورأى أنّ الاستقرار السياسي في الدول غير المتجانسة لا يمكن التنبؤ به اعتمادًا على المتغيرين اللذين اعتمد عليهما ألموند؛ "الثقافة السياسية" و"بنية دور" مكونات النظام؛ إذ إنّ النمسا وسويسرا ودول البلدان المنخفضة تحظى باستقرار سياسي، على الرغم من تعدّد الثقافات الفرعية فيها والانقسامات العمودية في ما بينها، على عكس ما تتبناه نظرية الانقسامات الأفقية العابرة للجماعات cleavages Cross-cutting في حالة تداخل هذه الجماعات27، والتي تتوقع أن تكون هذه الدول ذات الانقسامات العمودية في حالة جمود وعدم استقرار سياسي. ومن هذا الواقع، استنتج ليبهارت نموذجًا آخر من الأنظمة السياسية "الديمقراطية" غير المدرجة في تصنيف ألموند، وغيره من أدبيات الديمقراطية الليبرالية التي عجزت عن تفسير هذه الحالات التي نشأت، وسبب استقرارها واستمرارها على الرغم من انقسام مجتمعاتها. وهذه الحالات "الشاذة"، سمّ ها ليبهارت "الديمقراطيات التوافقية"، مضيفًا متغيرًا ثالثًا متمثلً بمدى تعاون "النخب السياسية"28. وهو ما استنتجه في دراسته للحالة الهولندية، بدايةً، كما أشرنا إلى ذلك سابقًا، إلا أنّه قدّم آليةً لهذا التعاون، وهو تشكيل حكومة ائتلافية واسعة تضمّ جميع ممثلي النخب السياسية، على نحوٍ يضمن درجةً من الاستقرار السياسي ومنْع البلاد من الانزلاق إلى حرب أهلية29؛ وهذا هو العنصر الأول الأساسي في تحقيق الديمقراطيات التوافقية. ووسّع ليبهارت، لاحقًا، قائمة هذه العناصر. ويمكن أن تأخذ التوافقات أشكالً أخرى غير الحكومة الائتلافية؛ منها تحالفات نخبوية في الجهات والهيئات الحكومية الأخرى؛ كالمجالس واللجان الاستشارية، وحتى المنتخبة. ففي لبنان، مثلً، لم يطبّق اقتسام منصب الرئاسة بين نخب الطوائف الكبرى. وبناءً على ذلك، وبحسب الميثاق الوطني اللبناني عام 1943، اتفق على اقتسام السلطة؛ بحيث يكون رئيس الدولة مارونيًا ورئيس الوزراء سُنيًا، ومن ثمّ ضمان تمثيل الجماعتين الدينيتين الرئيستين في البلاد. وفي كولومبيا، نصّ الاتفاق بين الأحزاب الليبرالية والمحافظة، في عام 1958، على أن

  1. Lijphart, "Consociational Democracy," pp. 207, 208, 210, 211.
  2. وهي بريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا وكندا وجنوب أفريقيا؛ فمَع توسّع عضوية الدول لرابطة الكومونولث منذ عام 1960، أصبح اسم "دول الكومونولث القديم" Old Commonwealth يستخدم للدلالة على هذه الدول التي ضمتها هذه الرابطة في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية. في حين استُخدم اسم Commonwealth New للدلالة على الدول التي تضمّها الرابطة بعد توسع عضويتها. انظر: Camilla Schofield, Enoch Powell and the Making of Postcolonial Britain
  3. 29  Ibid., pp. 211 - 212.
  4. وفقًا لنظرية cleavages Cross-cutting، فإنّ الديمقراطية والاستقرار السياسي يعتمدان، على نحوٍ أساسي، على مدى التداخل بين المجموعات باختلاف انتماءاتها السياسية والاجتماعية والإثنية واللغوية والدينية؛ أي التداخل بين المجموعات باختلاف طوائفها الدينية مثلً في تجمعات مبنيّة على بُعد آخر (الاقتصادي - الاجتماعي الطبقي.) لذا، فإنّ المصالح المرتبطة في ما بين هذه المجموعات على المُستوى الثاني قد تقوّض الولاء الطائفي على المستوى الأول، الذي يعزز بناء تحالفات أخرى خارج الانقسامات الأساسية، ومن ثمّ فإنّ التداخل في ما بينها يمكنه أن يُخفف من الصراعات السياسية المبنية على الانتماء الأساسي. انظر: Seymour Martin Lipset, Political Man: The Social Basis of Modern Politics (New York: Doubleday, 1960); Seymour Martin Lipset and Stein Rokkan, Party Systems and Voter Alignments (New York: Free Press, 1967). 28  Lijphart, Democracy in Plural Societies , pp. 14 - 16.
  5. (London: Cambridge University Press, 2013), pp. 147 - 148.
  6. 26  Lijphart, "Consociational Democracy," pp. 210, 211, 222.

يكون تناوب الرئاسة كل أربع سنوات بين الحزبين لمدة ستة عشر عامًا، وأن يكون هنالك تمثيل متساوٍ في جميع المناصب الوزارية غير العسكرية، وفي المحكمة العليا والوظائف البيروقراطية. وجرى تقسيم كل المجالس التشريعية في البلاد (مجلس الشيوخ، ومجلس النواب، والمجالس الإدارية، والمجالس البلدية) بالتساوي بين الأحزاب المحافظة والليبرالية فقط. وفي الانتخابات البرلمانية الهولندية، في عام 1917، جرى التوافق بشأن عدم التنافس في بعض المقاعد التي تشغلها شخصيّات معيّنة، من أجل ضمان مرور مجموعة من التعديلات الدستورية الحاسمة. بل إنّ هذا الحل التوافقي استُخدم، أيضًا، في بريطانيا التي تُعد بلدًا متجانسًا إلى حدّ بعيد؛ إذ لجأت إلى تشكيل مجالس ائتلافية موسعة خلال الحرب العالمية الثانية30. لم يقتصر التوافق في الحالات المذكورة آنفًا على جماعات الهوية، بل طبقته أحزاب سياسية في ما بينها قبل أن تستقر الديمقراطية، أو حين لم يتمكن أيّ منها من حسم الصراع لمصلحته؛ بحيث يرضى الحزب الآخر بالحسم الأكثري، وكان لا بدّ من مراحل انتقالية توافقية، قبل تعوّد الحسم الديمقراطي، وهو ما توصّل إليه قادة حركتَي النهضة ونداء تونس لتمرير المرحلة الانتقالية عندما شارفت تونس أوضاعًا من الاستقطاب وعدم الاستقرار هدّدت تجربة الانتقال الديمقراطي. وهو ما لم تتمكن من فعله القيادات السياسية الحزبية المصرية قبل انقلاب 3 تموز/ يوليو 0132 الذي أطاح تجربة الانتقال الديمقراطي؛ ما يؤكد أهمية مسألة توافق النخب السياسية، وتوافر ثقافة سياسية تقبل التسويات والتوافقات لديها. جرى التوافق في لبنان بين قيادات طوائف تقليدية، من خلال أحزاب سياسية ومن دونها، وفي ظل الانتداب الفرنسي. وقد أرجع كثير من الباحثين أزمة النظام التوافقي في لبنان عشية الحرب الأهلية إلى التغيير الديموغرافي وتغير التوازن السكاني العددي، في وقت ظل فيه تقسيم السلطة بين الطوائف الدينية حتى اتفاق الطائف قائمًا على أساس ميثاق عام 1943. وأدت التغيّ ات الديموغرافية من جهة31، ونشوء قوى سياسية مختلفة قومية ويسارية وطائفية معترضة على القيادات التقليدية للطوائف، واحتجاج فئات واسعة من السكان ضد هيمنة المارونية السياسية واحتكارها صنع القرار، إلى عدم استقرار هذا التوافق، وانقسمت القوى السياسية تجاه عدّة قضايا مثل الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان إزاء الضغط الإسرائيلي، من دون قدرة على تحقيق توافق. ويُشير الباحث ريتشارد دكمجيان إلى أنّ الأزمة التي شهدها لبنان في السبعينيات، والتي أدّت إلى اندلاع الحرب الأهلية، كانت متأصلةً جزئيًّا في تفاوت التمثيل النسبي بين المسلمين والمسيحيين في النخب العليا؛ وذلك بسبب الزيادة الملحوظة في أعداد السكان المسلمين منذ التعداد السكاني في عام 1932، واحتجاج المسلمين باستمرار من الغلبة المسيحية على المناصب الإدارية الرفيعة المستوى، كما أنّ المسلمين الشيعة كانوا الأقل تمثيلً في الجهاز البيروقراطي في لبنان، ويتضح ذلك في الجدول. بعد الطائف، انقلبت مطالب المسلمين الناجمة عن الفجوة الاقتصادية والثقافية بين المجموعات السكانية، والتي تزداد إذا قيست بنسب الطوائف المختلفة من السكان، إلى مخاوف مسيحية من تناقص نسبة المسيحيين وتراجع صلاحيات منصب الرئاسة، فضلً عن تسلح قوى الطائفية الشيعية بموازاة التوسع الديموغرافي الشيعي على الأرض في القرى المسيحية في الجنوب بعد تحريره من الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك في بيروت حيث يتشاركون المخاوف نفسها مع القيادات الطائفية السنية32.

لا يَعُدُّ أنطوان مسرّة أسباب حرب 1975 داخليةً، ورأى أنّها حرب قوى خارجية، ولكنه يرى أنّ الفشل في لبنان فِعليّ، تتحمّل مسؤوليته قوى أرادت تغيير النظام جذريًّا فجعلته بدلً من ذلك أكثر طائفيةً وتخلفًا وجمودًا، وأنّه فشل آخر متمثّل بالفكر الطائفي التقليدي الذي لا يريد أيّ تطوير لمبدأ المشاركة. ويرفض مسرّة فكرة وضع مهلٍ

  1. Lijphart, "Consociational Democracy," pp. 213 - 214.
  2. من أمثلة ذلك تفسير الأزمة والحرب الأهلية في لبنان وانتهاء النموذج التوافقي. انظر: Richard Hrair Dekmejian, "Consociational Democracy in Crisis: The Case of Lebanon," Comparative Politics , vol. 10, no. 2 (January 1978), pp. 251 - 265.
  3. نجد عرضًا مكثفًا للتعبيرات عن المخاوف والفجوة الديموغرافية وتزايد الهجرة المسيحية منذ اتفاق الطائف، في فصل "الديموغرافيا الطوائفية وقوانين التجنيس وهواجس بيع الأرض." انظر: عبد الرؤوف سنّو، لبنان الطوائف في دولة ما بعد الطائف: إشكاليات التعايش والسيادة وأدوار الخارج (بيروت: المعهد الألماني للأبحاث الشرقية، 014)2، ص نموذجا إيرلندا ولبنان
المناصب الوزاريةالتمثيل في مجلس الوزراء*التمثيل النيابيالطائفة
%العدد%العدد%العدد
25.510525.988630.330الموارنة
24.710223.780620.220السُ نّة
13.35514.148019.219الشيعة
12.65212.342111.111الأرثوذكس
11.14611.03766.16الكاثوليك
11.64811.94086.16الدروز
0.9640.932.404الأرمن الأرثوذكس
0.210.271.01الأرمن الكاثوليك
--------1.01البروتستانت
--------1.01الأقليات الأخرى
* يُحدد التمثيل في مجلس الوزراء من خلال العدد الإجمالي للأشهر التي شغل فيها ممثلو كل طائفة مناصب وزارية.ً

زمنية شكلية لإلغاء الطائفية33 كما تطالب بعض القوى العلمانية واليسارية والطائفية غير المسيحية. فهو يرى أنّ فكرة إلغاء الطائفية في لبنان فكرة أيديولوجية مغامرة تُفضي غالبًا إلى زيادة الطائفية باستنفار قواعدها الاجتماعية34. وبحسب ليبهارت، يتطلب التوافق في حكومة ائتلافية قادرة على تحقيق التوافق والاستقرار توافر الشروط التالية: أولً، قدرة النخب على استيعاب المصالح والمطالب المختلفة للجماعات الفرعية التي تمثلها. ويشترط ذلك، ثانيًا، القدرة على تجاوز الانقسامات والانضمام إلى جهود مشتركة مع قيادات الجماعات الفرعية المنافسة. ويعتمد هذا، ثالثًا، على التزامهم إبقاء النظام القائم وتماسكه واستقراره. وأخيرًا، تقوم العوامل المذكورة على افتراض أنّ النخب تدرك مخاطر الانقسام السياسي35. والحقيقة أنّ هذه النقاط الأربع المفصلة هي قضية واحدة متعلقة بواقعية النخب السياسية وانفتاحها. ويمكن أن تُنسب هذه العوامل جميعها إلى قناعات

جدول التمثيل الطائفي في مجلس الوزراء والبرلمان في لبنان

النخبة السياسية، والعلاقات بين نخب الثقافات الفرعية، والعلاقات بين الثقافات الفرعية المختلفة على مستوى الجمهور، والعلاقات بين النخبة والجمهور في كل ثقافة فرعية على حدة36. على المستوى الأول، أي العلاقات بين نخب الثقافات الفرعية، يمكن تفصيل ظروف تُعزز التعاون بين النخب، أو الحفاظ عليه، في نظام متعدد الثقافات: أولها وأهمها، وجود تهديدات خارجية محدقة بالبلاد. فقد جاء تشكيل التحالفات بين النخب في معظم الديمقراطيات التوافقية خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية. ولا بدّ من الإشارة هنا - في ظروف المشرق العربي - إلى أنّ الطوائف الكبيرة العابرة للحدود، والتي عُدّت في هذا الكتاب طوائف متخيلةً، غالبًا ما تتبع قياداتها دولة أجنبية تشكّل هي ذاتها خطرًا؛ من جهة الهيمنة على البلد. ومن ثمّ، فإنّ الخطر الخارجي، في هذه الحالات، يزيد الشرخ الداخلي حدةً بدلً من تعزيز النزعة إلى التوافق.

  1. مسرّة، ص.131
  2. المرجع نفسه، ص.134–131
  3. Lijphart, "Consociational Democracy," p. 216. المصدر: Richard Hrair Dekmejian, "Consociational Democracy in Crisis: The Case of Lebanon," Comparative Politics , vol. 10, no. 2 (January 1978), pp. 254 - 255.
  4. Ibid.

ثانيها، توازن القوى بين جماعات متعددة، بدلً من أن يكون توازن القوى بين طرفين فقط (أنظمة الحزبين مثلً)، أو هيمنة ثقافة فرعية واحدة تحصل على الأغلبية، ومن ثمّ تقوم بالهيمنة على السلطة بدلً من التعاون مع الأقلية المتنافسة. وبناءً على ذلك، فإنّ التوافق أكثر احتمالً في نظام متعدد الأحزاب أو الجماعات، خصوصًا في المجتمعات التي لا توجد فيها جماعة أغلبية، وتتشكّل ثقافاتها الفرعية جميعًا من أقليات، مثل هولندا وسويسرا ولبنان، وسيكون من الصعب على أيّ منها الحصول على الأغلبية في النظام الديمقراطي الكلاسيكي. ثالثها، الضغط المعتدل على صانعي القرار؛ فليس الهدف من تحقيق ديمقراطية توافقية هو التعاون بين النخب السياسية فحسب، بل تحقيق النتائج وحلّ القضايا الأساسية التي تواجهها البلاد. ففي المجتمعات المنقسمة، هناك دائمًا خطر من أن تسيطر حالة من الجمود السياسي. ومن ثمّ، فإنّ القليل من الضغط يُجنب حدوث ذلك ويزيد من فاعلية النظام37. ونحن نرى أنّ هذه الظروف بمنزلة بيئة مساعدة، وأنّه ربما لا يفيد أيّ ظرف من الظروف المذكورة آنفًا في حالات عينية لا تتوافر فيها لدى قيادات الجماعات الثقافة السياسية اللازمة للمساومة والتوافق المرتبطة بالولاء الوطني المحلي. وعلى المستوى الثاني، وهو مستوى العلاقات بين الأفراد المنتمين إلى الثقافات الفرعية المختلفة، فإنّ العامل الأساسي المساعد على تحقيق نظام ديمقراطي توافقي مستقر هو وجود حدود واضحة بين الثقافات الفرعية. ويُفسّ ليبهارت ذلك بأنّ الثقافات الفرعية المنقسمة في مجتمعٍ ما يمكنها التعايش عند غياب التداخل في ما بينها؛ بحيث تكون لكل ثقافة مصالحها وتوقعاتها الخاصّة بها. أمّا التداخل وكثرة التقاطعات، فقد يؤدّيان إلى نزاع وعدم استقرار38. وإنّ تحوّل جماعات الهوية إلى مجتمعات قائمة بذاتها لا تتجاوز حدودها مؤسسات مشتركة، أو مشتركات أخرى، هو من عوامل التوافق بموجب هذا النموذج؛ وذلك لأنّ الجماعة التي تتحدث باسمها القيادات محددة، والنقاط والمصالح التي يفترض أن تتوصل حولها إلى توافق واضحة من منظورها. ولكننا نلفت نظر القارئ إلى أنّ هذا الشرط نفسه قد لا يؤدي إلى التوافق، وربما يتحول إلى بيئة مساعدة على صعود مطالب الانفصال عن الدولة والاستقلال. وهذا ما لا يراه ليبهارت. أمّا على المستوى الثالث، وهو المستوى الأخير، أي العلاقات بين النخبة والجماعة التي تمثلها في كل ثقافة على حدة، فيُشير ليبهارت إلى أنّ وجود حدود فاصلة بين الثقافات الفرعية يؤدي أيضًا إلى وحدة سياسية داخل كل مجموعة ثقافية فرعية. فيترتب على تماسك هذه الثقافات الفرعية موقف موحّد داعم للقيادات، ما يُسهّل عملية التوافق مع نخب الثقافات الفرعية الأخرى. كما أنّ غياب التقاطع بين الثقافات الفرعية يعني اقتصار الجماعات الضاغطة والأحزاب السياسية على تمثيل كل جماعة على حدة. أمّا العامل الأخير المُواتي لتحقيق الديمقراطية التوافقية على هذا المستوى، فهو قبول فكرة حُكم النخب المؤتلفة في كارتيل Elite cartel 39. ونحن لا نتفق مع هذا الطرح، ذلك أنّ النزعات التي تساهم في تماسك الجماعة (كالطائفية السياسية مثلً) هي نفسها التي تهدد فكرة ائتلاف نخب من طوائف مختلفة. فالطائفية السياسية كما بينّا تمثّل في حالات عديدة عملية إشراك عامة الناس في السياسة، وثمة مراحل تشكّل فيها الطائفية السياسية تحديدًا قاطرةً لمهاجمة النخب والأسر الحاكمة للطوائف المؤتلفة في كارتيلات. ولا تلبث لاحقًا أن تستقر على نخب طائفية جديدة قد تكون أصولها عاميةً. وفي خضم الأزمة نفسها يمكن إطاحة التوافق القائم. أصبح ليبهارت في كتاباته ما بعد عام 1969 يستخدم مصطلح "اقتسام السلطة" أو "تشارك السلطة" Sharing Power مرادفًا لمصطلح "الديمقراطية التوافقية." ويُفسّ ذلك بأنه كان من الأسهل التواصل مع صانعي القرار باستخدام مصطلح "تشارك السلطة" وتقبلهم له، في حين أنّ مصطلح "التوافقية" Consociational كان مفهومًا لدى فئة قليلة فقط، إضافةً إلى صعوبة لفظه بالنسبة إليهم40. ويصحّ هنا تأكيد أنّ تشارك السلطة لا يعني الديمقراطية في أيّ حال، وأنّ قصْ التوافقية عليها يؤكد، فعلً، ضرورة تمييزها من الديمقراطية، وذلك في المصطلح المضلل المستخدم أحيانًا كثيرةً في غير مكانه، وهو "الديمقراطية التوافقية." وهذا من أهمّ مشكلات جهد ليبهارت النظري المحدود، فجهده الرئيس استقرائي لتجارب عينيّة. وعلى مدى سنوات، عمل ليبهارت على تطوير نظريته واستنتاجاته مع دراسته لحالات دول أخرى. فقد بدأ بدراسة منشأ التجربة الهولندية في كتابه عام 1968، وأشار في مقالته عام 1969 إلى

  1. Ibid., pp. 217 - 218.
  2. Ibid., p. 219. يستند ليبهارت هنا إلى كتابات كل من كوينسي رايت وسيدني فيربا وديفيد إيستون، ذلك أن إيستون يقترح إنشاء سياسة فصل عنصري طوعية كحلٍّ أمثل لتجنب التوترات في المجتمعات المنقسمة. انظر: Quincy Wright, "The Nature of Conflict," Western Political Quarterly , vol. IV (June 1951), p. 196; Sidney Verba, "Some Dilemmas in Comparative Research," World Politics , vol. 20 (October 1967), p. 126; David Easton, A
  3. Lijphart, "Consociational Democracy," pp. 221 - 222. 40  Lijphart, Thinking about Democracy , p. 6. نموذجا إيرلندا ولبنان
  4. Systems Analysis of Political Life (New York: John Wiley, 1965), pp. 250 - 251.

حالات أخرى، هي: بلجيكا، ولوكسمبورغ، والنمسا، وسويسرا، ولبنان، ونيجيريا، وكولومبيا، والأوروغواي. وفي عام 1977، قام بتحليل النظام الديمقراطي في هذه الدول في كتابه الديمقراطية في المجتمعات التعددية41، وأضاف حالات أخرى لم يتطرق إليها من قبلُ؛ مثل ماليزيا، وقبرص، وجمهورية سورينام، وجزر الأنتيل الهولندية، وجمهورية بوروندي، وإيرلندا الشمالية، وتلا ذلك دراسات لحالات أخرى42، تجاوز فيها مسألة تشكيل حكومة ائتلافية بوصف ذلك العنصر الأساسي لإنشاء ديمقراطية توافقية؛ فأصبحت تضمّ أربعة عناصر، هي: تشكيل تحالفات ائتلافية موسعة، يليها حقّ الفيتو المتبادل للأقليات Minority veto mutual، واعتماد مبدأ التمثيل التناسبي principle The of proportionality في التعيينات الحكومية لتمثيل جميع فئات المجتمع، على عكس مبدأ "الفائز يستحوذ على كل شيء" Winner-take-all، ومبدأ الحكم الذاتي القطاعي والفيدرالية43.Segmental autonomy and federalism

وفي عام 1996، نشر مقالةً حول النظام الديمقراطي في الهند44، مشيرًا إليها بوصفها مثالً نموذجيًا تنطبق عليها جميع عناصر "الديمقراطية التوافقية"، فنجح على الرغم من الانقسامات الإثنية والدينية واللغوية الحادة فيها45. وتقدّم الحالة الهندية دليلً على أداتية مفهوم النجاح عنده في خدمة النموذج. فالهند، دولةً ومجتمعًا، تعاني تصدعاتٍ إثنيةً ودينيةً ومذهبيةً تتفجر، من حين إلى آخر، على شكل صراعات دموية، يضاف إلى ذلك تراتبية الطوائف المغلقة داخل الأكثرية الهندوسية. وانطلاقًا من هذا النموذج استقرّ ليبهارت في هذه المقالة على مفهوم أكثر تحديدًا "للديمقراطية التوافقية"، بحيث أصبح يعرّفها من خلال أربعة عناصر أساسية وثانوية، هي: أولً، تشكيل حكومة ائتلافية/ تحالفية واسعة Grand coalition governments تضمّ ممثلي جميع الجماعات الدينية واللغوية في المجتمع. ثانيًا، إنشاء حكم ذاتي أو إدارة ذاتية لشؤون هذه الجماعات autonomy Cultural. ثالثًا، ضرورة اعتماد مبدأ التمثيل المتناسب Proportionality في المناصب والوظائف الحكومية. رابعًا، منح حقّ الفيتو للأقليات veto Minority، إلا أنّه عَدّ العنصرين الأخيرين سمتين ثانويتين في النظام الديمقراطي التوافقي46. وفي حين أنّ تشكيل حكومة ائتلافية واسعة بالمعنى الدقيق هو أن تضمّ الحكومة جميع الأحزاب الممثلة لجميع الجماعات الدينية والإثنية واللغوية في المجتمع، كما هي الحال في النمسا وماليزيا وجنوب أفريقيا، فإنّه يمكن تطبيق المبدأ ذاته على مستوياتٍ أخرى في الدولة، كما أشرنا إلى ذلك سابقًا؛ مثل تشكيل مجالس أو لجان دائمة أو خاصة تمثّل جميع الفئات الفرعية في المجتمع، وتتجاوز صلاحياتها دورها الاستشاري المعتاد، كما هي الحال في هولندا. أو يمكن على الأقل ضمان تمثيل متساوٍ في مستوى محدد لفئات المجتمع المنقسمة، على أساس لغوي مثلً، من دون ضرورة تحقيق حكومة ائتلافية، كما هي الحال في تشكيل الحكومة في بلجيكا التي تشترط أن يكون فيها عدد أعضاء الحكومة الفلمنكيين مساويًا للفالون الناطقين بالفرنسية، على الرغم من أنها لا تُ ثّل جميع الأحزاب الرئيسة في البلاد. وفي لبنان، لم يُطبق هذا المبدأ على تشكيل الحكومة أو تمثيل الأحزاب، بل جرى التوافق في تقسيم المناصب الحكومية العُليا على أ سس التقسيمات الطائفية في البلاد47. ولكن ثمة محاصصة طائفية تطاول الوظائف العمومية، بما فيها المهنية مثل القضاء والجامعات وغيرها، ما يمسّ ب "الاعتبارات المهنية" والكفاءة وغيرها، على نحوٍ يتجاوز التوافقية إلى تعميق الشروخ الاجتماعية. أمّا العنصر الثاني، وهو الحكم الذاتي للجماعات الثقافية الفرعية، فيُشير ليبهارت إلى أنه يمكن أن يأخذ أشكالً ثلاثة: الأول هو الاتحاد الفيدرالي ذو الحدود الجغرافية المتطابقة مع التقسيمات اللغوية أو الإثنية في المجتمع؛ كما هي الحال في سويسرا، وبلجيكا، وتشيكوسلوفاكيا السابقة. والثاني هو أن يكون للأقليات الثقافية،

  1. Lijphart, Democracy in Plural Societies.
  2. Lijphart, Thinking about Democracy , p. 5.
  3. Lijphart, Democracy in Plural Societies, pp. 25 - 44.
  4. Arend Lijphart, "The Puzzle of Indian Democracy: A Consociational interpretation," The American Political Science Review, vol. 90, no. 2 (June
  5. Ibid., pp. 258, 266. 46  Ibid., p. 258.
  6. 1996), pp. 258 - 268.
  7. Ibid., p. 259.

الدينية أو اللغوية، الحق في إنشاء مدارس مستقلة في برامجها وإدارتها، بدعم مالي كامل من الحكومة، مثل بلجيكا وهولندا. أمّا الشكل الثالث، فهو سنّ قوانين للأحوال الشخصية تأخذ في الحسبان وجودَ الطوائف الدينية في المجتمع، مثل لبنان وقبرص48. وكما هو معلوم، انفصلت الأقلية التركية المسلمة في قبرص وشكّلت كيانًا سياسيًا خاصًا بها. في ما يتعلق بمبدأ التمثيل النسبي، فإنّ النظام الانتخابي الأفضل في الديمقراطيات التوافقية هو نظام التمثيل المتناسب، ولكن يمكن أيضًا تخصيص مقاعد للأقليات بحسب نسبتهم في إطار نظام برلماني أكثري. وأخيرًا، فإنّ حقّ الفيتو للأقليات في الديمقراطيات التوافقية عادةً ما يكون مبنيًا على تفاهم غير رسمي؛ بأن يكون لهذه الأقليات الحق في حماية استقلاليتها، إلا أنّه في بعض الحالات يجري إرساء هذا الحق رسميًا في الدستور، كما هي الحال في بلجيكا، وقبرص، وجمهورية تشيكوسلوفاكيا قبل انقسامها49. وتقدِّم هذه الانقسامات كلّها الدليل تلو الآخر على أنه لا توجد "ديمقراطية توافقية ثابتة"، وأنها في النهاية وسيلة (قد تنجح، وقد تخفق) في منع الحرب الأهلية. ولكنّ الانفصال قد يكون أيضًا وسيلةً لوضع حدّ للحرب الأهلية واحتمالاتها الكامنة في الصراع بين جماعات على السلطة، وهو ما تنطلق منه التوافقية لتسويته، من دون أن تقدم له حلولً ديمقراطيةً. وإذا كان ليبهارت قد عرض في مقالته حول الديمقراطية التوافقية 1969 تحليلً أوليًا بشأن الشروط الملائمة لتحقيق النظام "الديمقراطي التوافقي" واستمراره، كما فُصِّلت آنفًا، فإنّه استقر في عام 1996 على مجموعة من تسعة شروط ملائمة للديمقراطية التوافقية، هي50: غياب أغلبية راسخة في المجتمع. ففي حال وجودها، ستُفضل حكم الأغلبية على النظام التوافقي. وفي قبرص أدّى هذا العامل، على نحوٍ أساسي، إلى فشل النظام التوافقي في عام.1963 عدم وجود فروق اجتماعية واقتصادية كبيرة بين المجموعات المنقسمة في المجتمع. قلّة عدد الجماعات المنقسمة في المجتمع. ففي حال وجود مجموعات عديدة، فإنّ عملية المفاوضات في ما بينها ستكون صعبةً جدًا ومعقدة. التقارب في حجم المجموعات؛ أي أن يكون عددها نفسه تقريبًا، ما يساهم في وجود توازن للقوى في ما بينها. أن يكون عدد السكان قليلً نسبيًّا؛ إذ تصبح عملية صنع القرار أقلّ تعقيدًا. وجود تهديدات خارجية، ما يُساهم في تعزيز الوحدة الداخلية. وجود انتماء جامعٍ "وطني" موحّد للجماعات المنقسمة يفوق قوّة الولاءات الفرعية. إذا كانت الجماعات متركّزةً في مناطق جغرافية محددة، فيمكن تطبيق النظام الفيدرالي لتعزيز استقلالية هذه الجماعات. تبنّي مبادئ التسوية والحلول الوسطية لتعزيز التوافقية. من الواضح إذًا أنّ بعض هذه العوامل قد استجد وبعضها تغيّ جذريًا، بناءً على التوسع في دراسة الحالات العينيّة. وعلى الرغم من أنّ ليبهارت أصبح يركّز على الشرطين الأول والثاني، بوصفهما الأهمّ من بين الشروط التسعة، فإنّه وصل إلى نتيجة مفادها أنه ليس من الضروري في حالة توافر جميع هذه الشروط أن تتحقق الديمقراطية التوافقية، والعكس صحيح؛ أيْ إنّه في حال غياب جميع هذه الشروط، فإنه ليس من المستحيل تحقيق ديمقراطية توافقية. فهي في النهاية شروط مساعدة Favorable or facilitating conditions على تحقيق الديمقراطية التوافقية. والحقيقة الساطعة هي أننا نبقى في النهاية بلا نظرية. ليست لدينا نظرية هنا، بل تفصيل لظروف مساعدة، لا هي ضرورية، ولا هي كافية لتحقيق التوافق. فماذا تبقى من العناصر المكونة لأي نظرية؟ لا شيء. إنها بمنزلة تعميمات من حالات عينية، لا تلبث أن تُعدَّل كل مرة من جديد، بناءً على حالات عينية أخرى. وهي غالبًا ما تخفق في التنبؤ بسلوك النخب والجمهور، فعوامل مثل الثقافة والإرادة السياسية تحدد في النهاية إن كانت الشروط "المساعدة"، مساعدةً فعلً، أو لم تكن كذلك. فضلً عن أنّ هذه العوامل ليست شروط تأسيس نظام ديمقراطي، بل هي - كما أشرنا إلى ذلك سابقًا - شروط لنظام توافقي يقوم على اقتسام السلطة؛ من أجل الحؤول دون انزلاق المجتمع إلى حالة احتراب داخلي. وهو ليس ديمقراطيًا بالضرورة. ويصبح النظام التوافقي ديمقراطيًا كلما أصبح أكثر ارتكازًا على المواطنة، مع أخْذ جماعات الهوية في الحسبان. فالارتكاز عليها وحدها لا يقيم ديمقراطيةً، كما أنّه يُعرّض التوافق إلى أخطار دائمة بالتحول إلى صراعات أهلية، أو حتى حركات انفصالية.

  1. Ibid., p. 260.
  2. Ibid., p. 261.
  3. Ibid., pp. 262 - 263. نموذجا إيرلندا ولبنان

الديمقراطية التوافقية وحل الصراع في إيرلندا الشمالية

استمرّت الموجة الأخيرة من العنف في إيرلندا الشمالية بين الجمهوريين الكاثوليك والاتحاديين الموالين للندن منذ عام 1968. وأدى هذا الصراع، الذي عُرف ب Troubles Te،h إلى انقسام طائفي حادٍّ بين القوى السياسية في إيرلندا الشمالية، فضلً عن تورط حكومتَي المملكة المتحدة وإيرلندا في هذا الصراع. وفي العاشر من نيسان/ أبريل 1998، توصل ممثلو الأطراف المتنازعة، أي الأحزاب السياسية في شمال إيرلندا وحكومتَي بريطانيا والجمهورية الإيرلندية، إلى "اتفاقية السلام في إيرلندا الشمالية" عام 1998 التي عُرفت باسم "اتفاق الجمعة أو "اتفاقية بلفاست".The Good Friday Agreement "العظيمة ويمكن عَدُّ توصل النخب السياسية الممثلة لجماعات في مجتمع منقسم إلى توافق في إطار ديمقراطي مُمثل لجميع الأطراف - وذلك بعد الاعتراف بالعجز عن حسم الصراع عسكريًا - في صلب فكرة "الديمقراطية التوافقية." وهذا الرأي يتفق فيه أغلب الباحثين في هذا المجال51. وبحسب ليبهارت، فإنّ الركيزة الأساسية للديمقراطية التوافقية هي التعاون بين النخب السياسية على آليات ديمقراطية للتوافق، على نحوٍ يضمن درجةً من الاستقرار السياسي وتجنيب البلاد الحرب الأهلية52. وفي "اتفاقية السلام في إيرلندا الشمالية"، أعلن ممثلو النخبة السياسية من جميع أطراف الصراع في إيرلندا الشمالية وحكومتَي بريطانيا وجمهورية إيرلندا، عن تأييدهم للاتفاق، ومعارضتهم لاستخدام العنف، والتزامهم التعاون، واستخدام الوسائل السلمية والديمقراطية في حلّ جميع الخلافات في القضايا السياسية، وذلك من خلال الثقة المتبادلة واح اررم حقوق الآخرين53. واستنادًا إلى تحليل عناصر "الديمقراطية التوافقية"، كما شُحِت آنفًا عند ليبهارت، فإنّ حلّ الصراع في إيرلندا الشمالية قد تضمّن جميع هذه العناصر، وهي: أولً، تشكيل حكومة ائتلافية واسعة تضمّ ممثلي جميع أطراف الانقسام الاجتماعي السياسي. ثانيًا، نظام إدارة ذاتية ثقافية لشؤون هذه الجماعات54. ثالثًا، اعتماد مبدأ التمثيل المتناسب في المناصب والوظائف الحكومية. رابعًا، إعطاء حقّ الفيتو للأقليات، مع أنّ العنصرين الأخيرين ليسَا ضروريَيّن دائمًا في تكوين الديمقراطية التوافقية55. جرى التوافق في تشكيل حكومة ائتلافية في إيرلندا الشمالية تضمن تمثيل جميع الأطراف، وجرى تشكيل "السلطة التنفيذية" من خلال انتخاب السلطة التشريعية الوزير الأول ونائبه؛ بموافقة أغلبية الطرفين من القوميين Nationalists والاتحاديين Unionists، بحسب نظام التصويت العابر للتقسيمات الطائفية vote Cross-community، ومن ثمّ يعيّ الوزراء بحسب مبدأ التمثيل النسبي للأحزاب على أساس نظام "دونت" D'Hondt 56، وبالرجوع إلى عدد المقاعد التي فاز فيها كل حزب في المجلس التشريعي57. وبهذا، يضمن الطرفان تمثيلهما في الحكومة على نحوٍ يتناسب مع قوتها. تضمّن نموذج ليبهارت إشارةً إلى أنّ تشكيل التحالفات الائتلافية يمكن أن ينطبق أيضًا على مستوياتٍ أخرى في الدولة، مثل المجالس أو اللجان المتخصصة ذات الصلاحيات التي تتجاوز الدور الاستشاري المعتاد58. وفي هذا السياق، اتُّفق على تشكيل لجان برلمانية مسؤولة عن متابعة المهمات التنفيذية الرئيسة للحكومة في إيرلندا الشمالية. وتقوم هذه اللجان بتطوير السياسات واقتراح التشريعات، إضافةً إلى دورها الاستشاري للوزارات والدوائر الحكومية المتخصصة بها. ويجري تعيين رؤساء اللجان ونوابهم بحسب التمثيل النسبي، من خلال استخدام نظام "دونت." وتستند عضوية هذه اللجان إلى مبدأ التمثيل المتناسب بحسب نسبة تمثيل الأحزاب في البرلمان59. اعتمدت اتفاقية السلام مبدأ الحكم الذاتي لسكان إيرلندا الشمالية؛ إذ نصّت على اعتراف حكومتَي بريطانيا وجمهورية إيرلندا بحقّ سكان إيرلندا الشمالية في تقرير مصيرهم بحرية، وذلك في ما يتعلق بوضعها السياسي في الاختيار بين بقائها تحت السيادة البريطانية أو انضمامها إلى الجمهورية الإيرلندية. وبهذا تصبح السيادة البريطانية

  1. يُشير روبرت تايلور، المتخصص في قضايا التحول الديمقراطي في جنوب أفريقيا وإيرلندا الشمالية، والمعروف بمواقفه النقدية تجاه تبنّي "الديمقراطية التوافقية" آلية لحل النزاعات، إلى أنّ "عددًا قليلً من الباحثين شكّك، جدّيًا، في أنّ التسوية الحالية في إيرلندا الشمالية هي تسوية توافقية، إذ أدّت التوافقية دورًا مؤثرًا وإيجابيًّا في صياغة اتفاقية بلفاست." انظر: Rupert Taylor (ed.), Consociational Theory: McGarry and O'Leary and the Northern Ireland Conflict (London and New York: Routledge, 2009), pp. 7-8.
  2. Lijphart, "Consociational Democracy," pp. 211-212; Lijphart, Democracy in Plural Societies , pp. 14-16.
  3. The Northern Ireland Peace Agreement," UN Peacemaker, p. 2,
  4. يذكّر ذلك بمساهمات الماركسية النمساوية متمثلةً بأفكار باور ورينر.
  5. Lijphart, "Consociational Democracy," p. 216; Lijphart, Democracy in Plural Societies , pp. 25-44; Lijphart, "The Puzzle of Indian Democracy," p.
  6. نظام توزيع المقاعد النسبي هذا سمي في الولايات المتحدة على اسم توماس جيفرسون الذي اقترحه وفي أوروبا على اسم القانوني البلجيكي وأستاذ الرياضيات فكتور دونت).1901-1841(Victor D'Hondt
  7. The Northern Ireland Peace Agreement," (15), (16), pp. 8 - 9.
  8. Lijphart, "The Puzzle of Indian Democracy," p. 259. 59 " The Northern Ireland Peace Agreement," (8), (9), pp. 8 - 9.
  9. accessed on 12/2/2017, at: http://bit.ly/J9JYPn

قانونيًا غير مفروضة. كما نصّت الاتفاقية على تأييد حقّ جميع سكان إيرلندا الشمالية في اختيار الجنسية الإيرلندية أو البريطانية، أو كلتيهما، والاتفاق على أنّ هذا لن يتأثر مهما تغيّ وضع إيرلندا الشمالية السياسي مستقبل60. وفي ما يتعلق بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للأطراف المتنازعة، اتُّفِق على اتخاذ الإجراءات اللازمة لتعزيز "اللغة الإيرلندية" في مؤسسات الدولة والمدارس والتلفزيون وغيرها، إضافةً إلى الاتفاق على انتهاج سياسات اقتصادية تنموية مستدامة تعزّز الاستقرار والاندماج الاجتماعي في إيرلندا الشمالية، في المناطق الحضرية والريفية والحدودية، واعتماد مبدأ المساواة في التوظيف، واتخاذ التدابير الهادفة إلى مكافحة البطالة والقضاء عليها تدريجيًا في سبيل تقليص الفرق في معدلات البطالة بين الطرفين، وتعزيز التشريعات لمكافحة التمييز، وتأكيد أهمية الاحترام والتفاهم والتسامح في ما يتعلق بالتنوع اللغوي في إيرلندا61. وقد جرى هنا الاعتماد على مبدأ المواطنة، وتوسيع حقوقها لتشمل الحقوق الاجتماعية. كما تضمنت الاتفاقية إنشاء مؤسسات ديمقراطية في إيرلندا الشمالية ممثلة لفئات المجتمع المنقسمة على نحوٍ تناسبي؛ إذ نصّت على انتخاب مجلس تشريعي يُسمّى "الجمعية" Assembly Te،h وهو برلمان منتخب مكوّن من 108 أعضاء ممثلين لجميع فئات المجتمع، ينتخبون من خلال نظام الصوت الواحد المتحول الذي يعتمد مبدأ التمثيل المتناسب62. في حين يُنتخب رئيس الجمعية ونائبه بموافقة أغلبية الطرفين من القوميين والاتحاديين بحسب نظام التصويت العابر للجماعات63. أمّا في ما يتعلق بحق الفيتو (أو التعطيل) القائم على حقّ الأقليات في حماية استقلاليتها، فقد نصّت الاتفاقية على ضرورة أخذ الترتيبات اللازمة لضمان اتخاذ القرارات الأساسية استنادًا إلى موافقة الطرفين، القوميين والاتحاديين، وذلك إمّا عبر الموافقة المتوازية Parallel Consent، أي موافقة أغلبية أعضاء كل من القوميين والاتحاديين، وإمّا عبر موافقة الأغلبية المرجحة بنسبة 60 في المئة من الأعضاء الحاضرين والمصوتين، بما في ذلك موافقة 04 في المئة على الأقل من كل من القوميين والاتحاديين64. يمكن بكل تأكيد تصنيف الاتفاق الذي توصلت إليه الأطراف المتنازعة لحلّ الصراع في إيرلندا الشمالية كحلٍّ ديمقراطي توافقي يقوم على الديمقراطية من جهة، والاعتراف دستوريًا بوجود الجماعات المختلفة (الكاثوليك والبروتستانت في هذه الحالة)، وبضرورة إشراكها في صنع القرار وعدم استفراد الأكثرية الديموغرافية بالحكم من جهة أخرى65. وبالنسبة إلى الشروط التاريخية التي قد توصل إلى خيار الديمقراطية التوافقية، فقد فصّلها ليبهارت كما يلي: غياب أغلبية راسخة في المجتمع: توافر هذا الشرط في حالة إيرلندا الشمالية في العقد الأخير؛ إذ إنّ نسبة الطرفين المتنازعين كانت متقاربةً إلى حدّ ما. فبحسب الإحصاءات الرسمية عام 1991، بلغت نسبة الكاثوليك 38.4 في المئة، في حين كانت نسبة البروتستانت 842. في المئة66. وذلك بعد ازدياد نسبة من لا يعرّفون أنفسهم طائفيًا، وازدياد نسبة الكاثوليك أيضًا. وفي الماضي، كانت نسبة الكاثوليك إلى البروتستانت عمومًا تقارب الثلث إلى الثلثين، ما قلّل من رغبة الأغلبية البروتستانتية في التوصل إلى توافق. عدم وجود فروق اجتماعية واقتصادية كبيرة بين المجموعات المنقسمة في المجتمع: يمكن القول إنّ هذا الشرط لم يتوافر في حالة إيرلندا الشمالية. فمثلً، وصلت معدلات البطالة بين الكاثوليك في عام 1991 إلى 50.44 في المئة من مجموع العاطلين عن العمل، مقارنةً ب 30.18 في المئة بين البروتستانت67. قلة عدد الجماعات المنقسمة في المجتمع: انقسمت إيرلندا الشمالية بين الاتحاديين البروتستانت من جهة، والجمهوريين الكاثوليك من جهة أخرى. التقارب في حجم المجموعات: كانت نسب الفئات المتنازعة من السكان متقاربةً في عام 1991، كما أشرنا إلى ذلك، في النقطة.1() آنفًا قلّة عدد السكان نسبيًّا: بحسب الإحصاءات السكانية في إيرلندا الشمالية، بلغ عدد السكان فيها عام 1991 نحو مليون ونصف المليون نسمة)1573282(68. وجود تهديدات خارجية: يُساهم هذا الأمر في تعزيز الوحدة الداخلية. ولم يتوافر مثل هذا الشرط في حالة إيرلندا، بل على العكس ساهمت حكومتَا بريطانيا وإيرلندا في التوصل إلى الاتفاق.

  1. Ibid., (1), p. 3.
  2. Ibid., pp. 20 - 21.
  3. Ibid., (1), p. 7.
  4. Ibid., (7), p. 8.
  5. Ibid., (5), p. 7.
  6. Lijphart, "The Puzzle of Indian Democracy," pp. 262 - 263.
  7. Department of Health and Social Services, The Northern Ireland Census 1991: Religion Report (Belfast: NISRA, 1993), p. 2, accessed on 16/2/2017, at: http://bit.ly/2eLD3BI
  8. Department of Health and Social Services, The Northern Ireland Census 1991: Summary Report (Belfast: NISRA, 1992) ,  Table 18: Population economically active aged 16 - 64 by occupation, religion and sex, p. 147, accessed on 16/2/2017, at: http://bit.ly/2eLlTnL
  9. Ibid., p. 1. نموذجا إيرلندا ولبنان

انتماء جامع "وطني" موحّد للجماعات المنقسمة وجود، يفوق قوّة الولاءات الفرعية، وهذا الشرط لم يكن قائمًا في حالة إيرلندا الشمالية. تطبيق النظام الفيدرالي في الحال التي تكون فيها الجماعات متركّزةً في مناطق جغرافية محددة، ما يُساهم في تعزيز استقلالية هذه الجماعات، ويمكن القول إنّ هذا الشرط قد توافر في حالة إيرلندا الشمالية؛ إذ تركّز معظم البروتستانت في المناطق الشرقية والشمالية كما بينّا، في حين كانت المناطق الأقرب إلى الجنوب تتركز فيها أغلبية الكاثوليك. إلا أنّ توافر هذا الشرط لم يدفع الأحزاب المشاركة في هذا الاتفاق إلى تبنّي خيار النظام الفيدرالي الإقليمي69. واتُّفق على الإدارات الذاتية على أساس الانتماء الشخصي للجماعات. تبنّي مبادئ التسوية والحلول الوسطية لتعزيز التوافقية: تحقق هذا الشرط من خلال تبنّي معظم أطراف النزاع مسار السلام منذ بداية التسعينيات وإعلان وقف إطلاق النار، على الرغم من تعثره في عدّة مراحل، إلى أن تمّ التوصل إلى الاتفاق النهائي في عام.1998

وسبق أن بينّا أنه ليس من الضروري توافر جميع الشروط المذكورة آنفًا لتحقيق التوافق، فلا هي ضرورية ولا هي كافية. ويبقى المهم في رأينا هو: أولً، قناعة القوى السياسية الممثلة للأطراف التي تمثل "جماعات الهوية" باستحالة تحقيق أيّ خيار من الخيارات التالية: الحسم العسكري، أو الانفصال، أو الحكم بالأغلبية الديموغرافية. ثانيًا، استعداد هذه القوى ذهنيًا وثقافيًا للتوافق من خلال نظام ديمقراطي لا يحقق فيه كل طرف جميع مطالبه، ولا يخرج منه أيّ طرف من دون تحقيق بعض مطالبه، واستعدادها لتفهّم مواقف الأطراف الأخرى ومطالبها وتقدير تنازلاتها. وهذه شروط ذاتية يلزم توافرها عند النخب السياسية، ويمكن الاختلاف في تقييم الشروط التاريخية التي تدفعها إلى هذه القناعات وترتيب أهميتها. لكنّ حجر الأساس في نجاح تجربة إيرلندا الشمالية هو التوافق في إطار نظام ديمقراطي، إذ لم يكن ممكنًا على الإطلاق أن تتوافق الأطراف المتنازعة في اقتسام/ تشارك السلطة، أو تتوافق في ذلك القوى الراعية للاتفاق (بريطانيا وجمهورية إيرلندا)، والقوى الدولية المساندة (الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي)، خارج الإطار الديمقراطي (كما في حالات توافق أُسر سياسية حاكمة للطوائف في لبنان مثلً.) وفي حالة إيرلندا الشمالية، كانت البيئة السياسية المحيطة والفاعلة في التوصل إلى توافق بيئةً ديمقراطيةً منحازةً إلى تحقيق توافق ضمن نظام ديمقراطي. فبريطانيا وإيرلندا ليستا "س – س" (أي اختصار السعودية وسورية)، الدولتين اللتين كانتا مدعوتين إلى التدخل من أجل فرض الوفاق في حالات الأزمات في لبنان بين اتفاق الطائف وعام.2011 إنّ ما فصّله ليبهارت قد جمعه من تجارب عينيّة من دون جهد نظري كبير. ويمكن أن تضيف تجارب العراق وسورية ولبنان والبحرين واليمن، شروطًا مستمدةً من ظروف تاريخية أخرى. ففي العراق مثلً، لم تتوصل النخب السياسية العراقية إلى التوافق، بل فُرض التوافق الطائفي من الاحتلال الأميركي على أساس افتراض الانقسام الطائفي، وحُكم طائفة لأخرى؛ ما استنفر رفضًا له، كما لو يرسى التوافق دستوريًا. كان ليبهارت نفسه قد رجّح عدم إمكانية تحقيق الديمقراطية التوافقية في إيرلندا، وذلك في مقالة له عام 1975 70، لأنّ نخب الطرفين غير مستعدة لتقبّل مثل هذا الحل، ولذلك اقترح التقسيم71. ولا بدّ من إضافة أنّ الصراع في إيرلندا الشمالية لم يقسِّم دولةً، بل قسَّم مجتمعًا (في إقليم داخل دولة)، وذلك خلافًا للحالات التي قدّمها ليبهارت في دراساته المختلفة، إذ شمل الصراع انخراط الأحزاب المنقسمة داخل مقاطعات إيرلندا الشمالية، إضافةً إلى

  1. Ibid., p. 2.
  2. Arend Lijphart, "The Northern Ireland Problem; Cases, Theories, and Solutions," British Journal of Political Science , vol. 5, no. 1 (January 1975), pp. 83 - 106.
  3. Ibid., pp. 104 - 105. كما هو مُعتاد، يطرح باحثون معروفون في الجامعات الغربية، من أمثال ليبهارت، أفكارًا على غرار هذه الأفكار في دوريات في العلوم الاجتماعية والإنسانية، أو في شكل تقارير منظمات إقليمية أو دولية أو مجموعات تفكير كما هو الشأن في العقدين الماضيين. وتُنشر هذه المقالات والتقارير في دوريات أكاديمية، على الرغم من أنّها تعبّ في الحقيقة عن وجهات نظرهم، إضافةً إلى أنها محكومة بما يتوافر لهم من معلومات، وما تتيح لهم قدراتهم التحليلية من استنتاجات، وكذلك مدى قربهم الوجداني والأخلاقي من القضية المثارة أو بُعدهم عنها. وتكمن الخطورة في أنّ مثل هذه المقالات تُقدَّم كأنها تجسيد للعلم ذاته. وبدلً من مقاربتها بوصفها أطروحات معرّضةً للنقد والتفكيك، يجري التعامل معها كأنها نصوص ذات "قدسية" بسبب "الهالة العلمية" (هذا التعبير هو بطبيعة الحال Oxymoron)، لكونها نشُرت في دورية، أو صدرت عن مجموعة تفكير. بل إنّها تصبح، في أحيان كثيرة، مرجعيةً تُشتق منها حلول وخطط تنفيذية. وإنّ نشر مقالات حلول التوافقية المتناقضة يؤكد وجاهة هواجسنا حول "قدسية" هذه الدوريات "المعبودة" في الأكاديمية الغربية. ونحن هنا لا ننتقد النشر في حدّ ذاته، بل التعامل مع الدوريات الأكاديمية كأنها تجسيدُ العلمِ، في حين أنها أحد مكونات المؤسسة الأكاديمية، وليس العلم بالضرورة.

حكومتَي بريطانيا وجمهورية إيرلندا في الجنوب. لهذا، تألفت الاتفاقية من ثلاثة أقسام: الأول يتعلق بتشارك السلطة على نحوٍ ديمقراطي توافقي في إيرلندا الشمالية (وهو ما فصّلناه آنفًا)، والثاني تشكيل مجلس وزاري بين شمال إيرلندا وجنوبها لتنظيم العلاقات في ما بينهما في تسوية لمصلحة الجمهوريين، والثالث لتنظيم العلاقات البريطانية - الإيرلندية، وهي تسوية لمصلحة الاتحاديين. وفي ما يتعلق بتنظيم العلاقة بين إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا في الجنوب، نصّت بنود القسم الثاني على تشكيل مجلس وزاري لشؤون إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا للتشاور والتعاون بين السلطتين التنفيذيتين، والبتّ في القضايا المشتركة بين الشمال والجنوب. ويشمل مجال التعاون في قضايا التعليم، وتبادل الخبرات، والضمان الاجتماعي، والتنمية الحضرية والريفية، والصحة في ما يتعلق بالحوادث وخدمات الطوارئ، والزراعة، والبيئة، والممارّ المائية، وصيد الأسماك، وتربية الأحياء المائية والمسائل البحرية، والنقل، والسياحة، وبرامج الاتحاد الأوروبي ذات العلاقة بأمور إيرلندا كلّها72. وتضمن القسم الثالث بنودًا تنظّم العلاقة بين شمال إيرلندا وحكومتي بريطانيا وجمهورية إيرلندا. وفي هذا الإطار، اتُّفق على إنشاء مجلس بريطاني - إيرلندي يضمّ ممثلين عن حكومتَي بريطانيا وجمهورية إيرلندا، إضافةً إلى ممثلين عن المؤسسات التي تتشارك السلطة مع الحكومة البريطانية في كلّ من إيرلندا الشمالية، وإسكتلندا، وويلز، وإنكلترا، وجزر القنال الإنكليزية؛ وذلك لتبادل المعلومات، والتشاور ومناقشة القضايا المشتركة في سبيل الوصول إلى اتفاق بين جميع الأعضاء على سُبل التعاون في ما بينهم وآليات تنفيذها73. نكرر أنّ التوافق في إيرلندا الشمالية جرى في إطار التسليم بنظام ديمقراطي يقوم على المواطنة، وذلك ليس على أساس التجربة التاريخية لإيرلندا الشمالية ذاتها، والنظام السياسي القائم فيها فحسب، بل أيضًا لكون القوى الدولية المشاركة في وضع الاتفاق التي ينتمي إليها سكان إيرلندا الشمالية إمّا بالهوية الطائفية وإمّا بالمواطنة - وهي المملكة المتحدة وجمهورية إيرلندا - دولً ديمقراطيةً.

التوافقية في لبنان

يمكن، من زاوية النظريات المذكورة آنفًا74، توصيف النظام السياسي في لبنان منذ استقلاله في عام 1943 إلى بداية الحرب الأهلية اللبنانية في منتصف السبعينيات بالنظام التوافقي. فالطوائف الخمس عشرة المعترف بها قانونيًا التي يناقش القانون تنظيمها هي "بمثابة الأشخاص المعنويين الحقيقيين في نظر الحقوق العامة، وهي تشكّل مجتمعةً البنية التحتية للدولة اللبنانية"75. ويسود اعتقاد أنه جرى الاتفاق بعد الاستقلال على تشكيل نظام شبه رئاسي، في إطار تحالف موسّع يضمّ معظم الطوائف في لبنان. فبناءً على هذا الاتفاق غير الرسمي وغير المكتوب، أو ما يُسمّى "الميثاق الوطني" عام 1943، يجب أن يكون رئيس الدولة مارونيًّا، ورئيس الوزراء سُنيًّا، ورئيس البرلمان شيعيًّا ىرر (وهذا غير صحيح ولم يُتضمن في الميثاق كما س)76، وأن يكون نائب رئيس البرلمان ونائب رئيس الوزراء من الروم الأرثوذكس. وجرى تصميم هذا الاتفاق بحسب القوة العددية للطوائف في ذلك الوقت. ففي منتصف خمسينيات القرن الماضي، كان المجتمع اللبناني موزعًا ما بين 30 في المئة موارنةً، و 02 في المئة مسلمين سُنّةً، و 18 في المئة مسلمين شيعةً، و 11 في المئة من الروم الأرثوذكس، إضافةً إلى طوائف أخرى من مسلمين ومسيحيين ذات نسب أقلّ في المجتمع اللبناني. ولم تكن الآليات المستخدمة في انتخاب رئيس الدولة وأعضاء البرلمان مبنيةً على مبدأ التمثيل التناسبي، وجرى اختيار رئيس الدولة من البرلمان بالأغلبية. وبما أنه كان محسومًا أنه يجب أن يكون مارونيًّا، فإنّ هذه الآلية (تصويت الأغلبية) لا تتيح لممثلي الطوائف الأخرى التنافس في هذا المنصب، ولكنهم يساهمون في اختياره، وربما تكون أصواتهم مقررةً أيضًا. كما أنّ الانتخابات البرلمانية تجري عادةً اعتمادًا على نظام الدوائر الانتخابية. وفي كل دائرة انتخابية، يجري ترشيح قوائم المرشحين؛ بحيث تمثّل كل قائمة التركيبة الطائفية في تلك الدائرة. وقد اختلف عدد الدوائر الانتخابية، إلا أنّ نسبة نواب البرلمان بين المسيحيين والمسلمين كانت، بصفة عامة، 5-6"." ويعرّف ليبهارت هذا النظام بأنه "تمثيل تناسبي مصمم مسبقًا على أساس طائفي." كما أنّ مبدأ التمثيل المتناسب قد طُبّق في تعيينات الوظائف الحكومية في الدولة. وفي ما يتعلق بعنصر الحكم الذاتي القطاعي Segmental Autonomy للجماعات المختلفة في المجتمع المنقسم، فإنه أحد مكونات النظام في لبنان، إذ إنّ لكل طائفة مدارسها ومؤسساتها الاجتماعية والخيرية الخاصة بها. كما أنّ قانون الأحوال المدنية في لبنان يختلف من طائفة

  1. The Northern Ireland Peace Agreement," pp. 13 - 15.
  2. Ibid., pp. 16 - 17.
  3. Lijphart, Democracy in Plural Societies, pp. 147 - 150.
  4. إدمون ربّاط، التكوين التاريخي للبنان السياسي والدستوري (بيروت: منشورات الجامعة اللبنانية، 002)2، ص.215
  5. الميثاق بمنزلة اتفاق بين رياض الصلح وبشارة الخوري عام 1943، عبّ عنه في عدة خطب ومواقف، وهو يرمي إلى استقلال لبنان عن الدول العربية وفرنسا، على أساس أنّ هذا الاستقلال نهائي وليس مرحلةً نحو وحدة مع سورية أو غيرها بحيث يحافظ على طابعه. ورأى إدمون ربّاط أنّ الميثاق قد قام على أساس لبننة المسلمين وتعريب المسيحيين. المرجع نفسه، ص 830 - .841 نموذجا إيرلندا ولبنان

إلى أخرى، وكل طائفة تدير الأحوال الشخصية في محاكمها. ولا يمكن فريقين متقاضيين الاتفاق على عدم التقاضي أمام محكمة طائفية والتوجه إلى محكمة مدنية. فالطائفية ملزِمة. وقد أحسن سليمان تقي الدين وصف النظام السياسي اللبناني بعد الدستور الذي أُعِدّ في عهد الانتداب، إذ قال: "وبناءً عليه لم تكن الطائفية قشرةً في البناء القومي تقتصر على التمثيل السياسي، بل إنها نظام شامل يوطد العلاقات الاجتماعية في البناء التحتي أيضًا؛ بحيث ينتظم هرم من الحلقات من أسفل إلى أعلى يواجه به المواطن في حياته اليومية"77، مع اختلافنا في تسمية التمثيل السياسي قشرة، فهو قادر على التأثير في المجتمع كله، وهو بذاته الأداة الأهم في ترسيخ نظام الطائفية الشامل.

كما أنّ حقّ الفيتو المتبادل Mutual veto كان شرطًا أساسيًا في النظام السياسي اللبناني، على الرغم من أنه غير مكتوب. وبحسب ليبهارت، فإنّ الديمقراطية التوافقية في لبنان ظلت فعّالةً طوال 30 عامًا حتى الحرب الأهلية؛ إلا أنّ سبب ضعفها جاء نتيجة "المأسسة غير المرنة لمبادئ الديمقراطية التوافقية"، وهو ما أدى إلى جمود سياسي في نهاية المطاف. لا يرى ليبهارت وغيره من المحللين الغربيين المتعاطفين مع النموذج اللبناني أنه ثمة زاوية نظرٍ أخرى لرؤيته بوصفه حكم سلالات وأُسر مارونية تمتلك امتيازات، مقارنةً بسلالات الطوائف الأخرى وبرجوازيتها، وهو بهذا المعنى نظام توافق مغلق، ونقصد أنه مغلق على امتيازات سياسية لسلالات حاكمة من طائفة بعينها. وكتب فواز طرابلسي أنه عشية الحرب الأهلية برز "تناقض بين النظام السياسي وبين الوقائع الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها البلد"78، مثل تضخم الطبقة الوسطى ونشوء الحركات الاجتماعية والطلابية، والتناقض بين الاقتصاد الحر والاحتكارات. و"طغت على مجلس النواب سلالات سياسية فعلية"79. وفي رأينا، هذه كلّها عناصر شكّلت بيئةً مواتيةً لوقوع الانفجار. ولكنّ مشكلة النظام الرئيسة في رأينا كمنت في الطائفية السياسية غير الملتزمة بسيادة الدولة. ومشكلة نموذج ليبهارت أنه لم يميّز على نحو كافٍ بين التوافقية والديمقراطية التوافقية. فمثلً، توافقت قيادات الطوائف اللبنانية عدة مرات بعد حروب أهلية، أو صراعات، في نوع من التوافق، أو توصلت إلى ذلك، على نحوٍ حُمِيت فيه بعض الحريات، وعملت فيه مؤسسات شبه ديمقراطية نتيجةً لاحترام الدستور كلمّا كان التوازن بين الطوائف قائمًا، ولكنّ التوافق لم يكن ديمقراطيًا. "هذا النظام السياسي يعكس بدايةً واقعًا موضوعيًا قائمًا هو التفوق والغلبة والأسبقية للبرجوازية المسيحية عامة والمارونية بخاصة. إنما كانت وظيفة هذا النظام ليست فقط أن تعكس هذا الميزان بل أن تمنعه من الاختلال[...]لقد بني[...]ليمكّن أقليةً طائفيةً مرتبطةًاقتصاديًا وسياسيًا بالغرب من أن تظل تمثّل الوزن الراجح في القرارات والخيارات السياسية"80. ولم تقُم ديمقراطية توافقية على أساس المواطنة المتساوية، ولم تعضدها ثقافة ديمقراطية، بل أدير التوافق من جهة "أُسر حاكمة" داخل كل طائفة، مع امتيازات لنخب طائفة بعينها. وفي الفترة الأخيرة، استبدلت ببعض السلالات الطائفية أحزاب طائفية، لا تؤمن بقيم الديمقراطية ولا تلتزمها. كما تكرَّست حالة العلاقة بين القيادات والأحزاب الطائفية والدول الإقليمية، بحيث أصبح التوافق خاضعًا لموازين قوى دولية وإقليمية في حالات كثيرة؛ كما أنّ السلاح الطائفي، بقيَ قائمًا على نحوٍ أحلّ الردع بدلً من التوافق؛ ما جعل التعايش يبدو مثل حرب باردة يخشى الجميع أن تتحول إلى حرب أهلية حقيقية في أيّ وقت. وكما بينّا آنفًا، رأى آخرون أنّ السبب هو التغيرات الديموغرافية التي خلخلت التوازن القائم. وفي حالات الوفاق عمومًا، يُفترض أن تكون القدرة الذاتية على صيانة الوفاق أهمّ من الاتفاقيات والمواثيق. ولكن القدرة على الحفاظ على الوفاق لم تتضح منذ استقلال لبنان، ذلك لأنه يصعب فحص هذه القدرة الذاتية في ظل عوامل خارجية تعزز الوفاق وتسهم في الحفاظ عليه، أو تسهم في تقويضه. وما زالت الانتماءات الطائفية والولاءات لأُسر داخل الطوائف أكثر قوّةً من الأيديولوجيا بوصفها جامعًا حزبيًا، وأكثر قوّةً حتى من مؤسّسات الدولة.

  1. سليمان تقي الدين، 77 التطور التاريخي للمشكلة اللبنانية   1920 - 1970 (مقدمات الحرب الأهلية)، (بيروت: دار ابن خلدون، 1977 ص)، .38
  2. فواز طرابلسي، تاريخ لبنان الحديث: من الإمارة إلى اتفاق الطائف، طبعة منقحة
  3. المرجع نفسه، ص.303 - 279 80 تقي الدين، ص.144
  4. (بيروت: دار الريس، 008)2، ص.303

وأخيرًا، وفي ظل وجود نظام سياسي طائفي، وثقافة سياسية طائفية، يسهل تحويل كل صراع اجتماعي أو سياسي أو طبقي ليتخذ مسارات طائفيةً. ولم تجعل هذه العوامل جميعها النظام الطائفي اللبناني قابلً للانفجار من حين إلى آخر فحسب، بل قابلً لإعادة صياغة التوافق بعد كل انفجار أيضًا؛ على نحو يعمق من طائفيته في كل مرة. لهذا، جرى التغيير في لبنان عادةً من خلال أزمات كبرى استخدم فيها العنف، الذي يتلوه صيغة توافقية جديدة غالبًا بتدخل خارجي. وكان أعنفها الحرب الأهلية عام 1975. وبعد الحرب الأهلية فرضت تعديلات دستورية في اتفاق الطائف، نحَت أغلبيتها منحى التقليل من امتيازات المارونية السياسية. ومنها تحويل التمثيل البرلماني من 5-6"" لمصلحة المسيحيين إلى مناصفة بين المسيحيين والمسلمين على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم، ونقْل القسم الأكبر من صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء، وتأسيس مؤسسة رئيس الحكومة عمليًا. وإنّ أهمّ تعديل في دستور 1990 هو إنشاء مؤسّسة مجلس الوزراء التي لم تكن سابقًا قائمةً على نحوٍ مستقل. فقد كان مجلس الوزراء يُعقد برئاسة رئيس الجمهورية فقط، ولم يكن لرئيسه صلاحيات محدّدة، ولكنّ رئيس مجلس الوزراء أصبح عمليًّا رئيس حكومةٍ بعد التعديل. لقد تعدّلت في الطائف على نحوٍ جوهري المادتان 17(53() و) من الدستور، المتعلقتان بممارسة السلطة التنفيذية، إذ نُقلت أغلبية صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء81.

المراجع

العربية

بشارة، عزمي. في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2007 تقي الدين، سليمان. التطور التاريخي للمشكلة اللبنانية 1970 - 1920 (مقدمات الحرب الأهلية). ب وررت: دار ابن خلدون،.1977 ربّاط، إدمون. التكوين التاريخي للبنان السياسي والدستوري. بيروت: منشورات الجامعة اللبنانية،.2002 سنّو، عبد الرؤوف. لبنان الطوائف في دولة ما بعد الطائف: إشكاليات التعايش والسيادة وأدوار الخارج. بيروت: المعهد الألماني للأبحاث الشرقية،.2014 طرابلسي، فواز. تاريخ لبنان الحديث: من الإمارة إلى اتفاق الطائف. طبعة منقحة. بيروت: دار الريس،.2008 مسرّة، أنطوان. النظرية العامة في النظام الدستوري اللبناني: أبحاث مقارنة في أنظمة المشاركة. بيروت: المكتبة الشرقية،.2005

الأجنبية

Almond, Gabriel A. "Comparative Political Systems." Journal of Politics. vol. 18, no. 3 (August 1956). Apter, David E. The Political Kingdom in Uganda: A Study in Bureaurcratic Nationalism. Princeton: Princeton University Press, 1961. Bauer, Otto. The Question of Nationalities and Social Democracy. Joseph O'Donnell (trans.). Minneapolis and London: University of Minnesota Press, 2000. Dekmejian, Richard Hrair. "Consociational Democracy in Crisis: The Case of Lebanon." Comparative Politics. vol. 10, no. 2 (January 1978). Department of Health and Social Services. The Northern Ireland Census 1991: Religion Report. Belfast: NISRA, 1993, at: http://bit.ly/2eLD3BI Department of Health and Social Services. The Northern Ireland Census 1991: Summary Report. Belfast: NISRA, 1992, at: http://bit.ly/2eLlTnL Easton, David. A Systems Analysis of Political Life. New York: John Wiley, 1965. Lehmbruch, Gerhard. Proporzdemokratie: Politisches System und politische Kultur in der Schweiz und in Österreich. Tübingen: Mohr, 1967. Lewis, Arthur W. Politics in West Africa. London: Allen and Unwin, 1965. Lijphart, Arend. "Consociational Democracy." World Politics. vol. 21 (January 1969).

  1. المرجع نفسه، ص 78؛ قبل اتفاق الطائف كانت ثمة محادثات سورية - لبنانية نسّقتها السفيرة الأميركية أبريل غلاسبي على ثلاث جلسات، عام 1987، في سعي لمساواة الرئاسات الثلاث. انظر: مسرّة، ص.91 نموذجا إيرلندا ولبنان

________. "The Northern Ireland Problem; Cases, Theories, and Solutions." British Journal of Political Science. vol. 5, no. 1 (January 1975). ________. "The Puzzle of Indian Democracy: A Consociational Interpretation." The American Political Science Review. vol. 90, no. 2 (June 1996). ________. Democracy in Plural Societies: A Comparative Exploration. New Haven and London: Yale University Press, 1977. ­________. The Politics of Accommodation: Pluralism and Democracy in the Netherlands. Berkeley: University of California Press, 1968. ________. Thinking about Democracy: Power Sharing and Majority Rule in Theory and Practice. London and New York: Routledge, 2008. Lipset Seymour Martin and Stein Rokkan. Party Systems and Voter Alignments. New York: Free Press, 1967. Lipset, Seymour Martin. Political Man: The Social Basis of Modern Politics. New York: Doubleday, 1960. Renner, Karl. Das Selbstbestimmungsrecht der Nationen in besonderer Anwendung auf Österreich. Leipzig und Wien: Deuticke, 1918. ________. Der Kampf der österreichischen Nationen um den Staat. Published under the pseudonym Rudolf Spring. Leipzig und Wien: Deuticke, 1902. ________. Schriften. Wien: Residenz Verlag, 1994. Schendelen, M.P.C.M. Van. "Consociational Democracy: The Views of Arend Lijphart and Collected Criticisms." Political Science Review. vol. 14 (1985). Schofield, Camilla. Enoch Powell and the Making of Postcolonial Britain. London: Cambridge University Press, 2013. Taylor, Rupert (ed.). Consociational Theory: McGarry and O'Leary and the Northern Ireland Conflict. London and New York: Routledge, 2009. "The Northern Ireland Peace Agreement." UN Peacemaker, at: http://bit.ly/J9JYPn Verba, Sidney. "Some Dilemmas in Comparative Research." World Politics. vol. 20 (October 1967). Wright, Quincy. "The Nature of Conflict." Western Political Quarterly. vol. IV (June 1951).