الاتحاد الأوروبي والأزمة الخليجية: السياق ومواقف الفاعلين
الملخّص
الخليجية، انطلاق تهدف الورقة إلى تحليل العلاقات الأوروبية -ا من حالة الاعتماد المتبادل التي أوجدها اتفاق عام 1988، وما تبعه من تحولات في العلاقة؛ إذ تفترض مقاربة الاعتماد المتبادل وجودَ تداخلٍ في المصالح بين أطراف العلاقة، ووصولها إلى درجة من التشابك، بما يحدُّ من حالة الصراع ويعزز عوامل التعاون والتنسيق، بما في ذلك تناغم حركة أطرافه في النظام الدولي.لكن اختبار فاعلية هذه المقاربة في سياق أزمة ينقسم فيها أحد الطرفين (الخليج في حالتنا) يظل أمرًا إشكاليًا، تحاول الورقة سبره، وكشف محدوديات نموذج الاعتماد المتبادل في ضوئه. كما تحاول اختبار تأثير الأزمة الخليجية في تأسيس سياسة خارجية فرعية أوروبية تجاه منطقة الخليج، مع تحليل سلوك الفاعلين الأساسيين في الاتحاد الأوروبي (ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا على الرغم من خروجها من الاتحاد) إزاء الأزمة. كلمات مفتاحية: الاتحاد الأوروبي، مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الأزمة الخليجية، سياسة فرعية. This paper aims to analyze European Gulf relations based on the Interdependence created by the 1988 agreement, and the subsequent transformations in the relationships. The interdependence approach assumes that there is an overlap of interests between both parties, and a degree of mutual engagement, thus limiting conflict and enhancing cooperation and coordination, which entails harmonizing the movement of its parties within the international system. Nonetheless testing the effectiveness of this approach in the context of a crisis which divides one of the parties (the Gulf in our case) remains problematic. The paper tries to probe this issue, and reveal the limitations of the interdependence model in this context. It similarly attempts to test the impact of the Gulf Crisis on a European Sub Policy towards the Gulf by analyzing the behaviours of the main actors in the EU (Germany, France, and- despite brexit- the UK). Keywords: European Union, GCC, Gulf Crisis, Sub Policy.
The European Union and the Gulf Crisis: Context and Attitudes
المقدمة
يقول المفكر الواقعي كينيث والتز: "كما أن الطبيعة تمقت الفراغ، فإن السياسات الدولية تمقت الاختلال في توازن القوة"1. لقد مثّلت نهاية الحرب العالمية الثانية فراغًا في المنطقة العربية، بعد انحسار القوى الأوروبية الأساسية في المنطقة (فرنسا وبريطانيا)، وتراجع دورها العالمي لمصلحة قوى جديدة (الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي)، ووقعت أوروبا الغربية تحت تأثير الولايات المتحدة ونفوذها، التي أعطت دولها هامش حرية تحرك للقيام بخطوات تكاملية في مجال تنظيم تجارة وصناعة الفحم والصلب، والحدّ من النشاطات الاقتصادية التي قد تساهم في إحداث خلل في توازنات القوى بين دولها، أو تساهم في ازدياد التمدد الشيوعي فيها. فقاد الأمر إلى تأسيس السوق الأوروبية المشتركة، ووقعت دول الجماعة الأوروبية مجموعة اتفاقيات أفضت إلى تأسيس الاتحاد الأوروبي، بصفته فاعلً دوليًّا، وعملت الجماعة الأوروبية - لأجل تعزيز مكانتها الاقتصادية ودورها الدولي - على بناء علاقات بمحيطها، وخاصة الدول العربية. لقد بدأ الحوار العربي – الأوروبي، كما أشار بشارة خضر، مع القمة الأوروبية في كوبنهاغن في 10 - 14 كانون الأول/ ديسمبر 1973؛ إذ ركز الإعلان الصادر عن القمة على الأهمية التي يعلقها رؤساء الدول والحكومات على فتح المفاوضات مع الدول العربية، وخاصة منتجي النفط، في إشارة غير مباشرة إلى دول الخليج. وكانت أولوية العرب تكمن في ضمان دعم الجماعة الأوروبية لهم في الصراع العربي - الإسرائيلي، في حين كان هدف دول أوروبا من الحوار ضمان تموينٍ منتظم من النفط وبأسعار معقولة2. تزامن توسع الجماعة الأوروبية مع جملة من التحديات في منطقة الشرق الأوسط (الحرب العراقية - الإيرانية، والحرب الأهلية في لبنان، والصراع العربي - الإسرائيلي)؛ ما دفع دول الخليج التي تربطها علاقات تحالف إستراتيجي بالولايات المتحدة إلى البحث عن صيغة تكاملية لضمان استقرارها. لذا كان تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية نقطة تحول في العلاقات العربية - الأوروبية، خاصة عند توقيع الجماعة الأوروبية اتفاق التعاون مع مجلس التعاون عام 1988، والذي جاء نتيجة لسلسلة من المفاوضات والاجتماعات. كما تزامن انهيار الاتحاد السوفياتي، بصفته قوة دولية، مع صعود قوة اقتصادية جديدة هي الاتحاد الأوروبي مع توقيع اتفاقية ماسترخت عام 1992 ودخلت حيز التنفيذ عام 1993، وتسارعت عجلة التكامل الأوروبي؛ ما عزز الدور الخارجي للاتحاد، وتبنى سياسة خارجية تجاه المنطقة العربية. وقد شهدت العلاقات الخليجية - الأوروبية تطورًا في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية؛ وهذا ما يظهره تحليل البيانات الختامية للاجتماعات التي نظمت سير العلاقات بين الجانبين التي تطورت تطورًا ملحوظًا، خاصة بعد اندلاع الثورات العربية عام 0112، والتي أثّرت في طبيعة النظام الإقليمي العربي3 وشكله. أعطى هذا الأمر دول الخليج نفوذًا وتأثيرًا في عدد من الدول العربية التي عمت فيها الفوضى وحالة من عدم الاستقرار، كما في ليبيا وسورية والعراق. ومن ثمّ باتت الحاجة ضرورية لدى الجانب الأوروبي إلى بحث ترتيبات أمنية ودفاعية مشتركة مع دول الخليج، باعتبارها المنطقة الأكثر استقرارًا، والكتلة المتماسكة اقتصاديًا وسياسيًا. لكن الأزمة الخليجية في الخامس من حزيران/ يونيو 0172 كانت نقطة فارقة في تعامل الاتحاد الأوروبي مع منطقة الخليج. فقد برهن موقف الاتحاد والقوى الأساسية فيه من الأزمة على وجود مقاربة أوروبية مختلفة عن مقاربة الإدارة الأميركية، وعلى وجه التحديد مقاربة البيت الأبيض؛ فقد انحاز موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومستشاريه مع بداية الأزمة إلى الدول المُقاطِعة لدولة قطر. ما يعني أن تحولً في الموقف الأوروبي قد يؤسس سياسة خارجية أوروبية فرعية تجاه منطقة الخليج العربي، وتشكل العوامل السياسية والاقتصادية والأمنية محددات أساسية لها. ودفع هذا الأمر الاتحاد الأوروبي إلى تبني خطاب خارجي، يتوافق مع خطاب القوى الأساسية فيه، يقوم على ضرورة استقرار منطقة الخليج وأمنها، وألا يقع خلل في توازن القوى فيها يقود إلى سيطرة دولة أو مجموعة من الدول على دول أخرى.
: تطور العلاقات الخليجية أولا - الأوروبية
الطريق نحو التعاون المشترك الأوروبي - الخليجي وتأثير النظام الدولي
مع انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، بدأت مرحلة جديدة في العلاقات الدولية وُسمت بالحرب الباردة، تحولت فيها أوروبا من مركز التأثير والنفوذ في السياسات الدولية إلى ساحة جيوسياسية مهمة من ساحات الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي. وخضعت أوروبا الغربية لنفوذ الولايات المتحدة؛ إذ قاد التعاون الاقتصادي بين دولها إلى تأسيس السوق الأوروبية المشتركة (الجماعة الأوروبية الاقتصادية EEC)، والجماعة الأوروبية للطاقة الذرية Euratom عام 1957 مع توقيع اتفاقية روما. ويمكن اعتبار ذلك أحد أهم التغيرات في أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية التي ستؤثر في الاتجاهات الاقتصادية والسياسة الدولية. واستمر التكامل بين دول الجماعة الأوروبية EC Community, European، ووقعت سلسلة من الاتفاقيات فيما بينها، أدت إلى تأسيس الاتحاد، بصفته فاعلًاقتصاديًا دوليًّا4الأوروبي EU Union, European. في المقابل، كانت المنطقة العربية التي تملك احتياطيات طاقة كبرى جزءًا من سياسة الأحلاف العسكرية والتناقض الأيديولوجي خلال الحرب الباردة، وبات الخليج منطقة نفوذ أميركية بعد أن حسمت واشنطن صراعها فيه بإخراج البريطانيين واحتواء النفوذ السوفياتي. وعلى غرار الجماعة الأوروبية، أعطت الولايات المتحدة دول الخليج هامشًا من التحرك لتحقيق نوع من التكامل الاقتصادي والأمني في إطار حرب النفوذ مع الاتحاد السوفياتي؛ ليشكل الخليج الجناح الجنوبي للحزام الشمالي الذي أقامته الولايات المتحدة بقصد الحد من التمدد السوفياتي. ودخلت دول الخليج العربية في حالة التعاون والبدء بعملية تكاملية عنوانها الحفاظ على أمن الخليج واستقراره، وساهمت في تأسيس مجلس التعاون عام 1981، الذي رأت دوله في السوق الأوروبية مثالً يحتذى في مجال التكامل الاقتصادي؛ وذلك بسبب النجاح الباهر الذي حققته الجماعة الأوروبية. استدعى قيام السوق الأوروبية المشتركة إعادة صياغة العلاقة الأوروبية بمحيطها الذي كان بالأمس القريب مستعمرات تابعة لها سياسيًا وعسكريًا، وبناء حوار جديد تبنت فيه مقاربة متوسطية لتأطير اتفاقاتها وعلاقاتها بدول المنطقة العربية. ويرى بشارة خضر أن الحوار الأوروبي - العربي لم يظهر إلا بفعل حدثين مهمين هما حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، وأول صدمة نفطية عام 1973 5. مع تأكيده أن أرضية الحوار العربي - الأوروبي كانت مهيأة قبل حرب أكتوبر، لكن أدت الحرب دورًا فعالً في دفعه قدمًا، خاصة بعد أن قامت الدول العربية الأعضاء في منظمة البلدان المصدرة للنفط OPEC بتخفيض إنتاجها من النفط بنسبة 5 في المئة، وفرض حظر على صادرات النفط إلى هولندا والولايات المتحدة لموقفهما المنحاز إلى إسرائيل. فقد دق ناقوس الخطر داخل أروقة السوق الأوروبية المشتركة التي كانت تعتمد أساسًا على صادرات النفط من منطقة الخليج العربي، وعارضته بشدة. لم يكن هدف العرب من الحظر عقاب الدول الغربية، بقدر ما كان التأثير في مواقفها إزاء الصراع العربي - الإسرائيلي. وعلى خلفية ذلك، أطلق الحوار العربي - الأوروبي بعد أن أصدرت الدول العربية "إعلانًا موجهًا إلى أوروبا الغربية" من الجزائر بتاريخ 82 تشرين الثاني/ نوفمبر 1973، وأوفدت مجموعة من الوزراء العرب إلى القمة الأوروبية في كوبنهاغن التي عقدت في 10 - 14 كانون الأول/ ديسمبر 1973. وحكم الحوار العربي - الأوروبي ثنائية الاقتصاد والسياسة؛ ففي حين حددت السوق الأوروبية المشتركة مصلحتها من الحوار في استمرار شحنات النفط وانتظامها وبأسعار معقولة، حدد الجانب العربي مصلحته في ضرورة دعم الجماعة الأوروبية لهم في الصراع العربي - الإسرائيلي وضمان استقرار المنطقة6. وعُقدت سلسلة من الاجتماعات على مستوى الخبراء (القاهرة، وأبوظبي، ولوكسمبورغ، وبروكسل.) وظل الموقف الأوروبي ملتبسًا تجاه الحوار مع الجانب العربي؛ إذ سعى دائمًا إلى حصره في جوانبه الاقتصادية والتجارية، من دون الاعتراف بالطابع السياسي الواضح للحوار، وكانت العلاقات الأوروبية - الخليجية محكومة بمسارات الحوار العربي - الأوروبي حتى مطلع ثمانينيات القرن الماضي، لتبدأ صفحة جديدة في العلاقات بين السوق الأوروبية ومجلس التعاون أفضت إلى اتفاق التعاون عام 1988. ومع ذلك بقيت السياسات الخارجية الأوروبية تجاه منطقة الخليج محكومة بسياسة أوروبية
تجاه المنطقة العربية؛ بمعنى لم تكن هناك سياسة أوروبية خارجية فرعية تجاه منطقة الخليج.
اتفاق التعاون المشترك الأوروبي - الخليجي
على الرغم من أن العلاقات الثنائية بين دول الخليج ودول الجماعة الأوروبية قديمة وقائمة على العلاقات التاريخية والاستعمارية، فإن التعاون بينهما بدأ متعثرًا وبخطوات متثاقلة. فقد بدأت الاتصالات بين الجانبين في عام 1983 نتيجة مباشرة لإنشاء مجلس التعاون في عام 1981. وهذا ما طرح تساؤلً حول أهم المسببات التي حالت دون توقيع اتفاقية التعاون هذه مع تأسيس مجلس التعاون في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، والتي يمكن تلخيص أهمها في التالي: الخليج منطقة نفوذ أميركية، ومن ثمّ تعارض واشنطن، في منطقة نفوذها الحيوية، هذا النوع من الاتفاقات؛ لذا آثرت دول أوروبية الابتعاد عن إزعاج الولايات المتحدة. الحوار الأوروبي – العربي: اعتبرت الجماعة الأوروبية دول مجلس التعاون جزءًا من هذا الحوار، وابتعدت عن تمييز دول الخليج والتعامل معها، على أنها كتلة خاصة منفصلة عن الدول العربية؛ ومن ثمّ تأسيس سياسة فرعية خارجية تجاه الخليج، لاعتبارين يتمثّل الأول في قوة النظام الإقليمي العربي ووجود قوى عربية مؤثرة (مصر، والعراق، وسورية)، وتفضيل الجماعة الأوروبية الحوار مع تلك القوى، ويتمثّل الثاني في حداثة نشأة "الدولة الوطنية" في الخليج، ولم تكن ظروفها الاقتصادية والأمنية لتبرر لها دورًا مؤثرًا، كما أن هذا القلق يردّ إلى خوف العرب من أن يكون الحوار الخليجي - الأوروبي بديلً من الحوار الأوروبي - العربي. تناقضات داخل الجماعة بين دول مؤيدة لاتفاق التعاون وأخرى معارضة له؛ فقد أصر الأوروبيون على وجود اتحاد جمركي بين دول مجلس التعاون قبل الدخول في مشروعات التعاون بينهما. ثم عقد في لوكسمبورغ في عام 1985، الاجتماع الوزاري التمهيدي للحوار بين دول مجلس التعاون ودول السوق الأوروبية المشتركة الذي عبّ فيه الطرفان عن عزمهما على إبرام اتفاقية شاملة للتعاون الاقتصادي بينهما. قطاع البتروكيماويات: تشير منشورات الأمانة العامة لمجلس التعاون إلى نجاحه في تذليل بعض القضايا الشائكة في العلاقات بأوروبا، ومنها قضية الألمنيوم والبتروكيماويات الخليجية التي تندرج من وجهة النظر الأوروبية ضمن قائمة السلع الحساسة؛ لأن سوقها المحلية تشتمل على نظائر لها. لذا فإن التوسع في استيرادها يُعد خطرًا يهدد الصناعة المحلية. وقد اتخذ الاتحاد هذه الحجة مبررًا ليفرض عليها رسومًا جمركية عالية7. وقد صدر بيان في 92 نيسان/ أبريل 1986، أوضحت الأمانة العامة لمجلس التعاون فيه أن المرحلة الاستكشافية في المفاوضات بين المجموعتين قد انتهت إلى مرحلة تقديم خيارات بشأن اتفاق شامل للتعاون في المجالين التجاري والاقتصادي. لقد كانت المنطقة الحرة بين الطرفين من أهم الأهداف التي أراد الخليجيون تحقيقها، على غرار المنطقة الحرة بين إسرائيل والسوق الأوروبية. لكن قابل ذلك رفض أوروبي خشية المنافسة؛ فأوجد الأوروبيون عقبة تمثلت في إصرارهم على تطبيق الاتحاد الجمركي بين دول مجلس التعاون شرطًا لتطبيق التجارة الحرة. على الرغم من حضور تلك العوامل المؤثرة في تأخير دوران عجلة التعاون قُدمًا بين الجماعة الأوروبية ومجلس التعاون، فإن المؤشرات الاقتصادية كانت على عكس ذلك في عام 1988؛ إذ مثّل مجلس التعاون رابع سوق لصادرات السوق الأوروبية المشتركة. كما وُجد أكثر من 004 شركة أوروبية عاملة في نشاطات اقتصادية في دول الخليج. وقد جرت نقاشات عديدة داخل البرلمان الأوروبي، أفضت إلى صدور تقرير عن لجنة العلاقات الاقتصادية الخارجية، أوصى بضرورة بناء تعاون طويل الأجل مع مجموعة من بلدان العالم الثالث بما فيها دول الخليج، وأن الهدف من التعاون هو الجمع بين مصالح الطرفين؛ الأوروبي والخليجي من دون العمل على ترجيح مصالح أي منهما على مصالح الآخر، فهو مبني على تكامل المصالح لا تحقيق المكاسب المنفردة8. بدأت المحادثات التمهيدية، عندما أدّى عبد الله بشارة الأم نن العام لمجلس التعاون زيارته الأولى للجنة الأوروبية بتاريخ 9 و 10 حزيران/ يونيو، وانتهت المحادثاث 1982 في 15 حزيران/ يونيو 1988 بتوقيع اتفاقية التعاون في بروكسل. لقد أسست هذه الاتفاقية للعلاقات بين السوق الأوروبية المشتركة ودول مجلس التعاون الست التي لم تكن ترعى حتى ذلك الحين أي علاقة تعاقدية بالسوق المذكورة. كما نصت على العمل في سبيل تعاون شامل في عددٍ من القطاعات؛ وهي قطاعات الصناعة
والزراعة والصيد والتجارة والطاقة والعلم والتقانة والإعلام والاستثمار. وعند توقيع الاتفاقية، تبنى الشريكان أيضًا بيانًا سياسيًا مرفقًا بها يتعلق بالحوار السياسي بينهما، وتعزيز الترابط الإقليمي والشروع في حوار سياسي فضفاض9. كما تهدف إلى تشجيع تكامل دول مجلس التعاون، والمساهمة في حفظ الاستقرار في منطقة ذات أهمية إستراتيجية لأوروبا وتأمين إمدادات مصادر الطاقة لها، وتعزيز عملية التنمية الاقتصادية وتنويع اقتصادات دول مجلس التعاون. وقد نصت الاتفاقية على إنشاء مجلس مشترك يُكلف بمتابعة التعاون بين الطرفين10.
ثانيًا: الثابت والمتحول في العلاقة بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون
تحليل بيانات الاجتماعات الدورية بين الاتحاد ومجلس التعاون
نصت اتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون على تشكيل مجلس مشترك، يهدف إلى تنظيم اجتماعات دورية، ومتابعة التطور في التعاون بين الجانبين. وبالفعل، عُقد أول اجتماع وزاري عام 1990، وتلته مجموعة من الاجتماعات الوزارية خلال الفترة 1990 - 000.2 وبتحليل مضمون البيانات الختامية الصادرة عن تلك الاجتماعات، يمكن استخلاص (بدقة) طبيعة العلاقات وتطورها من خلال الموضوعات المطروحة للنقاش بين الطرفين.
. أ المرحلة الأولى: 1990 - 1995
جاءت الاجتماعات الأولى11 التي عقدها المجلس المشترك، في فترة تحولات مهمة في النظام الدولي؛ وهي انهيار الاتحاد السوفياتي وصعود الاتحاد الأوروبي قوةً دولية جديدة، ودخوله في نشاط محموم للتوسع والتمدد شرق القارة الأوروبية والعمل على تأسيس سياسة خارجية وأمنية مشتركة. كما أن المنطقة العربية شهدت هي الأخرى أحداثًا كبرى، أبرزها غزو العراق الكويت، والتهديد الذي استشعرته دول مجلس التعاون. وكان التركيز في الاجتماعات الدورية بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون على القضايا التالية: الصراع العربي – الإسرائيلي: كان التأكيد بأن استقرار المنطقة مرتبط بتسوية ال اررع بالطرق السلمية، وكانت القضية الفلسطينية مطروحة على بساط البحث في أغلب الاجتماعات الدورية بين الجانبين. التعاون في مجال الطاقة والتقانة والاستثمارات: إضافة إلى منطقة التجارة الحرة التي اتسمت المحادثات في شأنها بالصعوبة والتعقيد. حقوق الإنسان والديمقراطية: تم التطرق إلى مسألة حقوق الإنسان أول مرة في اجتماع الرياض في أيار/ مايو 1993. والجدير بالذكر أن الخطاب الخارجي للاتحاد الأوروبي تجاه منطقة الخليج العربي مختلف تمامًا عن خطابه تجاه دول المشرق العربي وشمال أفريقيا، والذي يؤكد فيه مسألة تعزيز قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فقد اقتصر خطابه تجاه الجانب الخليجي على ضرورة استدامة التعاون الاقتصادي وبناء الشراكات التجارية. القضايا السياسية: كانت محورًا ثابتًا في كل اجتماع يتم مناقشتها وتحديد موقف منها، بصفة رتيبة اعتيادية، ولم تكن الدول معنية مباشرة بحلها؛ فقد كانت تعكس حالة التنسيق والاتفاق بين الجانبين الأوروبي والخليجي.
. ب المرحلة الثانية: 1996 - 2006
ركزت بيانات المرحلة الثانية من الاجتماعات12 بين الجانبين في الفترة 1996 - 0002 أساسًا على المسائل الاقتصادية المرتبطة مباشرة بتأسيس منطقة تجارة حرة، والطاقة والاستثمارات والتعاون العلمي والتقني. في حين بقيت المسائل السياسية، والموقف منها واضحًا، كحل الصراع العربي - الإسرائيلي وعملية السلام، خاصة أن اجتماع دبي في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 لم يأتِ بجديد.
وأما المرحلة التي انعقدت فيها سبعة مجالس مشتركة في الفترة 2000 - 0062، فقد دخلت العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون في حالة من الركود؛ إذ شهدت المنطقة العربية اضطرابات جيوسياسية كانتفاضة الأقصى عام 0002، وتوقف عملية السلام، وأحداث 11 سبتمبر 0012، والحرب على العراق واحتلاله عام 0032، وارتفاع وتيرة الهجمات الإرهابية في دول الخليج وخاصة في السعودية عام 0042، والعدوان الإسرائيلي على لبنان عام 0062، والطفرة في أسعار النفط. وكان التركيز خلال تلك المجالس والاجتماعات على التعاون الاقتصادي، وخاصة منطقة التجارة الحرة. فقد ذكر البيان الصادر عن اجتماع المنامة عام 0012 أن المفاوضات التي استمرت لما يزيد على عشر سنوات لم تسفر عن أي نتائج13. كما تناولت الاجتماعات قضية حقوق الإنسان، ومسألة محاربة التطرف بكل أنواعه، والوقوف في وجه الإرهاب، وتعزيز التعاون في مجال التعليم العالي من خلال مشاركة دول مجلس التعاون في برنامج إيراسموس موندس.Erasmus Mundus
22 منطقة التجارة الحرة: خطوات متعثرة
مرت المحادثات بخطوات متثاقلة تارة، ومتعثرة تارة أخرى خلال الفترة 2006 - 011.2 وعلى الرغم من بدء محادثات اتفاقية التجارة الحرة FTA في عام 1990، فقد بقيت المفاوضات حولها رهينة الاشتراطات والضغوط الأوروبية والهواجس الخليجية. وعلى الرغم من مرور أكثر من عشرين عامًا على توقيع اتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون، فإن العلاقات بينهما لا يمكن وصفها بالإستراتيجية؛ إذ اقتصرت على التعاون الاقتصادي والتجاري14. ينص اتفاق منطقة التجارة الحرة على تحرير التجارة والسلع والخدمات تدريجيًا وبصورة متبادلة ومن منطقة إلى منطقة، بهدف ضمان مستوى مماثل من فرص الوصول إلى الأسواق. وتشتمل المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون على القواعد والأنظمة المشتركة المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية والمنافسة وتسوية المنازعات وقواعد المنشأ. والجدير بالذكر أن آفاق توقيع الاتفاق لم تصبح واقعية إلا عام 0032، بعد أن أصبح مجلس التعاون اتحادًا جمركيًا. وهو أحد الاشتراطات الأوروبية على دول مجلس التعاون للشروع في توقيع اتفاقية منطقة التجارة الحرة. وما إن أسست دول الخليج الاتحاد الجمركي، حتى طالب الأوروبيون بضرورة انضمام دول مجلس التعاون إلى منظمة التجارة العالمية، وذلك بهدف الضغط على المملكة العربية السعودية ودفعها إلى تقديم تنازلات ذات طابع تجاري واستثماري للدول الصناعية، وقد انضمت السعودية إلى منظمة التجارة العالمية عام 005.2 علمً أن منظمة التجارة لا تقيم أي علاقة بين الانضمام إليها وتأسيس مناطق تجارية حرة، أضف إلى ذلك أن الاتحاد الأوروبي يقيم اتفاقات شراكة مع دول مثل الجزائر ولبنان، وهي ليست أعضاء في المنظمة15.
كما أن مجموعات الضغط في قطاع الألمنيوم والبتروكيماويات الأوروبية لها دور مهم في عرقلة توقيع اتفاق منطقة التجارة الحرة؛ بحجة أن سياسات تسعير المواد الخام التي يتّبعها مجلس التعاون ليست إلا إعانة مالية مقنعة تنافي المنافسة المشروعة16. لذا فإن إحدى المسائل التي ناقشها اجتماع الدوحة عام 0152 كانت فرض الاتحاد الأوروبي ضريبة بنسبة 6 في المئة على الألمنيوم؛ الأمر الذي يعدّ تراجعًا عن موقف سابق برفع هذه الضريبة، إذ يخشى الاتحاد الأوروبي فتح الأسواق الأوروبية أمام الألمنيوم الخليجي؛ ما يؤدي إلى إقفال الاتحاد شركات إنتاج الألمنيوم الضخمة في أوروبا والانتقال إلى منطقة الخليج للاستفادة من تدني أجور الأيدي العاملة وتوافر مصادر الطاقة، ما يخلق بطالة في منطقة اليورو التي تعاني أصلً أزمات اقتصادية. يضاف إلى ذلك الإصرار الأوروبي على إلغاء الدعم الحكومي الخليجي للأسعار والإنتاج؛ بدعوى مخالفته الاتفاقات المتعددة الأطراف
لمنظمة التجارة العالمية التي وافقت عليها جميع دول المجلس. في حين يقصد من ذلك رفع أسعار المنتجات الخليجية في الداخل والخارج، فتتراجع مقدرتها التنافسية أمام السلع الأوروبية المماثلة. يشير هذا الوضع إلى عدم رغبة الأوروبيين في إحداث منطقة تجارة حرة مع دول مجلس التعاون، خاصة أن الواردات الخليجية من الاتحاد الأوروبي تتزايد سنويًا نتيجة الحاجة والانفتاح. ولا ينوي الأوروبيون تعديل هذا الموقف، إلا إذا منحتهم دول المجلس امتيازات جديدة، وخاصة امتلاك الأسهم في الشركات الخليجية بلا قيود. عندئذ ظهرت ضغوط أوروبية شديدة تدعو الخليجيين إلى خصخصة شركاتهم العامة، ولا سيما في قطاعي النقل والاتصالات. ولم يقتصر الأمر على الاشتراطات الاقتصادية، بل تعداها إلى التوظيف البراغماتي للخطاب الخارجي الأوروبي في مجالي الديمقراطية وحقوق الإنسان لدول مجلس التعاون، عندما طالب الأوروبيون باحترام حقوق الإنسان وتطبيق الديمقراطية. ونجم عن هذا الوضع تعليق مفاوضات منطقة التجارة الحرة بقرار خليجي عام 2008 17. لم تندفع دول مجلس التعاون، هي الأخرى، لتوقيع اتفاق منطقة التجارة الحرة؛ إذ شعرت بأنها قدمت من خلال محادثات اتفاقية التجارة الحرة كثيرًا من التنازلات من دون مكافأة من الجانب الأوروبي الذي يطالب بالحصول على حصة من الواردات والمشتريات الحكومية، وهو ما ترفضه دول الخليج؛ لأن ذلك يأتي على حساب مصالح الشركات الوطنية الخليجية. كما يطالب الجانب الأوروبي بخصخصة قطاعات النقل والاتصالات والموانئ وإخضاعها للاستثمار الأجنبي، فضلً عن الخلافات المتعلقة بقضايا الهجرة وحقوق الإنسان، ويرى المسؤولون الخليجيون أن الموقف الأوروبي المتشدد غير مبرر، ولا يراعي معطيات العلاقات الإستراتيجية والاقتصادية بين الطرفين ومتطلباتها. إضافة إلى تعدد أسواق تصدير دول الخليج التي زادت وارداتها من الدول الآسيوية ومجموعة الدول ذات أسرع نمو اقتصادي في العالم BRICS، التي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، فإنها لم تكن في عجلة من أمرها لإبرام اتفاق التجارة الحرة. ولذا لم تثق بدقة ما يمكن أن ينجم عن هذه الاتفاقية من المكاسب والخسائر، ولكنها كانت حريصة على استمرار الاجتماع السنوي للمجلس الوزاري المشترك، ودعم اجتماعات الخبراء في مجال تعزيز التعاون في مجالات البيئة والطاقة والتعليم ومكافحة النشاطات الإجرامية، فضلً عن الانخراط في برامج تستهدف مجالات معينة إدراكًا منها للخبرة الأوروبية فيها واحتياجًا منها إلى هذه الخبرة. وساهمت العوامل الهيكلية Structural Factors أيضًا في تعثر الوصول إلى اتفاق منطقة التجارة الحرة، وهي مرتبطة بالعلاقات الثنائية بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ودول الخليج؛ ذلك أن التعاون في مجالات عديدة لم ينتقل إلى مستوى مؤسسات مجلس التعاون، نتيجة ما فيه من النقص المؤسسي. ومن ثمّ فإن صنع القرار في المسائل الإستراتيجية، خاصة في العلاقات الاقتصادية على المستوى الإقليمي والدولي، ما زال يحدث على مستوى الدولة القطرية، وينعكس ذلك على التناقضات والمنافسات االتي تظهر في مواقف دول مجلس التعاون الست فيما يتعلق ببعض القرارات الإستراتيجية المتعلقة بالمجالات المحلية والخارجية18.
ومن خلال تحليل البيانات الصادرة عن المجالس المشتركة بين الجانبين الخليجي والأوروبي، توجد مجموعة من المسائل والقضايا التي غالبًا ما يعبّ فيها الاتحاد الأوروبي والقوى الفاعلة الأساسية فيه عن مواقف إستراتيجية واضحة، وتنعكس على خطاب بروكسل الخارجي الذي يراعي التوافق أو الاتفاق بين دوله في حدوده الدنيا، وأهم الثوابت في السياسة الخارجية تجاه الخليج: استقرار الأسواق والاستثمارات الأوروبية في منطقة الخليج. العمل على دعم إقامة منطقة التجارة الحرة وتعزيز المصالح الاقتصادية الأوروبية في منطقة الخليج. استمرار تدفق الطاقة والحفاظ على أسعار ثابتة.
عقود التسليح التي تبرمها القوى الأساسية في الاتحاد الأوروبي مع دول الخليج. أمن إسرائيل، ودعم عملية التسوية السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين. الحد من المخاطر الأمنية المتمثلة في الإرهاب والهجرة غير القانونية.
وتوجد في المقابل مجموعة متغيرات تكون فيها مواقف الاتحاد ودوله تكتيكية، وتمتلك الحكومات الوطنية في الاتحاد مرونة في التعبير عن موقفها، ولا تعكس عادة التوافق بين دول الاتحاد، وهو ما يقلل تأثير خطاب بروكسل الخارجي، بصفتها منظمة، نتيجة هذه الحالة، وأهم هذه المتغيرات: العلاقات بالقوى الأساسية في الإقليم: إيران، وتركيا. الخلافات البينية العربية. قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية وتعزيز القيم الأوروبية. القضايا المتعلقة بالبيئة وانبعاث الكربون.
ثًالث ا: الاتحاد الأوروبي والأزمة الخليجية: دراسة في سلوك القوى الفاعلة
سياق الأزمة الخليجية وموقف بروكسل منها
قطعت كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر، في الخامس من حزيران/ يونيو 0172، علاقاتها الدبلوماسية والقنصلية بقطر، وقررت إغلاق المنافذ البرية والبحرية والجوية معها، ومنع العبور في أراضيها وأجوائها ومياهها الإقليمية، وحظرت على مواطنيها السفر إلى قطر، كما أعطت مهلة لكل المقيمين والزائرين من مواطنيها فترةً محددةً لمغادرتها، ومنعت المواطنين القطريين من دخول أراضيها، وإعطاء المقيمين والزائرين منهم مهلة أسبوعين للخروج19. فاجأت الأزمة جميع القوى الفاعلة الإقليمية والدولية، وبدأ تحرك دبلوماسي لأطراف الأزمة، لاستمالة دول المنطقة والعالم، بما فيها الاتحاد الأوروبي؛ إذ وصلت أصداء الأزمة إلى أروقة مؤسسات الاتحاد في بروكسل. التقت فيديريكا موغيريني، الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن في التاسع من حزيران/ يونيو 0172، وقالت: "إننا نرى خطرًا محدقًا يتمثَّل في تصعيد الموقف وانتشاره بطريقة خطيرة وغير مرغوبة في أوساط أخرى خارج منطقة الخليج مثل أفريقيا أو جنوب شرق آسيا أو الشرق الأوسط." وتطرقت موغيريني إلى طبيعة العلاقة التي تربط الاتحاد الأوروبي بمجلس التعاون، وأضافت: "إن للاتحاد الأوروبي علاقات جيدة بجميع دول مجلس التعاون. وجميع بلدان المنطقة أصدقاء لنا، ونريد أن نحافظ على هذه العلاقات بجميع دول الخليج، وأن نحافظ على علاقات جيدة بجميع دول الخليج. ونعتقد أيضًا أن التعاون الإقليمي في منطقة الخليج والمنطقة العربية أمر أساسي لأسباب مختلفة؛ أولً وقبل كل شيء العمل الفعال في محاربة الإرهاب، بما في ذلك تمويل الإرهاب، ونحن نعتقد أن التعاون الإقليمي في منطقة الخليج أمر أساسي لأمننا في أوروبا ولتحقيق الاستقرار في المنطقة، وهو أمر أساسي للتعاون الاقتصادي والتجاري"20. وقالت لوران ديفيلي Lauranne Devillé المسؤولة الإعلامية للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي/ الدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية: إن فيديريكا موغيريني في اتصال مستمر بجميع الأطراف ذات العلاقة المباشرة، خاصة بمجلس التعاون من أجل تخفيف حدة التوتر السائد، وحمل جميع الأطراف على
المشاركة في الحوار السياسي الخالي من الشروط المسبقة، داعمة دور الوساطة الذي تقوم به الكويت21. ناقش وزراء الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي هذه الأزمة أثناء انعقاد مجلس الشؤون الخارجية، في تموز/ يوليو 0172، وساندوا فيه النهج الذي اتبعته الممثلة العليا. وصدر بيان عن المجلس الوزاري الأوروبي يؤكد ضرورة الحفاظ على الاستقرار في منطقة الخليج، ولم يكن فيه انحياز إلى أيٍّ من أطراف الأزمة الخليجية. والسؤال هنا، هل يمكن البناء على تصريحات المسؤولين الأوروبيين في بروكسل لفهم موقف الدول المكونة للاتحاد الأوروبي؟ أم أن هذه التصريحات والبيانات لا تحمل أي قوة قانونية أو تأثير سياسي في مواقف الأطراف الفاعلة في الاتحاد الأوروبي التي لديها القدرة على انتهاج سياسة خارجية مستقلة عن مؤسسات الاتحاد الأوروبي في بروكسل؟ أم هي نتيجة لتوافقات داخلية بين تلك القوى المكونة للاتحاد تعكس موقفها من الأزمة الخليجية التي تمثل اختبارًا حقيقيًا لبروكسل في تحديد دورها في بناء سياسة أمنية ودفاعية مشتركة بعيدة عن ضغوط الولايات المتحدة الحليف الإستراتيجي للاتحاد؟ وهل يؤسس الموقف الأوروبي من الأزمة الخليجية سياسةً خارجية فرعية تجاه منطقة الخليج، بعد أن كانت العلاقات الأوروبية - الخليجية محكومة بمسارات الحوار العربي - الأوروبي؟ إن الاتحاد الأوروبي لم يكن ينفرد في بعض الأحيان، باتخاذ مواقف مختلفة عن السياسة الأميركية في قضايا الدفاع والسياسة والأمن؛ فقد بقي خلال فترة الحرب الباردة تحت مظلة أمنية أميركية "حلف الناتو"، ولم يرفض سياسة الانفراد والأحادية في القرار والسياسات الدولية خاصة في المنطقة العربية وأزماتها العديدة. وظهرت محاولات أوروبية في رسم سياسة أمنية ودفاعية وخارجية مشتركة في حدودها الدنيا من خلال ممارسة التنسيق السياسي والدبلوماسي ضمن مؤسسات الاتحاد الأوروبي في بروكسل، وما يرافقها من آليات تبادل المعلومات والتأثير المتبادل، والبحث عن الإجماع، وما ينتج منها من قرارات ومواقف مشتركة تتوافق مع الإصلاحات القانونية المتلاحقة من القانون الأوروبي الموحد عام 1986، مرورًا بمعاهدة ماسترخت عام 1992 التي جعلت السياسة الخارجية والأمنية ركيزة أساسية من ركائز الاتحاد إلى جانب العدل والداخلية والمجتمع الأوروبي، وصولً إلى اتفاقية لشبونة عام 0092 التي مأسست تلك السياسة، وهو طموح قادة الفدرالية الأوروبية في التوصل إلى صياغة سياسة خارجية مرتبطة بمؤسسات الاتحاد22. لقد فرضت طريقة التعامل مع الأزمات السابقة التي عصفت بالإقليم على العلاقات الأوروبية - الأميركية نوعًا من الانقسام الداخلي، ضمن دول الاتحاد الأوروبي، تجاه تلك الأزمات ذات الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية مثل غزو العراق عام 0032؛ فقد انقسمت الدول الأوروبية إلى مؤيدة للحرب (بريطانيا، وإسبانيا، وبولندا، والتشيك، والمجر، والبرتغال، ورومانيا، وبلغاريا)، ومعارضة للحرب (فرنسا، وألمانيا)، وكشفت الخلل الواضح في البنية السياسية والأمنية الأوروبية، وعدم قدرتها على بلورة قرار مشترك. فقد دفعت الأزمة الخليجية صناع القرار في بروكسل إلى إعادة تقييم الدور الأوروبي، بما يتناسب مع خطورة الأزمة وتداعياتها، وبما يتطلب من تحرك فاعل لتحديد سياسة خارجية وأمنية مشتركة، لا ترتبط بما يجري داخل القارة الأوروبية فقط، بل تتعداه إلى مناطق التماس المباشر بمصالحها الحيوية، خاصة منطقة الخليج العربي التي تُعد من أشد بؤر العالم سخونة وتوترًا، وأي اضطراب فيها يعني بصورة مباشرة تهديدًا للمصالح الأوروبية، تضاف إلى سلسلة التحديات التي يواجهها الاتحاد كالإرهاب والهجرة غير القانونية، والأزمات الاقتصادية التي تشهدها منطقة اليورو منذ الأزمة المالية عام.2008 وبناء على ما هو ثابت، ومتغير في تحديد سياسات الاتحاد الأوروبي تجاه الخليج، يمكن تصنيف الأزمة الحالية ضمن قائمة المتغيرات على اعتبارها خلافًا بينيًّا عربيًّا - عربيًّا، وغالبًا ما يأخذ الاتحاد ودوله منها مسافة تضمن مصالحه الاقتصادية والتجارية. ولكن التحول كان في انتقالها من دائرة المتغير التكتيكي في خطاب بروكسل الخارجي إلى دائرة الثابت الإستراتيجي الذي يتطلب استجابة أوروبية، على اعتبار الخليج منطقة إستراتيجية ويرتبط أمنها بأمن الاتحاد، ومن تأسيس سياسة خارجية أوروبية فرعية تجاه منطقة الخليج مغايرة لسياسات الاتحاد الأوروبي تجاه المنطقة العربية. في الواقع، إن عملية إعادة تقييم الدور الأوروبي، وسياسته الخارجية إزاء الأزمة الخليجية، لا يمكن فهمها خارج إطار التغيير في بنية النظام الدولي، وبناء عليه قد يؤسس الموقف الأوروبي إزاء الأزمة الخليجية سياسة خارجية أوروبية فرعية تجاه منطقة الخليج، تحكمها مجموعة من العوامل، أهمها:
. أ المصالح الاقتصادية التي تربط الاتحاد الأوروبي بمجلس التعاون
قُدر الناتج المحلي الإجمالي لمجموع دول مجلس التعاون ب 1.5 تريليون دولار أميركي، وبإجمالي عدد سكان 53.5 مليون نسمة عام 0162، منهم 50 في المئة أجانب. وقد راكمت دول مجلس التعاون 1.5 تريليون دولار في أصول أجنبية، وبإمكان ثروة بهذا الحجم أن
| إجمالي التجارة (مليار يورو) | الواردات من الاتحاد الأوروبي (امليار يورو) | الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي (امليار يورو) | االدولة |
|---|---|---|---|
| 52.936 | 33.925 | 19.010 | السعودية |
| 8.76 | 5.454 | 3.309 | الكويت |
| 14.818 | 9.633 | 5.184 | قطر |
| 2.423 | 1.763 | 0.660 | البحرين |
| 4.594 | 4.180 | 0.414 | عمُان |
| 55.048 | 45.847 | 9.201 | الإمارات |
| 138.58 | 100.802 | 37.778 | الإجمالي |
تزيد ثقل دول مجلس التعاون على صعيد العلاقات الاقتصادية الدولية23، وهذه حقيقة لا يمكن أن يغفل عنها الاتحاد الأوروبي. وقد قامت دول مجلس التعاون بتدوير مبالغ طائلة في الدول الأوروبية، سواء في صيغة سندات حكومية أو عقارات وأسهم عادية. إن مجلس التعاون شريك اقتصادي وتجاري ثابت للاتحاد الأوروبي؛ فقد بلغ إجمالي التجارة بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون في مليار يورو24عام 2016، 138.6. وبلغت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى دول مجلس التعاون في العام نفسه 100.8 مليار يورو، ركزت على المنتجات الصناعية 91.4(في المئة) مثل محطات توليد الطاقة وقاطرات السكك الحديدية والطائرات وكذلك الآلات الكهربائية والأجهزة الميكانيكية. وكانت الآلات ومعدات النقل 9.4(4 مليار يورو، 94 في المئة) والمواد الكيميائية 1.6(مليار يورو، 1.5 في المئة) هي الفئات الرئيسة للمنتجات المصدرة في عام 016.2 كما بلغت واردات الاتحاد الأوروبي من دول مجلس التعاون 37.7 مليار يورو فقط، ما أدى إلى فائض تجاري كبير لصالح الاتحاد الأوروبي. أما واردات الاتحاد الأوروبي من دول مجلس التعاون، فهي أساسًا الوقود المعدني ومنتجات التعدين 9(24. مليار يورو، 65.9 في المئة)، والمواد الكيميائية 6(4. مليارات يورو، 12.3 في المئة)25. شهدت التجارة بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون نموًا مطّردًا بين عامي 0060162 و 2؛ ارتفع إجمالي التجارة بنسبة 53 في المئة خلال عشر سنوات، وبلغ ذروته في عام 0132 وهو ما يقابل ذروة أسعار النفط. وحكمت واردات الاتحاد الأوروبي إلى الخليج وصادراته إليه معادلة التقانة مقابل الطاقة ومشتقاتها. ويحقق الاتحاد الأوروبي توازنًا تجاريًا نشطًا مع دول المجلس؛ إذ يمثل مجلس التعاون رابع أكبر سوق لصادرات الاتحاد الأوروبي، ويعتبر الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لدول مجلس التعاون. فالعامل الاقتصادي وحجم المصالح التجارية يمثلّان عاملين مهمين في فهم موقف الاتحاد الأوروبي من الأزمة الخليجية.
الاتحاد الأوروبي والخليج: الصادرات والواردات عام 2016
. ب التغير في العلاقة الأطلسية
إن التغير في العلاقات الأطلسية، وإن في حدوده الدنيا، قد يكون بمنزلة محفز لاتحاد أوروبي أشد تماسكًا، مع دور دولي أوضح وفاعلية، وهو ما عكسته طريقة إدارة بروكسل للأزمة الخليجية. وهو الأمر الذي قد يدفع دول الاتحاد إلى اتخاذ مجموعة متنوعة من الإستراتيجيات تجاه الولايات المتحدة والانتقال من المسايرة Bandwagoning إلى التوازن Balancing في مناطق تتضمن تهديدًا حقيقيًا لمصالح الاتحاد ودوله. ويمكن تلمس بداية التغير مع إدارة الرئيس السابق باراك أوباما؛ نتيجة غياب التنسيق مع الاتحاد عسكريًا في مناطق نفوذ متضاربة للقوى الفاعلة الأوروبية. كما اعتمدت إستراتيجيات الإدارة الأميركية في عهد أوباما في شمال أفريقيا والمشرق العربي على تدخل عسكري محدود، وعلى الأطراف المنخرطة في الأزمات في حل مشاكلها ذاتيًا؛ الأمر الذي أربك قادة الاتحاد الأوروبي في مناطق جيوسياسية مهمة كسورية، وليبيا، والعراق، ما فاقم حالة الفوضى في شمال أفريقيا والمشرق العربي، وزاد حدّة التهديدات الأمنية ضد دول أوروبا، كالإرهاب، والهجرة غير القانونية.
وازداد الأمر تعقيدًا مع الرئيس دونالد ترامب؛ فقد ساهمت انتقاداته في وضع العلاقات الأوروبية - الأطلسية على المحك، عندما طالب بخفض مساهمة واشنطن في نفقات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، واصفًا هذه المنظمة بأنها قد "عفا عليها الزمن"، متهمً دولً أعضاء في الحلف بأنها لا تدفع حصتها في إطار عملية الدفاع المشتركة، وبالاتكال على الولايات المتحدة26. كما طالب الأوروبيين بالتفاهم مع روسيا المنافس التقليدي لهم في إطار حلف شمال الأطلسي. انتقد ترامب سياسات الاتحاد الأوروبي تجاه الهجرة غير القانونية، واتهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ب "ارتكابها خطأ كارثيًا يتمثل في استقبال جميع اللاجئين غير الشرعيين وجميع الناس مهما كان مأتاهم"27. كما توقع الرئيس الأميركي نجاح عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، معربًا عن رغبته في أن يوقّع سريعًا اتفاقًا تجاريًا مع لندن. وتتناقض تصريحات ترامب مع سلفه باراك أوباما الذي اعتبر سابقًا أنه إذا غادرت بريطانيا الاتحاد الأوروبي، فستجد نفسها "في آخر الصف"، قبل أن تتمكن من توقيع اتفاقيات تجارية مع الولايات المتحدة. كما برز تناقض واضح بين بروكسل وواشنطن بشأن الاتفاق النووي الإيراني الذي وسمه ترامب بأنه "أسوأ اتفاق جرى التفاوض عليه قاا على الإط"28، وردّ الاتحاد الأوروبي في اجتماع وزراء خارجيته في لوكسمبورغ في تشرين الأول/ أكتوبر 0172 بأن عدم احترام اتفاق دولي دعمه مجلس الأمن قد يكون له عواقب وخيمة على السلام الإقليمي، وقد يقوض جهود كبح الطموحات النووية لكوريا الشمالية29. ما يعني اختلافًا في الرؤى بين البيت الأبيض وبروكسل حول قضايا كانت بالأمس القريب جامعة للمعسكر الغربي؛ ما يؤسس نوعًا من الاستقلال الإستراتيجي للاتحاد، وتعزيز دوره على المستوى الدولي في التدخل في مناطق مصالحه الاقتصادية والأمنية30.
. ج الدور الروسي في أوروبا وارتباطه بالأزمة الخليجية
ترافق الخلل في العلاقة الأطلسية مع تنامي دور المنافس التقليدي لأوروبا في المنطقة، متمثّلً في الاتحاد الفدرالي الروسي. تتصف العلاقات الروسية - الأوروبية بالتعقيد؛ إذ يتداخل فيها السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فروسيا تعتبر اليوم أحد الشركاء الأساسيين في القضايا الأمنية الأوروبية، ولا يمكن الحديث عن الأمن الأوروبي من دون التطرق إلى الدور والتأثير الروسييَن في المنظومة الأمنية الأوروبية. وهو أيضًا أكبر مُصدِّر للطاقة والشريك التجاري الأكبر للاتحاد الأوروبي. وعلى الجانب الآخر، فإن الاتحاد الأوروبي هو أكبر مستهلك للطاقة الروسية، وتقيم معه دوله علاقات تجارية مهمة. ويتجه الاتحاد الأوروبي اليوم إلى تنويع مصادر الطاقة كالاعتماد على الطاقة الشمسية الحرارية والشمسية الكهروضوئية والطاقة المائية وطاقة الرياح والطاقة الحرارية الأرضية، والتقليل من الاعتماد على الغاز الروسي من خلال الاعتماد على السوق الخليجية للطاقة، خاصة مع تفجر الأزمات في جورجيا وأوكرانيا. فقد ازدادت مخاوف دول الاتحاد من احتمال توقف إمدادات الطاقة، واستثمار موسكو ذلك ورقة ضغط سياسية على الاتحاد. هذا فضلً عن الاضطرابات القائمة في دول شمال أفريقيا، خاصة ليبيا التي تعتبر مصدرًا مهمً للطاقة لعدد من دول الاتحاد الأوروبي وعلى رأسها إيطاليا، وكذا الاضطرابات في المشرق العربي التي تهدد خطوط الطاقة وطرق وصولها إلى أوروبا31. وقد دفعت هذه المخاوف والهواجس صانع القرار في الاتحاد الأوروبي، في شباط/ فبراير 0152، إلى إعداد إستراتيجية جديدة تهدف إلى إقامة اتحاد أوروبي للطاقة يعمل على مواجهة التبعية، وضمان الإمدادات واستدامتها، وتوفير القدرة التنافسية في مجال الطاقة للمؤسسات الأوروبية. وبناء عليه، فإن الموقف الأوروبي الداعم لمسألة حل الأزمة بالطرق الدبلوماسية يأتي في إطار إستراتيجيته لتنويع مصادر الطاقة، وعدم الاعتماد كليًّا على الطاقة القادمة من روسيا من ناحية، والحفاظ على الأمن والاستقرار في منطقة الخليج التي تمثّل مصدرًا مهمً للطاقة الأوروبية، وفي إطار التنافس على مناطق النفوذ من ناحية أخرى خاصة بعد تنامي الدور الروسي في سورية، ودخول موسكو على خط الأزمة الليبية بدعمها الجنرال خليفة حفتر. هذا فضلً عن التنسيق
مع تركيا أيضًا على ترتيبات أمنية في سورية في قمة سوشي، ما يؤشر إلى تحولات وتغيرات جوهرية في طبيعة التحالفات الإقليمية التي تضع الاتحاد الأوروبي في مفترق طرق.
لقد تشكّلت لدى بروكسل رؤية لحل الأزمة الخليجية، معتمدة على الأخذ بمقاربة متعددة الأطراف في معالجة الأزمات والقضايا الشائكة التي تهدد الأمن الدولي، وهو ما جاء في بيانات عديدة تؤكد دعم الاتحاد الأوروبي مبادرة أمير الكويت لحل الأزمة32 في إطار الأمن الجماعي، خاصة أن أمن الخليج لم يعد أمن نظمه السياسية فحسب وإنما أمن نفطه، وهو من القضايا التي لا بد أن يوضع لها ترتيبات أمنية جديدة يضطلع الاتحاد الأوروبي بدور أساسي في صياغتها، ورفض النظرة الأحادية الجانب، القائمة على الانحياز إلى موقف البيت الأبيض والرئيس ترامب والبيت الأبيض منها، أو حتى إلى مجموعة الدول المقاطعة لدولة قطر، رغم أن حجم التبادل التجاري يصبّ في مصلحة الدول المقاطعة. وبناء عليه، يعمل الاتحاد الأوروبي ضمن إطار مؤسساته على معالجة الأزمة الخليجية بالدعوة إلى الحوار واعتماد الأدوات الدبلوماسية، بعيدًا عن التصعيد الذي يؤدي إلى مزيد من الفوضى في المنطقة، وأن يتم التوصل إلى إطار أمني فعَّال للمنطقة كالآتي: إيران صديقة، وخليج مستقر، والحفاظ على أمن الطاقة من ناحيتي الإنتاج والأسعار. لكن الجدير بالذكر أن استقلالية الاتحاد الأوروبي ومؤسساته تظل متوقفة على مصالح الدول الأساسية فيه الأقوى والأوسع نفوذًا، وهي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا. وموقف بروكسل من الأزمة الخليجية اختبار إستراتيجي لتلك الدول على نحو يضمن تأثيرها بطرائق قانونية، ويعزز صورة الاتحاد الأوروبي، فاعلً مستقلً ومحايدًا، ظاهريًا على الأقل، في النظام الدولي؛ أي إن الدول القوية قد تسمح بدرجة محدودة من استقلالية الاتحاد، وذلك في إطار إستراتيجية ناجحة للحدِّ من ضغوط العلاقات في صورتها الثنائية أو حتى الجماعية الموقتة، مثلً كالعلاقات الألمانية - السعودية، والفرنسية - الإماراتية، أو علاقات دول الحصار ببريطانيا.
تحليل سلوك القوى الفاعلة في أوروبا (ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا) من الأزمة الخليجية
. أ ألمانيا
بدا الموقف الألماني من الأزمة منذ اندلاعها صريحًا وواضحًا؛ إذ طالب وزير الخارجية الألماني غابرييل زيغمار بضرورة رفع الحصار المفروض على قطر؛ لأنه يضرّ بجهود محاربة الإرهاب. وقد جاء الموقف الألماني من الأزمة في جزء منه ردَّة فعل على سياسات الرئيس الأميركي ترامب في منطقة الخليج وتجاه الاتحاد الأوروبي. وتحاول ألمانيا القيام بدور أشد فاعلية دوليًا من خلال البوابة الأوروبية خاصة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. واتضح ذلك الميل في السلوك الألماني نتيجة المواقف الرسمية الألمانية من قضايا المنطقة؛ كالملف النووي الإيراني والأزمة السورية والأزمة الليبية. وقد عزز ذلك تصريحات زيغمار لجريدة "هاندلسبلات" الألمانية تعليقًا على الأزمة الخليجية؛ إذ قال: "إن انتهاج مثل هذا الأسلوب 'الترامبي' في التعامل مع قطر، يشكل خطورةً كبيرةً جدًا في منطقة هي في الأساس مشحونة بالأزمات"33. إن الاستمرار في التصعيد ليس في مصلحة أحد. ما يعني أن الافتراق الألماني - الأميركي مرة أخرى بعد غزو العراق واحتلاله عام 0032 محددٌ مهمٌ في فهم الموقف الألماني من الأزمة الخليجية، ومحاولة الدبلوماسية الألمانية رسم ملامح سياسة أوروبية مشتركة تجاه منطقة الخليج مختلفة عن السياسة الأوروبية التي تتوجه للمنطقة العربية عامة. ولكن، لم تطور ألمانيا إستراتيجية ذات أبعاد دولية لسياستها الخارجية، على خلاف فرنسا وبريطانيا؛ ذلك أن النفوذ الدولي المتنامي لألمانيا، هو إلى حدٍ ما ليس نتيجة طموحاتها القومية، لكنه نتيجة نجاحاتها الكبيرة قوةًاقتصادية عالمية إلى جانب تفوقها في الصادرات؛ فهي قوة اقتصادية تؤدي دورًا مؤثرًا في الساحتين الأوروبية والدولية. ومن ثمّ فإن ضمان بيئة إقليمية ودولية ملائمة لمواصلة رحلة النجاح في
القطاع الاقتصادي محدد مهم في السياسة الخارجية الألمانية. وهو ما يفسر اهتمام ألمانيا الخاص بالاستقرار، مقارنة بعديد الأهداف الأخرى للسياسة الخارجية.
لقد تميزت علاقات برلين بدول الخليج العربي ببعدها التجاري، حتى أن زيارة المسؤولين الألمان تأتي لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين دول الخليج وألمانيا، ومن ثمّ فإن النهج الألماني في التعامل مع منطقة الخليج العربي لا يختلف كثيرًا عن نهج الاتحاد الأوروبي، على عكس بريطانيا وفرنسا اللتين تحتفظان بشبكة ضيقة من العلاقات بدول الخليج العربي في مجالات السياسة والأمن والدفاع. وإذا كان التبادل التجاري في طليعة العلاقات الألمانية - الخليجية، فإن أهمية المصالح التجارية الألمانية مع هذه الدول يجب ألّ يبالغ فيها. في هذا السياق، تستقبل ألمانيا حصة بسيطة من النفط ومشتقاته من منطقة الخليج العربي لا تتجاوز 4 في المئة من احتياجاتها. ولم تكن يومًا قلقة من قطع إمدادات النفط عنها من هذه المنطقة34، لكن قلق ألمانيا نابع من الاستقرار في إنتاج النفط، واستقرار أسعاره عالميًا. وزيادة الإنتاج في منطقة الخليج تساعد في دفع عجلة الاقتصاد الألماني المعتمد أساسًا على الطاقة، وتشجع الدول المنتجة للنفط على الاعتماد على الصناعات الألمانية والخدمات التي تقدمها الشركات الألمانية. لا يوجد في الدبلوماسية الألمانية مفهوم "سياسة خليجية"، وتندرج العلاقة مع الخليج جزءًا أساسيًا من سياسة ألمانيا تجاه المنطقة كلها. وتقوم سياسة برلين الجديدة على نهج وظيفي مؤسساتي في المنطقة، من خلال الدفع بحل المشكلات بطرق سلمية تضمن استمرار مصالحها في المنطقة، عبر الإصلاح السياسي والاقتصادي ومحاربة الإرهاب والاعتماد على الحوار والتعاون للتقليل من الصراعات. واليوم يدور حوار معمق لدى الساسة الألمان حول ضرورة بناء سياسة أوروبية دفاعية وأمنية في منطقة الخليج العربي تديرها مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وألا يقتصر الموضوع على مكتب وزارة الخارجية الألمانية، بل يتعداها إلى مجموعة من الأفكار والرؤى لتوسيع دائرة اهتمام ألمانيا بمنطقة الشرق الأوسط عامة ومنطقة الخليج خاصة، وتضع مصالح ألمانيا ومساهماتها المحتملة ضمن السياق الأوروبي مع تأكيد العلاقات الثنائية.
. ب فرنسا
إن أي محاولة لتحليل السياسة الخارجية الفرنسية واتجاهاتها تجاه المنطقة العربية لا يمكن أن تتم بمعزل عن التصور الديغولي لمكانة فرنسا ودورها العالمييَن. فقد احتل الوطن العربي مكانة مهمة في السياسة الخارجية الفرنسية التي أرسى دعائمها الجنرال شارل ديغول بعد الحرب العالمية الثانية، عندما لمس الأهمية المركزية لهذه المنطقة في النظام الدولي. وسار خلفاؤه على النهج ذاته، وأصبح الاهتمام بالمنطقة العربية عامة، ومنطقة الخليج خاصة، توجهًا أساسيًا في الدبلوماسية الفرنسية35. لقد اتسمت العلاقات الخليجية - الفرنسية منذ سنوات بالاستقرار؛ ذلك أنها ترتبط مع دول مجلس التعاون بعلاقات سياسية ودفاعية وأمنية، إلى جانب التعاون الاقتصادي، فضلً عن مساعي فرنسا، بوصفها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن وقوة نووية، للتأثير في تطورات الأحداث الإستراتيجية في منطقة الخليج. لقد وصلت العلاقات بين الجانبين إلى مستوى عالٍ من الفاعلية، وأخذت ترتكز على التواصل السياسي، والشراكة الاقتصادية، والتعهدات الفرنسية في الأمن والدفاع. ففي أيار/ مايو 0092، افتتح الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي قاعدة عسكرية في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي القاعدة العسكرية الفرنسية الأولى في منطقة الخليج. أما على الصعيد السياسي، فتنظر فرنسا إلى دول الخليج على أنها شريك وطرف رئيس في أي حوار يتعلق بقضايا المنطقة العربية وأزماتها. ولهذا فقد تكثفت جولات الحوار السياسي على المستويات كافة؛ ففي أيار/ مايو 0152، حضر الرئيس السابق فرانسوا هولاند قمة مجلس التعاون، بصفته أول زعيم غربي يحضر القمة ضيف شرف، وهو العام نفسه الذي وقّع فيه عدد من دول الخليج صفقات أسلحة مع باريس36.
ومع اندلاع الأزمة الخليجية، دعت فرنسا إلى حل الخلاف الخليجي بالحوار؛ إذ أيد الرئيس ماكرون كلّ المبادرات الداعمة لتعزيز التهدئة، وأبدى بيانٌ صادر عن الرئاسة الفرنسية عزم فرنسا القيام بمساعٍ وجهود من خلال التشاور مع الدول الصديقة لإيجاد حل للأزمة37. أعقب ذلك حراك مسؤول الدبلوماسية الفرنسية الوزير جان إيف لودريان Drian Le Jean-Yves، بتاريخ 15 تموز/ يوليو 0172، بزيارة للسعودية في إطار جولة خليجية شملت الكويت والإمارات وقطر لحل الأزمة الخليجية، لدعم جهود الوساطة الكويتية، مع تأكيده ضرورة مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه والتصدي للفكر المتطرف38. كما أعلنت الخارجية الفرنسية عن تعيين سفيرها السابق لدى السعودية، برتران بوزانسونو Besancenot Bertrand، مبعوثًا خاصًا لها في منطقة الخليج العربي، لبحث سبل مساهمة باريس في حل الأزمة الخليجية. وبوزانسونو الذي سبق أن عُيّ سفيرًا لبلاده لدى السعودية وقطر مطّلعٌ على قضايا منطقة الخليج العربي، كما تربطه علاقات بالمسؤولين في البلدين39. يمكن فهم الموقف الفرنسي من الأزمة الخليجية من بوابة المصالح الاقتصادية؛ فقد زاد إجمالي الصادرات الفرنسية لدول المجلس بنسبة 17 في المئة عام 0152، ليصل إلى 18 مليار يورو40، وكذلك الحاجة إلى الطاقة؛ فالمملكة العربية السعودية تعد ثالث أكبر مصدري النفط إلى فرنسا، في حين تحتل سلطنة عمُان المرتبة الثانية على قائمة مصدّري الغاز إليها؛ ما يدعو فرنسا إلى التركيز على أمن منطقة الخليج واستقرارها، بغرض الحفاظ على ديمومة مصادر الإمدادات الحيوية الآتية إليها41. ومن بوابة التحديات الإستراتيجية التي تواجه الدور الفرنسي على المستوى الدولي، أعدت وزراة الدفاع بعد خمسة أشهر من رئاسة إيمانويل ماكرون "التقرير الإستراتيجي حول الدفاع والأمن الوطني "للتصدي للتحديات الأشد إلحاحًا مع الحفاظ على رؤية واضحة للاتجاهات الجيوسياسية والتكنولوجية الطويلة الأجل42. يمثّل التحول الإستراتيجي في سياسات فرنسا في منطقة الخليج العربي جزءًا من مراجعة شاملة، تطلبها الفكر الإستراتيجي الفرنسي المتجدد لمجمل السياسات العسكرية والأمنية في الخارج، ولا سيما أن فرنسا تسعى نحو التسيد والعالمية، وتعود الطموحات الفرنسية إلى الحقبة الديغولية؛ ذلك أن فترة الحرب الباردة كانت تقيد الدور الفرنسي في السياسة الدولية. لذا تحاول فرنسا بعد الحرب الباردة الخروج من عباءة الولايات المتحدة الأمنية والدفاعية، من خلال خلق نظام أمني ودفاعي أوروبي مستقل عن ضغوط واشنطن؛ وهو ما عبّ عنه وزير الخارجية الأسبق هوبير فيدرين Hubert Védrine عندما دعا إلى ضرورة العمل على تعزيز دور أوروبا موحدة بصفته أفضل رد على تحديات العولمة وهيمنة قوة عظمى واحدة في النظام الدولي ممثلة بالولايات المتحدة43. ويحاول الرئيس إيمانويل ماكرون المؤيد لأوروبا موحدة وقوية تجديد الطموحات الفرنسية، ببناء سياسة خارجية أوروبية مستقلة عن الولايات المتحدة بالتعاون مع ألمانيا؛ ما يعني تقاربًا في توجهات السياسة الخارجية لقطبي الرحى في الاتحاد الأوروبي حول عديد القضايا، وعلى رأسها الأزمة الخليجية. ذلك أن الموقف الفرنسي يركز على حل الأزمة بطرق دبلوماسية، من دون الانحياز إلى أي طرف من أطرافها، مع الأخذ في الاعتبار مصالحه الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية.
. ج بريطانيا
ترتبط بريطانيا تاريخيًا بسلسلة من العلاقات مع الدول العربية، وفي مقدمتها دول الخليج العربي؛ فقد كان لها الدور الأساسي في رسم الخرائط السياسية للمنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، كما استمر نفوذها وتأثيرها بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة شبكة المصالح الاقتصادية والسياسية في منطقة الخليج العربي. وتسعى بريطانيا لحماية مصالحها وفق رؤية جديدة، خاصة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي؛ الأمر الذي سيحمل تغيرات ذات طابع سياسي واقتصادي، سواء في بريطانيا أو في دول الاتحاد الأوروبي؛ ما يضع السياسة الخارجية البريطانية أمام تحدٍ حقيقي في التعامل مع أزمة في منطقة نفوذ حقيقي لها. لا يختلف الموقف الرسمي البريطاني تجاه الأزمة الخليجية عن موقف ألمانيا وفرنسا، من حيث الدعوة إلى حل الأزمة بالطرق الدبلوماسية واعتماد لغة الحوار. وقد دعت رئيسة الوزراء
البريطانية تيريزا ماي كل أطراف الأزمة الخليجية إلى العمل على "تهدئة الوضع، والالتزام بالحوار وإعادة وحدة مجلس التعاون في أقرب فرصة ممكنة"44. ويحكم الموقف البريطاني مجموعة من العوامل، أهمها: ضمان إمدادات الطاقة؛ إذ تعتمد بريطانيا أساسًا على واردات الطاقة، نظرًا إلى انخفاض الثروة النفطية والغاز في بحر الشمال، وتستورد بريطانيا نحو ثلث احتياجاتها من الغاز من دولة قطر، أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد نشرت ديفيد كاميرون في تشرين الثاني/ نوفمبر حكومة 0122 إستراتيجيتها المرتبطة بموضوع الطاقة وضرورة توجيه السياسة الخارجية البريطانية نحو مصادر الطاقة. وفي عام 0322، ستكون مصادر بريطانيا من الطاقة خارجية كلها؛ ما يعزز حرصها على حماية مصالحها في منطقة الخليج العربي، والحفاظ على أمنها واستقرارها45. كانت بريطانيا مكتفية ذاتيًا من الغاز من بحر الشمال حتى عام 0042، ولكن تراجع الإنتاج المحلي قادها إلى الاعتماد على ما نسبته 60 في المئة من احتياجاتها من الغاز المسال. وتشير البيانات الصادرة عن الشبكة الوطنية Grid National، التي تدير شبكات الطاقة البريطانية وخطوطها، إلى أن اعتماد بريطانيا على واردات الطاقة قد يصل إلى 93 في المئة بحلول عام 2040 46. وهذا يعني أن أمن الطاقة وإمدادها من منطقة الخليج هدف إستراتيجي من أهداف السياسة الخارجية البريطانية، بغرض الحصول على الطاقة من ناحية، والحد من الاعتماد على الغاز الروسي من ناحية أخرى. استعادة الوجود العسكري في الخليج العربي؛ ذلك أن أمن إمدادات الطاقة واستقرار أسعارها يتطلب بالضرورة تأسيس وجود عسكري إستراتيجي دائم لها في منطقة الخليج العربي. فقد تراجعت بريطانيا عن القرار الذي أعلنه هارولد ويلسون Harold Wilson رئيس الحكومة البريطانية في 16 كانون الثاني/ يناير 1968 في مجلس العموم البريطاني، والقاضي بسحب القوات البريطانية من الخليج العربي مع نهاية عام 1971 47، عندما افتتحت في تشرين الثاني/ نوفمبر 0162 قاعدة بحرية بريطانية في البحرين. كما يوجد قوات جوية بريطانية عاملة في قاعدة المنهاد الجوية في دولة الإمارات، إضافة إلى التعاون الأمني والعسكري مع السعودية وقطر والكويت وسلطنة عمُان. وشكّلت بريطانيا فريقًا للعمل المشترك مع مجلس التعاون بشأن مكافحة الإرهاب وأمن الحدود، وتعزيز التعاون الأمني في مجال مكافحة تمويل الإرهاب48، إضافة إلى مكافحة الهجرة غير القانونية. كما مثّل التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا وجورجيا وسورية، ودعم العقيد خليفة حفتر في ليبيا، تهديدًا حقيقيًا تضمنته وثيقة الأمن القومي الصادرة عن الحكومة البريطانية في تشرين الثاني/ نوفمبر 015.2 ورأت بريطانيا أنها ملتزمة بمواجهة الخطر الروسي من خلال حلف الناتو49. ضمان المصالح الاقتصادية؛ إذ تسعى بريطانيا لتعويض خسائرها الاقتصادية، جراء خروجها من الاتحاد الأوروبي، عبر عقد عدة اتفاقيات تجارية ثنائية. فهي تُعدّ واحدة من أكبر المستثمرين في المنطقة، ودول الخليج ثاني أكبر مستورد غير أوروبي للبضائع والخدمات البريطانية، وتبلغ قيمة الاستثمارات الخليجية في بريطانيا نحو 150 مليار جنيه إسترليني، في حين بلغت قيمة التجارة البريطانية مع دول الخليج نحو 30 مليار جنيه إسترليني عام 0162، وهو الأعلى من صادراتها إلى الصين وأكبر من ضعف صادرات بريطانيا إلى الهند50. وبناء عليه، تدفع بريطانيا في اتجاه تسوية الأزمة الخليجية بالطرق السلمية والدبلوماسية، وبما يخدم مصالحها في المنطقة، خاصة أنها تقترب بعد "البريكست" من تأسيس سياسة أمنية ودفاعية معقولة ومنطقية تجاه مناطق نفوذها الحيوية، لا سيما في منطقة الخليج العربي ذات الأهمية الإستراتيجية.
الخاتمة
سعى الاتحاد الأوروبي في إطار مؤسساته لتعزيز جهوده الدبلوماسية من أجل حل الأزمة الخليجية، وعدم توسيع دائرتها بما يضر بمصالح دوله السياسية والاقتصادية والأمنية في منطقة ذات أهمية جيوسياسية؛ فأغلب دول الاتحاد الأوروبي ترتبط باتفاقيات عديدة أوجدت حالة من الاعتماد المتبادل بينهما، وأي تهديد لاستقرار منطقة الخليج سيؤثر في اقتصاد الاتحاد. فقد تعاملت بروكسل مع الأزمة الخليجية، وفق محددات جديدة في سياستها الخارجية تجاه منطقة الخليج؛ وهي: إيران صديقة، وخليج مستقر، والحفاظ على أمن الطاقة فيما يتعلق بالإنتاج والأسعار.
وعلى الرغم من استقلالية الاتحاد الأوروبي ومؤسساته، فإنها تظل متوقفة على مصالح الدول الأساسية فيه والأقوى، وهي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا. ويعد موقف بروكسل من الأزمة بمنزلة اختبار إستراتيجي لتلك الدول على نحو يضمن تأثيرها بطرائق قانونية، ويعزز صورة الاتحاد الأوروبي فاعلً مستقلً ومحايدًا، ظاهريًا على الأقل، في النظام الدولي. أي إن الدول القوية قد تسمح بدرجة محدودة من استقلالية الاتحاد، وذلك بصفتها إستراتيجية ناجحة للحدِّ من ضغوط العلاقات في صورتها الثنائية أو حتى الجماعية الموقتة. إن الاتحاد الأوروبي يبقى من البنية الداخلية كانطيًا Kantian من خلال عمليات التكامل Integration، التي قد تخفف آثار الفوضى على المستوى الداخلي ضمن القارة الأوروبية، إلا أنه سيبقى هوبزيًا Hobbesian في سلوكه في بنية النظام الدولي. وبناء عليه، من الضروري التدخل بعقلانية لحماية مصالحه والحفاظ عليها في مناطق جيوسياسية، ومنها منطقة الخليج العربي التي تعتبر منطقة نفوذ أميركية. وبالطبع، هذا لا يعني أن الاتحاد الأوروبي يسعى لمنافسة الولايات المتحدة، لكن موقفه من الأزمة الخليجية قد يؤسس سياسة خارجية فرعية أوروبية تجاه منطقة الخليج، بعد أن كانت العلاقات الأوروبية - الخليجية محكومة بمسارات الحوار العربي - الأوروبي. لقد نضجت في بروكسل رؤية أوروبية لحل الأزمة الخليجية معتمدة على الأخذ بمقاربة متعددة الأطراف، في معالجة الأزمات والقضايا الشائكة التي تهدد الأمن الدولي، وهو ما جاء في بيانات عديدة تؤكد دعم الاتحاد الأوروبي مبادرة أمير الكويت لحل الأزمة في إطار الأمن الجماعي، خاصة أن أمن الخليج لم يعد أمن نظمه السياسية فحسب، وإنما أمن نفطه، وهو من القضايا التي لا بد أن يوضع لها ترتيبات أمنية جديدة يكون للاتحاد الأوروبي دور أساسي في صياغتها، ورفض النظرة الأحادية الجانب، القائمة على الانحياز إلى موقف البيت الأبيض والرئيس دونالد ترامب منها، أو حتى إلى مجموعة دول الحصار، رغم أن حجم التبادل التجاري يصبّ في مصلحتها، وإنما من خلال تناول المسببات وجذورها السياسية والاجتماعية والاقتصادية وتداعياتها على الإقليم بكامله، وخاصة أن السنوات الماضية بعد غزو العراق عام 0032 قد كشفت كل الترتيبات التي انفردت بها قوة مهيمنة هي الولايات المتحدة، والتي ترتب عليها هشاشة الوضع الأمني، واتساع دائرة عدم الاستقرار في المنطقة، وتفاقم التهديد الإرهابي.
المراجع
العربية
الجميلي، صدام. الاتحاد الأوروبي ودوره في النظام العالمي الجديد. بيروت: دار المنهل اللبناني،.2009 الحسان، بوقنطار. السياسة الخارجية الفرنسية إزاء الوطن العربي منذ عام 1967. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1987 حسين، أحمد قاسم. "العلاقات الأوروبية الروسية في مجال الطاقة: ضغوط سياسات عربية. العدد التعاون وصراع المصالح." 32 (تموز/ يوليو.)2017 خضر، بشارة. أوروبا وبلدان الخليج العربية الشركاء الأباعد. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1995 ________. أوروبا والعالم العربي: رؤية نقدية للسياسات الأوروبية من 1957 إلى 2014. الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات،.2016 ________. أوروبا والوطن العربي، القرابة والجوار. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1993:. في https://goo.gl/DLVpFA
رمزي، سمير. "التحولات الواقعية للدور البريطاني في منطقة الشرق الأوسط بعد بريكست." مركز البديل للتخطيط والدراسات الإستراتيجية. 017/2/20:.2 في https://goo.gl/Q79b9U سالاكانين، ستاسا. "اتجاهات السياسة الخارجية الأوروبية في مقاربة الأزمة الخليجية." تقارير. مركز الجزيرة للدراسات. 017/9/4.2 في: https://goo.gl/sRmk5w العجمي، ظافر محمد. أمن الخليج العربي تطوّره وإشكالياته من منظور العلاقات الإقليمية والدولية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2006 المفوضية الأوروبية، الإدارة العامة للتجارة. "الاتحاد الأوروبي تجارة البضائع مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية." تقارير إحصائية. 017/11/16 في https://goo.gl/HDRPTf:2. "المواقف الدولية بشأن الأزمة في الخليج: إجماع دولي على الحل السلمي وتضارب مواقف الإدارة الأميركية." تقدير موقف. العربي للأبحاث ودراسة السياسات المركز. 2. 017/6/15 في: https://goo.gl/qGe2J2 هلال، علي الدين وجميل مطر. النظام الإقليمي العربي، دراسة في العلاقات السياسية العربية. كتب عربية. كوم، ط 5. في: https://goo.gl/55DQoX
الأجنبية
Aggestam, L. A European Foreign Policy? Role Conceptions and the Politics of Identity in Britain, France and Germany. Stockholm: Department of Political Science, 2004. Baabood, A. & G. Edwards. "Reinforcing Ambivalence: The Interaction of Gulf States and the European Union." European Foreign Affairs Review. vol. 4. no. 12 (2007(. "Crise dans le Golfe: le président français Emmanuel Macron appelle à "l'unité" et à "l'apaisement"." Les Nouvelles Calédoniennes. 7/6/2017. at: https://goo.gl/ Kqu1Sb "EU-GCC Cooperation Agreement." European Union, at: http://bit.ly/2DCGVgO Orsello, Gian Pierro. L'Unione Europea. Roma: Newton & Compton editor, 2003. "Remarks by the High Representative/Vice-President Federica Mogherini at the doorstep following her meeting with the Foreign Minister of Qatar, Sheikh Mohammed bin Abdulrahman Al-Thani." European Union, External Action, 92017/6/, at: http://bit.ly/2DgQEfK Sato, Shohei. "Britain's Decision to Withdraw from the Persian Gulf, 1964–68: A Pattern and a Puzzle." Journal of Imperial and Commonwealth History. vol. 37. no. 1 (March 2009). Waltz, Kenneth. "Structural Realism after the Cold War." International Security. vol. 25. no. 1 (Summer 2000).