الدولة العميقة: المفهوم الناشئ في علم السياسة المقارن
الملخّص
برز خلال العقدين الماضيين مفهوم جديد في النقاش حول الأنظمة الاستبدادية والمضادة لليبرالية، وهو مفهوم "الدولة العميقة." وعلى الرغم من استخدامه المتزايد، بقي هذا المفهوم محدودًا بسبب افتقاره إلى الوضوح. تحاول هذه الدراسة *** تحديد هذا المفهوم، فتبدأ الحديث بتفصيل عن المصطلح من خ لاا مناقشة العناصر التي تُعَ د من صلب المفهوم، وتلك التي ليست كذلك. ثم تحاول ربط هذا المفهوم بعدد من المفاهيم الأخرى في السياسة المقارنة، ومعالجة السياقات التي يمكن أن تنشأ عنها الدولة العميقة. وتُلقي نظرة على حالات الدولة العميقة في تركيا وباكستان وإيران. وأخيرًا، تناقش الدراسة التحوّل السياسي والدولة العميقة، وكيف يمكن أن تتجلى هذه الدولة عقبة أمام التحول الديمقراطي. كلمات مفتاحية: الدولة العميقة، السياسة المقارنة، تركيا، باكستان، إيران. This paper is an attempt to delineate the concept of the deep state and assess its value in understanding aspects of authoritarian and illiberal politics. Driven politically by a logic of tutelage and exercising a high degree of autonomy, the deep state justifies itself through the need to defend the nation against purported existential threats. The paper began by expanding on the term, discussing which elements are central to the concept of the deep state and which are not. Secondly, it related the deep state to a number of other concepts in comparative politics. The paper then briefly considers these elements to address the contexts in which a deep state may emerge before looking at cases of deep states in Turkey, Pakistan, and Iran. Keywords: Deep State, Comparative Politics, Turkey, Iran, Pakistan.
The Deep State: An Emerging Concept in Comparative Politics
مقدمة
لوحظ خلال العقدين الماضيين بروز مصطلح جديد في النقاش حول الأنظمة الاستبدادية والمضادة لليبرالية، وهو "الدولة العميقة." يستمد هذا المفهوم جذوره من السياسة التركية؛ إذ يُربَط غالبًا بالتطورات التي عرفتها تركيا على مدى عقود من الزمن، إن لم يكن أكثر. ومع ذلك، فإن المصطلح نفسه (بالتركية "درين دفليت" Derin Devlet) لم يصبح رائجًا حتى تسعينيات القرن الماضي1. حينئذ، أصبح مفهوم الدولة العميقة مفهومًا مركزيًّا لوصف طبيعة النظام من وجهة نظر الباحثين الأتراك والمواطنين والنخب. يمكن اعتبار مفهوم الدولة العميقة محدودًا وخصوصيًّا، يعكس جوانب معينة من الدولة والنظام التركيَّيْ، لكن هذا المفهوم بدأ ينتشر في فترة قصيرة باعتباره أداة لوصف الأنظمة السياسية الأخرى في المنطقة، ولا سيما باكستان2، وإيران3، ومصر مؤخرًا4. وتؤكد محاولات هذه الدول وقف التحول الليبرالي والديمقراطي، وأثر ذلك في الأمن الإقليمي والدولي، أهمية تقصِّ مفهوم الدولة العميقة. ومع ذلك، فإن فائدة هذا المفهوم تبقى محدودة، بسبب افتقاره إلى الوضوح؛ ففي بعض النقاشات، يبدو كأنه لا يعني أكثر من نظام عسكري متصلِّب5. وتكمن هذه المشكلة في المفهوم ذاته الذي يشير إلى مجموعة خفية من الفاعلين والمؤسسات السرية المتسرِّبة داخل أجهزة الدولة الواسعة النطاق و"الظاهرة للعيان." إِضافة إلى ذلك، فإن المعنى الرائج لهذا المصطلح يدل على أنه استُحضِ ليعني عددًا من الأشياء المختلفة لأشخاص مختلفين. وغالبًا ما تكون الدولة العميقة شرحًا مختصرًا لأحداث سياسية تتحدى التفسير البسيط، لا سيما تلك المتعلقة بالعنف السياسي والصراع. ويمكن أن تتفاقم هذه المشكلة بسبب التحيز القائم على تأكيد حضور الدولة العميقة وانتشارها في كل مكان. وهكذا يصبح المفهوم مثقلً باعتقاد واسع الانتشار بين المواطنين وبعض الباحثين بأن الدولة العميقة، نتيجة لذلك، هي مؤامرة هائلة، أو حتى عالمية، تمثّل ممارساتها على المستوى الوطني جزءًا من خطة ك ىرر6. ويصعب تمييز الدولة العميقة حينما يعتمد كثير من المراقبين على تفكير قائم على اللغو. ليس هذا إنكارًا لوجود نشاط تآمري ضمن الدولة العميقة، وإنما هو تشكيك في حدود هذه الأعمال وآثارها. هذه الورقة البحثية هي محاولة لتحديد مفهوم الدولة العميقة، وتقدير قيمته في فهم بعض جوانب السياسة الاستبدادية والمضادة لليبرالية. سأبدأ بتوضيح هذا المصطلح، من خلال مناقشة العناصر التي تُعَد أساسية في صلب مفهوم الدولة العميقة، وتلك التي ليست كذلك، ثم سأربط مفهوم الدولة العميقة بعدد من المفاهيم الأخرى في علم السياسة المقارن والعلوم الاجتماعية، وسأدرس هذه العناصر باختصار، بقصد معالجة السياقات التي يمكن أن تنشأ عنها الدولة العميقة، وبعد ذلك سألقي نظرة على حالات الدولة العميقة في تركيا وباكستان وإيران، وسأختم بمناقشة التحوّل السياسي والدولة العميقة، وكيف يمكن أن تتجلى هذه الدولة العميقة عقبةً أمام التحول الديمقراطي.
أولا: تعريف الدولة العميقة
تكمن المشكلة الأساسية في تحليل الدولة العميقة، في كون المفهوم فضفاضًا جدًّا. وكما أشرنا، فإن هذا المصطلح يُستخدَم في كثير من الحالات بطريقة مرتجلة تقريبًا لوصف النشاطات السياسية غير الشفافة، والعلاقات غير المحدَّدة بطريقة بيروقراطية معقلنة. هذه عوامل أساسية، لكنها لم تتبلور بما يكفي، ولذا فهي لا تسمح بالتمييز بين الأسباب والنتائج. والمشكلة الثانية هي أنه، في تلك المحاولات القليلة للغاية لوضع تصور للدولة العميقة، تركَّز العمل حصرًا على دراسة حالات فردية، على نحو يصعِّب بناء تعميمات صالحة للتطبيق في الدراسات المقارنة7. وهكذا فمن المهم النظر إلى العناصر المشتركة في إطار المفهوم قبل أن نتمكن من المضي قُدمًا؛ فهي تتعلق بكثير من الأعراف غير الرسمية التي يُعرِّفها هلمكي وليفيتسكي بكونها تلك
"القواعد المشتركة اجتماعيًّا، غير المكتوبة عادةً، التي تم إنشاؤها، وتبليغها وتطبيقها خارج القنوات الرسمية"8.
11 استقلالية الجهاز الأمني وانفصاله
تشمل الدولة العميقة الأجهزةَ الأمنية التي تشتغل ضمن نطاق يتخطَّى النخب غير العسكرية داخل الدولة وخارجها. وأنا أستخدم مصطلح "الأجهزة الأمنية" هنا بدلً من القوات المسلحة للتنبيه إلى أمرين مهمَيّن: يتمثل الأول في أن الدولة العميقة لا تقتصر على مكونات الجيش أو الشبكات المتصلة به، ولكنها تشمل مؤسسات أخرى أيضًا لا تخضع لسلطة المؤسسة العسكرية رسميًّا (مثل الشرطة، والدَّرَك، وهيئات الاستخبارات الداخلية والخارجية)؛ ويتمثل الثاني في غياب سلطة واضحة في كثير من الأحيان، نتيجة وجود هيئات شبه عسكرية خاصة وملحقة، وميليشيات تشتغل خارج سلطة القضاء، ولا تملك الدولة سوى قليل من السيطرة عليها. وبينما تعمل القوات المسلحة بطريقة مهنية، فإن الأجهزة الأمنية الواسعة هي أكثر تشتتًا، وتتحكم فيها، أو قد تستولي عليها، مصالح مختلفة. وقد تعمل هذه العناصر بقدر كبير من أجل مصالحها الخاصة. ويمكن أن تمتد حدود الأجهزة الأمنية إلى الجماعات السياسية المسلحة، والأمن الخاص، والمنظمات الإجرامية. وقد قدَّم بيتر جيل9 تمييزًا مماثلً، سمّه "الدولة الأمنية المستقلة" التي تتسم بأنها "تفتقر إلى غياب المراقبة الخارجية[...] وتُحَدَّد أهدافها من جانب المسؤولين داخل الوكالة [الاستخباراتية] التي قد لا تتفق أهدافها مع أهداف النخبة السياسية." يبدو مفهوم جيل عن الدولة الأمنية المستقلة، باعتبارها "دولة داخل الدولة"، قريبًا من مناقشتنا لمفهوم "الدولة العميقة"، ولكن هناك اختلافات مهمة؛ فمفهوم الدولة الأمنية المستقلة يبُرز الاستقلالية، ولكنه يؤكد الترابط المؤسسي أيضًا؛ فخطوط القيادة والسيطرة، وإن كانت غائبة على مستوى الممارسة العملية، توجد على الورق. في المقابل، فإن الخطوط الفاصلة في الدولة العميقة بين القوات المسلحة، والميليشيات، والأمن الداخلي، والاستخبارات الأجنبية، والشرطة، والجريمة تبقى مبهمة، حتى في نظر المشاركين أنفسهم. وربما يسهم التشرذم داخل الجيش من ناحية أخرى في هذا التعتيم. ولذا، فالأجهزة الأمنية هي في الوقت نفسه شديدة الاستقلالية (عموديًّا، في علاقتها بالركائز الأخرى للدولة)، ومشتتة للغاية (أفقيًّا، في علاقة الفاعلين ضمن الدولة العميقة بالآخرين، وفي علاقة الدولة العميقة بالقوات المسلحة، ووزارتَ الدفاع والداخلية.)
لا يعني هذا الانفصال أنه لا يوجد جيش محترف. على العكس من ذلك، فإن وجود قوة مسلحة محترفة، ومسيَّسة، يمكن أن يؤدي إلى رغبة الجيش في الظهور "فوق" السياسة، وبناء شرعيته باعتباره "الوسيط النزيه"، ويسعى في الوقت نفسه إلى تحقيق أهداف سياسية. ومن ثم، فالجيوش الاحترافية، أو بعض الفصائل داخلها، تراهن على تشكيل الدولة العميقة للقيام بنشاطات سياسية بدلً منها.
22 الوصاية
ناقشنا حتى الآن بعض الصفات التنظيمية للدولة العميقة، ولكننا لم نتحدث بَعدُ عن منطقها الداخلي. قد يظهر منطق الدولة العميقة على السطح غيرَ مختلف عن كثير من أمثلة الأنظمة العسكرية التي قامت في الماضي10. ووفق هذه الرؤية، يصبح وجود الدولة العميقة واستمرارها أكثر إفادة، لأنه يتيح العمل خارج الإكراهات العادية للدولة والمراقبة الحكومية. فعلى سبيل المثال، يستطيع الأفراد داخل الدولة العميقة إيجاد فرص للإثراء الشخصي من خلال الفساد ومختلف العلاقات النفعية التي من شأنها أن تكون بخلاف ذلك مقيَّدة. هذه عوامل مهمة سنعود إليها لاحقًا، غير أن الدولة العميقة، انطلاقًا من منطق تأسيسي، تبرِّر وجودها من خلال حاجة الدولة والمجتمع إلى الوصاية. وهي تعتبر نفسها الوصي على القيم الوطنية
ضد الأعداء الداخليين والخارجيين11. وباختصار، فإن الدولة العميقة لا تثق بالضرورة بقدرة الحكومة، والدولة (وربما حتى الجيش)، أو المجتمع على الحفاظ على الوطن. وبناءً على ذلك، يستطيع الفاعلون داخل الدولة العميقة أن يِّروا مجموعة من الإجراءات التي يتخذونها ضد الحكومة والمجتمع والدولة بأنها ضرورية للدفاع عن الوطن والهوية الوطنية ضد "الخونة." ويرافق الطابع الهلامي للدولة العميقة الاعتقاد بأن أعضاءها هم القلب النابض للأمة12.
مرة أخرى، قد يبدو أن هذا لا يختلف عن النقاشات السائدة حول منطق الوصاية لكثير من الجيوش. غير أنه في تلك الصياغات، يتم تعريف الوصاية العسكرية بأنها الافتقار إلى رقابة مدنية على القوات المسلحة في ظل نظام ديمقراطي، وبعبارة أخرى، حيث يحتفظ الجيش بالحق في إطاحة القادة المنتخبين "لتصحيح مسار تدبير شؤون الدولة"13. أما في حالة الدولة العميقة، فلا ينحصر منطق الوصاية في الجيش فقط بالضرورة، ولكنه قد يشمل مجموعة واسعة من المؤسسات والعلاقات الأمنية؛ فالوصاية على الدولة والمجتمع هي علة وجود الدولة العميقة، وليست قوة احتياط. وعلاوة على ذلك، فإن منطق الوصاية ليس حاجة محتمَلة من أجل "تصحيح مسار تدبير شؤون الدولة" فقط، ولكنه ضروري لشن حرب دائمة ضد التهديدات المتصوَّرة لوجود الدولة الوطنية.
33 البارانويا والمؤامرة
يستمد منطق الوصاية جزءًا كبيرًا من مبرراته من "بارانويا الحصار"، ليس فقط بين أعضاء الدولة العميقة، ولكن في الدولة الوطنية كلها. ضمن رؤية العالم هذه، يصبح التاريخ الوطني ضحية من ضحايا عمليات النهب المستمر على أيدي القوى الأجنبية التي سبق أن قوَّضت السيادة الوطنية وهدمت المشروع الوطني. وعلاوة على ذلك، فإن هذا التهديد لا يزال قائمًا بلا انقطاع، بغض النظر عما قد يكون قائمًا من علاقات ودية بين الدولة والحكومة ونظيراتهما الأجنبية. وهكذا، على الدولة العميقة أن تظل يقظة دائمًا أكثر من أي وقت مضى، من أجل مناهضة المؤامرات الداخلية والخارجية التي تسعى لتقديم الوطن هديةً للعدو. ويمكن أن يكون الأعداء منافسين تاريخيين محدَّدين، أو قوى مهيمنة إقليمية أو عالمية، أو المؤامرات العالمية المتخيَّلة والجماعات السرية التي "تحرّك خيوط" الشؤون الدولية. يمكن هذه الرؤى أن تغذي بارانويا "الطابور الخامس" داخل البلد نفسه، وهو الذي يشمل في غالب الأحيان الأقليات الإثنية أو الدينية التي يمكن أن تتواطأ مع العدو14. تبرر هذه المخاوف قيام الدولة العميقة بأعمال تآمرية. وفي مستوى معين، يتم تبرير هذه الإجراءات بضرورة تحييد التهديدات المتصوَّرة للوطن، مثل منتقدي الأيديولوجيا الوطنية. فهؤلاء الأفراد يُعَدُّون بيادق لقوى خارجية (إن لم يكونوا محرَّكين مباشرة منها)، ومن ثم، يمكن أن يكونوا عرضة للمراقبة الداخلية، وعمليات القتل خارج نطاق القضاء. وعلى صعيد آخر، فإن النشاط التآمري من جانب الدولة العميقة ضروري أيضًا لتعزيز بارانويا الحصار والحفاظ عليها على المستوى الوطني كذلك. وهذه ليست ضرورية لتبرير الدولة العميقة أمام المجتمع بوصفها حارسه الوطني، ولكن بالأحرى لتعزيز قوة الدولة العميقة، ولتفادي أي تحديات خطرة لها. قد تكون الدولة العميقة سرية، ولكنها ليست سرًّا؛ فقوتها مستمدة في جزء منها من الشعور السائد داخل الحكومة والدولة والمجتمع بأن الدولة العميقة تتمتع بسلطة استثنائية. يتخيل الأفراد خارج الدولة العميقة "حربًا خفية" بين الدولة العميقة وخصومها، والبارانويا الناتجة من ذلك، يمكن أن تؤدي بالدولة والنخب الحكومية إلى التخلي عن مزيد من السلطات لمصلحة الدولة العميقة15.
إن كون الدولة العميقة نتيجةً وسببًا في الوقت نفسه للبارانويا ونظرية المؤامرة يجعل دراستها أمرًا صعبًا. فالبحث في موضوع الدولة العميقة، يستدرج الباحث بسرعة إلى فخ المؤامرات الكبرى؛ إذ سرعان ما تصبح العلاقات والفاعلون والأحداث مرتبطة بقوى غير مرئية، وبتواريخ خفية، وجماعات سرية وعمليات "العَلَم المزيف"16 [الاختطاف]، و"حكومة الظلال" التي هي، في أكثر صيغها تبلورًا، جزء من مؤامرة عالمية تتحكم في العلاقات الدولية، وهي القوة الدافعة وراء مجموعة من الأحداث، ومنها أحداث 11 سبتمبر17. والمؤسف أن انتشار التفكير التآمري داخل الدولة العميقة، وحتى بين كثير من الباحثين فيها ونُقّادها يؤدي إلى اللغو والمضاربة والمزايدات الغيورة التي تعوق الإلمام العلمي بالموضوع.
44 الزبونية والريع
تزاول الدولة العميقة سلطانها باستخدام القهر الذي تمارسه أو تهدِّد به، ويستمد من البارانويا ويُديمها بوصفها وسيلة لتبرير سلطانها وتضخيمه. ولكن الدولة العميقة لا تستمد وجودها من قدرتها على العنف فقط، ولكن من قدرتها على بناء علاقات زبونية مع أفراد خارج الدولة أيضًا. وتُعرَّف الزبونية بكونها علاقة غير متكافئة، تقوم على أساس المعاملة بالمثل، بحيث يوفر القائمون على السلطة خدمات وموارد متفردة وخاصة وغير قانونية للأفراد أو الجماعات مقابل الدعم السياسي18. فالطبيعة الفضفاضة للدولة العميقة تسمح بخلق علاقات نفعية مختلفة. وعلى سبيل المثال، تستطيع عناصر داخل الأجهزة الأمنية أن تبني علاقات مع الجريمة المنظمة، عبر التفاوض على موارد تجارية أو حماية، مقابل استخدام قدرتها على العنف خارج نطاق القانون عند الضرورة. ويمكن أن تكون الدولة العميقة ضالعة بعمق في السوق، وذلك باستغلال مواقعها داخل الدولة للحصول على الريع، وللقيام بمعاملات في السوق السوداء وغيرها من أشكال الإثراء الشخصي. ونظرًا إلى أن أعضاء الدولة العميقة لا يعتمدون على الآليات الانتخابية أو الدعم الشعبي لإضفاء الشرعية على هيمنتهم، فإن العلاقات الزبائنية تأخذ شكلً أكثر من "شراء الأصوات" عبر بناء علاقات خاصة مع منظمات وفاعلين خارج الدولة يمكنهم أن يوفروا لهم قوة قسرية معينة أو منافع اقتصادية. وهذا يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الانقسام داخل الدولة العميقة؛ فتتصارع العناصر المختلفة حول نصيبها من الامتيازات19. وينبغي لنا أن ننتبه إلى أن هذه الأشكال من الزبونية والريع تشتغل على نحو أكثر انفصالً عن العلاقات الاقتصادية العسكرية التقليدية، مثل المقاولات أو الأصول المملوكة مباشرة من جانب القوات المسلحة، وهي التي كانت تسمى "المشروعات التجارية العسكرية" Milbus، أو "الشركة العسكرية، المتحدة" Inc Military, 20. وباختصار، فإن الدولة العميقة تختلف عن الحكم العسكري، على الرغم من أنها قد تنتج منه في كثير من الأحيان. وعلاوة على ذلك، فإن القضاء على النظام العسكري لا يعني تلقائيًا القضاء على الدولة العميقة. وسنعود إلى هذه النقطة خصوصًا في نهاية الورقة، عندما نتعرض لموضوع العلاقة بين إرساء الديمقراطية وتحدي اقتلاع الدولة العميقة.
ثانيًا: التنبؤ بالدولة العميقة
أمّا وقد حدّدنا عددًا من العناصر الأساسية المرتبطة بالدولة العميقة، يمكننا إذًا أن نوجه اهتمامنا إلى سبب ظهور الدولة العميقة في حالات دون غيرها. وكما هي الحال مع مفاهيم العلوم الاجتماعية، فإن هناك محاذير واستثناءات وضعف الاستدلال الاستقرائي، ونحن نعمل انطلاقًا من أمثلة ظاهرة للدولة العميقة من أجل شيء أكثر تجريدًا. ومع ذلك، فهناك كثير من العناصر التي يبدو أنها مرتبطة بتشكُّل الدولة العميقة، وهي تلخص كثيرًا من العناصر التي نوقشت أعلاه، وإن يكن مع محاولة لتقديم بعض من التفسير السببي، بحيث يبرز لنا تفسيران رئيسان للدولة العميقة.
القوات المسلحة قبل الدول والمجتمعات
ليس مفاجئًا أن يكون ظهور الدولة العميقة التي تعتمد على الاستقلالية العسكرية أرجح حيثما تكون الدولة ضعيفة. ومن السيناريوهات الشائعة خلق دول جديدة من خلال الحرب والثورة وال اررع المدني أو الانفصال (أو مزيج من ذلك)، حيث تستولي الجيوش والقوات شبه العسكرية والدرَك والشرطة السياسية على السلطة، مستبقة إضفاء الطابع المؤسسي على الدولة، أو النظام، أو الأمة، أو المجتمع المدني، أو بحسب القول المأثور المنتحل الذي غالبًا ما يُنسب إلى ميرابو، لا نجد دولة وطنية بجيشها، لكن جيشًا بدولة وطنية. ونتيجة لذلك، تقدِّم القوات المسلحة نفسها على أنها ذلك الرابط بين الدولة، والنظام، والهوية الوطنية والمدنية. وحتى مع تطور هذه المؤسسات على مر الزمن؛ إذ تنمو سلطة الدولة، وتكتسب الهويات الوطنية والمدنية طابعًا مؤسسيًّا، وتصبح القوات المسلحة جيشًا محترفًا قائمًا بذاته، فإن الدولة العميقة تستمر في النظر إلى نفسها بوصفها (أو كما لو أنها) هي حلقة الوصل بين الهويات السياسية الوطنية، وترفض أن تخضع للقيود البيروقراطية في دفاعها عن هذه الهويات.
22 تصورات التهديد الوجودي والمشروع الوطني المنكر
توجد الدولة العميقة حيثما تعتقد أعداد كبيرة من أعضاء النخب أن وجود دولتها بوصفها دولة وطنية لم يُقبَل تمامًا من المجتمع الدولي، وبأنه محل تهديد. ويمكن أن يرتبط أحد مصادر هذا الخوف بوجود مساحات كبيرة من الأراضي محل نزاع دولي، خصوصًا عندما تكون هناك أقليات إثنية على طرفي الحدود ترفع مطالب انفصالية أو وحدوية. ويمكن أن يكون مصدرًا آخر لهذا الخوف خشيةُ الإمبريالية الجديدة، أو الخوف من قوة استعمارية سابقة ما زال يُنظَر إليها على أنها تسعى للسيطرة والاستعمار. وفي الوقت نفسه، قد يترافق هذان التخوفان مع تقدير للذات الوطنية يضع الدولة والأمة في منزلة قائد إقليمي أو مهيمن أحبط دورَه الأعداء الخارجيون، وحتى الحلفاء الظاهريون21. هذا المزيج من مُدرَكات التهديد الوجودي والعظمة الوطنية أو المشروع الوطني يغذي بارانويا تعلو وتتجاوز الخوف من المؤامرات والنفوذ الأجنبي المفرِط في كثير من البلدان، إن لم يكن في معظمها.
ثًالث ا: سبر أغوار الدولة العميقة
ما زالت مناقشتي للدولة العميقة عامة. أمَّا وقد انتهينا من هذا النقاش، فبإمكاننا التحوُّل إلى دراسة حالات محدَّدة طُرحت فيها فكرة الدولة العميقة، وذلك من أجل توضيح الأفكار المطروحة سابقًا. وسأبدأ أولً بتركيا، منبع هذا المصطلح كما أشرنا. بعد ذلك، سأتطرق إلى الحالتين الأخريين اللتين يشار إلى وجود الدولة العميقة فيهما، وهما باكستان، وإيران.
11 تركيا
ذكرنا أن مفهوم الدولة العميقة قَدِم من تركيا، وبرز على وجه التحديد في المناقشات السياسية للأتراك في أواخر التسعينيات من القرن الماضي. كانت فضيحة سوسورلوك التركية هي الحدث الذي ساعد على تحفيز فكرة الدولة العميقة. ففي عام 1996، أدى حادث مروري في سوسورلوك في غرب تركيا إلى نتائج مفاجئة؛ فالمصابون في السيارة كانوا على التوالي هم السائق الذي هو زعيم عشيرة كردية وعضو في البرلمان التركي آنذاك، ثم النائب السابق لرئيس شرطة إسطنبول، وأيضًا "قاتل محترف متطرف مطارَد كان يحمل أوراق هوية مزورة صادرة عن مسؤولي الدولة"22. وأثارت هذه الفضيحة تساؤلات حول حالات التواطؤ بين المسؤولين الحكوميين وقوات الأمن والاستخبارات، والعصابات الإجرامية وشبه العسكرية التي تتشارك في القتل خارج نطاق القضاء، وتمارس نشاطات أخرى غير قانونية. وعلى الرغم من عديد التحقيقات البرلمانية والقضائية التي أجريت وتم الكشف من خلالها عن اتصالات واضحة بين عناصر من قطاعات الأمن والاستخبارات والجماعات الإجرامية وشبه العسكرية، فإن كثيرًا من المدعوين للإدلاء بشهاداتهم لم يكونوا متعاونين. وفي غياب أدلة واضحة لم تكن هناك إدانات كبيرة. لقد بلورت فضيحة سوسورلوك فكرة الدولة العميقة، حتى لو ظلت حدودها ونطاق سلطتها غير واضحين. كيف ظهرت الدولة العميقة التركية؟ وكيف كانت تشتغل؟ لاحظنا أن بروز الدولة العميقة يكون أرجح في الحالات التي توجد فيها قوات مسلحة قوية إلى جانب مؤسسات أخرى ضعيفة داخل سياق من التهديد الوجودي المدرَك. تستحضر تركيا الدولة التي أُسِّست بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية كل هذه العوامل؛ فبحلول القرن التاسع عشر، لم تعد الإمبراطورية
العثمانية قادرة على تحدي الغرب على المستوى العسكري أو الاقتصادي. وفي محاولة للإحياء، عرفت الإمبراطورية مرحلة من محاولات المَرْكزة والتحديث عُرِفت باسم التنظيمات 1876-1839(.) أنجبت "التنظيمات" التي بشرت بمجموعة واسعة من الأفكار الحديثة حركاتٍ سياسيةً واجتماعيةً وإثنيةً كثيرة. وكانت من بين هذه الحركات الجديدة "جمعية الاتحاد والترقي" CUP العلمانية. وقد كانت في البداية تنظيمً تآمريًّا سِّيًّا، تولت السلطة السياسية عشية الحرب العالمية الأولى مع تجريد السلطان من آخر سلطاته المتبقية. ويُرجع بعض الباحثين الأتراك نشأة الدولة العميقة إلى جمعية الاتحاد والترقي، ولا سيما المنظمة التابعة لها المسماة "التشكيلات المحسوسة"، أو "المنظمة الخاصة" SO. وكانت هذه المنظمة تعمل ما بين عامَي 1913 و 1918 خارج الهيكل العسكري العثماني التقليدي. وغالبًا ما يُنظَر إليها على أنها سلف وكالات الاستخبارات التركية الحديثة، لكنها كانت أكثر من ذلك بكثير. لقد شاركت في الحرب غير المتماثلة، وفي إنشاء قوات غير نظامية لمكافحة قوات العدو خلال الحرب العالمية الأولى، وكذلك في محاربة الحركات الانفصالية وغيرها من الحركات التي هددت سلامة أراضي الإمبراطورية العثمانية. قد تكون هذه القفزة مبالغًا فيها من حيث ربط "المنظمة الخاصة" بأجهزة الأمن والاستخبارات اللاحقة في تركيا الحديثة، كما يفعل كثير من الباحثين، نظرًا إلى كثرة عمليات إعادة التنظيم والمنظمات التالية التي أعقبتها قبل إضفاء الطابع المؤسسي على الخدمات الأمنية الحديثة في تركيا في عام 1918 23. ومع ذلك، فمن المثير للاهتمام أن هيئة الاستخبارات الوطنية التركية تستشهد صراحة بالمنظمة الخاصة بوصفها السلف الأول للبنية الأمنية الحالية24. بغض النظر عن هذا النقاش، فقد هيمن أفراد من الجيش على الجمهورية التركية بعد تأسيسها من طرف أتاتورك وحلفائه عام 1923، حيث كان الجيش "يُعَد الضامن المطلق للنظام" والحارس الوحيد لمبادئ الجمهورية25. يستمد مفهوم الوصاية هذا جذوره من شعور واسع النطاق من بارانويا تقوم على أن القوى الأجنبية التي قسَّمت الإمبراطورية العثمانية عازمة على إكمال مهمتها، وهذا ما أدى، كما يرى غيدا26، إلى "الرأي الشائع بين المثقفين الأتراك (وعامة الناس) أن الأجانب والأقليات يتآمرون ضد تركيا والإسلام." وعلاوة على ذلك، فإن هذه المؤامرة لا تهدف فقط لتفكيك البلاد، ولكن لمنع تركيا أيضًا من استعادة مكانتها باعتبارها "قائد المنطقة وأقوى دولة فيها." استمدت هذه البارانويا اسمها، وهو "متلازمة سيفر"27، بالإشارة إلى المعاهدة المجهضة التي تلت الحرب العالمية الأولى، وكانت تهدف فعلً إلى القضاء على الدولة التركية28.
وقد شهدت تركيا الحديثة نموًّا سريعًا واحترافيًّا للقوات المسلحة، فضلً عن وجودها المستمر في الحياة السياسية. وعرفت تركيا سلسلة من الانقلابات العسكرية أعوام 1960 و 1971 و 1980. وفي الحالات الثلاث، اختار الجيش الاستيلاء على السلطة على نحو غير مباشر، وأعادها إلى حكومات منتخبة بعد سنة واحدة، وسنتين، وثلاث سنوات على التوالي. وجاءت الانقلابات الثلاثة كلها في فترات اتسمت بغياب الاستقرار السياسي، وبالاستقطاب، وبتفتُّت الأحزاب السياسية الرئيسة. وظهرت صراعات مماثلة داخل القوات المسلحة؛ فانقلاب عام 1960 خلق انشقاقًا داخل المجلس العسكري، فقد سعت مجموعة بقيادة العقيد ألب أرسلان توركيش إلى ترسيخ الحكم
العسكري في إطار دولة الحزب الواحد29. وقد طُرِد توركيش من قيادة الانقلاب، ولكنه لم يلبث أن دخل الحياة السياسية رسميًّا من خلال حزب الحركة القومية MHP عام 1963. وإضافة إلى توركيش، مُثِّل ضباط الجيش المتقاعدون بقوة في قيادة هذا الحزب. وعلى الرغم من أن حزب الحركة القومية كان قوة هامشية على مستوى صناديق الاقتراع (لم يتجاوز نسبة عشرة في المئة من الأصوات حتى عام 1999)، فإنه أصبح وسيلة مهمة لمشاركة القوات المسلحة في السياسة الداخلية. وقد كان حزب الحركة القومية بمنزلة أكثر من حزب سياسي؛ إذ كان له وجود رسمي عبر الجانب البرلماني، فضلً عن دور آخر "غير رسمي، شبه سري أحيانًا، ومفصول ظاهريًّا عن الحزب، تشرف عليه مؤسسات فرعية تابعة للحزب في مجالات أخرى"30. وكان من أبرز هذه المؤسسات، جناح (غير رسمي) متطرف للشباب، سمِّي "الذئاب الرمادية"، وهو الذي قام بدور محوري في محاربة الحركات العمالية والطلابية اليسارية في سبعينيات القرن العشرين31. توازى صعود حزب الحركة القومية مع إنشاء واضح لأكثر من منظمة شبه عسكرية، ومنظمات مضادة للميليشيات المسلحة، وأجهزة استخبارية داخل الدولة التركية ظلت خطوط السيطرة فيها خفية حتى الآن. ومما يؤسف له أن الأدلة التي يقدمها كثير من الباحثين الأتراك حول الموضوع تبقى مجزأة، ويشوبها رؤى تآمرية للعالم. ويبدو أن الدولة العميقة استوعبت "دائرة الحرب الخاصة" ÖHD أو وحدة العمليات الخاصة التي شُكّلت في خمسينيات القرن العشرين لتساند الجماعات المسلحة غير النظامية (الفدائيين) في حالة حدوث غزو سوفياتي. وكما ذكر جنكينز، فقد اتُّهِم ضباط دائرة الحرب الخاصة بتشكيل "شبكات من الخلايا الخاصة التي كان عناصرها يُجنَّدون من فئات أخرى من السكان.[...]وكانت الغاية من ذلك تشكيل كثير من نقاط المقاومة، في شكل مجموعات وشبكات، بدلً من قيادة واحدة مركزية، هرمية التنظيم"32. وهناك هيئة أخرى ذات صلة بالموضوع، وهي "حرس الدَّرَك للاستخبارات التي أُومكافحة الإرهاب" JITEMنشئت بالمثل بوصفها قوة شبه عسكرية لمكافحة التمرد، ربما في ثمانينيات القرن العشرين. وكما هي الحال مع دائرة الحرب الخاصة، لم يُعلَن عن وجودها إلا وقت فضيحة سوسورلوك تقريبًا. وتركز استخبارات الدرك بقدر كبير على محاربة حزب العمال الكردستاني الانفصالي PKK، ولكن وفقًا لبرقية كتبها الملحق الدفاعي في السفارة الأميركية عام 0042، فإن هذه الاستخبارات تعمل أيضًا على ما يبدو في هذا النشاط "البارانويي" الهادف إلى صطياد الانفصاليين السريين الأرمن، وإثبات ما يُفترَض أنه "استيلاء إسرائيلي على الأراضي" في شرق البلاد33. ويبدو أن مجموعتي دائرة الحرب الخاصة، واستخبارات الدرك، كان لهما بدورهما صلات بالميليشيات القومية المتشددة، وبجماعات الجريمة المنظمة التي تنتمي في كثير من الأحيان إلى المجموعة نفسها، مثل الذئاب الرمادية، من أجل قمع الجماعات اليسارية ووقف صعود القومية الكردية34. وقد تعمقت هذه الصلات إثر إنشاء قوة شبه عسكرية كبيرة، وهي "حراس القرى"، وهي التي كانت مهمتها توفير الأمن محليًّا ضد المسلحين الأكراد، جنبًا إلى جنب مع الدرك والقوات شبه العسكرية لحزب الحركة القومية35. وكثيرًا ما اتهمت حراس القرى بالاستيلاء على الأراضي، وتهريب المخدرات36. ولم تكن أي من هذه المنظمات تخضع لتسلسل قيادي واضح. وكانت إحدى النتائج الرئيسة لصعود الدولة العميقة أن صاحَب ذلك ارتفاع في عدد الاغتيالات السياسية. فيما بين عامي 1978 و 1979، عشية انقلاب عام 1980، كانت هناك أكثر من 5000 حالة وفاة ناجمة عن تفجيرات واغتيالات، وفِرَق الموت. وفي المجموع، أكثر من 35 ألف قتيل ما بين عامي 1984 و 000.2 وقد سمَّى أحد اختصاصيي الطب الشرعي الأتراك هذا "الفاعل قَتَلة سياسيين مجهولين"، أو "أشكال من العنف الجماعي[...]تنطوي على تنظيم، ولكن غاية في التشتت، لمنظمات أو شبكات من المنظمات"، حيث لا يكون المسؤول عن عمليات القتل واضحًا37. في الوقت نفسه، يبدو
أن المشاركين في الدولة العميقة قد استفادوا شخصيًّا من مجموعة واسعة من النشاطات الإجرامية، كما يتضح من المجموعة الغريبة من ضحايا حادث سوسورلوك. وقد أصبحت هذه العلاقة بين دولة الاستخبارات والقوات المضادة لحرب العصابات، أو المنظمات شبه العسكرية القومية المتطرفة، والمنظمات الإجرامية هي جوهر الدولة العميقة التركية. الفريد في الأمر هنا ليس تقاطع هذه المجموعات؛ فقد لحظ الباحثون في أماكن أخرى أن هناك كثيرًا من الحالات التي تعتمد فيها قطاعات من الدولة على فاعلين إجراميين، أو تُشكِّل منظمات سرية تُوكَل بممارسة القمع الداخلي أو القيام بالنشاطات الخاصة التي يحظرها الدستور. ومثال ذلك "مجموعات التحرير المضادة للإرهاب" GAL في الثمانينيات من القرن العشرين، وهي التي شكَّلتها الاستخبارات العسكرية الإسبانية لخوض "الحرب القذرة" ضد الانفصاليين الباسكيين38. ومن الأمثلة الأخرى دور فوج الدفاع السري UDR في إيرلندا الشمالية، وارتباطه بالجماعات شبه العسكرية غير الشرعية39. لكن الأمر الذي يختلف اختلافًا بيِّنًا هو امتدادات هذه الشبكة داخل تركيا. ويشمل هذا المشاركة الواضحة لمختلف المنظمات القانونية والسرية وغير الشرعية الضالعة في نشاطات إجرامية وسياسية وعسكرية؛ وغياب قائد أو تسلسل قيادي واحد للقوات المسلحة أو غيرها من قيادات الدولة؛ والبارانويا التي تقود الدولة العميقة وتَنتج منها. تسود بين أعضاء الدولة العميقة في تركيا، وكذلك الحكومة والجيش والإعلام والجمهور بوجه عام، نظرة مشتركة إلى الصراع السياسي والعنف السياسي في البلاد، باعتبارهما نتيجة مكائد دولية ترعاها منظمة حلف شمال الأطلسي، وحكومة الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والمسيحية العالمية، والصهيونية، والماسونية أو مزيج من هؤلاء، وأن هذه الأطراف عازمة كل العزم على تدمير البلد ومنعه من العودة إلى دوره الحقيقي بوصفه قوة كبرى40. وهذه النظرة المشتركة عقَّدت محاولات الحكومة في وقت لاحق لتفكيك الدولة العميقة، وسأعود إلى هذه المسألة في نهاية هذه الدراسة.
22 باكستان
إذا كان هناك حدث يلخص ديناميات الدولة العميقة في باكستان، فهو حدث اغتيال رئيسة الوزراء بينظير بوتو عام 007.2 فبعد سنوات عدة في المنفى، عادت بوتو إلى باكستان لولوج الحياة السياسية من جديد. وشاع النظر إلى عودتها على أنها خطرة؛ إذ كانت قد أوجدت لها أعداءً كثرًا داخل باكستان، وهذا ما أقره تحقيق الأمم المتحدة بوضوح تام حول مقتلها. فبحسب تقرير الأمم المتحدة، كانت لائحة أعدائها تشتمل على تنظيم القاعدة، وحركتي طالبان الباكستانية والأفغانية، وكذلك، بحسب مفردات التقرير، "الفئات النافذة" التي تتشكل من مجموعة من الأفراد داخل الجيش ووكالات الاستخبارات، والأحزاب السياسية وكبار رجال الأعمال. وأشار التقرير إلى أن بوتو تعهدت ب "القضاء على جميع مخلَّفات الروابط بين العسكريين والجماعات المتشددة"، وبإبعاد وكالات الاستخبارات والجيش عن السياسة الداخلية41. وكانت هذه التهديدات تتعلق بسلسلة متراصّة من الأجهزة الأمنية والأفراد الذين كانوا إما متعاطفين مع الجماعات الجهادية، وإما يثمنونها باعتبارها رصيدًا إستراتيجيًّا. وحينما قُتلت بوتو في غضون أشهر من عودتها، كانت تحقيقات الشرطة غامضة ومتواطئة. وقد خلصت لجنة الأمم المتحدة إلى أن "فشل الشرطة في التحقيق بفاعلية في اغتيال بوتو كان متعمًّدا؛ فالمسؤولون لم تكن لديهم صورة واضحة عن الإجراءات التي يتعين عليهم القيام بها لإجراء هذه التحقيقات، نتيجة خشيتهم من تورّط الأجهزة الاستخبارية في عملية الاغتيال"42. تتشابه نشأة الدولة العميقة في باكستان كثيرًا مع الحالة التركية من حيث صدارة البنية الأمنية للدولة والمجتمع في سياق إحساس بالتهديد الوجودي؛ فأثناء النضال من أجل استقلال الهند، ساد الخوف لدى النخب الإسلامية التي أيّدت إنهاء الاستعمار من أن تؤدي الديمقراطية إلى حرمانهم الدائم من الامتيازات أمام الأغلبية الهندوسية. ونتيجة لذلك، بدأ زعماء المسلمين في الهند في ثلاثينيات القرن العشرين يدعون لإقامة دولة منفصلة، وإن كانت مبنية من الناحية النظرية على أسس قومية ليبرالية. ومع ذلك، فإن افتقار حزب الرابطة الإسلامية إلى النجاح الانتخابي في الهند قبل التقسيم دفع قياداته إلى اللجوء إلى سياسة مبنية على
الخوف، زاعمين أن استقلال الهند لن يؤدي فقط إلى تهميشهم السياسي، ولكنه يهدِّد بقاء الجماعة المسلمة نفسه. وحتى حينما رغبت النخب المسلمة في تعبئة الأنصار باستخدام شعار "الإسلام في خطر"43، فالواقع أن هؤلاء القادة العلمانيين كانوا ينظرون إلى الإسلام بمعايير إثنية وقومية. ولكن هذا لم يكن صحيحًا بالنسبة إلى جميع الزعماء المسلمين؛ فقد ظل بعضهم على مدى عقود يستحضرون "العصر الذهبي" للحضارة الإسلامية في الهند، كما كانوا يدعون لخلق "طليعة" من شأنها أن تساعد على إعادة بناء الخلافة الإسلامية44. وقد أكد تشكيل باكستان في نهاية المطاف بجزئيها الغربي والشرقي، ووضع كشمير المتنازع عليه بعنف، فكرة أن باكستان ليست دولة قومية قائمة على أساس إقليمي، ولكنها مجتمع أو أمّة مؤسسة على ممارسة القوة للدفاع عن المسلمين في شبه القارة الهندية.
ومن حيث القيادة السياسية، ظهرت باكستان بعد التقسيم عام 1947، بوصفها بلدًا هيمن عليه في البداية المهاجرون، وهم النخب السياسية التي أعيد توطينها بعد هجرتها من أماكن أخرى من الهند، أقلية ناطقة باللغة الأوردية (تمثّل نحو عشرين في المئة) بين السكان البنجاب والباشتو الأكبر حجمً. وسرعان ما وجد المهاجرون والبنجاب أنفسهم في منافسة؛ بحيث سيطر البنجاب على الجيش والدولة، بينما هيمنت بقايا حزب الرابطة الإسلامية على الحكومة الجديدة. إضافة إلى ذلك، زادت الهوية البنغالية المستقلة لباكستان الشرقية من تعقيد فكرة تشكيل الدولة والوطن. وكان النضال من أجل إضفاء الطابع المؤسسي على باكستان يعني أن يأتي بناء الأيديولوجيا والهوية الوطنية وبناء النظام أو المؤسسات الديمقراطية (لم تكن هناك انتخابات وطنية مباشرة في باكستان حتى قبل الحكم العسكري في عام 1958) في المقام التالي للحفاظ على السلطة ومركزتها. وكما لخص أحد الباحثين هذه الفترة، فقد "كانت باكستان وطنًا جديدًا، يفتقر إلى أساس واضح المعالم، وإلى بنية إدارية كافية. فقد سبق أن عبَّأ مؤسسو باكستان مسلمي الهند البريطانية على أساس الخوف من هيمنة الأغلبية الهندوسية، ولكنهم لم يتخطوا ذلك إلى إعداد شيء ما للدولة الوليدة"45. تركزت السياسة الباكستانية في المقام الأول، ومنذ البداية، على خطر اختفاء البلد نفسه من خلال الغزو الهندي، وهو هاجس مثّل امتدادًا للفكرة القديمة أن الإسلام في خطر. أدى ضعف الأسس الأيديولوجية للرابطة الإسلامية، والصراعات بين الأقلية المهاجرة والجماعات العرقية الأخرى، والدور الغائم للإسلام في السياسة، وضعف الهوية الوطنية، والصراع المستمر مع الهند، إلى وضع القوات المسلحة في المقدمة وفي القلب من الهوية السياسية الباكستانية. "الخوف من التطويق" من جانب الهند وأفغانستان المعادية46، جعل العسكريين ينظرون إلى أنفسهم على أنهم "مركز الثقل الذي يضمن بقاء باكستان واستقرارها"47. وهكذا، حينما أطاح الجنرال أيوب خان الحكومة المدنية في عام 1958، برّر هذا الفعل بحجة وجودية هي صدى لمتلازمة سيفر التركية. فكما قال أيوب خان "لم يكن هناك بديل إلا التفكك والخراب الكامل للبلد"، وادّعى أن بعض القادة السياسيين في باكستان "عملوا بشكل واضح من أجل انحلاله"48. واعتمادًا على منطق الوصاية هذا، حكم الجيش باكستان من انقلاب عام 1958 حتى عام 1988، ثم مرة أخرى من عام 1999 إلى عام 002.2 وخلال ذلك الوقت، خاضت باكستان ثلاث حروب مع الهند، واحدة منها 1971() أدت إلى انفصال باكستان الشرقية وإنشاء دولة بنغلاديش المستقلة، وهو ما عزز الشعور بأن وجود باكستان على المحك، وأن القادة العسكريين هم وحدهم "منقذو باكستان" من التهديد الهندي، وأن القادة الحكوميين غير أكفاء49.
إن تاريخ باكستان مشحون بالخوف من أن بقاء البلاد في حد ذاته غير مضمون، وأنه واقع تحت تهديد مستمر من القوى الخارجية، ومن القادة الذين يسعون لتسليم البلاد إلى أيدي العدو. ولم يزل هذا الخوف ساريًا؛ فاستطلاعات الرأي العام بين عامي 0090132 و 2 تظهر باستمرار أن ما يقرب من 70 - 80 في المئة من أفراد العينة المستجيبة يرون أن الهند تمثّل تهديدًا خطِرًا إلى حد ما أو خَطِرًا جدًّا50. وكما هي الحال في تركيا، فإن وسائل الإعلام الرئيسة تعج بنظريات التآمر التي ترى أن جهات فاعلة خارجية تعمل على تدمير البلاد51، أو أن السكان الشيعة يمثِّلون مجتمعًا غير مخلص وفي تحالف مع إيران. زيادة على ذلك، تسهم النخب الحكومية والسياسية في الهند أيضًا في ترسيخ هذه البارانويا عبر ملاحظات عرضية (حتى ضمن وسائل الإعلام الدولية) بأن على باكستان أن تعود إلى حظيرة الهند، أو أنها ستعود لا محالة52.
وقد ساعدت أولوية القوات المسلحة ومنطق وصايتها على الدولة والأمة، إلى جانب الشعور بالتهديد الوجودي من الأعداء في الداخل والخارج، على نشأة دولة عميقة تخطت سلطة العسكر. والمثال الأشهر في هذا الصدد هو مديرية الاستخبارات المشتركة ISI التي نشئت عام أ 1948، وأعطيت لها الأدوار الثلاثة الأساسية التالية بعد انقلاب أيوب خان عام 1958: الدفاع عن المصالح الوطنية، ورصد المعارضة السياسية، وإدامة سيطرة العسكر. وكما يقول أحد الباحثين، فإن هذه المديرية "ترى أن مبرر وجودها مرتبط في المقام الأول بالجيش الباكستاني أكثر من ارتباطه بأي مفهوم أوسع آخر يتعلق بالدفاع وأمن الدولة الوطنية أو الشعب الباكستاني"53. ومع الغزو السوفياتي لأفغانستان، أصبحت مديرية الاستخبارات المشتركة قناة مركزية لدعم وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية للمجاهدين، الذي يتجلى في نقل الأسلحة والتدريب العسكري، والحرب النفسية، وتمكين جماعات مسلحة معينة (مثل حركة طالبان، وتنظيم القاعدة)، في حين كانت ترفض دعم الآخرين. وقد تولت المديرية أيضًا مسؤولية مواصلة النضال في منطقة كشمير التابعة للهند، عبر المساعدة في بناء الجماعات المسلحة والمنظمات الإرهابية. وهناك كثير من الجماعات المسلحة التي تعمل بدعم من الاستخبارات الباكستانية داخل الهند وأفغانستان، مع كثير من الأعضاء الذين يقيمون داخل باكستان ويتلقون تدريباتهم فيها. وعلاوة على ذلك، حدث توسُّع للجماعات الإسلامية بالتوازي مع سياسة الأسلمة داخل الجهاز الأمني التي روج لها الرئيس ضياء الحق الذي تولى السلطة بين عامي 1978 و 1988 54. وقد كان من نتائج ذلك خلق شريحة من الإسلاميين داخل القوات المسلحة غير موالية بالكامل للدولة، بل حتى للجيش، فقد كانوا يرون دورهم في الوصاية التي يمارسونها، متجلية في الدفاع عن الإسلام والترويج لباكستان الإسلامية. هذه السياسة، مع ما يواكبها من علاقات بين الأجهزة الأمنية والجماعات المسلحة، أثارت المخاوف من أن تصبح شرائح من الإسلاميين في الجهاز العسكري غير موالية تمامًا للنظام55. وعلى الصعيد الداخلي، ركزت مديرية الاستخبارات المشتركة على مراقبة المجتمع المدني وقمعه، وشمل ذلك "ابتزاز الأفراد، والكشف عن الفساد، وتشجيع العنف المدني والاغتيال السياسي، وإنشاء ودعم المعارضة السياسية التي تتسم في كثير من الأحيان بنزعة عنفية"56.
أما المداخيل التي تتدفق على المديرية وأعضائها، فإنها لا تَرِد فقط من مناصريها من عسكريين وأجانب مثل الولايات المتحدة، ولكن أيضًا من خلال تجارة الأسلحة والمخدرات وغسل الأموال والابتزاز، وغيرها من النشاطات الإجرامية. والواقع، كما هي الحال في تركيا، أن هناك اتصالات موثقة جيدًا بين المديرية وزعماء العصابات الإجرامية، على نحو يطمس الحدود الفاصلة بين العنف السياسي والنشاط الإجرامي57. ونتيجة لذلك شُكِّلت منظمة ازدادت قوة واستقلالية عن القيادة العسكرية، أي "دولة داخل الدولة"58، حتى مع استمرار سلطة البيروقراطية في التأكُّل على المستوى العام59. وعلاوة على ذلك، فإن ما كشفت عنه التسريبات مؤخرًا بشأن علاقة المديرية بطالبان والقاعدة يبيِّ أن هذه المديرية بالغة التجزؤ، إلى درجة أن بعض فصائلها لا يدرك ما يفعله بعضها الآخر. وكما أفاد أحد الصحافيين، فإنه خلال العقد الماضي، بينما "كان طرف من مديرية الاستخبارات المشتركة يشتغل في مطاردة المسلحين، استمر طرف آخر في الاشتغال معهم"60.
وقد تفاقم هذا الأمر بسبب التشتت الشديد للأجهزة الأمنية. وعلى الرغم من أن المديرية هي المؤسسة الأمنية العليا في باكستان، فإن هناك مجموعة من المؤسسات العسكرية والأمنية الأخرى، ومنها الاستخبارات العسكرية MI ومكتب الاستخبارات IB، تعمل بالتوازي، وفي صراع فيما بينها، وهذا ما يجعل الدولة العميقة أكثر شبهًا بمثيلتها التركية، كما يبدو للوهلة الأولى61. وقد امتد هذا التفكك ليشمل قوات الشرطة أيضًا. ويشير تقرير مؤسسة كارنيغي إلى أن "وكالات الاستخبارات تتأرجح بين أداء دورها الأمني، واعتقال الإرهابيين، ومنع الشرطة من اتخاذ إجراءات ضد الإرهابيين. فضباط الشرطة يؤكدون، غالبًا على انفراد، أن وكالات الاستخبارات العسكرية، تقدِّم لهم طلبات من قبيل الإفراج عن ناشطين أو مجرمين مسجونين. وقد ساهمت هذه الإجراءات في انتشار انعدام الثقة على نطاق واسع تجاه هذه المؤسسات، وكذلك في استمرار تغذية ثقافة سياسية وازدهارها ترتكز على نظريات المؤامرة"62. ويؤكد هذا الأمرَ، التدخلُ المباشر والفوري لمديرية الاستخبارات المشتركة، ومكتب الاستخبارات، والاستخبارات العسكرية في التحقيق في اغتيال بينظير بوتو عام 0072، ومن ذلك تدمير الأدلة. وقد أكدت الدولة العميقة الباكستانية تناسل الأجهزة الأمنية في ظل الحكم العسكري، وكون أعداد كبيرة من الجماعات المسلحة والإجرامية داخل باكستان وفي البلدان المجاورة متصلةً بالأجهزة الأمنية، كما أبرزت تغلغل هذه المنظمات نفسها داخل القوات المسلحة.
33 إيران
إن المراقبين الأجانب للسياسة الإيرانية على وعي بطبيعة المعركة الجارية بين المجتمع المدني والمسؤولين في السلطة حول مستقبل النظام. ذلك أن صعود الحركة الخضراء في إيران وسقوطها - وهي الحركة التي تحدَّت إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد عام 0092 – والعناصر الإصلاحية التي ساندت الرئيس خاتمي ليست إلا أحدث مثال لهذه الصراعات التي يمكن تتبعها وصولً إلى محاولات الإصلاح السابقة في عهد الرئيس خاتمي 005-1997(.)2 وكما هي الحال مع الحركة الخضراء، فقد تعرضت محاولات المجتمع المدني لتوسيع وجوده للقمع، وتمثل ذلك بإغلاق الصحف الإصلاحية، وطرد الإصلاحيين من السلطة التشريعية. لكن الجزء الأشهر من هذه الحملة، من وجهة نظر كثير من الإيرانيين، هو ما عرف باسم "المقاتل المتسلسلة"، وهو سلسلة من أعمال القتل التي دُبِّرت عبر حوادث
ومحاولات اغتيال لقادة سياسيين وثقافيين بارزين بين عامي 1998 و 000.2 صحيح أن قتل معارضي النظام لم يكن بالأمر الجديد، فإيران من أعلى دول العالم من حيث معدلات تطبيق عقوبة الإعدام؛ إذ عدِم آلاف السجناء السياسيين عام أ 1988، لكن ما لم يكن عاديًّا في هذا الشأن هو طبيعة هذه المَقاتل التي ارتكبت خارج نطاق القضاء. فبعد التحقيق الذي أجراه مكتب الرئيس، أعلنت وزارة الاستخبارات أن "عملاء سريين مارقين" هم المسؤولون عن بعض عمليات القتل. وكان أحد المتهمين بالدور الريادي في هذه العمليات، هو نائب وزير الاستخبارات الإيراني سعيد إمامي الذي أُعلِن عن وفاته منتحرًا في السجن قبل محاكمته، بحسب رواية السلطات الإيرانية63.
ومع تعميق الصحافيين تحقيقاتهم في المقاتل المتسلسلة، توصلوا إلى أدلة تثبت وجود "فرق متنافسة عدة" داخل الأجهزة الأمنية (قتلت إحداها إمامي نفسه)، ولها علاقات متداخلة بزعماء دينيين وفصائل مختلفة داخل الدولة. وكما لخص أحد الباحثين ذلك، فإن "هذه كلها أمثلة للنشاطات السياسية والاقتصادية والجنائية الناجمة عن تعدد التزامات الراعي – الزبون[...]وهذه البنية المغذية ليست هرمية، وهو ما يعني أنه لا يوجد 'قطب مركزي' تُ كن إزالته لينهار كل شيء"64. وعلى النقيض من الوصف السائد للجمهورية الإسلامية بكونها مركزية للغاية، وحتى شمولية65، فإن المقاتل المتسلسلة تشير إلى أن السلطة، على خلاف ما يُعتقَد عمومًا، هي أكثر انتشارًا بين عناصر الدولة العميقة. تَبيَّ لدينا من الحالتين الأُولَييَن، تركيا وباكستان، وجود أوجه تشابه كثيرة بينهما من حيث بنية الدولة والتاريخ السياسي، ومن ذلك استمرار حضور الجيش في السياسة. لكن إيران، تمثل حالة مختلفة تمامًا؛ فالجيش لم يصل إلى السلطة في عهد النظام الملكي ولا في عهد الجمهورية الإسلامية. ولكن بالعودة إلى النقطة السابقة، يمكننا القول إن الدولة العميقة لا تتطابق مع الحكم العسكري، فهي تعني وجود مؤسسات وعلاقات أمنية، يقودها منطق الوصاية، لمواجهة التهديدات المتصوَّرة للمُثل العليا الوطنية. والحالة الإيرانية هي خير مثال للحالة التي يمكن أن تنبثق فيها الدولة العميقة من نظام ثوري لا يقوم على القيم العسكرية. وكما هي الحال مع تركيا وباكستان، فمن الملائم الرجوع إلى تاريخ إيران في عجالة؛ فعلى الرغم من أن القوات العربية قد احتلتها في القرن الثامن الميلادي، بعد وقت قصير من وفاة النبي محمد، فإن استقلال إيران ازداد على نحو متصاعد، ليبلغ مداه مع الدولة الصفوية 1736-1502(.) وهذه هي الفترة التي أصبح فيها التشيّع الإسلامي "دين الدولة" أيضًا، باعتباره أداة للدولة لتمييز نفسها من الإمبراطورية العثمانية السنية، وإنشاء هوية إيرانية حديثة قوية66. كما بدأت الحدود الإيرانية الحديثة تتبلور أيضًا خلال هذه الفترة. وعلى الرغم من جهود إحياء الهوية الإيرانية، ظلت سيادة إيران تواجه تحدِّيًا متزايدًا ومستمرًا. فخلال حكم الأسرة القاجارية 1925-1796() خسرت إيران الأراضي الروسية التي هي الآن أجزاء من جورجيا وأرمينيا وأذربيجان، بينما انفصلت أفغانستان وصارت دولة مستقلة. وزيادة على الضغوط الروسية والعثمانية، ظهر البريطانيون الذين كانوا أول من نظر إلى إيران بوصفها ممرًا لربط الشرق الأوسط بالهند، ثم بوصفها موردًا مهمًّ للنفط. ومهّد ضعف السلالة القاجارية الطريق أمام القوى الإمبريالية لتوسيع نفوذها من خلال الحصول على امتيازات تجارية ومناطق نفوذ مقابل القروض والدعم العسكري. أما الثورة الدستورية التي وقعت عام 1905، وسعت إلى تأكيد السيادة الإيرانية، فقد انتهت مع الغزو الروسي. وبعد الثورة الروسية عام 1917، وجدت البلاد نفسها محصورة بين السياسات الخارجية للاتحاد السوفياتي وبريطانيا العظمى. وحتى مع نهاية الحكم القاجاري، وظهور سلالة بهلوي الأقوى كثيرًا 1979-1925()، ظلت السيادة مقيدة للغاية. فحياد إيران خلال الحرب العالمية الثانية لم يمنع الاتحاد السوفياتي وبريطانيا العظمى من غزوها، من أجل إقامة ممر بري بين البلدين، كما أُجبر رضا شاه على التنازل عن العرش لفائدة ابنه محمد رضا. وبعد الحرب، انتهت
عودة الحركة الدستورية بانقلاب عسكري بدعم من الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى في أعقاب محاولة تأميم صناعة النفط. وابتداء من خمسينيات القرن العشرين، أصبح الوجود الدولي السائد في البلاد أميركيًّا بالأساس؛ إذ صارت إيران حليفًا مهمًّ ضد الاتحاد السوفياتي.
وقد أدى هذا التاريخ الطويل من النهب الإمبراطوري إلى تشكيل نسخة إيران الخاصة من متلازمة سيفر التركية. فالثقافة السياسية الإيرانية لا تؤكد فقط أهمية الإمبراطورية الفارسية بوصفها منافسة للإمبراطوريتين اليونانية والرومانية، ولكن أيضًا كونها مهد التوحيد (الزرادشتية)، وأنها بعد الإمبراطورية، مركز التعليم الإسلامي. إن شعور الإيرانيين بمصيرهم الوطني (يمكن المرء أن يقول الطبيعي) هو على هذا النحو قوي مثلما هو في تركيا، ولا شك، مع عمق تاريخي يمتد آلاف السنين. ومع ذلك، يترافق هذا الشعور بالمصير مع وعي حادٍّ بانحطاط فارسي، من الفتح العربي إلى إمبريالية القرنين التاسع عشر والعشرين التي صاحبها في مرات عدة الشعور بالتهديد بخطر فقدان مزيد من الأراضي (على سبيل المثال، إنشاء الجمهورية المدعومة من الاتحاد السوفياتي في أذربيجان الإيرانية عامَي 1945 و 1946.) وبالفعل، فإن الشعور بالتهميش وانتشار ثقافة الاستشهاد في مواجهه الصعاب الساحقة يتعززان بالوجود القوي لهذه القيم داخل المذهب الشيعي. وحتى مع نهاية الإمبريالية الشكلية تحت الاحتلال البريطاني والروسي، فإن الحضور الطاغي للولايات المتحدة في جميع جوانب الحياة الإيرانية أدى إلى شعور قوي بالإمبريالية الثقافية. ويطلق الكاتب الإيراني، جلال أحمد، على ذلك اسم "التغريب". وقد 67 Westoxication " أو "التسميم الغربيOccidentosis ساعد هذا على نشأة تيار قوي من التفكير التآمري68. وعلى سبيل المثال، كان يُنظَر إلى الطائفة البهائية التي أ سِّست في إيران في منتصف القرن التاسع عشر، على أنها حركة اختلقتها بريطانيا العظمى و/ أو روسيا لتقويض المذهب الشيعي. بل إن إيران تصل إلى درجة المباهاة بنسختها الخاصة من بروتوكولات حكماء صهيون، وهي يوميات تعود للسفير الروسي في منتصف القرن التاسع عشر الذي ادعى أنه وراء خلق البهائية69. وقد أصبح البهائيون، والغربيون، والماسونيون واليهود، نقاطًا مرجعية مشتركة للتفكير التآمري الإيراني، كما هي الحال في باكستان وتركيا. وفي وقت لاحق، كان الشعور بالنهب الإمبريالي والإمبريالية الثقافية التي من شأنها تدمير الهوية الإيرانية قوة مركزية في الأيديولوجيا السياسية للخميني وصعوده إلى السلطة. مع ظهور الثورة الإسلامية عام 1979، سعت الجمهورية الجديدة لتوطيد سلطتها، ليس عن طريق مركزة القوات المسلحة، ولكن من خلال تشتيتها. وحتى تحت حكم سلالة بهلوي، فإن القوات المسلحة، على كبَ ها، لم تكن مسيسة، وكانت تفتقر إلى قيادة قوية، وهو إرث ناتج من خوف الشاه من وقوع انقلاب عسكري. وعلى الرغم من ذلك، فإن ارتياب الخميني في القوات المسلحة، أدى به إلى تأسيس منظمتين شبه عسكريتين، هما الحرس الثوري، وقوات التعبئة الشعبية المعروفة باسم "الباسيج" (أي "المتطوعون)" التابعة للحرس الثوري، وذلك من أجل "الدفاع عن الجمهورية في مواجهة أي اعتداء خارجي من الولايات المتحدة، أو داخلي من الأعداء الداخليين للثورة"70. واشتملت مهمات هاتين المنظمتين على خوض الحرب العراقية - الإيرانية، وإدارة عملية "التطهير" ضد بقايا النظام القديم، وتصدير الثورة (كما هي الحال في لبنان)، وتصفية القوى المنافسة الأخرى داخل البلاد (مثل الجماعات الماركسية والحركات الإثنية.) وارتبطت قوات الباسيج التي كانت تشتغل بوصفها وحدة تابعة للحرس الثوري، وكذلك الحرس الثوري، ارتباطًا مباشرًا بالخميني. وتعتبر كلتا المجموعتين، عنصرين أساسيين من الوصاية بالمعنى الحرفي؛ أي حراسة الثورة، في مقابل الدولة. ولا يعني انتهاء الحرب نهاية هاتين المجموعتين؛ فالحرس الثوري وصل تعداده إلى 120 ألف رجل، وشمل ذلك قواته الجوية والبحرية (ثلث حجم القوات المسلحة النظامية)، في حين تتشكل الباسيج، بوصفها قوة مساعدة، من نحو مليون عضو، يمكن تعبئتهم لتنفيذ مهمات متنوعة من مثل القمع العام71.
ومثلما هي الحال في باكستان وتركيا، شهدت الأجهزة الأمنية الإيرانية قدرًا كبيرًا من التشرذم؛ ويرجع ذلك جزئيًّا إلى وجود الحرس الثوري والباسيج وأدوارهما المتداخلة مع الجيش ووكالات الاستخبارات فيما يخص إنفاذ القانون. وعلاوة على ذلك، فقد أدى دور المرشد الأعلى، المتعالي على كل أفرع الحكم الأخرى، إلى تسلسل قيادي مبهم؛ "حيث يظهر أن الأفراد لديهم قيمة أكبر من المؤسسات عند النظر إلى مسألة اتخاذ القرارات المتعلقة بالأمن القومي"72. وعزَّز ذلك قواعد السلطة، ليس فقط داخل المؤسسات، ولكن عبرها كذلك؛ فالحرس الثوري، على سبيل المثال، معروف بكونه مخترَقًا من فصائل عدة، ولا بد للأفراد داخل الأجهزة الأمنية من ارتباطات خارج الهياكل المؤسسية، مثل الروابط الأسرية والإقليمية والصلات بمختلف رجال الدين، لما يمتلكونه من أوقاف، وفقه، وأتباع73. ويصف أحد الباحثين هذا الوضع بأننا أصبحنا نتيجة ذلك، أمام ألف "شاه" بعدما كان هناك شاه واحد فقط74. وعلى مدى العقد الماضي، أصبح الأعضاء السابقون في الحرس الثوري فاعلين مهيمنين في الساحة السياسية؛ فإضافة إلى الرئيس السابق أحمدي نجاد، عرفت الهيئة التشريعية زيادة كبيرة في أعضاء مجلس الشورى (البرلمان) من الأعضاء السابقين في الحرس الثوري، فضلً عن الهيئات الحكومية المحلية75.
كما هي الحال في تركيا وباكستان، فإن النتيجة هي نشوء دولة عميقة تتألف من عناصر مختلفة من الأجهزة الأمنية، تتشارك في حفظ النظام والتطبيق الأيديولوجي، وممارسة العنف خارج نطاق القضاء، والمراقبة، والعلاقات الخارجية. وقد تعاونت عناصر الشرطة مع الجماعات الأمنية الأهلية مثل "حزب الله" (الإيراني) لمهاجمة التظاهرات الطلابية76. ففي العقد الماضي أنشأ الحرس الثوري وحدات "قرية الباسيج"، التي لا تختلف عن "حراس القرى" التي وُجدت في تركيا وشاركت في العمليات الهجومية وعمليات القتل خارج نطاق القضاء77. وتورطت عناصر من داخل الحرس بشدة أيضًا في نشاطات التهريب، وأرصفة الموانئ غير القانونية، وغسل الأموال، والشركات الوهمية، وتجارة الأسلحة، وربما تهريب المخدرات78. وقد اشتكى عضو في مجلس الشورى من أن "ثلث السلع المستوردة يتم تداولها من خلال السوق السوداء، والاقتصاد السري، وأرصفة الموانئ غير القانونية. المؤسسات المعيَّنة [من جانب المرشد الأعلى، خامنئي] التي لا تحترم [قواعد] الحكومة ولها سيطرة على وسائل القوة [العنف]، المؤسسات التي هي عسكرية بالأساس، هي المسؤولة عن ذلك"79. وكما هي الحال في تركيا وباكستان، فإن هذا منفصل عن الملكية الرسمية الواسعة للأصول الاقتصادية التي يتمتع بها أيضًا الباسيج والحرس الثوري80. وقد برزت قوة الدولة العميقة ودورها للعيان في إيران في الحملة ضد الحركة الخضراء عام 0092؛ إذ حُشدت مجموعة واسعة من الفاعلين في عملية القمع الناجحة للحركة الديمقراطية. والجدير ذكره أن كبار الأعضاء الحاليين والسابقين في الحرس الثوري عملوا على دعم إعادة انتخاب الرئيس أحمدي نجاد، وأشار عدد منهم مقدّمًا إلى معارضتهم منافسه الرئيس، مير حسين موسوي81. وقد شارك الباسيج والحرس الثوري، وقوات شبه عسكرية بزي مدني مشاركة بارزة للعيان في ضرب المحتجِيّن، وإطلاق النار عليهم، وقتلهم، واعتقال المتظاهرين؛
دفاعًا عن النظام ضد ما اعتبروه مؤامرة غربية لقلب النظام الحالي82. ولم يؤدِّ نجاح قمع الحركة الخضراء إلا إلى زيادة تمكين الأجهزة الأمنية الإيرانية، ووفقًا لبعض المحللين، إلى رفع خطر "الانقلاب الزاحف"83. ولا شك في أن وفاة المرشد الأعلى، آية الله خامنئي، المحتومة ستخلق فراغًا من شأنه أن يدفع مختلف الفصائل للصراع حول القيادة، وقد يستخدم بعضها عناصر من الدولة العميقة لتقوية نفوذه. ومع ذلك، فمن الممكن أيضًا أن يفتح الصدع السياسي المثير الباب أمام تحرير القوى اللازمة لإخضاع الاستبداد والدولة العميقة. والسؤال هو: كيف يمكن هذا التغيير أن يحدث؟
خلاصة: اقتلاع الدولة العميقة
تقودنا الملحوظة الأخيرة المشار إليها أعلاه إلى مسألة العلاقة بين الدولة العميقة والديمقراطية، ودور الجيش في السياسة. ظهرت الدولة العميقة في تركيا وباكستان بوصفها عنصرًا من عناصر النظام العسكري، في حين ظهرت في إيران نتيجة للثورة والرغبة في إضفاء الطابع المؤسسي على النظام الإسلامي، وحمايته. ولكن النظام العسكري والدولة العميقة ليسا الشيء نفسه كما ذكرتُ آنفًا. في النظام العسكري يقوم الجيش بإدارة الحكومة، أما الدولة العميقة، فتعمل "تحت" الجهاز الأمني الرسمي و"خلفه." قد تتمتع الدولة العميقة بسلطة كبيرة، لكنها لا تستطيع أن تقرِّر؛ لأنها ليست فاعلً موحدًا بإدارة موحدة. وكثيرًا ما أثيرت مسألة كون الدولة العميقة تمثّل تهديدًا بسبب قدرتها على القيام بانقلاب في كل الحالات الثلاث. على سبيل المثال، ألمح بعض الباحثين كما ذُكر أعلاه، إلى أن الحرس الثوري في إيران قد يصل إلى السلطة في أعقاب وفاة آية الله الخميني، ويخلق نظامًا إمبراطوريًّا84. ومع ذلك، فإن الطبيعة الانقسامية وغير الرسمية للدولة العميقة تقف عائقًا أمام تحقيق ذلك. ففي المناطق التي تكون فيها القوات المسلحة مسيسة، يمثّل الانقلاب العسكري تهديدًا مستمرًّا، ولكن الدولة العميقة نفسها تفتقر إلى القدرة التنظيمية والمهارات القيادية للقيام بهذا العمل من تلقاء نفسها. ولذلك، فإن وجود جهاز أمني للدولة العميقة لا يزيد بالضرورة من خطر الحكم العسكري، نظرًا إلى طبيعته الفئوية وغير الرسمية. وفي الوقت نفسه، فإن انسحاب الجيش من السياسة لا يعني بالضرورة أن الدولة العميقة سوف تنسحب من السياسة. الواقع أن العكس تمامًا قد يكون هو الصحيح. يجرنا هذا إلى النقطة الثانية المهمة. فالجيوش المحترفة تؤدي دورًا لا غنى عنه في الحفاظ على سيادة الدولة، فيجعلها هذا فعليًّا مكوِّنًا أساسيًّا من مكونات الدولة الحديثة. قلما تكون البلدان، حتى تلك التي لديها تاريخ من الدكتاتورية، راغبة في إقصاء قواتها المسلحة. وعلى هذا الأساس، فإن ما يتيح للجيش "العودة إلى الثكنات" هو حقيقة أنه لا يواجه تهديدًا وجوديًّا نتيجة لذلك. قد يشعر القادة العسكريون، بوصفهم أفرادًا، بالخوف على مستقبلهم، إلا أن القوات المسلحة، بوصفها مجموعة من المؤسسات، ستستمر بالتأكيد. لا يصدق هذا الأمر على الدولة العميقة؛ فهي مظهر من مظاهر الوصاية غير الديمقراطية، وقوة تتجاوز القيادة والسيطرة، بينما يستلزم التحول الديمقراطي، بحكم التعريف، تحديد هياكل الدولة العميقة وفاعليها، وإقصاءَهم. ونتيجة لذلك، فإن الدولة العميقة هي، بطبيعتها، أكبر معارض للتغيير السياسي. وعلى الرغم من أنها تعبِّ عن شرعيتها وسلطتها على أساس التهديدات الوجودية للوطن، فإن أعظم خطر وجودي، هو الدولة العميقة نفسها. وبما أن الدولة العميقة تمثل تجسيدًا للأمة، فإن الهجوم عليها يمثل اعتداءً على الأمن القومي. ولكن هناك أيضًا اعتبارات أهم من ذلك، وتتعلق بالخوف من فقدان العلاقات الزبونية والريعية التي تدعم أعضاء الدولة العميقة. فمن المرجَّح ألا يتمكن المشاركون في الدولة العميقة من تحويل علاقاتهم الغامضة وغير المشروعة إلى قوة اقتصادية أو سياسية مشروعة بقدر كافٍ بعد عملية انتقال سياسي، مقارنة بالقوات المسلحة التي غالبًا ما تكون جزءًا من العملية السياسية. باختصار، فإنه لا يمكن الدولة العميقة أن تبرز إلى "السطح" وتصبح فاعلً سياسيًّا شرعيًّا، وهذا ما يُعزِّز عداءها للتغيير السياسي. ويمكن أن نلحظ ذلك في حالة إيران؛ ذلك أن محاولات تطبيع العلاقات مع الغرب تهدِّد بتقويض علة وجود الدولة العميقة. ويسهم هذا أيضًا في استدامة توتير علاقة باكستان بالهند، خصوصًا ما يتعلق بدعم التمرد في كشمير، المسنود بقوة من مديرية الاستخبارات المشتركة. ليست الدولة العميقة في باكستان وإيران هي العقل المدبِّر الذي
يقف وراء هذه العلاقات المتوترة (يتبادر دور الولايات المتحدة إلى الذهن)، ولكنها عامل يزيد الأمر تعقيدًا. هذه المفارقة الخاصة بالدولة العميقة – ما تحظى به من مستوى عالٍ من الاستقلالية مقابل مستوى منخفض نسبيًّا من القدرة باستثناء القمع والعنف - تقودنا في النهاية إلى الملحوظة العملية بشأن الديمقراطية والمساءلة. فبالنسبة إلى البلدان التي تواجه دولة عميقة، ليست المشكلة المركزية في قدرة الدولة العميقة على المقاومة، ولكنها في ضبابية مبدأ الدولة العميقة ونهايتها، لذا يصعب تحديد الذنب وتطبيق العدالة. في ثقافة المؤامرة، من السهل أن نرى كل المعارضين لحكومة ديمقراطية جديدة أعضاء في الدولة العميقة، أو اتهامهم بالمشاركة فيها، في محاولة سافرة لخنق المعارضة. لدينا بالفعل تحذير صارخ في حالة تركيا؛ إذ تمت محاكمة أكثر من مئتي شخص بين عامي 0070132 و 2 بدعوى انتمائهم إلى تنظيم الدولة العميقة المزعومة المسمى "أرجنكون"85. وشملت لائحة الذين قُدِّموا للمحاكمة بتهمة التخطيط لقلب نظام الحكم، أعضاء سابقين في الجيش، واستخبارات الدرك، ومجرمين، وقادة أحزاب سياسية، وصحافيين، ومحامين، وأكاديميين. وأشار كثير من النقاد إلى الطبيعة الواهية للأدلة، فضلً عن حقيقة كون كثير ممن حوكموا أفرادًا معروفين بنقدهم الشديد لحزب العدالة والتنمية الحاكم. تقريبًا كل الذين حوكموا أدينوا. وكما لحظ أحد الباحثين، فإن المحاكمة "لا يمكن تفسيرها فقط بميل المحققين لنظريات المؤامرة [...]فالتحقيق حول الأرجنكون لم يبذل جهدًا يذكر في التحقيق في كثير من الاتهامات الموثَّقة جيدًا عن الانتهاكات التي ارتكبتها عناصر الدولة العميقة يوم كانت في الأوج في تسعينيات القرن العشرين. والواقع أن هناك خوفًا من أن تمثل هذه المحاكمة خطوة كبيرة، لا كما يزعم أنصارها، نحو ترسيخ الديمقراطية التعددية في تركيا، ولكن نحو إقامة دولة استبدادية أحادية الحزب"86. ويبقى هذا التشخيص صالحًا منذ كتابته، وما زالت الأيام تثبت صحته. فالتحدي لا يقتصر على تحديد الدولة العميقة واقتلاعها من السياسة، ولكنه يشمل أيضًا نبذ ثقافة التآمر، وممارسة السياسة خارج نطاق القضاء التي زرعتها الدولة العميقة نفسها.
المراجع
Ahmad, Jalal Ali. Occidentosis: A Plague from the West. Berkeley: Mizan Press, 1983. Alamdari, Kazem. "The Power Structure of the Islamic Republic of Iran: Transition from Populism to Clientelism, and Militarization of the Government." Third World Quarterly. vol. 26. no. 8 (2005). Alfoneh, Ali. "The Revolutionary Guards' Role in Iranian Politics." Middle East Quarterly. vol. 15. no. 4 (Fall 2008). Amnesty International. Iran: Submission to the Human Rights Committee for the 103 rd Session of the Human Rights Committee, 17 October - 4 November 2011. Amnesty International. 2011, at: https://goo.gl/91Hurw Ayoob, Mohammed. "Political Islam: Image and Reality." World Policy Journal. vol. 21. no. 3 (2004). Barkey, Henri J. & Graham E. Fuller. Turkey's Kurdish Question. New York: Rowman & Littlefield, 1998. Boroumand, Ladan. "The Role of Ideology." Journal of Democracy. vol. 16. no. 4 (2005). Bremmer, Ian, Maria Kuusisto & Maria Sultan. Pakistan's Nuclear Command & Control: Perception Matters. London: South Asian Strategic Stability Institute, 2008. Brinkerhoff, Derick W. & Arthur A. Goldsmith. Clientelism, Patrimonialism and Democratic Governance: An Overview and Framework for Assessment and Programming. Bethesda, MD: Abt Associates, 2002, at: https://goo.gl/MWRa7b Cardoso, Fernando Henrique. "Brazil's Experience Offers Lessons for Egyptian Civil Society." Al Monitor. 27/6/2013, at: https://goo.gl/CWtQ1F Choudhury, Golam Wahed. Documents and Speeches on the Constitution of Pakistan. Green Book House, 1967.
Daniele, Ganser. NATO's Secret Armies: Operation Gladio and Terrorism in Western Europe. London: Routledge, 2004. Demirel, Tanel. "Lessons of Military Regimes and Democracy: The Turkish Case in a Comparative Perspective." Armed Forces & Society. vol. 31. no. 2
Deutsch, Robert. "Subject: A Rare Glimpse into Turkey Military Intel: Iraq, PKK Concerns, Paranoia, AntiNato Campaign." US Embassy Ankara cable. 22/12/2004, at: https://goo.gl/avHbKq Ebadi, Shirin. Iran Awakening: A Memoir of Revolution and Hope. New York: Random House, 2009. El Amrani, Issandr. "Sightings of the Egyptian Deep State." Middle East Report Online. 1/1/2012, at: https:// goo.gl/gDNN2y Elster, J. & R. Slagstad (eds.) Constitutionalism and University Cambridge Cambridge: Democracy. Press, 1988. Fatah, Tarek. Chasing a Mirage: The Tragic Illusion of an Islamic State. Canada: J. Wiley & Sons, 2008. Fazel, Seena B. & Dominic Parviz Brookshaw (eds.). The Baha'is of Iran: Socio-Historical Studies. London and New York: Routledge, 2008. Garverick, Rob. "Subject: Iran's Money Launderers, Sanction-Busters, and Revolutionary Guard Money Makers: A Baku Sampler." US Embassy Baku Cable.
Gregory, Shaun. "The ISI and the War on Terrorism." Studies in Conflict & Terrorism. vol. 30. no. 12 (2007). Gill, Peter. Policing Politics: Security Intelligence and the Liberal Democratic State. London: Frank Cass Press, 1994. Golkar, Saeid. "Paramilitarization of the Economy: The Case of Iran's Basij Militia." Armed Forces & Society. vol. 38. no. 4 (2012). Grare, Frédéric. Reforming the Intelligence Agencies in Pakistan's Transitional Democracy. Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace, 2009. ________. "Political Dimensions of Police Reform in Pakistan." Policy Outlook. Carnegie, 14/7/2010, at: https://goo.gl/7Femi2 Guida, Michelangelo. "The Sèvres Syndrome and 'Komplo' Theories in the Islamist and Secular Pressm." Turkish Studies. vol. 9. no. 1 (2008). Hansen, Thomas Blom & Finn Stepputat (eds.). States of Imagination: Ethnographic Explorations of the Postcolonial State. Durham: Duke University Press, 2001. Haqqani, Husain. "History Repeats Itself in Pakistan." Journal of Democracy. vol. 17. no. 4 (2006). ________. "Islamism and the Pakistani State." Current Trends in Islamist Ideology, no. 15 (2013). Hussain, Murshid & Akmal Hussain. Pakistan: Problems of Governance. New Delhi: Centre for Policy Research, 1993. Helmke, Gretchen & Steven Levitsky. Informal Institutions and Comparative Politics: A Research Agenda. Helen Kellogg Institute for International Studies. 2003, at: https://goo.gl/XMPTdt Hen-Tov, Elliot & Nathan Gonzalez. "The Militarization of Post-Khomeini Iran: Praetorianism 2.0." The Washington Quarterly. vol. 34. no. 1 (2011). Human Rights Watch. "Turkey: Letter to Minister Aksu Calling for the Abolition of the Village Guards." Human Rights Watch. 7/6/2006, at: https://goo.gl/EiqtNk
Ilter, Erdal. Milli Istihbarat Teskilatı tarihçesi. Milli Istihbarat Teskilatı Müstesarlıgı, 2002. Jackson, Roy. Mawlana Mawdudi and Political Islam: Authority and the Islamic State. London: Routledge, 2011. Jacoby, Tim. "For the People, of the People and by the Military: The Regime Structure of Modern Turkey." Political Studies , vol. 51, no. 4 (2003). Jaffrelot, Christophe. The Pakistan Paradox: Instability and Resilience. Oxford: Oxford University Press, 2015. Jenkins, Gareth. "Continuity and Change: Prospects for Civil-Military Relations in Turkey." International Affairs. vol. 83. no. 2 (2007). ________. "Between Fact and Fantasy: Turkey's Ergenekon Investigation." Silk Road Paper (August 2009). Karlsson, Ingmar et al. Turkey, Sweden and the European Union: Experiences and Expectations. Stockholm: Swedish Institute for European Policy Studies, 2006. Landau, Jacob M. "The Nationalist Action Party in Turkey." Journal of Contemporary History. vol. 17. no. 4
Makarenko, Tamara. "The Crime-Terror Continuum: Tracing the Interplay between Transnational Organised Crime and Terrorism." Global Crime. vol. 6. no. 1 (2004). Mottahedeh, Roy P. The Mantle of the Prophet: Religion and Politics in Iran. New York: Simon and Schuster, 1985. Nasr, Vali. "Military Rule, Islamism and Democracy in Pakistan." The Middle East Journal. vol. 58. no. 2 (April 2004). Nordlinger, Eric A. Soldiers in Politics: Military Coups and Governments. Englewood Cliffs, N.J.: Prentice- Hall, 1977. Organised Crime in Europe. Netherlands: Springer, 2004. Perlmutter, Amos. "The Praetorian State and the Praetorian Army: Toward a Taxonomy of Civil-Military Relations in Developing Polities." Comparative Politics. vol. 1. no. 3 (1969). Pew Research Center. "On Eve of Elections, a Dismal Public Mood in Pakistan." 7/5/2013, at: https://goo.gl/ gQJgBZ Polat, Necati. "The Anti-Coup Trials in Turkey: What Exactly is Going on?." Mediterranean Politics. vol. 16. no.
Rabkin, Rhoda. "The Aylwin Government and 'Tutelary' Democracy: A Concept in Search of a Case?." Journal of Interamerican Studies and World Affairs. vol. 34. no.
Roberts, Mark J. "Pakistan's InterServices Intelligence Directorate: A State within a State?" Joint Force Quarterly. vol. 48. no. 1 (2008). Safi, Polat. "History in the Trench: The Ottoman Special Organization-Teskilat-ı Mahsusa Literature." Middle Eastern Studies. vol. 48. no. 1 (2012). Safshekan, Roozbeh & Farzan Sabet. "The Ayatollah's Praetorians: The Islamic Revolutionary Guard Corps and the 2009 Election Crisis." The Middle East Journal. vol. 64. no. 4 (2010). Samii, A. William. "Factionalism in Iran's Domestic Security Forces." Middle East Intelligence Bulletin. vol. 4. no. 2 (February 2002). Scott Peter Dale. The Road to 9 / 11: Wealth, Empire, and the Future of America. California: University of California Press, 2007. Shah, Aqil. The Army and Democracy: Military Politics in Pakistan. Harvard: Harvard University Press, 2014.
Siddiqa, Ayesha. Military Inc.: Inside Pakistan's Military Economy. London: Pluto Press, 2007. Söyler, Mehtap. "Informal Institutions, Forms of State and Democracy: The Turkish Deep State." Democratization. vol. 20. no. 2 (2013). Taheri, Amir. "After the Elections: A New System Emerging in Iran." American Foreign Policy Interests. vol. 31. no. 5 (2009). Toprak, Sadik. "The New Face of Terrorism in Turkey: Actor Unknown Political Murders." Journal of Forensic Sciences. vol. 54. no. 6 (2009). Tunander, Ola. "The Use of Terrorism to Construct World Order." Paper presented at the Fifth Pan-European International Relations Conference. The Hague, 2004. UN Secretary-General (UNSG). Report of the United Nations Commission of Inquiry into the facts and circumstances of the assassination of former Pakistani Prime Minister Mohtarma Benazir Bhutto. 15/4/ 2010, at: https://goo.gl/e2KM8t Vaner, Semih. "Turquie: la démocratie ou la mort." Politique étrangère. vol. 63. no. 4 (1998). Wilson, Eric. Government of the Shadows: Parapolitics and Criminal Sovereignty. London: Pluto Press, 2009. Wehrey, Frederic M. The Rise of the Pasdaran: Assessing the Domestic Roles of Iran's Islamic Revolutionary Guards Corps. Santa Monica, CA: Rand Corporation, 2009. Wright, Robin B. (ed.). The Iran Primer: Power, Politics, and US Policy. Washington, DC: United States Institute of Peace Press, 2010. Whyte, David & Scott Poynting (eds.). Counter-Terrorism and State Political Violence: The 'War on Terror' as Terror. London: Routledge, 2012. Woodworth, Paddy. "Why Do They Kill? The Basque Conflict in Spain." World Policy Journal. vol. 18. no. 1
Yusuf, Huma. "Conspiracy Fever: The US, Pakistan and its Media." Survival. vol. 53. no. 4 (2011).