قضايا الحدود بين السودان وجنوب السودان
الملخّص
تعرض هذه الورقة قضايا الحدود بين السودان وجنوب السودان تحليليًا، وتقف على تطورها تاريخيًا؛ منذ اتفاقية الس ماا الشامل عام 2005، مرورًا بتقرير لجنة ترسيم الحدود والنزاع على عدة مناطق حدودية ومراحل التفاوض حولها (دبة الفخار، وجبل المقينص، ومنطقة كاكا التجارية، ومنطقة حفرة النحاس، وكافيا كنجي، ومنطقة " 14 ميل"، وكذلك أبيي)، إضافة إلى محاولة دراسة التأثير الذي أحدثه الانفصال في المجموعات السكانية على طول الحدود. وجدت الورقة أنّ قضايا الحدود بين السودان وجنوب السودان لا يمكن حل ها عبر التحكيم، أو الاستفتاء، أو حتى الترسيم. فنمط الحياة على الحدود والكثافة السكانية المرتبطة بها أفرزا تعقيدًا سيستمر فترة طويلة جدًا قد تتجاوز المئة عام القادمة، إلا في حالة حدوث تحوّل جذري في نمط حياة المجتمعات على جانبَي الحدود. ويبقى حل الحدود المرنة هو الحل المنطقي الوحيد الذي يمكن أن يؤسس لس ماا دائم وثقة متبادلة بين قبائل المنطقة. كلمات مفتاحية: اتفاقية الس ماا الشامل، السودان، جنوب السودان، المناطق المتنازع عليها. This paper analyzes border issues between Sudan and South Sudan, since the 2005 Comprehensive Peace Agreement. It also provides insight into the report of the Boundary and Demarcation Commission regarding the contested border areas such as (Jouda, Mount Almeqinas, Kaka Commercial Area, 14-mile area and Abyei). The paper is also attempts to study the impact that secession has had on population groups along the border lines. The paper found that border issues between Sudan and South Sudan cannot be resolved through arbitration, referendum or even demarcation. The border lifestyle and associated population density have produced a complexity that will continue beyond the next 100 years. This would only change in the event of a fundamental lifestyle shift in the societies on either side of the border. The resolution of flexible borders remains the only logical solution that can establish lasting peace and mutual trust among the tribes of the region. Keywords: Comprehensive Peace Agreement, Sudan, South Sudan, Disputed Territories.
Resource Conflicts and Survival Instincts: Border Issues between Sudan and South Sudan
مقدمة
عندما أقرت "اتفاقية السلام الشامل" عام 2005 1 بين السودان وجنوب السودان حق تقرير المصير لجنوب السودان2، لم تكن الإشارة إلى تقرير مصير جنوب السودان، ومن ثم استقلاله في عام 2011، كافية لتعبر عن التأثير الذي سيحدثه هذا الأمر في طول الحدود بين السودان وجنوب السودان. ويبلغ طول هذا الخط الحدودي نحو 2,175 كم، ويمتد من حدود الدولتين مع أفريقيا الوسطى غربًا حتى حدودهما مع إثيوبيا شرقًا. وتمر الحدود عبر إحدى عشرة ولاية، ست منها في السودان وخمس في الجنوب. إن ولايات السودان الحدودية ابتداءً من الغرب هي جنوب دارفور وشرقه وجنوب كردفان والنيل الأبيض وسنار والنيل الأزرق. أما ولايات جنوب السودان، فهي غرب بحر الغزال وشماله وواراب والوحدة وأعالي النيل3.
هذه المساحات الواسعة تضم مجموعات مختلفة من القبائل الرعوية وشبه الرعوية والمزارعين الذين ظلت مجتمعاتهم على امتداد عقود طويلة تتنقل بين الخطوط الإدارية بحرية تامة، وبمجموعات ضخمة من حيوانات الرعي في مراحل منتظمة مع حركة خطوط المطر في الخريف والصيف. إضافة إلى أن الحدود تمر عبر سهول رعوية وأراضٍ زراعية ذات موارد طبيعية زادت أهميتها بعد الاكتشافات النفطية فيها4.
مع إجراء الاستفتاء وإعلان انفصال جنوب السودان، تحولت الخطوط الإدارية فورًا إلى حدود فاصلة بين دولتين وأصبحت تعبّ عن حقوق سيادية ونزعة قومية متزايدة. وتحولت القضية فجأة إلى نزاع إقليمي بين دولتين وسلسلة من التوترات المحلية بين المجموعات المختلفة المقيمة على طول الحدود. وتشابكت القضايا بطريقة يتمّ فيها تبنّي القومية لتعزيز مصالح محلية، وأحيانًا تكون المصالح المحلية قناعًا للسياسات القومية كما هي الحال في أبيي. تحاول هذه الورقة عرض قضايا الحدود بين السودان وجنوب السودان بطريقة تحليلية تقف على تطورها تاريخيًا، منذ اتفاقية السلام الشامل، مرورًا بتقرير لجنة ترسيم الحدود والنزاع على عدة مناطق حدودية ومراحل التفاوض حولها، إضافة إلى محاولة دراسة التأثير الذي أحدثه الانفصال في المجموعات السكانية على طول الحدود.
الحدود في اتفاقية السلام الشامل 2005
اتفق الطرفان في اتفاقية السلام الشامل عام 2005 على أن تكون الحدود الفاصلة بين السودان وجنوب السودان هي خط الحدود الإدارية لمديريات جنوب السودان الثلاث، وهي: بحر الغزال وأعالي النيل والاستوائية، عن مديريات شمال السودان في الأول من كانون الثاني/ يناير 1956 عند استقلال السودان5. هذه المرجعية في تحديد معايير تقييم الحدود هي المرجعية نفسها التي حددتها اتفاقية أديس أبابا للسلام عام 1972 لإنهاء المرحلة الأولى من الحرب الأهلية السودانية)1972-1955(6. وقد تجسّد هذا الخطّ الحدودي في قانون الحكم الإقليمي الجنوبي الذي اعتمده كخطٍّ للحدود الإدارية، ولكنه تحوّل إلى مشكلةٍ معقّدة مع التوسّ ع في التنقيب عن النفط في هذه المناطق والتحوّل إلى أنماط الزراعة الآليّة7. وتكمن الإشكالية في أن حدود عام 1956 غير مدونة على نحو جيد وتفتقر إلى عمليات المسح الدقيق. يقول دوغلاس جونسون مستشار حكومة الجنوب بشأن الحدود: "لقد افتقرت الكثير من الحدود إلى عمليات مسح، وحتى أكثر الخرائط التفصيلية لا تسجل ملامح مهمة لتضاريس الأرض على طول الخطوط الحدودية"8. ثمّ إن تحديد الحدود الإدارية، عام 1956، بوصفه مرجعية، لا يضع في الاعتبار وجود ممارسات المجتمعات المحلية وتحركاتها، وذلك
فيما عدا بروتوكول أبيي عام 2005 الذي يسعى لتحديد نظارات دينكا نقوك التسع التي تم ضمها إلى كردفان في عام 1905 9. أثرت عدة عوامل في زيادة التوتر على الحدود خلال الفترة الانتقالية 2010-2005()، فتقرير المصير القادم جعل المجتمعات المحلية تفكر في مستقبل وجودها في المنطقة على نحو مختلف. وزادت حدة الادعاءات حول ملكية الأرض، وظهرت مزاعم تاريخية من كل طرف من الأطراف. ومع ازدياد حدة التوتر، عمدت المجموعات المحلية لضمان حقها في الرعي عبر ادعاءات مطلقة وشبه قومية حول ملكية المنطقة الحدودية. ومنذ عام 2005، أصبحت هذه المجتمعات المحلية تتصرف، على نحو مطّرد، بوصفها دولً وتصوغ مطالبها في ادعاءات ملكية مطلقة لدولة/ قومية. وعلى سبيل المثال، فإنّ ادعاء دينكا نقوك مِلكية أبيي حصريًا يهدد إمكان التعايش مع المسيرية10 الذين ينتابهم الغضب حيال مطالبة الدينكا بمنطقة يعتبرون أنها تعود إليهم11.
وعلى الرغم من أن السودان سحب قواته المسلحة كاملة من جنوب السودان بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل، وذلك في الوقت نفسه الذي سحبت فيه الحركة الشعبية 5`3 في المئة من قواتها التي كانت في الشمال؛ استجابة لبنود الاتفاقية، فإنّ مظاهر التسلح لم تنخفض بين البلدين وخصوصًا في مناطق الحدود. وتقول التقارير في تلك الفترة إن الطرفين قد عززَا قواتهما على طول الحدود خصوصًا في مناطق هجليج وأبيي وولاية الوحدة وفي مناطق كافيا كنجي وأعالي النيل. وقد أثر هذا الوجود الكثيف للسلاح والقوات المسلحة تأثيرًا سلبيّا في حياة المجتمعات الحدودية، أقلها؛ زيادة أسعار الوقود والسلع في المنطقة. كما زادت مظاهر التسلح من عدم الإحساس بعملية السلام بعد توقيع الاتفاقية وأعطت انطباعًا مفاده أن سباقًا على الموارد، وخصوصًا على النفط والأراضي، قد بدأ بين السودان وجنوب السودان، وقد يتحول هذا السباق إلى صراع مسلح، أو حرب شاملة أخرى، للسيطرة على منطقة اقتصادية أو إستراتيجية مهمة على الحدود مع اقتراب موعد تقرير المصير. وتتبع كلا الجيشين في المنطقة، ميليشيات عسكرية ومجموعات مدنية قبلية مسلحة؛ ما يزيد الصراع حدةً، ويزيد تأثيره في مجتمعات الحدود ومستقبل التعايش بينها12. وتولّد المزيد من عدم الثقة وعدم الاستقرار لدى المجموعات المحلية خلال الفترة الانتقالية، بسبب الخوف من أن تغيير الحدود سينتج منه عدم ضمان حرية الانتقال إلى المراعي بين البلدين. ومثّل التسليح القبلي والحشود قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت مهددة لاستقرار المنطقة، خصوصًا مع تفكيك المنظومة التقليدية للتفاوض وحل النزاعات بسبب سنوات الحرب بين الشمال والجنوب. وفي وقت تزايدت فيه حدة التوتر، خلال الفترة الانتقالية في مناطق ميوم وأبيي، نجد أن أهالي دينكا ملوال والرزيقات13 والمسيرية نجحوا في عقد مؤتمرات للصلح، عامَي 2008 و 2009، ووضعوا أسسًا لتنظيم الهجرة وحركة الرعي عبر الحدود في مناطقهم14. هذا المناخ من التوتر على الحدود خلال الفترة الانتقالية، عززته عقود من الحرب، وما صاحبها من تغيير في التركيبة السكانية المختلفة وفي طريقة حياتها ما بين الرحل والرعاة والمزارعين المستقرين التي تزامنت مع تطور صناعة النفط في المنطقة. في الوقت نفسه، زاد حجم الثروة الحيوانية لدى المجتمعات الحدودية مع تغيرات مناخية أسهمت في إعادة النظر في مفاهيم ملكية الأراضي بين الرعاة الرحل وكذلك المزارعين المستقرين. وعلى الرغم من أن اتفاقية السلام الشامل أقرت إنشاء لجنة قومية للأراضي وأخرى لجنوب السودان، فإن هذه اللجان افتقرت إلى الموارد كما افتقرت إلى التأييد السياسي للقيام بواجباتها. ولم يحدد أي إطار يتمّ من خلاله معالجة إعادة توطين النازحين والمهجرين أو تعويضهم15. تسارعت هذه العوامل لترسم بيئة من عدم الثقة بين الأطراف بعد فشلها في تنفيذ البند الخاص بالحدود في اتفاقية السلام الشامل التي حددت أن قضية ترسيم الحدود يجب أن تنتهي قبل بداية الفترة الانتقالية في تموز/ يوليو 2005. وأوكلت اتفاقية السلام الشامل مهمة تحديد الحدود وترسيمها إلى اللجنة الفنية لترسيم الحدود التي يتمّ تشكيلها بواسطة الرئاسة، ويشمل ذلك تخطيطها على الورق Delimitation وتوقيعها على الأرض بوضع العلامات الحدودية Demarcation من دون أن تحدد الاتفاقية تفاصيل الأساليب الإجرائية لعمل المفوضية أو الوقت المحدد لإكمال مهمتها16. غير أن المرسوم الرئاسي الذي تشكلت به اللجنة الفنية لترسيم الحدود في أيلول/ سبتمبر 2005 نص على التالي: تناط باللجنة مهمة ترسيم خط الحدود بين جنوب السودان وشماله وفقًا لما كانت عليه في 1 كانون الثاني/ يناير.1956 من دون الإخلال بعمومية النص في البند 1() المذكور آنفًا، تتولى اللجنة المسؤوليات والصلاحيات التالية: أ. الرجوع إلى كافة الخرائط والرسومات والوثائق. ب. زيارة كافة المناطق الحدودية بين شمال السودان وجنوب السودان ومناطق التداخل القبلي. ج. مشاورة زعماء القبائل والإداري نن المدنيين في مناطق التداخل، والاستماع إلى إفاداتهم، ومراجعة أي وثائق يزودون بها المفوضية.
د. الاستعانة بخبراء داخليين وخارجيين إن لزم الأمر17. واجهت اللجنة الفنية لترسيم الحدود منذ البداية معوقات، تمثلت في نقص التمويل وسلسلة من النزاعات الإجرائية المطولة. وعلى الرغم من ذلك، فقد أنجزت لجنة الترسيم التابعة للجنة الحدود عددًا من مهماتها وجمعت كمية ضخمة من الوثائق والخرائط داخل السودان وخارجه وزارت الولايات الحدودية، واجتمعت مع ولاتها ومحافظيها وإداراتها الأهلية، وعرّفت الجميع بطبيعة عمل اللجنة ومهماتها. وقامت اللجنة، أيضًا، بمعالجة الوثائق والخرائط بأحدث الطرق وقارنتها ببعضها وأعدت وصفًا تفصيليًا دقيقًا للحدود بالإحداثيات، ورسمت ذلك على الخرائط. ولكن اللجنة لم تستطع إنهاء عملها قبل الاستفتاء، فقامت برفع تقرير أولي إلى مؤسسة الرئاسة، في حزيران/ يونيو 2010، يتضمن الاتفاق على 80 في المئة من الحدود. لكنّ الطرفين رفضَ ا محتويات التقرير خصوصًا فيما يتعلق بالمناطق غير المتفق عليها. وشملت مناطق الاختلاف، بحسب تقرير اللجنة، منطقتين على حدود النيل الأبيض وأعالي النيل، هما دبة الفخار على الضفة الشرقية للنيل الأبيض والمقينص على الضفة الغربية للنهر، فضلً عن منطقة كاكا التجارية على حدود جنوب كردفان وأعالي النيل ومنطقة حفرة النحاس وكافيا كنجي بين جنوب دارفور وبحر الغزال. وقد أضافت رئاسة الجمهورية منطقة خلافية خامسة بعد مطالبة جنوب السودان بها؛ وهي منطقة 14" ميل" جنوب بحر العرب عند الحدود بين شرق دارفور وشمال بحر الغزال. وفي 29 آب/ أغسطس 2010، اتفق الطرفان على أن يبدأ ترسيم الحدود فورًا في المساحة المتفق عليها، وأن يتم ذلك قبل نهاية الفترة الانتقالية في تموز/ يوليو 2011 وهو ما لم يحدث على الرغم من قيام الاستفتاء، وبعده استقلال جنوب السودان18. مثّل عدم ترسيم الحدود تحديًا حقيقيًا لتطبيق اتفاقية السلام الشامل، خصوصًا في مستويات اقتسام السلطة والثروة والترتيبات الأمنية. فقد أثرت هذه القضية في عمل الخدمة المدنية والإدارية ولجان الأراضي والتعداد السكاني وتعريف الجنسية، ومن ثمّ قضية الاستفتاء في تقرير المصير. وفي جانب الثروة، أثرت في تحديد مواقع حقول النفط وتبعيتها وكذلك الأراضي الزراعية والمراعي، وحتى في قضايا مثل الضرائب والعوائد المالية الأخرى والتجارة. وقد وصلت الأمور إلى أسوأ مراحلها بعد قرار السودان إغلاق الحدود وقرار جنوب السودان وقف إنتاج النفط في كانون الثاني/ يناير 2012. وفي جانب الأمن، حددت الاتفاقية إعادة انتشار القوات المسلحة وقوات الجيش الشعبي بخط الحدود في عام 1956، وأسهم عدم ترسيم الحدود في حشود عسكرية متزايدة من الطرفين في المناطق المتنازع عليها. وتطور هذا التوتر إلى عمليات عسكرية واسعة في أبيي وهجليج ومناطق أخرى على طول الحدود19. طوال هذه الفترة، ظل الطرفان يعقدان جولات من المفاوضات حول قضايا الحدود والترتيبات الأمنية الأخرى بوساطة أفريقية وضغوط من مجلس الأمن. وفي 27 أيلول/ سبتمبر 2012، وقّع الطرفان حزمة من الاتفاقيات في أديس أبابا، تشمل الحدود، إضافةً إلى الترتيبات الأمنية والسماح بتدفق النفط والتجارة عبر الحدود. وأعيد تأكيد خط 1956 مرة أخرى، بوصفه خطًا للحدود بين البلدين، وتأكيد وجود خمس مناطق متنازع عليها، ورَد ذكرها في تقرير مفوضية الحدود، إضافة إلى أبيي20.
الحدود واتفاقية أديس أبابا: 27 أيلول/ سبتمبر 201221
جاءت اتفاقية أديس أبابا حول الحدود في مناخ متصاعد من التوتر على الحدود، كما سبق أن ذكرنا ذلك، ومثلت تقدمًا كبيرًا في حينها، على الرغم من أنها لم تحسم كل قضايا الحدود نهائيًا. نظريًا، عالجت الاتفاقية قضايا الحدود، ما عدا المناطق الخمس المتنازع عليها وأبيي. واقترحت آليات محددة لتحقيق ما يسمى "الحدود المرنة" التي تصبح مدخلً للأمن والسلام والتعايش والتواصل عند المنطقة الحدودية بين الدولتين. وحددت الاتفاقيةُ الآليةَ الأولى التي تسمى
مفوضية الحدود المشتركة Commission Border Joint، وأعضاؤها على مستوى الوزراء، وتُعنى بالإشراف على تنفيذ الاتفاقيات المتعلقة بالحدود المرنة، وتشمل التجارة الحدودية والأمن والتداخل السكاني والرعوي، إضافة إلى ترسيم الحدود. والآلية الثانية هي اللجنة المشتركة لترسيم الحدود Joint Demarcation Committee، وهي تُعنى بترسيم الحدود المتفق عليها بين الدولتين. وقد حددت الاتفاقية أوقاتًا معيّنة لتنفيذ مناشط لجنة الترسيم التي تشمل وضع الخطة والميزانية ومواقيت تنفيذ الترسيم. وهناك آلية أخرى، ولكنها تعتبر جزءًا من لجنة ترسيم الحدود على الأرض، تسمى "أتيام ترسيم الحدود" Teams Technical Joint، وهي تتكون من 80 مهندسًا 40" من كل دولة"22. ومن أهم الأمور التي اهتمت بها الاتفاقية معالجة موضوع المناطق الخمس المختلف فيها (المذكورة آنفًا.) ومن أجل هذا الهدف عيّنت اللجنة الأفريقية الرفيعة المستوى AUHIP برئاسة الرئيس ثامبو أمبيكى، وبالتنسيق مع الاتحاد الأفريقي، لجنة سميت لجنة الخبراء Exerts of Panel، ومهمة هذه اللجنة هي إعطاء الأطراف رأيًا غير ملزم عن وضع المناطق المختلف فيها وإلى من تؤول إليه. يذكر أن جنوب السودان حاول إضافة مناطق خلافية جديدة وخاصة منطقة هجليج النفطية بعد أن خسرها بقرار محكمة لاهاي التي حسمت أمرها لمصلحة السودان، كما أعدت دولة جنوب السودان خريطة ضمّنت فيها مناطق جديدة داخل السودان، غير تلك المختلف فيها، وادعت تبعية هذه المناطق لها23. وبما أن ترسيم الحدود سيأخذ زمنًا، فقد اقترحت الآلية الأفريقية الرفيعة المستوى خريطة سميت "خريطة أمبيكى"، وحددت فيها ما يسمى بالخط الصفري Line Zero، وحددت منطقة حوله على مسافة 10 كيلومترات شمالً وجنوبًا سميت "المنطقة الآمنة المنزوعة السلاح" SDBZ، وذلك من أجل: انسحاب قوات الدولتين إلى خارج المنطقة الآمنة. فتح المعابر عند نقطة التقاء الطرق العابرة مع الخط الصفري؛ لتسهيل حركة التجارة بين البلدين ودخول المواطنين وخروجهم24. اندلعت الحرب الأهلية في جنوب السودان في كانون الأول/ ديسمبر 2013، ودارت معارك طاحنة بين الفرقاء الجنوبيين، ما عرقل أي اتصالات بين السودان وجنوب السودان لتحديد الخط الصفري، أو إنشاء المنطقة الآمنة المنزوعة السلاح25. وبعد تقدم عملية السلام التي ترعاها منظمة إيغاد في جنوب السودان، أعلنت حكومة الجنوب أنها ستقوم بسحب جيشها إلى جنوب الخط الصفري، بينما أعلن السودان عن فتح المعابر بين الدولتين26. وعلى الرغم من أن هذه الخطوة تعتبر متقدمةً في سبيل نزع فتيل أزمة الحدود وحل القضايا العالقة سلميًا، فإنّ الوضع الهش للسلام بدولة جنوب السودان يعرقل أي خطوات جادة لتنفيذ كل بنود اتفاقية أديس أبابا الموقعة في 27 أيلول/ سبتمبر 2012، ومن ثم البدء في ترسيم الحدود وحل قضية المناطق الخمس المتنازع عليها، إضافةً إلى قضية أبيي.
المناطق الحدودية المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان
على الرغم من محاولة جنوب السودان إضافة مناطق جديدة إلى طاولة التفاوض ضمن ما عُرف بالمناطق المدعاة، فإنّ البلدين والأطراف الراعية للمفاوضات اعترفت بخمس مناطق حددتها لجنة الحدود باعتبارها مناطق متنازع عليها بين البلدين. وتشمل المناطق الخمس المتنازع عليها منطقتين على حدود النيل الأبيض وأعالي النيل، هما دبة الفخار على الضفة الشرقية للنيل الأبيض وجبل المقينص على الضفة الغربية للنهر، إضافة إلى منطقة كاكا التجارية على حدود جنوب كردفان وأعالي النيل، ومنطقة حفرة النحاس وكافيا كنجي بين جنوب دارفور وبحر الغزال، ومنطقة 14" ميل" جنوب بحر العرب عند الحدود بين شرق دارفور وشمال بحر الغزال. وتتميز هذه المناطق بدرجة عالية من التداخل السكاني، بالنظر إلى طبيعتها الغنية بالموارد الزراعية والرعوية. ويُذكر أنّ أبيي كانت خارج نطاق
عمل لجنة الحدود لأنه تمّ تخصيصها ببروتوكول خاص ضمن اتفاقية السلام الشامل 2005 27.
1. كافيا كنجي وحفرة النحاس
تقع هذه المنطقة في أقصى الجنوب الغربي من ولاية جنوب دارفور المتاخمة لولاية شمال بحر الغزال. وهي عبارة عن متوازي أضلاع تبلغ مساحته 13 كم 2. وكانت المنطقة جزءًا من سلطنة الفور خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين. وزعم بعض المؤرخين الغربيين أن المنطقة شهدت غارات واسعة من أجل تجارة الرقيق التي كان يرعاها سلاطين الفور، ما تسبب بتفتّت المجتمعات القبلية المحلية التي لجأت إلى هذه المنطقة لوعورتها. وقد أطلق الفور اسم "الفراتيت" على هذه المجموعات السكانية المبعثرة. وعندما جاء الزبير باشا إلى المنطقة وأقام معسكراته في ديم الزبير، قام بالسيطرة على كافيا كنجي وحفرة النحاس، واتخذها قاعدة انطلقت منها حملته للسيطرة على دارفور في عام 1873. ولكن المنطقة آلت إلى سيطرة الحكم التركي - المصري، في عام 1879، بعد هزيمة سليمان بن الزبير باشا، ليتم إخلاؤها بعد فترة قصيرة؛ وذلك بسبب قيام الثورة المهدية واستلامها حكم السودان. وتعرضت المنطقة لاستعمار قصير من البلجيكيين ثم الفرنسيين. وعندما وصلت قوات الحكم الثنائي الإنكليزي - المصري إلى منطقة بحر الغزال في عام 1903، كانت المجموعات السكانية في المنطقة (الفراتيت) في حالة يرثى لها من الغارات المتواصلة عليها حتى من قبائل الزاندي الاستوائية حلفاء الفرنسيين في تلك الفترة28. على الرغم من ذلك، ظلت منطقة كافيا كنجي وحفرة النحاس تابعة للسلطان علي دينار الذي حكم دارفور حتى مقتله في عام 1916. وفي عام 1924، لم تقم لجنة ويتلي - مونرو باعتماد خط 14" ميل" بوصفه حدودًا للرزيقات في مناطق دينكا ملوال فحسب، بل في امتداده داخل المحافظة الغربية ومنطقة راجا أيضًا29. لكن الأمور تغيرت على نحو كبير في عام 1930 عندما أعلنت السلطات الاستعمارية سياسة المناطق المقفولة، وعمد محافظ بحر الغزال إلى إبعاد كل العناصر الشمالية من دارفور من إقليم بحر الغزال، ثم زاد على ذلك بإعلانه إخلاء المنطقة في كافيا كنجي وحفرة النحاس من السكان؛ فقد تمّ ترحيل سكانها من الفراتيت إلى راجا، بينما أجبرت مجموعات من السكان المسلمين على العودة شمالً إلى دارفور. وكانت هناك عدة محاولات للعودة إلى المنطقة، خصوصًا في مواسم الرعي. وقد دار حديث حول إعادة توطين المنطقة بالفراتيت أو البقارة من التعايشة والهبانية وبني هلبة، غير أن الحكام الإنكليز في بحر الغزال وفي دارفور لم يوافقوا على تحمل مسؤولية إدارة هذه المنطقة الوعرة، على الرغم من أن الجميع كان يرغب في استخدام أراضيها الواسعة. استمر هذا الوضع إلى عام 1952، واستمرت عملية "السودنة" التي سبقت الاستقلال، وجرى خلالها الاتفاق على إعادة التوطين في منطقة كافيا كنجي وحفرة النحاس وضمها إلى دارفور. وقد أشارت اتفاقية أديس أبابا لعام 1972 إلى حق السكان في استفتاء من أجل تحديد تبعية المنطقة إلى دارفور أو إلى غرب بحر الغزال، ولكن هذا الاستفتاء لم يتم إجراؤه30. طالبت دولة جنوب السودان بإعادة منطقة كافيا كنجي وحفرة النحاس إلى حدودها، مؤكدةً أن المنطقة لم تضم إلى دارفور إلا بعد عام 1960 31، ولكن حكومة السودان رفضت هذا الادعاء وأشارت إلى قرار لجنة ويتلي - مونرو عام 1924 32. وتتبع المنطقة اليوم محافظة الردوم، وتسكن هذه المنطقة مجموعات كبيرة من التعايشة والهبانية والرزيقات وبني هلبة والفلاتة، إضافة إلى قبائل البنقا والكارا واليولو والدنقة والبرنو والبرتي، بيد أن ثمة تبادلً للاتهامات بأن بينها من كان أصيلً في السكن في المنطقة ومن كان وافدًا. وتتميز المنطقة بمواردها الطبيعية، خصوصًا اليورانيوم والنحاس والأخشاب33.
2. "منطقة 14 ميل"
في منتصف القرن التاسع عشر وصلت مجموعات من دينكا ملوال واستقرت على ضفاف بحر العرب، ولكنها تراجعت جنوبًا مع نشاط الزبير باشا وقبائل الرزيقات الرعوية في المنطقة، على الرغم من أنها ظلت مسيطرة على المنطقة جنوب بحر العرب وهزمت قوات المهدية المتقدمة من دارفور جنوبًا في عام 1893، كما منعت الرزيقات من الرعي في المنطقة جنوب بحر العرب حتى بداية القرن العشرين. ومع مجيء الاستعمار الإنكليزي – المصري، ظل الوضع على ما هو عليه مع استمرار النزاعات والقتال بين الرزيقات ودينكا ملوال في موسم الرعي. وكان أهالي الرزيقات في حينها يتبعون السلطان علي دينار في دارفور،
بينما كان أهالي الدينكا ملوال تابعين للحكم الإنكليزي - المصري. وفي عام 1912، عقد الحاكم الإنكليزي على بحر الغزال اجتماعًا بين الدينكا ملوال والرزيقات في بحر العرب، تمّ اعتماده خطًّا للحدود بين بحر الغزال ودارفور، وجرى منح الرزيقات حق الصيد جنوب بحر العرب ولكن تمّ منعهم من تعدي النهر من أجل الرعي34. تغيرت هذه الحال سريعًا مع سقوط مملكة دارفور ومقتل علي دينار في عام 1916، وأصبح الرزيقات حلفاء للإنكليز. وعندما نشب نزاع جديد حول المرعى بين الرزيقات والدينكا ملوال أعلن حاكم دارفور البريطاني أن دار الرزيقات قد تم توسعتها بمساحة 65 كيلومترًا (نحو 40 ميلً) جنوب بحر العرب، ما تسبب باعتراض قوي من قِبل دينكا ملوال. وفي عام 1924، اجتمع حاكم دارفور وحاكم بحر الغزال (باتريك مونرو ومارفين ويتلي)، وجرى الاتفاق على حدود دار الرزيقات في خط موازٍ للنهر جنوب بحر العرب على بعد 23 كيلومترًا (نحو 14 ميلً)، وتمّ اعتماد هذه الحدود الجديدة بعد الاستجابة لبعض اعتراضات الدينكا ملوال، فقد مُنحوا امتياز الاستخدام المشترك للمراعي جنوب بحر العرب مع الرزيقات35. ظل الوضع على هذه الحال حتى استقلال السودان في عام 1956، وكانت النزاعات التي تنشب بين الدينكا ملوال والرزيقات حول المرعى، تُحل عبر الإدارات الأهلية. ثمّ إنّ الحرب الأهلية الأولى واتفاقية أديس أبابا عام 1972 أو الحرب الأهلية الثانية لم تؤثر في وضع الحدود. لكن حركة السكان في المنطقة، عمومًا، تأثرت بالنشاط الاقتصادي المصاحب للزراعة الآلية أولً، ثم باكتشافات النفط وإنتاجه ثانيًا. وقد ضاقت مساحة المراعي في الشمال، ما أدى إلى ضغط من القبائل الرعوية على مساحات المرعى إلى أبعد من منطقة 14" ميل"، كما دخلت قبائل أخرى مثل المسيرية في هذا النطاق، إضافة إلى الرزيقات والدينكا ملوال. يذكر أن المسيرية يسيطرون على طرق التجارة من شمال بحر العرب إلى شمال بحر الغزال، خصوصًا الخط الحديدي إلى أويل ثم واو36. منذ عام 2005، وبعد توقيع اتفاقية السلام الشامل، زادت وتيرة النزاعات المسلحة في المنطقة، خصوصًا مع قرب ترسيم الحدود المحروسة بجيشَ البلدين وما سيحدثه ذلك من تأثير في حركة السكان وتحديدًا الرعاة. وفي كانون الثاني/ يناير 2010، عقد الرزيقات والدينكا ملوال مؤتمرًا للصلح في أويل من أجل تنظيم مسارات الرعي وضمان عدم حصول نزاعات مستقبلية بين الطرفين. وكان أهم نتائج المؤتمر إنشاء محكمة تقليدية مشتركة بين الجانبين؛ من أجل فض النزاعات، وتأكيد العرف القبلي، والتاريخ الطويل من التعاون المشترك بين القبيلتين في قضايا الرعي والاحترام المتبادل بين الطرفين. ولم تتمّ الإشارة إلى الحاجة إلى تعديل الحدود أو إلغاء خط 14" ميل"37.
3. مدينة كاكا التجارية
كاكا التجارية هي منطقة تجارية حدودية تفصل بين ولايتي جنوب كردفان بالسودان وولاية أعالي النيل في دولة جنوب السودان وتقع بين خطَّي العرض 11-10، وهي منطقة تجارية وتبادل منافع بين الشمال والجنوب، لكنها غير صالحة للسكن، أراضيها منبسطة، تغمرها المياه فترةً طويلة من العام، ولا تصلح للزراعة. تنمو فيها الأعشاب التي تتحمل المياه الكثيرة، وتتمتع بمرعى صيفي. وحينما طبق الإنكليز قانون المناطق المقفولة على جبال النوبة، أصبحت جبال النوبة معزولة تمامًا من دون مداخل للتجارة والسلع، فقام الحاكم العام بضم منطقة كاكا التجارية التي تقع على النيل؛ لتكون ميناءً لنقل البضائع إلى جنوب كردفان عبر وثيقتين صدرتا عامَي 1923 و.1929 وتقول حكومة جنوب السودان إنّ الوضع لم يستمر على هذه الحال، وإنه تمّ تعديل الحدود وإعادة منطقة كاكا التجارية إلى أعالي النيل، وتستشهد على ذلك بالخرائط لجنوب كردفان وأعالي النيل، غير أنه ليس هناك وثيقة تدعم هذا الادعاء38. المناطق الشمالية من أعالي النيل تقطنها مجموعات من الدينكا والشلك، بينما تقطن منطقة كاكا التجارية مجموعات من أولاد حميد وقبائل السليم الرعوية. والحقيقة أن الوضع في المنطقة يختلف تمامًا عن الأوضاع في الحدود الغربية بين ولايات دارفور وولايات بحر الغزال؛ فكل هذه المكونات تتعايش فيما بينها فترات تاريخية بعيدة، حتى إنّ السليم كانوا يحسبون ضمن قبائل أعالي النيل، وفيما بعد تم ضمهم إلى النيل الأبيض. وما ساعد على التعايش أن قانون المناطق المقفولة لم يجرِ تطبيقه في هذه المنطقة وقد انتشرت اللغة العربية انتشارًا كبيرًا بين الدينكا والشلك في هذه المنطقة ودان كثيرون منهم بدين الإسلام. وفي التاريخ القريب لم تنشأ مشكلات كبيرة بين هذه المكونات؛ لأن المنطقة ظلت بعيدة عن مناطق نفوذ الحركة الشعبية. والغريب في الأمر أن النزاعات القبلية كانت في معظمها بين الدينكا والشلك حول الأراضي، إذ يدعي الشلك أن مناطقهم قد تغول عليها الدينكا، وأنهم تاريخيًا كانوا منتشرين شرق النهر وغربه.
ونشبت، كذلك، صراعات بين السليم وأولاد حميد. فقد سيطر أولاد حميد على منطقة كاكا التجارية بعد ضمها إلى جنوب كردفان، بينما تراجع نفوذ السليم إلى مناطق رعوية حول المدينة39. لم تتغير الحدود الإدارية على الرغم من ادعاء دولة جنوب السودان أن كاكا التجارية أعيدت إلى أعالي النيل مرة أخرى قبل الاستقلال. ولكن النشاطات الاقتصادية والسياسية أثرت بقوة في حركة السكان في المنطقة، وهددت التعايش السلمي فيما بينها. فعمليات الزراعة الآلية التي دخلت المنطقة في سبعينيات القرن الماضي قلصت مساحات المراعي كثيرًا، وكذلك عمليات التنقيب عن النفط. وبعد توقيع اتفاقية السلام، توترت العلاقات بين المكونات القبلية للمنطقة، فنشب نزاع بين الشلك والسليم حول حقوق جمع الصمغ العربي وملكية أشجاره في المنطقة، حتى إنّ الشلك غيروا اسمه من الصمغ العربي إلى صمغ أرض الجنوب. وزادت الحرب الأهلية في جنوب السودان الصراع بين الدينكا والشلك حدّةً، وهددت طرق الرعي بالنسبة إلى القبائل الرعوية الشمالية. إن تحديد خط ثابت للحدود، وتقلبات العلاقات السياسية بين السودان ودولة جنوب السودان، والتهديد المتكرر بإغلاق الحدود، من الأسباب التي تهدد السلام وتهدد الاستقرار الذي ظلت هذه المنطقة تعيشه، على الرغم من الصراعات التي أدت إلى انفصال الجنوب40.
4. منطقة جبل المقينص
تقع منطقة "المقينص" جنوب غرب ولاية النيل الأبيض، وهي تبعد نحو 146 كيلومترًا جنوب كوستي، وتشترك في هذه المنطقة ثلاث ولايات (النيل الأبيض وجنوب كردفان وأعالي النيل)، لكن الجزء الأكبر منها يقع في النيل الأبيض، وهنالك شواهد حدودية فوق الجبل تفصل بين الولايات الثلاث. وتشتهر المقينص بالزراعة والرعي، وهي تُعد أكبر مشروع زراعي في النيل الأبيض، وتقطنها قبائل متعددة مثل السليم والأحامد الكنانة، والكواهلة، وبني عمران، والشلك، والدينكا والنوير، وغيرها. كما أنها امتداد ما بين سليم جنوبًا والشنخاب والأحامدة شمالً على امتداد قراها من المسبل، والمشارة، وكوكة، والبشارة، والدبة الطيشة، والمطمير، وهيرة الجداد، والتبلدية. والنزاع الحدودي هو بين ولايتي أعالي النيل وجنوب كردفان على جزء من المنطقة الجبلية التي يرد أنها غنية بالمعادن والنفط. وهناك نزاعات محلية بشأن توطين البدو واستغلال الموارد المحلية، فقبيلة سليم ترى أن منطقة الجبل جزء من دار سليم، ويدعي الشلك أنها تابعة لهم41. نشأ النزاع الحالي حول مساحة أربعة كيلومترات؛ لأن لجنة الحدود عند مراجعتها لخط الحدود، وهو خط مستقيم في هذه المنطقة يمر من الشرق إلى الغرب عند جبل المقينص، وجدت أن القراءات الحديثة بجهاز تحديد المواقع GPS قد كشفت أن جبل المقينص لا يوجد في النقطة نفسها التي حددتها خرائط المسح السودانية منذ بداية القرن العشرين حتى الاستقلال. ووجدت اللجنة أن هناك نقطتين لرسم الخط الحدودي، إحداهما في القمة والثانية عند السفح، وهما نقطتان مختلفتان. هذه الاختلافات فتحت الباب للنزاع حول ادعاء تبعية المنطقة، خصوصًا أن تغيير الحدود لميل واحد قد يدخل العديد من المشاريع والقرى ضمن حدود الدولة الأخرى42.
5. جودة (تبة الفخار)
تقع منطقة جودة جنوب النيل الأبيض، وهي منطقة تفصل بين ولايتَي النيل الأبيض وأعالي النيل وتتوسد الضفة الشرقية لمجرى النهر. وتمثل منطقة تداخل قبلي وتعايش سلمي بين الشمال والجنوب. ومن أشهر قراها دبة الفخار مركز نفوذ قبيلة نزّى، وهي محل النزاع القائم الآن بين الشمال والجنوب وجودة العدل وكيلو أربعة والتبون، وهذه تمثل مركز ثقل الزراعة الآلية المطرية والثروة الحيوانية. ومن أشهر القبائل في هذه المنطقة قبائل الدينكا أبلانج وقبائل دار محارب ومنها قبيلة نزّى وقبيلة الوغداب. ويتمحور الخلاف فيها حول مساحة لا تتعدى كيلومترين شمالً وجنوبًا43. في عام 1920، جرى تحديد الحدود بين النيل الأبيض وأعالي النيل بعد اتفاقية تم توقيعها بين الحاكم الإنكليزي لكل محافظة، عام 1917، وتم خلالها تحديد خط ثابت يبدأ من جبل ترتارة إلى نقطة على بعد ميل واحد شمال أبو حرام ومنها مباشرة إلى النيل موازيًا لخط العرض، وقد تمّ تعديل الحدود لتصبح خطًا ثابتًا من خور أبو ضرس في جزيرة بلى على بعد 1.5 ميلٍ جنوب خط 12.15 درجة حتى قوز نبق في حدود محافظة سنار. ولكن قبل عام واحد من الاستقلال، تمّ اجتماع بين محافظ أعالي النيل ومحافظ النيل الأبيض، فقد اتفقَا على تعديل الحدود لتصبح خطًا ثابتًا يتجه شرقًا من مثلث دبة الفخار حتى يصل قوز نبق، ثم يتجه جنوبًا ليتصل بالحدود
القديمة المحددة في عام 1920. هذا الاتفاق تم نشره في الجريدة الرسمية بعد الاستقلال في عام 1956. كان الترسيم الجديد سيدفع الحدود شمالً على بعد 800 متر، بينما جعل الترسيم القديم للحدود منذ عام 1920 العديد من قرى الدينكا أبلانج تقع داخل حدود النيل الأبيض في دولة السودان44. في عام 1983، جرت محاولة لترسيم الحدود بين الولايتين ولكنها اصطدمت بعدم الاتفاق بين الجانبين؛ ذلك أنّ أعالي النيل لم تنجح في إبراز مستند يؤكد أن اجتماعًا قد جرى في عام 1955 لإعادة ترسيم الحدود، كما أن التعديل تمّ نشره بعد الاستقلال، ولهذا أصر جانب النيل الأبيض على العمل بمسودة عام 1920. إضافة إلى ذلك، برز تعقيد بسبب تحديد نقطة الحدود على جزيرة بلى التي تظهر في الخرائط القديمة مثل جزيرة واحدة، ولكنها الآن تظهر مثل جزيرتين يفصل بينهما خور. ثمّ إن نقطة تحديد الحدود في أقصى شمال غرب الجزيرة الجنوبية (جزيرة حلقة) اختفت بسبب عوامل التعرية في النيل (ظاهرة الهدام.) وهكذا تقتسم اليوم حكومتا السودان وجنوب السودان مدينة جودة في انتظار حل النزاع حول دبة الفخار45.
6. منطقة أبيي
تقع هذه المنطقة في الجزء الجنوبي الغربي من ولاية غرب كردفان، وهي تحدّ من الجهة الغربية ولاية جنوب دارفور. أما من الناحية الشرقية والناحية الجنوبية، فتقع عند الحدود الدولية لجمهورية السودان مع جنوب السودان عند ولايتي الوحدة وولاية شمال بحر الغزال. وتقع المنطقة من الشمال على خط العرض 10.10 شمال، ومن الشرق خط الطول 27.50 شرقًا، وغربًا خط الطول 29.0 في مساحة تقدر ب 16 ألف كم 2. ويمر في هذه المنطقة أحد روافد النيل الأبيض وهو بحر العرب الذي يجري من الغرب إلى الشرق مع هطول الأمطار، ثم يتحول إلى برك متقطعة على طول مصبه في فصل الصيف، وتعرف هذه البرك بالرقاب، وأشهرها الرقبة الزرقاء؛ ولهذا فإن المنطقة مناسبة للرعي والزراعة، ما جعلها مكانًا تقصده القبائل الرعوية من شمال السودان وأطراف الصحراء الكبرى منذ مئات السنين في هجرات تاريخية. تسكن منطقة أبيي، على نحو أساسي، قبيلة المسيرية وعدد من القبائل العربية الصغيرة، وعدد من التجار، وعدد من موظفي الخدمة المدنية والمعلمين بجانب دينكا نقوك46. ولقد اختلفت المصادر في تاريخ وصول المسيرية الحمر إلى هذه المنطقة، لكن دراسات عدة ترجح أنهم جاؤوا إلى هذه المنطقة في نهاية القرن السادس عشر الميلادي، ثم توغلوا جنوبًا حتى جهات بحر العرب47. في حين استندت قبيلة دينكا نقوك إلى رواية الرحالة براون التي أشار إليها في مذكراته، وقال فيها إنّه عندما زار المنطقة عام 1798 وجد مجموعة من الدينكا تسكن في المناطق المتاخمة لبحر العرب. ويرى أنّ أهالي دينكا نقوك سكنوا على ضفاف نهر الزراف، ثم انتقلوا إلى مناطق بحر العرب، قبل المسيرية48، ولا توجد وثائق تثبت زعم أيٍّ من الطرفين أو تدحضه. في عام 1905، قام الحكم الإنكليزي - المصري بضم مشيخات دينكا نقوك التسع إلى كردفان بدلً من بحر الغزال. وفي عام 1929، قررت السلطات البريطانية رسم خريطة، أو على نحو أدق إعادة رسم خريطة المديريات الشمالية والجنوبية؛ من أجل تطبيق قانون المناطق المقفولة. وقام دينكا التوج جنوب بحر العرب، الذين كانوا قد ضموا مع دينكا نقوك إلى كردفان في عام 1905، بطلب العودة إلى بحر الغزال، وقد تمّ ذلك في عام 1929. أما دينكا دوينق الذين كانوا في أبيي شرق المنطقة، فطلبوا ضمهم إلى أعالي النيل، وجرى ضمهم إليها في عام 1931، في حين رفض أهالي دينكا نقوك العودة إلى مناطقهم وفضلوا البقاء ضمن كردفان49. وقبيل الاستقلال، قام الحاكم الإنكليزي بإعطاء زعيم دينكا نقوك (دينق مجوك) الخيار مرة أخرى للانضمام إلى بحر الغزال أو البقاء في كردفان، فاختار هو وأهله البقاء في كردفان. وكل ذلك حصل نتيجةً للتعايش العظيم والتحالف القائم بين المسيرية الحمر والدينكا نقوك والعلاقة الخاصة التي تربط دينق مجوك بالناظر بابو نمر50. لكن الحرب الأهلية الأولى بعد الاستقلال عكرت صفو التعايش بين هذه القبائل. وفي اتفاقية أديس أبابا، تمّت الإشارة إلى عقد استفتاء للدينكا نقوك من أجل الانضمام إلى إقليم الجنوب أو البقاء في كردفان. غير أن هذا الاستفتاء لم يحدث. وتجددت الصراعات مرة
أخرى مع اندلاع الحرب الأهلية الثانية في عام 1983، وفي هذه المرة تسنّم مجموعة من أبناء أبيي سلم قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان. هذا الأمر جعل أبيي حاضرة بقوة في مفاوضات اتفاقية السلام الشامل وجرى تخصيص بروتوكول خاص بها، تم توقيعه في 24 أيار/ مايو 2004 في نيفاشا بكينيا. عرّف البروتوكول منطقة أبيي في المادة الأولى من الفقرة 2() بأنها منطقة مشيخات دينكا نقوك التي حولت إلى كردفان في عام.1905 ونص في المادة الخامسة على تأسيس مفوضية حدود أبيي من أجل تحديد منطقة مشيخات دينكا نقوك التسع، التي حولت إلى كردفان في عام 1905، وترسيمها. الإشكالية التي خلقها هذا النص هو تعارضه مع نص اتفاقية السلام الشامل الذي حدد خط الحدود في عام 1956 بوصفه خطًّا للحدود بين الدولتين. وهذه أول مرة يتمّ فيها ربط وضع الحدود بالسكان بدلً من الجغرافيا، فالاستفتاء سيقوم به الدينكا نقوك والسكان الآخرون في أبيي ليس لتحديد تبعيتهم لدولة جنوب السودان أو دولة السودان فحسب، وإنما كذلك لتحديد تبعية الأرض التي يقطنون فيها. كما أن تحويل مشيخات دينكا نقوك إلى كردفان هو نص غامض، وكأن أبيي كانت تابعة لبحر الغزال ثم تمّ تحويلها، في حين أنّ أبيي ظلت في الحدود الجغرافية لكردفان حتى قبل دخول الحكم الإنكليزي - المصري للسودان51.
تم إجراء تعديل على بروتوكول أبيي في ملحق التفاهم حول مفوضية أبيي في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2004 نص على تشكيل مفوضية حدود أبيي، وترشيح خمسة خبراء يقوم أحدهم برئاسة المفوضية. ونصت المادة الخامسة من الملحق على تقديم المفوضية تقريرها قبل نهاية الفترة الانتقالية، وعلى أنّ هذا التقرير سيكون نهائيًا وملزمًا لطرفَ النزاع. كانت مهمة لجنة مفوضية حدود أبيي، بحسب التفويض الذي حدده لها بروتوكول أبيي، هو جمع الأدلة التي يحدد في ضوئها حدود منطقة أبيي التي حولت بحسب تعريف البروتوكول إلى كردفان في عام 1905. واعترفت لجنة الخبراء في تقريرها بعدم وجود وثائق كافية توضح على نحو قاطع الوضع الإداري للمنطقة في عام 1905، أو خريطة توضح مكان إقامة دينكا نقوك في السنة نفسها52. لكنْ أصدرت لجنة الخبراء تقريرًا تجاوز صلاحياتها، وقامت بترسيم حدود منطقة أبيي بطريقة رفضتها حكومة السودان بطريقة رفضتها حكومة السودان53. وساعد التقرير في تأجيج النزاع بين سكان المنطقة وانقسامهم.
فقد رفض المسيرية نتائج التقرير لاعتقادهم أنّ الخبراء قد قاموا بتوسيع رقعة مساحة الأراضي التي يسكن فيها دينكا نقوك إلى منطقة أبعد كثيرًا مما كانت عليه في الأصل، لتشمل مناطقهم المعروفة في الميرم وهجليج وناما ومصايفهم التقليدية التي يقضون فيها ثمانية شهور في السنة. وتمسك دينكا نقوك بنتائج التقرير وأصروا على ترسيم حدود المنطقة المتنازع عليها بحسب ما جاء في التقرير مباشرة. وانتهي الأمر برفع القضية برمتها إلى التحكيم الدولي في لاهاي. وقضى قرار المحكمة بتقليص حدود منطقة أبيي من 18500 كم 2 إلى 10 آلاف كم 2، وفق خريطة أصدرتها المحكمة. وبناءً عليه، باتت الحدود الشمالية للمنطقة عند خط العرض 10 درجات و 10 دقائق54. لكن على الرغم من ذلك، ظلت مشكلة أبيي عالقة بسبب الاختلاف بشأن من يحق له التصويت في الاستفتاء لتقرير مصير المنطقة55.
خاتمة
لا شك في أن الحرب الأهلية التي اندلعت في دولة جنوب السودان في كانون الأول/ ديسمبر 2013، قد عرقلت - أو أجّلت - التوصل إلى تفاهمات نهائية بشأن الحدود بين الدولتين. غير أن واقع الأمر يقول إنّ قضايا الحدود بين السودان وجنوب السودان لا يمكن حلّها - حتى بانتهاء الحرب - عبر التحكيم أو الاستفتاء أو حتى الترسيم. فقد أفرز نمط الحياة على الحدود والكثافة السكانية المرتبطة بها تعقيدًا سيستمر فترةً طويلةً جدًا ربما تتجاوز المئة عام القادمة، إلا في حال حدوث تحول جذري في نمط حياة المجتمعات على جانبَي الحدود. وعلى الرغم من أن المفوضية التقنية للحدود أقرت بالاتفاق بين الطرفين على 80 في المئة من تعيين الحدود بين السودان وجنوب السودان، فإن المساحة الباقية تظل كبيرة جدًا (أكثر من 400 كيلومتر)، ومعقدة جدًا إذ تشمل أكثر مناطق التداخل في البلدين بين المكونات المحلية. يبقى حل الحدود المرنة هو الحل المنطقي الوحيد الذي يمكن أن يكون مؤسّسًا لسلام دائم وثقة متبادلة بين قبائل المنطقة. وحينها سيقع على عاتق الدولتين تطوير هذه المناطق وتنميتها على نحو مشترك من شأنه تقليل احتمالات الصراع على الموارد عند جانبَي الحدود.
المراجع
العربية
أبو الفاتح، عوض خليل. "الجذور التاريخية لمشكلة أبيي في السودان الوعي وتطورها.". العدد 286 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2010 أبو صالح، محمد حسين. "المنظور الإستراتيجي لعلاقة السودان مجلة الأكاديمية العسكرية بجنوب السودان.". العدد 75 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2012 اتفاقية السلام الشامل. كينيا: 20 حزيران/ يونيو.2005 آدم، عمر سليمان. أبيي نزاع المسيرية والدينكا، الماضي والحاضر ومستقبل السودان. الخرطوم: ديوان الحكم الاتحادي،.2007 آلية الاتحاد الأفريقي رفيعة المستوى. "اتفاقية الحدود بين جمهورية السودان وجمهورية جنوب السودان." أديس أبابا..2012/9/27 تورشين، محمد علي أحمد. "آثار الانفصال على حاضر ومستقبل العلاقات بين السودان وجنوب السودان." رسالة ماجستير. كلية العلوم السياسية. جامعة أم درمان الإسلامية. الخرطوم..2014 جبارة، جبارة محمد. "تطور العلاقات السيوسياسية في السودان ودورها في تعزيز الوحدة الوطنية: المسيرية الحمر والدينكا نقوك دراسات مجتمعية أبيي نموذجًا.". العدد 5 (حزيران/ يونيو.)2007 الحسن، محمد إبراهيم. "مستقبل العلاقة بين السودان وجنوب مجلة الأكاديمية العسكرية. السودان." العدد 7(تشرين الثاني/ نوفمبر.)2012 أبيي من شدوم إلى لاهاي الدبيلو، سليمان.. الخرطوم: هيئة الخرطوم للصحافة والنشر،.2010 رجل يدعى دينق مجوك: سيرة زعيم ومجدد دينق، فرانسيس.. ترجمة وتحقيق بكري جابر. الخرطوم: مركز الدراسات السودانية،.2004 زين العابدين، أسامة علي. "النزاع بين شمال السودان وجنوب الراصد للدراسات السودان في حالة الانفصال.". العدد 9 (كانون الأول/ ديسمبر.)2010 زين العابدين، أمين حامد. اتفاقية السلام الشامل وخلفية الصراع الفكري. الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر،.2007 أزمة أبيي بين القانون الدولي ومسألة التحكيم. الولايات المتحدة الأميركية: المطبعة الدولية،.2009 عليو، محمد عيسى. "العلاقات بين الرزيقات ودينكا ملوال." رسالة ماجستير. جامعة أم درمان الإسلامية. الخرطوم..2007
كريز، جوشوا. الخطوط الفاصلة: الرعي والصراع على طول الحدود بين السودان وجنوب السودان. جنيف: المعهد العالي للدراسات الدولية والتنموية،.2012 اللجنة الفنية لترسيم حدود 1956/1/1 بين شمال السودان وجنوبه. تقرير لجنة مطابقة الوثائق مع الخرائط. أديس أبابا.2009/9/2. الملحق .1 محمد، بدر الدين رحمة. الصفوة السودانية وصناعة الانفصال. دراسات مجتمعية. العدد 5 (حزيران/ يونيو.)2007 مرسال، عبد الرحمن أرباب. "تداعيات استفتاء أبيي." ورقة مقدمة في مؤتمر الجمعية السودانية للعلوم السياسية. الخرطوم. نمر، راشد عثمان. "تطورات قضية جنوب السودان والمستقبل." رسالة دكتوراه. كلية العلوم السياسية والدراسات الإستراتيجية. جامعة الزعيم الأزهري. الخرطوم..2011
الأجنبية
Concordis International. "More Than A Line: Sudan's North- South Border." September 2010, at: https://goo. gl/khvmx9._________ "Cross Border Relations Beyond the Opportunities." and Challenges Referendum: Workshop Summary. Agok, Sudan, June 152010 18-, at: https://goo.gl/Gda7CW Craze, Joshua. "Contested Borders: Continuing Tensions over the Sudan-South Sudan Border." Small Arms Survey. Geneva: Graduate Institute of International and Development Studies. November 13, 2014, at: https:// goo.gl/bAWfjq Deng, F. Dynamics of Identification. Khartoum: Khartoum University Press, 1973. De Waal, Alex. "When Kleptocracy Became Insolvent: Brute Causes of the Civil War in South Sudan." African Affairs. vol. 113. no. 452 (2014). Henderson, K.D. "The migration of the Misseria into southwest Kordofan." Sudan Notes & Records. vol. 22. part 1 (1939).._________ "Note on History of Western Kordofan Baggara." January 1935. SAD 660/11/165, in: Abyei Boundaries Commission Report, Addis Ababa, July 2005. Howell, P. "Note on the Ngork Dinka of Western Kordofan." Sudan Notes & Records. vol. 32. part 1 (June 1951). International Crisis Group. "Sudan: Defining the North South Border." Juba, Khartoum, Nairobi and Brussels: September 2, 2010, at: https://goo.gl/L4WBeX Johnson, Douglas H. When Boundaries Become Borders: The Impact of Boundary Making in Southern Sudan's Frontier Zone. London: Rif Valley Institute, 2010. Pinaud, Clemence. "South Sudan: Civil War, Predation and the Making of a Military Aristocracy." African Affairs. vol. 113. no. 451 (2014). Thomas, Edward. The Kafia Kingi Enclave: People, politics and history in the north-south boundary zone of western Sudan. London and Nairobi: Rift Valley Institute, 2010. United Nations. "The Addis Ababa Agreement on the Problem of South Sudan." at: https://goo.gl/EaHmkF Vaughan, Christopher & Mareike Schomerus & Lotje De Vrie (eds.). The Borderlands of South Sudan: Authority and Identity in Contemporary and Historical Perspectives. New York: Palgrave Macmillan, 2013.