حراك الريف: السياق والتفاعل والخصائص
الملخّص
تبحث هذه الدراسة في الدينامية الاحتجاجية لمغرب ما بعد "الربيع العربي"، وترصد "حراك الريف" من حيث سياقاته المحلية والوطنية والإقليمية، وأسبابه التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتفاعل مختلف مكونات المشهد السياسي المغربي، سواء السلطات السياسية أو الأمنية أو الحزبية أو المجتمع المدني. وتستخلص الدراسة النقائص السياسية والدستورية والقانونية التي تجعل الاحتجاج في الشارع هو الخيار المفضل للمتضررين من الأثر السلبي للسياسات العمومية المتبعة. وانطلاق ا من حراك الريف، ترصد هذه الدراسة خصائصه وأهدافه وتداعياته وأشكاله النضالية والتنظيمية والخطابية والتعبوية؛ إذ إن الحراك، على الرغم ممّ ا تعرّض له من تجاوزات من طرف المؤسسات الرسمية، فإنه حافظ على سلميته وطابعه الشبابي وشعبيته واستمراريته وتمدده الجغرافي وتجدد أساليبه وقوة تواصله وتنوع أشكاله النضالية والتنظيمية، والحفاظ على مسافة تباعد مع الأحزاب الرسمية، والمزاوجة بين الراديكالية والمرونة، وبين طابعه المحلي وإشعاعه الوطني والدولي. وهي خصائص توضح أننا بصدد تطور نوعي في السلوك الاحتجاجي وأمام جيل جديد من الحركات الاحتجاجية يستفيد من تراكم الحركات السابقة ويضيف إليها سمات جديدة. كلمات مفتاحية: الربيع العربي، حراك الريف، المغرب. This study explores protest dynamics in Morocco following the "Arab Spring", examining the Rif uprisings within their local, national, and regional context, and assessing the various socio-political, economic, historical, and cultural drivers behind the protests. The research draws on the political, constitutional and legal shortcomings that render street protest the preferred political action against the negative impact of public policies. Despite government violations, these protests have remained peaceful, maintained a youthful character and popularity. These movements have continued to expand, innovate, and communicate, while maintaining diversity in organization and expression. The combination of radicalism and flexibility, and the fusion of its local character with its national and international dimensions. All of these characteristics indicate the developments in protest behaviour, with a new generation adding new experiences. Keywords: The Arab Spring, the Rif Uprising, Morocco.
The Moroccan Rif Uprising: Context and Characteristics
مقدمة
شهدت منطقةُ الريف في ش لاا المغرب، منذ أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 2016، حركة احتجاجات أطلقها موت / قتل المواطن محسن فكري1. وقد انطلقت الاحتجاجات من مدينة الحسيمة، مركز الريف، لتنتقل وتشمل مناطق أخرى خارجها (من قبيل إقليم الناظور)، صارت مع مرور الوقت جزءًا من هذه الحركة التي توسعت لتستقطب فئات شعبية متنوعة في المنطقة أيضًا، وهو ما أضفى عليها صبغة الحراك الشعبي، واستطاعت كسب تعاطف باقي المناطق وتضامنها داخل المغرب وخارجه. استمرت الاحتجاجات وصمدت، وتصاعدت وتيرتها، على الرغم من المبادرات الكثيرة لإيقافها، سواء من خلال مبادرات الحكومة أو الجهة الترابية أو بعض "الوسطاء"2، وكذا من خلال تعزيزات أمنية كثيفة، وتدخلات عنيفة، ونصب الحواجز للحيلولة دون مشاركة المواطنين، وعلى الرغم من حملات الاعتقال والمحاكمات والحملات الإعلامية لتشويه هذه الاحتجاجات. عمَّت حركة الاحتجاجات، إذًا، جُلَّ الريف، فشملت كلًّ من إمزورن، وتروكوت، وبوكيدارن، وآيت بوعياش، وأجدير، وآيت قمرة، وآيت عبد الله، وآيت حذيفة، وترجيست، وتلارواق، وبني بوفراح، وبني جميل، وآيت يطفت، وآيت عمارت، والرواضي، وتمسمان، وسواها، لتشكل ما عُرف باسم "حراك الريف"، وهو الحراك الذي يستحق وقفة تأمُّل ورصد لكثيرٍ من مميزاته، بما لها وما عليها، لفهم حقيقة التحولات المجتمعية، وطبيعة الثقافة التي تتشكل في المجتمع المغربي وتشكل الوعي الجمعي لكل مكوناته، وحقيقة النظرة إلى المؤسسات والوسائط الموجودة، والدور الذي تقوم به الحركات الاجتماعية في المغرب. ومن ثم، لا يمكن فصل دينامية الريف عن غيرها من الديناميات الاحتجاجية التي يعيشها المغرب تعبيرًا عن عدم الرضى عن السياسات العمومية غير المنصفة لفئات عريضة من الشعب، وعن عدم الشعور بأن المؤسسات المدبرة تحقق معيار التمثيلية الشعبية لتكون المعبِّ عن مطالب الشعب. ولذلك، ترى فئات اجتماعية عريضة ألّ طريق أمامها إلا الاحتجاج للتعبير عن عدم الرضى، وطرح الاقتراحات والبدائل. تسعى هذه الدراسة - في محاولتها رصد التحولات في ثقافة الاحتجاج في المغرب - لتدارس هذا الحراك من حيث: سياقه، ودواعيه وأسبابه، وخصائصه، وأهدافه، وتداعياته، وأشكاله النضالية والتنظيمية والخطابية والتعبوية، وآفاقه، والتفاعل معه من مختلف مكونات المشهد السياسي المغربي، وكيفية احتضان المجتمع له، وطريقة تعامل السلطات معه.
أولا: سياقات حراك الريف
لا يمكن فهم طبيعة حراك الريف، وأبعاده وتداعياته، من دون التطرق إلى سياقاته الخاصة والعامة، وكذا سياقاته المحلية والوطنية والإقليمية.
1. السياق المحلي لحراك الريف
تزخر منطقة الريف بثروات طبيعية وإمكانيات هائلة، لم تستفد منها لتحقيق تنمية متوازنة تستعين بها الساكنة على تحسين ظروف عيشها. وتأثرت المنطقة تأثرًا سلبيًّا نتيجة عقود من التهميش والعزلة والإقصاء، ولذلك فقد كانت كل المؤشرات تفيد بأنها مؤهلة لموجة احتجاجات عامة تفوق في حدتها تلك الاحتجاجات التي عرفتها المنطقة في ظل "حركة 20 فبراير".2011 ولأنها منطقة تنتمي إلى الهامش، جغرافيًّا وتنمويًّا، فهي تشبه إلى حد بعيد الخصيصة التي لازمت مناطق انطلاق الاحتجاجات في الربيع العربي3 عام 2011. ويمكن هنا التذكير باحتجاجاتٍ قادتها منطقة تلارواق4، استمرت شهورًا قبل موت محسن فكري، بسبب تفويت أراضي الآلاف من المزارعين للأملاك المخزنية من قِبَل تعاونية وهمية غير منتجة. وهي احتجاجات تُوِّجت بمسيرة على الأقدام لأكثر من 5000 نسمة من قبيلة بني سدات في اتجاه مدينة الحسيمة التي تبعد 120 كيلومترًا، بعد الإخفاق في التوصل إلى حل واقعي يضمن لهم استرجاع "حقوقهم المغتصبة" ووضع حدٍ لمعاناتهم واعتصاماتهم اليومية التي تجاوزت ثلاثة أشهر. ولذلك، كانت منطقة الريف مرشحة لتشهد احتجاجات كبيرة وعامة، لأن مجالها الترابي متجانس،
والشعور بالانتماء إلى هوية جامعة مرتفع جدًّا، وتجاوُب الساكنة مرشح ليكون كبيرًا، بحكم الواقع المشترك لكل مناطق الريف.
2. السياق الوطني لحراك الريف
لم تهدأ الاحتجاجات في المغرب بعد عام 2011؛ فقد ظلت وتيرتها في ارتفاع ملحوظ5، مع تغيُّ في طابعها؛ إذ انتقلت من احتجاجات ذات طابع سياسي ووطني، كما كان شأن حركة 20 فبراير، إلى احتجاجات فئوية ومناطقية وذات بعد مطلبي اجتماعي بالأساس. لقد عرف المغرب احتجاجات واعتصامات للطلبة الأطباء، والأساتذة المتدربين، واحتجاجات ساكنة شمال المغرب ضد شركة أمانديس، وعرفت مناطق عديدة احتجاجات حول مطالب بسيطة أحيانًا، ولكن بمشاركة شعبية واسعة، وهو ما يؤكد أن الاحتجاج في الفضاء العام أصبح الأسلوبَ الأشدّ ملاءمة لدى المغاربة، للتعبير عن عدم الرضى، وإيصال مطالبهم إلى من يهمه الأمر. يطرح هذا الأسلوب أكثر من سؤال حول مؤسسات الوساطة، وجدوى الانتخابات والمؤسسات التي تفرزها وحدود تمثيليتها، كما يدل على وعي شعبي وتخلُّص من ثقافة الخوف والتردد، وانتقال من اللامبالاة والعزوف إلى المشاركة.
ولهذا، فالسياق الوطني كان مساعدًا على نشوء دينامية احتجاجية في الريف، مع احتضانها ودعمها ومساندتها في باقي مناطق المغرب. ويفسر هذا كثرة التنسيقيات المحلية التي أُسِّست لمساندة حراك الريف، وكذا كثرة الوقفات والمسيرات، وضمنها المسيرة الوطنية في الرباط يوم 11 حزيران/ يونيو 2017 التي بيَّنت حجم التعاطف الشعبي مع منطقة الريف ومطالبها.
3. السياق الإقليمي والدولي لحراك الريف
على الرغم من الطابع المحلي لحراك الريف، فإنه لا يمكن فصل هذا الحراك عن سياقاته الإقليمية والدولية؛ فقد تميز باكتسابه بعدًا دوليًّا لأسباب عدة، سنفصلها لاحقًا. على عكس الحراك الشعبي لعام 2011، يمكن القول إن السياق الإقليمي كان في غير مصلحة حراك الريف؛ فقد عرفت المنطقة العربية ثوراتٍ مضادةً، وحالة تراجع ونكوص عن مكتسبات الربيع العربي، ونشوء حلف رسمي عربي همُّه الأساس وأد كل الانتفاضات الشعبية في مهدها. ولم يختلف السياق الدولي عن مثيله الإقليمي كثيرًا؛ فالولايات المتحدة الأميركية ظلت بمنأى عن الحراك، وإسبانيا بقيت على الحياد رسميًّا، وفرنسا داعمة للموقف الرسمي المغربي في تعامله مع الحراك، والاتحاد الأوروبي، وخصوصًا المفوضية الأوروبية التي تُعَد الذراع التنفيذية للاتحاد، غلَّب مصالحه الإستراتيجية مع النظام المغربي على الاصطفاف المنطقي الذي يتطلبه الأساس الذي بُني عليه هذا الاتحاد. ولم يساند الحراك في هذا السياق سوى هيئات حقوقية وسياسية، ومجتمع مدني حي، ومغاربة منتشرين في العالم في دول مثل ألمانيا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا وفرنسا. ولكن يُحسَب لحراك الريف أنه غيَّ كثيرًا في معادلة ميزان القوى، بصموده، واستمراره، وسلميته، وعدالة مطالبه، ليفرض نفسه في جداول أعمال كثير من هذه الدول6.
ثانيًا: الأسباب المباشرة وغير المباشرة لحراك الريف
سيكون من الاختزال المخل لحراك الريف حصر أسبابه في موت محسن فكري؛ لأن المنطقة تعج بالأسباب التي تجعلها مركزًا للاحتجاج وعدم الرضى. وهي أسباب متعددة، منها التاريخي، والاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، والثقافي. يمكن، تجاوزًا، اعتبار موت فكري السبب المباشر أو النقطة التي أفاضت الكأس، فحرّكت مواجع الريفيين7. ولذلك، يلزمنا التطرق
إلى الأسباب الحقيقية/ غير المباشرة لهذا الحراك، ويمكن حصرها فيما يأتي.
1. الأسباب التاريخية لحراك الريف
خضعت منطقة الريف للاستعمار الإسباني، وشهدت مقاومة باسلة بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي أعلن جمهورية ريفية، ولذلك، يرتبط اسمه دائمًا بصفة الأمير. وبعد الاستقلال، ظل الارتباط العاطفي بالأمير الخطابي كبيرًا في وجدان الريفيين، وعرفت المنطقة مقاومة لنظام الحسن الثاني، سواء في فترة ولاية عهده أو في فترة ملكه، الذي رد عليها بالعزل والتهميش والإقصاء، بدءًا من إصدار ظهير اعتبار إقليم الحسيمة منطقة عسكرية8، إلى حرمانها من بنية تحتية ومشاريع اقتصادية ومرافق ثقافية واجتماعية وخدمات أساسية؛ وهو ما جعل أبناء المنطقة مضطرين إلى الهجرة، سواء داخل المغرب أو خارجه. وتُعَد منطقة الريف من أكثر المناطق التي تشهد حركية بشرية في المغرب، ولا يستقر فيها أبناؤها، بسبب قلة فرص العمل والنشاط الاقتصادي أو انعدامهما. وفي عهد الملك محمد السادس، وعلى الرغم من إنجاز خطوات إيجابية كثيرة9، فإن المصالحة الحقيقية مع المنطقة وأبنائها لم تتحقق. وقد اتضح هذا بجلاء يوم 20 شباط/ فبراير 2011، حين انضمت المنطقة إلى المدن التي استجابت لنداء الاحتجاج الذي أطلقته حركة 20 فبراير، وأسفرت الاحتجاجات يومها عن مقتل خمسة أشخاص حرقًا في وكالة بنكية10، ولم تتقدم نتائج التحقيق حول هذه الواقعة إلى يومنا هذا لعقاب المتسبب في ذلك، خصوصًا أن شباب المنطقة لا يصدقون الرواية الرسمية التي تحدّث عنها وزير الداخلية حينها، الطيب الشرقاوي، في ندوة صحافية مساء 21 شباط/ فبراير 2011، قائلً: إن "الضحايا الخمس التهمتهم النيران بعد أن علقوا داخل وكالة بنكية كانوا يحاولون سرقتها بعد تفشي أعمال شغب تلت إحدى المسيرات التي دعت إليها حركة 20 فبراير." وهناك، كذلك، المماطلة في نقل رفات محمد عبد الكريم الخطابي من مقبرة الشهداء بالعباسية في القاهرة إلى المغرب، وهو مطلب ملحّ لعائلته الصغيرة والكبيرة11، ومطلب إدراج حرب الريف في المناهج المدرسية في المدارس العمومية والخصوصية ورفع التهميش عنها. ويبقى المؤشر الدال على عدم تحقق هذه المصالحة مع المنطقة هو عدم تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة بخصوص حفظ الذاكرة الجماعية للمنطقة12. وهكذا، يتضح أن الأسباب التاريخية، بآثارها النفسية، حاضرة بقوة لتغلِّف الأسباب الاقتصادية والاجتماعية بطابع سياسي، وشحنة نفسية عالية، واستعداد كبير للاحتجاج، وهو ما جعل السلطات تتعامل مع أي احتجاج عادي في المنطقة بخلفيات سياسية وأمنية متشددة.
2. الأسباب السياسية لحراك الريف
على الرغم من أن الأسباب السياسية لحراك الريف لا يُعبَّ عنها بوضوح، فإنها تبقى حاضرة على نحو غير مباشر؛ لأنه لا يمكن فصل
المطالب الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية عن طابعها السياسي، مثل "تقديم جميع المتورطين في مقتل الشهيد محسن فكري إلى العدالة، والذهاب بالتحقيقات إلى أبعد مدى، مع إعلان النتائج في أقرب وقت، والكشف عن حقيقة ملف الشهداء الخمسة في البنك الشعبي خلال أحداث يوم 20 شباط/ فبراير 2011، إضافة إلى المطلبيَن الاستعجاليَيّن المتمثليَن في إلغاء الظهير الذي يعتبر إقليم الحسيمة منطقة عسكرية13، وتعويضه بظهير يعلن إقليم الحسيمة منطقة منكوبة، وإسقاط كل المتابعات القضائية في حق بسطاء مزارعي القنب الهندي بإقليم الحسيمة والمناطق الأخرى." ويضاف إلى ذلك المطالب التي تردَّدت كثيرًا في شعارات الحراك وخطابات رموزه المطالِبة بمحاكمة المفسدين، والإفراج عن المعتقلين. وقد تعزز كثير من هذه المطالب ذات الصبغة السياسية بعد الأحكام المخففة التي صدرت في 26 نيسان/ أبريل 2017 ضد المتورطين في مقتل فكري14. ويبقى التسييس المباشر للحراك هو ما أقدمت عليه الحكومة وأحزاب الأغلبية، ونعتها للحراك بالانفصال، والتسييس، والعمالة للخارج، وتلقّي تمويل خارجي، والتخوين، والمسّ بالوحدة الترابية، من خلال تصريحات صحافية أدلت بها قيادات هذه الأحزاب، عقب اجتماع عقدته مع وزير الداخلية حول "مستجدات الأوضاع بإقليم الحسيمة"، قبل أن تتدارك هذه الأحزاب خطأها في لقاء لاحق يوم الأحد 14 أيار/ مايو وتصدر بيانًا ملطفًا مقارنة بالتصريحات السابقة لقادتها15. وساهم في حضور هذه المطالب السياسية، كذلك، الاستعمال المفرط للقوة في التدخلات الأمنية، والتوسع في الاعتقالات والمحاكمات، وعشوائيتها؛ بحيث أصبحت مطالب اعتذار الحكومة، والإفراج عن المعتقلين وتبرئتهم من التهم المنسوبة إليهم، وفك العسكرة عن المنطقة من المطالب ذات الأولوية. ويُحسَب لناشطي الحراك أنهم لم يسقطوا في فخ التسييس المباشر والمبالغ فيه لملفهم المطلبي الذي تضمَّن مطالب تنفي عنهم تهمة الانفصال، مثل مطالب ربط إقليم الحسيمة بخط السكة الحديدية، وربط الإقليم بالشبكة الوطنية للطرق السيارة (السريعة)، والتسريع في إتمام أشغال الطريق الرابطة بين تازة والحسيمة.
3. الأسباب الاقتصادية والاجتماعية لحراك الريف
تعرف منطقة الريف نسب بطالة مرتفعة، خصوصًا وسط الشباب. وعلى الرغم من إمكانياتها المتعددة، الطبيعية والسياحية والفلاحية، تشهد هذه المنطقة ركودًا اقتصاديًّا؛ بفعل ضعف الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية، باستثناء بعض المشاريع السياحية، وهذا ما جعل النشاط الرئيس في المنطقة التهريب وتجارة القنب الهندي. وتخفف تحويلات المغاربة الموجودين بكثرة في الخارج معاناة كثير من الأسر. تفتقر المنطقة إلى المرافق الأساسية، مثل المستشفيات والجامعة، وتعيش شبه عزلة، بفعل غياب شبكة طرقية للربط بين مناطقها وبين المناطق الخارجة عن الريف، وذلك على الرغم من المجهودات التي عرفتها المنطقة في السنين الأخيرة. وقد ساهمت هذه الأسباب والمعاناة الحقيقية في تحقيق التفاف شعبي واسع حول هذا الحراك وملفه المطلبي الذي تضمن جردًا لهذه المعاناة من خلال منهجية قاعدية وتشاركية؛ إذ شرع الناشطون في تسطير الملف من خلال نقاش مفتوح ومباشر، نظموه يوم الخميس 17 أيلول/ سبتمبر 2016 بفضاء ميرامار، وتم فيه اﻹعلان عن الشروع في تجميع مقترحات المطالب. وفي 14 كانون الثاني/ يناير، عمَّمت لجنة الإعلام والتواصل16 وثيقة تخص مطالب الحراك بإقليم الحسيمة، لأجل تنقيحها وتعديلها من طرف المواطنين في مدة زمنية أقصاها فاتح شباط/ فبراير 2017 في تجمعات عامة في مختلف المناطق، وهو ما أثمر ملفًّا مكونًا من 21 مطلبًا، قُسِّمت إلى مطالب اجتماعية، واقتصادية، وثقافية، وبيئية، وإدارية، مع تمييز بعض المطالب ذات الصبغة الاستعجالية17. ومن أهم هذه المطالب تم التركيز على بناء جامعة متكاملة التخصصات، وما تتطلبه من مرافق، وإحداث معاهد عليا في تخصصات عدة، وتوسيع شبكة المؤسسات التعليمية بكامل أسلاكها على امتداد الريف، وفتح مختلف التخصصات والشُّعب والمسالك التعليمية المعتمَدة من طرف وزارة التربية الوطنية (التخصصات التقنية والعلمية، والأقسام التحضيرية، وغيرها)، وإحداث مستشفى جامعي بإقليم الحسيمة، وإتمام أشغال مستشفى محمد الخامس الإقليمي، وتوفير طاقم طبي في جميع التخصصات، مع وضع حدٍ للفوضى والتسيب اللذين
يعيشهما المستشفى، وبناء مستشفى خاص بالسرطان في القريب العاجل، بمستلزماته وطاقمه الطبي، والإسراع في استكمال أشغال مستشفى إمزورن، وفتح تحقيق في الخروق التي حدثت فيه، وتعميم المستوصفات والخدمات الطبية على باقي مناطق الإقليم والنواحي، مع تزويدها بمختلف التجهيزات الضرورية (إسعاف، وأشعة، وأدوية، وغيرها) وكل الموارد البشرية الكفيلة بمباشرة العمل فيها، والحفاظ على قطاع الغابات وصيانته وفق المعايير الدولية، والحفاظ على الثروة المائية للإقليم، مع تحسين تدبير استغلالها لمصلحة الساكنة، وتحسين جودة الماء الصالح للشرب، والحفاظ على شواطئ الإقليم، وعدم السماح بالتسيب والفوضى في تدبيرها.
4. الأسباب الثقافية لحراك الريف
على الرغم من حدة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، والتهميش التاريخي، والخصوصيات الهوياتية والثقافية والجغرافية والتاريخية لمنطقة الريف، يُسجَّل لناشطي حراك الريف أنهم لم يسقطوا في فخ الطائفية والانغلاق. ويمكن أي متتبع أن يلحظ خلوّ الملف المطلبي من مطلب مراجعة التقسيم الجهوي الجديد للبلاد18 الذي قسَّم منطقة الريف إلى جهتين؛ فقد ألحق إقليم الحسيمة بجهة طنجة – تطوان - الحسيمة19، وألحق الشطر الآخر من الريف بجهة الشرق20(، وهو عكس ما كان عليه التقسيم الجهوي السابق21.
وعلى الرغم من تضرُّر منطقة الريف، وتقسيم ترابها إلى جهتين، ونقل مركز الجهة خارج الريف، وعلى الرغم من الصعوبات التي تترتب على هذا التقسيم، خلت مطالب الحراك من مطلب مراجعة التقسيم الجهوي الذي لم يكن منصفًا من النواحي التاريخية والثقافية والموضوعية والمجالية للريف، وضم الملف المطلبي، في المقابل، مطالب ثقافية عادية، من قبيل الشروع في إتمام أشغال متحف الريف، وفتح تحقيق نزيه بخصوص الخروق التي شملته، مع حفظ كل المآثر التاريخية للمنطقة وترميمها، وبناء مكتبة إقليمية تشتمل على مراجع تهم بالدرجة الأولى كل الأبحاث والدراسات التي تهتم بالريف، وكل ما يتعلق بالبحث العلمي، وإحداث مركز ثقافي يشمل مختلف النشاطات والأجنحة الثقافية (مسرح، ومعهد موسيقى، وجناح خاص بالأطفال، وغير ذلك)، وإنشاء مراكز خاصة بالنساء، للاستفادة من مختلف التكوينات الثقافية والمهنية، موزعة على مختلف الجماعات الترابية في الإقليم والنواحي، ومطالب أخرى ذات صبغة رياضية، مثل إتمام أشغال الشطر الثاني من ملعب "ميمون العرصي" لكرة القدم، وإنشاء ملعب جديد لكرة القدم بمعايير دولية، وإنشاء ملاعب كبرى لكرة القدم في مدينتَي تاركيست وإمزورن، وإنشاء مراكز تشمل مختلف النشاطات الرياضية، موزعة على مختلف جماعات الإقليم والنواحي.
ثًالث ا: تعامل السلطة مع الحراك
لم تستقر السلطة في تعاملها مع حراك الريف على أسلوب واحد، ولكنها تبنَّت خلال كل مرحلة أسلوبًا معيَّنًا، بدءًا من التجاهل والمراهنة على الزمن لخفوته، ومرورًا بالتبنِّي غير المباشر لمطالبه، رغبة في الاستفادة منه لحل معضلات أخرى، والسعي إلى احتوائه، والعمل على تشويه مقاصده والتخويف من تداعياته، والالتفاف على مطالبه، وانتهاءً باللجوء إلى قمعه، والعمل على اختراقه. كما تميَّز أسلوب السلطة في التعامل مع الحراك بتنوع المخاطبين، والتباين بينهم. وما يمكن استخلاصه من كل ما سبق هو قدرة النظام على استرجاع زمام المبادرة، ليصبح هو المتحكم في مخرجات الحراك، والانتقال من وضع دفاعي يقتصر على ردود الفعل إلى موقع المبادر الذي يحدِّد سقف الحراك وإيقاعه.
1. منهجية السلطة في التجاوب مع مطالب الحراك
تزامن انطلاق الحراك في الحسيمة مع إعلان نتائج الانتخابات التشريعية ليوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وما ترتب عنها من تعثر في تشكيل للحكومة استمر شهورًا22.
لقد ظلت حكومة تسيير الأعمال متجاهلة الاحتجاجات، والأحزاب منشغلةً بتدبير التفاوض لتشكيل الائتلاف الحكومي، والمؤسسات المحلية و"الجماعات الترابية" "مستقيلةً" من التفاعل الإيجابي مع مطالب الساكنة، لأنها تعتبر ذلك اختصاصًا حكوميًّا، وحتى السلطة المخزنية23 حاولت توظيف هذه الاحتجاجات لإضعاف الموقع التفاوضي لبنكيران، رئيس الحكومة المعيَّ، والاستفادة منه أكثر ما يمكن في تشكيل حكومة على مقاسها. في هذه المرحلة، وأمام التجاهل الرسمي للاحتجاج، وبعد شهور من توقيف كل المشاريع الحكومية بسبب الحملة الانتخابية، نمت الاحتجاجات في المنطقة، وأتيحت لها فرصة تنظيم ذاتها وتشبيك مفاصلها، حتى أصبحت عصية على القمع والاختراق والتشتيت. وفي هذه المرحلة، حاول كثير من الأحزاب تبني هذه الاحتجاجات، واحتضانها، ومساندة مطالبها، والتحكم في وجهتها وسقفها، كما كان الشأن بالنسبة إلى بعض أحزاب المعارضة، وفي مقدمتها حزب الأصالة والمعاصرة، ولكن هذا لم يستمر كثيرًا بعد شعور جميع الأحزاب بأن هذه الاحتجاجات تجاوزتها، وبعد تصريحات رموز الحراك المنتقدة للأحزاب الرسمية، ونعتها إياها بالدكاكين السياسية، وتأكيد أن حراكهم مستقل بقيادة "الناشطين الأحرار الممارسين لقناعاتهم بكل حرية ومسؤولية، بعيدًا عن وصاية أي تصور لحزب أو حركة أو تنظيم سياسي أو جمعوي"24. بعد ذلك، لجأت السلطة إلى توريط الحكومة وأحزاب الأغلبية في الاصطدام مع ناشطي الحراك25، والانتقال مباشرة إلى تبنِّي مطالب الحراك، وتقديم وعود بتلبيتها، وانتقال كثير من الوزراء إلى الحسيمة للتواصل مع الساكنة وتفقد المشاريع هناك، وتغطية مسيرة الحسيمة في القنوات التلفزية الرسمية، ولكن الملحوظ أن انفتاح المسؤولين على الساكنة وحوارهم في المنطقة استثنى ناشطي الحراك ورموزه، وهو ما جعل الخطوة الحكومية تولد ميتة. بعد ذلك، انتقل تعامل السلطة مع الحراك إلى تغليب المقارَبة الأمنية، وتجلَّ ذلك في التعزيزات الأمنية في المنطقة، والتضييق على الوقفات والاحتجاجات، وقمع كثير من المسيرات، والشروع في الاعتقالات والمحاكمات26 بعد فشل الرهان على عامل الزمن لتخفت الاحتجاجات تلقائيًّا. حاولت السلطة مرارًا احتواء الحراك واختراقه، وتقديم وعود عامة من دون ضمانات، كما أجرت، في أكثر من مناسبة، تحقيقات لتحديد المسؤوليات عن بعض الخروق والتجاوزات، ولكن من دون تحديد تاريخ لنهاية التحقيق، أو إنزال العقوبات المستحَقة على المتجاوزين27. ولكن الملحوظ أن السلطة28 سرعان ما تجاوزت وضع الارتباك، وانتقلت من وضعية الدفاع والتبرير إلى الهجوم، لتصبح صاحبة المبادرة، والممسكة بزمام الأمور، سواء من خلال التوسع في التعزيزات الأمنية، أو منع الوقفات الاحتجاجية، أو الإفراط في الاعتقالات والتوقيفات، أو نقل معتقلي الحراك إلى الدار البيضاء، أو الإفراط في استعمال القمع ضد مسيرة الحسيمة يوم العيد، 26 حزيران/ يونيو 2017، وكذا يوم 20 تموز/ يوليو 2017، أو شن حملة تشويه ضد الحراك ورموزه وأهدافه ومن يحركه، أو التحكم في العفو الملكي الذي ظل الكل ينتظره في عيد العرش يوم 30 تموز/ يوليو 2017. وتزامن ما سبق مع حملة استقطاب واختراق للحراك، بهدف تفجيره من الداخل، والتركيز على التباينات التقديرية بين قيادته.
2. المؤسسات الرسمية المعنية بالتفاعل مع حراك الريف
لا يمكن الحديث عن تعامل السلطة مع الحراك من دون التطرق إلى المؤسسات الرسمية التي تدخَّلت في تدبير ملف حراك الريف؛ لأن إغفالها سيغيِّب التناقضات التي طبعت هذا التفاعل، وتداخل المصالح بينها، وحقيقة الخلاف وصراع المؤسسات وسط النظام السياسي. ولأنه أمر استرعى الانتباه كثيرًا، وحظي بنقاش إعلامي واسع، فقد تضمن الخطاب الملكي لعيد العرش فقرة حاولت نفي أي تناقض بين هذه المؤسسات، وخصوصًا المربع الملكي29.
أ- مجلس الجهة الترابية
يمكن اعتبار الجهة المُحاور الأول لناشطي الحراك، بحكم طبيعة مطالبه المحلية، وبحكم "الصلاحيات الواسعة" التي أصبحت تملكها المجالس الجهوية المنتخبة. ولكن بسبب التعثر في نقل كثير من الاختصاصات وتفعيل كثير من الصلاحيات، بقي التداخل مع المصالح غير الممركزة لوزارة الداخلية التي ظلت هي الفاعل الرسمي
الرئيس30 منذ بداية الحراك، مستفيدة من تردُّد مجلس الجهة31، وتذبذُب موقفه بين مساندة مطالب الحراك والرغبة في الاستفادة من تداعياته والتحكم في مخرجاته. وتجسَّد هذا التردُّد في مواقف رئيس الجهة، إلياس العماري الذي ركز جلّ تصريحاته، منذ بداية الحراك، على تحميل المسؤولية للحكومة التي لم تَفِ بالتزاماتها، وإظهار اختلافه مع كثير من التدخلات الأمنية، والمطالبة بفتح تحقيق حول التأخر في إنجاز كثير من المشاريع المبرمجة، والبرهنة على عدم مسؤوليته بمراسلات للجهات الحكومية صاحبة الاختصاص. وبقي الأمر كذلك حتى مبادرة الجهة إلى تنظيم المناظرة الوطنية حول الأوضاع بإقليم الحسيمة في 16 حزيران/ يونيو، وهي المناظرة التي عرفت مقاطعة واسعة من ناشطي الحراك، وكذا بعض مكونات الائتلاف الحكومي.
ب- الحكومة
تزامن توقيت حادث مقتل فكري مع فراغ حكومي؛ فقد كان تدبير الشأن الحكومي مقصورًا على حكومة تصريف أعمال يقودها بنكيران32، تميزت، إضافة إلى صلاحياتها المحدودة، باستقالة كثير من وزرائها بعد التأويل الذي قدمته الأمانة العامة للحكومة للدستور33، إضافة إلى فترة العطالة التي عرفها كثير من المشاريع بعد قرار لوزارة الداخلية بتوقيف كثير من هذه المشاريع، تجنبًا لتوظيفها في الحملة الانتخابية للأحزاب. وزاد من جمود الحكومة ارتفاع حدة الصراع السياسي بين رئيسها، من حزب العدالة والتنمية، ورئيس الجهة، من حزب الأصالة والمعاصرة، وتقاذُف المسؤولية بين المؤسستين. وحتى بعد تشكيل حكومة العثماني، بقي تدخل الحكومة محتشم في تدبير الملف، بل يمكن اعتبار الحكومة المتضررَ الأول من تداعيات هذا الملف؛ لأنها تورطت في اتهام الحراك بالانفصال والتسييس وتلقي تمويلات أجنبية، وهذا ما جعل أعضاءها غير مرحب بهم لدى ساكنة الحسيمة أثناء زيارة كثير من الوزراء المنطقة، وجعلهم عرضة للتنكيت والاستهزاء. وتورطت الحكومة بعد ذلك في إصدار بلاغ منع مسيرة 20 تموز/ يوليو.2017 وعلى الرغم من محدودية مساهمتها في صناعة القرار بخصوص هذا الملف، ظل سيف المساءلة مصلتًا على رقاب كثير من الوزراء، باعتبار أن الحكومة هي الواجهة الأمامية، دستوريًّا وسياسيًّا.
ج- وزارة الداخلية
استثنينا وزارة الداخلية من الحكومة على الرغم من أنها جزء منها، وأن وزير الداخلية يعمل تحت رئاسة رئيس الحكومة، لأن الواقع بي أن وزارة الداخلية، من خلال العامل والوالي ووزير الداخلية، ظلت هي الفاعل الرئيس في تدبير هذا الملف، تخطيطًا وتنفيذًا، من دون الرجوع إلى رئيس الحكومة وأعضائها34. لقد كشف حراك الريف حقيقة الانسجام الحكومي، وفنَّد الطبيعة السياسية للحكومة، وفضح حقيقة السلطة الرئاسية35 لرئيسها على الوزراء، خصوصًا التكنوقراط غير الحزبيين36. كما كشف عن محورية المديرية العامة للأمن الوطني، وإدارة مراقبة التراب الوطني في تدبير ملف الحراك، على الرغم من كونهما مديريتين تابعتين لوزارة الداخلية، وهو ما جعل أصواتًا كثيرة تصف معالجة الملف بالمقاربة الأمنية، وأكد هذه المكانة المحورية لهذه المؤسسة الخطاب الملكي لعيد العرش37.
د- المجلس الوطني لحقوق الإنسان
عبَّ المجلس الوطني لحقوق الإنسان، من خلال لجنته الجهوية لإقليمَي الحسيمة والناظور، عبْ بلاغ رسمي، أثناء استعداد ناشطي الحراك لتنظيم مسيرة الغضب يوم 18 أيار/ مايو 2017، عن "استعداده للوساطة بين مكونات الحراك، ممثلً في لجنته، ومن تُكلِّفه السلطات العمومية، مع تعهدها بفتح أبوابها للتنسيق وعقد لقاءات بين الطرفين في أي مكان يختارونه." وأوصت اللجنة بتجنب استخدام
القوة، وبالحفاظ على السلم، ووصفت "الوضع المتأزم" في الحسيمة بأنه جاء بعد أن فشلت تجاهه محاولات الوصول إلى حل، داعية إلى البدء بتفعيل سياسة التنمية الاجتماعية والاقتصادية الشاملة للمنطقة، المبنية على الحوار. وحذرت اللجنة من أن هذا الوضع ينذر بالأسوأ، في ظروف ما زال في الإمكان التراجع عنها، والاحتكام إلى العقل والتبصر، والخروج من النفق38. كما عقدت اللجنة الجهوية للمجلس في الدار البيضاء لقاءات مع مجموعة من المعتقلين وعائلاتهم، في إطار إجراء سلسلة جلسات استماع بخصوص المتابعين، وإجراء وساطة بين عائلات المعتقلين ومندوبية السجون من أجل تسهيل لقاء العائلات بأبنائهم المعتقلين39. وتبقى المناسبة التي حضر فيها المجلس كثيرًا هي الجدل الذي صاحب تسريب تقريره بشأن الخبرات الطبية المنجزة حول بعض معتقلي الحراك؛ فقد صرح وزير العدل بأنه أحال التقرير، فور تلقّيه، على الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف في الدار البيضاء، والوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف في الحسيمة، لضم هذه الخبرات إلى ملفات القضايا المعروض بعضها على قاضي التحقيق وبعضها الآخر على المحكمة، لاتخاذ المتعيِّ قانونًا. لقد كان لتسريب هذه الوثيقة تداعيات كشفت حقيقة التباين في التقديرات بين بعض المؤسسات؛ فالمديرية العامة للأمن الوطني أصدرت بلاغًا، يوم 4 تموز/ يوليو 2017، نفت من خلاله ما سمَّته المزاعم الموجهة لمصالحها وموظفيها بممارسة التعذيب في حق المعتقلين، التي أوردها البعض بصيغة الجزم والتأكيد، استنادًا إلى وثيقة جزئية منسوبة إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان، تم تسريبها خارج الإطار الرسمي بكيفية مشوبة بالتجاوز. وأكدت المديرية حرصها على صون حقوق الإنسان كما هو متعارَف عليها وطنيًّا ودوليًّا، واحترام ضمانات الحرية الفردية والجماعية خلال ممارسة الوظيفة الشُّطية، وكذا ترتيب المسؤوليات القانونية في ضوء الإجراءات والمساطر القضائية، معرِبةً عن رفضها، في المقابل، توجيه التهم ونشر الادعاءات في ضوء وثيقة جزئية وغير رسمية، لم تعرض على مصالح الأمن الوطني، بالقنوات الرسمية، ليتسنى الرد على ما جاء فيها40. وأدى هذا الموقف إلى أن يُصدِر المجلس بلاغًا تصحيحيًّا، في اليوم نفسه، أكد فيه استغرابه عملية التسريب الجزئي لوثيقة حرص المجلس على أن تُوجَّه حصريًّا إلى الجهة المعنية؛ وأن الاستغلال الأحادي لبعض الشذرات من وثيقة داخلية قد أدى إلى استنتاجات لم يخلص إليها العمل الذي أنجزه الخبيران المكلّفان من المجلس بشأن الثبوت القطعي لتعرُّض كل المعتقلين الذين تم فحصهم والاستماع إليهم للتعذيب، وأن العمل الذي أنجزه الطبيبان الخبيران يندرج ضمن وسائل العمل التي يتبعها المجلس، ضمن وسائل أخرى، لإنجاز تقاريره حول مثل هذه الأحداث. ولذلك، فإنها ليست تقارير نهائية تمثل موقف المجلس وما تحصَّل لديه من اقتناعات بناءً على التحريات والأبحاث والمقابلات والمعاينات التي تنجزها فرق عمله ميدانيًّا. كما أكد البلاغ أن المجلس وضع ما أ نجِز من عمل الخبيرَين رهن إشارة الجهة المختصة، لتتخذ بشأنه ما تراه ملائمًا من تدابير قانونية، على اعتبار أن المجلس لا يمكنه، أخلاقيًّا وقانونيًّا، التطاول على اختصاص السلطة القضائية، وهذا ما أوصى به الخبيران. واعتبر المجلس أن الخلاصات والتوصيات التي سينتهي إليها تقريره الشامل والنهائي حول أحداث الحسيمة وتداعياتها هي المرجع الوحيد للوقوف على تقييمه مختلف المجريات لكل الأحداث في أبعادها ومراحلها، بكل حياد وموضوعية ومسؤولية، كما دأب المجلس على ذلك في كل تقاريره41. كما اتضح دور المجلس في الوساطة مع المضربين من أجل فك إضرابهم عن الطعام في تموز/ يوليو.
ه - المؤسسة الملكية
وضعنا المؤسسة الملكية في الترتيب الأخير على الرغم من أنها الفاعل الأساس الذي تنهل من توجيهاته المؤسسات الأخرى، وتقع، من الناحية الهرمية، فوق كل المؤسسات الأخرى. لقد اخترنا وضعها في الترتيب الأخير لأنها حاولت البقاء على الحياد، والنأي بالنفس عن التدخل المباشر في مجريات الحراك منذ انطلاقه، وبقيت بعيدة عن تفاعلاته، وتم الإعلان عن أول موقف للملك من خلال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أثناء زيارته المغرب يوم 14 حزيران/ يونيو، إذ أكد أن الملك محمد السادس حريص على تهدئة الأوضاع في الريف من خلال الاستجابة لمطالب الحركات وإيلاء هذه المنطقة الاهتمام، مضيفًا أنه طرح الموضوع طرحًا طبيعيًا ومباشرًا مع الملك حول الأوضاع في هذه المنطقة التي أبلغه بأنها عزيزة عليه وتعوَّد أن يقضي فيها عطلته42. كما خصّص الملك جزءًا من المجلس الوزاري، يوم 25 حزيران/ يونيو، لهذا الحراك حين "عبَّ للحكومة، وللوزراء المعنييّن ببرنامج 'الحسيمة منارة المتوسط'، خصوصًا، عن استيائه وانزعاجه وقلقه من عدم
تنفيذ المشاريع التي يتضمنها هذا البرنامج التنموي الكبير الذي تم توقيعه تحت رئاسة الملك، في تطوان في تشرين الأول/ أكتوبر 2015، في الآجال المحددة لها"43. وفي خطوة دالة على حدة الغضب الملكي، "أصدر الملك تعليماته، لوزيرَي الداخلية والمالية، قصد قيام المفتشية العامة للإدارة الترابية بوزارة الداخلية والمفتشية العامة للمالية، بالأبحاث والتحريات اللازمة بشأن عدم تنفيذ المشاريع المبرمجة، وتحديد المسؤوليات، ورفع تقرير بهذا الشأن، في أقرب الآجال. وقد قرر الملك عدم الترخيص للوزراء المعنيين بالاستفادة من العطلة السنوية، والانكباب على متابعة سير أعمال المشاريع المذكورة"44. واتضح كذلك اهتمام الملك بالحراك من خلال تقديم خطاب العرش عن موعده بيوم، بحيث تضمن هذا الخطاب حديثًا عن أحداث الحسيمة، وهو ما لم يتحقق عام 2011؛ إذ لم يتطرق الملك نهائيًّا إلى حركة 20 فبراير واحتجاجاتها ومطالبها، وفضَّ ل الرد عليها ردًا غير مباشر في خطاب 9 آذار/ مارس 2011، مع إلقاء اللائمة على الحكومة والأحزاب. وسبق هذا الخطابَ عفوٌ عن بعض المعتقلين بمناسبة هذه الاحتجاجات45.
3. النقائص الدستورية والسياسية والقانونية
لا ينبغي للاختلالات المنهجية والقصور المؤسساتي حجب حقيقة النقائص الدستورية والسياسية والقانونية والمؤسساتية التي تجعل الاحتجاج في الشارع الخيار المفضَّ ل للمتضررين من الأثر السلبي للسياسات العمومية المتبعة.
أ- النقائص الدستورية
كشف هذا الحراك أن الإطار الدستوري لا يضمن فصلً بين السُّلط، وتوزيعًا متوازنًا لها، وأن المغرب ما زال محكومًا بمَلَكية تنفيذية، تتحكم في مفاصل الحياة العامة كلها، وأن الحكومة والبرلمان والجماعات الترابية محض واجهة، ويؤكد هذا صمتُ الحكومة وعجزها، وتصريح ناطقها الرسمي بأن الحكومة تعمل "في موضوع الريف بتعليمات من الملك"46، وتبرير وزير الدولة المكلَّف بحقوق الإنسان، الثاني في البروتوكول بعد رئيس الحكومة، صمته عن الخروق التي تُرتكَب بأنه لا يملك معطيات شاملة. وقد مر أكثر من شهر على تصريحه، ولم يستجمع تلك المعطيات الناقصة، وحتى لما صرح، بعد طول صمت، لم يخرج عن تبرير سلوكات وزارة الداخلية، واتهام احتجاجات الحراك بأنها ليست قانونية. وتبرير كاتب الدولة المكلف بالنقل صمته بأنه كلام. تؤكد هذه المعطيات غياب فصل السُّلط، وغياب حكومة حاكمة، وهو ما تنبه له ناشطو الحراك مبكرًا، فرفضوا محاورة أي جهة غير الملك، أو من يكون مبعوثًا منه. وتنطبق الملحوظة نفسها على البرلمان الذي عجز عن التفاعل مع الحراك، وعن المبادرة إلى تشكيل لجان تقصي الحقائق حول التأخر في تنفيذ مشاريع مبرمجة في المنطقة لأجرأة المبدأ الدستوري المنصوص عليه في الدستور47.
ب- النقائص السياسية
يعكس حراك الريف تحولً كبيرًا وسط المجتمع، وتقدمًا نوعيًّا لم تتمكن السلطة والوسائط المجتمعية الرسمية من مواكبته. ولذلك، تعالت أصوات كثيرة تُنبِّه إلى هذا الأمر وكأنه اكتشاف جديد، مع العلم بأن المتتبع العادي للمشهد الحزبي والنقابي يستنتج أن إضعاف هذه الوسائط لم يأت مصادفة، ولكنه نتيجة لسياسة ممنهجة، اعتُمِدت منذ مدة، وسرَّع نتيجتها قيادات عزلت نفسها عن الشارع، والحكومة والبرلمان والأحزاب تدفع اليوم نتيجة قبولها بنتائج انتخابات شكلية، شهدت أكبر عملية عزوف ومقاطعة، وضريبة قبول تشكلها من دون منطق سياسي، لأن هذا أفقدها عنصر القوة الذي يمكنها الارتكاز عليه في مواجهة السلطات المتحكمة في القرار السياسي، وقد لحظنا جميعًا تلاعب وزير الداخلية المعيَّ بإرادة مكوناتها، وتوريطها في نعت الحراك بأنه انفصالي، والتراجع عن ذلك بسرعة، ولكن بعد فوات الأوان. ما حدث للحكومة، بمناسبة حراك الريف، سيرافقها طوال ولايتها، لأنها تحمل في طياتها عناصر ضعفها المتمثلة في فقدان التمثيلية الشعبية، وافتقارها إلى الانسجام السياسي، وضعف تأييد قواعدها، وسوء اختيار وزرائها، وتحكُّم "وزراء السيادة" في توجهاتها. ومنظر الوزراء وهم يتجولون في أحياء الحسيمة وازدراء المواطنين لهم48 ولامبالاتهم بوجودهم دليل على إرادة إذلالهم والمزيد من إخضاعهم.
ج- النقائص القانونية
مثَّل حراك الريف، وغيره من الاحتجاجات الكثيرة في الشارع، ضربة حقيقية للديمقراطية التشاركية والجهوية المتقدمة؛ فلم يمض على انتخابات الجماعات الترابية، وإقرار القوانين التنظيمية المنظمة لها، والقوانين المنظمة لنظام العرائض والملتمسات سوى مدة وجيزة حتى اتضح استغناء المواطنين عن كثير من مقتضياتها التي قُدِّمت حينها بوصفها آليات للإدماج والمشاركة، وتخلّيهم عن اعتماد كثير من الآليات التشاركية التي تضمنتها، وفي مقدمتها نظام العرائض49. ويطرح هذا التمسك بالاحتجاج في الشارع أكثر من سؤال حول جدوى المؤسسات الموجودة والقوانين الجاري العمل بها؛ لأنها لم تستطع تحقيق التشاركية والإدماج لفئات واسعة من المواطنين. وهو أمر لم يقتصر على حراك الريف، ولكنه أصبح حالة عامة بالنسبة إلى مناطق وفئات كثيرة. بناءً على ما سبق، لم يعد مستغرَبًا لجوء المحتجيّن إلى الشارع، "الفضاء العام"، للتعبير عن مطالبهم، والضغط لتحقيقها، مع تجاهل، إن لم نقل رفض، المؤسسات الرسمية، سواء الحكومة أو البرلمان أو الجماعات الترابية، أو مؤسسات الحكامة المنصوص عليها دستوريًّا. ويُستَنتَج من هذا السلوك والمنهج حكم بانعدام جدوى هذه المؤسسات، بسبب افتقادها صفة التمثيلية، وانعدام تمتعها بالاختصاصات والإمكانيات اللازمة للتجاوب الإيجابي مع مطالب المحتجيّن.
رابعًا: حراك الريف: السمات والخصائص
على الرغم ممّ تعرَّض له حراك الريف من تجاوزات صادرة عن المؤسسات الرسمية، ومن تعتيم وتشويه من الإعلام الرسمي، فقد حافظ على سلميته، وطابعه الشبابي، وشعبيته، واستمراريته، وتمدده الجغرافي، وتجدُّد أساليبه، وقوة تواصله، وتنوُّع أشكاله النضالية والتنظيمية، والحفاظ على مسافة ابتعاد عن الأحزاب الرسمية، وقدرته على المزاوجة بين الراديكالية والمرونة، وعلى المزاوجة بين طابعه المحلي وإشعاعه الوطني والدولي. ولذلك، سنتوسع بقدر أكبر في تبيين هذه الخصائص التي ميزت هذا الحراك، ليتضح من خلالها أننا بصدد تطور نوعي في السلوك الاحتجاجي، وأمام جيل جديد من الحركات الاحتجاجية، يستفيد من تراكم الحركات السابقة، ويضيف إليها سمات جديدة.
1. الطابع السلمي للحراك
على الرغم من تجاهل حراك الريف مدة غير قصيرة، وتخوين المشاركين فيه بمختلف النعوت، ومحاولات عزله في رقعة جغرافية صغيرة، وحملات التشويه والدعاية المضادة له، وما ووجه به من قمع وعنف، فإن هذا الحراك الشعبي لم ينزلق إلى ردود أفعال، وإلى عنف مضاد لعنف السلطة، ولكنه تمسك بسلمية وسائله، سواء في تعامله مع قوات الأمن أو مع مرافق الدولة. وهذه خصيصة صارت ملازمة لكل الاحتجاجات الشعبية، مؤكِّدة النضج المجتمعي واستيعاب المحتجيّن لقوة السلمية في ربح رهان المساندة، وتفويت الفرصة على المتربصين بالحراك. لقد أصبحت السلمية جزءًا من الاحتجاج، وصارت ثقافة عامة منذ "حركة 20 فبراير"، وهو ما يخالف ما كان سائدًا في كل الانتفاضات الشعبية قبل عام 2011، مثل انتفاضات 23 آذار/ مارس 1965، و 20 حزيران/ يونيو 1981، و 19 كانون الثاني/ يناير 1984، و 14 كانون الأول/ ديسمبر.1990
2. الطابع الشبابي للحراك
على الرغم مما يُقال عن عزوف الشباب ولامبالاتهم، فإن المحرك الأساس لهذا الحراك هو الشباب. وهذا ما ينسف هذه المسلَّمة، ويفرض البحث عن فرضيات أخرى لتفسير عزوف الشباب عن المشاركة في الانتخابات، على الرغم من أنها الأقل ضررًا بالنسبة إلى الشباب، وتفضيلهم الأسلوب الأكثر مخاطرة، لاقتناعهم بجدواه. ولعل إطلالة سريعة على سِيَ رموز الحراك تؤكد أن متوسط السن لا يتجاوز 35 سنة، وأن عدد الذين تفوق أعمارهم الأربعين سنة لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة. تميَّز حراك الريف بطابعه الشبابي، قيادةً ومشاركةً وتفاعلً مع فعالياته، وهو ما يقتضي التمييز بين العزوف الانتخابي والعزوف السياسي؛ لأن هذا الحراك وتكلفته وتداعياته، كل ذلك لا يقاس بتكلفة المشاركة الانتخابية، ومع ذلك ركب الشباب كل المخاطر لاقتناعهم بجدوى الحراك والاحتجاج في الشارع، وبجدوى العمل بعيدًا عن المظلات الحزبية الرسمية. وتوضح دراسة رموز هذا الحراك أيضًا، أن ثمة نخبًا بمعايير جديدة ومختلفة في طور التشكُّل والتأثير في صناعة القرار السياسي مستقبل. وهو ما يطرح أكثر من سؤال نقدي عن الممارسة الحزبية الرسمية، ودور الأحزاب في تأطير المواطنين، وقدراتها الاستقطابية.
3. الطابع الشعبي للحراك
على الرغم من طول مدة الحراك، والأوضاع الاجتماعية الصعبة، وصعوبة التضاريس، فقد استطاع هذا الحراك استقطاب شرائح واسعة من المواطنين، إلى درجة أن الأشكال الاحتجاجية الجامعة
تشهد نفيرًا عامًّا لا يتخلف عنه إلا أصحاب الأعذار القاهرة، وتجلى هذا كذلك في التجاوب الشعبي الكبير مع إضراب استمر ثلاثة أيام في 2 و 3 و 4 حزيران/ يونيو 2017. ولعل المشاركة الشعبية الواسعة هي السبب المباشر الذي يجعل السلطات الأمنية تتردد في منع أفواج الملتحقين بالحسيمة في أكثر من مناسبة. والمثير في هذا الحراك هو قدرته على جذب المشاركة النسائية الواسعة في وسطٍ محافظ جدًّا50، وكذا شعبية قيادته التي تتكون من شباب بمؤهلات علمية محدودة51، وتنتمي إلى أوساط مهنية بسيطة52. وهذه القدرة على الحشد والتعبئة جديرة بالدراسة. وقد حصن هذا الطابع الشعبي فعاليات الحراك من تأثير أيّ فاعل حزبي أو حكومي في وجهته وسقفه، وهذه نقطة افتقدتها احتجاجات كثيرة كانت محكومة بسقف الساسة والأحزاب وبحساباتهم. كما تجسَّد الطابع الشعبي بقدر أكبر من خلال استمراره بالوهج نفسه، على الرغم من اعتقال الصف الأول من رموزه بعد حملة اعتقالات واسعة شملت العشرات.
4. الأساليب التواصلية للحراك
تفوَّق حراك الريف في سياسته التواصلية، واستطاع جلب الاهتمام والمتابعة لفعالياته من خلال حسن استخدامه لوسائل التواصل الاجتماعي، وخصوصًا تقنية البث المباشر، وإصدار عشرات الصفحات على فيسبوك، وقدرة ناشطيه على التقاط صور وفيديوهات موثِّقة لخروق السلطة وقمعها. وبذلك، فك العزلة عنه، وتجاوز تأثير الحصار الإعلامي الرسمي لاحتجاجاته. كما استطاع تحريك كثير من القنوات التلفزية، ووكالات الأنباء الأجنبية، وأشهر الصحف الدولية لتغطيته. وقد نجح قادة الحراك في تحقيق تواصل دائم مع الرأي العام، لتوضيح المستجدات، والرد على الشائعات، وتحديد الآفاق والخطوات، ونقل الوقفات نقلً مباشرًا. وكان كل ذلك يعطي كثيرًا من الوقفات أثرًا إشعاعيًّا أكبر من حجمها ميدانيًّا. وساهم حضور ناصر الزفزافي، أحد قادة الحراك البارزين، عبر الحوارات وتقنية البث المباشر في تحقيق إشعاع واسع للحراك، وتوضيح طبيعته، وشرح مطالبه، والإقناع بسلميته. وقد انتبهت السلطات إلى القوة التواصلية لناشطي الحراك، فلجأت يوم 20 تموز/ يوليو 2017 إلى قطع الإنترنت عن مدينة الحسيمة.
5. طبيعة الخطاب المؤطر للحراك
تكاد تكون طبيعة الخطاب المؤطر لحراك الريف نقطة قوة تُ يِّزه من غ هرر53؛ فقد اتسم الخطاب المستعمَل بالبساطة والمباشرة والعفوية والتلقائية والقرب والإقناع وقوة الحجاج واستعمال خطاب ديني اجتماعي، والاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية في مناسبات كثيرة54، والمزاوجة بين اللهجة الريفية واللغة العربية، والنهل من المظلومية التاريخية للريف، ومن زعمائه التاريخيين، وفي المقدمة ابن عبد الكريم الخطابي، رحمه الله، واستلهام مقولاتهم لتأطير لحظات مفصلية مر بها الحراك55. وهو في هذا يستوي مع الحراك الشعبي لسيدي إيفني عام 2008 الذي كان يستلهم من تاريخ المقاومة الباعمرانية. وقد انتبهت السلطات إلى هذه الخصيصة، فلجأت إلى توظيف الأسلوب نفسه من خلال تخصيص خطبة الجمعة ليوم 26 أيار/ مايو 2017 بمسجد محمد الخامس في الحسيمة لدحض أساس الحراك ودوافعه، وترويج صور شخصية للزفزافي يوم 29 أيار/ مايو بعد اعتقاله عقب الخطبة، لإقناع المتلقي بأنه غير متدين، واتهام الحراك بالتشيع والداعشية، وإذاعة بلاغ وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عبر التلفزيون، وقد نص على أن الاحتجاج "إخلال بالتقدير والوقار الواجبين لبيوت الله[...]مما أفسد الجمعة وأساء إلى الجماعة"56. وقد تمَّت متابعة الزفزافي بتهمة "عرقلة حرية العبادة وتعطيلها أثناء صلاة الجمعة؛ حيث أقدم على منع الإمام من إكمال خطبته، وألقى داخل المسجد خطابًا تحريضيًّا أهان فيه الإمام، وأحدث اضطرابًا أخل بهدوء العبادة، وفوَّت بذلك على المصلين صلاة آخر جمعة من شهر شعبان"57. وفي السياق نفسه، صرح وزير الأوقاف والشؤون
الإسلامية، أحمد التوفيق، لوكالة الأنباء الفرنسية بأن الزفزافي "أثار البلبلة أثناء الصلاة، وأهان الخطيب"، مبرزًا أن "ما قام به هو عمل غير مسبوق[...]وجريمة خطرة"58. والملحوظ هو صمت التنظيمات ذات المرجعية الإسلامية عن هذا السلوك، باستثناء جماعة العدل والإحسان التي أصدرت بيانًا محليًّا يوم 28 أيار/ مايو 2017، عبَّ ت فيه عن إدانتها "استغلال المساجد وتوظيف الخطباء في زرع الفتنة بين أبناء الوطن الواحد، وفي تصفية الحسابات السياسية مع المواطنين المطالبين بحقوقهم الثابتة والمشروعة، وحذَّرت من هذا السلوك المقيت المُخ ل بالآداب الشرعية المعلومة في وظائف المسجد الجامعة لأمر الأمة، والداعية للوحدة والرحمة، والبعيدة عن كل اصطفاف سياسي"59.
6. الأشكال النضالية والتنظيمية للحراك: رمزية اختيار المناسبات
أ- أشكال نضالية وتنظيمية جديدة
تَ يَّز حراك الريف بأشكاله النضالية والتنظيمية المتجددة، والمبدعة، والمفاجئة، والمتلائمة مع خصوصيات المنطقة وساكنتها، والقريبة من "العفوية المنظمة"، مع تجنب الصرامة في الأشكال، وعدم مركزة الوقفات مبدئيًّا مع استثناءات قليلة، وحسن اختيار المناسبات بدلالاتها الرمزية. من الناحية التنظيمية، تم اعتماد أشكال قاعدية وغير ممركزة، تجلت في الجموع العامة المحلية المنظَّمة من تحت إلى أعلى، كما حدث في تسطير الملف المطلبي، وفي القدرة على إصدار بيانات جامعة، ومنها بيان 14 تموز/ يوليو الجامع لكل لجان الحراك في 17 منطقة من الريف تقريبًا، وذلك على الرغم من الظروف الأمنية غير المساعدة، وتم تشتيت الوقفات على المناطق، لإنهاك السلطات الأمنية، وساعدت تضاريس المنطقة في تحقيق هذا الهدف، وتم توزيع المهمات بسلاسة بين رموز الحراك من دون تعقيدات، وبدا الحراك منظمً للغاية من خلال وحدة تقدير كل نقاطه جغرافيًّا، واتفاق كل رموزه على كل مراحله ومفاصله وخطواته وآفاقه. ومن الناحية النضالية، تم اعتماد التجديد في الأشكال الاحتجاجية كل مرحلة، مثل المسيرات، والوقفات، و"الحلقيات بحسب "، والطنطنة بالقرع على الأواني المنزلية، وإطفاء الأضواء، وارتياد الشواطئ العمومية للاحتجاج، والفجائية لإرباك الأجهزة الأمنية من خلال تقنية "شن طن"، وهي تجنب التصريح بمكان الاحتجاجات حتى اللحظات الأخيرة من توقيته. كما لوحظ التركيز على وجود قيادة تحظى برمزية وصلاحيات واسعة، فساعد ذلك على ضبط إيقاع الحراك ووجهته، ووسم قيادته بالانسجام، وهو ما افتقدته حركة 20 فبراير التي سادها تشتُّت قيادتها واختلافاتها الشاسعة، تصورًا وتقديرًا، أيديولوجيًّا وسياسيًّا. ومن أهم ما ميز هذا الحراك، الدلالة الرمزية للتواريخ المحددة للاحتجاج؛ مثل مسيرة 20 تموز/ يوليو 2017 التي تتوافق مع ذكرى معركة أنوال، ومسيرة 26 حزيران/ يونيو 2017 التي تزامنت مع عيد الفطر، وكذا الدلالة الرمزية للشعارات والرايات والألبسة وكثير من الرموز.
ب- حراك غير حزبي
تبقى اللاحزبية السمةَ المميزة لحراك الريف من غيره؛ فقد تموقع الحراك منذ البداية ضد الأحزاب السياسية، واعتبرها "دكاكين سياسية"، وأعلن قادة الحراك في أرضيتهم المطلبية أنهم بعيدون "عن وصاية أي تصوُّر لحزب أو حركة أو تنظيم سياسي أو جمعوي"، وتزايدت حدة الهجوم على الأحزاب في مسيرة 18 أيار/ مايو 2017 بالحسيمة. في هذا اليوم، طالب الزفزافي وزيرَي العدل والداخلية باستدعاء سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، "بتهمة زعزعة استقرار البلاد"، لأنه "قام عام 2011، إبان الحملة الانتخابية لحزب اللاعدالة واللاتنمية، بالدعوة إلى حكم ذاتي للريف"، ووصف الأحزاب ب "الدكاكين السياسية المكونة للجوقة الحكومية"60.
ج- حراك محلي بطابع وطني وبعد دولي
تميَّز حراك الريف بطابعه المحلي من حيث المطالب التي تم فيها تفصيل معاناة المنطقة، وتنويع التعبير عنها بمختلف الطرق، ولذلك فهو حراك محلي من حيث مطالبه ورموزه وجغرافية فعله. ولكنه من حيث أثره وإشعاعه وتأثيره أصبح وطنيًّا ودوليًّا. ويتضح هذا من المسيرة الوطنية في الرباط يوم 11 حزيران/ يونيو 2017، ومن خلال عدد التنسيقيات التي أُسست لدعم الحراك في مختلف مناطق المغرب، كالدار البيضاء، والرباط، ووجدة، وكذا من خلال لجان الدعم في الخارج، مثل إسبانيا وبلجيكا وهولندا وألمانيا وفرنسا. وساهم في هذا بالأساس مغاربة العالم ذوو الأصول الريفية، وغيرهم. لقد كان جاذبًا للانتباه هذا الإسناد الوطني والدولي لحراك الريف، على الرغم من طابعه المحلي، وهو أمر لم يُعهَد في حراكات سابقة61.
بل مثّل هذا الحراك حافزًا لتنسيقيات محلية في مناطق أخرى للخروج في احتجاجات، والبحث عن تسطير ملفات مطلبية خاصة بها62.
د- المزاوجة بين الراديكالية والمرونة الإصلاحية
تميز الحراك بقدرته على التموقع بين "الراديكالية" و"الإصلاحية" بحسب مجريات الأحداث؛ ففي لحظات كثيرة، غلَّب المطالب ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية، وجنح نحو تجنُّب تسييسها، ولكنه في لحظات أخرى رجَّح المطالب ذات الصبغة السياسية. لقد اتضح هذا في تصريحات تقارن بين الاستعمار الإسباني والوضع الحالي، ووصف الاستعمار الإسباني بأنه أرحم، وفي التمسك بمغربية الصحراء، ونعت "البوليزاريو" بالمرتزقة، واستنكار تصريحات لأعضاء بعض لجان الدعم في أوروبا ودعوتهم لجعل المطالب الاجتماعية سقفَ الحراك، ورفض الاحتجاج يوم عيد العرش 30 تموز/ يوليو، وتحييد الملك من الصراع، والتمسك بمطلب الحوار مع من يبعثه الملك، والتغير التدريجي للموقف من الأحزاب والمؤسسات الوسيطة، وتجنب التصعيد بعد استثناء قادة الحراك من العفو الملكي في عيد العرش، وقبول وساطة أشخاص محسوبين على المخزن أحيانًا.
ه - القدرة على الاستمرارية
مما يُحسَب لحراك الريف قدرته على الاستمرار على الرغم من الإكراهات المتمثلة في التعزيزات الأمنية، وإقامة الحواجز، ومنع المتظاهرين من الالتحاق بالحسيمة، والقمع المتواصل للوقفات، واعتقال العشرات، وحملات التشويه والتعتيم ضد الناشطين. ويرجع السبب إلى تجُّدد الوسائل، وحسن التنظيم، وتجذُّر الحراك شعبيًّا، وعدالة المطالب، وتضرُّر الساكنة كثيرًا، وشعورهم بالثقة بالناشطين، وحسن استثمار أخطاء السلطة التي كانت بمنزلة هدايا للحراك في لحظات مفصلية، مثل: اتهام الحراك بالانفصال، والسماح بمسيرة 18 أيار/ مايو، وتسريب شريط الزفزافي عاريًا، ومعاناة المعتقلة سيليا في السجن، وتصويرها عارية كما صرَّحت بذلك، وتصوير قوات الأمن وهي تكسر البيوت، والإفراط في استعمال العنف يوم عيد الفطر، وبث صور عن أحداث الشغب في مباراة لكرة القدم على أنها صور لعنف ناشطي الحراك ضد قوات الأمن، ومسارعة الحكومة بإعلان فرص توظيف خاصة بالمنطقة، تشمل 26 ألف منصب.
خاتمة
يستحق حراك الريف أكثر من دراسة، ويجب التوسُّع في استجلاء أبعاده وآثاره من خلال مقاربات معرفية متعددة وزوايا نظر مختلفة، لتحقيق التكاملية اللازمة للوصول إلى خلاصات دقيقة. ولمزيد من الاطلاع على كنهه، يجب اعتماد دراسات ميدانية ومقابلات مع المعنيين به طوال مراحله. وقد أظهر هذا الحراك أن الاحتجاجات موجات يكمل بعضها بعضًا، وأن الالتفاف على المطالب والمناورة إزاءها عمرهما قصير، ولذلك لم يصمد العرض السياسي لعام 2011 طويلً. وكشف التباين الحاصل بين مطالب المجتمع واستجابة السلطة، وأعاد طرح غياب ثقة المواطن بالمؤسسات الرسمية والمسلسل الانتخابي بكل مخرجاته، وفنَّد أطروحة عزوف الشباب عن السياسة ولامبالاتهم ويأسهم، وأظهر أن فئة الشباب تتفاعل مع الواقع السياسي من منطلقات مخالفة، وبوسائل مختلفة، تراها الأنجع والأفضل. وكشف الحراك أيضًا، فشل المقاربة الأمنية لقمع حركات احتجاجية سلمية تدافع عن مطالب مشروعة. وأظهر أن الوعي الشعبي يتزايد بسرعة فائقة، ويجنح نحو السلمية وابتكار طرق تنظيم ذاتي، بعيدًا عن الوسائط الرسمية. لقد مثّل الحراك لحظة أمل جديدة، ومناسبة أخرى لتكسير حاجز الخوف، واستقطاب شرائح اجتماعية جديدة للتفاعل مع الاحتجاجات. كما مثّل مناسبة لتحقيق فرز جديد في المشهد السياسي، وتوضيح حقيقة الاصطفافات السياسية التي تحكم مكوناته. وبيَّ حراك الريف أن الاحتجاجات ذات الأثر الشديد تنشأ في المناطق الهامشية المتضررة أكثر مما تنشأ في المدن الكبيرة والقريبة من المركز، وكشف أن المطالب الاجتماعية والاقتصادية ذات الصبغة المحلية أقرب إلى تحقيق تعبئة وجذب للشعب من أجل المشاركة والتفاعل، وأظهر أن الاحتجاجات التي تحظى بتجاوب أكبر هي التي يقودها شباب قريب من الساكنة، بخطاب بسيط، وبوسائل متجددة وغير تقليدية. وتبقى مخرجات هذا الحراك حاسمة في المراحل التي تليه؛ فالسلطة تراهن على الزمن حتى يدخل الحراك في رتابة وخفوت ينتهيان بموته من دون تحقيق أهدافه، وهو ما سيؤدي إلى إحباط شعبي في الريف وخارجه تستمر تداعياته مدة طويلة، وهناك من يراهن على التصعيد المتواصل والصمود لربح الوقت وإنهاك السلطة والأجهزة الأمنية، ورفع تكلفة المقارَبة الأمنية، واعتماد أسلوب الاستنزاف، لا أسلوب الحسم. وهناك من يراهن على القمع المتواصل مهما كلَّف ذلك من ثمن، لتأديب مناطق أخرى بحراك الريف، ويساعده على هذه المقارَبة سياق إقليمي داعم، ومساندة رسمية فرنسية، ولامبالاة دولية بما يجري من خروق. يبقى حراك الريف مفتوحًا على كل الاحتمالات، لأن من شأن أي متغير، مهما بدا صغيرًا وجزئيًّا، التأثير في مخرجاته.