فاعلو الحراك المدني اللبناني: قضية مشتركة، خلفيات متناقضة

Maryz Younes ماريز يونس |

الملخّص

شهد لبنان عام 2015 تحرك ا شعبيًا حاشدًا، تمث ل بردَّة فعل قوية على عجز الدولة عن حل أزمة النفايات؛ إذ دفعت هذه الأزمة، كما الأزمات الحادة المتراكمة، بالمواطنين اللبنانيين إلى تشكيل مجموعات متنوّعة للضغط في اتجاه تحقيق تغيير ديمقراطي للوضع القائم. بيد أن مجموعات الضغط هذه تأرجحت بين التأثير المحدود، لجهة قدرتها على الحشد بسبب بنية النظام السياسي الطائفي القائم على الولاءات والمحسوبيات والانتماءات الضيقة، وبين عجزها عن تكوين بديل ديمقراطي تغييري من الوضع القائم بسبب طبيعة تكوينها الهجين غير القادر على التفلت من التوافق الآني والمباشر، وذلك من دون الوصول إلى توافق على الأسباب العميقة لهذه الأزمات. تقدم هذه الدراسة سؤال ا محوريًا، هو: إلى أي حدّ يمكن للقوى الشبابية اللبنانية المدنية أن تشكل حركة تغيير ديمقراطي فعلي في بنية النظام اللبناني؟ وتناقش النتائج على ثلاثة مستويات رئيسة، هي: الفاعلون، والسلطة، والجمهور. كلمات مفتاحية: لبنان، أزمة النفايات، الحراك المدني، ائتلاف "طلعت ريحتكم"، مجموعة "بدنا نحاسب." This paper seeks to understand the feasibility of genuine democratization within Lebanon as a result of youth political activism. It begins with the 2015 protest movement which erupted as a result of the "Rubbish Crisis," and the inability of municipal authorities to deal with refuse. This group typifies a multiplicity of separate pressure groups aimed at creating democratic change within Lebanon. The impact of these volunteer-based groups is constrained by the sectarian structures and patronage networks which underlie the Lebanese political order. The heterogeneity of such voluntary groups has not translated beyond immediate concerns; the people and activists who make up these groups are not in agreement on the deeper, longer-term factors behind Lebanon's repeated crises, failing to provide a democratic alternative to Lebanon's status quo. Keywords: Lebanon, Refuse Crisis, Civil Movement, "You Stink Coalition", "We Want Accountability Group".

The Lebanese Civil Movement Activists A Common Cause for Contradictory Backgrounds

مقدمة

شهد لبنان عام 2015 تحركًا حاشدًا، شارك فيه آلاف المواطنين اللبنانيين من مختلف المشارب والاتجاهات، ومن مختلف المناطق والفئات العمرية، خصوصًا فئة الشباب الذين نزلوا إلى الشارع تحت شعارات ديمقراطية تغييرية متجاوزين الاختلافات السياسية والحزبية والطائفية والمذهبية. مثّلت قضية النفايات نقطة انطلاق الحراك، في إطار ردة فعل قوية على عجز الدولة عن إيجاد حل لأبسط حقوق المواطن اللبناني في العيش بكرامة وفي بيئة نظيفة. وتحت شعار "طلعت ريحتكم"، انطلقت مجموعة صغيرة من الشباب اللبناني للاحتجاج والتعبير عن اختناقهم من "روائح الفساد" التي تفوح من هذه الأزمة، ومن كل الأزمات الأخرى التي يعانيها المواطن اللبناني منذ عقود من الزمن، في تورية لغوية بلاغية، تربط "روائح النفايات" بالفساد، الذي جعل الدولة مشلولة وعاجزة عن مواجهة مسألة النفايات. ومن ثم، لا تختزل هذه القضية المعيشية الاجتماعية، التي كانت الدافع المباشر إلى التحرك، القضايا المطلبية الأخرى المتراكمة (الكهرباء، الماء، الصحة، البطالة، شلل المؤسسات، تمديد للمجلس النيابي، الفراغ الرئاسي... إلخ)، وهي قضايا تمس "بديهيات" حقوق المواطن التي يجب أن تؤمنها الدولة اللبنانية. مثّلت هذه القضايا/ الأزمات دافعًا لآلاف المواطنين للتدفق إلى الساحات، وتشكيل مجموعات تحت شعارات متنوعة؛ ديمقراطية سياسية اجتماعية واقتصادية معيشية. في مقابل هذا المشهد الديمقراطي الجامع لمجموعات متنوعة الانتماءات والمشارب، يبرز مشهد آخر يتمثل بالسلطة السياسية، والتي على الرغم من كل ما تحمله من تناقضات وانقسامات وخلافات في ما بينها، نراها تلتقي وتوحّد جهودها، على نحو استثنائي، في كل مرة تتصدى فيها للحراك المدني1، من أجل تفكيكه وإفشاله عبر ممارسة القمع المباشر (أعمال الشغب، والقمع والعنف... إلخ) أو عبر إثارة حساسيات طائفية ومذهبية. إزاء هذا التناقض بين المشهدين؛ مشهد الحراك المدني الشبابي الذي سجّل حضورًا متقدمًا لجهة قدرته على الحشد من جهة، والمشهد المقابل المتمثل بقوى السلطة السياسية التي تُولّد الأزمات وتُديرها، بدل حلّها، وتستخدم شتى الوسائل لتثبيت هذا الأمر الواقع من جهة أخرى، تطرح هذه الورقة البحثية سؤالً محوريًا هو: إلى أي حدّ يمكن للقوى الشبابية اللبنانية المدنية أن تشكّل حركة تغيير ديمقراطي فعلي في المجتمع اللبناني؟

فرضيات البحث

تنطلق هذه الورقة البحثية من فرضية أساسية ومحورية تتعلق بما يشهده لبنان من أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية حادة، دفعت المواطنين اللبنانيين إلى تشكيل مجموعات متنوّعة للضغط في اتجاه تغيير ديمقراطي للوضع القائم. بيد أن مجموعات الضغط هذه تتأرجح بين التأثير المحدود بسبب قدرتها على الحشد ربطًا بطبيعة الأزمات التي تلحق بمعظم اللبنانيين في مستواهم المع شي والحياتي، وبين عجزها عن تكوين بديل ديمقراطي يغير الوضع القائم بسبب طبيعة تكوينها الهجين غير القادر على التفلت من التوافق الآني والمباشر، وذلك من دون الوصول إلى توافق على الأسباب العميقة لهذه الأزمات. في ضوء ذلك، تُطرح الفرضيات الفرعية التالية: يمثّل تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، من دون إيجاد حلول لها، دافعًا لاستمرار "الحراك" وتفعيله. إن اختلاف النظر بين الفاعلين إلى أسباب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية يحد من فاعلية "الحراك" من أجل التغيير. يؤدّي تذرر بعض مجموعات "الحراك"، لأسباب متنوعة، إلى الحد من فاعلية تأثيره في التغيير الديمقراطي. إن ضعف التنسيق ما بين مجموعات "الحراك" يحد من فاعلية تأثيره في التغيير الديمقراطي. يؤدي استخدام قوى السلطة لكل أشكال القمع في مواجهة "الحراك"، إلى عزوف العديد من اللبنانيين عن المشاركة فيه والحد من فاعليته التغييرية.

منهج البحث والتقنيات المستخدمة

تندرج هذه الورقة البحثية في إطار الدراسات الوصفية التحليلية النقدية. وهي تدرس حالة الحراك اللبناني بصفته أحد الحراكات التي يشهدها العالم العربي؛ بهدف الكشف عن خصوصيته. أمّا التقنيات الأساسية التي تمّ اعتمادها في جمع المعلومات والمعطيات فهي التالية: التوثيق من خلال مراجعة عدد من المؤلفات عن الحراك، وبعض ما كُتب في الصحف، وبعض المقابلات التلفزيونية، ومن خلال بعض الندوات.

  1. استخدمنا مفهوم "المدني" للدلالة على الجمهور من المتظاهرين والفاعلين المشاركين في الحراك من خارج الولاءات السياسية والطائفية والعائلية والفئوية والمناطقية.

المقابلة بصيغتيها الحرّة ونصف الموجهة، وقد بلغ عددها 30 مقابلة. تم اختيار المجموعتين بطريقة عمدية. شملت المجموعة الأولى 15 ناشطًا من الشباب، وراعت المعايير الآتية: الجنس، والانتماء الحزبي، والمنطقة. كما شملت المجموعة الثانية 15 متطوعًا من جمهور الحراك من الشباب وراعت المعايير الآتية: الجنس، والمستوى التعليمي، والمنطقة، إضافة إلى بعض المقابلات مع مجموعة من الخبراء والباحثين والمختصين في هذا المجال. الاستمارة: استخدمت لاستطلاع رأي مجموعة من الشباب الجامعي المنتسبين إلى معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية. وفي اختيار هؤلاء، روعيت المعايير الآتية: السنة الجامعية، والمنطقة، والعمر والطائفة، والجنس. تحليل المضمون: تمّ استخدام هذه التقنية لتحليل محتوى الوثائق (المؤلفات، والندوات، والبرامج التلفزيونية)، ولتحليل محتوى المقابلات. تقتصر معالجة الورقة البحثية زمنيًا على الفترة تموز/ يوليو 2015 - نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2015، وهي الفترة التي ظهرت خلالها السمات الأساسية للفاعلين. ولا يعني التشديد على فترة التكثيف هذه أن الحراك قد توقف وقتذاك، بل ما زلنا نشهد تحركات لناشطات وناشطين ولمجموعات حتى لحظة كتابة هذه الورقة (خريف 2017 – شتاء.)2018

: في الخلفية التاريخية أولا: بين تفاقم الأزمات وتراكم التحركات

يزخر تاريخ لبنان بالعديد من الانتفاضات وحركات الاحتجاج التي تنطلق من دوافع مختلفة، مطلبية، أو نقابية، أو سياسية... إلخ. غير أن هذه الحركات يتفاوت زخمها، بين سقوف متقدمة شهدتها مرحلة ما قبل الحرب الأهلية، لجهة قدرتها على الضغط، والتأثير في السلطات اللبنانية والحصول على العديد من المطالب/ الحقوق، مستفيدة من المناخات التغييرية، الوطنية والقومية، المواتية والمرافقة لتلك المرحلة، وسقوف متدنية، تتوازى وحالة الضعف والشلل والتشرذم التي شهدتها الحراكات الشعبية المدنية في فترة الحرب الأهلية اللبنانية. ولقد استمرت هذه السقوف بالتدني في فترة ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية، متأثرة بالانقسام الطائفي - السياسي من جهة، وبالوجود السوري الضاغط على كل أنواع الحراكات المدنية، من جهة ثانية، كما ترافق كل ذلك مع مرحلة إعادة البناء والإعمار التي فرضت أولوياتها في البلاد، من جهة ثالثة. استمر ضمور التحركات اللبنانية ما يقارب 15 عامًا منذ انتهت الحرب الأهلية، على الرغم من تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية واستفحالها، وصولً إلى عام 2005، تاريخ اغتيال الرئيس رفيق الحريري؛ فقد سارت تظاهرة ضخمة جدًا استنكارًا لهذا الاغتيال، تطالب بانسحاب الجيش السوري من لبنان، وهو ما حصل. وفي ردة فعل على التظاهرة الأولى من الفريق المؤيد للرئيس الحريري، انطلق حراك جماهيري حاشد في 8 آذار/ مارس، يشكر سورية على دعمها طوال فترة وجودها في لبنان. وفي ردة فعل أخرى على تلك الردّة، وبالزخم نفسه، انطلق حراك جماهيري حاشد في 14 آذار/ مارس، سمّي ب "ثورة الأرز" تهاجم سورية والحكم فيها. وادّعى كلا الفريقين؛ 8" آذار" و 14" آذار"، بأن حراكه كان مليونيًا. ما يهمنا في هذه الورقة البحثية أن الوضع المستجد تمخّض عن كتلتين واسعتين على مستوى المجتمع اللبناني، حاول كلاهما فرز اللبنانيين بين "مع" و"ضد"، واستخدما لذلك كل الأساليب التي تشجّع إعادة إنتاج الولاءات والانتماءات الطائفية والعصبية الضيقة ضمن أحزابها، عبر ربطها بمصالح نفعية فئوية. وهو ما ساهم بدوره، كما نتيجة الحرب اللبنانية، في إضعاف الأحزاب التغييرية والمجموعات المدنية المعارضة والمتضررة من الوضع الجديد، وخفوت اعتراضها. أنتج الصراع بين الكتلتين الأساسيتين أزمات على مختلف المستويات، وصلت إلى حدود تعطيل مؤسسات الدولة، وهو ما انعكس سلبيًا على الاقتصاد اللبناني، ترافق مع استفحال الفساد لدى السلطة السياسية. وهي كلها عوامل فاقمت الأزمات المعيشية والاجتماعية لدى معظم فئات الشعب اللبناني. ومع مطلع عام 2011، دخلت التحركات اللبنانية في مرحلة نوعية ومميزة، تحكمها موجة الانتفاضات التي كانت تشهدها المنطقة العربية "الربيع العربي"، والتي تشكل بيئة مواتية وضاغطة سيتكثف خلالها حضور المجتمع المدني اللبناني، عبر سلسلة من الاحتجاجات والتظاهرات، وتحت شعارات تغييرية وديمقراطية ومطلبية مختلفة. مثّل تحرك "إسقاط النظام الطائفي" أول هذه التحركات وأبرزها، على الرغم من الحشد الرمزي الذي شارك فيه، والذي قدر بثلاثة آلاف مواطن2. إلا أنه لم يستمر طويلً؛ لأنه لم يطرح عناوين جاذبة يمكن ترجمتها من خلال ضغط الشارع، بقدر ما كان يؤشّ على تأثّر الشباب اللبناني ب "حالة ثورية أخذت في الامتداد في المنطقة العربية"، وعلى تمكين مهارات لدى الكثير من الناشطين الجدد، الذين اكتسبوا، من خلاله، خبرة في العمل المدني والسياسي والتنظيمي والإعلامي وغيره. بعد مرور سنتين على تحرك "إسقاط النظام الطائفي"، ومع استمرار الأزمة الاجتماعية - الاقتصادية وتفاقمها، شهد لبنان في عام 2013

  1. باسم شيت، "الحراك من أجل إسقاط النظام الطائفي ورموزه: دروس واستنتاجات"، الثورة الدائمة مجلة، العدد 1 (كانون الثاني/ يناير 2012)، شوهد في 2018/2/25، في: http:// bit.ly/2AbFvZ4

تحركًا نقابيًا مطلبيًا "صافيًا" تحت قيادة هيئة التنسيق النقابية3. واستهدف هذا التحرك تعديل سلسلة الرتب والرواتب وتصحيح الأجور، وشمل العمال والموظفين والنقابيين والأساتذة، وتضامن معه جمهور من المواطنين اللبنانيين المستقلين المؤيدين. قُدّر عدد المشاركين في التظاهرة آنذاك بمئة ألف مشارك، وقد عُدّ من التحركات النقابية المميّزة بعد الحرب اللبنانية لجهة التعبئة والمشاركة، خصوصًا في ظل شلل الاتحاد العمالي العام وتطييف الحركة النقابية وشرذمتها. انتهى هذا التحرك النقابي من دون تحقيق المطالب التي تم التظاهر من أجلها؛ ليس هذا فحسب، بل تم تحريض مناصري الأحزاب الذين شاركوا في التظاهرة على تحميل قيادة هيئة التنسيق النقابية المسؤولية، نظرًا إلى أسلوبها المعتمد الذي أزعج السلطة السياسية الحاكمة وأقلقها؛ وهو ما أثّر سلبيًا في التحركات المطلبية اللاحقة. لم يثنِ هذا الواقع العناصر المستقلة والمنضوية في أحزاب تغييرية، والتي شاركت بقوة في التحركين السابقين في عامَي 2011 و 2013، من أن تستمر في تنظيم تحركات جديدة (وإن كانت متقطعة وخجولة العدد)، تحت عناوين لقضايا محددة مثل القانون الانتخابي، والفراغ الرئاسي، وأهالي المخطوفين وغيرها. أكّدت تلك التحركات تصميم تلك القوى وجدّيتها ووعيها وعدم يأسها، وفي الوقت نفسه شكّلت حافزًا وبداية تبلور وعي لدى العديد من قوى شبابية جديدة، هيّأت البيئة المواتية والمحفّزة والضاغطة لانطلاق تحرك من نوع آخر، سيمثّل حالة أكثر تقدمًا وتعبيرًا عن حضور المجتمع المدني وفاعليته. وهو تحرك انطلق في عام 2015 تحت شعار "طلعت ريحتكم."

ثانيًا: انطلاقة حراك 2015، انعطافة جديدة4

في ظل استمرار تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية، وترهّل مؤسسات الدولة واستشراء الفساد، واستمرار تفاقم الأزمات المعيشية والاجتماعية التي يعانيها اللبنانيون (النفايات، الكهرباء، الماء، تراجع القدرة الشرائية، ارتفاع أسعار السلع... إلخ)، والتي زادت تفاقم مع لجوء مليون ونصف المليون لاجئ سوري إلى لبنان، برزت أزمة "النفايات" بعد إقفال مطمر الناعمة5. على الرغم من أن العقد بين شركة سوكلين6 الخاصة المشغلة للمطمر قد انتهى قبل سنة من بروز الأزمة، ورغم تحذير الخبراء واعتراض السكان المقيمين في بلدات محيطة بالمطمر على الروائح الكريهة المنبعثة منه؛ إذ تبين لاحقًا أن الشركة لم تكن تلتزم تنفيذ الشروط المنصوص عليها في العقد من دون أن تخضع للمحاسبة بسبب الحماية السياسية التي كان يوفرها فاعلون في السلطة السياسية مقابل مكاسب ومصالح تقدّمها الشركة إليهم، ورغم تمديد سنة إضافية للشركة لاستخدام مطمر الناعمة بحجة إيجاد حل جذري لقضيّة النفايات، فإن ذلك كله لم يؤدّ إلى حل؛ ما جعل الأزمة تنفجر في الشارع. فقد تحوّلت شوارع لبنان إلى مكبات عشوائية لأطنان من النفايات تكدست وانتشرت وأزكمت روائحها أنوف اللبنانيين، وفاقمت شعورهم المزمن بأن كرامتهم وحقوقهم تنتهكها باستمرار سلطة فاحت رائحة صفقاتها السياسية عفنًا. انطلقت الشرارة الأولى للاحتجاجات عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبدعوة من بعض الناشطين الشباب، بلغ عددهم 12 ناشطًا، للنزول والاحتجاج على تراكم النفايات في شوارع بيروت تحت شعار "طلعت ريحتكم." سرعان ما ترافقت هذه المبادرة مع مبادرات أخرى، واعتصامات متتالية شهدت تجاوبًا غير مسبوق من المواطنين اللبنانيين الذين توافدوا إلى ساحات بيروت للمشاركة والتظاهر. في 22 آب/ أغسطس 2015، بلغ عدد المتظاهرين نحو عشرة آلاف مواطن. تميزت هذه التظاهرة بمشاركة لافتة لفئات شبابية جديدة انضمت إلى الحراك (بعضهم من أنصار الأحزاب ذات النفوذ في السلطة السياسية الحاكمة)؛ الأمر الذي أربك السلطة السياسية التي أعطت الأوامر للقوى الأمنية باستخدام العنف لتفريق المتظاهرين7. إثر ذلك انسحبت مجموعة "طلعت ريحتكم" من الشارع، ووصفت السلطة بعض المتظاهرين الذين أثاروا أعمال شغب ب "المندسين"، ودعت إلى تعليق التظاهرة إلى يوم السبت 29 آب/ أغسطس.2015 أحدث السلوك الاستعلائي و"الإقصائي" (بحسب تعبير الناشطين) في مجموعة "طلعت ريحتكم" استياء المتظاهرين، والفاعلين الآخرين المشاركين في الحراك؛ ما أدى إلى انشقاق في صفوف المحتجين. وانطلقوا منذ تلك اللحظة، لتكوين مجموعات جديدة، تحمل شعارات تتجاوز المطلب البيئي إلى الحل السياسي التغييري، ليصل عدد المتظاهرين في 29 آب/ أغسطس 2015، إلى ثمانين ألف متظاهر8.

  1. تضم رابطة أساتذة التعليم الثانوي والأساسي والمهني ونقابة المعلمين في التعليم الخاص وموظفي الإدارة العامة.
  2. سنستخدم كلمة "الحراك" اختصارًا لمفهوم "الحراك المدني" الذي تتمحور حوله الورقة البحثية.
  3. الناعمة" بلدة تبعد عن بيروت ما يقارب 30 كيلومترًا، وهي تتبع قضاء الشوف في جبل لبنان، وتعد من ضمن الضواحي القريبة من العاصمة وتشكل جزءًا من بيروت الكبرى.
  4. شركة سوكلين اللبنانية، مكلفة بجمع النفايات منذ عام 1994 وطمرها في بيروت و 225 بلدة في محافظة جبل لبنان.
  5. حصلت اشتباكات دامية في تلك الليلة؛ ما أدى إلى جرح عدد كبير من المتظاهرين، إضافة إلى اعتقالات تعسفية قُبض خلالها على نحو أربعين متظاهرًا وناشطًا. للمزيد من الحراك وما أدراك ما الحراك التفاصيل حول عنف القوى الأمني، انظر: حسان الزين، (بيروت: رياض الريس للنشر، 2016)، ص.27-25
  6. الحراك المدني اللبناني: خط زمني"، موقع رصيف 22، 2015/9/16، شوهد في 2018/2/25، في http://bit.ly/2zl8uZ3:

ثالث ا: الحراك بين الوحدة والتذرر

توزعت مجموعات الحراك ضمن توجهين محورييّن؛ توجّه "نيوليبرالي" وتوجه "يساري"، اتسم كل منهما بهوية خاصة، طبعت الفاعلين المنضوين ضمنهما بجملة من الخصائص برزت بوضوح في مجمل خطابهم ومواقفهم وممارساتهم. في ضوء ذلك، سيتم التوقف للتعرّف إلى الخصائص التي ميزت كلا الائتلافين: "طلعت ريحتكم" و"بدنا نحاسب" تبعًا لخطابهما.

1. الحراك بين "النخبوية" و"الشعبوية"

يمثّل الائتلاف الأول "المجموعة"9 المؤسّسة والمطلِقة ل "الحراك" "طلعت ريحتكم" التي تضم مجموعة من الناشطين المدنيين المستقلين "اللاحزبيين"، بعضهم شارك في تحركات سابقة بدءًا من عام 2011 كما سبقت الإشارة. كما اتسم الفاعلون فيها بهوية خاصة تتميز من الناشطين التقليديين "المخضرمين"، ومن قيادات التحركات التقليدية، بأنهم ينتمون إلى فئة عمرية شابة 40-20(عامًا) وإلى الطبقة الوسطى المتعلمة. وقد مثّل المتخصصون في المجال الرقمي والتدوين على وسائل التواصل الاجتماعي الكادر الأساسي لمؤسسي المجموعة10. هذا فضلً عن أن كل قادتهم يعملون خارج إطار قطاع الدولة الرسمي (في القطاع الخاص، أو لحسابهم الشخصي.) حرصت هذه المجموعة على تظهير هويتها الطبقية المهنية "النخبوية" في مختلف خطاباتها11، لتمييز نفسها من باقي المجموعات أو المتظاهرين على السواء، كما سنرى لاحقًا. انضم إلى المجموعة منذ البداية مختلف المنظمات البيئية والحقوقية المشاركة في "الحراك" والمؤيدة لتوجهاتها ومطالبها المحصورة في الجانب البيئي وأبرزها "فرح العطاء"، والمفكرة القانونية وسواهما؛ لتصبح المجموعة ائتلافًا يحمل شعار "طلعت ريحتكم." في المقابل، يتميز ائتلاف "بدنا نحاسب"، بهويته اليسارية عمومًا، وهو يضم ناشطين بارزين من خلفيات حزبية ويسارية تميزوا بإرثهم الثقافي النضالي، وبمشاركتهم في مختلف محطات النضال الوطني التي شهدها لبنان سابقًا، وصولً إلى تحرك "حركة التنسيق النقابية" في عام 2013، إضافة إلى بعض المجموعات التي شُكّلت إثر انشقاقها عن "طلعت ريحتكم." ينتمي الناشطون فيها إلى مختلف الطبقات الاجتماعية، ومختلف الفئات العمرية الشابة والمتوسطة، وهم يرون أنهم يمثلون الطبقات الشعبية. كما تضم ناشطين جددًا من الشباب المستقلين الذين برزوا في التحركات الأخيرة السابقة للحراك الراهن، والتي قد سبقت الإشارة إليها.

2. الحراك بين خلفيتي "اللاحزبية واللاتسييس" و"التسييس المستتر"

حرص ائتلاف "طلعت ريحتكم" على أن يقدم خطابًا متميّزًا باعتباره حراكًا مدنيًا يحمل قضية اجتماعية معيشية "صافية"، وبمواطنين "مستقلين" عن مختلف التيارات السياسية والحزبية؛ فالأحزاب في رأيهم فقدت صدقيتها وتآكلت شعبيتها وأصبح معظمها مشاركًا في السلطة. دفع هذا الموقف بعض الناشطين الذين رفعوا شعارات سياسية إلى الانشقاق عنها، وتشكيل مجموعات أخرى تنسجم مع مشروعهم السياسي التغييري. أمّا خيار قياداتها بال "لاسياسية"، فيعود ذلك إلى ضرورة تجنب تصنيف المجموعة، مع بدايات عملها، ضمن دائرة الاستقطابات السياسية التي يشهدها لبنان خصوصًا بين 8" آذار" و 14" آذار." كما رفضت هذه المجموعة، في بدايتها، الحوار مع السلطة السياسية للتداول في "أزمة النفايات" وطرق حلها، باعتبارها سلطة فاسدة لا تملك أي شرعية للتحاور معها. أما ائتلاف "بدنا نحاسب"، فلم يكن لديه هاجس إبراز خلفيته "الحزبية" و"اليسارية" والإعلان عنها في خطاباته؛ فالفاعلون الأساسيون فيه معروفون بانتماءاتهم اليسارية التوجه تاريخيًّا. لقد حاول الائتلاف منذ البداية أن يقارب المسائل المطروحة من دون كليشيهات "حزبية"، أو "سياسية"؛ نظرًا إلى حساسية المواطنين لتجربة الأحزاب اليسارية خصوصًا، والتي تراجعت شعبيتها بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، أي غياب مظلة الدعم الدولي لها، من جهة، وانقسامها بين مشاركين في السلطة السياسية وبين المعارضة الدائمة، من جهة ثانية، وتزايد نفوذ الأحزاب الطائفية بعد الحرب اللبنانية من جهة ثالثة. دفع هذا الضعف المركب والمتعدّد الأسباب الفاعلين اليساريين في الحراك، وتجنبًا للحساسية التي يمكن أن تتولّد عن الإعلان المباشر والواضح عن الانتماء السياسي والتحرك مباشرة كأحزاب يسارية تغييرية، إلى التورية واستخدام الأساليب نفسها لجماعات الحراك المدني "اللاحزبيين واللاسياسيين"، أي ائتلاف "طلعت ريحتكم." وذلك لمواكبة الحراك بنمط جديد من الشعارات يبعد عنهم الصفة الحزبية العلنية، من دون التخلي عن قناعاتها اليسارية التي برزت بوضوح

  1. نستخدم كلمة "مجموعة" للإشارة إلى إحدى المجموعتين البارزتين "طلعت ريحتكم" و"بدنا نحاسب."
  2. عماد بزي وأسعد ذبيان من المؤسسين ومن القيادات البارزة في مجموعة "طلعت ريحتكم." وهما من أشهر المدونين على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد حازا جوائز عالمية في فن الاتصال والتواصل والترويج والتسويق الإلكتروني للقضايا.
  3. من أبرز الخطابات "النخبوية" التي أحدثت استفزازًا لدى مجموعات الحراك الأخرى، كما لدى جمهور الحراك والرأي العام هو "نحن كمجموعة تلاميذ جامعات، أساتذة، موظفين، ناشطين، فنانين ومن كل الشعب نزلنا إلى الشارع رفضًا للوضع القائم"، انظر: "طلعت ريحتكم تدعو إلى التظاهر يوم 22 من الشهر المقبل"، موقع ملحق، 2015/10/26، شوهد في 2018/2/25، في: http://bit.ly/2jmO6Qs؛ للمزيد من التفاصيل، انظر: كارول كرباج، "السياسة بالصدفة: 'الحراك' يهاجم 'شعوبه"'، معهد السياسات في الجامعة الأميركية ورقة عمل في بيروت،، العدد 41 (كانون الأول/ ديسمبر 2016)، شوهد في 2018/2/25، في: http://bit.ly/2i4zXeb

خلال السجالات بين الناشطين حول هذه المسألة. فقد كان ائتلاف "بدنا نحاسب" يرى أن الأحزاب التغييرية شكلت حاضنة تاريخية لكل النضالات السابقة، وأن العمل الحزبي ليس انتقاصًا من نضالات أي مجموعة، بل هو رافعة ضرورية لتأطير الجهود وتصويبها في سبيل تغيير جذري. وهم يرون أن مغالاة "الفاعلين الجدد" في الدعوة إلى اللاحزبية، وفي رفض الأحزاب ووضعها كلها في سلة واحدة، إنما هو تعبير عن ثقافة نيوليبرالية رُوِّجت منذ التسعينيات مع انهيار المنظومة الاشتراكية.

3. بين الهيكلية واللاهرمية

تطرح قيادات مجموعة "طلعت ريحتكم"، في مقاربتها للوضع التنظيمي، وفي إطار السعي للتمايز من التنظيمات الحزبية التقليدية، يسارية ويمينية، ولاستقطاب الشباب الجدد، صيغةً جديدة في التنظيم تنطلق من كونهم "حركة أفقية بلا قيادات"12؛ أي حركة ترفض الهرمية والتراتبية والهيكليات التنظيمية الجامدة، وتسمح للناشطين والمتطوعين باتخاذ المبادرات الخلاقة. وهو ما أوضحه كارن روس في الثورة بلا قيادات كتابه، كما تناوله مؤلفون غيره. وقد قارب فيه أهمية الحدث الفردي في تحقيق التغيير السياسي الشامل، منطلقًا من حادثة البوعزيزي في تونس عام 2010، الحادثة التي تخطت تأثيراتها السياسية حدود النظام السياسي التونسي، لتحدث تغييرات جذرية في سياسة بعض مجتمعات المنطقة العربية وأنظمتها، ولا تزال تداعياتها مستمرة حتى اللحظة الراهنة13. وبعيدًا عن تقييم التجارب العربية وأدواتها التنظيمية الجديدة ومدى فاعليتها، أظهرت التجربة اللبنانية "مراهقة" أو "فوضوية" لهذا التوجه لدى مجموعة "طلعت ريحتكم." فالإنكار العلني للهرمية وللأفقية، وفي أكثر من مجال، تدحضه الممارسة الفعلية؛ ذلك أن الناطقين إعلاميًّا، أو البارزين في المقابلات على أنواعها هم عدد محدود من الأشخاص، ما جعل الائتلاف يرتبط بصورتهم، وفي النتيجة شكلوا قيادة فعلية من دون أن تكون قيادة اسمية، ومن ثم،ّ اقتصرت المسألة على الشكل لا على المضمون. في المقابل، انقسمت قيادات ائتلاف "بدنا نحاسب" حول الشأن التنظيمي بين توجهين متناقضين؛ الأول تتبناه القيادات اليسارية (الحزبية منها خصوصًا) المتأثرة بالأشكال التاريخية للتنظيم، إضافة إلى المجموعات الأخرى ضمن الائتلاف نفسه، وهو ينطلق من ضرورة التوصل إلى صيغة تنظيمية محددة بين المجموعات كافة، تضمن تظهير صورة الحراك موحدًا، قويًّا ومتماسكًا، محصنًا من عمليات الخرق والتشويش والاستغلال التي قد تلجأ إليها السلطة السياسية لضرب الحراك وإفشاله، وتوجّه ثانٍ ارتبط بمجموعة "بدنا نحاسب" ب "اليساريين الجدد"، ومعظمهم من الشباب الذين رفضوا تأطير "الحراك" ضمن هيكلية واحدة تلغي برأيهم خصوصية مجموعاتهم واستقلاليتها وحريتها في القيام بنشاطاتها الفرديّة14.

4. بين النظرتين التجزيئية والشمولية للقضايا

أصر ائتلاف "طلعت ريحتكم" منذ انطلاقة الحراك المدني على حصر المطالب في الملف البيئي. وقد أكد في مختلف خطاباته أن هدف التحرك ذو عنوان واحد واضح ومحدد؛ هو "معالجة أزمة النفايات"، ومن ثمّ دعا إلى توحيد الجهود كافة في سبيل تحقيق هذا الهدف. يبرّر ائتلاف "طلعت ريحتكم" الطرح "التجزيئي للقضايا" استنادًا إلى تجارب التحركات السابقة؛ فهو يرى أن السبب الأساسي الذي أدى إلى فشل تلك التحركات يكمن في السقوف "التعجيزية" (بحسب الائتلاف)، للمطالب التي طرحها المتظاهرون، والتي يصعب تحقيقها "على الأقل" في المدى القريب؛ كشعارَي "إسقاط النظام" و"إسقاط الحكومة." وهي مطالب لا تأخذ في الاعتبار الواقع السياسي القائم في لبنان؛ وهو ما أدّى في رأيهم إلى التفاف السلطة السياسية على التحركات كافة وإفشالها. نتيجة لهذا التحليل تحصر قيادات هذا الائتلاف مطالب الحراك المدني في الملف البيئي بعيدًا عن الحل السياسي للأزمة؛ أي الاقتصار على "معالجة أزمة النفايات" حصرًا. وذلك لقناعة راسخة لديها بضرورة التدرج في المطالب وتجزئتها ومعالجتها على نحو منفصل عن القضايا الأخرى للوصول إلى الحل. إن نجاح هذه العملية سيؤمن بدوره، على طريقة خطوة خطوة، التراكم المطلوب للانتقال إلى قضية أخرى. في المقابل، ترى قيادات ائتلاف "بدنا نحاسب" أن مصدر الأزمة الأساسي يكمن في بنية "النظام السياسي" والفاعلين فيه، وأن أيّ حل يُطرح خارج إطار إعادة تشكيل السلطة السياسية يبقى حلً جزئيًا وناقصًا، يحكمه منطق التسكين الآني؛ فكيف لمن يولّد هذه الأزمات، والتي تؤمّن له جملة من المصالح، أن يسعى لحلّها؟ فتراكم الأزمات منذ انتهاء الحرب اللبنانية في عام 1989، من أزمة الكهرباء، والمياه، والصرف الصحي، والتلوث، وكذلك النفايات وغيرها، لم تجد حلً لها، ليس بسبب عدم توافر الخبراء والأموال حكمً، بل لأن الحل ليس حل تقنيًّا، بل هو حل يرتبط بالتركيبة السياسية القائمة منذ التسعينيات من القرن الماضي، والتي ترسّخ تحالف أطرافها وانبنى على منطق المحاصصة. "إن كل ما نشهده اليوم من تأزم اقتصادي واختناق

  1. الثورة بلا قيادات كارن روس،، ترجمة فاضل جكتر، سلسلة عالم المعرفة 446 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2017)، ص.11
  2. المرجع نفسه.
  3. يقول الناشط أحمد الحلاني في مجموعة "بدنا نحاسب:" "لم نكن نرى ضرورة لقيام ائتلاف أو ما شابه. لم تقنعنا الإجابات في التمييز بين 'الحراك' و'الائتلاف'، لكن، في الوقت نفسه، كنا دائمًا مع وحدة المجموعات ضمن استقلاليّة كل مجموعة، المركزيّة، مع احتفاظ كلّ منها بحرية القيام بنشاطاتها الفرديّة"، في: "الحراك المدني اللبناني: النشأة، المسار، المصير"، ندوة عقدت في الجامعة الأميركية، بيروت،.2016/2/4

اجتماعي وفساد وعلاقات زبائنية، هو بسبب هذا التحالف، إلا أن تظهير هذه الرؤية في قلب الحراك قد يؤدي إلى انقسامه. لكن لأي مدى يمكن التضحية بالوضوح من أجل 'وحدة' ستكون شكلية للحراك مثلً؟"15. إن هذا التناقض الأساسي بين التوجهين، أي ما بين المعالجة الجزئية التقنية والشاملة السياسية، أحدث انقسامًا عميقًا وحادًا بين الائتلافين سيترك تأثيراته في مسار الحراك ومآلاته. بعد هذه المحاولة في التعرف إلى سمات هوية الفاعلين، يثير الحراك جملة من الأسئلة ومنها: كيف تمت عملية إدارة الحراك؟ وكيف تم اتخاذ القرارات؟ وكيف تمت إدارة العلاقة بين الناشطين وجمهور الحراك من جهة والسلطة السياسية من جهة أخرى؟ ووفق أيّ أسس؟

رابعًا: علاقات الحراك المركبة

نتجت من حركة الحراك جملة من التحدّيات، ارتبطت بالعلاقات المتنوعة والمركّبة التي نشأت بين الفاعلين أنفسهم، من جهة، وبينهم وبين السلطة السياسية من جهة ثانية، وبينهم وبين جمهور الحراك من جهة ثالثة.

1. العلاقة بين الفاعلين

شكّلت العلاقة بين الفاعلين أنفسهم محورًا أساسيًا للتقييم المستمر من قبلهم. فالعلاقة بين مجموعات الحراك هي الوضع الذاتي الذي يؤمّن الأرضية، الصلبة أو الرخوة، للاستفادة من الأوضاع الموضوعية القائمة. منذ اللحظة الأولى لانطلاق الحراك، سعت مجموعاته المتنوعة للتنسيق في ما بينها من أجل التوصل إلى آلية إنتاج قرار، تمكنها من مواجهة القوى السياسية، وتأصيل الحراك ونشره في المناطق كلها. إلا أن الاختلافات حول "الرؤية" والإشكالات التنظيمية المرافقة لها، المشار إليها سابقًا، مثّلت عنوانًا مستمرًا لتحديات عديدة. فبعد تظاهرة 29 آب/ أغسطس 2015 وجماهيريتها المفاجئة لكل الأطراف؛ السلطة، والرأي العام، والفاعلين أنفسهم، لم يعد هناك إمكانية للإفلات من مهمة التنسيق لكونه حاجة موضوعية ملحة وضاغطة أمام مختلف المجموعات، خصوصًا لجهة تحديد الخطوات التصعيدية اللاحقة التي سيتم اعتمادها بعد انتهاء مهلة الحكومة لتحقيق مطالب الحراك16. وهكذا اجتمعت مختلف مجموعات "التنسيقية"17 في 2 أيلول/ سبتمبر 2015 لمناقشة هذا الأمر، وغاب عن الاجتماع المكونُ الأساسي والمؤسس للحراك؛ مجموعة "طلعت ريحتكم"، التي أطلقت تحركًا منفردًا وبسرية، تمثل باقتحام مبنى وزارة البيئة، والاعتصام داخله، ما نسف روحيةَ التنسيق المشترك. وفي ردة فعل على تحرك مجموعة "طلعت ريحتكم" المنفرد، قامت المجموعات الأخرى بإعادة تسمية تحركها ب "ائتلاف 29 آب"18، الأمر الذي عدّته مجموعة "طلعت ريحتكم" محاولة لإقصائها. وهذا ما يؤكده الناشط أسعد ذبيان بقوله: "تشكل ائتلاف 29 آب في ذلك اليوم، ودعا إلى مظاهرة من دوننا ردًا على نشاطنا الأحادي. ولا أخفي أن ردة فعلنا في 'طلعت ريحتكم' على هذا التصرّف كانت سلبية وغير متعاونة مع هذا الائتلاف."19 ستشهد، منذ تلك اللحظة، مجموعات "الحراك" سلسلة من الممارسات "الكيدية"؛ ستظهر الحراك كأنه "قطعة كريستال تكسر نفسها وتنتشر قطعها صغيرة وتبرز هنا وهناك بشكل مفاجئ"20. إن عدم التنسيق المُشار إليه، والذي ضعضع الحراك، وأفقده قوة ضرورية في مواجهة السلطة السياسية عزّزه وشجّع عليه عاملان أساسيان:

أ. أزمة ثقة وتشكيك متبادل

ظهرت هذه الأزمة بين المجموعتين الأبرز "طلعت ريحتكم" و"بدنا نحاسب." فقد تشكَّلَ فيه لدى المجموعة الأولى، ومنذ البداية، مناخ تشكيكي مبني على أفكار مسبقة حول اليسار وتجربته، خصوصًا خلال الحرب اللبنانية، والذي تراجع حضوره كثيرًا بعد الحرب اللبنانية، إذ تذهب هذه المجموعة إلى أن "الحركة اليسارية مؤمنة بالثورة وبتعدّد الشعارات الثوريّة المسقَطة من السبعينيّات، أكثر من إيمانها بالعمل النضاليّ، وتُرجم ذلك في ممارساتها، فتارةً ترى بعضَ أعضائها يصرّحون لوسائل الإعلام بما لم نتّفق عليه "(كلّن مش يعني كلّن)"، وطورًا يقومون مع آخرين بنشاطاتٍ لا علاقة لنا بها ولكنّنا نتحمّل وزرَها"21. أما المجموعة الثانية فقد شككت في

  1. نعمت بدر الدين (ناشطة في ائتلاف "بدنا نحاسب)"، في: "الحراك المدني بين نقاط
  2. مطالب الحراك: استقالة وزير البيئة محمد المشنوق، ومحاسبة وزير الداخلية وكل من أصدر الأوامر بإطلاق النار، وإجراء انتخابات نيابية جديدة، وحل بيئي مستدام لملف النفايات في لبنان يتضمن تحرير أموال البلديات من الصندوق البلدي المستقل وإصدار نتائج تحقيق المدعي العام المالي. للمزيد من التفاصيل، انظر: "الحراك المدني اللبناني: خط زمني."
  3. التنسيقية" مصطلح اعتمدته مجموعات الحراك كافة لاختصار كل النشاطات التي تندرج ضمن عملية التنسيق.
  4. الزين، ص.56-55
  5. أسعد ذبيان، في: "الحراك المدني اللبناني: النشأة، المسار، المصير."
  6. الزين، ص.58 21 الناشط كلود جبر (أحد قادة مجموعة "طلعت ريحتكم)"، مقابلة شخصية، بيروت،
  7. القوة والضعف"، ندوة عقدت في الجمعية اللبنانية لعلم الاجتماع، بيروت، 15 تشرين الأول/ أكتوبر.2015

خطاب "طلعت ريحتكم" النيوليبرالي الذي يتخذ من عناوين جديدة عصرية حديثة غطاءً ل "التعطيل" والفردنة، ورفض كل صيغ العمل التعاوني والتشاركي.

ب. الفردية

بعد أن برزت مجموعة "طلعت ريحتكم" بصفتها "المبادرة" بالحراك و"صانعة التحرّكات الكبرى"، تضخّم شعورها بمنجزها المدني، وأصبحت تخشى على نفسها الذوبان في أي هيئة تنسيقية أو ائتلاف، فتركزت كل مساعيها على البروز والتفرد بخطاب وممارسات خاصة أقصت من خلالهما مجموعات الحراك الأخرى من المشاركة. في المقابل، أدّى ظهور مجموعة "بدنا نحاسب"، بصفتها قوة موازية لمجموعة "طلعت ريحتكم"، خصوصًا لجهة ما تلقته من دعم إعلامي مماثل لنظيرتها، إلى التخفيف من فردية "طلعتْ ريحتكم" وذاتيتها، ما خلق نوعًا من التوازن بينها22. إن حالة الفردية والممارسات المرافقة لها، كانت عاملً أساسيًا في تعطيل عمليات التنسيق، وتفكك مجموعات الحراك، وفي ضرب وحدته.

2. العلاقة بين الحراك والسلطة السياسية

أمام مشهد "الحراك الوطني" الحاشد في الشارع، شعرت الدولة أول مرة بتهديد خطر تنامي هذه الحركة الجماهيرية، خصوصًا عند رؤية بعض من أنصارها ينضمون إلى الشارع ويهتفون ضدها. فعملت سريعًا على استجماع أجهزتها وخطتها وأدواتها، بطرق وأساليب عديدة، وتوحّدت جهود الخصوم في السلطة لمواجهة الحراك المدني وضربه. ف "ازدادت شراسة السلطة السياسية، فأشركت مختلف قواها بالمعركة المضادة، من الهيئات الاقتصادية، إلى وسائل الإعلام، إلى الأجهزة الأمنية، حتى وصلت إلى القضاء وخصوصًا القضاء العسكري"23. وحاولت السلطة عبر تنويع أساليب القمع ترهيب المواطنين، وخصوصًا الأغلبية المترددة في النزول بعد طول غياب، أو تلك التي ترغب في المشاركة أول مرة. لقد نجحت السلطة إلى حد بعيد، وحدّت من زخم التحركات، في تصديها المتنوع الأساليب، ومنه:

أ. استخدام العنف الرسمي24

على الرغم من سلمية التحركات ومدنيتها25، استخدمت القوى الأمنية، تنفيذًا للقرار السياسي، الرصاص الحي في محاولة لاستدراج المتظاهرين إلى اشتباكات عنيفة، لتشويه صورة الحراك "السلمية"، وإشاعة مناخ من الحذر والذعر لدى الرأي العام اللبناني من خطر الدخول مجددًا في حرب أهلية، أو الانزلاق إلى العنف كما حصل في سورية والعراق. وهو ما كان له أثر بالغ في جمهور "الحراك"؛ فذاكرة المواطن اللبناني ما زالت طرية وتختزن الكثير من الأهوال والجرائم التي سبّبتها الحروب الداخلية، وأي مؤشرات واقعية على إمكانية تكرار تلك التجارب سيكون لها تأثير سلبي وستؤدي إلى تشويه الحراك وإفشاله.

ب. البلطجة الميليشياوية

لم يتوان بعض أطراف السلطة السياسية، أمام فشل العنف السلطوي الذي استخدم، كالهراوات ورش الماء وغيرها، في التدخل لإفشال الحراك عبر إرسال مجموعات، من منطقة معينة واضحة الانتماء، للتصدي المباشر للمتظاهرين سواء في أماكن تجمعاتهم في الساحات المركزية، بافتعال المشكلات التي تبرر لهم الضرب والتكسير، أو بدس عناصر داخل الحراك لافتعال المشكلات مع القوى الأمنية واستفزازها أحيانًا لتجرها إلى الرد على المتظاهرين، كل المتظاهرين، بعنف وقساوة، أو بالتصدي لبعض المتظاهرين أثناء مغادرتهم الساحات26. أدت هذه المحاولات "الميليشياوية" إلى تراجع زخم "الحراك المدني" وإضعافه على مستويين. تمثّل الأول بتراجع مشاركة فئات في الحراك المدني، وخصوصًا غير المسيّسين من بينهم، والذين هم حديثو العهد بالتظاهر. في حين تجلّ الثاني بانسحاب مجموعة "طلعت ريحتكم" من الشارع، والتي لم تكتفِ بتعليق التظاهرة بقرار فردي خارج إطار التوافق المشترك بين المجموعات وحسب، إنما وقعت في "فخ" اللعبة الأمنية، وخاطبت بعض المتظاهرين الذين اصطدموا مع عنف السلطة ورصاصها ب "المندسين"؛ الأمر الذي استفز بعض الناشطين، وأدى إلى انشقاقهم عنها وتشكيل مجموعات أخرى.

  1. عربي العنداري (ناشط في الحراك المدني)، في: "الحراك المدني اللبناني: النشأة، المسار، المصير."
  2. 26 كلود جبر، مقابلة شخصية.
  3. للمزيد من التفاصيل حول عنف القوى الأمني، انظر: الزين: ص.27-25
  4. استخدم المتظاهرون، في مواجهتهم لعنف القوى الأمنية، الحجارة وقوارير الماء، وبعض أعمال الشغب. وهي أساليب مشروعة مقارنة بالعنف الذي استخدمته القوى الأمنية لتفريق المتظاهرين من الرصاص المطاطي والحي؛ ما أدى إلى جرح عدد كبير من المتظاهرين.
  5. 23 علي طي (ناشط في مجموعة "حلوا عنا)"، في: "الحراك المدني بين نقاط القوة والضعف."

ج. التشويه الإعلامي27

تم استخدام بعض وسائل الإعلام، خصوصًا التابعة للسلطة السياسية، للتشهير ببعض قيادات مجموعة "طلعت ريحتكم" لتشويه صورة الحراك من خلال إطلاق صفات متنوعة ومتناقضة أحيانًا. وقد تنوعت بين "سرايا المقاومة" و"داعش" و"شباب السفارات"، وأن العديد منهم تدرب في الخارج على كيفية تحريك الوضع الداخلي وخلق اضطرابات لمصلحة الخارج، وكل ذلك في محاولة لإحالة الرأي العام إلى مشهد "الثورات العربية" وكيف تم استغلال بعض قياداتها أدواتٍ تمولها الجهات الغربية لتغطية مشروعها التقسيمي في المنطقة العربية أو التلاعب بمصيرها. أدت "نظرية المؤامرة" التي حبكتها السلطة السياسية مع وسائلها الإعلامية إلى تحويل أنظار الرأي العام عن الصورة الوطنية "المدنية" لمجموعات الحراك المحتشدة في ساحات بيروت، وإلهائهم بالتحقق من هوية الحراك وقياداته من جهة، كما أغرقت الناشطين في نفق التبرؤ من تهمة العمالة للغرب، من جهة أخرى. "أليس مستغربًا أن صحافيين من كتلتي 8 و 14 آذار، هاجموا الحراك بنفس الشراسة، بتخوين وباتهامات بالعمالة والتمويل الأجنبي في اليوم نفسه. كلها أكاذيب سقطت. حساباتنا مرفوعة عنها السرية المصرفية[...]وتاريخنا كناشطين منذ 2011، شاركنا في كل التحركات ولا زلنا مستمرين[...]لسنا مثل وائل غنيم الذي ظهر في تجربة مصر ورحل مباشرة بعد الثورة"28.

د. العلاقات الزبائنية

ساهمت عملية "التعبئة المفتوحة" التي استخدمها كلا الائتلافين عبر وسائل التواصل الاجتماعي في استقطاب فئات متنوعة، وصلت من خلالها إلى بعض أنصار الأحزاب والسلطة السياسية الذين قرروا التظاهر بسبب تدهور أحوالهم المعيشية ومعاناتهم المستمرة. إلا أن بعض أحزاب السلطة، وبعد أن يكون قد غض الطرف عن مشاركة عناصر مؤيدة له في الحراك، سرعان ما يُراجع حساباته، خصوصًا مع تبلور الحراك في تظاهرة 29 آب/ أغسطس الشهيرة، فيعمد ب "المونة الحزبية"، أو الطائفية أو ب "الترغيب والتهديد" من خلال المصالح المادية والمعنوية، ويستعيد جمهوره "الزبائني"، ويبعده عن المشاركة في الحراك.

ه. التبني اللفظي لخطاب الحراك

في محاولة لاحتواء الحراك، أي ل "تنفيس الاحتقان الشعبي"، سارع الزعماء السياسيون إلى ركوب الموجة وتكرار الخطاب نفسه؛ فكنا نرى رئيس مجلس النواب يدعو إلى طاولة الحوار، بينما يصرح أحد رؤساء الأحزاب بأن الطبقة السياسية انتهت ويحمّل مسؤولية العنف وزيرَ الداخلية الذي يرد عليه بأنه في حماية المتظاهرين في الشارع ولن يتردد في محاسبة القوى الأمنية إذا استخدمت العنف، فالدستور يحمي حق التظاهرة السلمية، بينما يطالب أحد الأحزاب السياسية المتظاهرين باستعادة شعاراته التي سرقها المتظاهرون، باعتبارها شعارات تياره السياسي، وهو أول من طالب بمحاسبة السلطة السياسية الفاسدة29.

3. العلاقة بين الحراك وجمهوره

إن الفصل بين الحراك والجمهور هو فعليًا فصل تعسفي؛ لأنه لا حراك من دون جمهور. والفصل هنا منهجي فقط للدلالة على قوة الحضور الدائم لقيادات الحراك، أو بالأحرى للفاعلين البارزين فيه، وعلى الجمهور الذي كان ينتظر دعوات هؤلاء الفاعلين لتلبيتها والمشاركة في النشاطات التي يقومون بها. على مستوى الجمهور اللبناني، لا بد من التمييز بين جمهور "الحراك"، أي من شارك في نشاط أو أكثر، والجمهور اللبناني العريض الذي يعاني ما يعانيه "الحراكيون" من أزمات اقتصادية واجتماعية وبيئية وغيرها، ولكنه يعزف عن المشاركة.

أ. جمهور الحراك المشارك

اتَّسم جمهور "الحراك المدني" بالتنوّع؛ فقد شمل مختلف الطوائف اللبنانية ومختلف الفئات الاجتماعية والثقافية والمناطقية والعمرية والجنسية. وقد تميز بمشاركة لافتة من الإناث وب "كثافة الفتيات والنساء[...]ووجودهن الكثيف والقوي له أبعاد سوسيولوجية عامة منها مدنية التحرك وأصالته الاجتماعية وتحرره من أي تبعية لأي من القوى السياسية[...]ومن المعاني أيضًا أن الألم والإهانة مسّا الإنسان اللبناني وعمق المجتمع"30. وضمّ جمهورُ الحراك فئات جديدة من المتظاهرين، أطلق بعض الدارسين عليهم تسمية "المتظاهرين الجدد"31 الذين تجاوبوا بحماسة واندفاع مع دعوات قيادة "طلعت ريحتكم" في المراحل الأولى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي

  1. للمزيد من التفاصيل، انظر: ناصر شرارة، "خفايا الحراك المدني: إدارته والأجنحة التي تقوده"، الجمهورية، 2015/8/27، شوهد في 2018/2/25، في: http://bit.ly/2hRqyTG؛ ألان سركيس، '"طلعت ريحتكم' تنظيمً وإدارة وتمويلً... حسب تقارير دولية"، الجمهورية،
  2. شرارة؛ "أسعد ذبيان أكثر شخصية مثيرة للجدل."6/4
  3. عون يشكك في الحراك الشعبي ويتهم المتظاهرين اللبنانيين بسرقة شعاراته"، موقع المغرب الآن، 2015/8/28، شوهد في 2018/2/25، في: http://bit.ly/2AvAehF 30 الزين، ص.25
  4. 2015/7/22، شوهد في 2018/2/25، في: https://goo.gl/achCwZ؛ "أسعد ذبيان أكثر شخصية مثيرة للجدل 6/4"، موقع يوتيوب، 2015/10/10، شوهد في 2018/2/25، في: http:// bit.ly/2B9pWjy؛ سهى جفّال، "أسعد ذبيان: هجوم المفلسين على الغنيّ باستقلاليته"، موقع جنوبية، 2015/9/2، شوهد في 2018/2/25، في: https://goo.gl/vorF3E
  5. سعت الباحثة كارول كرباج لتحليل ديناميات الاحتجاج المتعلقة بالفئات الاجتماعية المنخرطة، وبخاصة أولئك الذين دخلوا ساحات الاحتجاج للمرة الأولى خلال الحراك، وأطلق عليهم اسم "المتظاهرون الجدد"، تعرفهم بأنهم الذين تمت تعبئتهم للمرة الأولى في آب/ أغسطس 2015، من خارج العمل السياسي الطائفي التقليدي، انظر: كرباج، ص.7

استقطبت الآلاف منهم، إضافة إلى مئات المتطوعين "الشباب" من الجنسين الذين نشطوا في ساحة الحراك المركزية. كما شمل أيضًا كل الذين أيدوا الحراك ونزلوا إلى الشارع للتعبير عن غضبهم من أزمة النفايات والأزمات الأخرى التي تحمل عناوين كثيرة ومتعددة، تختلف أهميتها لدى المتظاهرين تبعًا لاختلاف معاناتهم ودرجة تضررهم منها. لم يكد هذا المشهد الجماهيري أن يتبلور، حتى واجهته جملة من التحديات الداخلية - لتمييزها من التحديات السلطوية الخارجية التي سبقت الإشارة اليها - أدت إلى ضموره تدريجيًّا، وأبرزها: ممارسة الإقصاء واستبعاد المشاركة: في ظل غياب آلية تنظيمية على مستوى مجموعات الحراك العام، مثّلت المجموعتان الرئيستان آلية تنظيمية مستقلة، استندت إلى صيغة اللجان (السياسية، والإعلامية، والثقافية... إلخ.) وينطلق مبدأ اللجان من التوجهات التنموية الحديثة التي تشدد على أهمية مشاركة المتطوعين، والتي تتوافق مع الخطاب "المُعلن" لدى مجموعة "طلعت ريحتكم" لكونها "حركة بلا قيادات"، في حين أظهرت الممارسة الميدانية الأسلوب "الإقصائي" الذي اتبعته قيادتا المجموعتين. بالنسبة إلى المجموعة الأولى "طلعت ريحتكم"، وبسبب ضعف إمكانياتها المادية، وقلة عدد الناشطين لديها، استعاضت عن التنظيم الميداني وآلياته ب "التنظيم الإلكتروني"؛ فدعت كل من يريد التطوع في صفوفها إلى تعبئة استمارة عبر صفحتها الإلكترونية، ف "وصل عدد المتطوعين إلى ما يقارب 1200 متطوع، يريدون المساعدة الميدانية والانضمام إلى المجموعة، ولكننا استطعنا قبول 50 متطوعًا فقط لعدم قدرتنا على متابعة الجميع، لسنا مجموعة منظمة ولا نملك إمكانات بشرية أو تنظيمية أو مادية، فحتى مركز للاجتماع لا نملك، والإيجار المادي يكلفنا الكثير"32. طرح التنظيم الإلكتروني "الاف اررضي" تحديات عديدة أمام الفاعلين؛ جعلتهم يحدون من عملية التطوع، تمثل ببعض الحسابات الرقمية الوهمية القائمة بأسماء مستعارة، تم كشف بعضها مباشرة وبعضها الآخر أثناء ممارستهم الميدانية، بكونهم مندسين من أنصار زعماء السلطة السياسية. لذلك تطلبت عملية قبول المتطوعين كادرًا كبيرًا منظمً للقيام بعمليتي "الفلترة" Filtering وإرسال التقارير Reporting إلى إدارة موقع فيسبوك لتوقيف الحسابات الوهمية؛ ما دفع بقيادات المجموعة إلى الحد من عملية التطوع في صفوفها. أنتج هذا التوجه علاقة إقصائية بينها وبين جمهورها، خصوصًا في ظل تعطل إمكانيات الفرز لدى قياداتها والتأكد من مختلف هويات المتطوعين أثناء ممارستها لسلوك الإقصاء. أما مجموعة "بدنا نحاسب" وعلى نحو ضمني، فكانت تحصر عملية قبول التطوع في صفوفها في دائرة المعارف ومن لديهم الخلفية الأيديولوجية اليسارية والحزبية؛ خوفًا من مشاركة فئات غير مستقلة ومناصرة لبعض الأحزاب الطائفية. لذلك، لم تتمكن من قبول مختلف المتطوعين الذين تقدموا لمساعدتها؛ إيمانًا منها بضرورة تحقيق "سرية العمل" والاح اررس من عمليات الخرق التي تستخدمها السلطة السياسية وأتباعها لضرب الحراك33. لقد أدت سياسة الإقصاء التي مارسها الائتلافيون إلى نفور بعض المتطوعين وامتناعهم عن المشاركة34. ازدواجية الخطاب: اتسمت ممارسة الائتلافين بالازدواجية؛ إذ استخدمت مجموعة "طلعت ريحتكم" هذا الخطاب مع جمهورها، توجهت بأحدهما "إلكترونيًّا" على وسائل التواصل الاجتماعي عبر طرح شعارات لها دلالات سياسية، يستهدف تعبئة جمهورها للمشاركة، والآخر تم التعبير عنه ميدانيًا عبر حصر جهودها بمعالجة قضية النفايات. فمثّل هذا الأمر التباسًا لدى جمهور عريض من المتظاهرين الذين استقطبهم "الخطاب الافتراضي"؛ ما أدى إلى تراجع حماسهم للمشاركة في تظاهرة لا تتعدى سقف مطالبها القضية البيئية. كذلك الأمر بالنسبة إلى جمهور مجموعة "بدنا نحاسب" (ومعظمه ذو توجه يساري) الذي جدّد الشعار الذي ترفعه وتتكنّى به الأملَ لديه في إمكانية التغيير السياسي. فنزل إلى الشارع مدفوعًا بخيارها التغييري، فاصطدم بارتضائها الدخول في تسويات مع "طلعت ريحتكم" والموافقة على النزول بسقف المطالب إلى المطلب البيئي التقني والارتضاء بالحلول المجتزأة والآنية خارج إطار قناعاتها وخياراتها. فأدى هذا الخطاب المزدوج لدى الطرفين إلى انسحاب فئات عديدة من الجمهور المشارك35.

  1. كلود جبر، مقابلة شخصية.
  2. كرباج.
  3. متطوعون في المجموعتين أبدوا استياءهم من السلوك "الإقصائي" الذي اعتمدته قيادات المجموعتين، مقابلات شخصية، بيروت، خلال الفترة.2017/4/12-2017/3/15
  4. للمزيد من التفاصيل، انظر: كرباج.

تشتت مجموعات الحراك: أدى مشهد الانقسام والتضارب بين مجموعات الحراك الذي أظهرته خطاباتها المتناقضة من جهة، وتحركاتها المتباينة والمتشعبة والمتناثرة من جهة أخرى، إلى إضعاف ثقة الجمهور المتظاهر بقيادات الحراك المدني، وخلق في المقابل لدى بعضهم شعورًا بالخيبة لضياع أحلامهم الطامحة للتغيير، ولدى بعضهم الآخر إحساسًا بأن "البديل" الذي تطرحه هذه القيادات المتنازعة المشتتة ليس سوى الفوضى؛ فكان أن تراجع حماسهم واندفاعهم للمشاركة وأعرضوا عنها.

ب. جمهور عازف عن المشاركة

على الرغم من تقدير مشاركة جمهور واسع ومتنوع من المواطنين، بعد سنوات من الكمون، فإن هذه المشاركة، على أهميتها، لم تحجب عزوف معظم اللبنانيين عن المشاركة في الحراك. في ضوء هذا العزوف اللافت، وعلى الرغم من تفاقم الأزمات، حاولت أن أتلمس أسبابه من خلال استطلاع رأي سريع، تم إجراؤه مع عينة شملت 300 طالب وطالبة من معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية في الفرع الخامس (جنوب لبنان.) راعت العينة معيارَي السنة الدراسية والجنس36. وأظهرت النتائج أن 90 في المئة من الطلاب والطالبات لم يشاركوا في "الحراك." هذه النسبة مرتفعة جدًا ومعبرة؛ كونها، أولً، تهمّ شبابًا وشابات، أي الفئة الأكثر اندفاعًا وحماسًا، وثانيًا لأنها تشمل طلابًا وطالبات جامعيين، أي من مستوى تعليمي عالٍ، يفترض أنهم أكثر وعيًا وثقافة من عامة الناس. وقد تبي أن أسباب العزوف عن المشاركة في الحراك تعود إلى الأسباب الآتية: "اللامبالاة:" مثّل هذا العامل ما نسبته 50 في المئة من الإجابات، وتم التعبير عنها بالعبارات الآتية: "لا يعنيني، لا يهمني، لا أحب، لا أرغب." وهو من الإجابات الأكثر تعبيرًا عن مناخ فئة من الشباب تتوزّع بين لامبالين فعليين وهي فئة حاضرة بين الناس ولا تهتم إلا بما يصيبها مباشرة، وهي نتيجة تنشئة اجتماعية تتسم بالوعي المتدني للقضايا، وقسم من أصحاب هذه الإجابات ع وا عن ذلك بسبب ارتباطاتهم الحزبية والطائفية لأنهم من المشاركين في مناسبات عديدة تتطلب تظاهرًا أو استنفارًا، شرط أن يكون من يدعو إليها أحزابهم، فهم يوالون الزعيم والحزب ولا يهتمون بالقضايا بصفتها كذلك. كما شملت أيضًا الإجابات التي تمحورت حول "لم نكن نعرف"، "ليس لدينا جمعيات بيئية" في المنطقة. "اللاجدوى:" مجموعة أخرى من الإجابات مثّلت ما نسبته 20 في المئة، تركزت غالبيتها في العبارات الآتية: "بكرا بيرجعوا على بيتهم"، و"ما في أمل"، و"المظاهرات ليست الحل"، و"ما بيطلع من أمرهم شي"... إلخ. وهي إجابات تعبّ عن يأس وخيبة من السلطة السياسية الحاكمة، وعدم إيمان بقدرتها على أن تقدم حلولً. وهذه المجموعة أكثر وعيًا من الأولى؛ أي إنها تدرك الأزمة، ولكن لا ترى جدوى ونتيجة في الحراك من أجل حلها. سبب لوجستي: مثّل ما يقارب 15 في المئة من نسبة الإجابات. وهذه الفئة أكثر وعيًا من الفئتين السابقتين وهي لو توافرت لها أوضاع معيّنة لكانت شاركت؛ أي هي مجموعة تؤيد مطالب الحراك وترغب ربما في المشاركة ولكن سكنها في مناطق بعيدة عن العاصمة حيث تتمركز التظاهرات والنشاطات الأخرى عادة، وتكلفة النقل، وعدم تأمين المعنيين للمواصلات تحول دون مشاركة هذه الفئة. أضف إلى هؤلاء الذي أشار إلى "ضيق الوقت لديه" بسبب الالتزامات المهنية، و/ أو الجامعية. ذرائع هذه المجموعة هي ذرائع موضوعية، وموقفها من الحراك موقف مؤيد في كل الأحوال. سبب عائلي: مثّل هذا العامل ما يقارب 15 في المئة من نسبة الإجابات، تركزت غالبيتها في رفض الأهل المشاركة؛ بسبب عدم اقتناعهم بهذه التظاهرات، أو لكون معظم المنتسبين إلى المعهد هم من الإناث، وهذا يزيد صعوبة حراكهن، والانتقال إلى بيروت، لأسباب اجتماعية ثقافية (عائلات محافظة... إلخ.) إن الاستنتاج الأساسي هو أن عزوف عدد كبير من الشعب اللبناني عن المشاركة في تحركات ذات طابع وطني يعود إلى ارتباطهم المتين بالمنظومة الطائفية والسياسية اللبنانية، عبر مصالح مادية نفعية أو عبر ارتباط رمزي ب "المقدس." ومن ثمّ، فإن كل ما يعارضه "الزعيم" ينعكس على مشاركة أنصاره، فيصبحون وبصفة آلية معارضين أيضًا، وعازفين عن المشاركة. ومن أبرز النماذج الفاقعة للدلالة على ذلك، التظاهرات "المليونية" للشركاء - الأعداء في السلطة، في 8 و 14 آذار/ مارس. وهو يعني أن الشعب اللبناني ليس عازفًا عن كل التحركات، وخصوصًا الطائفية منها، بل عن التحركات ذات الطابع الوطني.

أفق الحراك: الحراك إلى أين؟

لم يكن الحراك وليد نزوة شبابية، ولا مراهقة صبيانية، بل أتى نتيجة أوضاع موضوعية، هيأها تفاقم الأزمات الاقتصادية - الاجتماعية نتيجة الحرب، وخصوصًا بعد مرحلة الإنماء والإعمار التي راكمت الديون على البلد من دون أن تقدّم للمشكلات والأزمات حلول جذرية، أو جزئية لبعضها. يزداد هذا الظرف الموضوعي تأزمًا سنة فسنة مع استمرار الأزمة الاقتصادية التي تفاقمت بعد اندلاع الأزمة السورية، وتقلص حركة انتقال البضائع والسكان، فضلً عن

  1. يتسم معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية/ فرع صيدا بظاهرة التأنيث؛ ذلك أن معظم المنتسبين من الإناث، وأغلبيتهن من الجنوب من الطائفة المسلمة.

انتقال مليون ونصف المليون نازح سوري على الأقل إلى لبنان؛ ما زاد الأزمات القائمة أصلً، وخصوصًا على مستوى الخدمات (النفايات الصلبة، الكهرباء، الماء... إلخ) في البلد تفاقمً. ليست الأزمة مستمرة وحسب، بل هي تتعمق أيضًا في ظل سلطة سياسية لا تبحث عن حلول جذرية لها، إنما تبحث عن وقود لإبقاء الأزمات مشتعلة؛ لأن مصالحها تكمن في استمرار الأزمات لا في حلها (مصالح مادية مهمة ومستدامة قائمة على الفساد.) لذلك، يمكن القول إن الحراك المدني الذي انطلق بناءً على قضية من هنا وقضية من هناك تتوافر له قضايا لا يُتوقع حلها في المدى المنظور. من أجل كل ذلك تفرض الأوضاع الموضوعية استمرار الحراك المدني للضغط على السلطة الحاكمة لحل هذه القضايا. والرهان كله على تنامي الوعي لدى مجموعات الحراك لتقييم جدي للمرحلة السابقة، والعمل على تطوير أشكال التنظيم والتنسيق في ما بينها، وتطوير أشكال التحرك والاعتراض على الوضع القائم بهدف تحويل الحراك إلى قوة أساسية ذات فاعلية في مواجهة السلطة التي استفادت كثيرًا من اللعب في حقل الانقسام بين 8" آذار" و 14" آذار"، والتي سريعًا ما تضمحل خلافاتها وتتوحّد قواها، خصوصًا في مواجهة كل صور الاعتراض على الأمر الواقع، وأمثلة هيئة التنسيق النقابية لا تزال ماثلة للعيان. سيبقى الحراك مهما كانت تسميته قاصرًا وعاجزًا عن التغيير، ما دام لا يجابه أصل الأزمات؛ أي بعدها السياسي. ومن غير المطلوب منه إسقاط النظام بضربة قاضية، وإنما رفع المطالب المعيشية والعمل على حلها من دون الاقتصار على الفهم التقني والتجزيئي للحلول. فالأزمات كلها مترابطة، ومصدرها واحد وإن تلونت تعبيراته، أي السلطة السياسية. ومن دون وعي هذا السقف سيبقى الحراك مادة إعلامية للشباب ينفسون من خلاله عن غضبهم من دون الوصول إلى التغيير الديمقراطي.

المراجع

الثورة بلا قيادات روس، كارن.. ترجمة فاضل جكتر. سلسلة عالم المعرفة 446. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2017 الحراك وما أدراك ما الحراك الزين، حسان.. بيروت: رياض الريس للنشر،.2016 شيت، باسم. "الحراك من أجل إسقاط النظام الطائفي ورموزه: دروس مجلة الثورة الدائمة واستنتاجات.". العدد  1. كانون الثاني/ يناير 2012، فh يttp://bit.ly/2AbFvZ4: كرباج، كارول. "السياسة بالصدفة: 'الحراك' يهاجم 'شعوبه."' معهد ورقة عمل السياسات في الجامعة الأميركية في بيروت.. العدد.41 كانون الأول/ ديسمبر 2016، في: http://bit.ly/2i4zXeb