ندوة "قرار نقل السفارة الأميركية ووضع القدس القانوني والسياسي"
Conference "Moving the US Embassy to Jerusalem: The Legal and Political Significance"
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 6 كانون الأول/ ديسمبر 2017 اعترافه بالقدس عاصمةً لدولة الاحتلال الإسرائيلي ونقل السفارة الأميركية إليها. وانطلاقًا من خطورة هذا القرار الأميركي وانعكاسات ذلك على إمكانية التوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية، وفي إطار اهتمامه بالبحث في أهم القضايا العربية الراهنة، عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة يوم 24 شباط/ فبراير 2018 ندوةً أكاديميةً شارك فيها نخبة من الباحثين والمختصين في الشؤون الفلسطينية والدولية، سعوا من خلالها لمناقشة الجوانب والآثار القانونية والجغرافية والديموغرافية والسياسية لوضع القدس منذ احتلالها عام 1967، وما يمكن أن تمثّله خطوة ترامب من فرض أمر واقع على الفلسطينيين، وإخراج القدس من دائرة التفاوض، واستكمال فرض السيادة الإسرائيلية عليها.
الأبعاد القانونية لقرار نقل السفارة
خُصّصت الجلسة الأولى للجانب القانوني لقرار نقل السفارة. وفي هذا الإطار أوضح الباحث والمحامي أنيس قاسم مخالفة القرار لأحكام القانون الدولي وقواعده ومبادئه. ورأى قاسم أن القرار استند إلى ثلاثة أسباب أو تبريرات، أولها أن "إسرائيل دولة ذات سيادة، ولها الحق - كأي دولة أخرى ذات سيادة - بأن تحدد عاصمتها"، وثانيها أن "الاعتراف بأن نقل السفارة الأميركية يعدّ شرطًا ضروريًا لتحقيق السلام"، وثالثها أن القرار يستند إلى "اع اررف الولايات المتحدة الأميركية بدولة إسرائيل منذ سبعين عامًا، فمنذ ذلك الوقت، جعلت إسرائيل عاصمتها في مدينة القدس وهي العاصمة التي أسّسها الشعب اليهودي في الأزمنة القديمة." وقام قاسم بمناقشة الإشكاليات القانونية التي تواجه قرار ترامب من منظور القانون الدولي، فارتكازًا على التبرير الأول، أشار إلى أنه من الثابت أن لكل دولة الحق، ليس في تحديد عاصمتها فحسب، بل في تشريع أيّ قوانين تراها تخدم مصالحها كذلك. إلا أن هذا الحق ليس طليقًا من أي قيد، فأحكام القانون الدولي ترى أن أيّ تشريع تقرّه أي دولة ما لم يحترم قواعد القانون الدولي وأحكامه، فالدول غير ملزمة باحترامه أو الاعتراف به. وللاستدلال على صحة هذا المبدأ القانوني الذي استقرّ العمل به بين الدول، أصدرت إسرائيل في 30 تموز/ يوليو 1980 قانونًا داخليًا باسم "القدس عاصمةً لإسرائيل"، إلا أن الدول لم تعترف بهذا القانون ولم تقم أيّ دولة بنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، ما يعني أن هذا القانون لم ينل اعتراف القانون الدولي، ولم يحظَ باحترام الدول الأخرى، ولم تلتزم به الدول لأنه يخالف مبادئ القانون الدولي وأحكامه. وتابع قاسم الحديث بأن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 478، في 20 آب/ أغسطس 1980، هو واحد من قرارات صادرة عن الأمم المتحدة حصلت فيها إسرائيل على إدانة، نظرًا إلى محاولتها ضم القدس الشرقية. أما بخصوص التبرير الثاني، فأشار قاسم إلى "عدم جواز اكتساب أراضي الغير بالقوة" فهذا من المبادئ التي لا يجوز الاتفاق على خلافها أو المسّ بها أو التطاول عليها، فلم يسبق لدولة أن تحدّت صحة هذا المبدأ، لا سيما مبادئ الميثاق التأسيسي لهيئة الأمم المتحدة. وعلى هذا المبدأ صيغ قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967، والذي بدوره أكد "عدم جواز اكتساب أراضي الغير بالقوة." أما بخصوص التبرير الثالث، فتحدّث قاسم أن استناد ترامب إلى اعتراف الرئيس الأميركي هاري ترومان بيهودية الدولة خاطئ، فترومان نفسه، حين قُدّمت إليه وثيقة الاعتراف بإسرائيل "دولة يهوديةً" قام بشطب كلمة "يهودية" بيده وبقلمه، ووضع بدلً منها "إسرائيل"، أما إشارته إلى أن "القدس عاصمة للشعب اليهودي"، ففي ذلك أخطاء قانونية تقوم على التمييز والعنصرية، فهذه الإجراءات تعد مخالفة للاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري بكل أشكاله التي دخلت حيّز التنفيذ في 4 كانون الثاني/ يناير 1969، كما أنها تُعدّ مخالِفة للاتفاقية الدولية بشأن قمع جريمة الفصل العنصري "نظام الأبارتهيد" التي دخلت حيّز التنفيذ في 19 تموز/ يوليو.1976 وعلى مستوى موازٍ، وصفت الباحثة القانونية سلمى كرمي أيوب السياسات الإسرائيلية في القدس التي تقوم على أساس التخطيط والتقسيم المفروضَ ين من سلطات الاحتلال على المناطق الفلسطينية والفلسطينيين في القدس، ومن بينها هدم المنازل وتوسيع المستوطنات والاعتقالات، بأنها جريمة قانونية تخالف أحكام القانون الدولي. وقدمت الباحثة الآليات والسياسات التي تتبعها سلطات الاحتلال لتغيير الواقع الديموغرافي في القدس. وعلى نطاق أوسع، تناولت المخالفات الإسرائيلية للقانون الجنائي الدولي، وركزت على ضرورة الاستفادة من القانون الدولي في مواجهة جرائم إسرائيل في الأراضي الفلسطينية؛ بوصفها ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية. وقد وصفت أيوب السياسات الإسرائيلية في القدس بأنها جرائم حرب، مشيرة إلى أن هذه السياسة ترقى إلى جريمة ضد الإنسانية متمثلة بالاضطهاد الذي تمارسه سلطات الاحتلال ضد الفلسطينيين، وأنها من المرجّح أن ترقى، أيضًا، إلى مستوى جريمة ضد الإنسانية متمثلة بالفصل العنصري. أما الباحث والمحامي علاء محاجنة، فعالج في مداخلته الأدوات القانونية التي تستغلها إسرائيل للسيطرة على القدس لتغيير طابعها الديموغرافي والمكاني؛ وذلك من خلال قراءة أهم هذه القوانين وتحليلها، ولا سيما بعد قرار ترامب عن القدس، الذي يعدّه الباحث بمنزلة إقرار للممارسات الإسرائيلية في المدينة منذ عام 1948 وشرعنتها. وقسّم محاجنة مداخلته إلى ثلاثة محاور أساسية: فنّد في الأول القوانين الإسرائيلية الصادرة بحق الفلسطينيين؛ كونها إحدى أدوات السيطرة على المدينة بعد فرض سياسة الأمر الواقع على القدس منذ احتلال الشق الغربي لها عام 1948، وغطى في الثاني
انعكاسات إعلان ترامب وكيف استغلت إسرائيل هذا الإعلان، وقدّم في الثالث مجموعة من الخيارات الفلسطينية المتاحة لمواجهة هذه السياسات. وأشار محاجنة إلى أن إسرائيل هدفت من القوانين الإسرائيلية إلى تغيير الميزان الديموغرافي من خلال سحب إقامات الفلسطينيين في القدس. وعلى هذا الأساس، تمّ سحب ما يقارب 16 ألف إقامة من المقدسيين منذ عام 1967. وفضلً عن ذلك، أخرجت إسرائيل بعض التجمعات الفلسطينية خارج جدار الفصل العنصري. فإسرائيل استخدمت القانون آليةَ سيطرة لتمثيل سياساتها الاستعمارية، وبهذا اعتبر محاجنة المنظومة القانونية الإسرائيلية التي تقوم على السيطرة على الحيز وتغيير طبيعته وهويته وتغيير الميزان الديموغرافي داخل المدينة، من أهم الوسائل التي اعتمدتها إسرائيل لإضفاء الشرعية على الواقع الذي فرضته بالقوة وتكريسه لخدمة أهدافها هذه. أما عن انعكاسات القرار، فقد أشار محاجنة إلى أن القوانين الإسرائيلية التي أسهمت في تغيير الواقع الديموغرافي والمكاني للمدينة وعززت تغلغل الاستيطان، انعكست مباشرة على احتمالات مواجهة هذه المخططات وترك المقدسيين يواجهون مصيرهم تحت وطأة الاحتلال، ولهذا ففي أيّ مفاوضات مستقبلية، طالما لم يحدث تغيير جذري على الحلبة السياسية الإسرائيلية، فإن القدس لم تعد قضية قابلة للتفاوض. واختتم محاجنة بالإشارة إلى الخيارات الفلسطينية المتاحة لمواجهة هذه السياسات، وبيّ أنّ مواجهة مشروع تهويد القدس، وإعلان ترامب بوصفه جزءًا منه، أمرٌ يقتضي صياغة مشروع مضاد، وإستراتيجية واضحة ذات أبعادٍ مختلفة على المستويين الرسمي والشعبي، يكون هدفها الأساسي تعزيز صمود أهل القدس في وجه السياسات والممارسات الإسرائيلية.
التغييرات الديموغرافية والجغرافية على أرض القدس
ضمن الجلسة الثانية التي سلطت الضوء على "التغييرات الجغرافية والديموغرافية في القدس" قدّمت الباحثة دانا الكرد ورقة بعنوان "أنماط التعبئة الفلسطينية في القدس ودور السلطة الفلسطينية"، معتبرةً أن موضوع التعبئة في القدس مَرَّ بثلاث فترات زمنية مختلفة خلال الفترة 2018-1967. وأشارت الباحثة إلى أن القدس شكّلت، قبل توقيع اتفاقية أوسلو، حجر الزاوية في العمل السياسي بين منظمة التحرير الفلسطينية في الخارج والفلسطينيين، ولكن بعد الانتفاضة الثانية فقدت القدس أهميتها وأهمية المؤسسات التي تعمل فيها؛ بسبب انتقال المؤسسات المقدسية إلى رام الله، واعتماد المقدسيين على السلطة والمكاسب المهنية مقابل الصالح العام. وانتقلت الكرد إلى الحديث عن ممارسات السلطة الفلسطينية التي أثرت في تبدّل العمل الجمعي في القدس، وتركت آثارًا وخيمة في التماسك الاجتماعي بعد فترة أوسلو؛ ما يعني أن السلطة كان لها أثر سلبي في قدرة المقدسيين على العمل الجماعي. وخلصت الكرد إلى أن العامل الأساسي الذي يوضح وجود تظاهرات في القدس أكثر من الضفة الغربية يعود إلى أن السلطة ليس لها تأثير في التماسك الاجتماعي في القدس، بينما يعاني الفلسطينيون معاناة أكبر في الضفة الغربية؛ بالنظر إلى تأثير السلطة في التماسك الاجتماعي فيها. أما الباحث خليل تفكجي، فتطرق في دراسته إلى أثر السياسة الإسرائيلية في القدس، من خلال التغييرات الجغرافية المتمثلة بالمشاريع الاستيطانية، ومصادرة الأراضي، وتهويد المدينة وعزلها عن الضفة الغربية بإقامة جدار الفصل العنصري. وأشار الباحث إلى أن الإستراتيجية الإسرائيلية تجاه التجمعات والقرى الفلسطينية تقوم على إحاطة، أو تقطيع، أو تفتيت، للتجمعات الفلسطينية. وبيّ أن القدس منذ الفترة العثمانية مرت بتحولات جغرافية وديموغرافية، فحدود بلدية القدس حتى منتصف القرن التاسع عشر، كانت تضم كل شيء داخل أسوار المدينة. ومع بداية الخمسينيات والستينيات من القرن التاسع عشر، بدأت الطائفة اليهودية بالخروج خارج الأسوار، بسبب قلة المساحات المتوافرة داخل البلدة القديمة لإقامة أبنية سكنية جديدة تؤويهم، نتيجة الاكتظاظ المتزايد وسوء الأوضاع الصحية لهذه الأبنية. ويرى تفكجي أن إسرائيل من خلال احتلالها القدس منذ عام 1967 سعت لخلق واقع تقتلع من خلاله السكان الفلسطينيين وإحلال المستوطنين محلّهم، وتغيير المعالم التاريخية والعمرانية والثقافية والديموغرافية، وذلك من خلال حزمة قوانين، منها قانون مصادرة الأراضي المستخدم من أجل إقامة المستعمرات والذي تمت تحته مصادرة ما يعادل 35 في المئة من مساحة القدس الشرقية التي أنشئت عليها 15 مستعمرة إسرائيلية وشُيّد عليها 60 ألف وحدة سكنية، وقوانين التنظيم والبناء؛ المستخدمة في الحدّ من النمو العمراني والسيطرة عليه، ما جعل 52 في المئة من مساحة القدس الشرقية مناطق خضراء اعتبُرت احتياطًا إستراتيجيًا لبناء مستوطنات، وقانون أملاك الغائبين الصادر عام 1950، المستخدم من أجل السيطرة على الأرض التي كانت تابعة لملكية فلسطينية، وقوانين الأسرلة المستخدمة من أجل أسرلة الأقلية التي بقيت في المدينة من الفلسطينيين، والتي لا تزيد نسبتها على 22 في المئة من إجمالي عدد السكان، وقانون سحب الهويات الذي يَعتبر جميع الفلسطينيين المقيمين في القدس دخلوا إسرائيل بطريقة غير شرعية في 5 حزيران/ يونيو 1967، وقانون الجيل الثالث الذي يعتبر أخطر القوانين التي سُنّت في فترة الاحتلال، وهذا القانون العنصري أدى إلى الاستيلاء على كثير من المنازل معتمدًا على القوانين والتشريعات والمحاكم الإسرائيلية الداعمة لعملية الاستيطان.
وتوصّل الباحث إلى نتيجة مفادها أن سلطات الاحتلال خلقت واقعًا سياسيًا وديموغرافيًا جديدًا في القدس عبر مصادرة الأراضي وبناء المستعمرات، وبناء مناطق خضراء، وتنفيذ سياسة هدم البيوت، ورفض منح تراخيص البناء. وقد أدت هذه الانتهاكات في حق الفلسطينيين إلى خلق خلل ديموغرافي يُستخدم وسيلةً للضغط في أي مفاوضات ضد الطرف الفلسطيني من أجل إنجاز اتفاقيات تخدم المصالح الإسرائيلية. ثم فسّ الباحث راسم خمايسي في دراسته "التغييرات الديموغرافية والحضرية في القدس استنادًا إلى مصفوفة الضبط والممارسة" ممارسات الاحتلال الإسرائيلي لإحداث التغييرات الديموغرافية والحضرية في القدس. ورأى الباحث أن هذه المصفوفة مجموعة من الآليات والأدوات وأجهزة الضبط التي توظّفها القوة المسيطرة على الحيز الحضري وتفعّلها عند الحاجة لأجل تحقيق أهدافها، ولهذا فتطبيق هذه المصفوفة يتم بعد أخذ اعتبارات المكان والظرف لذوي العلاقة في الصراع على الأرض. ولهذا، تسعى إسرائيل من خلال هذه المصفوفة لضبط الخطاب واللغة وصياغتهما، وهندسة الوعي والسلوك؛ لخلق حالة ردة الفعل، وليس الفعل. وأشار خمايسي إلى أن إسرائيل ونتيجةً لحرب 1948، قسّمت المدينة إلى جزء شرقي خضع لاحقًا للمملكة الأردنية الهاشمية، وجزء غربي خضع للسيطرة الإسرائيلية بعد النكبة عام 1948 مع تهجير العرب الفلسطينيين من القدس الغربية. وبعد احتلال إسرائيل القدس الشرقية عام 1967، فُصلت القدس عن الأراضي الفلسطينية، وحُدّدت حدود أراضيها التي ضمت إليها، عمليًا، مساحة تزيد على سبعين كيلومترًا مربعًا، وتشمل البلدة القديمة وخمس عشرة بلدة/ قرية فلسطينية، كانت تدير بعضها مجالسُ قروية مثل العيساوية، وشعفاط، وصور باهر. وبناءً عليه، رأى خمايسي أن عملية رسم حدود الأراضي المحتلة التي ضمّتها الحكومة الإسرائيلية إلى القدس الغربية، اعتمدت على اعتبارات ديموغرافية وجيوسياسية ومؤسساتية، يمكن تلخيصها في ضم أقل عدد من السكان الفلسطينيين، في مقابل أكبر مساحة تشمل أراضي موارد إستراتيجية مثل مطار القدس وأراضٍ تحيط البلدة القديمة. وأشار الباحث إلى أن سلطات الاحتلال تطبّق هذه المصفوفة لخلق واقع "مُؤسَرَل" يصعب تغييره، بحيث تبسط به سيطرتها على المدينة، وحَولها، عن طريق تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي والمؤسساتي. وأوضح أن خطة القدس لعام 2050 تستهدف تطوير الطرق لاستيعاب أعداد كثيرة من المستوطنين والسياح على حساب المواطن الفلسطيني؛ لهذا تسعى إسرائيل لخلق واقع مغاير يتمّ فيه تغييب وتجاهل لأماكن السكان الفلسطينيين الأصليين التي تمر جميعها بمراحل تمدّن، استنادًا إلى فرض القانون المحلي الإسرائيلي، بدلً من القانون الدولي المستحق. ولتحقيق الأهداف الديموغرافية، أشار خمايسي إلى أن إسرائيل حددت القدرة الاستيعابية للمخططات بأن لا تتجاوز نسبة السكان الفلسطينيين 30 في المئة من عدد سكان بلدية القدس الغربية والشرقية. ونظرًا إلى التغييرات الديموغرافية عُدّلت هذه النسبة لتصل إلى 40 في المئة، وأضاف أن تحديد موقع إقامة الجدار أدى إلى "إخراج" نحو 50 ألف فلسطيني مقدسي خلف الجدار، من دون تغيير مكان الأفراد وحدود البلدية الإدارية والجيوسياسية. وأشار الباحث إلى أنه رغم مصفوفة الضبط والسياسة الديموغرافية التي تمارسها إسرائيل في القدس، فإن عدد المقدسيين الفلسطينيين ارتفع من نحو 68.5 ألف نسمة عام 1967 بنسبة قدرها 25.8 في المئة من إجمالي سكان القدس، إلى نحو 323.7 ألف نسمة عام 2015 بنسبة قدرها 37.7 في المئة من إجمالي سكان القدس. وخلُص خمايسي إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يمارس سياسات وأفعالً تؤدي إلى تغييرات ديموغرافية وحضرية. وتسعى هذه التغييرات لهندسة الحيز والمحيط الحضريَيّن والسلوك السكاني من أجل تحقيق الأهداف الأيديولوجية الإسرائيلية. وشارك في الندوة الباحث الإيطالي فرانشيسكو كيودلّ الذي قدّم ورقة عن أثر السياسات الحضرية التي تطبقها سلطات الاحتلال لإعادة تشكيل القدس. وبحسب الباحث، تتمثل هذه السياسات، أساسًا، بالتوسّع اليهودي في القدس الشرقية الذي تعزّزه إسرائيل لبناء مجموعة من الأحياء السكنية الإسرائيلية. وأشار في هذا السياق إلى أن 50 ألفًا من الوحدات السكنية الاستيطانية بُنيت في المنطقة المحتلة من القدس الشرقية، وهذا يعني أن 40 في المئة من السكان اليهود يعيشون في هذه المنطقة. وأشار كذلك إلى أن ثمة سياسة إسرائيلية لاحتواء النمو السكاني العربي، وهي تستهدف الإبقاء على الفلسطينيين في القدس الشرقية تحت الهيمنة الإسرائيلية، وعدم السماح بتوسع الأحياء العربية، وفقًا لخطط وسياسات وقوانين حضرية إسرائيلية. ويرى أن نتيجة هاتين العمليتين المتزامنتين هي نشوء مدينة ثنائية تحت سيطرة سلطات الاحتلال، ولكنها من الناحية الفعلية غير قابلة للتجزئة. وبعبارة أخرى، فإن نحو 50-30 في المئة من المنازل الفلسطينية تصنف على أنها "غير قانونية" وهذا يجعلها في وضع حرج ويعرضها لخطر الإزالة.
الأبعاد السياسية لقرار نقل السفارة
ضمن الجلسة الثالثة التي ناقشت الاعتبارات السياسية لقرار نقل السفارة الأميركية إلى مدينة القدس، ناقش الباحث الأميركي كلايد ويلكوكس الاعتبارات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة وقرار نقل السفارة، وأشار إلى أن محددات السياسة الخارجية لا تكفي لتفسير هذا القرار الذي لم يأتِ بتوصية من وزارتَ الخارجية والدفاع أو من مجلس الأمن القومي، بل سجّلت هذه الوزارات والمؤسسات
تحفظات عدة على القرار انطلاقًا من قناعتها بأنه يضر بالأمن القومي الأميركي وبعملية التسوية في النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي أكثر مما يفيده، كما أنه لم يأتِ بناءً على ضغط شعبي أميركي داخلي، فغالبية الأميركيين، واستنادًا إلى استطلاعات الرأي، غير معنيين بالسياسة الخارجية. وأضاف الباحث أن ثمّة عوامل داخلية أخرى، مثل دور اللوبي الصهيوني ممثلً بمنظمة لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "أيباك" في دفع ترامب إلى اتخاذ هذه الخطوة. وفي المقابل، يرتبط هذا القرار بجمهور ترامب الانتخابي؛ ذلك أن إدارته تسعى لكسب رضا قاعدتها الإنجيلية وبعض الأطراف المانحة الرئيسة، وجعل الرئيس يبدو حاسمً وجريئًا. وأكثر من ذلك، تأمل الإدارة من هذه الخطوة، بحسب رأي الباحث، أن تحرف الأنظار بعيدًا عن مسارات داخلية ذات صلة؛ مثل التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية، وغيرها من أزمات، إذ تزامن القرار مع انشغال الساحة الداخلية بما كان يرشح عن تحقيقات المدير السابق لمكتب التحقيقات الاتحادي الأميركي FBI روبرت مولر بشأن التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية واحتمال انخراط أعضاء فاعلين في حملة ترامب في التواصل مع الروس أثناء الحملة الانتخابية. وخلص ويلكوكس إلى أن هذه الأسباب، إلى جانب الرغبة الجامحة لدى شيلدون إديلسون رجل الأعمال الأميركي وأحد الممولين الرئيسين للحزب الجمهوري وحملة ترامب في تحمل كل تكاليف نقل السفارة الأميركية إلى القدس، كلها عوامل دفعت ترامب إلى اتخاذ مثل هذا القرار بحكم هوس الربح المالي الذي يطغى على شخصية ترامب، لا سيما أن هذا القرار يحظى بتأييد الإنجيليين المحافظين الذين يمثلون ركيزة أساسية اتكأ عليها ترامب للوصول إلى البيت الأبيض ودعمه في مختلف سياساته. وعلى الصعيد ذاته ناقش أسامة أبو ارشيد دوافع قرار نقل السفارة الأميركية وأبعاده، ورأى أن القرار الأميركي يصبّ في اتجاه ما يسمى "صفقة القرن"، وأنّ هذا القرار يرتكز على ثلاثة أبعاد شخصية سياسية مرتبطة بالرئيس دونالد ترامب؛ وهي: زعمه أن القرار يدعم مصالح الطرفين بعملية السلام، والتزامه بالوعود التي منحها لناخبيه، والضغوط الداخلية للّوبي الصهيوني. واعتبر أبو ارشيد أن إعلان الولايات المتحدة في 23 شباط/ فبراير 2018 خطتها نقل السفارة إلى القدس، في موعد جديد حدّدته الخارجية الأميركية في 14 أيار/ مايو 2018 تزامنًا مع الذكرى السبعين لإعلان دولة إسرائيل ونكبة الشعب الفلسطيني، يمثل ضربة مؤلمة للطموحات الفلسطينية في إقامة دولة فلسطينية على أساس القرار 242، الذي قام على دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية على حدود 4 حزيران/ يونيو.1967 وأضاف الباحث أن دوافع ترامب وحساباته ذات أهمية لفهم القرار، وذلك من ناحية الوعد الذي قطعه على نفسه، بوصفه مرشحًا، ورغبته في إرضاء جمهور حزبه وقاعدته الانتخابية التي دعمته في الانتخابات الرئاسية الأميركية؛ وعلى رأسها: اللوبي الصهيوني في أميركا والجماعات الإنجيلية، الذين يمثلون نحو ربع الشعب الأميركي، إذ مثّلت قضية القدس إحدى أولويات تلك الكتلة التصويتية. وخلص أبو ارشيد إلى أن قرار نقل السفارة يأتي تزامنًا مع تصريحات مسؤولين في إدارة ترامب بأن "صفقة القرن" أضحت في مراحلها النهائية، ما يعني فرض ترتيبات جديدة على الفلسطينيين تقوم على جعل القدس مسألة خاضعة للتوافق في المفاوضات، من دون أن يكون هناك إقرار بأنها ستكون عاصمة للدولة الفلسطينية، وبطبيعة الحال، استبعاد قضايا مصيرية أخرى مثل اللاجئين، وحق العودة. أما إبراهيم فريحات فعالج أثر قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس في مستقبل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. كما تناول في دراسته الآثار الناتجة من قرار الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمةً للكيان الإسرائيلي على أكثر من صعيد. وأشار إلى أن قرار ترامب سيترك آثارًا مختلفة في المستويات الثلاثة التالية: أطراف الصراع، وقضايا النزاع، وإستراتيجية المواجهة. فيما يتعلق بالمستوى الأول، ناقش فريحات أن القرار مثّل معضلة لدى الجانب الفلسطيني تتعلق بالمفاوضات ومسارها الذي انتهى بعد 25 عامًا بحسم مسألة القدس، وأن القرار عقّد مسار العملية التفاوضية بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وأضاف، بخلاف المتوقع، أن القرار لم يُحدث أي تأثير في الفصائل الفلسطينية على نحو يدفعها إلى إنهاء الانقسام الفلسطيني القائم بين حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وحركة "فتح." أما عربيًا، فرأى فريحات أن الدول التي تُسمَّى "الاعتدال العربي" خرجت نهائيًا من القضية الفلسطينية، فالإجماع العربي "الشكلي" على القضية الفلسطينية رغم ضعفه، كان عاملً مهمً لردع بعض الدول لاتخاذ إجراءات تتعلق بالقدس، كما جرى مع غواتيمالا عام 1996. ومن وجهة النظر الإسرائيلية، حصلت إسرائيل على القدس من دون مفاوضات، ما يعني أنه لن يعود هناك أيّ دافع لاستمرار المفاوضات، وهو ما قد يؤدي إلى الدخول في حالة "نسيان الصراع." وعلى المستوى الثاني، لخّص فريحات الآثار المترتبة على القرار فيما يتعلق بقضايا النزاع؛ وهي: تلاشي آمال المشروع السياسي للسلطة الفلسطينية منذ 25 عامًا، وبطبيعة الحال، من دون أن يكون حل "الدولة الواحدة" بديلً منه، وولادة حكم ذاتي فلسطيني مجزأ وفاقد للسيادة، وتراجع مكانة قضية اللاجئين على المستوى التفاوضي بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، خصوصًا مع التوجه إلى إنهاء خدمات وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، إضافة إلى أن القدس باتت مسألة ثانوية في الصراع بعد حسم مسألتها من خلال إعلان ترامب. وقبل الخوض في المستوى الثالث أوضح فريحات أنّ قرار ترامب أعطى هامشًا تفاوضيًا للفلسطينيين، بعيدًا عن احتكار الراعي
الأميركي لعملية الوساطة بين الطرفين، ما يعني أن ما حدث عبارة عن "كامب ديفيد جديدة"؛ لم يحصل فيها العرب على شيء. أما عن ملامح الإستراتيجية السياسية بشأن ما يمكن الفلسطينيين القيام به لبناء "إستراتيجية وطنية" تجابه التحديات الجديدة التي فرضها قرار الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمةً للكيان الإسرائيلي، فرأى أنها لا بد أن تقوم على الصمود على الأرض، وأنه على المقدسيين، تحديدًا، الصمود في القدس ومجابهة مشاريع الاحتلال وسياساته، والعصيان المدني ووقف التنسيق الأمني، وتحويل السلطة الفلسطينية إلى سلطة مقاومة، ونضال النخب. واختتمت الجلسة بدراسة قدّمها أديب زيادة عن إمكانية قيام الاتحاد الأوروبي برعاية عملية السلام، بدلً من واشنطن في ضوء بحث السلطة الفلسطينية عن رعاية بديلة لعملية السلام. وبحسب رأيه، فإن التعويل على الاتحاد الأوروبي راعيًا جديدًا لعملية السلام يشوبه الشك، على الرغم من موقفه المنسجم مع قرارات الأمم المتحدة في حق القدس؛ وهو المكتفي بدور الملحق في عملية أوسلو، فضل عن أنه لا يمتلك الإرادة بخصوص هذا التغيير. وخلص إلى أنه من غير الوارد أن يقوم الاتحاد الأوروبي بمحاكاة الموقف الأميركي بشأن حق القدس، كما أنه من غير الوارد أن يعمل على التقدم للحلول مكان أميركا في عملية السلام. فالاتحاد الأوروبي يعلم حدوده ومدى قبوله لدى إسرائيل، على أنه من الممكن أن يعمل الاتحاد الأوروبي، بالتعاون مع آخرين على الساحة الدولية، على عدم دفع الأمور في السلطة إلى حافة الهاوية، بل إنه سيعمل على سد الفراغ المتعلق بالمساعدات الذي ستخلّفه واشنطن؛ وهو ما يستدعي اضطلاع السلطة الفلسطينية بمسؤولياتها في إعادة تقييم المرحلة واجتراح خيار بديل.
الخيارات المتاحة أمام الفلسطينيين للتصدي لقرار ترامب
استعرضت الجلسة الختامية التي خُصصت للنقاش، الخيارات المتاحة أمام الفلسطينيين للتصدي لإعلان ترامب. وفي صدارتها، أنه في ضوء غياب إستراتيجية عربية موحدة، وعدم توافر إرادة سياسية لدى القيادة الفلسطينية لمواجهة قرار ترامب نقل السفارة الأميركية إلى القدس، يبقى الصمود هو النضال الحقيقي الذي يمكّن أهل القدس من الدفاع عن مدينتهم. فالقانون الدولي لم يغيّ شكل السيادة الإسرائيلية ولم يحفظ حق الشعب الفلسطيني على أرضه، كما أن الفلسطينيين لن يجدوا أفضل من الرأي الاستشاري الذي نشرته محكمة العدل الدولية في لاهاي في 9 تموز/ يوليو 2004 عن قضية "قانونية جدار الفصل العنصري"، الذي رفضته إسرائيل مدعيةً عدم وجود صلاحية للمحكمة للبتّ في هذه القضية. وكذلك، لا يبدو أن القيادة الفلسطينية جادة في التوجه إلى محكمة الجنايات الدولية وإدانة إسرائيل، وهي التي لم تتقدم بطلب إحالة جرائم الاحتلال وانتهاكاته ضد الفلسطينيين إلى المحاكم الدولية مثل ملف الاستيطان وملف الأسرى وملف الحرب على قطاع غزة عام.2014 وفي السياق نفسه، ومن دون التقليل من أهمية الجانب القانوني، فقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لم توقف الانتهاكات الإسرائيلية بحق القدس والمقدسيين منذ عام 1948، فإسرائيل ماضية في شرعنة احتلالها من خلال سياسات وقوانين عنصرية تخالف بها أحكام القانون الدولي ومبادئه. فالإستراتيجية الإسرائيلية بمحاصرة القدس ثقافيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا، هي مشروع استعماري متكامل يستوجب إستراتيجيةً ومشروعًا معارضًا وبديلً يعمل على مستويات متعددة. ولهذا فإن القانون الدولي يجب اعتباره إستراتيجيةً مكملةً للنضال الفلسطيني وليست بديلً من الإرادة السياسية والشعبية، إضافة إلى اتخاذ تدابير محددة بسحب الاعتراف بإسرائيل والتوجه إلى المحاكم الدولية وتفعيل الساحة القانونية الأوروبية في البرلمانات الغربية. وفي ضوء ما ورد، شدّد الباحثون على أن الخيارات المتاحة أمام الفلسطينيين تتمثل بالصمود في وجه السياسات والقوانين الإسرائيلية، وقرار ترامب يتطلب من الفلسطينيين وقيادتهم صياغة خطاب عام موجّه إلى الرأي العام العالمي يدعم نضالهم وحقهم في أرضهم كونهم السكان الأصليين، إضافةً إلى شرح الممارسات والسياسات الإسرائيلية في القدس. وفي ظل احتلال إسرائيلي قائم في القدس منذ عام 1967، سعى الفلسطينييون لتقديم نضالات دائمة للدفاع عن الأرض وسكانها، ولهذا وُسمت النضالات المطلبية في القدس بأنها عفوية ومطلبية وناجحة، لكنّ أزمة النضال الوطني في القدس تكمن في صياغة نضال إستراتيجي طويل المدى، فالمقدسي لا يمكنه تحمل الوقوف ضد قرار ترامب وحده، وذلك يتطلب وقفة فلسطينية وعربية موحدة، لا سيما أن هذا النضال من الممكن أن يأخذ أشكال عدة؛ من بينها تشكيل حركة شعبية تقوم على صياغة مشروع وطني منظم موازٍ لدور السلطة الفلسطينية ولا يهدف إلى الوقوف أمامها أو حلّها. وأشار الباحثون المشاركون إلى أنه في إمكان الفلسطينيين، في ظل عجز القيادة الفلسطينية عن صياغة مشروعهم الوطني الفلسطيني، أن يفسحوا المجال لتطبيق نضال وطني لامركزي يقوم على أساس "لامركزية المقاومة." وهذا يتطلب صياغة مشروعٍ، يقوم على المستوى القانوني بتجريم إسرائيل في المحاكم الدولية بالتعاون مع المؤسسات الحقوقية العالمية؛ وعلى المستوى الاقتصادي، يفتح مشاريع اقتصادية صغيرة تهدف إلى تمكين الفلسطينيين على أرضهم؛ أما على المستوى الإعلامي، فيعتمد على مقاومة إلكترونية تفضح سياسات المحتل وممارساته، إضافةً إلى التركيز على إنتاج قاعدة معرفية حول القدس، وإعادة إنتاج قاعدة النخب المقاوِمة والمناضلة ميدانيًا.