الحراك الجيلي في سياقات الانتقال الديمقراطي: Generational Movements in the Context of Democratic Transition:

أحمد تهامي عبد الحي | Ahmed Tohamy

الملخّص

تناقش هذه الدراسة المفاهيم والافتراضات المرتبطة بالحراك الجيلي وسياقات الانتقال السياسي، وذلك بالتطبيق على عملية الانتقال الديمقراطي في بلدان الربيع العربي. وتنطلق الدراسة من فرضية أن جيل الربيع العربي جيل متمايز له خصوصية ووضعية اجتماعية متجانسة، يتكون من أفراد كثر في مرحلة عمرية محددة، عاصروا تغيرات وأحداث ا تًاريخية أدت إلى تشكيل هوية سياسية فريدة لهم بوصفهم جيل ا. وتكتسب هذه الهوية استمرارية مستقرة عبر الزمن مع إمكان بروز كثير من جوانب التغيير في الفكر أو السلوك السياسي في مراحل لاحقة. وفي حين يضم هذا الجيل وحدات جيلية متعددة منقسمة على أسس عدة، تميل العلاقة بين تلك الوحدات الجيلية إلى التعاون أو الصراع بعضها مع بعض. ولا يعني الحراك الجيلي، بالضرورة، ظهور جيل أكثر ديمقراطية، بل قد تقوم النظم السياسية التي تأتي بعد فشل الانتقال الديمقراطي بخلق أنماط من الثقافة والقيم السياسية المعادية للديمقراطية والداعمة للسلطوية. كلمات مفتاحية: الاقتراب الجيلي، الثورة، الديمقراطية، الربيع العربي، الحركة الاجتماعية. This study explores the concepts and premises related to youth movements, particularly as they relate to the democratic transition within the Arab Spring countries. The study is centered on the idea of the existence and uniqueness of the generation of Arabs who led the Arab Spring. The Arab Spring Generation is more than a group of people in a similar age category: they are a cohesive, highly homogenized group of people who lived through a particular set of events and circumstances and emerged with a unified and distinctive political identity and ethos. With time, this political identity became more permanent. The fact of the youth leading the surge towards democracy does not mean that the "Arab Spring Generation" is inherently more democratic than other cross-sections of the population. Keywords: Generational Approach, Revolution, Democratic Transition, Arab Spring, Social Movements.

مدخل نظري في المفاهيم والمقولات التأسيسية

A Theoretical Introduction to the Concepts and Foundational Statements

مقدمة

يرتبط البحث في الأجيال السياسية بسيادة أنماط من التحليل تعتمد على الثنائيات المبسطة، التي تركز إما على الصراع بين الأجيال، وإما على التكامل فيما بينها. وتميل الخطابات المسيّسة والإعلامية، وحتى الفلسفية، إلى توظيف المفاهيم في إطار الصراع السياسي والأيديولوجي في المجتمع، ما يفقدها قدرتها التحليلية والتنبئية؛ ولذلك من الضروري إعادة تأسيس قضية العلاقة بين الأجيال نظريًا وواقعيًا على أسس علمية ومنهجية تتجاوز الخطابات السياسية والإعلامية والدعائية. وفي هذا الصدد، تتبنّى الدراسة أطروحة الحراك الجيلي التي تقوم على عدد من المفاهيم والمقولات التأسيسية والتحليلية، وتسعى لعرضها ومناقشتها في سياقات الانتقال والتحول السياسييَن؛ سواء الإصلاحي، أو الذي يأتي في إثر ثورة ما. وهكذا تدور الإشكالية الأساسية لهذا البحث حول تحليل طبيعة المقولات النظرية والمفاهيمية المرتبطة بالجيل السياسي، وعلاقة التفاعل المتبادل بين المتغير الجيلي وسياقات التغير السياسي والانتقال الديمقراطي الإصلاحي أو الثوري. ويمكن أن يكون المتغير الجيلي متغيرًا مستقلً أو تابعًا في التحليل؛ فالحراك الجيلي باعتباره متغيرًا مستقلً، يمكن أن يكون دافعًا بقوة أو معرقلً لعملية الانتقال الديمقراطي في سياق محدد. وفي المقابل، يمكن أن يكون الجيل متغيرًا تابعًا تؤثر فيه النظم السياسية السلطوية أو الديمقراطية من خلال غرس قيم وتوجهات أكثر ديمقراطية لدي الأجيال الجديدة، بما يعيد تشكيل رؤيتها للعالم وتعديل سلوكها السياسي تجاه النظام السياسي أو الأحزاب والحركات الاجتماعية والسياسية. وفيما يلي تتعمق الدراسة في مناقشة تلك القضايا والإشكاليات في المحاور التالية، وهي أولً: النواحي النظرية لمفهوم الجيل والمقولات والقضايا المرتبطة به من أحداث مؤسسة وهوية مشتركة. ثانيًا: دور المتغير الجيلي في عمليات التغيير والاستمرارية في الحركات والأحزاب والقوى السياسية. ثالثًا: العلاقات المتبادلة بين المتغير الجيلي وسياق الانتقال الديمقراطي.

أولًا: جيل ثورات الربيع العربي من منظور التحليل الجيلي

تحدد المعاجم العربية العديد من المعاني لمفهوم الجيل، فهو يعني: القرن من الزمان أو ثلث القرن، والأمة التي تختص بلغة معيّنة، والصنف من الناس، كما يطلق الجيل توسعًا على عمر الإنسان1. وهكذا تؤكد المعاجم اللغوية وجود مقومين أساسيين لمعنى الجيل، هما الزمن واللغة وما يتعلق بذلك من تحولات قيمية وثقافية واجتماعية. ويرتبط مفهوم الجيل بالزمن ارتباطًا وثيقًا؛ فهو ثلث القرن الذي يتعايش فيه الناس، وهو يشير إلى أهل الزمان الواحد. وبصرف النظر عن تحديد فترة معيّنة، فهو يؤكد أهمية الزمن والمرحلة التاريخية التي يظهر فيها جيل معيّ. وإلى جانب ذلك، فإنّ للجيل معاني أخرى تركز على الأبعاد اللغوية والطبائع البشرية؛ فالجيل هو الصنف من الناس، وهو الأمة التي تختص بلغة معيّنة، فكل قوم يختصون بلغة هم جيل؛ مثل جيل العرب، أو جيل الترك. ولذلك ترتبط اللغة أو لهجاتها والتطورات فيها بمفهوم الجيل، فهي تعبّ عن أسلوب معيّ في التفكير والحياة يرتبط بجيل معيّ، وجيل الشباب، مثلً، هو صنف من الناس يخلق لهجته وثقافته الخاصة به. وفي الحقيقة، فإنّ هذين البعدين - أي الزمن واللغة - في مفهوم الجيل يقتربان من المعنى الاصطلاحي للمفهوم كما تشير إليه الأدبيات؛ ولذلك فإنّ المعنى الاصطلاحي في المعاجم لا يركز على عامل السن في تحديد مفهوم الجيل فحسب، بل على المرحلة التاريخية أيضًا، ويؤكد أهمية وجود نمط معيّ من الأفكار والقيم وأسلوب معيّ في الحياة. وقد برز استعمال مفهوم الجيل في قياس الزمن التاريخي عند ابن خلدون الذي اعتمد نظرية نشأة الدولة وانحلالها، فالدولة عند ابن خلدون لها أعمار طبيعية كالأشخاص2. وفي العصر الحديث، يُعد كارل مانهايم صاحب التعريف الأبرز لمفهوم الجيل، فهو يعرّف الجيل بأنه "الزمر من العمر نفسه التي تشغل وضعية متجانسة في العملية التاريخية والاجتماعية"، ولكنه يضيف أن "المعاصرة ليست وحدها وفي حد ذاتها هي التي تنتج وضعية متجانسة للجيل"3. فالزمر من العمر نفسه لا تمثّل جيلً متميزًا إلا إذا كان هناك أحداث اجتماعية وتاريخية هي التي تجعلها كذلك، وتنبثق المقومات المميزة للجيل من السياقات الاجتماعية والتاريخية وفي ظل خبرات مختلفة وردود فعل عليها، وهذا أهم من الاعتبارات البيولوجية4. يجمع الجيل، باعتباره ظاهرة تاريخية واجتماعية، بين المنتمين إلى وضعية تاريخية واجتماعية معيّنة. وفي الحقيقة، فإن التعايش والمعاصرة لأفراد من العمر نفسه ليس كافيًا في حد ذاته كي يفرز

  1. استخرج الباحث هذه المعاني من المعاجم الآتية: لسان العرب، و 1 محيط المحيط المعجم الوجيز و المعجم الوسيط و.
  2. عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، المقدمة (تونس: الدار التونسية للنشر، 984)1، ص.232-222
  3. Karl Mannheim, "What is a Social Generation?" in: Anthony Esler, The Youth Revolution: The Conflict of Generation in Modern History (Washington, D.C.: Heath & Company, 1974) pp. 7-8.
  4. Ruth Cherrington, "Generational Issues in China: A Case Study of 1980 Generation of Young Intellectuals," The British Journal of Sociology , vol. 48, no. 2 (June 1997), p. 15.

هذه الوضعية الجيلية الواحدة. فلكي تعتبر مجموعة من الأفراد أنها في الجيل نفسه، يجب أن يشترك أفرادها في عنصرين أساسيين، هما: أن يولدوا جميعًا في السياق التاريخي والثقافي نفسه، وأن يشعروا بالاشتراك في المصير الاجتماعي والتاريخي نفسه أيضًا5. ويرى سيغموند نيومان أن "المعاصرين ليسوا الأفراد أنفسهم الذين وُلدوا في السنة نفسها، بل إنّ ما يحددهم، بوصفهم أفرادَ جيلٍ واحد، هو خبراتهم المشتركة، والمشكلة التاريخية الواحدة، والأحداث التاريخية البارزة"6. الجيل عند مانهايم، إذًا، هو وضعية متجانسة للشرائح العمرية المتقاربة في فضاء اجتماعي تاريخي، ويشير المنجي الزيدي إلى عدد من العناصر التي ترتبط بالظاهرة الجيلية، وهي: الظهور المستمر لفاعلين ثقافيين جدد، واختفاء الفاعلين الثقافيين القدامى. المساهمة الزمنية المحدودة، فأعضاء وحدة جيلية معيّنة لا يساهمون في مسار التاريخ إلا في فترة محددة. التناقل المستمر للإرث الثقافي المتراكم. استمرار تغير الأجيال وتعاقبها7. ويشير لويس شاوفيل إلى ضرورة التمييز بين استخدام مفهوم الجيل في التقاليد الأوروبية والأميركية، ويري أن استعمال مفهوم الجيل في العلوم الاجتماعية في التراث الأنغلوساكسوني يقتصر على موضوعات العائلة والقرابة، بينما يفضل استخدام مفهوم الزمر لتحديد الأفراد الذين يولدون في الفترة نفسها. وفي إنتاج العلوم الاجتماعية في أميركا لا يكاد يوجد مصطلح "الجيل الاجتماعي"، وفي المقابل فإن التقاليد الأوروبية أشد انفتاحًا على المفهوم بمعانٍ مختلفة، إذ نجد هذا المفهوم في أعمال مينتر ومانهايم8. ويري لويس شاوفيل أن هناك أربعة أنواع من الأجيال، هي: الجيل بمعني سلسلة النسب أو السلالة الخاصة بعائلة ما The genealogical generation بعلم يرتبط ما وهو: الأنساب.Genealogy: ويتحددThe demographic generation الجيل الديموغرافي بتاريخ ميلاد الزمرة، وهم الجماعة من الأفراد المولودين في سنة معيّنة، وهو معيار محايد تمامًا.: هو مجموعةThe historical generation الجيل التاريخي من الزمر الذين تجمعهم ثقافة عامة ومصالح مشتركة وإدراك لخصوصيتهم، وفي بعض الأحيان صراعاتهم ضد الأجيال الأخرى. ومثال ذلك جيل 9681 في فرنسا من مواليد الفترة 955-1945()1، وجيل 9141 الذي بلغ سن الرشد أثناء الحرب العالمية الأولى. ويرتبط الاختلاف بين الجيل التاريخي والجيل الديموغرافي بمستوى الاختلاف في البنى والتكوينات الاجتماعية. وبهذا المعنى يمكن اعتبار الجيل الذي صنع الربيع العربي ونتج منه بمنزلة جيل سياسي - تاريخي لديه هوية جيلية ووعي وسلوك سياسيان مختلفان عن غيرهما من الأجيال السياسية الأخرى. الجيل الاجتماعي generation social The: يربط بين المفاهيم المختلفة، فالجيل الاجتماعي هو جيل ديموغرافي يشترك في أنماط وسمات اجتماعية عامة، ولكن لا يوجد بالضرورة وعي بالهوية الجماعية. وتتكون لديه بنية وشعور مشتركان، وحراك سياسي وتاريخي واضح، ويمكن أن يصبح جيلً تاريخيًا بالمعنى الذي سبقت الإشارة إليه. وبداية يتم تحليل الأجيال الديموغرافية، ثم تشخيصها بمصطلحات الجيل التاريخي التي تنتج من التحليل السوسيولوجي لهويته وتقييم بنيته9. وعلى الرغم من أنه يمكن للبعض النظر إلى الجيل بوصفه مجموعة من الأفراد من ذوي الأعمار المتساوية فحسب، فإن مانهايم يرفض ذلك، مؤكدًا أهمية الأحداث التاريخية والاجتماعية التي تؤدي دورًا في خلق الجيل. يؤكد مانهايم أن الجيل بالمعنى البيولوجي ليس له أهمية سياسية كبيرة. أما الجيل الذي يصبح ظاهرة سياسية واجتماعية تستحق الدراسة، فهو الجيل الذي يتكون من الأفراد في مرحلة عمرية واحدة ممن عاصروا التجربة التاريخية نفسها في سنوات تشكلهم، ويشتركون في الآمال والإحباطات نفسها، وخاضوا تجربة التحرر ومعارضة الجيل الأكبر. فأعضاء الجيل الواحد يتأثرون بالأحداث الاجتماعية والفكرية والثقافية التي تدور من حولهم، وتكون لديهم خبرات سلبية أو إيجابية نتيجة تفاعلات القوى

  1. Manhiem, pp. 7-8.
  2. Sigmund Neumann, "The Conflict of Generations in Contemporary Europe from Versailles to Munich," Vital Speeches of the Day , vol. 5, no. 20 (August 1939), pp. 623-628.
  3. المنجي الزيدي، "أهمية مفهوم الجيل في دراسة قضايا الشباب العربي"، مجلة 7 إضافات، الجمعية العربية لعلم الاجتماع، العدد 3 (كانون الثاني/ يناير 001)2، ص.128
  4. Louis Chauvel, "Social Generations, Life Chances and Welfare States," paper presented at conference on "Transforming the Democratic Balance among State, Market and Society: Comparative Perspective on France and the Developed Democracies," Minda de Gunzburg Center for European
  5. Studies, Harvard University, May 17-18, 2002. 9  Ibid., p. 2.

المختلفة في المجتمع10. ويري لويس فوير أن وعي الجيل يتشكل دومًا بالوقوع تحت تجربة الحدث المؤسس أو الموحد للجيل، والذي يطبع وعي الحركة الطلابية على وجه الخصوص بالتجربة التاريخية نفسها11. وبناءً على أطروحتَي فوير ومانهايم المتعلقتين بلحظة ميلاد الجيل التاريخي تحت تأثير الحدث المؤسس، يمكن القول إن هذا الحدث قد تمثل في عام 0112 بثورات الربيع العربي الذي خلق جيلً تاريخيًا جديدًا. وبهذا المعنى، فإنّ الثورات ساهم في حدوثها وظهورها ظروف سياسية واجتماعية متنوعة، كانت أجيال الشباب بين 5-204 عامًا أقدر على استيعابها وتحويلها إلى حالة تغيير كبرى لم تشهدها المنطقة منذ عقود طويلة. وفي الوقت نفسه، نتج من هذه التحولات الثورية والسياسية الكبرى جيل تاريخي - إضافة إلى كونه سياسيًا واجتماعيًا - فريد، صنعته أحداث تاريخية مؤسسة هي ثورات الربيع العربي. فجيل ثورات الربيع العربي هو، إذًا، نتاج حدث موضوعي مؤسس ولكنه في الوقت نفسه يتأسس على النسق البيولوجي للوجود الإنساني وهو العمر الزمني، إلا أن العوامل البيولوجية، كما يوضح مانهايم، ليست محددة في تفسير الظاهرة الاجتماعية والتاريخية، فهي في أحسن الأحوال أداة لرسم حدود الجيل12.

1. الوحدات الجيلية

تمثل فكرة الوحدات الجيلية Generational units حجر الزاوية في رؤية مانهايم لمشكلات العلاقة بين الأجيال، ووحدة الجيل هي عبارة عن جماعة عمرية بيولوجية تتميز بعدد من الخصائص، أهمها ما يلي: تشكّل وضعية متجانسة في العملية الاجتماعية والتاريخية تحدد لها مجالً خاصًا ومتميزًا من الخبرات والتجارب، وتعدها لنمط متميز من التفكير وأسلوب خاص بالحركة. تشارك في مصير مشترك أو مصلحة مشتركة، وبخاصة فيما يتعلق بالمكانة الاجتماعية والاقتصادية. تكشف عن وحدة الاستجابات، أي عن طريقة يتحرك الكل من خلالها لتشكّل في النهاية تجاربهم وخبراتهم. إنّ وحدة الجيل هي أكثر من جماعة عمر بيولوجية، وأكثر من "شلة" عمرية cohort age An. وليست، ببساطة، تجمعًا من أفراد ذوي أعمار متساوية أو متقاربة، بل هي وحدة اجتماعية ترتبط فيما بينها بموقع أو بمكانة بنائية مشتركة وبنسق ثقافي مشترك، وبوعي ذاتي كوحدة اجتماعية، وبدرجة كبيرة من التضامن والتفاعل الاجتماعي بين أعضائها. ومع أن وحدة الجيل تنشأ في الأصل بوصفها ردة فعلٍ أو استجابة للتغيرات المجتمعية، فإنها ما إن تتكون حتى تصبح بدورها عاملً نحو حدوث مزيد من التغيرات. وهذا هو السبب الذي دفع مانهايم إلى اعتبار ظهورها بمنزلة نذير بعدم استمرارية العملية الاجتماعية أو تغيرها. وعندما يتبلور الوعي بوحدة الجيل عند الشباب، سرعان ما يوسّع من قاعدته ويكوّن "أسلوب جيل" جديدًا منفصلً، وربما يعارض الأسلوب السائد لدي الجيل الأكبر13.

وبهذا المعنى، فإن الجيل الواحد يضم مجموعات مختلفة من الشباب، فقد توجد مجموعتان أو أكثر من الشباب، وقد تكون إحداهما محافظة والأخرى ليبرالية على سبيل المثال. ولكنّ كلتيهما تنتمي إلى الجيل نفسه؛ لأنّ كلً منهما يشكّل استجابة فكرية واجتماعية مختلفة للمثير التاريخي نفسه الذي يتأثر به الشباب جميعًا، وتمثل هاتان المجموعتان "وحدة جيل" معيّنة داخل الجيل نفسه. وتظهر وحدة جيل معيّنة عندما يتبنى أفرادها عددًا من القيم والاتجاهات والمشاعر المتشابهة، وهي التي تقوم بتشكيلٍ وصياغةٍ لوعي أفراد هذا الجيل وإدراكه. وتتجلى مظاهر تكامل وعي الجيل في العديد من الجوانب الثقافية والفنية والأدبية وخصوصًا التعبيرات اللغوية، والزي أو "الموضة." وهو ما يؤدي إلى ربط أعضاء الجيل ببعضهم، ويوفر أساسًا محتملً لاستمرار الممارسة والحركة14.

  1. Mannheim, p. 8.
  2. Lewis S. Feuer, The Conflict of Generations: The Character and Significance of Student Movement (London: Heinemann, 1969), p. 25.
  3. الزيدي، ص.127
  4. السيد عبد العاطي، صراع الأجيال: دراسة في ثقافة الشباب (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 987)1، ص.29
  5. Mannheim, pp. 9-10.

والحقيقة أن تعددية الوحدات الجيلية داخل الجيل التاريخي نفسه المرتبط بظاهرة الربيع العربي والثورات كانت مصدر قوةٍ وتماسكٍ في ظل هوية جيلية متماسكة ومتبلورة، ولكن من الصعب أن تبقى الهوية الجيلية الواحدة متماسكة من دون أساس أيديولوجي وفكري صلب؛ ولذلك تظهر، تدريجيًا، الهويات المختلفة داخل الجيل نفسه. وبهذا المعنى فإن مقولات التحليل الجيلي لا تنفي إمكان وجود التعدد، بل الصراع داخل الجيل نفسه، بوصفه إشكالً لاحقًا لحدث التغيير الكبير (وبما يجاوز لحظة سيطرة النواة الصلبة على اتجاهات الحراك.) بمعنى أن وحدة الجيل ليست مميزًا ملازمًا لوجوده، وأن احتمالات تفتته بوصفه فاعلً سياسيًا واردة وكبيرة، وربما يتجاوز الأمر التشارك في القيم العمومية، وتفضيلات أسلوب المعيشة، إلى الشقاق الأيديولوجي والحزبي مثلً، كما أن احتمالات إعادة التماسك واتخاذ مبادرات إستراتيجية تجميعية وتوافقية واردة أيضًا، بشرط القدرة على إحياء الهوية الجيلية مرة أخرى وإعطائها أولوية قيمية أعلى من غيرها من الانتماءات الطبقية والسياسية.

2. النواة الصلبة

يوجد، دائمًا، داخل الجيل مجموعة يطلق عليها مانهايم اسم "النواة الصلبة" group concrete هي التي تقوم بتطوير التصورات والأفكار والمفاهيم الجديدة، ثم تتسع وتتمدد، وتحيط بها دوائر أخرى، وتمثل جميعها جيلً معيّنًا؛ فالجيل لا يعني هذه المجموعة التي تشكّل النواة الصلبة فحسب. وفي الحقيقة، فإن مناصرة المفاهيم والأساليب الجديدة التي تشكّل خصائص الجيل، وتبنّيها لا يكونان بطريقة عفوية أو تلقائية، وإنما من خلال الاتصال الشخصي بين الأفراد، وخصوصًا داخل النواة الصلبة، حيث يُلهب الترابط داخلها حماس المشاركين ويمكّنهم من تطوير توجهات وأساليب جديدة. وما إن يتمّ تطويرها بهذه الطريقة، حتى تصبح هذه الاتجاهات والميول مستقلة عن هذه المجموعة الصلبة، وعن أصولها، لتستقطب مزيدًا من الأفراد وتعمل قوة ربطٍ فيما بينها في مساحات وتجمعات أكبر. وفي الحقيقة فإن تمدد هذه المجموعة واتساعها يعودان إلى أنها تعبّ عن وضعية الجيل كلّه، وإلى كفاءتها في صياغة الخبرات الفعلية وأسلوب حياة أفراد الجيل. فالأفراد خارج هذه النواة يجدون فيها تعبيرًا مرضيًا عن وضعيتهم التاريخية وانتمائهم إلى جيل معي15. ولا يمكن الجزم بدقة بطبيعة النواة الصلبة التي قادت الحراك الجيلي في ثورات الربيع العربي، فهذه النواة الصلبة من القيادات والنخب موزعة بين اتجاهات ظاهرة وأخرى خفية، بين توجهات ثقافية وسياسية وأخرى تنظيمية وحركية، وكثير منها لا يمكن اكتشافه إلا بعد تحقيقات ودراسات استقصائية تحتاج إلى مدى زمني طويل؛ وذلك لأسباب عديدة بعضها أمني وبعضها الآخر صراعات داخلية. وبطبيعة الحال، فإن هذه النواة الجيلية لا ينطبق عليها مفهوم النخبة السياسية بالمعنى الدقيق، بل هي قيادات طليعية غير معروفة للجميع في حينها، ولكنها تتكشف تدريجيًا عبر الزمن، وقد يصبح بعضها في إطار النخب السياسية الجديدة، وربما يطويها الزمن من دون أن تظهر في المجال العام، وخصوصًا بالنسبة إلى القيادات التنظيمية والحركية التي لا تجيد خطاب الإعلام ولا تمتلك مهارات الحوار والنقاش، على عكس الطلائع الثورية الأقدر على الصياغات الخطابية والإعلامية، ولكنها أكثر براعة في التنظيم والتأطير والتشغيل. وبخصوص أسلوب حياة الجيل، يلاحظ أن الخبرات الجديدة ترتبط بصياغةٍ وتشكيلٍ لتوجهات جديدة متمايزة من الأجيال الأكبر سنًا، بما يعني صياغة أسلوب حياة لجيل جديد style generation New. ويميز مانهايم بين احتمالين: أولهما أن وحدة الجيل ربما تتبنّى أسلوب حياتها وتوجهاتها الجديدة من دون وعي، بل اعتمادًا على الحدس والبديهة، ولكنها تفشل في إدراك خصائصها الجماعية باعتبارها وحدة جيل. وثانيهما أن تقوم المجموعات بتأكيد خبرتها ووعيها بهويتها الجماعية باعتبارها وحدات جيلية16. وفي الحقيقة، فإن أسلوب حياة الجيل يمكن أن يتسع ويضم أفرادًا من أجيال أخرى، وهو ما يشير إلى وجه من وجوه التشابه الجزئي بين مفهومَي الجيل والطبقة كما يرى مانهايم، فإذا كان بإمكان أيديولوجيا الطبقة أن تتسع وتمارس تأثيرًا يتجاوز وضعية الطبقة وحدودها الاجتماعية والاقتصادية، فإن بعض الدوافع والميول الخاصة بجيل معيّ يمكن أن تجذب أفرادًا من مجموعات عمرية أكبر أو أصغر. وتبقى قاعدة أيديولوجيا الطبقة هي الطبقة بحسب نظرية التحليل الطبقي، حتى لو كان مؤلفو أيديولوجيا الطبقة ومثقفوها من طبقة أخرى، وتبقى كذلك القاعدة الحقيقية للتوجهات الجديدة للجيل وأيديولوجيته هي وضعية الجيل، حتى إنْ دعمتها مجموعات عمرية أخرى. وهكذا يمكن لتوجهات الجيل الجديد أن تتسع وأن يتبناها الأفراد الكبار المعزولون، أو المنفصلون، عن جيلهم الخاص17. وبهذا المعنى، لا يعني الحديث بالضرورة عن جيل الثورة أو الربيع العربي الاقتصار على فئة الشباب بمعيار عمري بيولوجي يقتصر على المجموعات العمرية بين 16 و 24 عامًا فقط، وهو ما تؤكده الدراسات البيولوجية والاجتماعية، ولكن جيل الثورة يضم أجيالً أكبر

  1. 17  Ibid., p. 13.
  2. Ibid., pp. 13-14.
  3. 15  Ibid., p. 12.

سنًا، بعضها من الكهول والشيوخ إلى جانب الشباب. كما أن قسم من المجموعات العمرية الشبابية يكون أكثر عداءً للثورة والتحاقًا بالنخب والنظم السياسية القديمة أو التقليدية. وإلى جانب هذا النوع من الحراك الجيلي، بمعنى انتقال الفرد من جيل إلى آخر، مثل انتقال الفرد من طبقة إلى أخرى، فإن هناك نوعًا آخر من الحراك بين الأجيال في الحركات الاجتماعية والسياسية يقصد به انتقال جيل معيّ من دائرة العضوية وتلقي الأوامر إلى دائرة السلطة والقيادة، أي الانتقال من دور الجندية إلى دور القيادة.

لقد شكّلت ثورة الربيع العربي هوية جيلية فريدة للأفراد الذين عاصروا هذه الأحداث التاريخية الكبرى وتشكّل وعيهم السياسي والثقافي في ظلها، وقد شاركت قطاعات واسعة من هذا الجيل في الحراك السياسي والثوري الذي صاحب الثورات العربية وما تلاها. وبهذا المعنى، فإن جيل ثورات الربيع العربي تتجمع فيه العناصر الأساسية لمفهوم الجيل السياسي18، وهي أولً: المجموعة العمرية التي وُلدت في مرحلة زمنية معيّنة؛ أي مواليد عقدَي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين. ثانيًا: التعرض لتأثير حدث أو أحداث تاريخية مهمة أثناء مرحلة التشكل والتكوين؛ أي اندلاع الانتفاضة الثورية ومعاصرة التطورات السياسية اللاحقة جميعها. ثالثًا: وعي أفراد هذا الجيل بوجود خصائص مشتركة تجمعهم، بحيث تشكّل ما يمكن أن نسميه "الهوية الجماعية للجيل." ووفقًا لريتشارد برونغارت ومارغريت برونغارت، فإن "زمرة معيّنة يمكن أن تتحول فتصبح جيلً سياسيًا عندما يتكون وعي بين كثير من أفرادها بأنهم يرتبطون معًا؛ من خلال إدراكٍ ووعيٍ مشتركين بين المجموعة العمرية نفسها، وعندما يتحركون كقوة نشطة من أجل التغيير السياسي"19. يتكون الجيل السياسي لثورات الربيع العربي من أفراد ذوي أعمار مختلفة، يلتحقون بالحركات الاجتماعية والسياسية أثناء موجات الحراك الثوري والسياسي والشعبي. وليست فترة المراهقة بالنسبة إلى الأفراد هي فترة التكوين والتشكيل فقط، بل إنّ الانغماس في الحراك السياسي هو أساس التكوين والتشكيل خلال أيِّ عمر كان20. وقد عبّ ت ظاهرة الناشطين السياسيين عن طموح جيل الألفية إلى المشاركة والانخراط في العمل السياسي، فهذه الظاهرة تعكس انخراط جماعات أو قوى شبابية مستقلة أو حزبية في الممارسة السياسية على نحو مباشر أو غير مباشر من أجل التغيير الاجتماعي21. وتبرز الظاهرة عندما يشارك الشباب في قضايا مثل التخطيط والبحث والتدريس، والتقييم، وصنع القرار، والعمل الاجتماعي، والدعوة، والقضايا البيئية، والعدالة الاجتماعية، وحملات حقوق الإنسان، ودعم قضايا اجتماعية وسياسية معيّنة بهدف إحداث التغيير الاجتماعي22. ويلاحظ أن الجيل السياسي يتضمن أنماطًا عدة من الحركات والبنى الشبكية، منها على سبيل المثال: حركات الشباب والطلاب المستقلة التي تسودها الروح الشبابية في القيادة والعضوية والأهداف، وفروع الأحزاب والقوى السياسية التي يظهر فيها تأثير القوى الشبابية وحضوره على نحو واضح. ويكون حضور هذه الكيانات والحركات مرتبطًا بظهور جيل سياسي معيّ ذي خصوصية وهوية مشتركة تجعل التقارب بين أبناء الجيل أشد وأقوى في كثير من الأحيان من العلاقة بين جيل الشباب والأجيال الأكبر سنًا في التنظيمات والحركات والأحزاب السياسية23. ويمكن أن نسمي الجيل الذي قاد الحراك حتى حدوث الثورات وشارك في صنعها "جيل الألفية"، وهو يتضمن المجموعة العمرية التي تبلور وعيها السياسي وهويتها الشبابية والسياسية بسبب التغيرات والأحداث الكبرى التي شهدها العالم العربي؛ منذ انتفاضة الأقصى المباركة في عام 0002 حتى ثورات عام 0112 وما تلاها من موجات ثورية وحراك شعبي وتفاعلات، أدَّت إلى ظهور مبادرات وحركات شبابية متنوعة طوال هذه الحقبة. ويلاحظ أن الأنماط والشبكات الجديدة من المشاركة الجيلية تتسم بقدر عالٍ من المرونة والسيولة وضعف التنظيم، وسرعة

  1. 22  Adeyemo Lateef Kayode, "Youth Activism, Social Media and Nation Building," paper presented at IIUM graduate conference on youth activism, Malaysia, 15 April 2011, p. 3, accessed on 24/5/2018, at: https://bit.ly/2jpfrSI 23  Asef Bayat, Life as Politics: How Ordinary People Change the Middle East (Stanford: Stanford University Press, 2009), p. 18.
  2. Richard G. Braungart & Margaret M. Braungart, "Life-Course and
  3. Beth Schneider, "Political Generations in the Contemporary Women's Movement," Sociological Inquiry , vol. 58, no. 1 (1988), pp. 4-21.
  4. Cynthia Hicks Giles, "Benefits of State Youth Council Membership as Perceived by Adult Advisors of North Carolina Youth Councils," Master thesis, North Carolina State University, USA, 2008, p. 11.
  5. 18 أحمد تهامي عبد الحي، حراك الأجيال السياسية في مصر (القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 009)2، ص.10
  6. Generational Politics," Annual Review of Sociology , vol. 12, no. 1 (1986), pp.

انتقال الناشطين فيما بينها، نظرًا إلى غياب أيديولوجيات واضحة أو تنظيمات محكمة. فالناشطون الشباب يتحركون بين المنظمات والأحزاب بحرية ومن دون قيود. وفي بعض الأحيان، يفضل الشباب التخلي عن "يافطة" الأحزاب السياسية التي ينتمون إليها ويبادرون إلى الانضمام إلى حركات جديدة، ولكنهم قد يعودون مرة أخرى إلى تنظيماتهم إذا تعثر الكيان الجديد. ومن الضروري مراقبة التغيرات السريعة والمثيرة للاهتمام في عمليات تعبئة الشباب وتشكيل كياناتهم التي تتسم بالتقلب السريع وعدم الاستقرار وسرعة الصعود والهبوط، فقد تظهر حركات مؤثرة فجأة ثم تختفي أو تتراجع دراماتيكيًا، مثل ائتلاف شباب الثورة، وحركة تمرد... إلخ. وهناك تبادل تأثير وتأثر مستمر بين الحركات والبنى الشبكية المختلفة في الأوساط الشبابية. وعلى الرغم من أنّ الشباب أكثر حماسًا للتغيير والثورة وأكثر نشاطًا في الحركة الوطنية والسياسية، فإنهم عادة ما يكونون أقل قدرة على صياغة رؤية، وبرامج سياسية متكاملة؛ ولذلك يلاحظ أن الحركات الطلابية والشبابية التي تعبّ عن جيل الشباب غالبًا ما تخلق صلات قوية مع عدد كبير من رموز الجيل الوسيط، وعدد أقل من رموز جيل الشيوخ. والحقيقة أن جيل الثورة لا يقتصر على الشباب في المرحلة العمرية 0-153 سنة الذي عاصر الثورات من مواليد الثمانينيات حتى منتصف التسعينيات، ولكنه يتسع لمراحل عمرية من أجيال أكبر سنًا من مواليد ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، وذلك إلى جانب بعض الرموز من جيل الشيوخ. فالتدافع الجيلي لا يرتبط بالعلاقة بين جيلَ الشاب والشيوخ فحسب، بل بدور الأجيال الوسيطة أيضًا. فالشباب لديهم المُثل والتضحية والكثافة العددية، والكبار من الأجيال الوسيطة لديهم القوة والخبرة والحكمة، والتكامل والتعاون بين هذه الأجيال يساهمان في توفير أسس قوية لقيام الثورة وتطورها، ثم جاءت مراحل أخرى تغلبت فيها جوانب الصراع والخلاف. وكان خوسيه غاسيت قد أشار إلى أن مشكلة الأجيال تتركز بصفة أساسية على العلاقة بين مجموعتين إحداهما يراوح عمرها بين 053 و 4 سنة، والأخرى بين 504 و 6 سنة. واعتبر أن هذا الصراع يشكّل حقيقة تاريخية في أي وقت من الأوقات. كما اعتبر أن الشباب تحت سن الثلاثين يعيشون في مرحلة من الأنانية والغرور الرهيب، ولا يقومون بأي دور تاريخي إيجابي24.

ثانيًا: جيل الثورات

كان ارتباط جيل الثورة بالثورة عنيفًا وقويًا، وعندما حدثت الثورات تأثر الشباب - في مراحل التعليم من الثاني أو الثالث الإعدادي والثانوي وبدايات الجامعي - بها بقوة، وتشكل وعيهم في ظلالها، وقد تحرك كثيرون منهم في أجوائها سواء على صعيد المشاركة في الاحتجاجات أو المتابعة والوعي بالأحداث، ما يجعله جيلً متميزًا قد تتجه وحداته الجيلية نحو تبنّي فكرة الثورة بوصفها مسارًا للتغيير والإصلاح والبناء، أو يكتسب خصائص سلبية مثل التكيف والمسايرة والانتهازية تمنعه من المساهمة في حلم التغيير الشامل. ولا شك في أن ذلك الجيل استفاد من الثورة، ولكنه أيضًا يعاني في ظلها، إذ فقَدَ تدريجيًا الثقة بالقيادات السابقة من الأجيال الأكبر سنًا أو حتى جيل الألفية الذي قاد حراك ما قبل الثورات. لقد كانت لدى القيادات والأجيال السابقة حسابات مرتبطة بالتنظيمات والأفكار والأيديولوجيات أشد تعقيدًا، بينما كان حلم جيل الثورة أوسع وأعمق جذرية ولم يتكيف مع الواقع بسهولة، فبحكم عذرية التجربة وروح التحدي والثورة لم يقبل الخضوع وقدّم التضحيات والشهداء ولكنه لم يصل إلى موقع القيادة. لقد ارتبط الحلم والمشروع بالثورة فحسب، فكانوا هم الأكثر إخلاصًا لها، وجمعت فكرة الثورة بينهم حتى ألّفت رباطًا أقوى من الارتباط الأيديولوجي والمصالح، ثم جاءت الانكسارات المتوالية والصراعات الكثيرة ليفقد هذا الجيل براءته وينقسم بين تيارات واتجاهات متنوعة، بعضها يرتبط بالانتماءات الفكرية والأيديولوجية الأصلية، وبعضها يرتبط باختراقات ومصالح وتمويلات، وبعضها ترك السياسة والثورة وفضّ ل الهجرة أو الانسحاب من المشهد ولو مؤقتًا. ومع ذلك، يظل حلم الثورة وإعادة إحيائها قويًا وموجودًا. لا شك في أن جيل الثورات لا يمكنه أن يصنع ثورة جديدة كل يوم، ولكنه يظل الجيل القادر على إيصال الفكرة والوعي وروح الثورة إلى جيل جديد من الأولاد والبنات الذين لم يعاصروا ثورات الربيع العربي أو يشاركوا فيها بفاعلية كأعضاء لصغر سنهم حينها.

ثًالث ا: أثر المتغير الجيلي في الحركات الاجتماعية والسياسية: التغير والاستمرارية

لا شك في أن العمليات الجيلية من حراك وتدافع داخل الحركات الاجتماعية تؤثر في طبيعة سياقات الانتقال السياسي والتغير

  1. Jose Ortega Y. Casset, Man and Crisis , Mildred Adams (trad.), (New York: W. W. Norton & Company, 1958).

الاجتماعي وتتأثر بها. فالأحزاب والحركات السياسية والاجتماعية يمكن أن تستمر فترات طويلة قد تصل إلى عقود أو قرون ما دامت قادرة على التعبئة والحشد بمستويات عليا أو دنيا، ولكنها في الوقت نفسه تغير من خصائصها بمرور الزمن. فقد تكون الحركات السياسية رافضة للديمقراطية أو التعددية الحزبية في سياق تاريخي معيّ، ولكن تغير السياق ودخول زمر وأجيال جديدة إلى الحركة يدفعها إلى مراجعة المسلمات والفرضيات التي كانت تتبنّاها الأجيال المؤسسة وتقوم بعملية تجديد فكري وسياسي فتتبنّى منظورًا أكثر دعمً للديمقراطية والتعددية الحزبية. وفي الحقيقة، فإن تفسير التغيير والاستمرارية في الحركات السياسية والاجتماعية يمكن أن يتم من خلال ثلاث مقاربات أساسية: أولها: نموذج العملية السياسية الذي يفسر التغيير والاستمرار ودورات الظهور والنمو وفقًا للسياق السياسي السائد وما يؤدي إليه من تغير في تكتيكات الحركة والمناورة السياسية. ويتم ذلك من خلال تأكيد أهمية القوى والعوامل الخارجية (خارج الحركة)، مثل بنية الدولة والتحالفات والمناورات السياسية ودور النخبة والموارد المحلية والخارجية وتكتيكات الحركة السياسية. ثانيها: المقاربة المؤسسية التنظيمية لتفسير الاستمرارية والتغيير في الحركات الاجتماعية وتحليلها وفقًا لقدرتها على تعبئة الموارد البشرية والتنظيمية، وخصائص البنية التنظيمية والأيديولوجية والثقافية، والحفاظ على شرعيتها في بيئة معادية أو متغيرة، واستمرارية العضوية أثناء فترات التوقف والتجمد. ثالثها: المقاربة الجيلية والإحلال بين الزمر داخل الحركة بالتركيز على العمليات الجيلية وديناميات التجنيد والهوية المشتركة إلى جانب تأكيد العمليات السياسية والعوامل التنظيمية25. وفي الواقع، إن التغير في الفرص السياسية يوفر قوة دافعة للتغيير في الحركات الاجتماعية، أما العمليات الجيلية من تجنيد سياسي وحراك للزمر فإنها تعتبر بمنزلة الآلية التي يظهر من خلالها التغيير على مستوى التحليل الجزئي. إن الحركات الاجتماعية تتكون من زمر متعددة تشمل الأعضاء الدائمين والمجندين حديثًا، وفي الواقع، فإنّ الأعضاء الدائمين يشكلون النواة الصلبة الملتزمة على المدى الطويل26. وتمثل هذه العضوية الدائمة والصلبة متغيرًا داخليًا أساسيًا يضمن الاستمرارية ويعززها. وإلى جانب هذه النواة الصلبة، فإن كثيرًا من المجندين الجدد يدخلون بمعدلات مختلفة، وعلى الرغم من أن الأعضاء الجدد يحملون المسلمات والأهداف نفسها التي لدى سلفهم من أعضاء النواة الصلبة، فإنهم قد يختلفون عنهم. وبناءً على هذا، فإن التجنيد والحراك يساعدان في إحداث التغيير في الحركات الاجتماعية. إنّ هاتين العمليتين (وجود الأعضاء الدائمين الملتزمين واستمراريتهم من جهة، ودخول أعضاء جدد وتجنيدهم من جهة أخرى) تجسران الفجوة بين القضايا النظرية والعمليات السياسية التي تشكّل عملية التجنيد وتحليل التفاعل بين بيئة التعبئة الجيلية وبناء الهوية المشتركة. ويوجد العديد من الاختلافات بين الزمر، بحيث إنّ دخول زمر جديدة إلى الحركة يسهم في حدوث التغيير والتحول27. وتسمى المجموعات الأشد تقاربًا داخل الجيل السياسي "الزمر الصغيرة" Micro-cohorts، وهي تكوينات عنقودية من الأعضاء الذين ينضمون إلى الحركة الاجتماعية في مدى عام أو عامين، ويتشكلون من خلال خبرات تكوينية متميزة تختلف بتغير السياق السياسي. وميزة هذا المفهوم أنه يجعل الفترة التي تتحدد فيها الزمر والتفاعلات داخل سياق معيّ أقصر وأشد تحديدًا، بما يؤدي إلى بلورة منظور مشترك للأفراد. ويتضمن الجيل السياسي كل الزمر الصغيرة التي تشارك في موجة معيّنة من الاحتجاج. وعلى الرغم من أن الزمر الصغيرة - التي تصنع جيلً سياسيًا متميزًا - تختلف عن بعضها، فإن رؤاها وتصوراتها تتداخل نتيجة التشابهات الأساسية في الخبرات الحركية28.

1. الافتراضات الأساسية لمقاربة الجيل السياسي

أ. الافتراض الأول

تبقى الهوية الجماعية لزمرة معيّنة من ناشطي الحركة الاجتماعية ثابتة بمرور الزمن، بما يحقق للحركة استمراريتها29. فلكل جيل عناصر معيّنة تميز أفراده جميعًا أيديولوجيًا، ويستمر تميزهم طوال حياتهم من أجيال أخرى، ممن لم يمروا بالخبرات نفسها30. وفي الحقيقة، إن أثر الزمرة ووحدة الجيل لا يمكن أن يظهر إلا من خلال الاحتفاظ بمرجعيتها ومنظورها مستمرًا على مدار الزمن على

  1. 29  Ibid., p. 763.
  2. Braungart & Braungart, pp. 1-8.
  3. Whittier, p. 761.
  4. Ibid., p. 762.
  5. 25  Nancy Whittier, "Political Generation, Micro-Cohorts, and the Transformation of Social Movement," American Sociological Review , vol. 62, no. 5 (October 1997), p. 760.
  6. ألين س. كوهين وسوزان أ. وايت وشريف بهلول، "آثار التنشئة القانونية علي التحول المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية (اليونسكو)، العدد نحو الديمقراطية"، 521 (حزيران/ يونيو 997)1، ص.29

الرغم من دورة الحياة وتغيرات المرحلة. وتبيّ الدراسات السابقة، وخصوصًا أعمال كينت جينينغز، أن الناشطين المتمرسين من حركة احتجاج جيل الستينيات احتفظوا بمعتقداتهم السياسية والمشاركة لعقود بعد ذلك، وذلك على الرغم من بعض التغيرات التي حدثت لهم، مثل: تبنّي نمط أيديولوجي أشد اعتدالً أو تبنّي منهج الإصلاح الاجتماعي بوسائل مختلفة31. كما أظهرت الدراسات أنّ ناشطي اليسار الجديد في الدول الغربية احتفظوا بتميزهم من زملائهم غير الناشطين، من حيث الأيديولوجيا الراديكالية، والمشاركة الواسعة في السياسة التقليدية والاحتجاج، والدخول المنخفضة، وانخفاض معدل الزواج وارتفاع معدلات الطلاق. إنّ التزامات وحدة الجيل السياسي تستمر على مدار الزمن؛ ومن ثم تتسم الزمر النشطة باستمرار الهوية الجماعية التي تتكون من خلال التفاعلات الأولية داخل الحركات الاجتماعية. ويبقى الأعضاء ملتزمين سياسيًا ونشِطين؛ لأنهم يستبطنون الهوية الجماعية التي تربط بين إحساسهم بذواتهم وبين عضويتهم النشطة لمجموعة سياسية. وفي السنوات التالية تستمر الهوية الجماعية للزمرة في تميزها؛ بسبب الظروف السائدة داخل الحركة الاجتماعية وخارجها32.

ب. الافتراض الثاني

تُكوّن الزمر المختلفة هويات جماعية مختلفة تبعًا لتغير السياق الخارجي والظروف الداخلية للحركة في الوقت الذي ينضمون فيه إليها، وتوجد الاختلافات في الهويات الجماعية بين الأجيال السياسية التي انغمست في كل موجة من الاحتجاج، وبين الزمر الصغيرة داخل كل جيل سياسي. بمعنى آخر، تنشأ للزمر هويات جماعية مختلفة على أساس البيئة الخارجية والظروف الداخلية33. ويلاحظ أن نظريات الأجيال السياسية تؤكد الاختلافات بين الزمر، إلى جانب استمرارية الهوية الجماعية للزمرة34. وهكذا تتعدد الأجيال، والزمر الصغيرة داخل الأجيال، ويحتفظ كل منها بهوية جماعية مختلفة عن الأخرى، ويتأسس ذلك الاختلاف على طبيعة السياق الذي انضمت فيه الزمرة الصغيرة إلى موجة معيّنة من الموجات التي مرت بها حركة الاحتجاج.

ج. الافتراض الثالث

يساهم الإحلال بين الزمر في إحداث التغيير في الحركات الاجتماعية والسياسية. فأثناء فترات تنامي التجنيد وتغير العضوية، يتوقع حدوث تغييرات على مستوى عالٍ في المنظمات المتنامية، وفي مجال تعدد المنظمات، وفي مجال الهوية الجماعية للحركة35. وإذا كانت الخصائص الأساسية للزمرة تبقى ثابتة، وإذا كانت الزمرة المختلفة لديها هويات جماعية مختلفة، فيترتب على ذلك أن عملية التجنيد أو دخول أعضاء جدد يؤدي إلى حدوث التغيير في الحركات الاجتماعية. وقد جرى تحليل عملية الإحلال بين الزمر، فربما تغادر النخب الأولى، أو تفقد سيطرتها على التنظيم، ويحل محلها الأعضاء الجدد. ويحدث التغيير في المؤسسات والمنظمات بسيطرة زمرة معيّنة على مقاليد الأمور. وفي الحقيقة، فإن مستوى التغيير ليس متماثلً بين مختلف المنظمات؛ إذ يلاحظ في المنظمات الرسمية التي تمّ التركيز عليها في الدراسات، مثل الشركات والأجهزة البيروقراطية للدولة، أن نظم الأقدمية والترقيات تقلل من سرعة وصول القادمين الجدد إلى مراكز السلطة. وهذا التغيير البطيء يسمح للخبراء بالقيام بعملية تنشئة أقوى، ما يؤدي إلى استمرارية أطول للمنظمة ولكنها تحد من التغيير التنظيمي. وعلى العكس من ذلك، فإن الحركات غير المركزية وغير الهيراركية لا يمكنها أن تتحكم بفاعلية في نتائج عملية التجنيد؛ إذ يمكن للأعضاء المستمرين فترة طويلة أن يفقدوا سلطتهم لمصلحة الأعضاء الجدد. وإلى جانب ذلك، ترصد نانسي ويتير عوامل أخرى تؤدي إلى مزيد من التغيير السريع في الحركة، مثل العوامل الخارجية التي تعزز نمو الحركة، والخصائص الداخلية، مثل: الاعتماد على العضوية المؤقتة، وقواعد تغيير الرؤساء الشائعة في المنظمات النسائية الراديكالية، وزيادة الطلب على العضوية، ما يؤدي إلى الوصول بسرعة والخروج من الحركة (سرعة الدخول والخروج.) وعلى الرغم من كون الإحلال بين الزمر مصدرًا محتملً للتحول المؤسسي، فإن بنية الحركة الاجتماعية تؤثر في معدل الإحلال بين الزمر، بما يسهم في التغيير أو الاستمرار. فالتغيير بين الزمر، كما ترى ويتير، هو عاملٌ من بين عوامل عدة تساهم في إحداث التغيير في الحركات الاجتماعية، من بينها التغير في البيئة الخارجية، أو أن يقوم الناشطون بتغيير إستراتيجياتهم من دون حدوث إحلال بين الزمر36.

  1. M. Kent Jennings, "Residues of a Movement: The Aging of the American Protest Generation," American Political Science Review , vol. 81, no. 2 (June 1987).
  2. Whittier, p. 763.
  3. Ibid., pp. 763-764.
  4. لمزيد من التفصيل، انظر: Joseph R. DeMartini, "Change Agents and Generational Relationships: A Reevaluation of Mannheim's Problem of Generations," Social Forces , vol. 64,
  5. Whittier, p. 764. 36  Ibid.
  6. no. 1 (1985), pp. 1-16.

د. الافتراض الرابع

تتعدد الزمر التي تدخل الحركة الاجتماعية خلال جيل واحد، ويكون دخول كل زمرة في شكل موجة معيّنة مرتبطًا بالسياق الخارجي والظروف الداخلية للحركة. وعلى الرغم من تعدد الزمر، فإن هناك خصائص مشتركة وتداخل بينها؛ ما يجعل بعضها يؤثر في بعضها الآخر. وتظهر الفجوة بين جيلين سياسيين. وبحسب كينيث ميكنيل، فإنّ الفجوات الجيلية تظهر عندما توجد فترة معيّنة لا تنضم فيها إلى الحركة زمر أو تكوينات عنقودية جديدة، ما يخلق مسافة كبيرة بين الزمر والتكوينات العنقودية داخل الجيل نفسه37. ويرى فيرتا تايلور أن الفجوة تظهر أثناء فترات عدم الفاعلية أو تعطل النشاط، وينتج منها اختلافات حادة في الهويات الجماعية بين عنقود معيّ من النخب الصغيرة التي تشكّل، سياسيًا، جيلً معيّنًا وبين عنقود آخر من النخب الصغيرة التي تشكّل جيلً سياسيًا جديدًا38. والخلاصة أن دخول زمر أو تكوينات عنقودية جديدة إلى الحركة قد يؤدي إلى تغيير توجهاتها وهويتها الجماعية، وبناءً عليه تتغير الإستراتيجيات والتكتيكات والثقافة السياسية والبنية المؤسسية. وفي الحقيقة، إن مستوى التغيير في الحركة الاجتماعية وعمقه يتوقفان على سرعة الإح لاا بين الزمر التي لا تختلف من حيث أعداد الأعضاء الذين يتم تجنيدهم فحسب، بل من حيث البنية التنظيمية والثقافة، والتنافس والجدل بين الأعضاء القدامى والمجندين حديثًا أيضًا. فالناشطون القدامى ربما تكون لديهم القوة المنظمة التي تبقي سيطرتهم على الرغم من التحديات، والأعضاء الجدد ربما تكون أعدادهم قليلة؛ ما يضعف من تأثيرهم. كما يتوقف الأثر الذي ينتج من إحلال الزمر في تغيير تنظيم الحركة الاجتماعية على الذاكرة التنظيمية، أو فاعلية مخزن المعلومات والاسترجاع، بما يسمح للناشطين اللاحقين بالتعلم من خبرات السابقين39. ولذلك، يمكن أن نتوقع درجة أكبر من الاستمرارية - على الرغم من تغير الزمر - في المنظمات التي تصوغ برامج تدريب لأعضائها الجدد، وهناك ذاكرة تاريخية تعمل بكفاءة40. إن الموجة الأولى للأعضاء المؤسسين للحركة قد تقوم بصياغة رؤية فكرية وحركية ومؤسسية تدور حول هويتها الجماعية ويتمّ نقلها إلى الأجيال اللاحقة، ما يؤدي إلى استمرارية أطول. وفي المقابل، وفي بعض الحركات الاجتماعية الأخرى، فإن الناشطين القدامى قد يغادرون منظمات الحركة الاجتماعية، ما يفتح المجال أمام المشاركين الجدد. إن التغير في الزمر ربما يؤدي إلى تعزيز الابتكار والإبداع في الإستراتيجيات والبنى التنظيمية والهوية الجماعية. وفي المقابل، ربما يكون للتغير في الزمر آثار محدودة بشأن التغيير في الحركة؛ لأسباب قد يكون من بينها أنّ الظروف الخارجية تفرض إستراتيجية معيّنة، أو أنّ الهوية الجماعية غير مهمة إلى حد ما في تحديد مسار الحركة، أو أنّ الهوية الجماعية ضعيفة نسبيًا، أو بسبب وجود قدر أقل من الاختلافات بين الزمر، أو بسبب محدودية الإحلال بين الزمر أيضًا41. ويرتبط فهم الاستمرارية والتغيير في الحركات السياسية والاجتماعية بعدد من المتغيرات الأساسية التي تؤثر في دور الزمر في إحداث التغيير؛ مثل دور الناشطين القدامى، والاختلافات بين الزمر في هوياتهم الجماعية، والمدة التي تستغرقها عملية الإحلال بين الزمر، وتقاطع ذلك الإحلال مع التغيرات السياسية الخارجية والثقافية والتنظيمية. ويمكن تطبيق تلك المقولات على بعض الحركات الاجتماعية والسياسية التي تبنَّت الخيارات الثورية، وانتهجت وسائل إصلاحية أو ثورية، أو جمعت بينهما، في دول الربيع العربي. إن الموجة الأولى للأعضاء المؤسسين لحركة سياسية مثل جماعة الإخوان المسلمين، تقوم بصياغة رؤية فكرية وحركية ومؤسسية تدور حول هويتها الجماعية، ويتم نقلها إلى الأجيال اللاحقة، ما يؤدي إلى استمرارية أطول. وفي المقابل، فإن الناشطين القدامى في بعض الحركات الاجتماعية الأخرى يغادرون منظمات الحركة الاجتماعية؛ ما يفقد الحركة تماسكها، ويسمح بمرونة أكبر في الفكر والممارسة مرتبطة بطبيعة المشاركين الجدد، ويظهر ذلك في حالة التيارات اليسارية في مصر. وتعتبر العمليات الجيلية شديدة التأثير في مستويات التعبئة المختلفة داخل الحركة، فأثناء الدرجات الدنيا من التعبئة، كما هي حال الحركات السياسية قبل كانون الثاني/ يناير 0112، ربما يؤدي وجود التزامات قوية من الأعضاء القدامى نحو الحركة، ومعدل تجنيد منخفض، إلى استمرارية أطول، ولكنها استمرارية تتسم بجمود تنظيمي وفكري وعدم فاعلية. أما أثناء فترات الصعود والتعبئة الواسعة التي تحدث في سنوات ما بعد الثورة وما يرتبط بها من موجات ثورية، فإن نجاح عملية

  1. Kenneth McNeil & James D. Thompson, "The Regeneration of Social Organizations," American Sociological Review , vol. 36, no. 4 (1971), pp. 624-637.
  2. Whittier, p. 771. ولمزيد من التفصيل، انظر: Verta Taylor, "Social Movement Continuity: The Women's Movement in Abeyance," American Sociological Review , vol. 54, no. 5 (1989), pp. 761-775.
  3. Whittier, p. 775.
  4. لمزيد من التفصيل، انظر: James P. Walsh & Gerardo Rivera Ungson, "Organizational Memory,"
  5. Academy of Management Review , vol. 16, no. 1 (1991), p. 67. 41  Whittier., p. 776.

تجنيد أعضاء شباب جدد يخلق درجة أعلى من إحلال الزمر، ما يسهم في حدوث تغيير سريع في الحركة؛ وبناءً على ذلك، يمكن أن تظهر خلافات بين الزمر الصغيرة كل عدة سنوات. وفي الحصيلة؛ في حالة انتقال الحركة الاجتماعية من حالة الجمود واللافاعلية إلى حالة التعبئة والتجدد، وفي ظل قيام الجيل الأكبر من الأعضاء القدامى بإعطاء المشعل للأعضاء الجدد، يصبح التدافع الجيلي، بما يتضمنه من اختلافات وصراعات جيلية، هو الأمر الأهم42. إن التغير في الزمر ربما يؤدي إلى تعزيز الابتكار والإبداع في الإستراتيجيات والبنى التنظيمية والهوية الجماعية43؛ ولذلك تظهر إشكالات ومناقشات واسعة حول قضايا معقدة من علاقة الحركة بالحزب السياسي، ومستقبلها بوصفها حزبًا سياسيًا أو جماعة ضغط أو حركة اجتماعية، أو حول الإستراتيجيات وأساليب التغيير بين المنهج التقليدي الإصلاحي أو المنهج الثوري أو الثوري العنيف.

2. افتراضات حول طبيعة التفاعلات المتبادلة بين المتغير الجيلي وسياق الانتقال الديمقراطي

تظهر أهمية معدل التغيير الاجتماعي وسرعته في تحقيق وضعية الجيل من حقيقة أن المجتمعات التي تتسم بالجمود الواضح وبطء التغيير، مثل مجتمعات الفلاحين، لا تشهد وجود ظواهر مثل وجود جيل جديد منفصل انفصالً حادًّا عن الأجيال التي سبقته. فالتغيير يكون تدريجيًا وبطيئًا جدًا؛ حتى إنّ الأجيال الجديدة تتطور بالنظر إلى الجيل السالف، أو ما سبقها من الأجيال، من دون انقطاع أو صراع. وكل ما يمكن أن يحدث هو اختلافات بيولوجية وجيلية فقط (بالمعنى العائلي والديموغرافي)، يقوم على أساس العمر ودورة الحياة. ومثل هذه العوامل البيولوجية مؤثرة بطبيعة الحال في المجتمعات الحديثة أيضًا، فالشباب ينجذبون إلى نظرائهم من الشباب، وكذلك كل مجموعة عمرية نحو الأخرى. ولكن الجيل لا يظهر على أساس هذا العامل البسيط من الانجذاب بين أعضاء المجموعة العمرية نفسها. وهكذا؛ كلما تسارعت معدلات التغير الاجتماعي والثقافي، تعاظمت فرص تفاعل مجموعات جيلية معيّنة من هذا التغيير منتجة أسلوبها الخاص في الحياة44. وفي الحقيقة، إن ظواهر معيّنة مثل انتشار القومية والتصنيع، ثم العولمة والإنترنت والفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي في الوقت الراهن، تبين جميعها تكسير الحواجز بين الأجيال، وفي الوقت نفسه، يزيد التغيير الاجتماعي السريع أهمية الحواجز الزمانية والمؤقتة Temporal بين الأجيال. ويجعل أثر هذا التطور الأخير الاتصال بين الأجيال السياسية المختلفة أكثر صعوبة، بينما يزيد أثر التطور الأول من أهمية انخفاض القدرة على الاتصال. وما زالت الآثار البعيدة المدى لهذه التداعيات، في معاني الاتصال داخل النظم السياسية والأجيال وبينها، في حاجة إلى اهتمام45. ويؤثر التقدم في وسائل الاتصال في العلاقة بين الأجيال، فلا شك في أن وسائل الإعلام تؤثر في التنشئة السياسية والاجتماعية للأطفال؛ ومن ثمّ في سلوكهم السياسي المستقبلي. لقد كانت الأجيال الكبيرة بعيدة نسبيًا عن السياسة والشؤون العامة قبل تقدم وسائل الاتصال46. وقد فقد الآباء سيطرتهم على تعليم أطفالهم لمصلحة التلفزيون الأقوى والأشد تأثيرًا47. ويُعد الحراك الجيلي من أبرز قنوات التغيير في الواقع الاجتماعي والسياسي وآلياته، كما أنه نتيجة له في الوقت نفسه. ويمكن تحليل التجدد الحضاري والتغيير في النظم والحركات السياسية والاجتماعية من خلال مقاربة التدافع الجيلي التي تركز على العمليات الجيلية وديناميات التجنيد والهوية المشتركة، وذلك إلى جانب المقاربات الأخرى، مثل: الفرص السياسية والقدرات التنظيمية والمؤسسية48. وفي الواقع، يوفر التغيير في الفرص السياسية قوة دافعة للتغيير والتدافع الداخلي، أما العمليات الجيلية من تجنيد سياسي وحراك للزمر والوحدات الجيلية، فهي تُعد بمنزلة الآلية التي يظهر من خلالها الانتقال السياسي والديمقراطي وتحولاته. وفي هذا الصدد، يقوم النسق الثقافي والسياسي المستقر عبر الزمن بنقل القيم والاتجاهات إلى الأجيال الجديدة من خلال عمليات التنشئة الاجتماعية والسياسية، بما تتضمنه من قيم ومقولات واتجاهات تعزز التوجهات الديمقراطية أو تعاديها. وفي المقابل، إن الثورة بوصفها حالة قطيعة مع هذا النسق القائم، لها آثار جيلية يمكن رصدها في عملية التحول الديمقراطي، كما تفتح ساحة للتكوين السياسي والتدريب وإكساب القيم السياسية الجديدة، بما يخلق قوة دفع للحراك الجيلي بين أجيالٍ جاءت تنشئتها ضمن النسق الثقافي المستقر (الثقافة

  1. Ibid., p. 775.
  2. 47  Ibid., p. 311.
  3. 48  Whittier, pp. 760-761; Jennings, pp. 367-382.
  4. Marvin Rintala, The Constitution of Silence: Essays on Generational Themes (Westport: Praeger, 1979), p. 20.
  5. William Greider, Who Will Tell the People: The Betrayal of American Democracy (New York: Touchstone, 1992). pp. 307-308.
  6. 43  Ibid., pp. 775-776.
  7. 44  Mannheim, p. 14.

السياسية السائدة في بلداننا العربية قبل الثورات مثالً)، وأخرى جاءت تنشئتها مع اضطراب هذا النسق ومراجعته الجذرية. ويرتبط التجدد الحضاري والسياسي والثوري بالتغيير والتحولات في النسق الثقافي والسياسي ومنظومة القيم بمنهجية مقصودة أو غير مقصودة. ويأتي الحراك والتدافع بين الأجيال في إطار المتغيرات والتحولات التي يمكنها أن تساهم في إطلاق سياق التحول والانتقال الإصلاحي أو الثوري، أو تعديله. ويمكن أن يساهم التدافع الجيلي في بلورة توجهات جديدة وتقديم اجتهادات سياسية ورؤى فكرية وإستراتيجية مختلفة عن النمط السائد الذي يتسم بالجمود أو عدم الفاعلية، بل إن فهم طبيعة الأصول والثوابت نفسها وإدراكها يتعرضان للتقييم المستمر والمراجعة الدائمة حتى يتبين الحقيقي من الزائف والمستدام من المؤقت والإستراتيجي من التكتيكي. وهناك علاقات تفاعل متبادلة ومعقدة بين المتغير الجيلي وسياقات التغيير السياسي والانتقال الديمقراطي الإصلاحي أو الثوري، والمتغير الجيلي يمكن أن يكون متغيرًا مستقلً أو تابعًا في التحليل؛ فالحراك الجيلي باعتباره متغيرًا مستقلً يمكن أن يكون دافعًا بقوة أو معوقًا لعملية الانتقال الديمقراطي في سياق محدد. وفي المقابل، يمكن أن يكون الجيل متغيرًا تابعًا تؤثر فيه النظم السياسية السلطوية أو الديمقراطية؛ من خلال غرس قيم وتوجهات أكثر ديمقراطية لدى الأجيال الجديدة، بما يعيد تشكيل رؤيتها للعالم وتعديل سلوكها السياسي تجاه النظام السياسي أو الأحزاب والحركات الاجتماعية والسياسية. وفي الواقع، يتبادل كلٌّ من الظروف والفرص السياسية المتاحة من جهة، وإستراتيجيات الفاعلين من رموز وقيادات الأجيال الجديدة من جهة أخرى، التفاعل والتأثير لإنتاج حالةٍ ووضع سياسي معيّ، وتتزايد أهمية الحراك الجيلي وفاعليته باعتباره متغيرًا مستقلً في سياقات الانتقال عندما تتوافر شروط أساسية، أبرزها ظهور الجيل السياسي الذي يمتلك وعيًا جيليًا متقدًا، وهوية جيلية متبلورة، ورموزًا وقيادات فاعلة ونافذة. فعندها يصبح الحراك الجيلي بمنزلة المتغير المستقل القادر على صناعة التغيير والتأثير في العمليات السياسية؛ وهو ما يتجلى في لحظة الثورة، على سبيل المثال. وفي المقابل، تتسم مراحل الاستقرار والجمود بتابعية متغير الجيل أو غيابه كليًا، فقد يعلو تأثير متغير النظام السياسي كفاعل في التعبئة والتنشئة والثقافة السياسية المتوارثة. أما مرحلة التحول الديمقراطي، فتشهد تبادل التأثير والتفاعل والانتقال من الاستقلال إلى التبعية بين الحراك الجيلي والنظم والثقافة السائدة؛ بحيث تصبح النهايات مفتوحة إما تجاه انتقال وتحول ديمقراطي أو ثوري، وإما تجاه عودة إلى الوضع القديم والجمود. ويرتبط الانتقال الديمقراطي بطبيعة القيم والاتجاهات والأفكار التي تكتسبها الأجيال الجديدة، والتي تساهم في انطلاق عملية التحول الديمقراطي وتواصلها حتى تصل إلى مرحلة الترسيخ والاستقرار. وعلى العكس من ذلك؛ قد يكون أبرز أسباب فشل عملية التحول الديمقراطي هو عدم قدرة الأجيال السياسية المختلفة على استيعاب المعاني والقيم والتوجهات المرتبطة بهذه العملية وترسيخها في النفوس. ويكشف ذلك عن صعوبة عملية الانتقال الديمقراطي؛ فقد تبدأ العملية نتيجة فرص أو تحولات معيّنة في البيئة السياسية، ولكن منظومة القيم والأفكار والتوجهات المضادة للتحول الديمقراطي التي تتوارثها الأجيال السياسية تكون من القوة والرسوخ على نحو تهيمن فيه على سلوك الأجيال الجديدة وأدائها في السياق الانتقالي، بما يؤدي في النهاية إلى التعثر والنكوص والتراجع من حالة التحول الديمقراطي إلى الحالة السابقة عليها من الاستبداد؛ سواء على مستوى النظام السياسي، أو على مستوى الحركات والأحزاب السياسية.

وبهذا المعنى، فإن مسألة الثقافة السياسية الجيلية ضرورية للتحول الديمقراطي من خلال غرس القيم والاتجاهات الديمقراطية وتعزيزها، بما يتضمنه ذلك من تطوير السلوك التفاوضي للنخب الشابة في مراحل الانتقال، وتشكيل القناعات حول صور التنظيم السياسي الديمقراطي، وبناء التحالفات لدعم الديمقراطية، وتحديد وجهات المنافسة السياسية وعناصر بناء الخطاب السياسي المخاطب للجماهير. ويمكن النظر إلى العلاقة بين حراك الأجيال والانتقال الديمقراطي من مستويات عدة، أولها أن أبرز محددات العلاقة بين الجيل والانتقال الديمقراطي تتمثل بالنظام السياسي والثقافة السياسة، ولا شك في أنّ هناك ارتباطًا بين طبيعة الثقافة السياسية السائدة في مجتمع ما وطبيعة النظام السياسي القائم فيه. كذلك يعبّ نمط الحراك الجيلي داخل النخب، كمتغير تابع، عن نظام القيم في المجتمع ومدى انسجامه أو تناقضه، كما يعبّ عن الدرجة والنوع بالنسبة إلى ديمقراطية النظام السياسي.

ثمّ إن الجيل، كمتغير مستقل، يؤثر في تغيير الثقافة السياسية والتحول الديمقراطي والمشاركة السياسية واستقرار النظام، بل يمكن دراسة التنمية السياسية من خلاله. فالتغير الجيلي، وفقًا لمانهايم، يؤدي إلى حدوث تغييرات سياسية واجتماعية، وإن كان هو في الأصل ردة فعل، أو استجابة، للتغيرات المجتمعية؛ ولذلك عدّه بمنزلة نذير بعدم استمرارية العملية الاجتماعية أو تغييرها. ترتبط ظاهرة الحراك الجيلي السلمي بنوعية معيّنة من النظم السياسية هي الأنظمة الديمقراطية التي توفر آليات الحراك الجيلي وصعود قيادات جديدة عن طريق الانتخابات الحرة، بينما ترتبط أزمة الحراك الجيلي بالنظم السلطوية التي تقوم فيها عملية الإحلال بين الأجيال في النخبة السياسية الحاكمة عن طريق الوراثة أو الانقلابات العسكرية أو التدخل الخارجي، في حين تعاني النخبة السياسية المعارضة تكلسًا وجمودًا، وسيطرة جيل الشيوخ، وعدم إتاحة الفرصة للأجيال الشابة والوسيطة. وعلى الجانب الآخر، فإن حدوث الحراك الجيلي لا يعني بالضرورة بروز جيل أكثر ديمقراطية من الجيل الأكبر سنًا، فالثقافة السياسية العابرة للأجيال قد تكون أقوى وأشد وأرسخ، بحيث تنتقل بأمراضها وفيروساتها إلى الأجيال الجديدة؛ فلا يكون الحراك الجيلي إلّ تغييرًا في وجوهٍ وإحلال نخبةٍ محلَّ أخرى، أو تغييرَ وجوهٍ جديدة محل الوجوه القديمة، وليس تغييرًا في أنماط التفكير أو السياسات. وفي هذا الصدد تبرز أهمية القيم والاتجاهات السياسية التي تقوم النظم السياسية بترسيخها عبر وسائل التنشئة السياسية ومؤسساتها، فالقيم التي ترسخها النظم التسلطية والقومية في عقول النشء والأجيال المختلفة تجعلها تقاوم باستمرار أفكار التغيير والديمقراطية؛ مثلما حصل في المرحلة الناصرية، بينما كان الجيل السياسي الذي نشأ في العهد شبه الليبرالي الذي غُرست فيه قيم الحرية والممارسة السياسية التعددية، أكثر ميلً إلى عملية التحول الديمقراطي وأكثر قبولً بها. وتكمن الإشكالية في تكوين الرؤى والأفكار وصياغتها لدى الأجيال الجديدة، ومدى قدرتها على تحقيق الاتساق بين مكوناتٍ وقيمٍ واتجاهاتٍ متعددة في العقول والقلوب. فالقيم والاتجاهات الديمقراطية ليست منفصلة عن غيرها من القيم والأفكار الكبرى؛ من قبيل الحرية، والعدل، والاستقلال. وتختلف الوحدات الجيلية في ترتيب هذه القيم والأهداف وفقًا لسلّم معيّ من القيم، يختلف باختلاف الأيديولوجيات والسياق السياسي. فهناك من يرفع من أولوية قيم الحرية والليبرالية السياسية على ما عداها، ما يجعلها أقرب إلى وحدة الجيل الليبرالية داخل الجيل نفسه، ومن يرفع من أولوية قيم العدالة الاجتماعية وعدالة التوزيع يكون أكثر ارتباطًا بوحدات الجيل اليسارية، ومن يرفع من قيم الوطنية والاستقلال على ما عداها يعكس توجهات القسم القومي من الجيل السياسي، ومن يرفع من قضية الهوية والانتماء الديني يعبّ عن وحدات الجيل الإسلامية أو المسيحية أو اليهودية. وتزداد الإشكالية عمقًا عندما يبرز التضارب بين القيم الديمقراطية وقيم الاستقرار أو الاستقلال. فقيم الاستقرار والخوف على بقاء الدولة والمجتمع، تدفع بعض الفئات إلى التنازل عن قيم الحرية. وقيم الاستقلال ومواجهة الأعداء المتربصين تدفع بعض النظم إلى ادعاء أنّ الديمقراطية، أو الحرية، بابٌ يلج الأعداء من خلاله.

رابعًا: التنشئة والتجنيد السياسيان وأثرهما في الجيل السياسي

ترتبط عمليتَا التنشئة والتجنيد السياسيتيَن بعملية الحراك الجيلي في النظام السياسي والأحزاب، وتعتبر دراسة التنشئة السياسية من أهم المقاربات المفيدة في فهم الاستقرار أو التغيير السياسي؛ فالتنشئة السياسية هي عملية يتم من خلالها حفظ بقاء الثقافة السياسية أو تغييرها49. ويمكن النظر إلى الحركات والقوى السياسية بوصفها هيئة من هيئات التنشئة، ويمكن أن تقوم هذه الهيئات بغرس القيم الديمقراطية في المجتمع والدولة؛ وذلك من خلال إسهامها في عملية التنشئة السياسية، ومن خلال ممارسة الديمقراطية داخل الحزب50. وتختلف الوظائف والنشاطات لتلك القوى والحركات بحسب السياق السائد في الدول التي تعمل بها، كما تختلف وظائفها وفقًا للمجال الحضاري وموقعها من دول العالم على الخط المتصل بين الديمقراطية والشمولية؛ لذلك قد يكون من أهم الوظائف التي يفترض أن تقوم بها الحركات والأحزاب في مرحلة الانتقال والتحول الديمقراطي هي التنشئة السياسية، وتشجيع المشاركة السياسية وبث قيم الحرية51. ولكنّ خبرة تجربة ما بعد الربيع العربي تشير إلى أزمة في فهم المفهوم الديمقراطي نفسه وتفسيره، فقد غاب التوافق حول المضمون، ومال كل طرف إلى تفسير الديمقراطية وقيمها وفقًا لما يخدم هدفه في الوصول إلى السلطة، حتى لو كان ذلك على حساب "جثة" الديمقراطية.

  1. عبد السلام نوير، المعلمون والسياسة في مصر (القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 001)2، ص.34
  2. عبد المنعم المشاط، التربية والسياسة (القاهرة: دار سعاد الصباح، 992)1، ص.119-118
  3. محمد سعد أبو عامود، "الأحزاب بين الدول المتقدمة والنامية"، مجلة الديمقراطية، القاهرة، العدد 4 (خريف 001)2، ص.43-40

وعمومًا، تشير خبرة النظم الحزبية في الدول النامية إلى سيادة نمط التعبئة، إذ يتمّ تشجيع المشاركة السياسية، ولكنْ يكون هذا التشجيع بمفهوم التعبئة الجماهيرية، وليس بمعنى الإسهام والمشاركة في وضع السياسات العامة. إذ تسعى القيادة السياسية لحشد الجماهير وتعبئتهم خلف النظام؛ من أجل إضفاء الشرعية عليه52. وقد أعطيت هذه الوظيفة الأولوية من بين كثير من الوظائف الأخرى، بل أنشأت النظم السياسية أحزابها الخاصة للقيام بهذه المهمة أساسًا54. أما التجنيد السياسي، فهو تلك الوظيفة التي يتمّ من خلالها شغل المناصب والأدوار في النظام السياسي55. فالمفهوم يشير إلى شغل المناصب والمواقع السياسية الرسمية، كما يشير إلى الأدوار التي يؤديها أفراد ليسوا بالضرورة في مواقع رسمية؛ من قبيل النشاطات السياسية والحزبية56. وتميل مختلف النظم السياسية إلى وضع برامج خاصة لتنشئة الأفراد المؤهلين أو المرشحين لتولي وظائف سياسية عليا، تقوم بها مؤسسات تعليمية خاصة في الدول الغربية، أو يقوم بذلك الحزب عبر المعاهد والمدارس الملحقة به في دول الحزب الواحد. كما تقوم بهذه الوظيفة دول العالم الثالث، إما داخل منشآتها التعليمية، وإما من خلال إرسال أبنائها إلى الخارج للدراسة في المدارس والمعاهد الخاصة بإعداد النخبة57. وقد يكون التجنيد لشغل الأدوار السياسية على أسس ومعايير عامة أو خاصة. فالاختيار على أساس الانتخاب أو القدرة والأداء هي معايير عامة، أما التجنيد على أساس القبيلة أو الجماعة العرقية فهو من المعايير الخاصة. ولا يمكن الفصل بين وظيفتَي التجنيد السياسي والتنشئة السياسية، فالتجنيد من شريحة أو طائفة أو طبقة معيّنة يعني شغل الأدوار السياسية بأناس لديهم ميول واتجاهات وقيم ومصالح معيّنة، وتكون لهذه الخلفيات آثار مهمة في أدائهم أدوارهم المختلفة؛ ذلك أنّ إعادة تنشئتهم على قيم واتجاهات ومهارات جديدة ما إن يشغلوا وظائفهم أمر مهم. والطرق التي بمقتضاها يجري تجنيد الأفراد للأدوار السياسية سوف تؤثر في قدرات النظام السياسي. فالموظفون الإداريون الذين يتمّ اختيارهم على أساس معيار الأداء يكونون أكثر فاعلية وكفاءة في القيام بالوظائف المتخصصة58. ويُعد التعليم أداة للحراك الجيلي، ومصدرًا للتجنيد السياسي؛ فطلاب الجامعات، سواء كانوا من ناشطي الحركات السياسية أو من الأكاديميين، كثيرًا ما يصبحون أعضاءً في النخبة السياسية. وتتأثر عملية التجنيد السياسي بطبيعة التنظيمات السياسية وتؤثر فيها في الوقت نفسه. وإذا كان أبرز وظائف الأحزاب السياسية أن تعمل قنوات لتجنيد القيادات، فإن دراسة عملية التجنيد السياسي في الأحزاب السياسية تزود الباحثين برؤية استشرافية وتبصّ بأنواع الأحزاب وتكوينها السياسي والأيديولوجي. وتؤثر عملية التجنيد السياسي في تطور الأحزاب السياسية، على سبيل المثال. فالأحزاب التي تختار مرشحيها ممن يمتازون بمهارات سياسية متميزة - من أجل زيادة الأصوات التي تحصل عليها - تعرّض وحدة الحزب الأيديولوجية ووحدة برنامجه السياسي للضعف؛ نظرًا إلى تجنيد أشخاص في الحزب أقل التزامًا من الناحية الأيديولوجية59.

وتتأثر عملية التجنيد السياسي بطبيعة التنظيمات السياسية. ومن هذا المنظور، يؤدي اختلاف الأنماط التنظيمية المؤسسية للأحزاب إلى اختلاف أنماط تجنيد المرشحين. وقد قام ليون إبستاين بالتمييز بين الحركات السياسية التي تركز على سياسات الهوية والحركات السياسية التي تركز على سياسات القوة. فالأولى ترى دورها أداةً للتغيير الثقافي والأيديولوجي؛ لهذا تكون حذرة فيما يتعلق بالتجنيد، وذلك مثل أحزاب البرامج التي لا تكترث كثيرًا بالسعي نحو السلطة السياسية، ولا ترغب في تغيير هوية الحركة وفقًا لحسابات التصويت، ولكنها تعتبر الفوز في الانتخابات وسيلة لتطبيق برنامجها، وذلك في مقابل أحزاب الانتخابات التي تعرض برنامجها من أجل أن تفوز بالانتخابات.

  1. حمدي عبد الرحمن، "النظم الحزبية والمشاركة السياسية"، 52 مجلة الديمقراطية، القاهرة، العدد 4 (خريف 001)2، ص.33 53 أبو عامود، ص.42
  2. Gabriel A. Almond & G. Bingham Powell, Comparative Politics: A Developmental Approach (New York: Little, Brown & Co, 1966), p. 47.
  3. علي الدين هلال وآخرون، معجم المصطلحات السياسية (القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، 994)1، ص.184
  4. عائشة محمد خالد الفلاحي، "التنشئة السياسية في دولة الإمارات العربية المتحدة"، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، مصر، 1991، ص.27
  5. Almond & Powell, pp. 47-49.
  6. John Ishiyama, "Candidate Recruitment, Party Organisation and the Communist Successor Parties: The Cases of the MSzP, the KPRF and the LDDP," Europe-Asia Studies , vol. 52, no. 5 (July 2000), p. 1.
  7. Leon Epstein, Political Parties in Western Democracies (New York: Frederick A. Praeger, 1967).

وفي هذا السياق، يمكن القول إن هوية جيل الثورات العربية تتحرك في إطار المتغيرات والمستجدات التكنولوجية والثقافية والتطورات الاجتماعية والسياسية، وهي تشكّل تنوعًا داخل الهوية العامة ولا تتناقض معها بالضرورة في كل الأوقات. فهذه الهوية الجيلية ترتبط بحدوث خلخلة في منظومة القيم السياسية والاجتماعية السائدة بسبب طبيعة التغيرات الثورية غير المسبوقة التي تمرُّ بها الأمة. وهنا تتمايز القيم والاتجاهات السياسية والاجتماعية بحيث يترسخ منها الأصيل القادر على التجدد والتعايش مع المستجدات، ويتراجع منها الجامد المتكلس الذي لا يتعايش مع روح العصر. ومن الجدير بالذكر أنّ هناك منظومات قيمية وأنماطًا من السلوك التي تستقر فترات طويلة في إطار الثقافة السياسية القائمة، ولكنها ليست من الأصول، أو يتغير مضمونها بتغير الظروف والمكان. ومن ذلك قيم الطاعة والتدين واحترام السلطة وعدم مقارعة الظلم خشية الفتنة والتمسك بشكلٍ وأنماطٍ معيّنة من الهوية. فهذه القيم تكون فعالة وجيّدة طالما أنها تظهر في سياق مستقر، يحقق أهدافه بكفاءة وفاعلية، ولكنها تكتسب مضمونًا سلبيًا وضارًا حينما يكون السياق الذي تمر به الأمة هو التحرر والتجديد الحضاري والسياسي، فالطاعة المطلقة قد تؤدي إلى الالتزام بقراراتٍ وقياداتٍ غير موفقة، والتمسك بأنماط التدين الشكلي والمظهري قد يتحول إلى عائق أمام مقاصد الدين العليا في التحرر وحماية حق الاختيار والمعارضة، وخصوصًا عندما يلجأ الحكام إلى ادعاء التدين والحرص المظهري والشكلي على رعاية المساجد والشيوخ؛ طالما لا تخلق روحَ تجددٍ وإصلاحٍ وتثوير في المجتمع. وإنّ احترام السلطة والشيوخ في إطار الحركات السياسية قد يرتبط بنوع من الاستمرارية والاستقرار القائم على الجمود، ولكنه لا يمكّن الحركات من التجدد والتطور والتفاعل مع مستجدات العصر ومتغيراته وأدواته بفكر وروح جديدَين قادرَين على مغالبة السنن الكونية والاجتماعية وتوجيهها، على نحو يحقق المقاصد العامة وروح الشريعة ومبادئها وأحكامها. ويمكن القول إن معادلات وتوازنات محددة تستقر في النظم السياسية، فتخلق بدورها أنماطًا سلوكية وقيمً واتجاهات يقدسها الجميع؛ سواء كان ذلك في السلطة أو في المعارضة. ومن تلك القواعد التي تستقر: ضرورة الالتزام بالقواعد القانونية وعدم تحديها أو إظهار معارضتها ورفضها على نحو صريح، وعدم التظاهر والاحتجاج في الشوارع والميادين لأنّ التجارب السابقة تبرز مخاطر ذلك والتعرض للقمع، والخضوع لأشكال معيّنة من عمليات التنشئة والتوعية التقليدية المرتبطة بالكتاب والمذياع والحلقات التنظيمية، ورفض الثورة والتغيير الشامل والعنيف والجذري لأنه يؤدي إلى فوضى، وربما إلى انهيار الدول واستغلال القوى الخارجية حالة الانقسام الاجتماعي. ولكن تدريجيًا أو دراماتيكيًا، تبدأ هذه المعادلات والقواعد في التآكل بفعل عمليات التحول الاجتماعي والاقتصادي السريعة التي تؤدي إلى تراجع تدريجي أو سريع، ويكون الشباب والأجيال الجديدة الأقدر على إدراك هذه التغيرات؛ وليس ذلك لأنهم جزء من هذه التحولات والتغييرات نفسها فحسب، بل لأنهم الأقدر على استيعابها ودمجها في إطار حراك ورؤى سياسية جديدة أيضًا.

خاتمة

ناقش الفصل المفاهيم والمقولات المرتبطة بقضية الحراك الجيلي وسياقات الانتقال السياسي على ثلاثة مستويات أساسية؛ أولها مفهوم الجيل السياسي مقارنةً بغيره من المفاهيم، مثل الجيل الديموغرافي أو السلالي أو التاريخي، وثانيها ديناميات التغيير والاستمرار في الحركات السياسية والاجتماعية، وثالثها مقولات أساسية حول الجيل والتغيير الاجتماعي والانتقال الديمقراطي.

يعدّ جيل ثورات الربيع العربي جيلً متمايزًا له خصوصية ووضعية اجتماعية متجانسة لأفراد في مراحل سِنّية معيّنة، عاصروا تغيرات وأحداثًا تاريخية كبرى تؤدي إلى تشكيل وعيهم السياسي بطريقة معيّنة مختلفة عن الأجيال السابقة واللاحقة، وتتشكل هوية الجيل السياسي وفقًا للحدث المؤسس، ما يخلق خصائص متميزة وهوية سياسية فريدة للجيل السياسي نفسه. وبناءً عليه تكون تصرفات أبناء هذا الجيل السياسي نابعة من طبيعة هذا الوعي وتلك الهوية التي تكتسب جوانب استمرارية مستقرة عبر الزمن مع إمكان بروز كثير من جوانب التغيير في الفكر أو السلوك السياسي في فترات لاحقة. وعلى الرغم من وجود الهوية الجيلية لجيل ثورات الربيع العربي، فإنه يضم وحدات جيلية متعددة منقسمة على أساس أيديولوجي،

فبعضها يكون أكثر محافظة، وبعضها يكون أكثر يسارية، وبعضها سلطوي وبعضها أكثر ديمقراطية. كما تختلف العلاقة بين تلك الوحدات الجيلية بحسب السياق السياسي، فقد تميل إلى التعاون أو الصراع مع بعضها، في أحداث ومواقف معيّنة، كما قد تكون علاقتها الأفقية داخل الجيل نفسه أقوى من علاقتها داخل الجيل الأكبر سنًا في الحركة نفسها، أو التيار السياسي، أو قد يحدث العكس وفقًا للأحداث والمتغيرات السياسية. وفي القسم الثاني، قمنا بمناقشة الافتراضات الأساسية حول أثر المتغير الجيلي في قضايا الاستمرارية والتغيير في الحركات الاجتماعية والسياسية؛ إذ برزت طبيعة الهوية الجيلية التي تدفع إلى الممارسة أو تأسيس حركات اجتماعية أو سياسية ذات أيديولوجيات ورؤى فكرية مختلفة عن الحركات والأحزاب السياسية القائمة، واتضح أنّ الهوية الجيلية تساهم في تحقيق الاستمرارية والاستقرار الداخلي؛ بحيث تحتفظ الأجيال الأكبر سنًا بالذاكرة التاريخية المؤسسية للحركة، وأنّ الحركات الاجتماعية تشهد تغيرات فكرية وسياسية بانضمام زمر أو فئات جيلية ذات هوية جديدة أو مختلفة؛ وذلك من خلال عمليات الإحلال أو الحراك الجيلي التي تؤدي إلى تغييرات في القيادة والتنظيم والرؤى السياسية والفكرية. وفي القسم الأخير، نوقشت التفاعلات المتبادلة بين المتغير الجيلي والسياق الانتقالي السياسي وعملية التحول الديمقراطي، وأكدت أن الجيل السياسي، باعتباره متغيرًا مستقلً، يمكن أن يؤدي إلى تغييرات في الثقافة السياسية والمشاركة السياسية، بل يمكن دراسة التنمية السياسية والتحول الديمقراطي من خلاله. فالمتغير الجيلي يساهم في حدوث تغييرات سياسية واجتماعية كبرى، وإن كان، في الأصل، ردة فعل أو استجابة للتغييرات المجتمعية والأحداث التأسيسية التي تخلق وعيًا وهوية خاصة بالجيل السياسي؛ ولذلك يمكن اعتبار ظهوره مؤشرًا مهمً دالً على عدم قدرة النظام على الاستمرار، أو اختلال في أدائه على الأقل. ومن الجدير بالذكر أن ظهور الجيل السياسي وحدوث الحراك الجيلي لا يعنيان بالضرورة بروز جيل أكثر ديمقراطية؛ ذلك أنّ الثقافة السياسية العابرة للأجيال قد تكون أقوى وأرسخ، بحيث تنتقل بأمراضها وفيروساتها إلى الأجيال الجديدة، فيؤدي الحراك الجيلي إلى تغيير في الوجوه والأشخاص فحسب، بإحلال أشخاص أو حتى نخبة محل أخرى، من دون تغيير في رؤى العالم وأنماط التفكير أو حتى السياسات، بل قد تقوم النظم السياسية التي تأتي عبر الثورات والانقلابات بعد مرحلة شبه ليبرالية أو ديمقراطية بخلق أنماط من الثقافة والقيم السياسية المعادية للديمقراطية والداعمة للسلطوية وترسيخها.

المراجع

العربية

أبو عامود، محمد سعد. "الأحزاب بين الدول المتقدمة والنامية." مجلة الديمقراطية. القاهرة. العدد 4 (خريف 2).001 ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. المقدمة. تونس: الدار التونسية للنشر،.1984 الزيدي، المنجي. "أهمية مفهوم الجيل في دراسة قضايا الشباب العربي." مجلة إضافات. الجمعية العربية لعلم الاجتماع. العدد 3 (كانون الثاني/ يناير.)2001 عبد الحي، أحمد تهامي. حراك الأجيال السياسية في مصر. القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية،.2009 عبد الرحمن، حمدي. "النظم الحزبية والمشاركة السياسية." مجلة الديمقراطية. القاهرة. العدد 4 (خريف 2).001 عبد العاطي، السيد. صراع الأجيال: دراسة في ثقافة الشباب. ا لإسكندرية: دار المعرفة الجامعية،.1987 الفلاحي، عائشة محمد خالد. "التنشئة السياسية في دولة الإمارات العربية المتحدة." رسالة ماجستير غير منشورة. كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. جامعة القاهرة. مصر،.1991 كوهين، ألين س. وسوزان أ. وايت وشريف بهلول. "آثار التنشئة القانونية علي التحول نحو الديمقراطية." المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية (اليونسكو). العدد (52 حزيران/ يونيو 1).997 1 المشاط، عبد المنعم. التربية والسياسة. القاهرة: دار سعاد الصباح،.1992 نوير، عبد السلام. المعلمون والسياسة في مصر. القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية،.2001 هلال، علي الدين وآخرون. معجم المصطلحات السياسية. القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية،.1994

الأجنبية

Almond, Gabriel A. & G. Bingham Powell. Comparative Politics: a Developmental Approach. New York: Little, Brown & Co, 1966.

Bayat, Asef. Life as Politics: How Ordinary People Change the Middle East. Stanford: Stanford University Press, 2009. Braungart, Richard G. & Margaret M. Braungart. "Life- Course and Generational Politics." Annual Review of Sociology. vol. 12. no. 1 (1986). Chauvel, Louis. "Social Generations, Life Chances and Welfare States." paper presented at conference on "Transforming the Democratic Balance among State, Market and Society: Comparative Perspective on France and the Developed democracies." Minda de Gunzburg Center for European Studies. Harvard University, May

Cherrington, Ruth. "Generational Issues in China: A Case Study of 1980 Generation of Young Intellectuals." The British Journal of Sociology. vol. 48. no. 2 (June 1997). DeMartini, Joseph R. "Change Agents and Generational Relationships: A Reevaluation of Mannheim's Problem of Generations." Social Forces. vol. 64. no. 1 (1985). Epstein , Leon. Political Parties in Western Democracies. New York: Frederick A. Praeger, 1967. Esler, Anthony. The Youth Revolution: The Conflict of Generation in Modern History. Washington, D.C.: Heath & Company, 1974. Feuer, Lewis S. The Conflict of Generations: The Character and Significance of Student Movement. London: Heinemann, 1969. Giles, Cynthia Hicks. "Benefits of State Youth Council Membership as Perceived by Adult Advisors of North Carolina Youth Councils." Master Thesis. North Carolina State University. USA, 2008. Greider, William. Who Will Tell the People: The Betrayal of American Democracy. New York: Touchstone, 1992. Ishiyama, John. "Candidate Recruitment, Party Organisation and the Communist Successor Parties: The Cases of the MSzP, the KPRF and the LDDP." Europe- Asia Studies. vol. 52. no. 5 (July 2000). Jennings, M. Kent. "Residues of a Movement: The Aging of the American Protest Generation." American Political Science Review. vol. 81. no. 2 (June 1987). Kayode, Adeyemo Lateef. "Youth Activism, Social Media and Nation Building." paper presented at IIUM graduate conference on youth activism. Malaysia, 15 April 2011. McNeil, Kenneth & James D. Thompson. "The Regeneration of Social Organizations." American Sociological Review. vol. 36. no. 4 (1971). Neumann, Sigmund. "The Conflict of Generations in Contemporary Europe from Versailles to Munich." Vital Speeches of the Day. vol. 5. no. 20 (August 1939). Rintala, Marvin. The Constitution of Silence: Essays on Generational Themes. Westport: Praeger, 1979. Schneider, Beth. "Political Generations in the Contemporary Women's Movement." Sociological Inquiry. vol. 58. no. 1 (1988). Taylor, Verta. "Social Movement Continuity: The Women's Movement in Abeyance." American Sociological Review. vol. 54. no. 5 (1989). Walsh, James P. & Gerardo Rivera Ungson. "Organizational Memory." Academy of Management Review. vol. 16. no. 1 (1991). Whittier, Nancy. "Political Generation, Micro-Cohorts, and the Transformation of Social Movement." American Sociological Review. vol. 62. no. 5 (October 1997). Y. Casset, Jose Ortega. Man and Crisis. Mildred Adams (trad.). New York: W. W. Norton & Company, 1958.