الشباب والثورة: هل تصلح المقاربة الجيلية أساسًا لقراءة الثورة التونسية؟

Chaker Houki شاكر الحوكي |

الملخّص

تفرز قراءة الثورة التونسية انطلاق ا من المقاربة الجيلية أربعة أسئلة رئيسة. يتعلق السؤالان الأول والثاني بصعوبة العثور على الوعي الجيلي والسياسي لدى الشباب التونسي وأساسً ا قبل الثورة. أمّا السؤالان الثالث والرابع فيتعلقان بالمقاربة الجيلية نفسها التي تعاني الهشاشة في مفاهيمها وضعف ا في الإحاطة بكل الظواهر الاجتماعية المستجدة. هل يعني ذلك أن هذه المقاربة لا تصلح لمقاربة الثورة التونسية مقاربة تامة وأن الثورة التونسية عصية على مقاربتها مقاربة جيلية؟ تسعى هذه الدراسة لتبيان أنه بقدر غياب الشروط الأساسية لمقاربة الثورة التونسية جيليًا، وبقدر النقد الموجه إلى هذه المقاربة، يبدو المجال فسيحًا للعثور ليس فقط على التفاع تاا الممكنة بين الثورة التونسية وًالمقاربة الجيلية، ولكن أيض ا لفهمٍ أفضل لمجمل التحولات الكبرى التي تعيشها تونس. كلمات مفتاحية: الشباب، الثورة التونسية، المقاربة الجيلية. Any attempts to interpret the Tunisian Revolution of 2011 through the prism of generational shifts raises four major questions. The first two concern the difficulty of attributing to young Tunisians any kind of generational or political consciousness, particularly before the outbreak of the revolution in 2011. The third and fourth questions relate to the concept of the "Generational Theory" itself and its ability (or otherwise) to explain a wide spectrum of social factors. Can the demographic approach sufficiently describe the Tunisian Revolution of 2011? This paper will demonstrate that a demographic approach can illuminate not only an understanding of the Tunisian Revolution, but also of the wider social and political changes which have shaped the country in recent times. Keywords: Youth, Tunisian Revolution, Generational Theory.

Does Generational Theory Provide an Explanation for the Tunisian Revolution?

"كل ثورة دليل حيوية. والشباب هو الجزء الحيوي في الجسم.[...] وقلَمّا تكون هناك ثورة شيوخ.[...]والفرق بين 'الثورة' و'الهوجة' هو أن 'الهوجة' تقتلع الصالح والطالح معًا.[...]أما 'الثورة' فهي تُبقي النافع، وتستمد منه القوة، بل وتصدر عنه أحيانًا.[...]ولكن المسألة ليست دائمًا بهذه البساطة، فالثورة والهوجة تختلطان أحيانًا....[و] الثورة كي تؤكد ذاتها وتثبِّت أقدامها تلجأ إلى عنف الهوجة لاقتلاع كل ما كان قبلها، وتجعل بداية كل خير هو بدايتها، وتاريخ كل شيء هو تاريخها." توفيق الحكيم1.

مقدمة

يولّد تناول المسألة الشبابية في علاقتها بالثورة التونسية إحراجًا قد يصعب تجاوزه؛ فإما أن نكون إلى جانب فئة الشباب وتأكيد دورها فيها، ومن ثم الانزلاق نحو خطاب تمجيدي يضخِّم بطولاتها المزعومة. وإما أن ننخرط في قراءة نقدية لهذا الدور؛ فنتورط في موقف معادٍ لها، بل قد نتورط في قراءة بائسة تحاول أن تنسب الثورة إلى غير من قام بها، أو حتى إنكارها هي ذاتها. تتضح علاقة الشباب بالثورة بالقراءات السياسية – وهي قراءات متوترة - على أكثر من صعيد: فمَن يحاول أن ينكر على الشباب دورهم في الثورة، يبدو كأنه يحاول "سرقة" شيء لم يسهم فيه. ومن يلح في أنها ثورة الشباب بلا تحفظ، فإنما يحاول أيضًا، ولو بطريقة مختلفة، الالتفاف عليها من خلال إقصاء أي دور للفاعلين فيها. ولا يتعلق الأمر بمحاولة إقصاء الخصوم السياسيين والاجتماعيين فقط، ولكنه يتجاوز ذلك إلى الرغبة في الحلول محل الشباب أنفسهم؛ فالزعم أنها ثورة الشباب، بينما لا يستطيع الشباب ترجمتها سياسيًّا واجتماعيًّا بما يخدم مطالبهم، يعني أن السياسي هو من سيتعهد تلقائيًّا بتنفيذ هذه المهمة، وكأن في الأفق تفويضًا ضمنيًّا متروكًا لمن يتلقفه. وتأكيد أن الثورة "ثورة الشباب" فيه أيضًا نوع من الاستخفاف بالشباب، بوصفهم عنوان التهور والخفة، بل ربط ما حدث بالوهم؛ ذلك أن الشباب حالة عابرة في حياة الإنسان، ولا يمكن أن تترتب عليها استحقاقات ثابتة للأشخاص أنفسهم الذين شاركوا في الاحتجاجات. وهكذا، فإن محاولة استنطاق المسكوت عنه في علاقة الشباب بالثورة، وتفكيك الملتبس منها ضمن مقاربة علمية، تبدو أسلم طريق لملامسة الموضوع، بعيدًا عن متاهات الانزلاق في التوظيف السياسي، فنسأل: بأي معنى شارك الشباب في الثورة؟ وهل كانت الثورة التونسية ترجمة فعلية لوعي جيلي وسياسي حقيقي؟ وهنا، تُطرح المقاربة الجيلية بإلحاح؛ ليس فقط لأنها تقوم على الربط بين الجيل والمتغيرات السياسية، ولكن لأن الثورة التي حدثت في تونس تمنحنا فرصة نادرة لدراسة هذه العلاقة بينهما. وهنا يبرز الدور الحاسم الذي اضطلع به كارل مانهايم2 في تطوير الدراسات الجيلية، ولا سيما فيما يتعلق بالتنظير للعلاقة بين الجيل والتغيير الاجتماعي3؛ إذ يعود له الفضل، هو وفرنسوا مونتري4، وخوسيه أورتيغا إي غاسيت5 في وضع أسس النظرية الجيلية ومبادئها6. وهذه الأسس والمبادئ تبقى معتمدة حتى الآن7، وخصوصًا فيما يتعلق بطبيعة الصراع الذي طبع هذه النظرية بطابعه ومختلف أشكاله: صراع بين الأجيال، يرفض فيه جيل الشباب سلطة الكبار، وصراع داخل الجيل نفسه، بفعل الاختلاف الذي يحصل في الرؤى والتصورات8. والثابت أن هناك إسهامات عديدة كان من شأنها تعزيز هذه النظرية وإثراؤها؛ لعل من أهمها دراسة مارغريت وريتشارد برونغارت حول تعريف "الأجيال السياسية"9، وهي أهم الإضافات التي جادت بها العلوم السياسية.

  1. توفيق الحكيم، ثورة الشباب (القاهرة: دار مصر للطباعة، 988)1، ص -11.12 لعلنا كنا مضطرين إلى هذا الاقتباس الافتتاحي من توفيق الحكيم لنسوق ملحوظة أساسية منذ البداية، وهي أن هذا البحث لا يطمح إلى التشكيك في مشاركة الشباب في الاحتجاجات التي سبقت الثورة، ولكن من الضروري التفريق بين الحراك الاحتجاجي الذي شارك فيه الشباب بكثافة، والحراك الثوري الذي يشمل الاحتجاجات ويتجاوزها؛ فالاحتجاجات جزء من الثورة وليست كل الثورة. كذلك، وجب التفريق بين الشباب ومشاركته ضمن أفق جيلي يملك تصورًا ورؤية للعالم ووعيًا ذاتيًّا بنفسه، والشباب بوصفه معطى موضوعيًّا لا أكثر. هل تنبغي الإشارة أيضًا إلى أن طموح البحث ليس التشكيك في الثورة أبدًا، وإنما هو الانخراط في ديناميكيتها
  2. Margaret Braungart & Richard Braungart, "Les générations politiques," in: Jean Crête & Pierre Favre (dir.),  Générations en politique  (Paris and Laval: Economica/ PUL, 1989), p. 14.
  3. François Mentré, Les générations sociales (Paris: Bossard, 1920).
  4. José Ortega y Gasset, Le thème de notre temps (Sainte-Foy: Le griffon d'argile, 1926).
  5. Braungart & Braungart, pp. 13-14.
  6. Magali Boumaza & Jean François Havard, "Générations politiques: Regards comparés. Avant-propos au thème," Revue internationale de politique comparée , vol. 16, no. 2 (2009), p. 183; Claudine Attias-donfut, "La notion de génération: Usages sociaux et concept sociologique," L'Homme et la société , no. 9 (1988), pp. 36-50.
  7. Mannheim, "The Problem of Generations," p. 292. 9  Braungart & Braungart, pp. 29-31.
  8. وتفكيك مسارها؟

لكن، إلى أي حد يمكن اعتبار المقاربة الجيلية المقاربة المثلى لتفسير اندلاع الثورة؟ تلك هي الإشكالية التي سنحاول الإجابة عنها، منطلقين من فرضية التشكيك في قدرتها على أن تكون أساسًا لقراءة الثورة التونسية، وذلك ضمن أفق منهجي يزاوج بين الوصفي والتحليلي والنقدي من جهة، والسوسيولوجي المرتكز على المعاينة الذاتية المستندة بدورها إلى كثير من الدراسات الإحصائية والميدانية من جهة أخرى. ولحل الإشكالية المطروحة، سنقسِّم هذه الدراسة إلى جزأين: جزء أول نبيِّ فيه كيفية إفلات الثورة التونسية من أهم محددات المقاربة الجيلية؛ وجزء ثانٍ نوضح فيه عجز المقاربة الجيلية عن مقاربة الثورة التونسية.

أولا: إفلات الثورة التونسية من أهم محددات المقاربة الجيلية

هل يمكن تنزيل المقاربة الجيلية على الثورة التونسية؟ يبدو أن جملة الخصوصيات التي ميزت الثورة التونسية تجعلها تُفلت جزئيًّا أو كليًّا بحسب المرحلة من أن تكون مشمولة بشروطها أو مستجيبة لعناصرها.

1. إفلات شبه كلي قبل الثورة

فتح خروج الشباب إلى الشوارع، وتزامُن ذلك مع هروب الطاغية، زين العابدين بن علي، إلى المملكة العربية السعودية، الباب على مصراعيه لمقاربة الأحداث من زاوية نظر جيلية10، واعتبار هذا الخروج تتويجًا لمسار النضالات المتلاحقة الذي سلكته الأجيال السابقة بغية تحقيق الحرية والكرامة. لكن المقاربة الجيلية تبدو أشدّ تعقيدًا وأعمق من هذه القراءة السطحية؛ ذلك أنها تقوم على جملة من الوحدات المتداخلة التي يصعب فصل بعضها عن بعض، ولكن يمكن حصرها، عمومًا، في الحدث التاريخي، والجيل السياسي، والتحرك، والوعي الجيلي. وكان كارل مانهايم قد ربط منذ البداية بين الوعي الجيلي وبروز الحركات الجيلية11. وتواصل الأمر مع رودلف هابرلي الذي أكد، في إطار محاولته تطوير نظرية مانهايم، أن الوعي الجيلي هو الذي يسمح بتحرك الجيل السياسي12. وعلى الرغم من أن بعض هذه العناصر لا يمكن إنكار وجودها في الثورة التونسية (الحدث السياسي، والتحرك الشبابي)، فإن مسألة الوعي الجيلي أو الوعي السياسي تبدو من المفاهيم الغائبة التي يصعب العثور عليها في الحالة التونسية، علمً أن جل الدراسات الجيلية تؤكد أهمية الوعي الذاتي في صفوف أفراد الجيل الواحد، وأن كلمة "جيل" "ليست تجميعًا لأفراد وُلدوا في الحقبة الزمنية نفسها، بل إنهم مجموعة من الفاعلين الاجتماعيين الواعين الذين يملكون القدرة على الإدراك والتصرف وفقًا لفلسفة حية أو نظرة مشتركة للعالم"13. وعادة ما يُعرَّف الجيل السياسي في الدراسات الجيلية بأنه الفئة العمرية التي تنفرد بوعي أفرادها في لحظة زمنية استثنائية بالتغيير الاجتماعي والسياسي14، بل التحاقهم بدوائر النضال والنشاط فيها ضمن منظمات مدنية أو تشكُلّات سياسية15. أما الوعي الجيلي، فهو ذلك الإحساس الذي يتشكل بفعل العلاقات الاجتماعية التي تنشأ بين مجموعة من الأفراد المتقاربين عمريًّا الذين تُوحِّدهم قيم مشتركة، ويكون هدفهم خلق وضعيات سياسية جديدة؛ فالوعي الجيلي يكاد يكون حينئذ شرطًا للوعي السياسي، وهو ما يعني بدوره أن الجيل يستطيع أن يوجد في ذاته، من دون أن يتحوَّل بالضرورة إلى فاعل سياسي إذا لم ينتظم اجتماعيًّا، وإذا أصبح قائمًا لذاته؛ وهو الأمر الذي حصل مع جيل الستينيات لتمثُّله الواعي لهموم الشباب في كل أنحاء العالم، وطموحهم المعلن نحو التغيير الاجتماعي والسياسي. غير أن تتبُّع يوميات الثورة التونسية يضعنا أمام حقيقة أخرى؛ فحجم الخراب الذي لحق بالمِلك العام، وحتى الخاص، فضلً عن النهب الذي شمل الفضاءات العمومية، يدلان على أن المشاركة الشبابية في هذه الثورة، لم تكن واعية، ولم تحمل مشروعًا سياسيًّا محددًا، وإن أربكت القيادة السياسية آنذاك. وهذا ما يدعونا إلى التساؤل عن حقيقة الوعي الجيلي لدى الشباب المشاركين في الاحتجاجات. وهنا، وجب ألّ نطمئن كثيرًا إلى شعار "خبز، حرية، كرامة وطنية" الذي التقطته النخبة بسرعة، وجعلته العنوان الأبرز للثورة؛ فالشعارات التي رُفِعت آنذاك كانت من كل لون وطعم.

  1. محمد علي بن زينة، "جيل الثورة: قراءة سوسيوديمغرافية في تحولات واقع الشباب في سيدي بوزيد والقصرين ودورها في قيام الثورة التونسية"، في مجموعة مؤلفين، الثورة التونسية: القادح المحلي تحت مجهر العلوم الإنسانية (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 014)2، ص.180-147
  2. Magali Boumaza, "Les générations politiques au prisme de la comparaison," Revue internationale de politique comparée , vol. 16, no. 2 (2009), p.192.
  3. Rudolf Heberle, Social Movements: An Introduction to Political Sociology (New York: Appleton Century-Crofts, 1951); Boumaza, p. 192, 194.
  4. David Knoke, "Conceptual and Measurement Aspects in the Study of Political Generations," Journal of Political and Military Sociology , no. 12 (1984), pp. 101-201; محمد فريد عزي، "الأجيال والقيم: مقاربة للتغير الاجتماعي والسياسي في الجزائر"، أطروحة دكتوراه دولة في علم الاجتماع السياسي، جامعة وهران، وهران - الجزائر 0082، ص.49
  5. Braungart & Braungart, p. 9.
  6. Olivier Fillieule (dir.),  Le désengagement militant (Paris: Belin, 2005), note 10 à l'avant-propos, p. 252; Olivier Fillieule, "Propositions pour une analyse processuelle de l'engagement individuel," Revue française de science politique , vol. 51, no. 1-2 (2001), pp. 199-217.

والسؤال المطروح: هل يكفي الاحتجاج حتى يتحول الشباب المحتجون إلى جيل سياسي؟ هذا السؤال طرحته بينيديكت ريكابي من قبل في دراستها التجربتين المكسيكية والمجرية، وانتهت إلى أن الفعل الاحتجاجي لا يمكن أن يتحول إلى فعل سياسي، والجيل الاحتجاجي إلى جيل سياسي، إلا إذا توافرت شروط محددة16، وهي شروط تبدو غائبة في الحالة التونسية؛ ذلك أن التحركات التي شارك فيها الشباب على نحو عفوي ومكثف انحصرت في الأحياء الشعبية، وذلك خلافًا لغيرها من التظاهرات المؤطرة التي كانت تخرج بالأساس من أمام المقرات الجهوية للاتحاد العام التونسي للشغل17. كما أن تسارع الأحداث طوال فترات الاحتجاج حرم الشباب من أن يدخلوا في علاقات بينية تفاعلية من أجل تحقيق التغيير المنشود وإدراك أنفسهم إدراكًا واعيًا، بوصفهم وحدة أو وحدات جيلية. أما الحشد الضخم الذي اجتمع أمام وزارة الداخلية يوم 14 كانون الثاني/ يناير 0112، فلم يكن حشدًا شبابيًّا خالصًا، ولم يكن يعكس رغبة فعلية في المشاركة بقدر ما كان يعكس دوافع متعددة؛ فمنهم من كان معنيًّا بالشأن العام، وكان يرغب في الاحتجاج؛ ومنهم من وجد نفسه هناك صدفةً، أو شارك من باب الفضول والاستطلاع. وقد بيَّ أمين علال، من خلال المقابلات التي أجراها مع بعض المشاركين في تلك الاحتجاجات، أن مشاركتهم كانت تعود في أحيان كثيرة إلى أسباب نفسية واجتماعية معقَّدة جدًّا، ولا يمكن حصرها في إعلان الرغبة في إطاحة نظام بن علي18. ونحن نتساءل: هل كان لهذا الحشد أن يحصل لولا موافقة السلطة السياسية آنذاك عليه؟ ألم يكن بن علي هو من سمح في خطابه الأخير (بتاريخ 13 كانون الثاني/ يناير 011)2 قبل أن يرحل، بحق التظاهر ضمن حزمة من الإجراءات التي كان يرغب من خلالها في تدشين مرحلة سياسية جديدة تقوم على الانفتاح على الحريات السياسية، بل إنه ذهب إلى حد التعهد بألّ يترشح لانتخابات عام 0142؟ وهل كان لهذا الحشد أن يحدث لو لم تتناد له الأحزاب والقوى السياسية المعارضة، خصوصًا الاتحاد العام التونسي للشغل، ولو لم يحرض على المشاركة فيه راشد الغنوشي ومنصف المرزوقي وطارق المكي، وهم أبرز المتدخلين على الفيسبوك في تلك الأيام الملحمية، وهو ما يجرد الشباب من امتلاكهم زمام المبادرة؟ أما حدثا القصبة الأول والثاني (الاعتصامات التي حدثت في ساحة القصبة من أجل إسقاط الحكومة مباشرة بعد رحيل بن علي، أي بعد 14 كانون الثاني/ يناير)، فقد كشفا النقاب عن حقيقة أخرى للشباب التونسيين؛ فهم شباب قادمون من كل مكان من العاصمة، يريدون أن يفهموا ماذا يجري ويستكشفون الأمر؛ وشباب آخرون، جيء بهم من أعماق البلاد ليرابطوا في الخيام من دون أن يعرفوا ماذا يريدون بالضبط (وهو استنتاج توصلنا إليه عن قرب من خلال الحوارات التي جمعتنا بالمعتصمين مباشرة.) وقد فرضت هوية الاتحاد العام التونسي للشغل وحركة النهضة وحزب العمال الشيوعي نفسها في ذلك الوقت، على نحو جعل الشباب وقودًا لصراع يشملهم ويتجاوزهم في الوقت نفسه. كما أن مجالس حماية الثورة وروابطها اللاحقة عرفت هي أيضًا مشاركة فاعلة للشباب، ولكنها كانت تتحرك ضمن أفق حزبي ونقابي منذ البداية، ولم توفَّق في أن تطرح القضايا الرئيسة المتعلقة بالشباب. الحقيقة المرة التي ستؤكد غياب أيّ حضور للوعي الجيلي والسياسي ستتضح جليًّا من خلال مسارعة الشباب إلى ركوب قوارب الموت؛ بحثًا عن جنة منشودة على ضفاف البحر المتوسط الأخرى، في موجات هجرية مكثفة وغير مسبوقة، لتنفجر كل الأسئلة الحارقة عن أسباب هذا الخيار: كيف للشباب أن يختاروا الهجرة إلى أوروبا طريقًا للخلاص والحال أن البلاد لم تلبث أن تخلصت من نظام ديكتاتوري وتتأهب للدخول في عهد جديد من الحرية والكرامة؟ وكيف نفسر ذهابهم إلى بؤر القتال والحال أن البلاد في طريقها إلى أن تفتح ذراعيها لجميع أبنائها؟ والمدهش أن يتقاسم الشباب المشاركون في الثورة والشباب المهاجرون المواصفات النفسية والاجتماعية نفسها تقريبًا، وهو الأمر الذي تَ كَّنَّا من استنتاجه من الدراسات الميدانية التي أجراها بعض الباحثين19. في النهاية، سقطت حكومتا الغنوشي، الأولى والثانية اللتان خلفتا الرئيس المخلوع، وجاءت حكومة الباجي قايد السبسي، وذهب الجميع لانتخاب أعضاء المجلس التأسيسي، وبدت الحقيقة المرة أشدّ وضوحًا. لم ينخرط الشباب بقوة في الأحزاب السياسية، ولم يتم انتخاب أحزاب شبابية، وحتى الشباب الذين شاركوا في الحملات الانتخابية لبعض

  1. Bénédicte Récappé, "Mobilisation étudiante et génération politique: qui précède l'autre? Réflexions comparatives à partir des exemples hongrois (1956) et mexicain (1968)," Revue internationale de politique comparée , vol. 16, no. 2 (2009), p. 220.
  2. كان أول تحرك مساند لأهالي سيدي بوزيد من جانب الاتحاد العام التونسي للشغل قد انطلق يوم 52 كانون الأول/ ديسمبر 0102 من ساحة محمد علي حيث يوجد مقر اتحاد الشغل. وتكرر ذلك بصفة رسمية صباح يوم 72 كانون الأول/ ديسمبر 0102 بالعاصمة، ويوم 12 كانون الثاني/ يناير 0112 بمدينة صفاقس، وقد أقر الاتحاد الإضراب العام يوم 14 كانون الثاني/ يناير في العاصمة.
  3. Amin Allal, "Trajectoires 'révolutionnaires,' processus de radicalisations politiques, 2007-2011," Revue française de science politique , vol. 62, no. 5-6
  4. (2012), p. 831. Ibid., pp. 828-839.

الأحزاب كانوا قد شاركوا فيها؛ بفعل انتمائهم السياسي الموروث. أما الإدمان على الكحول والمخدرات، وانتشار الأغاني على وسائل التواصل الاجتماعي التي تدين الثورة وتصرح بحنينها إلى العهد البائد، وهي من المظاهر التي برزت بقوة، فلم تكن تمثل إلا الوجه الآخر لهذا الغياب للوعي السياسي. أما عندما كان المجلس التأسيسي التونسي يناقش فصول الدستور، ويحاول جاهدًا العثور على أشدّ التوافقات بين مختلف التصورات الحزبية والأيديولوجية ملاءمة، فإن الشباب لم يكونوا مغيبين فقط من المشاركة في هذا النقاش - بمعنى أنهم لم يكونوا طرفًا أساسيًّا فيه - ولكن الدستور أيضًا وُضِ ع على نحو يخلو من أي تصور أو أفق شبابي. والحصيلة هي فصل لا غير يعترف للشباب بأنهم قوة فاعلة في المجتمع، في إطار تصور كلاسيكي للحريات والنظام السياسي، ليس فيه أي خيال أو روح شبابية أو مكانة حقيقية لهم. بل إن عبارة "ثورة الشباب" لم تُذكَر في الدستور على الإطلاق20. ولعل خيار المجلس الوطني التأسيسي إسقاط تحديد السن القصوى من شروط الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية لا يمكن قراءته إلا بوصفه استهدافًا مبطنًا للشباب. وهو استهداف حصل من دون أن يلقى معارضة من الشباب أنفسهم. وقد اتضح من خلال بارومتر الشباب لعام 0122 الذي أنجزه المرصد الوطني للشباب في دراسته بعنوان "الشباب والمشاركة السياسية"، أن 93 في المئة من الشباب لم يشاركوا في العمل الجمعياتي، وأن 77.7 في المئة منهم لم تكن لهم مشاركة في النشاطات الحزبية. ومعنى هذا أن التحرك الشبابي في الثورة هو تحرك "احتجاجي يغذيه الانفعالي أكثر مما يغذيه العقل"21. لا مناص حينئذ من الاعتراف بغياب الوعي السياسي بوصفه شرط تشكُّل الجيل السياسي، وشرط اعتماد المقاربة الجيلية. وما من حيلة لتجاوز هذا المعطى إلا بتغيير معنى الوعي السياسي وأشكاله، أو "تطويع" مفهومه ليشمل ما يمكن وصفه ب "السلوكيات الجديدة للوعي السياسي"، وهو ما يتطلب إثباته عملً تنظيريًّا وميدانيًّا. هذا فيما يتعلق بتنزيل المقاربة الجيلية على المرحلة التي سبقت الثورة، فماذا عن المرحلة التي تلتها؟

2. إفلات جزئي بعد الثورة

إذا ما استعملنا نظرية "تأثير المرحلة"، بوصفها أساسًا للمقاربة الجيلية، واعتبار أن جيل الثورة هو الجيل الذي تأثر بالثورة، لا الجيل الذي واكبها، وهي مقاربة أشد ملاءمة للثورة التونسية من مقاربة تأثير دورة الحياة، أو تأثير "الزمرة"، فسيصعب هنا أيضًا تطبيق المقاربة الجيلية؛ بسبب غياب أركانها الأساسية المتعلقة بالوعي السياسي أو الوعي الجمعي22. والمدهش أن جل التحركات الشبابية التي حدثت بعد الثورة، إنما كانت احتجاجًا على عدم التشغيل، وذلك على غرار "حملة المفروزين أمنيًّا"23، واحتجاجات "جمعية المعطَّلين عن العمل"، وهنا يُطرَح الإشكال من جديد حول صلاحية تبني المقاربة الجيلية والحال أن الوعي السياسي غير قادر على تجاوز المطلب التشغيلي.

تبدو هنا التجارب المقارنة بالغة الأهمية؛ فأحداث أيار/ مايو 1968 في فرنسا، التي انطلقت من الجامعة وأحدثت زخمً في الدراسات الجيلية، كشفت أن التحركات الشبابية كانت مشغولة بالأساس بالحقوق السياسية، ومعارضة الحرب في فيتنام. كما أن الانتفاضة 1 24المجرية، عام 956، قد ركزت بالأساس على المطالب السياسية التي صيغت ضمن عرائض مكتوبة، ودعوات واضحة للنزول إلى الشارع للمطالبة بانتخابات حرة ونزيهة، وإرساء نظام ديمقراطي. أما التحركات الطلابية في المكسيك، صائفة عام 9681، فقد نددت بطبيعة النظام السياسي، وطالبت بتحرير المساجين السياسيين25.

  1. بحسب الفصل 8 من الدستور، فإن "الشباب قوة فاعلة في بناء الوطن تحرص الدولة على توفير الظروف الكفيلة بتنمية قدرات الشباب وتفعيل طاقاته وتعمل على تحمله المسؤولية وعلى توسيع إسهامه في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية."
  2. المرصد الوطني للشباب، 21 الشباب والمشاركة السياسية: مسح استطلاعي لنوايا المشاركة في الشأن العام (تونس: 012)2، ص -56؛ وهي النتيجة نفسها التي توصلت إليها تقارير أخرى، مثل: البنك الدولي للإنشاء والتعمير، مجموعة البنك الدولي، تونس: إزالة الحواجز أمام
  3. Vincent Tournier, "Générations politiques," in: Bruno Cautres & Nonna Mayer (dir.), Le nouveau désordre éléctoral: Les leçons du 21 avril 2002 (Paris: Presses de sciences po, 2004), p. 230.
  4. المفروزون أمنيًا" هم مجموعة من الشباب الذين حُرموا من حقهم في العمل في الوظيفة العمومية بسبب نشاطهم النقابي المعارض حينما كانوا طلبة في الجامعة.
  5. Récappé, p. 208. 25  Ibid., pp. 206-209.
  6. إشراك الشباب (واشنطن: 014)2، ص.XV

ومع ذلك، فإن طغيان الهم الشخصي بعد الثورة لم يَخْلُ من بروز وعي جيلي سياسي صاعد، وقد ظهر ذلك من خلال تحركات شبابية عدة، كانت نتيجة مباشرة لمناخ الحريات الذي برز بفعل الاستحقاقات الثورية والدستورية. وقد ظهر هذا الوعي الجيلي، خصوصًا من خلال حملة "مانيش مسامح" ضد قانون المصالحة الإدارية أو "العفو عن الفاسدين" الذي حرصت رئاسة الجمهورية على تمريره بذريعة إنعاش الاقتصاد وتحرير الإدارة من القيود المسلطة عليها بفعل تهم الفساد المتورطة فيها، وهي أكثر الحملات الشبابية تعبيرًا عن هذا الوعي السياسي. وعلى الرغم من أن المشاركين في الحملة كثيرًا ما تجاوزت سنهم الثلاثين، فقد بقيت الروح الشبابية طاغية على الحملة التي استطاعت أن توحِّد صفوف فئة شبابية متعددة المشارب الفكرية والسياسية ضد الفساد، وتمكنت من أخذ زمام المبادرة، بل الذهاب إلى الساحات العامة والشوارع لقيادة المسيرات. وقد نجحت هذه الحملة بعد عامين من انطلاقتها في أن تكون مستقلة عن الأحزاب بعض الشيء، وتبتكر وسائل احتجاجية طريفة وخلَّ قة (قمصانًا عليها شعار مطرقة العدالة)، وتفرز تصورًا جديدًا للمواطَنة والوطن، قوامه رفض الفساد. كما نجحت الحملة في ضم شباب الذكور والإناث من ذوي المستوى التعليمي العالي، وهو ما أكد وجود وعي سياسي وجيلي بارز سبق أن عبَّ عنه رئيس "شبكة دستورنا"، جوهر بن مبارك، بالقول: إن "هؤلاء الشباب كانوا بعد سقوط النظام القديم أطفالً، وقد بدأ وعيهم السياسي يتشكل في فترة الثورة"26. وينطبق الأمر نفسه على حملة "وينو البترول؟"، و"اعتصام الكامور"، وهما اللذان ارتقيا بدوريهما من خلال المطالب التي وضعها الشباب الناشطون إلى مستوى التعبير عن الهمِّ الوطني. كشفت حملة "وينو البترول؟" عن وعي سياسي غير مسبوق. وهي حملة دشنتها مجموعات شبابية على المواقع الاجتماعية، مستفسرة عن مصير الثروة النفطية الموجودة في البلاد، لكنها سرعان ما تحولت إلى مسيرات شعبية ونقاشات سياسية مكثفة. وقد اتهم الناشطون في هذه الحملة الدولةَ بإخفائها الحجم الحقيقي للموارد البترولية في البلاد، مطالبين إياها بالكشف عن ملفات الفساد والصفقات المشبوهة المتعلقة بهذه الثروة. وقد شكلت هذه الحملة منطلقًا لما عُرِف فيما بعد باسم "اعتصام الكامور"؛ فقد اعتصم عدد من الشباب في صحراء تطاوين، في منطقة تُسمَّى الكامور، مطالبين بحقهم في التشغيل، وسرعان ما تطورت مطالبهم لتشمل الدعوة إلى تنمية الجهة من خلال فرض مبدأ المساهمة في التنمية على المؤسسات النفطية في المنطقة، ونشر الأرقام الحقيقية بخصوصها، بل المطالبة بفرض الدولة سيادتها على ثرواتها الطبيعية بتأميمها. وقد انتهى هذا الاعتصام بالتوصل، بعد جولات من المفاوضات بين المعتصمين والحكومة، إلى اتفاق شاركهم فيه الاتحاد العام التونسي للشغل، في 16 تموز/ يوليو 017.2 وكانت النتيجة تخصيص مبلغ 80 مليون دينار تونسي سنويًّا لصندوق التنمية والاستثمار في تطاوين، وعدم التتبع العدلي لكل من شارك في الاحتجاجات، فضلً عن توفير أكثر من 5004 فرصة عمل لشباب المنطقة27. وتجلى مظهر آخر لهذا الوعي الجيلي والسياسي، من خلال الإضراب العام الذي نظَّمه طلبة الحقوق في العاصمة وبقية الولايات، ودام أكثر من شهرين خلال عام 0172، وذلك للمطالبة بإلغاء الأمر 534 المؤرخ في 9 آذار/ مارس 0172، المتعلق باشتراط الحصول على شهادة الماجستير لاجتياز مناظرة دخول المعهد الأعلى للقضاء29. وعلى الرغم من أن مطلب التشغيل كان حاضرًا في خلفية الاحتجاجات (من خلال المطالبة بالإبقاء على حظوظ المترشحين لاجتياز مناظرة القضاء من دون أن تطول بهم مدة الدراسة الجامعية حتى الحصول على الماجستير)، فإن طريقة الطلبة في إدارة اختلافاتهم عبر صندوق الاقتراع من خلال اللجوء إلى الانتخاب، والضغط على الحكومة من خلال تنظيم التظاهرات والاعتصامات، وتوحيد صفوفهم حول مطلب واحد، مثّلت (بقدرٍ ما) نقلة نوعية في الوعي السياسي. تجدر الإشارة أيضًا إلى أن بعض الندوات التي نظمتها مراكز دراسات وطنية، كشفت عن درجة عالية من الوعي السياسي والجيلي لدى الشباب، ممزوجًا بمشاعر الغبن والخيبة والضيم، مختزلً مهمة السياسيين في محاولة استبعادهم من المشاركة الفعلية في اتخاذ القرار السياسي، أو استغلالهم فيما يخدم مصلحتهم لا مصالح الشباب. وقد جاء على لسان أحد الشباب المتدخلين في إحدى هذه الندوات قوله: "إن تشبث الشيوخ والكهول بالكراسي لا يترك مجالً للشباب"30. أما عبارة "صراع الأجيال" فقد وردت صراحة على لسان إحدى المتدخلات في ندوة أخرى، عندما قالت: "أشعر بأن هناك

  1. 28 الجمهورية التونسية، رئاسة الحكومة، "أمر حكومي عدد 534 لسنة 0172 مؤرخ في 9 مارس 0172 يتعلق بتنقيح الأمر عدد 9012 لسنة 9991 المؤرخ في 7 جوان 9991 المتعلق بتنظيم المعهد الأعلى للقضاء وضبط نظام الدراسات والامتحانات والنظام الداخلي"، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، السنة 016، العدد 02 (آذار/ مارس.)2017
  2. خميس بن بريك، "مانيش مسامح: صرخة شباب تونس ضد الفساد"، الجزيرة نت، 017/5/14، شوهد في 018/5/6 2، في https://goo.gl/KrcAko:2
  3. لمزيد من المعلومات حول اعتصام الكامور، انظر: "اعتصام الكامور"، 27 ويكيبيديا، شوهد في 018/5/6، في https://goo.gl/iGYxVn:2
  4. ندوة بعنوان: آليات حث الشباب على المشاركة السياسية"، صفحة مركز دراسة الإسلام والديمقراطية على الفيسبوك، 017/5/42، شوهد في 018/5/6:2، في https://goo.gl/cVkdvm

صراعًا بين الجيل الجديد والجيل القديم، وأن هذا الصراع حادٌّ جدًّا، سواء في الأحزاب أو في خارجها"31. والحقيقة أن هذه الحملات - وهي الأبرز من حيث التعبئة والحضور الميداني والمشاركة الشبابية - لم تكن إلا أمثلة لجملة من الحملات الأخرى التي ما انفكت تكتسح المجال العام، مثل حملة "موش على كيفك"32. كما أن المداخلات في الندوات المذكورة ليست إلا عينة مما يُتداول من مواقف شبابية. أما التحركات الشبابية التي ظهرت بغتة بعناوين الإبداع وحرية التعبير بعد الثورة مباشرة، ونشطت بقوة في أثناء ما عُرف ب "حكومة الترويكا"33، وأوحت بتشكُّل قيم جديدة، واقتحام عصر جديد من الحرية، على غرار "الهارلم شيك" Shake Harlem (وهو نوع من الرقص الوافد من الغرب، استطاع اقتحام فضاءات تربوية حساسة مثل المدرسة)، وال "وان مان شو" السياسي One show man (وهو نوع من الأداء المسرحي الفردي الساخر)، وحتى "الجرافيتي" Graffiti (وهو نوع من الكتابة أو الرسم على الجدران بطريقة مستفزة ومثيرة)، فقد تبين أنها لم تكن تعبيرات شبابية خلاقة وخالصة يمكن قراءتها ضمن أفق الوعي السياسي والجماعي، بقدر ما كانت محاولة لاستفزاز نظام "الحكم الإسلامي"؛ إذ سرعان ما اختفت بسقوط حكومة الترويكا وعودة المنظومة القديمة إلى الحكم. والمفارقة أن الجيل الذي لم يشارك في الثورة ضمن قواعد المقاربة الجيلية، أتاحت له الثورة، بفضل ما وفرته من مناخات حرة، المجال ليعبِّ عن انشغالاته بما يستجيب لشروطها، غير أن الإشكال المطروح يبقى في الهنات التي تنطوي عليها هذه المقاربة نفسها.

ثانيًا: عجز المقاربة الجيلية عن مقاربة الثورة التونسية

يتضح عجز المقاربة الجيلية عن مقاربة الثورة التونسية، من خلال بعدين: الأول يتعلق ببنية المقاربة الجيلية نفسها (عجز داخلي)، والثاني يتعلق بصعوبة تحديد الشباب ضمن خانة النخبوي أو الطليعي (عجز خارجي.)

1. عجز داخلي: هشاشة المقاربة الجيلية بوصفها أداة لتفسير أحداث الثورة التونسية

على الرغم من أن الثورة التونسية لم تزل تحمل معها جملة من الخصوصيات التي تجعلها عصية على الاستجابة لقواعد التفسير الجيلي، ينبغي لنا القول إن المقاربة الجيلية نفسها تشكو من العوائق التي تحد من اعتمادها مقاربة عامة تصلح لكل المجتمعات؛ وذلك لأسباب عدة: لعل أهمها أن المقاربة الجيلية التي نشأت بديلً من المقاربة الطبقية الماركسية، بوصفها محاولة لتفسير كبرى التغيرات السياسية والاجتماعية34، لا يمكن قبولها من دون إثارة الشكوك حول صلاحيتها المعرفية؛ بحكم قيامها على استبعاد غيرها من المقاربات الراسخة في العلوم الاجتماعية والسياسية. وهذا ما نبه إليه كثير من علماء الاجتماع السياسي الذين أبرزوا الحاجة إلى دمج المقاربة الجيلية مع بقية التفاعلات الاجتماعية المرتبطة بالأيديولوجيا والدين والعرق والطبقة الاجتماعية35. بل إن التركيز على صراع الأجيال، بوصفه أداة لتفسير كل التناقضات الاجتماعية والسياسية، لن يكون من شأنه إلا تسييس قضية الشباب، والانحراف بحقيقة الصراع السياسي والاجتماعي المؤسَّس بطبعه على صراع المصالح المادية والمشاريع المجتمعية؛ ذلك أن فئة الشباب ليست كتلة متجانسة، ولا طبقة اجتماعية، ولا هوية اقتصادية خالصة، بل هي فئة عمرية تشقها التناقضات الاقتصادية والصراعات الأيديولوجية36. أضف إلى ذلك أنّ تنزيل المقاربة الجيلية على الثورة التونسية، مع كون هذه المقاربة وليدة مناخات اجتماعية وسياسية غربية مغايرة لواقعنا الثقافي العربي، قد يورطنا مجددًا في الانجرار المعرفي الذي لن يكون إلا على حساب خصوصياتنا المحلية وحقيقتنا الموضوعية؛ فتوافر شروط المقاربة الجيلية في البيئة الغربية لا يعني بالضرورة توافر شروطها في كل مكان. أما تباين المواقف والتصورات حول مفهوم الجيل، فيمثّل بدوره كبرى المعضلات التي تكشف عن هشاشة المقاربة الجيلية37؛ وهو تباين يقوم على التمييز بين ثلاث مقاربات أساسية؛ هي: تأثير دورة الحياة؛ أي معرفة خصائص التطور المرتبط بكل مرحلة من الحياة المفسرة للسلوكات السياسية المختلفة لكل

  1. فيديو لندوة الشباب التونسي: الواقع، التحديات والحلول"، موقع مركز دراسة الإسلام والديمقراطية، 016/9/242، شوهد في 018/5/6:2، في https://goo.gl/jttJgh
  2. هي حملة نظمتها مجموعة من الشباب لمطالبة وزارة الداخلية بسحب مشروع قانون زجر الاعتداءات على قوات الأمن من مجلس نواب الشعب لما فيه من فصول تتعارض مع
  3. الائتلاف الذي حكم تونس في أثناء المرحلة الانتقالية 014-2011()2، وتشكل من ثلاثة أحزاب رئيسة: حركة النهضة، والمؤتمر من أجل الجمهورية، والتكتل الديمقراطي من
  4. عزي، ص.30
  5. Boumaza, p. 194. 35 حسن طارق، "تأملات حول قضايا الشباب السياسية والانتقال الديمقراطي"، منبر الدكتور محمد عابد الجابري، د.ت.، شوهد في 018/5/6:2، في https://goo.gl/scK2RC؛ المرصد الوطني للشباب، الشباب والمشاركة السياسية، ص.2 36  Récappé, p. 205.
  6. الدستور وتمس حرية التعبير.
  7. أجل العمل والحريات.

فئة عمرية. وترى هذه المقاربة أن كل مرحلة عمرية تتميز بخصائص فيزيولوجية واهتمامات عاطفية واجتماعية تفرز هوية ذاتية مستقلة عن الآخرين، وخصوصًا الكبار38. هنا يتم استخدام مفهوم الجيل ليدل على العلاقات البيولوجية بين أجيال القرابة، كالعلاقة بين جيل الآباء وأبنائهم.

تأثير ما يُطلق عليه بالإنكليزية Cohort""، وهو مفهوم لم يحظ بعد بتعريف موحَّد في اللغة العربية، وترجمته مشتتة بين "الزمرة" و"الجماعة" و"الفوج" و"الكتيبة" و"العصبة"، ولكنه يفيد مجموعة الأفراد الذين جرَّبوا الأحداث نفسها في الحقبة الزمنية نفسها. وهو بذلك يختلف عن مفهوم الجيل الذي يفترض وجود وعي جماعي يتميز من بقية الشرائح الاجتماعية بجملة من الخصائص، ويحاول التأثير في مجرى الأحداث؛ ذلك أن "الزمرة" تشكل فئة اجتماعية "في ذاتها"، في حين أن الجيل هو مجموعة اجتماعية أو سياسية تعمل "لذاتها"39. تأثير المرحلة، أي تأثير كبرى الأحداث المعاصرة والاستثنائية في الأفراد والجماعات، على نحو يخلق حالة من التفاعل والتأثير فيهم40؛ وهو ما يعني بروز جيل سياسي لا يرتبط بالأساس بالعوامل الداخلية التي تجمع أفراده، وإنما يتعلق بعامل خارجي هو الذي يعطي الجيل هويته، وهو ما يُسمَّى الحدث المولِّد41. غير أن تعدد المقاربات الجيلية، على الرغم من محاولة بعض الدارسين تجاوز تناقضاتها الداخلية، ضمن مقاربة تفاعلية فيما بينها42، ترك الباب مفتوحًا لطرح الأسئلة الأشد إلحاحًا: كيف يمكن التفريق بين آثار السن، وآثار الجيل، وآثار المرحلة؟ ما أهمية وعي الذات بوعيها الجيلي؟ ما أهمية العلاقات بين الأجيال في تشكيل تطور كل جيل؟ كيف تتشكل الذهنيات الجماعية؟ ووفق أي مسار43؟ وهذه الأسئلة بالغة الأهمية، وللإجابة عنها تداعيات عملية عديدة، ولا سيما على صعيد التطبيقات الإمبريقية44. ووجبت الإشارة أيضًا إلى أن مفهومَي الجيل و"الزمرة" ليسا دائمًا واضحين، وكثيرًا ما يُعرَّف أحدهما على أساس الآخر45، وفي أحيان أخرى يحدث تداخل بين الجيل السياسي والجيل الفكري أو النخبوي46، بل إننا لا ندري إن كنا إزاء جيل واحد أم أجيال متعددة، ونتحدث عن جيل سياسي أم إننا بصدد اختلاق أسطورة جيل، على 1 47غرار جيل عام.968 يبدو ضبط الحدود الزمنية التي يستغرقها الجيل، أو تحديد الفاصل الزمني بين جيلين، من أهم الصعوبات التي تواجهها الدراسات الجيلية، والخلاف بين المختصين في هذا المجال ليس هينًا؛ فبعضهم يرى أن المدى الزمني للجيل يدوم 16 عامًا، والبعض الآخر يحدده ب 03 عامًا48. ويبدو أن وتيرة التغيير الاجتماعي هي التي تفسر هذا الاختلاف؛ فكلما كانت هذه الوتيرة سريعة يتناقص الفارق الزمني بين الأجيال. ويذهب ميشال فيليبار إلى أن الفاصل الزمني بين الأجيال يجب أن يخضع لاعتبار التمييز بين الطبقة العمرية والزمرة والجيل. وإذا كان هذا الفاصل لا يتجاوز بضع سنوات بالنسبة إلى الطبقات العمرية، فإنه يتجاوز العشرية بالنسبة إلى الزمرة، ويراوح بين 501 و 2 عامًا بالنسبة إلى الجيل49. أما أنصار نظرية دورة الحياة فيركزون تحديدًا على العوامل السوسيوديموغرافية المتعلقة بالأساس بتأخر الشباب عن خوض غمار الحياة العملية (من خلال الشغل والزواج وتكوين الأسرة)، بوصفها سببًا في تمدُّد الفاصل الزمني بين الأجيال، وما ينتج منه من إطالة مرحلة الشباب. والنتيجة أن عملية تحديد حدود الجيل تبدو "نوعًا

  1. Braungart & Braungart, pp.16-17.
  2. Ibid., p. 21.
  3. Ibid., pp. 27-28.
  4. Jean François Sirinelli, "Génération et histoire politique, Vingtième siècle," Vingtième Siècle, Revue d'histoire , no. 22 (1989), p. 72.
  5. Braungart & Braungart, p. 38.
  6. Boumaza, p. 198.
  7. عزي، ص.49
  8. Boumaza & Havard, p. 185.
  9. Sirinelli, pp. 72-73.
  10. Boumaza & Havard, p. 186; Sirinelli, pp. 74-75.
  11. عزي، ص.40
  12. Michel Philibert, "Rapport au temps et fossé des générations," Actes du colloque CNRS/Association des FED' ages, Gif-sur-Yvette, November 29-30, 1979, cité dans Attias-donfut, p. 44.

ما اعتباطية"؛ ذلك "أن الأحداث المُشكِّّلة للأجيال لا تقع وفق وتيرة منتظمة"50. ويُعَد الجيل السياسي من أبرز المفاهيم التي تزيد المقاربة الجيلية هشاشة. وعلى الرغم من الإضافات التي قدَّمها رودلف هابرلي وفانسون تورنيي - إذ خصص الأول في كتابه، الحركات الاجتماعية، مبحثًا كاملً للأجيال السياسية، معتبرًا أن تغير الأفكار السياسية مرتبط بتغير الأجيال، وأن الأفكار التي تتشكل لدى الفرد في مرحلة شبابه يكون أثرها حاسمً في تشكل شخصيته51؛ بينما أكد الثاني ضرورة ربط الذهنية الجماعية بالحدث المولِّد52 - فإن مفهوم الجيل السياسي، باستثناء مجهود مارغريت وريتشارد برونغارت بقي شبه غائب في دراسات علم الاجتماع السياسي والعلوم السياسية53، ومصدرًا للالتباس والغموض54: هل توجد علاقة سببية بين الجيل والحدث السياسي؟ وأيهما يمهد للآخر؟ وهل يؤدي التحرك الاحتجاجي إلى ظهور الجيل؟ أم هل إن الجيل هو الذي يؤدي إلى التحرك الاحتجاجي؟ وهل يمكن قياس الوعي الجماعي أو الوعي الجيلي قياسًا علميًّا؟ ومتى تتشكل الأجيال السياسية55؟ جعلت هذه الأسئلة وغيرها المقاربة الجيلية برمتها عرضة للنقد. وقد عبر بيار فافر عن رفضه القطعي لفكرة الجيل، معتبرًا أنها نوع من اللغو الذي يفتقر إلى الأساس العلمي56؛ إذ لا يوجد معيار لقياس الجيل السياسي، كما أن الحدث المولِّد، أي الإشكالية التاريخية التي تكون سببًا في ولادة جيل معيَّ، وتعطيه هويته، وتشكّل ذاكرته الجماعية، لا يمكن أن يختزل نشأة الأجيال السياسية وحده، والأهم من ذلك أن الأحداث التاريخية، على أهميتها، كثيرًا ما لا تترك أثرًا في نشأة الأجيال57، وربط بروز الجيل بالحدث التاريخي يقلل من أهمية الحدث نفسه، بحكم اختزاله في المسألة الجيلية58، والحال أن الذاكرة الجماعية والمجتمعية، كما تقول كلاودين أتياس-دنفو، تتجاوز الذاكرة الجيلية59. أما مارك تسلر، فقد وجه نقدًا قاسيًا إلى هذه المقاربة الجيلية بتأكيده، أولً، أن المواقف والقيم التي يكوِّنها الأفراد في فترة شبابهم غير ثابتة، وهي تتغير طوال حياتهم باستمرار، ولا تقف عند محطة معينة كما تزعم النظرية الجيلية؛ وبتأكيده، ثانيًا، أن الأحداث التاريخية الكبرى لا يتباين تأثيرها في الناس بحسب المرحلة العمرية، وإنما يكون هو نفسه تقريبًا بقطع النظر عن طبيعة شرائحهم العمرية60. في الواقع، لا يعود عجز المقاربة الجيلية عن مقاربة الثورة التونسية فقط إلى هشاشة مفاهيمها وضعف بنائها الداخلي، ولكن إلى عجزها عن قراءة واقع الاحتجاجات الشبابية كما جرت إبان الثورة أيضًا.

2. عجز خارجي: عجز المقاربة الجيلية عن قراءة تحركات الشباب في الثورة التونسية

على الرغم من التطورات التي عرفتها المقاربة الجيلية، خصوصًا في خمسينيات القرن الماضي ضمن الأفق الجديد للدراسات السوسيولوجية؛ حيث أصبح مفهوم الجيل مرادفًا لمفهوم الشباب، بعد أن بات محور المقاربة الجيلية61 - وهذا خلافًا لما كان عليه الوضع سابقًا لمَّا كان مفهوم الجيل يقترن بجيل البالغين62 - فإن المقاربة الجيلية بقيت على حالها في عدم اشتراط مشاركة كل الشباب لكي يحدث التغيير الجيلي؛ إذ يكفي مشاركة جزء منهم في صناعة الأحداث. كما لا تشترط أن يكون الجميع على موقف واحد63، إذ يكفي أن يقود الحركة الجيلية نخبة من الشباب القادرين على تمثُّل مشاغلهم، وهو ما يسميه مانهايم "الوحدات الجيلية" التي تتمتع بوعي جيلي تستطيع من خلاله تجنيد الوحدات الجيلية الأخرى64. وهنا يتضح عجز المقاربة الجيلية عن مقاربة الثورة التونسية

  1. عزي، ص.49
  2. Heberle; Boumaza, p. 194.
  3. Tournier, p. 230.
  4. Boumaza & Havard, pp. 183-184.
  5. Récappé, p. 205.
  6. وفقًا لمحمد فريد عزي، تتشكل الأجيال السياسية عبر صيرورة معقدة، تتداخل فيها الأحداث التاريخية مع عملية التنشئة السياسية، لكي تنتج نظرة سياسية مميزة للجيل يصعب حل خيوطها، عزي، ص.50
  7. Pierre Favre, "De la question sociologique des générations et de la difficulté à la résoudre dans le cas de la France," in: Crête & Favre, p. 319.
  8. عزي، ص.26
  9. Attias-donfut, p. 46.
  10. Ibid., p. 48.
  11. Mark Tessler et al., "Political Generations in Developing Countries: Evidence and Insights from Algeria," Public Opinion Quarterly , vol. 68, no. 2 (2004), p. 188.
  12. Shmuel Nooh Eisenstadt,  From Generation to Generation: Age Group and Social Structure , 2nd ed. (New Brunswick, London: Transaction Publishers, 2002); عزي، ص.33
  13. Norman B. Ryder, "The Cohort as a Concept in the Study of Social Change,"  American Sociological Review , vol. 30, no. 6 (1965), p. 844; Boumaza, p. 190.
  14. Karl Mannheim, Le problème de générations (Paris: Nathan, 1990), p. 120.
  15. Alessandro Cavalli, "Generations and Value Orientations," Social Compass , vol. 51, no. 2 (2004), p. 163; عزي، ص.38

وخصوصيتها؛ وذلك لسببين: أولهما أن الشباب المشاركين في الثورة لم يكونوا شبابًا طلائعيين، ودليل ذلك أنهم لم يتحركوا انطلاقًا من الجامعة، أو المدن، أو حتى العاصمة، ولم يكونوا يملكون القدرة على التأثير والتجنيد. والسبب الآخر أن "شباب الثورة" الافتراضيين لم يكونوا يحملون مشروعًا سياسيًّا بوصفه ثمرة وعيهم الجيلي. ويبدو التصنيف الذي اعتمده مصطفى حجازي للشباب، بتمييزه بين الشباب "النخبوي" والشباب "المحظي" والشباب "المكافح" وشباب "الظل"65، بالغ الأهمية لقراءة الثورة التونسية وهوية الشباب المشاركين فيها؛ فشباب الظل تحديدًا، وهم المشاركون الأساسيون في الثورة، لم يكونوا يملكون وعيًا سياسيًّا؛ ذلك أن انتماءهم إلى الشرائح الشعبية الأكثر فقرًا وحرمانًا من التعليم والتشغيل لم يمكنهم من هذا الوعي. وهذا ما أبانت عنه نوعية الشهادات التي عُرضت إلى حد الآن من خلال جلسات الاستماع لهيئة الحقيقة والكرامة، فضلً عن قائمة الشهداء التي نشُرت في بعض المجلات والتقارير66. وينطبق الأمر نفسه تقريبًا على ما يسميه حجازي الشباب المكافحين، وهم الشباب الباحثون عن العمل من أبناء الأسر متوسطة الدخل، الذين حظوا برعاية أسرية مقبولة، ولكنهم لم يتمكنوا من اقتحام سوق الشغل على الرغم من تحصيلهم العلمي الجامعي، فيتولد من ذلك حالة من الاحتقان الوجداني الذي سرعان ما يتفجر أثناء الأزمات الاجتماعية. أما شباب النخبة والشباب المحظي، فهم ينتمون إلى الشرائح الشبابية الميسورة. فشباب النخبة هم الشريحة التي حظيت بأفضل رعاية أسرية، وبأعلى مستويات التعليم والمهارات المهنية، وهي بحكم نشأتها تبدو الأبعد عن الانخراط في التحركات الاحتجاجية؛ فهي تدخل سوق العمل بلا عناء، وسرعان ما تصل إلى مستويات قيادية تتيح لها المكانة الاجتماعية اللائقة، وسرعان ما تضحِّي بالحرية السياسية وتنخرط في منظومة الحكم. أما الشباب المحظي فهم "أبناء محدثي النعمة" الذين استأثروا بثروات البلاد بفعل اقترابهم من دوائر الحكم، واستطاعوا الاستفادة من هذه المكانة للحصول على الشغل الملائم والتمتع بالأمن والحماية؛ وهي شرائح لم تتضرر يومًا من النظام السابق، وكانت مستفيدة من خياراته وسياساته باستمرار. وهنا، لا بد من الانتباه إلى الصورة النمطية التي قُدِّمت عن الشباب غداة 14 كانون الثاني/ يناير 2011 في الصحف الوطنية والعالمية، بوصفهم هؤلاء الشباب الجامعيين المثقفين، الحاملين للشهادات العلمية، العاطلين عن العمل، وهو طرح لم يسلم منه مفكرون كبار على غرار فوكوياما67. وهذه هي الصورة التي عمل العقل الغربي على اختلاقها وفقًا لرؤية "استشراقيه جديدة"، في محاولة منه لتأكيد قدرة الحضارة الغربية مجددًا على تحرير شعوب الشرق من العبودية التي تعيشها، بفضل ما تتيحه لها هذه الحضارة من وسائل اتصال حديثة ونمط اجتماعي عصري68. أما تصنيف الشباب على أساس وظيفي، بين التلمذي، والجامعي، والعامل، والباحث عن العمل، والعاطل، وهو التصنيف الذي نقترحه بوصفه الأقرب لقراءة الثورة التونسية ومقاربة دور الشباب فيها، فهو يدحض بدوره الطرح السائد (من أن الثورة التونسية من صنع الشباب المثقف الجامعي الحامل للشهادات العلمية، العاطل من العمل)؛ ذلك أن أغلب الشباب الجامعيين كانوا منغمسين في فترة المراجعة، ويستعدون للعودة الجامعية لإجراء الاختبارات. وأما حاملو الشهادات العلمية العاطلون عن العمل الذين تراوح أعمارهم عادة بين 23 و 03 سنة، فقد كانوا منشغلين بإجراء الاختبارات الكتابية والشفاهية، خصوصًا أن هذه الفترة كانت تعج بالمناظرات الوطنية؛ حيث شملت الآلاف من الشباب الحاملين للشهادات العليا. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الشباب الجامعيين، وهم نخبة الشباب، كانوا تقريبًا خارج التحركات الاحتجاجية التي كانت تجري في البلاد، وذلك على عكس ما حصل في فرنسا والمكسيك والمجر. وحتى إن شارك بعضهم في الاحتجاجات العامة أو في داخل الحرم الجامعي، فلم يكن لذلك أي آثار عملية69. في المقابل، كانت المشاركة الحقيقية في أحداث الشغب من جانب الشباب "التلمذي" الذي كان في عطلة ويستعد للعودة المدرسية يوم 2 كانون الثاني/ يناير 0112، ولكن وزارة التربية آنذاك سرعان ما تدخلت لتأجيل عودته المدرسية، في محاولة لتجنب الفوضى في المدارس، فكان ذلك بمنزلة الإذن له بتفجير طاقات العنف التي بداخله، وإثارة الشغب الذي لم يكن دائمًا في علاقة بما يجري في البلاد

  1. 67  Mounia Bennani-Chraibi & Olivier Fillieule, "Pour une sociologie des situations révolutionnaires, Retour sur les révoltes arabes," Revue française de science politique , vol. 62, no. 5-6 (2012), p. 774. 68 يمكن أن نشير هنا إلى الاحتجاجات الطلابية التي حدثت في 5 كانون الثاني/ يناير 2011 في كلية الآداب 9 أفريل بتونس العاصمة، وكلية الآداب بسوسة التي شهدت مواجهات حادة بين الطلبة وأعوان مكافحة الشغب، انظر: نزار شقرون، رواية الثورة التونسية (صفاقس: دار محمد علي الحامي،.34011)2، ص
  2. قائمة أسماء الشهداء: الوفايات والضحايا"، قضايا إستراتيجية، العدد 7 012()2،
  3. Francis Fukuyama, "The Middle-Class Revolution," Wall Street Journal , 28/6/2013, accessed on 6/5/2018, at: https://goo.gl/tQcGSb
  4. 64 مصطفى حجازي، "ثورة الشباب وتحولاتها الثقافية"، ورشة الموارد العربية، [د.ت].، شوهد في 018/5/6، في https://goo.gl/nz5Fgz:2
  5. ص 51-108 1؛ اللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق حول التجاوزات والانتهاكات، التقرير (تونس: نيسان/ أبريل 012)2، ص 536 وما بعدها؛ هيئة الحقيقة والكرامة، "جلسة الاستماع العلنية الخامسة 14 جانفي 017"2، موقع هيئة الحقيقة والكرامة، 017/1/152، شوهد في 018/5/6، في https://goo.gl/JkXPBY:2

من توتر، بل إن عدم استئناف عودته المدرسية على نحو طبيعي سمح بتحويل الساحات العامة والشوارع إلى ما يشبه ملاعب رياضية رُفِعت فيها كل شعارات كرة القدم المعهودة، وظهرت فيها كل السلوكيات التي اعتاد الشباب التلمذي على ممارستها إثر نهاية كل مقابلة رياضية. وهذا ما تَفَطَّن إليه بعض الباحثين في سعيهم لقراءة طبيعة الاحتجاجات آنذاك وتتبع جذورها70. وهنا، لا بد أن نتساءل عن مدى صلاحية الأخذ بالمقاربة الجيلية وحدودها، ليس فقط لأن المشاركين في الاحتجاجات لم تتجاوز سنهم في أغلب الأحيان 51 سنة، ولكن لمِا تميزت به الاحتجاجات من عنف وفوضى.

ومهما كانت التصنيفات الشبابية، فإن شباب الثورة هم شباب الجهات لا العاصمة؛ شباب النزوح والأحياء الشعبية لا المدن؛ الذكور لا الإناث؛ الشباب التلمذي لا الجامعي؛ الشباب المهمش تحديدًا لا شباب العائلات الميسورة والأحياء الراقية التي سارع "الأمن" و"الدفاع" إلى حمايتها من هجوم حشود الجماهير الغاضبة في يوميات الثورة. وهنا، يجدر التذكير بأنه إلى حدود يوم 12 كانون الثاني/ يناير 0142 كانت المقاهي والمطاعم في كل الأحياء الراقية، في العاصمة أو غيرها من المدن الكبرى، تعيش في عالم آخر لا يمت بصلة لما يجري في البلاد من أحداث. كما أن جزءًا كبيرًا منهم في ذلك الوقت كان منخرطًا في احتفالات رأس السنة الميلادية. وهذا ما يدعونا إلى التوقف عند مفهوم الشباب الطليعي أو النخبوي ودوره كما ورد في نظرية كارل مانهايم، والقول بعجز هذه النظرية عن الإلمام بالثورة التونسية؛ ذلك أن الشباب النخبوي لم يكن مشمولً بالثورة، خلافًا للشباب المهمش والمنسي الذي شكَّل وقودها. والمفارقة أن الشريحة الشبابية التي شاركت في الاحتجاجات فعلً، لا يبدو عليها الاهتمام بأي قراءة تحاول أن تنزع عنها شرف المشاركة في الثورة أو أن تشملها به، إنها لا ترى نفسها معنية بالموضوع من الأصل. والحقيقة أن الاحتجاجات التي انتشرت في المناطق الداخلية لم تكن رغبة جيلية في الانعتاق والتحرر، ولكنها كانت تنبع من وضع جغرافي وتاريخي يحفر بعيدًا في البنى الاقتصادية والاجتماعية لتلك المناطق الخاضعة بدورها إلى سوسيولوجيا "التوازنات الزبونية" التي أرساها النظام السابق، وكان يشرف عليها الحزب الحاكم نفسه من خلال خلاياه في الجهة71. أما المسألة الثانية التي تبرز من خلالها هشاشة المقاربة الجيلية وعجزها عن مقاربة الثورة التونسية، فتُطرَح على مستوى علاقة الشباب بالإنترنت. والثابت أن الفيسبوك، بعد 71 كانون الأول/ ديسمبر 0102، أثث يوميات الثورة على نحو مكثف؛ إذ صار المصدر الأول لنشر المعلومة، واضطلع بدور مهم في التصدي للخطاب الرسمي للنظام، والرد على رواية وسائل الإعلام الرسمية لحقيقة ما يحصل على أرض الواقع، بل الذهاب إلى حد التحريض على إسقاط النظام (يومَي 01 و 11 كانون الثاني/ يناير.)2011 كما اضطلع المدوِّنون، على الرغم من عزلتهم عن الرأي العام، بدور مهم أيام الثورة في نقل الخبر وتغطية الأحداث بطريقة فاقت الإعلام العمومي الذي اختصر دوره في تبرير الأحداث والدفاع عن النظام. ونجحوا في أن يؤثثوا الفضاء الافتراضي بجملة من الرسوم الكاريكاتورية الساخرة، والمقالات المترجمة إلى اللغات الأجنبية؛ في محاولة للكشف عن الحقيقة القمعية لنظام بن علي. غير أن هناك جملة من الملحوظات والأسئلة التي وجب طرحها لنقف على حقيقة استجابة الثورة التونسية للمقاربة الجيلية، نسوقها على النحو الآتي: تبقى شبكة الإنترنت أداة، لا فاعلً مستقلًّ، وهذا ما يفرض علينا التنسيب عندما نتناول دورها في الثورة التونسية72. وكما يقول علال أمين، فالثورات لا تدار من خلف الحواسيب73. وهنا، لا بد من أخذ جملة من المعطيات في الاعتبار، منها أن استعمال الإنترنت في المناطق الداخلية، منبع الثورة، مثل سيدي بوزيد والقصرين، لم يكن بالحجم نفسه الذي كان في المدن الكبرى والعاصمة74، وأن هذا الاستعمال لم يكن يعني بالضرورة

  1. 73 أحمد خواجة، "الممارسات الثقافية ودورها في اندلاع الثورة في ولايتَي سيدي بوزيد الثورة التونسية، ص والقصرين"، في مجموعة مؤلفين،.192
  2. Allal, "Trajectoires," p. 821.
  3. Romain Lecomte, "Révolution tunisienne et Internet: le rôle des médias sociaux," L'Année du Maghreb , vol. VII (2011), p. 393.
  4. Amin Allal, "Avant on tenait le mur, maintenant on tient le quartier!," Politique Africaine , no. 121 (2011) p. 59; Michael Béchir Ayari, "Non, les révolutions tunisienne et égyptienne ne sont pas des révolutions 2.0," Mouvements , vol. 2, no. 66 (2011), pp. 56-61.
  5. 69  Ashraf El-Sherif, "The Ultras' Politics of Fun Confront Tyranny," Jadaliyya , 5/2/2012, accessed on 6/5/2018, at: https://goo.gl/gHVrfj

الانخراط في الشأن العام والاهتمام به؛ فموضوعات الشبكة التي تستقطب اهتمام الشباب عديدة، ولكل منهم مآربه فيها؛ علمً أن مواقع عديدة كانت منخرطة في الدفاع عن النظام وتبرئة ساحته. لا ينبغي لنا أن ننسى حالة الارتباك التي كانت تخيم على مستعملي الإنترنت قبل الثورة، وحرصهم على تفادي المقاطع أو الصور، مخافة حجب صفحاتهم75، وحتى في أيام الثورة، كثيرًا ما كان التفاعل باهتًا. وقد كشف رومان لوكونت، من خلال تصفحه مختلف المدونات ومواقع الفيسبوك حينها، عن حقيقتين: انتشار ظاهرة اللامبالاة لدى مستعملي الإنترنت، وأن جل مستعملي الإنترنت المهتمين بالمسائل السياسية والمواطنية كانوا بالأساس من المواطنين بالخارج، والبعض منهم من دوائر العاصمة76، معتبرًا أن الاحتفاء بثورة الفيسبوك كما صورها الإعلام مُبالَغ فيه، وأن الزعم أن شباب الفيسبوك هم شباب الثورة غير "واقعي"77. إن مشرفي الصفحات الفيسبوكية في جلهم كانوا يتجاوزون 52 سنة تقريبًا، وأن النشاط السياسي على الفيسبوك غالبًا ما كان يمارسه جيل الكهول، لا جيل الشباب. أما المدوِّنون، وهم الأقرب إلى الاستجابة إلى شرط الوعي السياسي، فكان جُلُّهم، فضلً عن تجاوزهم سن الثلاثين، من محترفي مهنة الصحافة. وهذا يعني أنهم لم يتولوا تغطية الأحداث انطلاقًا من وعيهم المواطني بوصفهم مدونين على الإنترنت، ولكن لأنهم كانوا يعملون بالأساس لفائدة وسائل إخبارية أخرى، غير أنهم أثناء عملهم يمرون عبر مدوناتهم لنشر ما حُرِموا من نشره في الوسيلة الإعلامية التي يعملون لفائدتها. وهذا ما يخالف الفلسفة التي قامت عليها المدونات، التي تقضي بامتناع المدوِّن عن نشر مادته الإخبارية في غير مدوَّنته78. ينبغي لنا التذكير بأن أغلب الشعارات التي رُفِعت خلال التظاهرات التي انطلقت في أواخر عام 0102 كانت بالأساس شعارات نقابية. وقد نفت فاطمة رياحي، وهي مدوِّنة عُرِفت في الفضاء التدويني باسم "أرابكا"، أن يكون هناك شعار واحد من بين تلك التي رُفِعت خلال الاحتجاجات مصدره المدوَّنات79. أما عبارة "ديغاج"، أي "ارحل"، فعلى الرغم من انتشارها على صفحات الفيسبوك قبل أن تنزل إلى شوارع العاصمة، فلا بد من القول إن صاحبها من جيل الكهول، وهو المعارض السياسي طارق المكي، المقيم في كندا، وكان قد أطلقها من خلال تسجيلات الفيديو التي كان يبثها عبر صفحته على الفيسبوك، ولم يقم الشباب بصياغتها. بسقوط نظام بن علي، سقطت مواقع الصفحات الفيسبوكية في صراعات بينية حادة، والنتيجة تُهَم متبادلة، وتراشق بالشتائم والسباب. وهذا ما يؤكد غياب الرؤية المشتركة للعالم، فضلً عن الوعي الجيلي لدى أصحابها. أما الأسئلة التي يجب أن تُطرَح انطلاقًا من هذه الملحوظات فهي عديدة: هل يمكن أن نتحدث عن وعي جيلي فيسبوكي؟ وهل يكون الاحتجاج افتراضيًّا؟ وهل يؤشر تداول مقاطع الفيسبوك ونشرها إلى وعي سياسي؟ وهل يمكن وضع الشباب الناشطين على الفيسبوك في خانة الجيل السياسي، وإدراج ما يقومون به في خانة الوعي الجيلي؟ هل يمكن قياس الوعي السياسي من خلال النشاط الفيسبوكي؟ وماذا عن قيمة نشر المعلومة على الفيسبوك والحال أنها عملية لا تتطلب أي جهد؟ ثم كيف نتعامل مع مسألة السن إذا كان أغلب المشرفين على الصفحات تجاوزت سنهم 52 سنة؛ أي إنهم تجاوزوا المرحلة العمرية التي تعتمدها جل الدراسات السوسيولوجية لتعريف الشباب؟ وهنا، لا مناص من ربط الدراسات الجيلية بالدراسات السوسيولوجية المتعلقة بالشباب، وهي دراسات مختلفة بدورها حول تحديد سن الشباب؛ فبعض الدراسات يحصرها في الفترة بين 51 و 24 سنة، والبعض الآخر يرى أنها تمتد من 51 إلى 93 سنة، وهناك من يذهب إلى أنها لا تتجاوز الفترة الممتدة بين 12 و 16 سنة81. ولكن الغالب الأعم من هذه الدراسات يَعُد مرحلة الشباب بين 51 و 24 سنة، وهذا هو التحديد المعتمَد دوليًّا (من البنك الدولي، ومنظمة الأمم المتحدة)، وإن كان تقرير إزالة الحواجز أمام إشراك الشباب، المتعلق بالحالة التونسية، قد أدرج الشباب في الفئة العمرية التي تراوح بين 591 و 2 سنة. والثابت أن هناك أسئلة

  1. أيمن الرزقي، "شباب الفايسبوك وثورة 14 جانفي"، في مجموعة مؤلفين، 74 الانتقال الديمقراطي في تونس (تونس: الديوان للنشر، 012)2، ص.238-237
  2. Lecomte, "Révolution tunisienne et Internet," pp. 390, 395.
  3. Romain Lecomte, "Les usages "citoyens" d'internet dans le contexte autoritaire tunisien," in: Sihem Najar (dir.), Le cyberactivisme au Maghreb et dans le monde arabe (Paris: IRMC-Kharthala, 2013), p .73.
  4. كان سفيان الشورابي، صاحب مدونة "تونس أخرى ممكنة " التي أحدثها في حزيران / 2، صحافيًّا في جريدة الطريق الجديد يونيو 008. كما كانت لينا بن مهني، صاحبة مدونة "بنية تونسية " A Tunisian girl تشتغل على ذمة قناة TF1 حينما كانت تغطي الأحداث عن قرب في سيدي بوزيد، وكان برفقتها فريق صحافي مكلف بتغطية الأحداث. أما سامي بن غربية، وهو مدوِّن معروف، فهو نفسه أحد مؤسسي موقع نواة، راجع: نسرين رمضاني،
  5. حوار أجرته معها نسرين رمضاني في المرجع نفسه، ص.267
  6. عزت حجازي، الشباب العربي ومشكلاته، سلسلة عالم المعرفة 6 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 985)1، ص.29-28 80 المرجع نفسه، ص.2 81 البنك الدولي للإنشاء والتعمير، ص.5
  7. الانتقال الديمقراطي، ص "المدونون"، في مجموعة مؤلفين،.263-260

مستجدة فرضت نفسها بفعل تطور وسائل التواصل الاجتماعي وهي في حاجة إلى الإجابة.

خاتمة

موضوع الشباب والثورة في تونس كثر فيه التوظيف السياسي، وبات مُلِحًّا تناوُله ضمن مقاربة علمية تنأى به عن التجاذبات السياسية. من هذا المنطلق، بدت المقاربة الجيلية الأنسب لقراءة الثورة التونسية في علاقتها بالشباب، خصوصًا أنها تقوم على الربط بين العامل الجيلي والمتغيرين السياسي والاجتماعي. ولا تتوقف أهمية المقاربة الجيلية هنا على أنها أسلم السبل لفك طلاسم الثورة التونسية، والوقوف عند أسبابها فحسب، ولكنها مثلت فرصة ثمينة للتوقف عند هذه النظرية التي ما انفكت تشغل اهتمام الباحثين أكثر فأكثر، وباتت تفرض نفسها ضمن كبرى المقاربات التاريخية والاجتماعية التي تطمح إلى تفسير التحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى. غير أن محاولة قراءة الثورة التونسية وفقًا للمقاربة الجيلية لم تكد تبدأ حتى اصطدمت بأشدّ الإشكاليات حرقة وإلحاحًا: هل تصلح هذه المقاربة بالأساس لقراءة الثورة التونسية؟ وقد تبيَّ من خلال البحث أن الثورة التونسية تقبل القراءة الجيلية؛ فالشباب وتحركاتهم الاحتجاجية كانوا حاضرين بقوة، و"الحدث السياسي" تجلَّ في أبلغ معانيه (الثورة)، غير أن عناصر عديدة ك "الوعي السياسي" و"الجيل السياسي" وغيرهما من أسس المقاربة الجيلية ومفاهيمها تبدو باهتة ومفقودة. وكشفت لنا محاولة الغوص بقدر أكثر في أعماق هذه المقاربة العلمية عن حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن هذه المقاربة تعاني نقائص في مسار تشكُّلها، وغموضًا في مفاهيمها، وتباينًا في تصوراتها. والنتيجة (أو المفارقة) التي انتهينا إليها هي أنه عندما نريد أن ننزِّل المقاربة الجيلية على الثورة التونسية نكتشف أنها لا تستجيب لشروطها الأساسية على النحو المطلوب، وعندما ننجح في أن نعثر على بعض العناصر التي تستجيب للملامح الكبرى للمقاربة الجيلية نكتشف أنها، أي المقاربة الجيلية، تشكو النقائص وتعاني الهنات. وعمومًا، إذا كانت الثورة التونسية تبدو في حاجة إلى مزيد من الوقت للعثور على القراءة الدقيقة لفك طلاسمها، فإن المقاربة الجيلية تحتاج بدورها إلى الدراسات الدقيقة التي تستوعب التطورات الأخيرة التي فرضها واقع العالم الافتراضي.

المراجع

العربية

البنك الدولي للإنشاء والتعمير، مجموعة البنك الدولي. تونس: إزالة الحواجز أمام إشراك الشباب. واشنطن دي سي 2.014: الجمهورية التونسية، رئاسة الحكومة. "أمر حكومي عدد 534 لسنة 0172 مؤرخ في 9 مارس 0172 يتعلق بتنقيح الأمر عدد 9012 لسنة 9991 المؤرخ في 7 جوان 9991 المتعلق بتنظيم المعهد الأعلى للقضاء وضبط نظام الدراسات والامتحانات والنظام الداخلي." الرائد الرسمي للجمهورية التونسية. السنة 0.16 العدد 02 (آذار/ مارس.)2017 حجازي، عزت. الشباب العربي ومشكلاته. سلسلة عالم المعرفة.6 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1985 ثورة الشباب. القاهرة: دار مصر للطباعة الحكيم، توفيق.،.1988 شقرون، نزار. رواية الثورة التونسية. صفاقس: دار محمد علي الحامي،.2011 عزي، محمد فريد. "الأجيال والقيم: مقاربة للتغير الاجتماعي والسياسي في الجزائر." أطروحة دكتوراه دولة في علم الاجتماع السياسي. جامعة وهران. وهران - الجزائر،.2008 "قائمة أسماء الشهداء: الوفايات والضحايا." قضايا إستراتيجية. العدد

التقرير. تونس اللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق حول التجاوزات،: نيسان/ أبريل.2012 مجموعة مؤلفين. الانتقال الديمقراطي في تونس. تونس: الديوان للنشر،.2012 مجموعة مؤلفين. الثورة التونسية: القادح المحلي تحت مجهر العلوم الإنسانية. الدوحةبيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 المرصد الوطني للشباب. الشباب والمشاركة السياسية: مسح استطلاعي لنوايا المشاركة في الشأن العام. تونس 2.012: هيئة الحقيقة والكرامة. "جلسة الاستماع العلنية الخامسة -  14 جانفي 017."2 موقع هيئة الحقيقة والكرامة. 017/1/15.2 في: https://goo.gl/JkXPBY

الأجنبية

Allal, Amin. "Avant on tenait le mur, maintenant on tient le quartier!" Politique Africaine. no. 121 (2011). ________. "Trajectoires 'révolutionnaires,' processus de radicalisations politiques, 20072011-." Revue française de science politique. vol. 62. no. 52012(6-). Attias-donfut, Claudine. "La notion de génération: Usages sociaux et concept sociologique." L'Homme et la société. no. 9 (1988). Ayari, Michael Béchir. "Non, les révolutions tunisienne et égyptienne ne sont pas des révolutions 2.0." Mouvements. vol. 2. no. 66 (2011). Bennani-Chraibi, Mounia & Olivier Fillieule. "Pour une sociologie des situations révolutionnaires, Retour sur les révoltes arabes." Revue française de science politique. vol. 62, no. 52012(6-). Boumaza, Magali. "Les générations politiques au prisme de la comparaison." Revue internationale de politique compare. vol. 16. no. 2 (2009). Boumaza, Magali & Jean François Havard. "Générations politiques: Regards comparés. Avant-propos au theme." Revue internationale de politique comparée. vol. 16. no.

Cautres, Bruno & Nonna Mayer (dir.). Le nouveau désordre électoral: Les leçons du 21 avril 2002. Paris: Presses de sciences po, 2004. Value and "Generations Alessandro. Cavalli, Orientations." Social Compass. vol. 51. no. 2 (2004). Crête, Jean & Pierre Favre (dir.).  Générations en politique.  Paris and Laval: Economica/ PUL, 1989. Eisenstadt, Shmuel Nooh. From Generation to Generation: Age Group and Social Structure. 2nd ed. New Brunswick, London: Transaction Publishers, 2002. Fillieule, Olivier. "Propositions pour une analyse processuelle de l'engagement individuel." Revue française de science politique. vol. 51. no. 12001(2-). ________ (dir.).  Le désengagement militant. Paris: Belin, 2005. Heberle, Rudolf. Social Movements: An Introduction to Political Sociology. New York: Appleton Century- Crofts, 1951. Knoke, David. "Conceptual and Measurement Aspects in the Study of Political Generations." Journal of Political and Military Sociology. no. 12 (1984). Lecomte, Romain. "Révolution tunisienne et Internet: le rôle des médias sociaux." L'Année du Maghreb. no. VII

Mannheim, Karl. Essays on the Sociology of Knowledge: Collected Works. vol. 5. Paul Kecskemeti (ed.). London: Routledge & Kegan Paul, 1952. ________. Le problème de générations. Paris: Nathan, 1990. Mentré, François. Les générations sociales. Paris: Bossard, 1920. Najar, Sihem (dir.). Le cyberactivisme au Maghreb et dans le monde arabe. Paris: IRMC-Kharthala, 2013. Récappé, Bénédicte. "Mobilisation étudiante et génération politique: qui précède l'autre? Réflexions comparatives à partir des exemples hongrois (1956) et mexicain (1968)." Revue internationale de politique comparée. vol. 16. no.

Ryder, Norman B. "The Cohort as a Concept in the Study of Social Change."  American Sociological Review. vol. 30. no. 6 (1965). Sirinelli, Jean François. "Génération et histoire politique, Vingtième siècle." Vingtième Siècle , Revue d'histoire. no. 22 (1989). Tessler, Mark et al. "Political Generations in Developing Countries: Evidence and Insights from Algeria." Public Opinion Quarterly. vol. 68. no. 2 (2004). Y Gasset, José Ortega. Le thème de notre temps. Sainte- Foy: Le griffon d'argile, 1926.