الانتقال الديمقراطي التشاركي في تونس: حلول نخبوية في سياق ثوري
الملخّص
تعالج هذه الدراسة مدى تطابق النموذج التشاركي مع علاقات النخب التونسية خلال فترة الانتقال الديمقراطي بعد الثورة التونسية التي اندلعت سنة 2011. وتهدف إلى بحث المقاربات النظرية وتفسيرها وتحليلها، التي مك نت السياسيين في تونس إثر الثورة من تخفيف حدة الانقسام، فضل ا عن قراءة تأثير الشبكات الاجتماعية في استقرار الدولة التونسية. كما تسلط الدراسة الضوء على تطور دور الأحزاب التونسية، على الرغم من أن سقوط النظام التونسي السابق كشف عن انقسام مجتمعي عميق سيطر على أغلب النقاشات بعد الثورة، إضافة إلى التعمق في قراءة دور النخب وتأثيرها في الممارسة الديمقراطية التشاركية التي لم تكن ممكنة لولا وعي هذه النخب بحماية مصالحها والقيام بواجباتها. وتخلص الدراسة إلى أنّ عدم الاستقرار السياسي يكشف قصورًا في الديمقراطية التشاركية في تونس، كما أنّ اللجوء إلى التكيف لا يرجع دائمًا بالنفع على البلاد. كلمات مفتاحية: الثورة التونسية، الانتقال الديمقراطي، النموذج التشاركي، النخبة التونسية. This study addresses the extent to which the "participatory" framework is compatible with the networks of Tunisian elites since the Revolution of 2011. The author seeks to understand, analyze and interpret the theoretical approaches which allowed Tunisian politicians to reduce the level of political divisions within the country. The author further illustrates how Tunisia's formal political parties adapted and developed in the post-revolutionary setting, despite the revolution unraveling the vast extent of a societal rift in Tunisia which has dominated the country's political debates since that time. Finally, the study explores in depth the role and influence of Tunisian political elites as it relates to the praxis of participatory democracy, something which could not have been possible without the consciousness and awareness of these elites and their duty to fulfill their roles. Keywords: Tunisian Revolution, Democratic Transition, Participatory Democracy, Tunisian Elites.
Participatory Democratic Transition in Tunisia: Elitist Answers in a Revolutionary Context
مقدمة
اندلعت الثورة في تونس سنة 0112 وعقبتها موجة ثورية في عديد البلدان العربية، وقد جاءت الثورة بالأمل واليأس في الآن نفسه، كما أنها جلبت معها الحاجة إلى وضع دستور جديد، وأدّت كذلك إلى انهيار الدولة. وما زالت البلاد تقاوم للوفاء بوعود الثورة وسط فقدان المجتمع توازنه، ويضمن الدستور الجديد، قانونيًا، قيمً مثل الحرية والعدالة والشفافية. يُجمع الملاحظون الأجانب على أن تكرار انتخابات حرة ونزيهة، كالتي شهدتها البلاد سنتَي 0110142 و 2، تُنبئ بظهور مستقبل مشرق للديمقراطية الناشئة في تونس، ولكن الواقع يدلّ على استبدال التفاؤل الثوري1 بتشاؤم زاحف وعميق، ويسُود في الأوساط الشعبية تشاؤم يعود إلى تأزم الوضع، سبقه أمل في تحسن الأوضاع. فعند تقييم مدى نجاح الثورة ينبغي عدم التقيد بالإنجازات السياسية والدستورية والقانونية، بل يجب التطرق إلى إنجازات الثورة على أرض الواقع، فقليلً ما يقبل الناس القيم الثورية على أنّها محدودة تاريخيًا، إذ تتقيّد عملية الدمقرطة زمنيًا. وفي واقع الأمر، لا يستطيع الناس تحمّل التطور التاريخي البطيء الذي أوجد معظم الديمقراطيات الحالية. وبناءً على ما تقدم، تُعتبر الثورات فترات عصيبة لكونها تسعى أساسًا للحصول على مطالب متناقضة. في الجزء الأول من هذه الدراسة، سيقع عرض المشكلة باختصار على التحليل النظري والتدقيق في المنافسة الحيوية بين القوى المتصارعة التي تدّعي الشرعية حول المسار السياسي والدستوري. وتؤدي طبيعة القوى الفاعلة وحرصها على الصفة السلمية قبل الثورة دورًا حاسمً في تحديد مدى التهديد المسلط على العقد الاجتماعي. وفي الجزء الثاني من الدراسة، سيُسلّط الضوء على بعض الدروس المستخلصة من التجربة التونسية التي تصاعدت المنافسة السياسية فيها، إثر رفع القيود عن المجتمع، ما يكشف عن وجود نزعتين عدائيتين عميقتَي الجذور، ولكن مرونة النخب الأشد تأثيرًا خفّفت من خطورة نتائج الصراعات المحتملة، ويعتبر آرند ليجبهارت التجربة التونسية نموذجًا للتوافق الذي يطرح تحديًا تحليليًا لتقييم مدى تطابق النموذج التشاركي مع علاقات النخب التونسية2.
أولا: ضياع رأس المال الاجتماعي في سياق ثوري ׃ مقاربة نظرية
1. جذور الدمقرطة قبل الثورة
عندما تتسبّب الثورة بالانتقال الديمقراطي، يكتسب المجتمع المدني والنخب المُمثّلة له قوة كبيرة للوقوف أمام انحرافات استبدادية ممكنة؛ فبحسب أغلب نظريات الدمقرطة، تؤدي الشبكات الاجتماعية ومستوى كثافتها وطبيعة الهيئات الوسيطة التي تنتجها تلك الشبكات دورًا حاسمً في تحديد عسُر الانتقال وطبيعة تبعاته3، وبعبارة أخرى، فإنّ عوامل النجاح الديمقراطي تسبقها بداية تهاوي الدكتاتورية، وهو عامل يقلّل، إلى حد بعيد، من وزن الثورة بصفتها خطوة نحو الديمقراطية4. وبالفعل، فإنّ النظام الحكومي المتقدم جدًا لا يأتي من فراغ؛ فهو في حاجة إلى رأس مال اجتماعي يدعم ممارساته ويحمي قيمه. يُعرّف رأس المال بأنه وسائل الإنتاج، كما يُعرّف بأنه التوسع الاقتصادي عن طريق تراكم رأس المال. وبناءً على ذلك، تُعتبر فكرة رأس المال الاجتماعي دعامة من دعائم الديمقراطية، وهذا يعني أن الدمقرطة هي عملية تراكمية5، وبما أن الدولة والمجتمع انعكاس للحضارة الإنسانية، فإنّهما يسعيان دائما لبناء نخب وشبكات ومؤسسات تتفاعل فيما بينها على نحو متزايد التعقيد. وتحتاج الديمقراطية إلى تفاعلات متطورة بين العناصر المذكورة آنفًا بصفتها شكلً من أشكال الحكم6. وتسعى الدكتاتورية لمنع التفاعل الإيجابي بين المجتمع والدولة. ولكن وجود شبكات اجتماعية كثيفة ومؤسسات وسيطة ناشطة يقلّل من حدة عرقلة التواصل ويسهّل إرساء الديمقراطية نسبيًا7، وفي غياب الشبكات الاجتماعية والمؤسسات، تسود الاضطرابات وتنتشر حالة عدم الاستقرار بعد سقوط النظام الاستبدادي8.
تؤدي الدكتاتورية دورًا محوريًا في فرض الوئام الاجتماعي، وبذلك تصبح تدريجيًّا شرًّا لا بدّ منه، وقد يحدث فراغ في السلطة حين تسقط الدكتاتورية، وقد يترتب على سقوطها آثار خطيرة جدًا. وفي كثير من الحالات، ترعى الحكومة القوية وتحمي رأس المال الاجتماعي. ومن وجهة نظر توماس هوبز، مؤلف اللوياثان (كائن أسطوري)، الذي عايش الحرب الأهلية الإنكليزية التي ترى أن السلطة المطلقة للدولة هي بمنزلة الضمان الحقيقي لمنع انتشار الهمجية9، سيؤدي غياب الدكتاتورية، على الأرجح، إلى انقلاب أي علاقة بشرية إلى عنف وقتال10. وعلى الرغم من تشاؤم المقاربة، فإنّ حالات الاضطراب تمنحها صدقية كب ةرر11. وتكتشف المجتمعات أهمية الأمن والاستقرار اللذيْن كانت تنعم بهما في ظل حكم الدكتاتورية. فوفقًا للتأويل الذي يُعلي من شأن الدكتاتورية فإنّ السلطة في المقام الأول، هي بمنزلة درع واقٍ ضد تبديد رأس المال الاجتماعي. فيمكن أن تصل الأخطار إلى الأفراد أو المجموعة، ويعود ذلك أساسًا إلى تكوين الجمعيات والانتماء إليها. وقد يبدو هذا باعثًا على الدهشة؛ بالنظر إلى أنّ المجموعات الإرهابية والعصابات الإجرامية تعدّان مظهرًا من مظاهر الجمعيات التعاونية التي تبدي استعدادًا اجتماعيًا لإظهار إحساسٍ بالانتماء ومقاومة القمع، ولكن الخروج عن القانون والعمل ضدّه هما بمنزلة دافعين نحو الهمجية. خلال الفترة الانتقالية نحو الديمقراطية، تضعف الدولة ويضعف معها إنفاذ القانون، ما يشجّع على كثير من الانحرافات. وتنتهي الدراسة العلمية لفترات ما بعد الثورة إلى أنّ ضعف الدولة أمر لا مفر منه. وفي الحصيلة، فإنّ مسار الدمقرطة محفوف بكل أشكال الهمجية؛ من العنف الفردي، إلى الجريمة المنظمة، إلى الطموح الجامح والشعبوية السياسية12، ويمكن المجتمع أن يُوجِد شبكات معادية للديمقراطية حين يفشل في فرض القانون. ولا تتورّع الشبكات في رفع شعارات ثورية وديمقراطية لتشويه الانتشار السريع للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية لفائدة شرائح عريضة من السكان، وتقوم الشبكات بذلك لخدمة مصالحها. وتتمثّل المشكلة بأن الثورات تندلع خارج أطر القانون والشرعية، ويعتمد إضفاء الشرعية، بأثر رجعي، على التأييد الجماهيري وهو ما يعني تغييرًا جذريًا ليس في طبيعة الشرعية فقط، بل حتى في توجّهاتها. فتنقلب الشرعية من الاتجاه الأعلى إلى الأسفل ومن الاتجاه الأسفل إلى الأعلى، ويطرح انتشار التسييس الذي يفرضه التغيير تساؤلات جوهرية تتعلق باستقلالية الشعب وطبيعة نشاطاته الجماعية. تُعتبر مشاركة الشعب في الفعل السياسي خطوة حاسمة في اتجاه الديمقراطية، ولكن الحقيقة التاريخية تدفع نحو التساؤل حول المُسلمّات، فعلى سبيل المثال، يَعتبر مفكرو التيار النخبوي، بإجماع، الديمقراطية نظامًا نخبويًّا13، كما يعتبرون أن طبيعة النظام لا تخضع لتسييس الجماهير، بل لسلوكيات النخب14. إن القضية الأولى التي تحتاج إلى تقييم، تتمثل بوجود نخب متماسكة ذات أيديولوجيات وسلوكيات ديمقراطية في سياق ثوري. وبحسب منظّري النخبة، فإنّ الشعب دائمًا بمنزلة شتات لا يمكن تجميعه. كما أنهم يعتقدون أن الشعب لا يمكن أن يكون له شعور بالمصلحة العامة؛ ومن ثمّ لا يمكن أن يَحكم15، وإنْ سعى الشعب لتولي مسؤولية ممارسة الحكم، فإنه كثيرًا ما لا يعرف حدوده. وإنّ عداء الشعب وانقياده لنخب متنافسة ومختلفة في الآن نفسه يبرزان استعداد المواطنين لإزاحة عبء المسؤوليات المشتركة عن كواهلهم، وذلك على الرغم من تأجج الحماس الثوري في صفوف الشعب.
2. تنافس مطلق بعد الثورة
لا يتعارض الصراع السياسي والثوري الشائع مع الحاجة إلى زعامة تقليدية16، وهذا يعكس احتدامًا عاديًا في الصراع السياسي لمّا تؤثر السياسة مباشرة في حياة الناس اليومية ومصالحهم. وعلاوة على ذلك، فإنّ الانتشار الواسع للمشاركة في الحياة السياسية يمهّد الطريق لتلاعب النخب الرجعية القديمة أو القوى الصاعدة حديثًا، ويزداد الأمر تعقيدًا حين يقترن الوضع بوسائل الاتصال الحديثة؛ إذ إن الصراع بين القديم والحديث مهم جدًا عندما يتعلق الأمر
بغاية دراستنا هذه، وينتج التقسيم الزمني رابطًا قويًا بين أوضاع ما قبل الثورة والأوضاع التي تتشكّل بعدها مباشرة. وبالفعل، فإنّ الدكتاتورية عادة ما تُنصّب قوى سياسية واجتماعية واقتصادية، تسمي نفسها نخبًا. وبفعلها ذلك، تكسب الجماعة تمثيلً غير متناسب في منح الامتيازات، وهو نتاج مجهود موفق لتثبيت سيطرة قوة واحدة على بقية القوى قانونيًا وسياسيًا17. وينتهي التنافس باستسلام أو إقصاء قوى أخرى لها الطموحات نفسها، ويقوم أعضاء النخب الأشد تأثيرًا - عن غير قصد - بتأدية دور النخبة المضادة التي تتبنّى خيارات مختلفة. ففي بعض الأحيان تتعاون النخبة المضادّة مع النخبة الحاكمة؛ لاقتناص الفرصة والابتعاد عن دور النخبة المضادة والالتحاق بصفوف النخبة الحاكمة. وإن الوقوف على الحياد يمكن أن يعود على النخبة المضادة بالنفع مستفيدة من استقرار الأوضاع الذي تضمنه الدكتاتورية، ولكن الرغبة في تغيير ميزان القوى ينتهي بإقصاء النخبة المضادة.
وتتحصل النخبة المضادة على شرعية ثورية إثر سقوط الحكم الاستبدادي، وتتحوّل في نهاية المطاف إلى النخبة الحاكمة الجديدة، ولكن الشرعية الجديدة يمكن أن تتزعزع من طرف الشبكات الفوضوية التي تتقمص دورًا ثوريًا للجماهير، وترفض أي شكل من أشكال النخبوية. وإن إمكان التصدع بين النخبة المضادة القديمة والشبكات المؤقتة الواثقة من نفسها كثيرًا ما يمنح قوى الثورة المضادة زخمً ويرجّح ميزان القوى لفائدتها، وقد دفع هذا الخطر المحدق لينين إلى تبنّي المقاربة النخبوية في تحديد طبيعة الثورة المنشودة. ففي نظر لينين، لا يمكن اندلاع ثورة عفوية. وحتى إن وقعت، فهي ليست محل ترحيب، ولذلك، تحتاج الثورات إلى قيادة ثورية تُحوّل الطبقات الدنيا إلى مجموعة متماسكة وناجعة، وفي أحسن الأحوال يستطيع العمال نشر وعي عمالي، ولا تتجاوز مطالبهم حد الحقوق الاجتماعية القصيرة المدى. فلا يمكن تحويل الجماهير الخاملة إلى قوة ثورية إلا بجهد ثوار مدرّبين ومحترفين، ولكن وجود قيادة متماسكة يحمل في طياته مخاطر جدية لطمس الديمقراطية. ويعمد القادة الثوريون إلى تبنّي مواقف متشددة من أي مقاومة تحول دون استفرادهم بالسلطة18 ولذلك تكون الفترات الانتقالية محفوفة بمخاطر طمس معالم الديمقراطية، ويحتاج أيّ مسار متطلع إلى الديمقراطية إلى مقاومة الانحرافات الثورية وارتداد القوى المعادية للثورة. ففي حالة قلة الخبرة في ممارسة الديمقراطية، يحتاج مسار الدمقرطة الدائر في سياق ثوري إلى الوقوف أمام التعصّب القادم من الطموح الرجعي، الذي تمثّله مصالح النظام القديم، أو من رغبة الانتقام التي يؤججها التطرف الثوري. وتزداد الحالة سوءًا حين يُغذي الخوف المتبادل والاستفراد بالامتيازات مظاهر التعصّب. وبالفعل، فإنّ تبنّي التيار الثوري المتشدّد للعقوبات القاسية، وللتغيير الجذري، وللعزل الشامل لمنع اندماج القوى المعتدلة المحسوبة على النظام المخلوع ونخبه من المشاركة في مسار الدمقرطة19، يدفع القوى القديمة إلى الاتحاد مع أشد القوى رجعية في الثورة المضادة والسعي معها لإرجاع الدكتاتورية20. ومع أن مطلب إزاحة النخب الحاكمة القديمة لا يمكن إدانته بصراحة، لأنه ينسجم مع روح الثورة، وتُعتبر سياسية الاحتواء ضرورية إلى حد بعيد لحماية استمرار الثورة؛ ذلك أن الانتقام والاستيلاء على السلطة من أهم روافد الثورة المضادة. ويُعتبر الاحتواء من الخطوات الأساسية في السياق الثوري، وهو ضروري أيضًا؛ لأنه يساهم في بناء الخطاب السياسي الانتقالي والسياسات العامة في إطار صراع خفيّ بين الثورة والديمقراطية21. ففي كثير من الظروف يُنظر بعين الريبة
إلى الانقسام الثوري وما ينطوي عليه من انهيار مؤسسي، إذ يعتبر الانقسام بداية معقولة للانتقال نحو الديمقراطية، ومن الضروري الإقرار، بطبيعة الحال، بأن الأنظمة الدكتاتورية نادرًا ما تقبل الإصلاح وأن بقاء الدكتاتورية في الحكم يخضع دائمًا لمدى نجاحها في مقاومته. وفي بعض الأحيان تكون الثورة مرحلة ضرورية لانطلاق الدمقرطة. إن التشكيك في أيّ شكل من أشكال السلطة يؤدي إلى اعتبار الثورة وما تنطوي عليه من عنف وحرب أهلية تهديدًا للعقد الاجتماعي22، وفي هذه الحال، تحوم الشكوك حول السلطة التنفيذية وتتّسع نحو كل مظاهر السلطة، ويتحول الانتقال من نظام حكم مستبد ومتجاهل لتطلعات المجتمع ومصالحه، إلى نقيضه في وضع ثوري، وإلى حالة من عدم الاستقرار. تواجه النخب الحاكمة القديمة تحديّات قويّة قد تزيحها تحت وقع ضغط الجماهير العنيف، كما أنها تواجه تحديات تطرحها فصائل النخبة المضادة المختلفة التي تتطلع إلى أن تتحوّل إلى نخب جديدة حاكمة. وهذا يعني أن شبكات هامشية، وفي بعض الأحيان لا تملك نفسًا ثوريًا، سرعان ما تصبح واعية بتوافر الفرصة لاختيارها للالتحاق بالطبقة الحاكمة. وأمام مقاومة الثورة المضادة وتزايد طموحات النخبة الصاعدة للظفر بالمناصب العليا، يسود صراع منفلت من أجل الحصول على الامتيازات، غالبًا ما يتحول إلى صراعات مفتوحة. وبالفعل، تميل المنافسة السياسية المُشوّشة، التي غالبًا ما تحتدم بعد غياب القيود، إلى تجاوز الحدود المتعارف عليها، ولا يُتخلّ عن وسائل الديمقراطية التقليدية المنظّمة لعملية المنافسة؛ وبذلك يُفسَح المجال أمام النخب القديمة التي تسعى لتجنّب حصول تغيير مهم باستعمال نفوذها الواسع مستعينة بمرونة الوسائل المتاحة. ولهذا يُعتبر التسلل التدريجي للنخب بوسائل ديمقراطية أمرًا متعارفًا عليه، بل مضادًا للثورة. وعلى الرغم من سعي المنافسة لتحقيق الديمقراطية، فإنها تُعتبر منافسةً بين مجموعات اجتماعية واعية تريد الحصول على منزلة النخبة، ما يُهدّد رأس المال الاجتماعي الذي تقوم عليه الديمقراطية23. إن إدراك النخب لخطر الثورة المضادة قد يدفعها إلى التكيّف مع الوضع الجديد، وذلك على حساب طموحات الثورة وممارسات الأغلبية الديمقراطية؛ ومن ثمّ يمكن أن يكون التوافق إطارًا فكريًا مهمًّ لتقييم إنجازات التجربة التونسية بعد الثورة التي تؤكد قدرة النخب المتصارعة على ضمان حدّ مقبول من الانسجام في محيط سياسي مشحون عبر التنازلات المتبادلة.
ثانيًا: الديمقراطية التشاركية بين الفئات المختلفة في تونس
1. ثقافتان فرعيتان في تونس
استطاع السياسيون في تونس بعد الثورة أن يخفّفوا من حدّة الانقسام، وأن يحافظوا على الاستقرار إلى حدّ ما، رغم اندلاع صراعات حادة وقع التطرق إليها في الجزء الأول من الدراسة، ولم يُرجِّح ميزان القوى الكفّة لأيّ طرف كي يهيمن على الساحة. وفي الآن نفسه، مَنعت متانة الشبكات الاجتماعية واستقرار الدولة التونسية نسبيًّا المؤسسات الرسمية من الانهيار؛ وبذلك تحوّل الخطاب العام سريعًا من خطاب عدائيّ إلى خطاب توافقيّ. ويُعتبر تطوّر دور الأحزاب من أبرز ملامح الفترة الجديدة. وتُكرّس النُخب الحزبية التنافر فيما بينها أو تتكيّف مع الأوضاع الجديدة، ويعكس تباين الثقل الحزبي، على نحو واضح الثقافة السياسية السائدة في البلاد. وخلال حكم الرئيس بن علي، تسرّبت السياسة والأيديولوجيا، بطريقة أو بأخرى، إلى كل جوانب المجتمع ووصلت نسبة التدخل إلى حد لا يمكن السماح به في أغلب الديمقراطيات24. ومن تناقضات نظام الرئيس بن علي، ترافق عزله المنهجي لأي منافس سياسي مع تسييسه لعديد منظمات المجتمع المدني، وذلك باحتوائها بصفة رسمية أو مقاومتها سياسيًا بطريقة خفية. ولا يوجد شك في أن الهياكل التعليمية والثقافية والنقابية وغيرها من الهياكل كانت تحرّكها دوافع سياسية، كما أنّها كانت تنتظر رفع القيود كي تفجّر طاقاتها25. وبطبيعة الحال، كان المجال الديني من أكثر المجالات التي تدخّل فيها النظام؛ ذلك أن الخطاب الإسلامي كان منافسًا قويًّا للثقافة السياسية الرسمية. وجاء تسييس الدين بوصفه ردّة فعل على ما اعتبُر مشروعًا علمانيًّا نشِطًا، وقد انتهى الأمر إلى فصل واضح بين معسكرين مجزّأين يمتلك كلّ واحد منهما مؤسّساته وممارساته. وكثيرًا ما كانت السلطة تنكر هذه الحقيقة، ولكن حركيّة السياسة
والمجتمع المدني بعد الثورة أثبتت أنها عوامل مولّدة للانقسام، وقد أدّى تحرير قطاع العمل الجمعياتي إلى واقع فوضوي، وغالبًا ما تُكوّن الجمعيات بخلفيّات أيديولوجية، وهكذا ظهر الانقسام بصفة آلية في شكل جمعيات إسلامية وأخرى علمانية، وكان كلاهما يدافع عن القضايا نفسها، ولكنهما يتبنّيان مقاربات مختلفة ويستعملان مفردات يُ كن بواسطتها تحديد توجهات الجمعيات26. وبناءً على ذلك، أخذ الانقسام أوجُهًا عدة، من بينها: التقسيم التقليدي الهيكلي إلى ثوريين وقوى مضادة للثورة، كما أن الساحة السياسية التونسية بعد الثورة كشفت المدى الحقيقي للانقسام الذي صنّف مكوّنات المجتمع إلى إسلامي وعلماني، واستخدمت الصراعات المحتملة، في الآن نفسه، محرّكًا لتعبئة الناشطين وتغذية النزاعات الفئوية، وانتهى الأمر باحتدام المنافسة بين النخب والنخب المضادة بعد صعود ثقافتين فرعيتين مهيمنتين على النقاش العام27. وكان خطر الانقسام - على نحو متناقض - من العوامل التي خففت من آثار المنافسة العشوائية بعد الثورة ودفعت النخب المتنافسة إلى التنسيق فيما بينها. ويشتمل التنسيق بين الفرقاء على العديد من المظاهر، من أهمها ما يسميه ليجبهارت سياسة إرساء الدعائم28 التي تُعرف بأنها استعمال ثقافتيَن فرعيتيَن منقسمتين كدعامتيَن لبناء جسر رمزي لتوحيد المجتمع. ويختصر ماكري التوافق في كونه حلًّ نخبويًا للانقسام الحاد والدائم لدرء تفكّك المنظومة، وهكذا تتّفق النخب على حماية نفسها عن طريق التنازلات المتبادلة والتكيّف مع الأوضاع29. من البديهي أن تجد أنّ التكيّف والتنازل قليلً ما يتلاءمان مع الطموحات الثورية، ولذلك أصبح من الضروري فهم الظروف والدوافع التي جعلت من تونس بلدًا مستعدًا لممارسة ديمقراطية تشاركية. وبحسب التأويلات التقليدية، يُنظر إلى الديمقراطية التشاركية على أنّها تجسيد للهياكل المجتمعية التي تفرض إستراتيجيات تعاونية من أجل صنع قرار سياسي ناجع. وبعبارة أخرى، يكون التنسيق بين النخب مبنيًّا على الخوف من الانقسام المجتمعي، إلا أنّ السياق الثوري المناهض للنخب يمكن أن يقلب العلاقة السببية، وبحسب التأويل السابق فإنّ النخب السياسية تنسّق فيما بينها لتعيد سريعًا سيطرتها على الشعب. كما لا يمكن تجاوز التباين المجتمعي؛ لذلك يُوظّف قصدًا لإرساء دعائم حماية سلطة النخب السياسية30. ولا تخشى النخب خطر الانقسام، ولكنها ترتعد من غضب الشعب، ومن ثمّ فهي تتكيّف مع الأوضاع. كشف سقوط الاستبداد في تونس عن انقسام مجتمعي عميق، صدم العديد من المفكرين الذين شُكّك في توجهاتهم بشدة، خصوصًا عندما هيمن الانقسام الديني - العلماني على أغلب النقاشات بعد الثورة. وقد يبدو ذلك مفاجئًا بالنسبة إلى الأطراف الأجنبية؛ لأن القضية لم تطرح خلال الثورة، كما أن النخب كانت تزعم أنها لا تقيم وزنًا لمسألة الانقسام، وبذلك يمكن أن يوجّهوا أصابع الاتهام إلى نخب أخرى لتوظيفها مسألة الهوية لتعميق الانقسامات الموجودة أصلً بين أفراد المجتمع. تُعتبر الحركة الإسلامية في تونس من أبرز الثقافات الفرعية. وبالفعل، فمن جملة وسائل مقاومة النظام الدكتاتوري في عهد بن علي، رفضُ برامجه العلمانية، وبذلك نجحت الحركة الإسلامية نسبيًّا في بناء ثقافة إسلامية فرعية متماسكة. فقد تمكن حزب حركة النهضة من كسب الرهان الانتخابي بحصوله على أغلب الأصوات في انتخابات المجلس التأسيسي، ما فرض على بقية القوى السياسية التعامل معه. إضافة إلى خلفية النهضة الدينية، فإنّ هذه الحركة قد تمكّنت من تبنّي خطاب ثوري يقوم على مقاومة القوى المضادة للثورة. وبتبنّي النهضة المطالب الثورية، وتمكّن الحزب من الحصول على دعم بعض الأطراف العلمانية، وتجسّد الدعم في مشاركة حزبين علمانيين في حكومة الترويكا، غير أنّ إعادة توزيع الأصوات تكشف اتجاهًا هيكليًّا نحو وضعية ثقافية غنمت منها حركة النهضة على حساب حلفائها. وعلى الرغم من التراجع النسبي للدعم الشعبي، فإن حركة
النهضة تمكّنت من الحصول على المرتبة الثانية، حاصلة على أكثر من 03 في المئة من الأصوات في الانتخابات العامّة سنة 014.2 وقد مُنِي حلفَا النهضة بأثقل الهزائم؛ ذلك أنّ حُججهُم الثورية قد فقدت جاذبيتها أمام خطاب معادٍ للإسلاميين، بُنيت عليه الثقافة الفرعية الثانية. وبعبارة أخرى، فإنّ موقف حلفاء النهضة العلماني استبعدهم من الانتماء إلى الثقافة الفرعية الأولى، ولكنّ تحالفهم مع النهضة حال دون انضمامهم إلى الثقافة الفرعية الثانية. مثّل نجاح حركة النهضة السياسي تهديدًا للنمط المجتمعي في تونس، ما دفع بقية القوى العلمانية إلى التحرك والتنبيه إلى خطر النهضة. وتُدافع حركة النهضة عن القيم الإسلامية، وتعتقد أنّ الدين موضع توافق آراء، وأنّه مصدر إلهامٍ بما يتضمّنه من قيم مشتركة بين أفراد المجتمع. وتعادي القوى العلمانية ما تسميه الإسلام السياسي الذي يعتبر مصدر خلاف وتفرقة وصراع. وتُعتبر المعارضة النشطة للإسلام السياسي من التركات السلبية والإيجابية قبل الثورة. فلا غرابة في أنّ حزب حركة النهضة يُذكّر النُّخب التونسية بماضيها؛ فإثر الاستقلال تولّ حزب الدستور القيام بالأعمال التي كانت من مشمولات السلطة الاستعمارية، ويعني ذلك تحوّل أعضاء حزب الدستور البارزين إلى قادة سياسيين. أمّا الشبكات التابعة له، فتحوّلت إلى منظمات اجتماعية تابعة للدولة المستقلة حديثًا. ويعتبر ذلك أساسًا للدكتاتورية التي تمنع وسائلها الرسمية وممارساتها الإقصائية من التطابق مع وضع ثقافة فرعية. ومع ذلك، فإنّ الهوية التونسية ليست بالضرورة علمانية، ولكن أقلية من الناس تنعت نفسها بكونها من الإسلاميين الناشطين، بينما يصف عدد قليل من المواطنين أنفسهم بأنهم علمانيون، في حين تدافع الأغلبية عن حضور الدين في الحياة العامة، بل على وجود علاقة ما بين الدين والدولة. وإنّ فصلً كلاسيكيًا بين الدين والدولة في تونس لا يُعدّ غير مرجّح فحسب، بل إنه مستحيل تمامًا في إطار ديمقراطي. وتُحرج حقيقة العلاقة بين الدين والدولة النخب العلمانية بعد الثورة، ولذلك تعرّضت العلمانية المُبهمة لهجوم عنيف، وأضعفت كثرة الطموحات المتنافسة التماسك السياسي للثقافة العلمانية الفرعية. فدعت النخب العلمانية إلى المحافظة على سيطرة هرمية كافية، يمكن بواسطتها إيجاد قوة سياسية حاسمة ووحيدة. لم تتراجع سيطرة النظام القديم بعد الثورة كما أن نخبه حافظت على مصالحها31، وتحوّل النظام القديم من ثقافة مفروضة رسميًا إلى ثقافة فرعية ذات طموح سياسي ومُنخرطة في تنافس سياسي مُشوَّش؛ وذلك من أجل كسب الامتيازات أو المحافظة عليها32. وقد اقترن فقدان السيطرة بخطر فقدان الاستقلالية في المستقبل. وأثار انتصار النهضة في انتخابات سنة 0112 ردّات فعل عنيفة من جانب ممثلي الثقافة الفرعية العلمانية، ويعود ذلك إلى مخاوف من استعمال التيار الديني سلطة الدولة لفرض نمط عيشه؛ لذلك شهدت البلاد استنفارًا شديدًا لحماية ما يسمّى النمط المجتمعي التونسي.
2. الأحزاب السياسية وديناميكية الديمقراطية التشاركية
لم يكن ممكنًا ممارسة الديمقراطية التشاركية لولا تمسّك النخب بالأنماط المجتمعية، ولولا تنافسها ووعيها بحماية مصالحها والقيام بواجباتها. وقد عرّض الانقسام رأس المال الاجتماعي وإنجازات الثورة للخطر، وكان الانقسام المجتمعي المقترن بالأوضاع الثورية يعني عمليًّا استحالة الحكم الفعّال، ولكنّ حرص نخب الثقافتين الفرعيتين على التكيّف مع الأوضاع أوجد نمطًا من التمشّ الذي ينبّه إلى مخاطر التفرقة، وانتهى الأمر بتسوية تلتزم بضمان بقاء الدولة33. ظهرت ديناميكية الديمقراطية التشاركية مع إلغاء دستور سنة 9591، وساهمت الحاجة إلى وضع إطار دستوري جديد في منح المنافسة السياسية بُعدًا هيكليًّا، وسط مخاوف من سيطرة حركة النهضة بعد الثورة على الترتيبات المؤسّسية لفائدة الثقافة الفرعية الإسلامية. وبناءً على ذلك، طالبت الأحزاب العلمانية، دائمًا، قبل انتخابات 0112 وبعدها، بإرساء علاقات تشاركية، ولكن المصطلح المناسب لم يكن متداولً34. ومن جانبهم، كان قياديّو حركة النهضة يميلون إلى القبول بدعوات الحوار، وأصبحت حركة النهضة تتصدّر المشهد بفضل ما أحرزته من مكاسب انتخابية، ولكنّ قياديّيها واجهوا ضغوطًا هائلة؛ لتحميلهم المسؤولية الكاملة عن أيّ فشل حاصل. وكانت المبادرة الأولى من جانب حركة النهضة القبول بنظام انتخابي يعتمد التمثيل النسبي لتنظيم انتخابات المجلس الوطني التأسيسي سنة 0112، وتمّت الموافقة على مواصلة العمل
بالنظام الانتخابي النسبي من طرف المجلس الوطني التأسيسي، ومن دون تحديد نسبة دُنيا لدخول البرلمان؛ وهو ما أدّى إلى تثبيت التمثيل النسبي وتوسيعه. وبالفعل، بلغ مدى النظام الانتخابي حدّ التأثير في توزيع المسؤوليات الرسمية في ظلّ الحكومات المتعاقبة، ولكن كان ذلك محلّ نقد لاذع من جانب السياسيين والمفكّرين ورجال الإعلام الذين لم يستوعبوا طبيعة الديمقراطية التشاركية، وانتهت بهم الحال إلى إحساس عميق بخيبة الأمل، وتجلّ ذلك في تصريحات شعبوية تتعلّق بفشل الثورة وأخرى تحرّض على انتفاضة ثانية. وهكذا لم يصل التمثيل النسبي، على عكس الأفكار السائدة، إلى المدى الكامل. وفي حالة ترسيخ المقاربة التشاركية في تونس، فإنّه من المرجّح توزيع المنافع والمصالح العامة على أساس نسبيّ وتجاوز الحقائب الحكومية. فعلى سبيل المثال، يمكن تخصيص الأموال العامّة بصفة علنيّة على أساس قوة الأحزاب السياسية والثقافات الفرعية للأحزاب في الدوائر الرسمية35. وفي غضون ذلك، يُعتبر التمثيل النسبي بالتأكيد الحلّ الوحيد المعقول لإقامة تحالفات حكومية. فإثر انتخابات 0112، احتاجت النهضة إلى شركاء لإقامة ائتلاف، ما دفعها إلى طلب الدعم من المعسكر العلماني الذي ما زال يعاني انقسامًا شديدًا. ويُعدّ ذلك مساهمة ثانية من جانب النهضة لإرساء الديمقراطية التشاركية في تونس. وجاءت الخطوة الثالثة نحو إرساء الديمقراطية التشاركية بعد انتخابات 0112، عندما وافقت حركة النهضة هي وحلفاؤها على منح الأقلية المعارضة سلطة حقّ النقض حول عملية إعداد الدستور؛ ذلك أنّ الدستور يحتاج إلى موافقة الثقافتين الفرعيتين كي يحظى بشرعية على المدى البعيد36. ويدل التوافق المطلوب على أنّ الطرفين مدركان أنّ الاستقرار السياسي على المدى البعيد أهمّ كثيرًا من الحصول على مصلحة ظرفية قائمة على الانفراد بالسلطة. وبناءً على ذلك، وقع الاتفاق على ضرورة الحصول على أغلبية تصل إلى نسبة 66 في المئة من النواب لاعتماد الدستور الجديد. إنّ منح الثقافتين الفرعيتين حق النقض في موضوع القضايا الثقافية الجوهرية، والتنازل من الأغلبية السياسية في البرلمان آنذاك، يشيران إلى الاعتراف الضمني بضرورة إيجاد توافق تاريخي حول المسائل الأشد إثارة للخلاف37. وبذكر الخطوات الثلاث المتخذة من جانب حركة النهضة، تكتمل الصورة وتتلاءم مع تعريف ليجبهارت للديمقراطية التشاركية38. ويُعرّف ليجبهارت الديمقراطية التشاركية مستعينًا ببعض الديمقراطيات المستقرّة في بلدان بها انقسامات سياسية عميقة على أنّها: اتحاد احتكاري نخبوي مبنيّ على عوامل تيسيريّة عدّة39، وتتمتع النخب بقدرات كبيرة على التكيّف في إطار ثقافتها الفرعية، وتُبدي استعدادًا لتجاوز الانقسامات الهيكلية واستعدادًا للالتزام بالنظام السياسي، وتُدرك أخطار الانقسام40. وعلى نحو آخر، تُعتبر ممارسات النخب تصحيحًا لأوضاع محيط سياسي سلبيّ. وقد استعمل ليجبهارت في بحث حديث له فكرة الديمقراطية التشاركية واستنبط المصطلح الملائم مع الحالة التونسية. وتسعى آليات أربع لضمان بناء عملية توافق ناجع نسبيًا. تتمثل أولى الآليّات بوجود ثقافة فرعية مستقلة ومُحدّدة وقبولها. وتتمثّل الثانية باللجوء إلى تحالفات واسعة. أمّا الثالثة فهي القبول بمستوى مرتفع من التناسُبية السياسية. وأمّا الرابعة، فهي توفير آليات تضمن للأقلية حق النقض41. ومن الواضح أنّ النخب التونسية أبدت استعدادًا كبيرًا لتبنّي الآليات المذكورة آنفًا منذ سنة 0112، وقد أدّى ذلك إلى تحوّل سريع في المسار الانتقالي من سياق ثوري يسيطر عليه الشارع إلى ترتيبات سياسية تقودها النخبة. بعبارة أخرى، أنهى التنسيق بين النخب تسييس الجماهير، كما قلّل من ضغط المطالب الثورية. سيطرت مخاوف من عودة الانفراد بالرأي على عملية إعداد الدستور. فعلى سبيل المثال، تمّ رفض النظامين البرلماني والرئاسي خلال المداولات
المتعلقة بالنظام السياسي، وقد كان يُخشى من تبنّي أيّ النظامين، ومن أن ينتهي الأمر بتبنّي نظام يقوم على الأغلبية ومن تجريد المعارضة من أيّ تأثير ناجع في عمليّة وضع السياسات. ولم يُقترح بجديّة إرساء نظام تشريعي يقوم على مجلسين، والذي يُعدّ حلً تقليديًا لإيجاد نظام مراقبة متبادلة. وتمّ تركيز النقاش على السلطة التنفيذية بدلً من التشريعية؛ وذلك نظرًا إلى التجربة التونسية الحديثة مع تجاوزات السلطة التنفيذية، وانتهى الأمر بتوافق حول اقتسام الصلاحيات التنفيذية بين مؤسسة الرئاسة والحكومة في إطار نظام سياسي مختلط42.
ومضت الانتخابات التشريعية والرئاسية سنة 0142 نحو تعزيز السيّر نحو الديمقراطية التشاركية. أمّا الحملات الانتخابية، فإنّها واصلت الانقسام، بل عمّقته. وقام الخطاب السياسي على محورين مختلفين يتمثلان بالدفاع عن الديمقراطية، والحاجة إلى هزيمة الثورة المضادة من ناحية، وتعزيز المبادئ العلمانية وشن حرب حاسمة على التيار الإسلامي. ويشير الانقسام خلال الحملة الانتخابية إلى ضغط الشعب الذي أصبح أقل توافقًا بشِقيه العلماني والإسلامي43. كما أن الحملة تدل على وجود علاقة يسيطر عليها الانفعال بين معسكرين يتبادلان العداء ويستبعد أحدهما الآخر. غير أن الأجواء السياسية السائدة بعد الانتخابات كشفت الحقيقة حول طبيعة المنافسة الحزبية، ويبدو أن الخطابات العاطفية المشحونة كانت موجّهة إلى حشد جماهير الثقافتين الفرعيّتين. ومع انتهاء التصويت تحرّر القادة السياسيون من الضغوطات وأصبح خطابهم يدعو إلى المصالحة من جديد. وأدى النظام الانتخابي النسبي دور المحفّز من جديد لزيادة التنسيق بين الفرقاء السياسيين، وقد أفضى النظام الانتخابي إلى تعددية سياسية من خلال الارتفاع النسبي في عدد الأحزاب المُمثّلة في البرلمان؛ ويعني ذلك عدم تمكُّن أيّ حزب من الحصول على الأغلبية المطلقة. ومن الضروري الإشارة إلى أنّ الديمقراطية التشاركية تحتاج بقوة إلى عدد قليل نسبيًّا من الأحزاب الكبيرة لتقوم بالدور الرئيس في إدارة المفاوضات. وبهذا المعنى، تتميّز انتخابات عامَي 0110142 و 2 بالاختلاف في الشكل. ففي انتخابات 0112 كانت ممارسات التكيّف مبنيّة على حزب محوري وحيد؛ ما يترك انطباعًا مفاده أنه يمنح تنازلات غير متوازنة لكل الأطراف. وبالنسبة إلى انتخابات سنة 0142، فإنّ حضور حزبين كبيرين انتهى بائتلاف موسّع يضمّ شراكة تاريخية بين حزب حركة النهضة وحركة نداء تونس44. وإذا أُِخ ذ في الاعتبار طبيعة حركة نداء تونس، فإنّ تركيبة الائتلاف تفقد تماسكها؛ إذ إنّ حركة نداء تونس، في حدّ ذاتها، تتكون أساسًا من قوى علمانية مرتبطة بمصالح أطراف لها علاقة بالنظام القديم. اتسع أفق الديمقراطية التشاركية على نحو لافت بين سنتي 0110142 و 2 إثر التحالف المفاجئ الذي غطّى على الانقسام العلماني - الديني، وخطَّ الفصل التقليدي بين قوى الثورة وقوى الثورة المضادة، واعتبُر التحالف امتحانًا عسيرًا لقياس قوة التضامن الداخلي في كل ثقافة فرعية والوقوف عند نفوذ القياديين على مستوى القاعدة الشعبية. ولم يستوعب أنصار حزب حركة النهضة وحركة نداء تونس، باستثناء قليل منهم، مغزى التقارب بين الحزبين. ويعتبر ليجبهارت التقارب المذكور من المكونات الأساسية في نموذجه للحكم. وبما أن الشعب لم يتعود فكرة الديمقراطية التشاركية، فإنّ نظرية المؤامرة كانت الرواية المقنعة له، والتي كانت تُولّد مزيدًا من العداوة ضد النخب. ويُردّد الشعب أن الوضع الراهن والدفاع عن مصالح مُحدّدة يقفان وراء تنسيق حركة النهضة وحركة نداء تونس. وبطبيعة الحال، عملت الأحزاب التي بقيت خارج الائتلاف الموسع على تعزيز رواية نظرية المؤامرة، كما كان قادة الأحزاب المناهضون للائتلاف يحاولون الحصول على دعم الناخبين الغاضبين من حزب النهضة وحركة نداء تونس.
لقد أبدت حركة النهضة استعدادًا كبيرًا للتماسك الداخلي، وبذلك نجحت في امتحان كسب التضامن الداخلي من الحزب وتضامن الثقافة الفرعية الإسلامية، ويعود ذلك إلى هيكلة الحزب التي تقوم على الرابط الأيديولوجي، كما أنّ حركة النهضة تمتلك شبكة واسعة من الجمعيات التي توفّر الاندماج السياسي لقوى وأشخاص من خارج الحزب. وبالتفكك الهيكلي لحزب نداء تونس بعد سنة 201445، احتلت النهضة من جديد الموقع الأول في البرلمان، ولم يكن التنبؤ بمصير أيّ قوة سياسية يسيرًا، وخصوصًا أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة كانت تدفع نحو مزيد من معاداة الأحزاب المتحالفة46. وبناءً على ذلك، لم يكن أيّ حزب من الأحزاب مستثنى من ديناميكية التفكك بعد الثورة. وتُعتبر حالة نداء تونس مثالً يشير إلى أن الحلول التشاركية قد تنتهي بتنافس محموم داخل الثقافة الفرعية نفسها، وقد اهتزت شرعية قياديِي حركة نداء تونس لمّا أصبحت المفاوضات ضرورية مع الإسلاميين. وأسّس الحزب إستراتيجيته السلبية أساسًا على التهديد الذي يمثله التيار الإسلامي، ويُعزى تفكك حركة نداء تونس السريع إلى فقدان التماسك الأيديولوجي داخل الثقافة الفرعية العلمانية. وقد حصلت النهضة على تفوق هيكلي؛ وذلك لدعوتها إلى الدفاع عن قيم مشتركة، ولكن على المدى البعيد قد تفقد حركة النهضة تفوقها الهيكلي؛ إذا دعّمت الديمقراطية التشاركية مقولة إنّ السياسيين جميعهم سواء. وبما أن الأيديولوجيا وسيلة ناجعة لتعبئة الجماهير نحو أهداف محددة في أوقات الصراع والمفاوضات، فإنّ تراجع التوتر سيفكك حتمًالتماسك الداخلي لحركة النهضة، وسيكشف حدود التضامن الأيديولوجي. ولم يبقَ للنخب التونسية سوى محفزين على الأقل يدفعان نحو إرساء الشراكة التاريخية بين الثقافتين الفرعيتين وسط أخطار مُحدقة بالمسار. يتمثل المُحفّز الأول بضرورة تجاوز قضية تثير خلافًا كبيرًا، هي علاقة الدولة بالدين والسعي لحلّها عن طريق المفاوضات والتوافق، من أجل تجاوز التحديات الداخلية والخارجية، وسط تزايد الانشغال بقضية الإرهاب. أمّا المحفّز الثاني، فيتمثّل بوعي سائد مفاده أنّ الدمقرطة لا تقبل بإقصاء أيّ طرف، وبذلك يسُود اعتراف متبادل بحاجة إلى منح الثقافة الفرعية العلمانية والثقافة الفرعية الإسلامية نصيبًا من السلطة.
حافظ التحالف الحكومي سنة 0142 على كثير من سمات التحالف السياسي الذي برز إثر انتخابات 011.2 وبإقحام حزبين صغيرين نسبيًا، أثبت الحزبان الكبيران عدم رغبتهما في تحمل المسؤولية الكاملة عن الإصلاحات والتحديات المنتظرة، كما برهن على ذلك سعيهما لتخفيف الضغط الشعبي وحرصهما على الشرعية السياسية. وقد حظي تحالفا سنتَي 0110142 و 2 بأغلبية برلمانية، تسمح لهما بتمرير القوانين جميعها. إنّ وجود حزبَ آفاق تونس والاتحاد الوطني الحر في التحالف الموسّع، لا يضيف شيئًا إلى تفوق الحزبين الكبيرين حسابيًا، ولكن ذلك يعكس متانة القيم التشاركية بين النخب لإدارة الصراعات الحاصلة بعد الثورة. وبحسب تأويل ليجبهارت، فإنّ الأنظمة التشاركية عادة ما تحتاج، حاجة ملحّة، إلى حكومات مُوسّعة، وعدد أحزاب يتجاوز عدد الأحزاب المتعارف عليه؛ وذلك لترسيخ الأغلبية البرلمانية47. وتضمن وضعية الأغلبية المطلقة حصانة الحكومة ضد تمرّد البرلمانيين الذين قد تجتذبهم فكرة مساءلة النخب عن ممارستهم المتعلقة بالتكيّف.
خاتمة
يمكن أن تكون الديمقراطية التشاركية حلًّ معقولً للتنافس المزعزع للاستقرار الذي غالبًا ما تتسم به الحياة السياسية في فترة ما بعد الثورة. وقد كشفت هذه الدراسة عن ممارسات التكيف في أوساط
النخبة التونسية بعد الثورة ودورها في تفادي الانحرافات الخطرة، ولكن الممارسات وتبعاتها جديرة بمزيد من الاهتمام والتحليل. يكشف عدم الاستقرار السياسي قصورًا في الديمقراطية التشاركية في تونس، كما أنّ اللجوء إلى التكيُف لا يرجع دائمًا بالنفع على البلاد. وتتضمن الديمقراطية التشاركية في حد ذاتها مستوى معينًا من عدم الاستقرار، وتطمح إلى تجنّب خروجه عن السيطرة. وإضافة إلى ذلك، يولّد التوافق بين النخب المتنافسة مزيدًا من السّخط بين الناس، فالجماهير تتمسّك بأنّ التوافق أدّى إلى احتواء آمالهم وضياع أحلامهم. تتمثل المسألة الجوهرية بمدى قدرة الممارسات التشاركية على تسهيل تحقيق ما يعتبره الشعب أهدافًا حقيقة للثورة، وقد تستمر الممارسات التشاركية حتى لو كانت نتائجها سيئة، ولكنّ فوائدها ستتراجع - على الأرجح - بمرور الزمن؛ ويعني ذلك أن الترتيبات السياسية الحالية زائلة ما لم تُعالَج الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي أدّت إلى الثورة.
المراجع
Atzori, Erika. "Tunisia Leads the Way." The Middle East. no. 428 (December 2011). Badiou, Alain. The Rebirth of History: Times of Riots and Uprisings. London: Verso Books, 2012. Barry, Norman. An Introduction to Modern Political Theory. London: Macmillan, 2000. Bogaards, Matthijs. Democracy and Social Peace in Divided Societies: Exploring Consociational Parties. London: Palgrave Macmillan, 2014. Carothers, Thomas. "The End of the Transition Paradigm." Journal of Democracy. vol. 13. no. 1 (2002). Coleman, James S. "Social Capital in the Creation of Human Capital." American Journal of Sociology. vol. 94
Dahl, Robert. Democracy and its Critics. New Haven: Yale University Press, 1989. Dennis, Alex & Peter J. Martin. "Symbolic Interactionism and the Concept of Power." British Journal of Sociology. vol. 56. no. 2 (2005). Diamond, Larry. Developing Democracy: Toward Consolidation. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1999. Domhoff, William. Who Rules America? Boston: McGraw Hill, 2002. Encarnación, Omar G. "Beyond Civil Society: Promoting Democracy after September 11." Orbis. vol. 47. no. 4
Erdle, Steffen. Ben Ali's 'New Tunisia' (1987-2009): A Case Study of Authoritarian Modernization in the Arab World. Berlin: Klaus Schwarz Verlag, 2010. Falsafi, Shiva. "Civil Society and Democracy in Japan, Iran, Iraq and Beyond." Vanderbilt Journal of Transnational Law. vol. 43. no. 2 (2010). Frei, Norbert. Adenauer's Germany and the Nazi Past: The Politics of Amnesty and Integration. Joel Golb (trans.). New York: Columbia University Press, 2002. Fukuyama, Francis. "The Primacy of Culture." Journal of Democracy. vol. 6. no. 1 (1995). Gerth, Hans & C. Wright Mills (eds.). From Max Weber: Essays in Sociology. New York: Oxford University Press, 1946. Hale, Henry. "Formal Constitutions in Informal Politics: Institutions and Democratization in Post-Soviet Eurasia." World Politics. vol. 63. no. 4 (2011). Hayek, Friedrich A. Law. Legislation and Liberty: The Political Order of a Free People. vol. 3. The Political Order of a Free People. Chicago: The University of Chicago Press, 1979. Hobbes, Thomas. Leviathan. C. B. MacPherson (ed.). London: Penguin, 1968. Hunter, Floyd. Community Power Structure. New York: Anchor Books, 1953. Huntington, Samuel P. & Clement H. Moore. (eds.). Authoritarian Politics and Modern Society. New York: Basic Books, 1970.
Issacharoff, Samuel. "Constitutionalizing Democracy in Fractured Societies." Journal of International Affairs. vol. 58. no. 1 (2004). Kataria, Anuradha. Democracy on Trial, All Rise! New York: Algora, 2010. Kieve, Ronald A. "Pillars of Sand: A Marxist Critique of Consociational Democracy in the Netherlands." Comparative Politics. vol. 13. no. 3 (1981). Kritz, Neff J. (ed.). Transitional Justice: How Emerging Democracies Reckon with Former Regimes. Washington, D.C.: Institute of Peace Press, 1995. Lijphart, Arend. "Consociational Democracy." World Politics. vol. 21. no. 2 (1969). ________. The Politics of Accommodation: Pluralism and Democracy in the Netherlands. Berkley: University of California Press, 1975. ________. Democracy in Plural Societies: A Comparative Exploration. New Haven: Yale University Press, 1977. ________. Democracies: Patterns of Majoritarian and Consensus Government in Twenty-one Countries. New Haven: Yale University Press, 1984. ________. "The Puzzle of Indian Democracy: A Consociational Interpretation." American Political Science Review. vol. 90. no. 2 (1996). Luther, Kurt Richard & Kris Deschouwer (eds.). Party Elites in Divided Societies: Political Parties in Consociational Democracy. London: Routledge, 1999. O'Sullivan, Michael, Markus Siterli & Antonios Koutsoukis. From Spring to Revival: Regime Change and Economic Transformation. Zurich: Credit Suisse Research Institute, 2011. Perthes, Volker (ed.). Arab Elites: Negotiating the Politics of Change. Boulder: Lynne Rienner Publishers, 2004. Popper, Karl. The Open Society and its Enemies: The Spell of Plato. vol. 1. The Spell of Plato. New York: Harper and Row, 1963. Sarmiento, Domingo F. Facundo, or Civilisation and Barbarism. London: Penguin, 1998. Schedler, Andreas. "The Nested Game of Democratization by Elections." International Political Science Review. vol. 23. no. 1 (2002). Taggart, Paul. Populism. Philadelphia: Open University Press, 2000. Teitel, Ruti. "Transitional Jurisprudence: The Role of Law in Political Transformation." Yale Law Journal. no. 106
Tridico, Pasquale. Institutions, Human Development, and Economic Growth in Transition Economies. London: Palgrave Macmillan, 2011. Versi, Anver. "The Sweet Scent of Flowers." African Business. no. 372 (February 2011). Vilas, Carlos M. "Prospects for Democracy in a Post- Revolutionary Setting: Central America." Journal of Latin American Studies. vol. 28. no. 2 (1996). Whitehead, Laurence. Democratization: Theory and Experience. Oxford: Oxford University Press, 2002. Yongnian, Zheng. Will China Become Democratic? Elite, Class and Regime Transition. Singapore: Eastern Universities Press, 2004.