العلاقات الشيعية فوق الوطنية والدولة الوطنية في العراق
الملخّص
تتناول هذه الدراسة الروابط الشيعية فوق الوطنية في الحالة العراقية، وتأثيرها في ديناميات العاقة بين المرجعية الدينية الشيعية والدولة الوطنية ما بعد الكولونيالية. وتبحث الموضوع من زاوية الدراسات فوق الوطنية، لتجادل بأن الدولة الوطنية مث لت تحديًا للطابع فوق الوطني للسلطة الدينية الشيعية؛ ما أطلق نزاعات بين الطرفين. وما بعد عام 2003، تبلورت أطر عائقية جديدة بين الاثنين. وترى الدراسة أنّ ضعف الدولة الوطنية في العراق والمشرق العربي أفضى إلى نمو تأثير الشبكات فوق الوطنية المتمحورة - في الحالة الشيعية - حول المشروع الإسامي الحركي الذي تقوده إيران. وتستنج أن الاستقطابات الشيعية البينية تتجه نحو التنافس بين الشيعوية الحركية المدعومة من طهران، والقوى التي تتماهى أكثر مع مشروع إعادة تشكيل الدولة الوطنية، وأن العنصر فوق الوطني يستثمره المتنافسون لتحسين مواقعهم في بنية السلطة الداخلية العراقية. كلمات مفتاحية: العراق، الدراسات فوق الوطنية، المؤسسة الدينية الشيعية، الدولة الوطنية. This study deals with transnational Shiism and the dynamics of relations between the Shi ʿ i religious establishment and the post - colonial state in Iraq. It sheds light on two aspects of transnational Shiism. First, the evolution and internal dynamics of religious authority, especially in terms of adapting its transnational domain to the Iraqi national context. The study argues that the relationship between Shi ʿ i religious establishment and the state was often characterized by tension, as the state sought to consolidate its power within its borders. Yet, after 2003 , the nature of relations between the two has significantly changed, leading to new configurations of authority. Second, the increasing polarization between activist transnational Shiism, which is today led by the Iranian state, and Iraq - centric Shiism became a key factor in shaping power relations in post - 2003 Iraq. Keywords: Iraq, Transnationalism, Shiism, The Nation-State.
The Transnational Shiism and the Nation-State in Iraq
مقدمة
تناقش هذه الدراسة علاقة التحالفات الشيعية "فوق الوطنية"1 بالديناميات والصراعات الداخلية التي شهدتها الدولة الوطنية في العراق. وتحاول أن تسلّط الضوء، مفاهيميًا وتحليليًا، على البعد فوق الوطنيّ للتشيّع، بما هو هوية دينية مقترنة بمؤسسات وتقاليد سابقة بوجودها الدولةَ الوطنية الحديثة، وبما هو مظلة لعقيدة سياسية وتحالفات اجتماعية - سياسية تطوّرت في العقود الأخيرة لتتحول بالتدرج إلى فاعل جيوسياسي. وتحاول الدراسة أيضًا استيعاب الطابع المركّب للعلاقة بين الهوية الشيعية والدولة الوطنية، فهي لم تكن دائمًا علاقة نقضٍ مطلقة، بل كانت علاقة تكيّف أيضًا، وفي بعض الأحيان علاقة تماهٍ، بحسب السياق المكاني والزماني وطبيعة استقطاباته. ولذلك، تبدأ الدراسة، في مبحثها الأول، بمناقشة مفاهيمية ونظرية للعلاقة بين "الوطني " و"فوق الوطنيّ "، ثمّ تنتقل في المبحث الثاني إلى مناقشة التشيّع من حيث هو هوية فوق وطنية، مع التركيز على المؤسسات الدينية وكيفية تعاملها مع وجود الدولة الوطنية في العراق الحديث، في حين يستكمل المبحث الثالث هذا النقاش بمعالجة صعود التيار الشيعي الحركي داخل المؤسسة الدينية وفي الفضاء الاجتماعي - السياسي الشيعي. وفي المبحث الرابع، تركز الدراسة على مرحلة ما بعد عام 2003، التي أفضت إلى بروز الظاهرة السيستانية تعبيرًا عن علاقة مغايرة بين المرجعية الدينية والدولة الوطنية. وفي المبحث الخامس والأخير، تناقش الدراسة الاتجاهات والديناميات الراهنة في العلاقة بين الشيعوية السياسية فوق الوطنية والدولة الوطنية. تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أنّ ضعف الدولة الوطنية في العراق والمشرق العربي، المقترن بأزمة شرعية تتعلق بالأسس التي تشكّلت منها تلك الدولة، وبأنماط الحوكمة التي اعتمدتها في العقود والأعوام الماضية، أوجد فراغات في السلطة وأزمات هوياتية، خلقت سياقًا مواتيًا لنموّ مشروعات بديلة قائمة على روابط فوق وطنية، إثنية أو دينية أو مذهبية، صارت هي نفسها تُعمّق ضعف الدولة الوطنية. وشهدنا في الأعوام الأخيرة صعود النزعات الشيعية والسُنية والكردية فوق الوطنية. وعلى الرغم من أنّ تلك الاتجاهات طرحت نفسها، في بعض تجسّداتها، بصيغة تصوّرات لما ينبغي أن تكون عليه الدولة الوطنية، وليس بصيغة النقض التامّ لها، بل إنّ الحالتين السُنية والشيعية تجسدتَا أحيانًا في شكل صراع على السردية الوطنية، فإن تلك الاتجاهات، في وضع استقطاب طائفي إقليمي، أخذت تتجه نحو خيارات يستعصي في ظلّها تكريس سلطة الدولة الوطنية وشرعيتها بحدودها الراهنة.
أول ا: فوق الوطني/ معالجة نظرية
شهد حقل الدراسات فوق الوطنية2 Transnational Studies انتعاشًا في العقود الثلاثة الأخيرة مع نمو تأثير الفاعلين العالميين غير الدولتيين، مثل الشركات المتعددة الجنسية، ثمّ مع تسارع ديناميات العولمة والهجرة وما ترتّب على ذلك من ظواهر جديدة؛ من بينها نمو التواصلات فوق الوطنية بين الأفراد والجماعات، وتطوّر التعبيرات السياسية والاجتماعية لهويات وتحالفات فوق وطنية. وبوجهٍ عام،ّ هنالك اتفاق على أنّ مفهوم "فوق الوطنية" Transnationalism يشير إلى "الروابط والتفاعلات التي تربط الأفراد والمؤسسات عبر حدود الدولة الوطنية"3. وهناك من يميل إلى تعريفها تعريفًا أكثر تحديدًا، بوصفها "التبادل المتسارع عبر الحدود الوطنية للمعلومات وقوة العمل و(الثقافة) ورأس المال، من خلال فاعلين غير دولتيين وبطريقة تتحدى تلك الحدود والعلاقات بين الدول، أو تُعيد صياغتها"4. نتيجةً لهيمنة النظريات المتمركزة حول الدولة الوطنية في الحقلين السياسي والقانوني، طغت النظرة إلى "فوق الوطني" بوصفه تحديًا مفاهيميًا وسياسيًا وقانونيًا. فهو من جهة، يتحدى الفهم الكلاسيكي للسيادة القائم على سيطرة الدولة وإشرافها على التفاعلات الرئيسة مع محيطها الخارجي، وعلى نحوٍ خاص التبادلات ذات الطابع السياسي أو المالي أو العسكري، ما يكرّس احتكار الدولة الوطنية للسلطة السياسية في داخل حدودها. وهو من جهة أخرى، يمثّل تحديًا ل "الدولي" International؛ الذي يعبّ عن منظومة العلاقات بين الدول، بوصفها الوحدات "الشرعية" الرئيسة للنظام الدولي.
تصاعد في العقدين الأخيرين الاهتمام بالفاعلين غير الدولتيين Actors Non-State كقوة جديدة جديرة بالدراسة، ولا سيما في الدول التي تشهد صراعات داخلية ويتسم كيان الدولة فيها بالضعف. وفي وقت اتجه التنظير الحديث إلى ابتكار مفهوم السيادة المركبة Sovereignty Hybrid للإشارة، على نحوٍ أساسي، إلى الدور الذي تؤديه المنظمات الدولية في صوغ شكل الحوكمة، في السياق النيوليبرالي السائد منذ نهاية الحرب الباردة تحديدًا، أضاف ظهور فاعلين محليين أو فوق وطنيين ينافسون الدولة في سلطتها داخل حدودها، أو يشاطرونها إيّاها، مزيدًا من التعقيد للمفهوم، وبات يتحدى بطريقة أكثر جذريةًالمفاهيم الويستفالية الكلاسيكية للسيادة5. وفي الآونة الأخيرة، ومع تطور النظريات الاجتماعية عن الهوية، برز اتجاهان؛ أحدهما انتقل من المنظورات المتمركزة حول الدولة إلى المعالجة المتمركزة حول المجتمع، وتحديدًا الفضاءات المحلّية وتفاعلاتها، والآخر عالج التفاعل بين الدولتي وغير الدولتي، الوطني وفوق الوطني، من خلال رؤية دينامية تركز على بعد التفاوض والصراع والتعايش بين الهويات، من دون أن يراها بصيغة النقض المتبادل في معادلة صفرية حادّة6. في كتابه المتعلّق بالسيادة في المنطقة العربية، يذهب جوخان باجيك إلى أنّ علاقات الدولة بالمجتمع في العالم العربي تبرز نموذج السيادة المركّبة، بسبب عدم التناسق بين النموذج الويستفالي للدولة الوطنية الذي فرضته المرحلة الكولونيالية على المنطقة، والبنى الاجتماعية والسياسية الأهلية. ولذلك، يقترح التخلي عن النموذج الويستفالي في مقاربة قضية السيادة في المنطقة العربية، لأنه لا يتوافق مع الحقائق الاجتماعية، ويقترح بديلً منهجيًا من السيادة المركبة التي تقبل التعايش والتزامن بين ولاءات تاريخية، قبَلية أو إثنية أو دينية، والصيغة القانونية للدولة الحديثة7. وعلى نحو أكثر تحديدًا، يرى تميم البرغوثي أنّ هناك تباينًا بنيويًا بين المنظومة الثقافية للمجتمعات العربية، وكياناتها الجيوسياسية (الدول الوطنية ما بعد الكولونيالية.) وكرّس هذا التباينُ الافتراق بين مفهومَي الدولة والأمّة8. ولكن مثل هذه القراءة، التي قد تتأثر بمواقف أيديولوجية مسبقة، تطمس الفوارق بين إشكاليات تشكل الدولة الوطنية وتلك الناتجة من اخفاقات عمليات بناء الأمة. وبعبارة أدق، لا ينبغي الانسياق إلى تصور حتمي بأن الدولة الوطنية مشروع فاشل بسبب أصل نشأتها (وهذه المسألة أكثر تعقيدًا من التصورات المبسّطة عنها) وتجاهل أكثر من قرن من عمر تلك الدولة، وما أنتجه من شعور بالانتماء إليها، حتى وإن لم يتُرجم ذلك الشعور دائمًا باندماج مجتمعي واتفاق على قيم كبرى تحكم المجتمع السياسي الوطني. وإذا كان إيرنست غيلنر يرى أنّ الدولة - الأمّة ظهرت تجسيدًا لوضع "تطابقت فيه الهوية الثقافية مع الحدود السياسية"9، فإنّها - بهذا المعنى - نتاج للتطور التاريخي الخاص بأوروبا، ولتحولات سوسيولوجية وجيوسياسية تمخّض عنها هذا التطور. فالأمّة بمعناها الحديث، من منظور غيلنر، هي نتاج للحداثة، ولتجذّر آلياتها اجتماعيًا، وللتحولات التي أفرزتها ثقافيًا، وهو ما لم يُنجَز بشكل نهائي في المجتمعات العربية. وقد أسهمت العولمة وتسارع الديناميات فوق الوطنية ونهاية الدولة التحديثية (التي تحولت، في الغالب، إلى مشروع تسلطي ميراثي) في انتكاسات عمليات بناء الأمة. يحيلنا مفهوم الدولة State في اللغة اللاتينية إلى حالة تتّسم بالثبات، أي بنوع من الرسوخ وشكلٍ من الاتصاف10، وهو ما لا يضمره مفهوم الدولة في اللغة العربية المشتق من الجذر "د و ل." فهذا لسان العرب الجذر يعكس حالةً متغيرةً وتداولً زمنيًا. ونقرأ في ما يأتي: "الدولة بالفتح في الحرب أن تدال إحدى الفئتين على الأخرى. يقال كانت لنا عليهم الدولة، والجمع الدول والدولة بالضمّ في المال. يقال صار الفيء دولةً بينهم يتداولونه مرةً لهذا ومرةً لهذا[...]وقال الزجاج الدولة اسم الشيء الذي يتداول، والدولة الفعل والانتقال من حال إلى حال"11. ويستخدم البرغوثي هذا التباين في الجذر اللغوي ليشير إلى الافتراق في الأصل الثقافي بين "الدولة" و"الأمّة" في المجتمعات العربية. فالدول قد تقوم وتنهض وتغلب، أو تضعف وتموت، لكن الأمّة أكثر ثباتًا، وإليها تتجه الولاءات النهائية للناس. من هنا، نادرًا ما حاولت حكومات المنطقة وحركاتها السياسية تشييد
شرعياتها على أساس الولاء للدولة أو لهويات؛ كالأمّة العراقية، أو السورية، أو الأردنية، بل إنّ كبرى الحركات السياسية في التاريخ ما بعد الكولونيالي في المنطقة بنَت أيديولوجياتها على فضاءات ثقافية أوسع من الدولة، مثل "الأمّة العربية" و"الأمّة الإسلامية"، و"الأمّة الكردية"12. ثمّ إنّ عودة دولتين من أكثر دول المنطقة رسوخًا (إيران وتركيا) إلى تبنّي سرديات ثقافية تدمج بين الولاء الوطني والأخوّة الإسلامية، تدفع إلى استنتاج أنّ الولاء الخالص للدولة الوطنية ما زال عاجزًا عن تحقيق الإشباع الأيديولوجي والتماهي الهوياتي؛ أي ما افترضته نظرية التحديث الكلاسيكية القائمة على فكرة مفادها أن الدولة يمكنها أن تقود عملية تحديث وعلمنة، وأنّ هذه العملية تفضي في النهاية إلى ظهور دولة – أمّة، بالمعنى الحديث.
من أجل ذلك، لم تكن الولاءات فوق الوطنية، في منظور أتباعها، انحرافًا عن الولاء الوطني، بل التزامًا بما يُعتقد أنّه ولاء أسمى يعكس "الهوية الحقيقية" لشعوب المنطقة. فأهمّ أيديولوجيتين أثّرتا في صوغ أفكار الهوية وتعبيراتها السياسية في المشرق العربي كانتا "القومية العربية" و"الإسلام السياسي." وانطلقت كلتا الأيديولوجيتين من موقف الرفض للإرث الكولونيالي، وقيام الاستعمار بتفكيك المنطقة وإيجاد كيانات مصطنعة فيها، لكنهما افترقتا في تحديد "الهوية الحقيقية" لشعوب المنطقة، منشدَّتين في ذلك إلى فهم ماهوي للهوية بوصفها "شيئًا ثابتًا عبر الزمان." وذهب القوميون العرب إلى تأكيد الهوية القومية، وتحديدًا عنصر اللغة، في حين ذهب الإسلاميون إلى مركزة الهوية الدينية. وافترقت الأيديولوجيتان في الموقف من "التحديث والعلمنة" أيضًا. ففي وقت ذهب القوميون العرب إلى تبنّي العلمنة ونقد الولاءات المذهبية والطائفية و"الرجعية الدينية"، تبنّى التيار الإسلامي موقفًا معارضًا للعلمنة، عادًّا إياها محاولةً لتجريد الأمّة من هويتها "الحقيقية" و"رسالتها" وإخضاعها، ثقافيًا، لنموذج مستعار من الغرب. هنالك بعدٌ آخر تمحورت حوله الاستقطابات الهوياتية. ففي حين ذهب بعض التيارات فوق الوطنية إلى تبنّي الرفض الراديكالي للدولة الوطنية، والدعوة إلى مشروعات وحدة سياسية تنهي الحدود "المصطنعة" التي رسمها الاستعمار، تبنّت تيارات أخرى موقفًا أكثر براغماتيةً، وحاولت التوفيق بين وجود الدولة الوطنية، بوصفه حقيقةً سياسيةً، والولاء للهوية فوق الوطنية، حيث لا يوجد تناقض بين الانتماءين عادة. وحاول بعض التيارات القومية العربية والإسلامية التخلّ عن الموقف الراديكالي لمصلحة نظرة ترى أن الوطني والقومي، أو الوطني والديني، يكمل أحدهما الآخر. ويمكننا القول إنّ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وغيره من التنظيمات الجهادية، تعبّ اليوم عن الموقف الراديكالي الذي يرفض الاعتراف بالدولة الوطنية، وأنّ التخلص منها يعُدّ بدايةً لبناء مشروع دولة "الخلافة" وتوحيد "الأمّة." في حين تتبنى التيارات الإسلامية الرئيسة في تركيا وإيران وتونس والعراق ودول أخرى من دول المنطقة، الموقف البراغماتي التوفيقي الذي لا يرى تناقضًا بين الدولة الوطنية والإيمان بالإسلام السياسي الحركي. واستند هذا النوع من التوفيقية، في غالبية الأحيان، إلى الممارسة، من دون أن يتأصل أيديولوجيًا، على نحوٍ لم يحلّ تمامًا إشكالية العلاقة بين الدولة الوطنية والهوية الدينية.
ثانيًا: الهوية الشيعية والدولة الوطنية في العراق: مراجعة تأريخية
لا يختلف التشيّع عن باقي الفرق الدينية الإسلامية من حيث كونه عقيدةً فوق وطنية، أو "لاوطنية" (بمعنى أنه ليس ثمّة علاقة مباشرة لتلك العقيدة بوجود الدولة الوطنية أو بعدم وجودها.) لكن البعد الجدير بالملاحظة في الحالة الشيعية يتعلق بالطبيعة الهرمية المؤسساتية للتشيّع، الناتجة من تطوّره إلى هوية طائفية تمثّل أقلية في العالم الإسلامي، سعت لتأكيد استقلاليتها وحفظ تمايزها؛ عبر تطوير أنساق اعتقادية وطقوسية ومؤسساتية تُعيد إنتاج تلك الهوية. وتُعد المرجعية الدينية بمنزلة المجسِّد الرئيس لمحاولات مأسسة الطائفة. ومن دون الدخول في التفصيلات التاريخية لتطور المرجعية الدينية التي تناولها كثير من المؤرخين13، يمكن القول إنّها تعكس محاولةً لمركزة السلطة الدينية داخل الطائفة الشيعية، وتنظيم التواصل بين تلك السلطة والمريدين، على نحوٍ يسمح بتكوين علاقة تبادلية مستدامة. تُقدّم السلطة الدينية إلى الأتباع ما يحتاجون إليه من توجيه وإرشاد فقهي وديني، عبر الاجتهاد الديني الذي يقوم به مجتهدون مُقر
لهم بالأعلمية. وفي المقابل، يقدّم الأتباع الطاعة، ويدفعون "الحقوق الشرعية" التي تسمح لتلك السلطة بتمويل نفسها وإدامة تشكيلاتها، ولا سيما ما كان معنيًّا منها بالتعليم الفقهي وتوزيع الأموال. تطوّر هذا الفضاء التبادلي بانتصار المدرسة الأصولية على الإخبارية. وأفضى ذلك إلى تنامٍ للدور الاجتماعي – السياسي بالنسبة إلى المرجع الديني؛ ومن ثمّ انخراطه في حقل الممارسة السياسية، سواء كان ذلك عبر التحالف مع الملك (نموذج الدولة الصفوية)، أم عبر الصدام المحدود أو المفتوح مع الدولة (الخميني ومحمد باقر الصدر)، أم عبر التعايش الصعب معها (نموذج الخوئي)، أم عبر قيادتها (نموذج ولاية الفقيه في إيران.) في مختلف الأحوال، يجب الاستدراك بالإشارة إلى أمرين مهميّن؛ أحدهما أنّ المأسسة التي حصلت داخل الطائفة الشيعية لم تنته إلى بناء هرمية مهيكلة ومستقرة كما هي حال المؤسسة الدينية الكاثوليكية، بل إنّ الجدل على دور المرجع/ المراجع وحدود سلطاته/م، وكيفية اختياره/م، لم يُحسم حتى اليوم، وأفضى نتيجة لذلك، إلى الانقسام الراهن بين تيار الولاية المطلقة وتيار الولاية الخاصة. أمّا الأمر الآخر، فمفاده أنّ "المركزة" التي حصلت داخل الطائفة وترافقت مع صعود التيار الأصولي، وظهرت – بحسب ما يجادل زاكيري هيرن - في ظل عمليات اللامركزة Decentralization والتفكك التدرجي للإمبراطوريات الكبرى في المنطقة (العثمانية والصفوية) في شكل تيارات "إصلاحية" تمزج بين الديني والسياسي14، لم تؤدِّ إلى إنهاء التنافس داخل "الطائفة"، حيث ظلّ التنافس السياسي والفقهي والجغرافي متواصلً بين مدرستَي قم والنجف، مثل، أو بين الحركيين والتقليديين، وتأثّر لاحقًا بظهور الدولة الوطنية من حيث هي فضاء جيوسياسي يسعى لمركزة بديلة لا تتمحور حول الهوية الدينية. بهذا المعنى، تعرّضت العمليات التبادلية التي أوجدت فضاءً علائقيًا غير رسمي في زمن تفكك الإمبراطوريات المتعددة القوميات؛ ومن ثمّ بلورت هويةً طائفيةً تسعى لمأسسةِ نفسها ومركزةِ قرارها، لتحد كبير بظهور الدولة الوطنية في العراق وإيران ودول أخرى. وقامت الدولة الوطنية على مشروع لبناء الأمّة، يتمحور حول ثلاث عمليات رئيسة: المركزة Centralization، أي تأكيد سلطة تلك الدولة في حدودها الإقليمية واحتكار العنف الشرعي والإدارة للمجال الرسمي - القانوني، والعلمنة Secularization؛ ومن ثمّ الانتقال من مركزية الديني إلى مركزية الوطني وبناء هيكل قانوني وضعي لإدارة شؤون الدولة15، والتحديث Modernization الذي يشمل إضعاف البنى الاجتماعية التقليدية ما قبل الحديثة وتفكيكها، لإقامة فضاء دولتي ومدني حديث، على أساس نهج تنموي أوامري (من الأعلى إلى الأدنى.) باختصار، عبّ ت تلك العمليات عن محاولة صناعة فضاء وطني، تحكمه الدولة الوطنية، وتنظّم تبادلاته الداخلية وعلاقاته الخارجية على نحو يؤدي إلى إضعاف الفضاءات فوق الوطنية وتبادلاتها المستقلة عن الدولة الوطنية، ما أدّى إلى حرمان المرجعية الدينية من موارد مهمة كانت تأتيها عبر التبادلات فوق الوطنية، ودفعها إلى التكيّف مع شروط العمل في بيئة أكثر محدوديةً من الناحية الجغرافية. في الحالة العراقية، كان الاصطدام المبكر بين المرجعية الدينية والدولة الوطنية ما بعد الكولونيالية مجسّدًا للصراع بين رغبة تلك المرجعية في تأكيد مركزيتها وحفظ فضائها وضمان استقلاليته، وسعي الدولة الجديدة لفرض سلطتها في حدودها المقررة بالتوافقات الدولية. وحُسم الصراع لمصلحة هذه الدولة؛ لأنّها استندت إلى الدعم الدولي في مرحلة تشكيل نظام دولي جديد بمبادئ تقوم على "الدولنة"، وعلى عدّ الدولة الوطنية الوحدةَ السياسية الرئيسةَ لذلك النظام الدولي16. وفي المرحلة المبكرة، فرضت تلك النتيجة على السلطة الدينية الشيعية نوعًا من الانكفاء، ووضعتها في موضع دفاعي أمام النمو السريع للفضاء الدولتي والقانوني الوضعي ولتيارات العلمنة المدعومة من الدولة، بعد أن دشّنت الدولةُ الجديدة عهدَها بنفي كبار المراجع من الأصل الإيراني، وصوغ قانون للجنسية يعقّد حركتهم وتبادلاتهم فوق الوطنية17. وفي مرحلة لاحقة، بدأت السلطة الدينية عمليّة تطور، استجابةً لهذا التحدي الجديد، مستثمرةًالاختلالات الاجتماعية - السياسية الناتجة من سياسات التحديث السريع والفوقي، ومن علاقات السلطة الإقصائية التي تطوّرت داخل الفضاء الدولتي، واتخذت - تحديدًا - شكل هيمنة متزايدة من النخب العسكرية السُنية. وقامت تلك الاستجابة على عنصرين: أحدهما
رفض سياسات العلمنة لأنّها مثلت تحديًا مباشرًا للفضاء الديني - الاجتماعي المشكّل للمحيط الطبيعي الذي تتحرك المرجعية الدينية وتعيش فيه. أمّا العنصر الثاني، فهو نقد الشراكة بين الدولة الوطنية ما بعد الكولونيالية والقوى "الكولونيالية"، بوصفها الراعي الأساسي لنشوء تلك الدولة بشكلها ونظام علاقاتها الراهن. ومنذ منتصف القرن العشرين، بدأت النزعات الحركية في الظهور داخل المؤسسة الدينية وبرز مراجع يريدون "إعادة الاعتبار" إلى الإسلام ودوره المركزي اجتماعيًا، إلى جانب تحديثه وتقديمه سرديةً معاصرة عن الهوية والنظام الاجتماعي، على نحو ما فعل محمد باقر الصدر18. ظلّت سمات الطابع فوق الوطني، أو المتعدد الجنسيات، تطبع المؤسسة الدينية في النجف، مع عودة بروز المراجع الكبار من أصل إيراني، مثل أبي القاسم الخوئي وعبد الأعلى السبزواري وعلي السيستاني، واستمرار تدفق طلاب من إيران وبلدان أخرى للدراسات الدينية، على الرغم من "التسفير" أو التضييق المنتظم الذي مارسه نظام البعث إزاءهم بعد عام 1968. ترى إيلفاير كوربوز في دراستها الشبكات العائلية فوق الوطنية للمراجع الشيعة، أنّ المرجع أصبح يتحرك كفاعل عابر الدولة، يستجيب في تفاعلاته الاجتماعية لحاجات المجتمع الديني، لا المجتمع الوطني، لكنه مضطر؛ بالنظر إلى وجوده الطبيعي في دولة وطنية، وحاجته إلى التعامل مع سلطات لدول وطنية في أماكن وجود المريدين، إلى التعامل والتكيّف مع المحددات التي يوجدها هذا الوجود، وإلى صوغ شبكاته على نحوٍ يسمح لها بالبقاء والعمل. فهي ترى أنّ الشبكات العابرة الدولة الوطنية تتغير وتتقولب من خلال التجربة المحلية19. تشير كوربوز أيضًا إلى أهمية الطريقة التي يدير بها المراجع مواردهم، وتحديدًا كيفية توزيع أموال الخُمس، بوصفه عنصرًا رئيسًا في صوغ شبكاتهم. ففي حالة عائلة الخوئي، كان لإنشاء مؤسسة الخوئي ومشروعات خيرية أخرى دور كبير في إدامة شبكة التعاضدات التي نشأت حول المرجع خلال حياته، وفي تحويل تلك المؤسسة إلى فاعل رئيس في العملين السياسي والديني الشيعي أيضًا. ثمّ إنّ للنشاطات التي تنفق فيها هذه الأموال دورًا مهمً في تحديد إرث المرجع واتجاهات أسرته ومكانتها المستقبلية. وهنا، تكون المقارنة بين عائلتَي الخوئي والحكيم مفيدةً، ويمكنها أنّ تضيء جوانب مهمةً على خيارات الطبقة الدينية الشيعية وسياساتها، خصوصًا بعد وفاة المرجع. ففي وقت انخرط أبناء المرجع الحكيم في العمل السياسي المعارض (محمد مهدي الحكيم ومحمد باقر الحكيم)، إلى حدّ قيادة تنظيم سياسي (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق)، وكان من أهمّ القوى السياسية الشيعية، تركّز نشاط الشبكة العالمية فوق الوطنية للخوئي – مع بعض الاستثناءات - على العمل الخيري ورعاية حزمة مشروعات واسعة في أوروبا وآسيا وإيران والمنطقة العربية. ويكمن الفرق في نظر كوربوز في عامليَن، يتمثل العامل الأول في أنّ المرجع محسن الحكيم كان مرجعًا عربيًا، ومن ثمّ، لم تكن لديه صلات واسعة في إيران وبين المجتمعات الشيعية غير العربية، على الرغم من تجربة ابنه محمد مهدي في باكستان، في حين كان الأصلُ الإيراني للخوئي ممرَّ عبور لبناء صلات واسعة. وانعكس ذلك على اهتمامات الأبناء وخياراتهم المستقبلية. ففي وقت ظلّ الشأن السياسي العراقي محوريًا في نشاط أسرة الحكيم، لم تكن لجناح مهمّ من أسرة الخوئي اهتمامات عراقية. أمّا العامل الثاني، فيمكن استنتاجه من عرض الباحثة لطبيعة علاقة المرجعين وأبنائهما بالدولة في العراق؛ ذلك أنّ اصطدام الحكيم بنظام البعث، وانفتاحه بعض الوقت على حزب الدعوة والإسلام السياسي الحركي - إلى حدّ أنّ اثنين من أبنائه كانا من مؤسسي الحزب - حدّدَا طبيعة الدور المستقبلي لهؤلاء الأبناء الذين انتقلوا إلى المنفى ليقودوا العمل السياسي الشيعي المعارض للنظام. وفي المقابل، كان خيارُ الخوئي مهادنة السلطة وعدم الاصطدام بها. ومن ثمّ، عمل على تطوير شبكاته الدينية والمالية في اتجاه عدم التورط المباشر في السياسة، بوصف ذلك إستراتيجيةً للبقاء20.
ثًالث ا: التشيّع الحركي والدولة الوطنية
بدأت المؤسسة الدينية، منذ ستينيات القرن العشرين تحديدًا، تنقسم بطريقة أعمق، بين التيار الحركي والتيار المسمى عادةً "التقليدي"؛ أي الذي لا يميل إلى الانخراط المكثف في النشاط السياسي. وعلى الرغم من أنّ هذا الانقسام لم يكن دائمًا نتيجة خلاف فقهي وأيديولوجي، بل حتّمته أحيانًا أوضاع حكمت خيارات رجال الدين وممارساتهم، فإنّه حدّد، على نحوٍ أو آخر، طابع الاستقطابات الشيعية الداخلية، وأثّر كثيرًا في العلاقة بين الانتماء الشيعي فوق الوطني والدولة الوطنية. لكنّ هذا الانقسام اقترن بانقسام آخر داخل المدرسة الأصولية، بين تيّار يميل إلى نهج حركي راديكالي، مثّله على نحوٍ خاص الخميني، وتيّار آخر يميل إلى نهج محافظ، من دون ممانعة في الانخراط السياسي المحدود، ومثّله محسن الحكيم، ومن ثمّ الخوئي والسيستاني. وعب الخلاف بين التيارين عن فلسفتين سياسيتين، ربما وجدتا أفضل
تجسيد لهما في الحوار الذي دار بين الخميني والحكيم حول الموقف من نظام الشاه، وتجسّدت فيه بعض معالم النزعة الثورية التغييرية لدى الخميني، والميل إلى المحافظة والشكّ في الحلول الثورية لدى الحكيم، من دون أن ننسى أنّ اختلاف علاقتهما بنظام الشاه (انخرط الخميني في صراع مفتوح مع الشاه، في حين كان الحكيم يحظى بدعمه) أدى دورًا في تشكيل مواقفهما السياسية21. على غرار الإسلام السُني الذي شهد ظهور حركات سياسية - مثل حزب التحرير والإخوان المسلمين والتنظيمات السلفية الجهادية - اتخذت مواقف راوحت بين القبول الضمني بالدولة الوطنية والرفض الراديكالي لها، شهد التشيّع في عصر الدولة الوطنية ظهور حركات سياسية اختلفت في مواقفها من الدولة الوطنية. ويمثّل حزب الدعوة الإسلامية، وهو أقدم الأحزاب الشيعية التي ما زالت فاعلةً في العراق، نموذجًا شيعيًا قابلً للمقارنة بالحركات الإسلامية السُنية؛ من حيث ظهوره تعبيرًا عن رفضٍ لسياسات العلمنة التي تبنّتها الدولة الوطنية وللهيمنة الغربية أيضًا، وتبنّي موقف يسعى لأسلمة المجتمع وإعادة مركزية الدين إلى الذات الجمعية، والإيمان بأنّ الإسلام نظام متكامل وشامل للحياة22. وفي وقت كان بعض قادة حزب الدعوة أعضاء سابقين في حزب التحرير (محمد هادي السبيتي وأخوه مهدي السبيتي وعارف البصري)23، تأثّر معظم الأعضاء المؤسسين لحزب الدعوة بفكر الإخوان المسلمين، إلى حدّ أنّ بعضهم تعرّض للاتهام من الدوائر الشيعية التقليدية بمحاولة إدخال الفكر السُني إلى النجف24. مثل معظم حركات الإسلام السياسي، واجه حزبُ الدعوة معضلة الموقف من الدولة الوطنية، حيث أشار في أدبياته المبكرة إلى "الأمّة" بوصفها الجماعة الدينية التي يجب انتشالها من الجهل والتخلّف وإعادة بناء شخصيتها الإسلامية. ولم تحسم تلك الأدبيات الحدود السياسية لتلك الأمّة على نحوٍ واضح وصريح، كما أنّها ظلّت تفتقر إلى موقف محدد من الدولة الوطنية وشرعية وجودها. وعلى الرغم من تألّف قادة حزب الدعوة الأساسيين وكوادره من مواطنين عراقيين، وتحرّك هؤلاء القادة والكوادر استجابةً للأوضاع الاجتماعية والسياسية في العراق، كان للحزب أعضاء أو متعاطفون من غير العراقيين؛ مثل الشيخ علي الكوراني، ذي الأصل اللبناني، الذي أدى دورًا مهمً في مراحل الحزب التأسيسية وجدالاته الداخلية. كما ارتبط المرجع محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين، وهما لبنانيان أيضًا، على نحوٍ أو آخر، بالحزب في مراحل معيّنة من تاريخه، بل إنّ لورنس لويير ترى أنّ حزب الدعوة شهد عملية تحوّل إلى تنظيم فوق وطني Transnationalization، بعد خروج كثير من قادته إلى المنفى، وتحديدًا إلى منطقة الخليج25. بهذا المعنى، يشبه حزب الدعوة - في الكثير من سماته - خصمه الرئيس، حزب البعث؛ الذي تبنى كذلك مفهومًا للأمّة متجاوزًا للدولة الوطنية، وكانت له فروع في دول عربية عدة، وكان بعض قادته وكوادره من غير العراقيين. وجسّد الصراع بين الحزبين تنافسًا بين عقيدتين فوق وطنيتين، أيْ بين الإسلاميين والقوميين، على الرغم من الالتقاء في بعض المنطلقات؛ كالعداء للإرث الكولونيالي مثل. على غرار البعث، لم يحسم حزبُ الدعوة موقفَه من مسألة العلاقة بين الهوية فوق الوطنية والدولة الوطنية، بل اعتمد أيضًا التوفيق البراغماتي والتعامل مع الواقع، من دون تخَلٍّ صريح عن المنطلقات الأيديولوجية26. ومن البداهة أنّ هذه الحركات تتأثر بطبيعة السياق الذي تتحرك فيه، والصراعات التي تنخرط فيها، والتحديات التي تتعامل معها. وكان الحراك السياسي للحزبين، سواء أكان ذلك في المعارضة أم في الحكم، مطبوعًا بمحددات الوضع العراقي، وبسعي كل منهما للوصول إلى السلطة والحفاظ عليها، بما يعنيه ذلك من تكيف مع محيط نشاطهما، ومع أوضاع العمل ضمن حدود الدولة الوطنية، خصوصًا في مرحلة الحكم حينما تصبح مهمة الحزب تأكيد سلطة تلك الدولة لا نفيها؛ وذلك على صعيد الممارسة على الأقلّ. ويفضي هذا الأمر، عادةً، إلى التخلّ العملي عن المقولات الأيديولوجية، فتكون النتيجة تحوّل تلك الأحزاب إلى تكوينات مرهونة بسلوكها لنزعات السلطة وحاجاتها، يتغلب فيها التكتيكي على الإستراتيجي، واليومي على المستقبلي، وتتأكّل مشروعاتها التغييرية التي وضعتها أيديولوجياتها المؤسّسة.
بانتصار الثورة الإيرانية، اتجه الفكر الشيعي الحركي إلى تبنّي مبدأ ولاية الفقيه، بما يعنيه ذلك من مزْجٍ بين السلطتين السياسية والدينية، أو جعل الديني قناةً لتشكيل السياسي. وتعني العودة إلى مركزة "الديني"، من الناحية النظرية، تراجعًا عن مركزة "الوطني"؛ أي عودةً، في الحصيلة، إلى تأكيد الدين فضاءً فوق وطني. لكن من حيث الممارسة، شهد الإسلام الشيعي الحركي أبرز تحولّاته في سياق الصراع داخل الدولة الوطنية. ومن ثمّ، طرح نفسه نموذجًا لإصلاح تلك الدولة، لا التخلي عنها. فمعظم الخطب التي كان يدلي بها الخميني اتجه إلى نقد نظام الشاه وطريقة حكمه وفساده؛ أي إنّ هذه الخطب كانت مسكونةً بقوّة بالهاجس الإيراني، وكذلك كانت الثورة التي قادها الخميني؛ فهي إيرانية الطابع قبل أن تكون إسلاميةً. وظلّت هذه المسافة الفاصلة بين النظرية والتطبيق، مصدرًا للإرباك ومساحةً لتنافسٍ بين رؤى مختلفة، راوح بين نزعة لتجاوز "الوطني" تجاوزًا تامًّا، ونزعة أخرى لإعادة تأسيس العلاقة ب"الوطني"؛ عبر جعل الدين جزءًا من الهوية الوطنية.
بما أنّ هذه الدراسة معنيّة بالممارسة أكثر من عنايتها بالنصوص، يمكن القول إنّ ممارسة نظام الحكم في إيران، المبنيّ على ولاية الفقيه، عكست علاقةً مرتبكةً بين الشيعوية فوق الوطنية والدولة الوطنية. فمن جهة، سعت النخبة الثورية الإيرانية لتأكيد سلطتها في الفضاء الشيعي، موظِفةً موارد الدولة الإيرانية، لبناء شبكات تحالف عقائدية في لبنان والعراق وغيرهما. ومن جهة أخرى، اكتسب النظام الجديد طابعًا دولتيًا ووطنيًا بعد أن طرح نفسه نموذجًا لحكم الشعب والتعبير عن هويته على نحوٍ أصيل، ف "الشعب" - في هذا السياق - متمثّل بالإيرانيين الذين تتعامل مؤسسات الحكم معهم وتخاطبهم يوميًا. وعلى غرار حالة أنظمة أخرى (حزب البعث في العراق وفي سورية)، ظلّ الفاصل بين حدود "الأمّة" وحدود "الدولة" قائمًا، وطوّر النظام آلياته الخاصة للتعامل مع شؤون الأمّة، وآلياته الأخرى للتعامل مع شؤون الدولة، ليعيد تأكيد الازدواجية الناتجة من عدم التجانس بين "الأمّة" و"الدولة" في المنطقة. عراقيًا، انعكس ذلك على مستوييَن؛ أحدهما سعي التيار المحافظ في مرجعية النجف للحفاظ على استقلاليته عن سلطة المرشد الأعلى في إيران، ما دفعه إلى التكيّف مع الاشتراطات الصعبة للنشاط الديني في ظل نظام صدام حسين من جهة، وبناء شبكاته فوق الوطنية المستقلة عن النظام الإيراني من جهة أخرى. وهكذا نجحت، مثل، مرجعية الخوئي في البقاء أكثر من عقدين في ظل حكم معروف بطابعه القمعي الشديد، وتمكّنت في الوقت نفسه من مواصلة نشاطاتها داخل إيران، على الرغم من الموقف غير الودي للنخبة الثورية تجاهها. ومصدر هذا النجاح هو قبولها الضمني بتقسيم للعمل تتجنّب بموجبه التدخل في العمل السياسي، وتقرّ باحتكار المرشد الأعلى لهذه السلطة27. على المستوى الثاني، ظهرت في داخل النجف مرجعيات حركية تتبنى تصورات مقاربة لولاية الفقيه، لكنها تسعى لتوطين هذا المفهوم عراقيًا عبر الصراع مع الجناح المحافظ الذي سيطر عليه مراجع من ذوي الأصول الإيرانية (الخوئي والسيستاني)، وتقديمه بوصفه رؤية راديكالية للتغيير تقوم على استعادة "الهوية الحقيقية" للمجتمع في مواجهة النظام القومي العلماني، والتعبير عن مصالح الطبقات المهمشة من هذا النظام على غرار النخبة المحافظة في النجف. كانت تلك هي الرؤية التي طرحتها حركة محمد الصدر في ممارساته خلال التسعينيات من القرن الماضي، ثمّ أصبحت المرجعية التي انبثقت منها معظم التيارات الشيعية الحركية الجديدة بعد الاحتلال.
رابعًا: الظاهرة السيستانية والدولة الوطنية بعد عام 2003
رافق انهيارَ نظام صدام حسين، بسبب الاحتلال الأميركي في عام 2003، تداعٍ لهياكل الدولة. وتعرّضت هذه الهياكل، خلال أكثر من ثلاثة عقود من الحكم البعثي الذي تحوّل إلى حكم فردي تسلّطي، لعملية تسييس عميقة، وهو أمرٌ أدّى إلى تقليص هامش استقلالية تلك الهياكل تجاه السلطة الحاكمة. و"استكملت" العقوبات الاقتصادية الدولية عملية التهديم الداخلي للفضاء الدولتي وما تشكّل على هامشه من فضاء مدني، وأخذت النزعات التقليدية تشهد نوعًا من الإحياء؛ إمّا بسبب بحث السلطة عن تحالفات اجتماعية جديدة لتعوض التراجع في قدرتها على ممارسة السيطرة عبر الأدوات الدولتية، وإمّا بسبب سعي المجتمع للبحث عن ملاذات للحماية النفسية والاجتماعية، مع تراجع الحقل المدني وتراجع قدرة الدولة
على إشباع الحاجات الأساسية. وجاء الاحتلال لينجز تفكيك أجهزة الدولة السلطوية، وتحديدًا الأجهزة التي احتكرت سلطة القسر، ليسمح ببروز المؤسسات البديلة، بوصفها فواعل اجتماعية - سياسية، ومن ثمّ بدأت عملية تأسيسية جديدة؛ بكل ما تعنيه من إعادة تعريف للهويات والحدود والسرديات. على الصعيد الشيعي، برزت المرجعية مجددًا بوصفها صاحبة الكلمة العليا في تحديد مسار الجماعة الشيعية في إطار الكيان الوطني العراقي. لكنّ هذا البروز حصل في سياق الصدام بين تيارين: الأول جسّدته، على نحوٍ أساسي، الحركية الراديكالية التي مثّلها التيار الصدري، مستوعبًا المقولات الأساسية للتشيع الحركي ونزعته الثورية، وبوصفه وريثًا وامتدادًا لحركة محمد الصدر في التسعينيات من القرن العشرين. أمّا التيار الثاني، فكان يعكس موقفًا براغماتيًا ونزعةً لتأكيد سلطة الطائفة من حيث هي جماعة هوياتية، بدلً من تجسيد المقولات الأيديولوجية، وهو موقف عبّ ت عنه قوى المنفى العائدة، مثل المجلس الأعلى الإسلامي العراقي (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية سابقًا) ومعظم أجنحة حزب الدعوة. وكما هو الشأن في حالات سابقة، لم يكن هذا الانقسام يتطابق تمامًا مع الانفصال بين تيار فوق وطنيّ وآخر وطنيّ، بل هو ناشئ عن تنافس على تشكيل الفضاء السياسي الشيعي والسرديات السياسية الحاكمة له، على نحوٍ يستدعي التضامنات فوق الوطنية عند الضرورة، من دون أن تحكمه تلك التضامنات على نحوٍ حاد.ٍّ ولئن كان التيار الصدري حركةً محليةً ذات جذور قوية في المجتمع الشيعي الجنوبي وامتداداته في وسط العراق، حيث انسجمت منطلقاته مع منطلقات التيار الثوري الإيراني وتماثلت معه، فإن ذلك سمح لاحقًا بقدر معيّ من التنسيق والتعاون في مواجهة العدوّ المشترك المتمثّل بالاحتلال. ولئن كانت قوى المنفى العائدة قد نسجت تحالفات وعلاقات تنظيميةً مع النظام الإسلامي في إيران (بل إنّ بعضها تبنّى مبدأ "ولاية الفقيه" ودان بالولاء للمرشد الأعلى)، فإنّها كانت محكومةً برغبة في تكريس وجودها عراقيًا، حتى عن طريق التحالف أو التعاون مع "الاحتلال"، في ما بدا أنّه انحراف عن المقولات الأيديولوجية التي بُني عليها نظام ولاية الفقيه في إيران. ولم يكن البعد فوق الوطني هو المحرك الرئيس في سلوك التيارين، بقدر ما كان سبب ذلك متمثّلً بالرغبة في إعادة تشكيل علاقات السلطة داخل الدولة الوطنية. سمح هذا التنافس ببروز مرجعية السيستاني بوصفه حكمً أعلى يتجاوز الخصومات السياسية، ويستند إلى ما يكفي من الشرعية، ليحدّد سقوف الحراك السياسي داخل "الطائفة"، والمبادئ الناظمة علاقتها بالدولة الوطنية. لا يمكن العثور على نصوص نظرية محددة تجسّد الفلسفة السياسية للسيستاني، بل يغلب الافتعال على معظم المحاولات التي أرادت البرهنة على وجود هذه الفلسفة، عبر التفسير الرغبوي للفتاوى الآنيّة. لكن، يمكننا القول إنّ السيستاني تجاوز التمييز القسري الحادّ بين "الحركي" و"التقليدي" الذي يُستدعى - في غالبية الأحيان – لتفسير التنافسات الشيعية، مستخدمًا الممارسة الفعلية والاستجابة لضغط الأوضاع، ليقدم تصوّرات تميل إلى دولة دستورية ليبرالية بهوية إسلامية28. لا تستند هذه "التصوّرات" إلى نظرية سياسية متكاملة، بل تجسّدها الممارسة، وهي لا تُحل - على نحوٍ نهائي - ثنائية الوطنيّ / فوق الوطنيّ، لكنها تعبّ عن شروط جديدة للعلاقة بين الدولتي وغير الدولتي، خرجت عن الفهم الكلاسيكي لبناء الأمّة الذي استند - كما سبق القول - إلى عمليات المركزة والعلمنة والتحديث. فالمشروع التأسيسي لدولة ما بعد عام 2003 تراجع عن ذلك النموذج عبر تبنّي اللامركزية، ليقبل بانتشار السلطة مؤسساتيًا وسياسيًا واجتماعيًا، والتعايش بين مراكز قوى عدة (على الرغم من أن التطبيق يشير إلى استمرار الصراع على طبيعة اللامركزية ومستواها ومدّتها.) وما عادت "العلمنة"، أيضًا، هدفًا للدولة، وليس ذلك بسبب صعود التيارات السياسية الإسلامية فحسب، بل بسبب صعود فكرة التوافق بين المكوّنات معرّفةً على أساس ديني أيضًا، على نحوٍ يضفي الشرعية على العامل المذهبي بوصفه مصدرًا للولاء والفعل السياسييَن. وفي وقتٍ كان فيه مشروع بناء الأمّة الكلاسيكي قائمًا على عمليات تحديثية تستهدف تفكيك البنى التقليدية ما قبل الدولتية، فإنّ تلك البنى أ عيد الاعتراف بها مع صعود الليبرالية وانتصارها على الاشتراكية، وسقوط النموذج السوفياتي للدولة "الكلّ نية"، واللجوء إلى سياسات الهوية Politics Identity بوصفها بديلً من الصراع الأيديولوجي؛ بما يعنيه ذلك من الانتقال من فكرة "تغيير المجتمع" إلى فكرة "تفاوض الهويات." حافظت المرجعية الدينية على طابعها فوق الوطني، بل إنّ هذا الطابع انتعش مع تحرر السلطة الدينية في النجف من القمع الذي كان يُ ارس ضدها في زمن النظام السابق. فالمرجع الأعلى هو من أصول إيرانية، ترتبط بمرجعيته شبكة واسعة من الطلاب والوكلاء والممثلين والمؤسسات الدينية والخيرية والتثقيفية التي تنتشر في الكثير من بلدان العالم، والتي أمّنت منزلته بوصفه صاحب أكبر عدد من المقلّدين بين المراجع الأحياء في العالم الشيعي29. يضاف إلى
ذلك أنّ اثنين من كبار مراجع النجف اليوم (محمد إسحاق الفياض وبشير حسين النجفي) من أصول غير عراقية (الأول أفغاني، والثاني باكستاني.) كما أنّ التحرر من مضايقات النظام السابق سمح بزيادة عدد الطلاب غير العراقيين في حوزة النجف وتسهيل دراستهم. يعني ذلك، أنّ تحرر الحقل الديني من رقابة السلطة السياسية وهيمنتها سمح بتعزيز شبكات تبادلاته فوق الوطنية التي يتبعها تشكّل ولاءات، ومنظومة علاقات عابرة الدولة، على نحوٍ أكثر سلاسة.ً وتتمثّل المفارقة في هذا السياق، من جهة أنّ رجال الدين في العراق تحرّروا من تلك السلطة، في حين يواجه نشاطهم وحركتهم في إيران، أكبر البلدان الشيعية، رقابةً من نوع آخر؛ رقابة سلطة الولي الفقيه. ويذهب مهدي خلجي إلى أنّ ما يحدث في إيران عمليًا هو علمنة للمجال الديني؛ بمعنى أنّ الدين يخضع لإرادة السلطة السياسية التي أخذت تنظّم عمل الحوزات والنشاط الديني في إيران، وهو ما يُفهم منه أنّ العلوية في هذا البلد هي للدولتي، وليست للديني في الوقت الراهن30. لهذا السبب، طوّرت مرجعيةُ النجف براغماتيتها الخاصة بها، الموروثة من حقبة الخوئي، وتكيّفت مع شروط النشاط الفقهي داخل إيران، على نحوٍ يجنّبها الاصطدام بسلطة الولي الفقيه عبر التركيز على القضايا الفقهية والنشاط الخيري. أمّا عراقيًا، فسعت للحفاظ على حريتها المكتسبة داخل العراق عبر نهج يقوم على ما يأتي: ضمان بقاء المعادلة السياسية التي تسمح بنظام حُكم تقوده الغالبية الشيعية، ذي سمة إسلامية، وهو ما تمثّل بإصرار المرجع على كتابة الدستور من جهة جمعية منتخبة عراقية. مقاومة تحوّل تلك الدولة إلى نظام سلطوي يسعى لفرض هيمنته الكاملة على المجتمع، وتحديدًا على المجال الديني. مقاومة محاولة التيار الراديكالي فوق الوطني في النظام الإيراني بسْط سيطرته التامة على الفضاء السياسي الشيعي في العراق، وتحويل الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة إلى إحدى أدوات هذا النظام. التقت مرجعية النجف مع النظام في إيران على هدف تمكين الشيعة في عراق ما بعد عام 2003، لكنهما اختلفَا في طبيعة التيار الشيعي الذي يجب دعمه ومنطلقاته السياسية والأيديولوجية. ويعكس ذلك تنافسًا قديمًا، تحت سقف مصلحة الطائفة، بين التيار الراديكالي والتيار المحافظ. وعلى الرغم من الاختلافات الجزئية، يمكن النظر إلى التنافس الصامت حاليًا بين السيستاني والخامنئي، بوصفه امتدادًا لتنافس طويل ومختلف بين التيارين، يعبّ عن تباينات في تصوّرات كلّ منهما لدور الفقيه ومجال نشاطه، من دون أن يعني ذلك مبالغةً؛ من خلال جعْل هذه الثنائية مفسرةً لكل شيء، أو تجاوز المحددات والأوضاع التي تفرض على المرجع أن يتصرف بطريقة معيّنة في سياق معي.
إذا كان نظام ولاية الفقيه في إيران قد قام على فكرة هيمنة الفقيه على الدولة واستخدام الدولة لتنفيذ مشروع بناء المجتمع الإسلامي، فإنّ السيستاني ينحدر من مدرسة متشككة في هذا النهج، لا تميل إلى فرض هيمنتها المطلقة على الدولة، بل إنّها تميل إلى الحفاظ على مسافة آمنة من الدولة، وإلى التدخل لحماية النظام، أو منع تعسف تلك الدولة عند الضرورة. ولم يسْعَ السيستاني لفرض رؤية محددة لشكل الدولة وطبيعة نظامها السياسي. وتجنّب، في معظم الأحيان، التدخل في تفصيلات العمل السياسي، لكنّ حركته تحكّمت فيها "الاعتبارات الثلاثة" المذكورة آنفًا. ومن هنا نفهم موقف المرجعية من مسألتين حديثتَي العهد: الأولى هي رئيس الوزراء نوري المالكي، والأخرى هي تنظيم داعش. في المسألة الأولى، تنامى الشك لدى مرجعية النجف تجاه المالكي مع اقترابه من التيارات الشيعية المدعومة من الجناح الراديكالي في النظام الإيراني (منظمة بدر وعصائب أهل الحق)، وسعيه لتقوية قبضته على السلطة والهيمنة على المجال الدولتي، والانتقال منه إلى تطويع الفضاءات الاجتماعية غير الدولتية لتلك السلطة، وصولً إلى دعم مرجع مستقبلي يمثّل نهج النظام في إيران إلى حدّ بعيد، بل إن بعض سياسات المالكي اتخذ شكل محاولة التأثير في السلطة الدينية؛ على نحوٍ شبيه بالسياسات التي اتّبعها نظام البعث، كما تجلّ في محاولة التضييق على طلاب الحوزة الباكستانيين من أتباع المرجع بشير النجفي، بعد أن وجّه نقدًا علنيًا للمالكي31. وبدأت المرجعية بالتعبير عن تذمّرها من المالكي بالإشارات، ثمّ انتقلت إلى موقف أكثر
صراحةً بعد الفوز الكبير للمالكي في الانتخابات النيابية لعام 2014، الذي بدَا كأنه حلقة أخرى في اتجاه توطيد دعائم سلطته. ودعمت المرجعيةُ، صراحةً، استبداله؛ في إجابة السيستاني عن رسالة حزب الدعوة بخصوص هذا الشأن32. وفي المسألة الثانية، كانت فتوى الجهاد الكفائي33، التي أصدرها السيستاني، تكرارًا للدور الذي أدّته المرجعية الدينية في مفاصل تاريخية سابقة (الغزوات الوهابية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والاحتلال البريطاني، وانتفاضة عام 1991.) ووجدت المرجعية نفسها في وضع السلطة الاجتماعية ذات الشرعية الأوسع، ويمكنها أن تضع إرشادات أساسيةً لحفظ النظام العام. وهي، في هذه الحالات، تستجيب - في غالبية الأحيان - إلى الحاجة الاجتماعية المتمثّلة بوجود سلطة عليا مرشدة و"منظمة"، ذات موقع أخلاقي أعلى، وفي الوقت نفسه تتصرف بوحي من دورها بوصفها مؤسسة شيعية معنيّة بحماية الطائفة من الخطر الخارجي، خصوصًا إذا كان هذا الخطر يتمثل بجماعة تكفّر الطائفة الشيعية. نصِ ل إلى استنتاج أنّ المرجعية الدينية، بطبيعتها، مؤسسة فوق وطنية، وُجدت وتشكّل معظمُ تقاليدها قبل ظهور الدولة الوطنية، لكنها تكيّفت مع هذا الظهور، عبر التحوّل إلى فاعل وطني تارة،ً والانعزال عن الشأن السياسي تجنّبًا للصدام المباشر بين قيمها فوق الوطنية وقيم الدولة الوطنية تارةً أخرى. وفي مرحلة ما بعد عام، أ 2003 تيحت للمرجعية فرصة غير مسبوقة للمزج بين مهمة الفاعل الوطني، عبر التأثير في عملية تشكيل النظام السياسي وتطوّره في العراق، وتنمية شبكاتها فوق الوطنية وتطويرها في الوقت نفسه، بوصف تلك المرجعية - أولً وقبل كلّ شيء - مؤسسةً دينيةً. ولم تسع مرجعية النجف للتحول إلى سلطة سياسية؛ لأنّ ذلك كان سيجعل منها مؤسسةً "وطنيةً"، وسيخلّ بالمعادلة التي تناسب حاجتها إلى الموازنة بين الدورين السابقين. فتحويل المرجعية إلى سلطة سياسية في العراق، يعني التخلّ عن الوظيفة الأصلية التي ظلّ التيار المحافظ يدافع عنها في مواجهة التيارات الحركية الراديكالية. وفي الوقت نفسه، قد يؤدي الاكتفاء بالدور الديني، من دون محاولة التأثير في الاتجاهات السياسية العامة، إلى هيمنة تيارات معادية، أو منافسة بشأن الدولة وتهديدها السلطة الدينية - الاجتماعية للمرجعية. من أجل ذلك، اختارت المرجعية دورًا موازنًا، لا يُخلّ بطبيعة وظيفتها وخصائصها من حيث هي مؤسسة دينية فوق وطنية، وفي الآن نفسه، لا يحرمها من قدرة التأثير في السياسة الوطنية على نحوٍ يمنع هيمنة التيارات المعادية أو المنافسة. لكنّ هذا التوازن يتعرّض اليوم لاختبارات كبيرة، مع تسارع ديناميات التفكيك للدولة الوطنية، واحتدام التنافس على السلطتين السياسية والدينية، بين التيارين الراديكالي والمحافظ.
ا: فوق الوطني والوطني خامسً: الاتجاهات الراهنة
شهدت الاستقطابات السياسية الشيعية تحولّات مهمةً في الأعوام الأخيرة، تبعًا لاتجاهات التنافس السياسي داخل العراق والصراع الإقليمي في المنطقة. وبقدر تعلّق الأمر بالتحالفات فوق الوطنية، يمكن المجادلة بأنّ هناك علاقةً طرديةً بين مستوى التماهي مع هوية شيعية حركية ودرجة الانخراط في التحالفات السياسية فوق الوطنية. وكلما كانت "الاعتبارات" العراقية أكثر مركزيةً في تفكير قوة سياسية معيّنة وسلوكها، كانت أقلّ ميلً إلى الانخراط في تلك التحالفات، حيث نقلت القوى السياسية الكبرى (المجلس الأعلى والتيار الصدري وحزب الدعوة) مركز اهتمامها وثقلها السياسي إلى الفضاء السياسي العراقي، وطوّرت شبكات تحالفاتها الرئيسة في سياق العمل، أو التنافس في الموارد، إلى داخل الكيان الوطني العراقي. لا يعني ذلك أنّ تلك القوى تخلّت عن علاقاتها وتعاطفاتها ومصالحها مع إيران أو القوى الشيعية غير العراقية، بل صارت - إلى حدّ بعيد - تطوّع تلك الارتباطات بطريقة أداتية لخدمة أهدافها ومصالحها في السياق الوطني العراقي. ولا يعني ذلك أنّها حلّت تمامًا إشكالية عدم التطابق بين مفهومها الأيديولوجي للأمّة وتمركز عملها السياسي داخل الدولة العراقية، بل يعني أنّها طوّعت ممارساتها السياسية لتصبح أكثر تكيّفًا مع حقيقة وجود الدولة الوطنية، وأنّ تلك القوى لم تتراجع عن إيمانها بعلوية الولاء إلى "أمّة إسلامية" متخيّلة، ولا عن أولوية "الشرعي" – بمعناه الديني - إزاء "الوطني"، لكنها "عرقنت"، من خلال المشاركة في السلطة والانتخابات ومحاصّة المناصب الحكومية وتمويل نفسها وشبكاتها عبر أدوارها الدولتية والتنافس الزبائني والبرامجي بينها، فعلَها السياسي إلى حدّ بعيد.ٍ ليس مفاجئًا، إذًا، أنّ تلك القوى تشعر اليوم بالتهديد من تيارات أخرى أكثر تماهيًا مع المشروع السياسي الشيعي فوق الوطني، على
نحوٍ يُعيد ترسيم الاستقطابات الشيعية إلى صراع بين تحالف يمكن توصيفه بقدر من المجاز ب "التحالف العراقوي"، وآخر ب "التحالف فوق الوطني." لكنّ الدينامية الأساسية المشكّلة لهذا الاستقطاب تدور حول الصراع بين تيار يسعى للاستقرار السياسي وعدم إحداث خلخلة جذرية لعلاقات القوة في المجتمع الشيعي، وهو يقترب من مرجعية النجف (التيار الصدري والمجلس الأعلى الإسلامي والبرجوازية المدينية الشيعية)، وآخر يسعى لتغيير هذا الوضع واستبدال تلك العلاقات لمصلحته، وهو يرتبط بعلاقات مع الجناح الثوري الإيراني وولاء للمرشد الأعلى الإيراني (منظمة بدر وعصائب أهل الحق وكتائب حزب الله.) لذا، ليس مفاجئًا أن نرى التيار الأول أكثر تماهيًا مع وجود الدولة الوطنية العراقية وبقائها، فهي تعبير جيوسياسي عن الحاجة إلى النظام Order، في حين يميل التيار الثاني إلى تجاوز تلك الدولة والتماهي مع ولاء عابرٍ لها؛ عندما تصبح حاجزًا أمام نزعته التغييرية الراديكالية. في هذا السياق، لا بدّ من الاستدراك بالقول إنّ الأطراف المنخرطة في هذا الاستقطاب لا تتبنّى الخط السياسي نفسَه بالقدر نفسِه من الالتزام، وإنّ منطلقاتها تتباين، ولا تعكس سياساتها - بالضرورة - اصطفافًا تامًا في أحد التحالفين. ففي حين يؤدي العداء بين التيار الصدري وعصائب أهل الحق دورًا مهمً في النفور الحالي بينهما، فإنّ التقارب بين الصدر والحكيم لا يعني تخلّيهما عن مواقف ميّزت بين الجانبين بعد عام 2003، ولا سيما في ما يخص الموقف من الدور الأميركي. وفي وقت تسعى فيه العصائب للتحول إلى تيار شيعي رئيس، وتبحث عن تغييرات جزئية في داخل النظام السياسي (مثل الدعوة إلى نظام رئاسي)34، فإنّ حركةً مثل كتائب حزب الله الداخلة في تحالف مع العصائب تُعلن صراحةً أنها تتبع ولاية الفقيه، وتتبنّى مواقف التيار الثوري الإيراني من دون تردّد35. يميل بعض الكُتاب إلى تفسير الاستقطابات الشيعية على أساس ما يصدر من خطاب سياسي، من دون النظر إلى البنية العلائقية التحتية التي ترسم معالم هذا الخطاب. لكنّ مثل هذا التفسير يبقى سطحيًا، ولا يُقدّم إطارًا تنبُّئِيًا ملائمًا يساعد في استشراف سلوك الفاعلين السياسيين وتفكيكه. فالقوى "العراقوية" تستند، اليوم، في مواقفها إلى ترابط مصلحي مع وجود الدولة العراقية، ومع حقيقة أنّ تلك الدولة ما زالت توجِد لهذه القوى ما تحتاج إليه من عناصر البقاء والديمومة. وهكذا يمكننا، مثلً، فهْم اقتراب التيار الصدري في مواقفه من تيار الحكيم، واقترابهما معًا من النهج العامّ لمرجعية النجف، بدلً من النهج العامّ للجناح الثوري في إيران، وكذلك الأمر بخصوص انقسام حزب الدعوة إلى جناح سعى للتقارب مع مرجعية النجف، وآخر قريب من طهران وشبكة تحالفاتها. وفي المقابل، فإن قوى جديدة؛ مثل عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله والقوى التي ارتبطت بنيويًا بالنظام الإيراني، مثل منظمة بدر، ما زالت تستمدّ الكثير من مصادر قوتها وتأثيرها من العلاقة بالحرس الثوري الإيراني، وتبدو - نتيجةً لذلك - أكثر استعدادًا للانخراط في تحالفاته فوق الوطنية، أو استثمار تلك التحالفات لتحسين موقعها السياسي في العراق.
في هذا السياق، من المهمّ التفريق بين النزعة الشيعية فوق الوطنية بوصفها تيارًا سياسيًا، والتشيّع فوق الوطني بوصفه هوية دينية تتمثل بالتعاطف الجمعي مع "الشيعي"، ولا سيما في حالات المواجهة مع الآخر السُني، أو المشتركات الطقوسية التي تساهم في إعادة إنتاج تلك الهوية لجماعة متخيّلة فوق وطنية، أو في المؤسسات الدينية التي تقوم بما يشبه الدور الذي تحدّث عنه أنتوني سميث، وهو يتناول وظيفة حراسة هوية الجماعة؛ عبر إعادة إنتاج سردياتها وفضائها الرمزي والخطابي36. فالشيعوية السياسية، بتجسدها الحالي، تعبّ عن موقف أيديولوجي، وعن خيارات صراعية لا تتقرر آليًا عبر الانتماء إلى الهوية الشيعية، بل عبر قراءات ومفاهيم اجتماعية - سياسية وجغرافية - سياسية. وتعكس مشاركة عصائب أهل الحق ومنظمة بدر وتنظيم "أبو فضل العباس"، وغير ذلك من الفصائل الشيعية المسلحة في الصراع السوري، حالةً من التماهي مع خيارات التيار الثوري الإيراني في سياق الصراع الإقليمي والدولي. وعلى الرغم من الاستخدام المكثف للرمزية الشيعية في التجنيد وفي السردية الحاكمة لهذا الانخراط، فإنّ المواجهة محكومة بالاستقطاب الجيوسياسي القائم، أكثر من كونها انعكاسًا لا مفرّ منه
لوجود خريطة طائفية متباينة في المنطقة. بمعنى آخر، فإنّ الوجود الشيعي – السُني ليس كافيًا لتفسير الصراع، بل إنّ شحن هذا الصراع طائفيًا نتج من خيارات سياسية واعية اتخذتها أطرافه. وعلى الرغم من تمظهر الصراع "طائفيًا" في عقول كثيرين من المراقبين له أو المنخرطين فيه، فإنّ "الطائفي" هنا محكوم بالسياسي، أي بشروط الصراع في سياق زماني - مكاني محدّد. إذًا، لا بدّ من أن يُطرح سؤال: ما السبب الذي يجعل بعض القوى الشيعية أكثر استعدادًا للتماهي مع الشيعوية السياسية فوق الوطنية، سواء كان ذلك عبر تبنّي مقولاتها الأيديولوجية أم عبر المشاركة في جبهات مواجهة خارج العراق، أم عبريهما؟ ويبدو الإغراء الأيديولوجي عنصرًا مهمً، فهذا التيار ما زال وفيًّا للمقولات الأساسية للإسلام السياسي في المنطقة، بوصفه حركةً معاديةً للهيمنة الغربية، تحمل تفسيرًا سياسيًا للانتماء الإسلامي؛ ذلك أنّ التيار الإسلامي الذي ظهر في حقبة الدولة الوطنية قام على أدلجة الإسلام وشحن الهوية الدينية بمقولات "عصرية"، مثل الثورة والمقاومة، في محاولة لاستنطاق المخزون الديني سياسيًا، وتحويله إلى أساس للتعبئة والفعل. وهكذا تستدعي التيارات الشيعية الحركية، مثلً، معركة الحسين في "الطف"، لتصبح محورًا رئيسًا في الميثولوجيا الشيعية عن الذات الجمعية والعدالة والخير العامّ؛ لذلك فإنّ اختيار بدر والعصائب وكتائب حزب الله تسميات، مثل "الحشد الشعبي المقاوم" أو وصفها نفسها ب "فصائل المقاومة"، إنمّا يعبّ عن تماهٍ أيديولوجي مع التيار الثوري في إيران، لكنه تماهٍ يرتبط أيضًا بحقيقة أنّ تلك القوى تستمد قدرتها ووسائل قوتها وبقائها من الدعم المالي والعسكري الذي يقدّمه الحرس الثوري الإيراني. وتشكّل هذه العلاقة التخادمية وامتداداتها إلى دول ومناطق أخرى؛ لبنان وسورية واليمن، تجسيدًا لشيعوية فوق وطنية منخرطة في صراع جيوسياسي، ومستقلة في خياراتها عن التشيّع الاجتماعي والثقافي. وتستمد التيارات الإسلامية، السُنية والشيعية، الكثير من مقولاتها من منابع متشابهة، وتحديدًا من فكرة أنّ الإسلام نظام شامل للحياة، صالح لكل عصر. لكنّ هذه التيارات تأثرت بالتطييف المتزايد للسياسات الإقليمية، على نحوٍ جعل بعضها يتخندق ضدّ بعضها الآخر في الكثير من الساحات. ومن ثمّ، تواجه الشيعوية فوق الوطنية إشكالية التوفيق بين "إسلاميتها" و"شيعيتها"؛ أي بين منطلقها الأيديولوجي القائم على الولاء للهوية الإسلامية، وانتمائها الطائفي الذي صار يفرض عليها الاصطدام بقوى إسلامية والاصطفاف مع قوى علمانية (مثل النظام السوري)، على أساس الشراكة الطائفية. من الواضح أنه ستكون لهذه الإشكالية نتائج مستقبلية مهمّة؛ إذ سيدفع التشييع المتزايد للإسلام السياسي الشيعي، بفعل صراعه مع الإسلام السياسي السُني، إلى تأكيد عناصر الافتراق بين الطرفين، وتجاوز المنابع المشتركة، وإذكاء سرديات التمايز والاختلاف بين الطرفين. وفي مثل هذه البيئة الصراعية، تكتسب النزعة الشيعية فوق الوطنية مزيدًا من الأسباب للتخندق والتكاتف، الأمر الذي يضعف التيارات الراغبة في كسر هذا التخندق وتجاوز الاستقطاب الطائفي، ويحد من قدرة التيارات الشيعية "العراقوية" على الوصول إلى نقاط تلاق مع المكوّنات غير الشيعية في الدولة الوطنية العراقية، بوصف هذا التلاقي شرطًا لإحياء تلك الدولة والمحافظة عليها كيانًا متمايزًا عن محيطه، وذا هوية خاصة به. وعلى العكس من ذلك، سيقوّي تراجع الاستقطاب الطائفي في المنطقة قدرةَ القوى الشيعية العراقوية على صناعة خياراتها الخاصة التي لا تتحكم فيها الحاجة إلى التماهي مع الشيعوية فوق الوطنية؛ ومن ثمّ إيجاد مشتركات مع المكوّنات غير الشيعية في العراق، تُعاد على أساسها صناعة العقد السياسي المنظّم لوجود الدولة الوطنية العراقية.
وهكذا، يمكن المجادلةّبأن الشيعوية السياسية فوق الوطنية تستمد قوتها من ضعف الدولة الوطنية، كما هو الأمر أيضًا بالنسبة إلى تيارات الإسلام السياسي السُني، وتحديدًا السلفية الجهادية. وهنا تكمن أهمية المرحلة الراهنة والاستقطاب الموجود بين التيارات الشيعية العراقوية، والتيارات الشيعية المرتبطة بالجناح الثوري الإيراني. فقدرة الأولى على صوغ مشروع يحافظ على الكيان السياسي العراقي ويؤكد تمايزه عن محيطه وينعش هويته الوطنية الخاصة به، سيؤدي إلى إضعاف قدرة الشيعوية فوق الوطنية على تهديد وجود هذا الكيان، ومن ثم،ّّالحد من إمكان تحول الرابطة الشيعية فوق الوطنية إلى قومية شيعية بديلة من الدولة الوطنية المنهارة. يمكننا القول،ّإن نجاح مشروع إحياء الدولة الوطنية، أو مشروع تحويل الشيعوية فوق الوطنية إلى قومية بديلة، لا يتعلق بالخيارات التي تتخذها أطراف الاستقطاب الراهن فحسب، بل بنوعين من الديناميات أيضًا، أحدهما داخلي والآخر إقليمي:
أولً، في السياق الداخلي العراقي، يتأثر مشروع إعادة صوغ العقد السياسي للدولة الوطنية العراقية بمتغيرين؛ أحدهما طبيعة العلاقة بالمكوّنات غير الشيعية والقدرة على الوصول إلى تفاهمات معها تسمح بحفظ الكيان السياسي العراقي، عبر تنازلات متبادلة عن جزء من مصالح كلّ مكوّن لمصلحة إقامة رصيد وطني يحفظ وجود هذا الكيان، ويؤسسه على حاجات متبادلة قد تتحوّل مستقبلً إلى شبكة علاقات تؤكد تمايز الدولة الوطنية عن محيطها وتُعيد تأسيس هويتها الخاصة بها37. أمّا المتغير الثاني فيتعلق بالتفاعلات الشيعية الداخلية وأبعادها الاجتماعية، ولا سيما العلاقة بين التيار المحافظ والتيار الراديكالي. فكلّ تيار يحمل معه مشروعًا مختلفًا بخصوص ما يجب أن تكون عليه الدولة العراقية، وعلاقتها بالشيعوية فوق الوطنية. يميل التيار المحافظ إلى نهجٍ براغماتي يعتمد التسويات ويتجنّب الحلول القصوى المربكة لبنية العلاقات الاجتماعية - السياسية القائمة؛ ولذلك فإنّ القوى المنخرطة فيه، في غالبية الأحيان، هي تلك التي ارتبطت بمراكز القوى العائلية والاجتماعية التقليدية في المجتمع الشيعي، والتي تحتل فيها المراكز الدينية (النجف وكربلاء والكاظمية) مكانةً مركزيةً، وتؤدي العوائل الدينية البارزة من النسل العلوي فيها دورًا أساسيًا؛ لأنها تجسّد الهرمية التقليدية داخل المجتمع الشيعي (مثل عوائل الخوئي والحكيم والصدر وبحر العلوم وسواهم.) أمّا التيار الراديكالي، فيتجه إلى تبنّي مواقف أكثر جذريةً، والاقتراب من الحلول القصوى أحيانًا، وهو تيار يختزن في تكوينه الاجتماعي القطاعات الشيعية الشاعرة بالتهميش في ظل علاقات القوة والهرمية الاجتماعية السائدة داخل المجتمع الشيعي، التي تمنح المراكز الدينية والعوائل الدينية دورًا محوريًا، في غالبية الأحيان، على حساب شيعة الجنوب الذين يشكّلون الغالبية الشيعية ديموغرافيًا. يمكننا ملاحظة أنّ معظم القادة والحركيين للقوى المرتبطة بالجناح الثوري الإيراني ينحدر، اليوم، من عوائل غير علوية، وأكثرهم من أصول جنوبية، وليس مفاجئًا أن ترتبط تلك القوى بالجناح الذي يقوده نوري المالكي في حزب الدعوة، من حيث تعبيره عن تحفّظ تجاه الزعامات "العمائمية"، وتحديدًا المرتبطة منها بالبرجوازية المدينية، هذا على الرغم من ارتباط المالكي نفسه بروابط عشائرية مع عائلة كاشف الغطاء الدينية البارزة. ويتوسّل هذا التيار بخيارات للتغيير الراديكالي تحاول أن تستجيب لرغبة قطاعاته في تصحيح معادلات القوة داخل المجتمع الشيعي. وبطبيعة الحال، لا يمكن القول إنّ هذا الاستقطاب واضح، أو إنّ هناك وعيًا تامًّا به من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، بل يتداخل مع عناصر أخرى، وتفلت منه فضاءات مهمة، مثل الفضاءات التي تتمثل بالتيار الصدري، من حيث كونه حركةً تقودها عائلة دينية علوية، بنزعة عراقوية، لكنّ قاعدته الاجتماعية تتألف - في جزء كبير منها - من القطاعات الشيعية الأقلّ حظًا، ومن الأصول الجنوبية. من هنا، يمكن القول إنّ قدرة التيار الصدري على التأثير في هذا الاستقطاب، وعلى الاحتفاظ بدوره التجسيري بين نمطي المصالح والتصوّرات التي يُعب عنها التياران، تظلّ عاملً مهمً في الحؤول دون تفاقم الصراع. ثانيًا، في ما يخص الديناميات الإقليمية واتجاهاتها المستقبلية، يمكن القول إنّ الحسم في اتجاه أيّ مشروع من المشروعين (مشروع إحياء الدولة الوطنية أو مشروع تحويل الشيعوية فوق الوطنية إلى قومية بديلة) سيُحدِث تحولّات كبيرةً في الجغرافيا السياسية للمنطقة، وفي التحالفات الاجتماعية – السياسية؛ ولذلك فإنّ إمكان استمرار الصراع بين التيارين إلى أعوام مقبلةً يبدو أمرًا مرجّحًا، خصوصًا أنّه صراع يؤثّر في دينامية مشابهة في العالم السُّني، ويتأثر بها أيضًا؛ إذ يحتدم التنافس بين إسلام سُني متجاوز الدولة الوطنية، وتيارات وقوى تسعى للحفاظ على تلك الدولة وتأكيد خصوصيتها.
خاتمة
عالجت هذه الدراسة العلاقةَ بين التضامن الشيعي فوق الوطني والدولة الوطنية في العراق، مع محاولة التركيز على المرحلة الراهنة واتجاهاتها المستقبلية؛ لأنّ الدولة الوطنية في العراق، اليوم، تتعرض لتحديات أساسية، كان آخرها صعود تنظيم الدولة الإسلامية، ولأن الاستقطابات الإقليمية صارت تُنمّي التضامنات الطائفية فوق الوطنية، التي تطرح نفسها أحيانًا بصيغة مشروعات لهويات بديلة. جادلت الدراسة بأنّ الهوية الشيعية هي بطبيعتها هوية فوق وطنية، أو لاوطنية، من حيث كونها هويةً دينيةً تشكّلت مؤسساتها وتطورت قبل تشكّل الدولة الوطنية الحديثة. وواجهت تلك الهوية تحدّيًا مع ظهور الدولة الوطنية ما بعد الكولونيالية، بوصفها مشروعًا لبناء الأمّة يقوم على المركزة والعلمنة والتحديث، وهو أمر أدّى إلى التنافس بين تلك الدولة والمؤسسة الدينية الشيعية، كما أدّى إلى ظهور الإسلام السياسي الشيعي، بوصفه محاولةَ استجابةٍ للتحدي الذي نشأ عن الوضع ما بعد الكولونيالي وسياسات العلمنة وهيمنة النخب السُنية على هياكل الدولة العراقية.
لكنّ الشيعوية فوق الوطنية أخذت مسارين: الأول محافظ، أراد الإبقاء قدر الإمكان على المؤسسات التقليدية؛ عبر تجنّب الانخراط المكثّف في العمل السياسي الحركي، والمحافظة على وظيفتها الدينية؛ والثاني راديكالي أراد بناء نظام سياسي بديلٍ، استنادًا إلى المذهب الشيعي، وتجلّ أساسًا في صيغة ولاية الفقيه بإيران. ومنذ ذلك الحين، تعمّق التنافس تحت سقف التضامن الشيعي بين التيار المحافظ والتيار الراديكالي، بين الرغبة في الحفاظ على "فوق الوطني"، من حيث هو علاقة دينية - مذهبية لا تصطدم مباشرةً بالحقائق السياسية، والرغبة في جعْل "فوق الوطني" مشروعًا سياسيًا لتغيير معادلات القوة اجتماعيًا وجيوسياسيًا. سمح التحول في العراق، بعد عام 2003، بإقامة علاقة جديدة بين المؤسسة الدينية الشيعية والدولة الوطنية، بعد أن أ عيد تعريف تلك الدولة عبر التخلي عن المنطلقات الكلاسيكية التي قامت عليها (المركَزة والعلمنة والتحديث) لمصلحة نظام ليبرالي يقوم على التصنيفات الهوياتية، على نحوٍ أتاح للمرجعية الدينية أن تبرز بوصفها فاعلً في سياسات الدولة الوطنية، وضامنًا لمصلحة الغالبية الشيعية، من دون التفريط في وظيفتها بوصفها مؤسسة دينية بامتدادات فوق وطنية. أبرزت هذه المعادلة ما صار يُعرف بالظاهرة "السيستانية" التي هي مرحلة فريدة وغير مسبوقة من التعايش بين الدولة الوطنية والمؤسسة الدينية؛ بطريقة كسرت الثنائية الصارمة التي تفصل بين تيار حركي ينشغل بالشأن العامّ، وتيار انكفائي لا ينشغل إلّ بالفقه، لمصلحة ظهور نهجٍ وسيط بين ولاية الفقيه من جهة، وعزلة الفقيه من جهة أخرى. تضع الهشاشة المتزايدة للدولة في العراق، التي تجعل عناصرها التأسيسية الجديدة في محلّ اختبار، مضافًا إليها الاستقطاب الإقليمي المتصاعد الذي عمّق تطييف الهويات، التجربةَ السيستانية في محل اختبار وتحدٍّ، وتطرح الكثير من الأسئلة عن مرحلة ما بعد السيستاني؛ إذ يبرز الصراع بين تيار شيعي سمّيناه مجازًا "العراقوي"، وآخر مندرج في التحالفات فوق الوطنية التي شكّلها الجناح الثوري الحركي في النظام الإيراني، بوصفه صراعًا على تحديد طبيعة الدولة الوطنية في العراق وهويتها، ومن ثمّ العلاقة بين الوطني وفوق الوطني. وجادلنا بأنّ مسارات هذا الصراع تتأثر بالعوامل الداخلية والإقليمية وتؤثّر فيها، وأنّ نجاح التيارات التي اندمجت بنيويًا في الدولة العراقية في تقديم مشروع لإعادة صوغ تلك الدولة الوطنية على نحوٍ يحفظ كيانها السياسي، سيقلّل من قدرة الاتجاهات فوق الوطنية على تقديم نفسها مشروعَات لهويات بديلة، تحلّ محلّ الدولة الوطنية التي تواجه اليوم سؤال الشرعية وتحدّي البقاء في العراق والمشرق العربي.
المراجع
العربية
الخفاف، حامد. النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية. بيروت: دار المؤرخ العربي،.2007 العاملي، أحمد عبد الله أبو زيد. محمد باقر الصدر: السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق. لبنان: العارف للمطبوعات،.2006 الحركة الإسلامية في العراق الفضلي، عبد الهادي.. القطيف: منشورات لجنة مؤلفات العلّ مة الفضلي،.2014 القزويني، جودت. تأريخ المؤسسة الدينية الشيعية: من العصر البويهي إلى نهاية العصر الصفوي الأول. بيروت: دار الرافدين للطباعة والنشر والتوزيع،.2005 مجموعة مؤلفين. المجتمع العراقي: حفريات سوسيولوجية في الإثنيات والطوائف والطبقات. بغداد/ بيروت: معهد الدراسات الإستراتيجية – العراق،.2006 الملّ ط، شبلي. تجديد الفقه الإسلامي: محمد باقر الصدر وشيعة العالم. بيروت: دار النهار،.1998
الأجنبية
Al-Barghouti, Tamim. The Umma and the Dawla: The Nation-State and the Arab Middle East. London: Pluto Press, 2008. Al-Qarawee, Harith. Imagining the Nation: Nationalism, Sectarianism and Socio-Political Conflict in Iraq. London: Rossendale, 2012. Bacik, Gokhan. Hybrid Sovereignty in the Arab Middle East: The Cases of Kuwait, Jordan, and Iraq. New York: Palgrave Macmillan, 2008. Baskan, Birol. From Religious Empires to Secular State: Three Road to Secularization. New York: Tylor and Francis, 2014. Corboz, Elvire. Guardians of Shi'ism: Sacred Authority and Transnational Family Networks. Edinburgh: Edinburgh University Press, 2015.
Cesari, Jocelyne. The Awakening of Muslim Democracy: Religion, Modernity and the State. Cambridge: Cambridge University Press, 2014. Dodge, Toby. Inventing Iraq: The Failure of Nation- Building and a History Denied. NewYork: Columbia University Press, 2003. Fregonese, Sara. "Urban Geopolitics 8 Years On: Hybrid Sovereignty, the Everyday, and Geographies of Peace." Geography Compass. vol. 6. no. 5 (2012). Gellner, Ernest. Culture, Identity and Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1987. Greenfeld, Liah. Nationalism: Five Roads to Modernity. USA: Harvard University Pres, 1999. Hameiri, Shahar. Governing Borderless Threats: Non- Traditional Security and the Politics of State Transformation. Cambridge: Cambridge University Press, 2015. Heern, Zackey M. The Emergence of Modern Shiism: Islamic Reform in Iraq and Iran. London: Oneworld, 2015. Hippler, Jocher (ed.). Nation-Building: A Key Concept for Peaceful Conflict Transformation. London: Pluto Press, 2005. Khalaji, Mehdi. "The Last Marja: Sistani and the End of Traditional Religious Authority in Shi'ism. " The Washington Institute for Near East Policy. Policy Focus. no. 59 (September 2006). Louër, Laurence. Shiism and Politics in the Middle East. New York: Columbia University Press, 2012. Nakash, Yitzhak. The Shi'is of Iraq. Princeton: Princeton University Press, 2013. Olson, Elizabet & Rachel Silver. "Transnational Geographies: Rescaling Development, Migration, and Religion." Environment and Planning. vol. 38 (2008). Risse-Kappen, Thomas (ed.). Bringing Transnational Relations Back In: Non-State Actors, Domestic Structures and International Institutions. Cambridge: Cambridge University Press, 1995. Smith, Anthony. National Identity. England: Penguin Books, 1991. ________. Myths and Memories of the Nation. New York: Oxford University Pres, 1999. Vertovec, Steven. "Conceiving and Researching Transnationalism. " Ethnic and Racial Studies. vol. 22. no.