تأثير سياسات الشارع في عملية الانتقال الديمقراطي: دراسة مقارنة بين حالتَي تونس ومصر بعد عام 2011

Mahmoud Abdalel محمود عبد العال |

الملخّص

تتناول هذه الدراسة تأثير سياسات الشارع في عملية التحول الديمقراطي في تونس ومصر، بالتركيز على فترة ما بعد عام 2011، وذلك من خال رصد خرائط التظاهرات والصراع، بهدف الوصول إلى العوامل التي أدت إلى لجوء القوى السياسية في مصر وتونس بعد الثورة إلى اتباع تلك السياسات بوصفها أدوات ضغط لتحقيق أهدافها. وتبحث الدراسة في أسباب هذه التظاهرات، ونتائجها. وفي سبيل توضيح حدة الصراع السياسي وتحوُّله إلى عنف في كثير من الأحيان، ترصد مقارنة بين حالات العنف السياسي في كلتا الحالتين، ومدى تأثيرها في تجربة الانتقال. تتناول الدراسة رصدًا لأهم الملفات التي أثارت حدة الصراع بين القوى السياسية في الحالتين التونسية والمصرية، وتخرج بنتائج تتعلق بتحديد رت في تجربة الانتقال سواء أكان انتقال ا ناجحًا أم فاشل ا العوامل التي أث. كلمات مفتاحية: سياسات الشارع، الانتقال الديمقراطي، الإدارة الانتقالية، الميدان، الصراع السياسي. This study examines the impact of street politics on the post 2011 democratization process in Tunisia and Egypt. It makes use of demonstrations and conflict maps to identify the factors that led the political forces in post-revolutionary Egypt and Tunisia to resort to street politics and demonstrations as a pressure tool to achieve their goals. The paper examines the motivations behind these demonstrations and their outcomes. The political violence in both cases and its impact on the transition are compared in order to understand the intensity of the political conflict and its descent into violence. The study monitors the most important sources of conflict between political forces in the Tunisian and Egyptian cases, and determines the factors that influenced the transition experience, successfully or otherwise. Keywords: Street Politics, Democratic Transition, Interim Administration, The Square, Political Conflict.

The Influence of Street Politics on the Democratic Transition Process:

A Comparative Study of Post- 2011 Tunisia and Egypt

مقدمة

تحولت تظاهرات الربيع العربي في تونس ثم في مصر إلى حالات احتجاج عامة، أدت إلى إسقاط النظامين السياسيين القائمين آنذاك؛ حيث دخلت تونس ومصر حقبة جديدة، يتطلع فيها الناس إلى العيش والحرية وسيادة قيم العدالة والقانون. وما كادت القوى السياسية تُسقط أنظمة الاستبداد، حتى نتأت الانقسامات والانشقاقات فيما بينها؛ فقد ظهرت الخلافات بين القوى السياسية المصرية التي توحدت جميعها ضد نظام مبارك خلال الثمانية عشر يومًا السابقة لتنحّيه عن السلطة، ثم اختلفت بعده لأهداف سياسية ومصالح حزبية ضيقة. وعلى العكس من ذلك، أخذت الحالة التونسية طابعًا يجمع بين التوافق والتصارع؛ فاستطاعت القوى السياسية هناك حسم مشكلاتها عبر التفاوض وتقديم نوع من التنازلات، على عكس الحالة المصرية التي كان للشارع والتظاهرات كلمة الفصل في التحكم في مجريات أحداثها. إضافة إلى ذلك، افتقدت عملية الانتقال في مصر الأبعاد المؤسسية على العكس من حالة تونس؛ فقد استطاعت المؤسسات التونسية مُمَثلة في المجتمع المدني تبنّي مطالب التظاهرات لتكون أُسسًا للتفاوض والتوافق بين القوى السياسية فيما بعد. ولا نستطيع في هذا الصدد إغفال قيمة قبول التنوع والاختلاف، التي تمتعت بها القوى السياسية الفاعلة في تونس من خلال تقديم التنازلات، وإصرار القيادات التاريخية (راشد الغنوشي، والباجي قائد السبسي) على تفعيل التوافقات لإنجاح تجربة التحول.

11 تساؤلات الدراسة وفرضياتها

بعد نجاح ثورت 14 جانفي 2011 في تونس، و 25 يناير 2011 في مصر، ظهرت الانقسامات والانشقاقات بين القوى السياسية التي توحَّدت ضد نظامَي الرئيسين زين العابدين بن علي وحسني مبارك، واختلفت من بعدهما لأهداف سياسية ومصالح حزبية. أدى ذلك إلى توظيف سياسات الشارع للتأثير في تطورات التحول خلال المرحلة الانتقالية في البلدين. لكن المثير للاهتمام هو نجاح هذه السياسات في حالة تونس؛ حيث أدت إلى نتائج إيجابية تدفع لتحقيق التحول الديمقراطي، على عكس الحال في مصر، حيث فشلت في تحقيقه بعد تدخّل الجيش مرة أخرى في حزيران/ يونيو.2013 تسعى هذه الدراسة للإجابة عن تساؤلين رئيسين؛ هما: ما العوامل التي أدت إلى نجاح سياسات الشارع، بوصفها أداة لإدارة الصراع السياسي، في الحالة التونسية، وفشلها في الحالة المصرية؟ وما مدى تأثير سياسات الشارع في عملية الانتقال الديمقراطي في تونس ومصر؟ وينبثق من ذلك تساؤلات فرعية تتعلق بأدوار الفاعلين، وطبيعة التظاهرات، وأهدافها، وتأثير الأبعاد الأيديولوجية فيها، وكيفية إدارتها، ونتائجها. وتسعى الدراسة لاختبار فرضيات أساسية عدة؛ منها: أن مأسسة سياسات الشارع خلال المراحل الانتقالية تؤثر إيجابيًا في عمليات الانتقال الديمقراطي. أنه كلما انفتحت النخب السياسية بعضها على بعض أثناء المراحل الانتقالية، زاد ذلك من فرصة إنجاح عملية التحول.

22 منهج الدراسة

تنتهج الدراسة مقاربة الحركات الاجتماعية movements Social؛ على اعتبار أن التظاهرات وسياسات الشارع تمثّل أحد أشكال الحراك السياسي والاجتماعي؛ لأنها تفاعلات بين مجموعة من الفاعلين الذين يمثلون قاعدة شعبية تفتقد التمثيل الرسمي والمؤسسي، ولذا تجنح إلى عرض مطالبها في تظاهرات عامة1. انطبق ذلك على الحالة المصرية بدرجة أكبر من الحالة التونسية؛ إذ حُلَّت جميع المؤسسات التمثيلية المصرية، مثل مجلسَ الشعب والشورى والمجالس المحلية والاتحادات الطلابية والنقابية، بعد نجاح الثورة، وفشلت القوى الأساسية المحرِّكة لأحداث عام 2011، مثل الشباب، في التمثيل داخل برلمان الثورة الأول، فاستمروا خارج النسق المؤسسي، وتحوَّلوا إلى أداة في العملية الصراعية، سواء فيما بين القوى السياسية، أو بين القوى السياسية والمجلس العسكري الحاكم في ذلك الوقت. تفسر نظرية السلوك الاجتماعي ذلك إلى حد بعيد؛ فغياب الوسائط السياسية (مثلما حدث في مرحلة إسقاط بن علي ومبارك؛ إذ لم يكن البرلمان أو السلطة معبِّ يْن عن الناس) يدفع الناس إلى تشكيل حركة احتجاجية ضد السياسات القائمة، سواء أكان ذلك ضد نظام سياسي ما، أم حتى للضغط على قوى اجتماعية أخرى متحكمة (مثلما حدث في تونس بين ائتلاف الترويكا الحاكم، والمعارضة الضعيفة التمثيل في المجلس التأسيسي.) ينبني نجاح عملية التعبئة على توافر الفرصة السياسية، والنجاح في استقطاب الجماهير بغرض التأثير في الفعل الاجتماعي، وتأطيره لضمان استمراره في تحقيق أهدافه2. ولكن يبقى الأهم من تأطير التظاهر هو مأسسته، ليكون عاملً للضغط على النخبة السياسية المتحكمة، لإجبارها على التوافق، كما حدث في حالة تونس، وليس

  1. تشارلز تللي، الحركات الاجتماعية -1786 04 20، ترجمة ربيع وهبة (القاهرة: المجلس الأعلى للصحافة، 2005)، ص 15-13؛ محمود جمال، "الحركات الاجتماعية في مصر بعد 2011: من تصاعد الدور إلى تراجع المكانة، ومن السلمية إلى العنف"، مركز إدراك للدراسات والاستشارات، 2018/3/9، شوهد في 2018/9/2، في: https://goo.gl/AVgA4S
  2. المستقبل العربي إبراهيم الصافي، "الحركة الاحتجاجية في تونس"،، العدد 435 (أيار/ مايو 2015)، ص.168-167

عاملً لمحاولة حسم الصراع لصالح طرف من دون بقية الأطراف الأخرى كما حدث في حالة مصر. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن مأسسة التظاهر لا تنطبق على المراحل الأولى من الثورة التي تهدف بالأساس إلى إسقاط نظم الاستبداد، باعتبارها فاقدة الثقة والمشروعية من الأساس.

أول ا: الشارع (دور المكان وفلسفة المكانة)

يُعَد التظاهر من أهم أدوات عملية التعبئة السياسية، وهو يُعنى بخلق حالة عامة ترتبط بنزول الجماهير إلى الشارع للتعبير عن تفضيلاتها المختلفة. ويعني التظاهر لغويًّا جملة من المعاني؛ أهمها: التعاون، مثل ظهير أي نصير، أو إظهار الشيء أي إبرازه3. ويعني اصطلاحًا، تجمعًا عفويًّا أو تعبويًّا (منَظَّمً) لمجموعة من الناس، للتعبير عن مطالبهم في المجال العام، بهدف إحقاق الحق، أو دفع ظلم، أو حتى التعبير عن تفضيلات بعينها، ومن ثم الخروج إلى الشارع والميادين عن طريق الاحتجاج بالوجود الجسدي4. ويمثل ذلك خروجًا على القوانين والشرعية السياسية القائمة، لأسباب تتعلق بانسداد الأفق والحلول داخل المؤسسات والمجال الخاص5. على صعيد آخر، تتعدد تكتيكات التعبئة الشارعية6، مثل الاكتفاء برفع الشعارات، أو اتباع أساليب غير تقليدية، مثل ما اتبعته الثورة المصرية، وهو التجمع في الميادين العامة عن طريق التعبئة والحشد المنظَّم خلال وسائل التواصل الاجتماعي7 التي شملت تحديد أماكن التجمعات، والشعارات، وإرشادات التظاهر التي انعكست بدرجة كبيرة عن خبرة تجربة الثورة التونسية8. برز الشارع بصفته أداة فاعلة للتغيير منذ الثورة الفرنسية عام 1789، وطوَّره آصف بيات (في السياق الشرق أوسطي والإسلامي) انطلاقًا من تجربته في الثورة الإيرانية عام 1979، والتعامل مع الشارع في هذا الإطار من المنظور الفكري والأيديولوجي، وليس من المنظور المكاني فقط؛ فيهمنا في هذا الإطار فلسفة المكان ومكانته، وهو ما يرتبط بدوره وموقعه في السياقات السياسية والتحولات التاريخية، وكذلك روابط المكان بالنظام السياسي القائم، سواء على مستوى عناصر النظام الفاعلة، أو مؤسساته الضامنة لصيرورة استبداده وتطورها9. وتراودنا في سياق حالات الربيع العربي أسئلة المكان التي تتعلق، على سبيل المثال، بشارع الحبيب بورقيبة في تونس وميدان التحرير في القاهرة. إن الواعي بطبيعة هذين المكانين يدرك أن اختيار مكان التظاهر له فلسفة في نفوس المحتجين أنفسهم، ولعل القاسم المشترك بين أهمية هذين المكانين هو القرب من موقع وزارة الأمن الداخلي التي كانت بمنزلة الضامن لاستمرار نظامَي بن علي في تونس ومبارك في مصر10، وهذا ما يكسب المكان أهميته في التأثير أو خلق حالة عامة لإحداث التغيير. إن الإصرار على التظاهر في أماكن السلطة قد يكون بمنزلة تحدٍّ لها وإعلان عن استعادة الشعب حقه في المجال العمومي الذي تنازل عنه للإرادة العامة بغرض تدبير شؤونه، وفقًا لأطروحات جون لوك، أحد مفكري العقد الاجتماعي11، وينال ذلك من شرعية السلطة القائمة نفسها12. وبرزت هذه الفلسفة بصورة أوضح في حالة ميدان التحرير في القاهرة الذي تحول إلى فضاء منعزل عن النظام والدولة، وكأنه حيّز مستقل بذاته، وهو ما برز في إملاء المطالب وتصعيدها ضد النظام عند التمكن من فضاء الميدان، والحال نفسه في اعتصام شارع الحبيب بورقيبة، الذي كان أحد أهم الحلقات التي ترتب

  1. إسماعيل محمد البريشي، "المظاهرات السلمية بين المشروعية والابتداع: دراسة مقارنة"، مجلة دراسات - علوم الشريعة والقانون، مج 41، العدد 1 2014()، ص.141
  2. للمزيد من المعلومات والتحليلات حول مفهوم الجسد ومحوريته في العلوم الاجتماعية والإنسانية، ولا سيما أهمية الجسد وتجلياته في الثورة المصرية، انظر: مريم وحيد، الجسد والسياسة (القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب،.)2015
  3. في الثورة والقابلية للثورة عزمي بشارة، (بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص 15-14؛ أشرف عبد العزيز عبد القادر، "المحتجون: كيف السياسة الدولية تؤثر المظاهرات والاعتصامات في سياسات الدول؟"، مج 47، العدد 187 (كانون الثاني/ يناير 2012)، ص.11
  4. تُعنى بحشد الناس في الميادين والشوارع لإملاء مطالب معينة، مثلما حدث في مصر وتونس، وقد يكون هذا الحشد ضد النظام القائم، أو قد يكون حشدًا للتأثير وإملاء المطالب على القوى السياسية المتحكمة. ويختلف هذا المفهوم عن التعبئة الصناديقية التي تعني دعوة جماهير الناخبين للتصويت لصالح مرشح معين، مثلما دعت حركة شباب 6 أبريل في
  5. Marina Ottaway & Amr Hamzawy, "Protest Movements and Political Change in the Arab World," Policy Outlook , Carnegie Endowment, 28/1/2011, pp. 10-11, accessed on 12/12/2016, at: https://goo.gl/FdGfkU
  6. دينا شحاتة، "حركة الشباب وثورة 25 كانون الثاني/ يناير"، في: بهجت قرني (محرر)، الربيع العربي في مصر: الثورة وما بعدها (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،)2012، ص.142-139
  7. الحياة سياسة: كيف يُغير بسطاء الناس الشرق الأوسط؟ آصف بيات،، ترجمة أحمد زايد (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2014)، ص.327
  8. في هذا الصدد، لا نستطيع إنكار أهمية وجود المؤسسات الحكومية حول ميدان التحرير وشارع الحبيب بورقيبة، كرئاسة مجلس الوزراء والبرلمان، وكذلك الفنادق، ودور الصحافة، ومحطات الإذاعة والتلفزة. 11 جون لوك، الحكومة المدنية وصلتها بنظرية العقد الاجتماعي لجان جاك روسو، ترجمة محمود شوقي الكيال (القاهرة: مطابع شركة الإعلانات الشرقية، 1965)، ص.85-83
  9. مصر للتصويت لصالح الرئيس السابق محمد مرسي، أو الحشد للتصويت بالرأي كما حدث في استفتاء آذار/ مارس 2011، وقد تكون التعبئة الصناديقية بالسلب، كالدعوة إلى إبطال الأصوات أو المقاطعة، كما حدث في الانتخابات البرلمانية عام 2010 في عهد مبارك.
  10. هناك أدلة كثيرة تثبت هذا الطرح أبسطها حرص الأنظمة الاستبدادية أو غير الشرعية على منع التظاهر وعلى تأميم المجال العام، إذ تسن جُل الأنظمة الاستبدادية قوانين تمنع التجمعات أو الاعتصامات. وإذا سمحت بها (وهذا غالبًا لا يحدث) فهي تجعل تنظيمها والإشراف عليها بيد الأجهزة الأمنية، بغرض التضييق عليها والإشراف على مطالبها وتنظيمها.

عليها خروج بن علي وهروبه إلى المملكة العربية السعودية، ومن ثم نجاح الحراك الثوري. في هذا الصدد، تبرز أهمية المكان، كارتباطه بجامعة13، أو مسجد، أو شارع نتأ دوره في ظروف تاريخية وثقافية معينة، كحالة ميدان التحرير الذي تحيط به المؤسسات الحكومية والمقاهي ذات الطابع الثقافي والسياسي، أو شارع الحبيب بورقيبة الذي ارتبط باسم الزعيم التونسي قائد الاستقلال والحداثة التونسيين. ويشير بيات في هذا السياق إلى أن اختيار أماكن التجمع/ التظاهر يرتبط بتوافر شبكة المواصلات العامة، لضمان وصول الناس العاديين إلى هذه الأماكن، إضافة إلى مدى قابلية هذه الفضاءات للتحول إلى ساحات للمناورة مع القوات الأمنية14. من ناحية أخرى لا يمكننا إغفال أن سياسات الشارع ليست هدفًا أو فضيلة في ذاتها، ولكنها فرصة وضرورة خاصة في حال انسداد الأفق السياسي للتغيير عبر الوسائط السياسية المختلفة، كمنظمات المجتمع المدني أو الأحزاب، ومن ثم بروز الطابع السيكولوجي لفئات محتجّة لتنظيم نفسها وعرض مطالبها على السلطات القائمة، مستخدمة في ذلك الفضاء العمومي "الشارع" على سبيل التحدي الجمعي للسلطة السياسية القائمة. وقد لا تكون سياسات الشارع خ ا محضًا؛ إذ تشير الأحداث التاريخية إلى تحوّلها إلى أداة خطرة على الديمقراطية والحرية، مثل الحركات النازية في ألمانيا، والفاشية في إيطاليا15، وكذلك تلك التي نادت بسقوط الديمقراطية والبرلمان والأحزاب بعد ثورة يوليو 1952 في مصر، وتوظيف عبد الناصر لها لتصفية خصومه والانقضاض على الديمقراطية16. ويُعَد الشارع المكان الرئيس للممارسات السياسية للناس العاديين17، باعتباره مسرحًا مكشوفًا يُعبِّ ون فيه عن مشكلاتهم وهمومهم، سواء للمارَّة، أو للمسؤولين، أو لوسائل الإعلام، بغرض جذب الناس للانخراط معهم. ويرتبط بسياسات الشارع إشكالية السيطرة/ الغلبة، ولا سيمّا في مراحل ما بعد نجاح الثورات، وغالبًا ما تشمل إبعاد الطرف الآخر عن هذا الحيز وليس مشاركته، وكان من نماذج ذلك حالة الصراع التي شهدتها ميادين مصر في ولاية الرئيس السابق محمد مرسي؛ فقد سيطر التيار المناوئ له على ميدان التحرير، باعتباره أحد ملامح شرعية الثورة، في حين بحث مؤيدوه عن فضاءات جديدة ليست بقوته وتأثيره.

تختلف اتجاهات تحليل تأثير سياسات الشارع/ التظاهرات بين اتجاه يعتبرها مهددًا لاستقرار الحكم، واتجاه يرى فيها علامة صحية، بوصفها عنصر تقويم للنظام القائم. وفي هذا الإطار يبرز اتجاه يقر بمقولة نظرية هيكل الفرصة السياسية Political opportunity structure التي ترى أنه كلما ازداد انغلاق النظام على نفسه ازدادت فرصة رفضه لهذه التظاهرات، وكلما كان أكثر انفتاحًا زادت درجة استيعابه لها واحتوائها18. ولكن قد لا يكون ذلك واقعًا، ولا سيمّا في حالات ما بعد الثورات؛ حيث تتسم هذه المراحل بالانفتاح الجبري في المجال العام، وخصوصًا بعد انهيار الأجهزة الأمنية التي كانت من أهم أدوات القمع بأيدي السلطة؛ لذا لا يتبقى أمام إدارات ما بعد الثورات سوى التفاعل مع الشارع بوصفه أحد تجليات/ مكتسبات الحالة الثورية، وذلك بالاستجابة المباشرة له، أو حتى باحتوائه بغرض تهدئته/ كسبه.

ثانيًا: القوى السياسية الفاعلة في ثورتَي تونس ومصر

استهلت الجماهير حالة الحراك والثورة في تونس ومصر بعيدًا عن حالات التنظيم المؤسسي التقليدي، سواء الحزبي أو النقابي، الذي التحق بحالة الثورة فيما بعد، وذلك على الرغم من تأكيد الدور الكبير

  1. أشار بيات في هذا الصدد إلى حالة الثورة الإيرانية عام 1979 التي انطلقت من حول جامعة طهران.
  2. بيات، ص.339-337
  3. محمود عبد العال، "التعبئة السياسية: السياق، المفهوم، والتأثير"، مجلة العلوم السياسية والقانون، العدد 1 (كانون الثاني/ يناير 2017)، ص.190
  4. عزمي بشارة، "الثورة ضد الثورة والشارع ضد الشعب، والثورة المضادة"، سياسات عربية، العدد 4.)2013(
  5. Asef Bayat, "The 'Street' and the Politics of Dissent in the Arab World," Middle East Research and Information Project (Spring 2018), accessed on 3/9/2015, at: https://goo.gl/9EqZIs
  6. Pamela E. Oliver, Jorge Cadena-Roa & Kelley D. Strawn, "Emerging Trends in the Study of Protest and Social Movements," Research in Political Sociology , vol. 11 (2003), pp. 218-220.

الذي أدته القوى المدنية في الكشف عن مساوئ النظام الاستبدادي، وأسهم في التمهيد للثورة، وتأليب الرأي العام المحلي والدولي على الدولة الشمولية في البلدين. 11 القوى السياسية الفاعلة في حالة تونس قادت أحزاب المعارضة (الثورية والإصلاحية) ومنظمات المجتمع المدني دورًا مهمًّ في شرعنة انتفاضات سيدي بوزيد والقصرين بالثورة التونسية، فكان لذلك أثر كبير في نقل حراك الهوامش إلى الساحل؛ حيث العاصمة تونس. واستمر دور هذه القوى في السعي نحو بناء التوافق لإتمام عملية التحول الديمقراطي فيما بعد الثورة. وعلى الرغم من اختلاف الأيديولوجيات والمصالح، ووصول التيارات السياسية الرئيسة إلى نقطة اللاعودة (ولا سيما قبل أحداث 30 حزيران/ يونيو 2013 في مصر)، فقد امتازت هذه التيارات من نظيرتها في مصر بالقدرة على تنظيم نفسها والائتلاف في قوى أكبر؛ إذ برزت أربع جبهات سياسية رئيسة عقب انتخابات المجلس التأسيسي؛ هي: جبهة الترويكا، والجبهة الليبرالية، والجبهة اليسارية، وجبهة الإنقاذ، إضافة إلى منظمات المجتمع المدني، لا سيما الحركات النقابية التي أدت دورًا يجمع بين محاولة بناء التوافق، ودعم خيار التظاهر بوصفه إستراتيجية للضغط من أجل بناء التوافق. وهكذا، عمد الجميع، عدا الترويكا الحاكمة آنذاك، إلى التظاهرات وسياسات الشارع، بغرض التأثير، وتحويل دفة الحكم عن التيار الإسلامي الحاكم منذ انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، التي تمخضت عن المجلس التأسيسي، ورئاسة الجمهورية، والحكومة. وتجدر الإشارة هنا إلى أهمية التزام الجيش والشرطة الحياد تجاه الصراع المحتدم بين القوى السياسية، وسنتناول ذلك تفصيلً فيما يأتي.

.  أ منظمات المجتمع المدني

استفادت منظمات المجتمع المدني، خصوصًا تلك الفاعلة سياسيًّا وشعبيًّا وتنظيميًّا، كالاتحاد العام التونسي للشغل، وعمادة المحامين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، من الحراك السياسي الذي تلا الثورة. وعلى الرغم من حالة المهادنة التي اتبعتها النقابات الوطنية مع نظام بن علي، فقد انفتحت (أثناء الثورة وبعدها) على المجال السياسي العام؛ فوجد الاتحاد العام التونسي للشغل نفسه أقوى الأطراف، خصوصًا بعد حل حزب التجمع الدستوري الحاكم سابقًا، واستغل في ذلك قوته الجماهيرية؛ حيث بلغ عدد منتسبيه نحو مليون مواطن19، فجمع الاتحاد بين سياسات الشارع، كالدعوة لتنظيم التظاهرات والاعتصامات، وسياسة الوساطة لبناء التوافق. وقاد الاتحاد أثناء الثورة إضرابًا عامًّا عن العمل، كان بمنزلة آخر فصل في سقوط بن علي؛ فقد تمخض عن أكبر تجمعات وتظاهرات في العاصمة التونسية20. وانشغل الاتحاد بعد الثورة بقيادة التحركات الاحتجاجية والفئوية التي تلت نجاح الثورة. ونظرًا إلى ما للاتحاد من شعبية وجماهيرية، عمدت الجبهة الشعبية وحزب نداء تونس للدفع به إلى المعترك السياسي في خضم الصراع المحتدم ضد حكومة الترويكا، ولكن الاتحاد نجح بالتعاون مع رعاة الحوار الوطني في تجميع الفاعلين السياسيين حول طاولة تفاوض، باعتباره راعيًا للحوار وليس جزءًا منه، وتمكَّن من إدارة حوار فاعل بين نحو 21 حزبًا، وعلى إثر هذه الجهود حصل رباعي الحوار على جائزة نوبل للسلام نتيجة لجهوده في بناء التوافق بين النخبة الحاكمة والمعارضة في تونس21. من ناحية أخرى، مثَّل ظهور حركة تمرد التونسية في 3 تموز/ يوليو 2013، خصوصًا مع مآلات الحالة المصرية، عاملً ضاغطًا على القوى السياسية لإنجاح مبادرات الحوار وبناء التوافق فيما بينها؛ فنشطت تمرد التونسية من خلال حالة من التظاهرات الثقافية والشعبوية بغرض تعبئة الناس للانتفاض ضد مؤسسات الحكم بعد جمع مليون توقيع لوثيقتها22. عوَّلت تمرد على العمل الميداني، والتواصل المباشر مع المواطن، بغرض تأجيج حالة الاستقطاب، وهو ما لم ينجح نتيجة استباق القوى السياسية في تونس نشاطها، وإقرار هذه القوى جميعًا مبدأ التوافق وتحييد الأمن والجيش، فضلً عمَّ آلت إليه تجربة تمرد المصرية.

  1. عدنان المنصر، "الاتحاد العام التونسي للشغل: جدلية السياسي والاجتماعي"، في: ثورة تونس: الأسباب والسياقات والتحديات مجموعة مؤلفين، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص.292-291
  2. المرجع نفسه.
  3. The Nobel Peace Prize for 2015," The Nobel Prize, 10/10/2015, accessed on 2/9/2018, at: https://goo.gl/A1fyBL
  4. سياسات عربية أنور الجمعاوي، "حركة تمرد التونسية: الحدود والآفاق"،، العدد 4 (أيلول/ سبتمبر 2013)، ص.87-86

ب  .خريطة القوى السياسية وتفاعلاتها بعد انتخابات تشرين الأول/ أكتوبر 2011

تزعمت حركة النهضة ذات المرجعية الإسلامية ائتلاف الترويكا الذي جمع بينها وبين حزبَ المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل من أجل العمل والحريات، واستطاع هذا الائتلاف أن يحصل على أكثر من 70 في المئة من مقاعد المجلس التأسيسي في أول انتخابات بعد عزل بن علي23. اتخذ التيار الإسلامي في تونس منذ الوهلة الأولى خيار التوافق والائتلاف مع التيارات الأخرى، وإن اختلفت أيديولوجيًّا، وهو ما برز في ائتلاف حركة النهضة مع الأحزاب العلمانية، وتخليها عن منصب رئيس الجمهورية لصالح منصف المرزوقي ذي الاتجاه اليساري العلماني. على صعيد آخر، اتخذت الجبهة الليبرالية اتجاهًا معارضًا لحكومة الترويكا. ومن أبرز أحزاب هذه الجبهة: الحزب الجمهوري، وحزب آفاق تونس، وحزب نداء تونس. استطاعت هذه الأحزاب أن تشكل قوة ضاغطة على ائتلاف الترويكا من خلال التظاهرات الاحتجاجية، بغية الحفاظ على مكتسبات العهد البورقيبي (وفق تعبير التونسيين)، ومنها مجلة الأحوال الشخصية، وحرية المرأة24. إضافة إلى ذلك، جمع هذا الائتلاف التوجهات الليبرالية الرأسمالية؛ فقد ضم عددًا كبيرًا من رجال الأعمال في ائتلاف الاتحاد من أجل تونس25. أما الجبهة اليسارية/ الشعبية في تونس فلم تكن تمتلك قوة تمثيلية كبيرة داخل المجلس التأسيسي، لكنها احتفظت بنفوذها وثقلها السياسي لدى المنظمات النقابية والجمعيات والهياكل العمالية. وتتشكل الجبهة من تحالف يضم 14 حزبًا من القوميين واليساريين الذين ائتلفوا فيما عُرف ب "الجبهة الشعبية"26. وعلى الرغم من الضعف التمثيلي لهذه الجبهة داخل المجلس التأسيسي فقد استغلت قربها من الاتحادات العمالية والنقابية، وعملت على استخدام ملفات عدة، ولا سيما الملفات الاقتصادية والاجتماعية، بغرض تحريك الشارع ضد ائتلاف الترويكا الحاكم، للضغط عليه ومن ثم إضعافه، فتزعمت تنظيم الاعتصامات والإضرابات العمالية. وكادت جبهة الإنقاذ التونسية أن تكون حائلً يمنع التوافق والائتلاف؛ حيث كان تشكيل جبهة الإنقاذ الوطني في تونس في 26 تموز/ يوليو 2013 ذا أبعاد سياسية خاصة، داخلية وخارجية؛ إذ استوحت الاسم من جبهة الإنقاذ المصرية التي استطاعت إنهاء حكم الإخوان المسلمين بعد تدخل الجيش المصري في حزيران/ يونيو 2013. وعلى الصعيد الداخلي، ظهرت في أجواء اغتيال زعيم التيار الشعبي محمد البراهمي في 25 تموز/ يوليو 2013 27. وتشكلت الجبهة من أحزاب سياسية معارضة (ليبرالية ويسارية)، وعدد من منظمات المجتمع المدني، وحركة تمرد. وسارت الجبهة، من يومها الأول، على حذو نظيرتها في مصر بالاستقواء بقوات الأمن والجيش. ومن ثم دعت الجبهة إلى تنظيم سلسلة طويلة من الفعاليات والاعتصامات أمام المقار الحكومية والجهوية، للدعوة إلى حل المجلس التأسيسي وجميع السلطات المنبثقة منه28. نجحت سياسات الجبهة الشارعية في تعليق أعمال المجلس التأسيسي مدة شهرين، وتأخير الاتفاق على الدستور والتمهيد للانتخابات، لكنها فشلت في استقطاب قوى الأمن والجيش إلى معترك الصراع السياسي. كذلك، تمسك الاتحاد العام التونسي للشغل، الداعم لتحركات جبهة الإنقاذ، بمنح المجلس التأسيسي الفرصة لإقرار الدستور وتهيئة البلاد للانتخابات، والاكتفاء بحل الحكومة29. ويُعَد ذلك بالنسبة إلى الاتحاد العام التونسي للشغل بداية مشروعه لأداء دور الوسيط في الحوار بين القوى السياسية المختلفة من دون أن يقحم نفسه تمامًا في صراع السلطة الذي حاولت الجبهة جرّه إليه. وكان لما شهدته مصر في 3 تموز/ يوليو 2013 دور كبير في تأجيج الصراع الإسلامي - العلماني في تونس، وكانت الأحداث الدموية التي شهدتها مصر بعد ذلك، خصوصًا بعد فض اعتصامَي ميدانَ رابعة العدوية والنهضة في 14 آب/ أغسطس 2013، حافزًا للتونسيين على تجاوز خلافاتهم، والشروع في بناء التوافق فيما بينهم، بعيدًا عن تدخل قوات الجيش والشرطة. وأبدى الجميع (من إسلاميين وعلمانيين) تجاوبًا مع هذه الرؤية، حفاظًا على الثورة والدماء التونسية.

2. القوى الفاعلة في حالة مصر

انعكست حالة الجمود السياسي في مصر سلبيًا على طبيعة دور القوى السياسية المصرية وشكل التنظيم الذي ظهرت عليه بعد ثورة 25 يناير. ظهر ذلك في فشلها في إحداث التوافق فيما بينها، على عكس الحالة التونسية، وهو ما أتاح الفرصة لرموز النظام القديم للعمل على تعطيل التجربة السياسية الجديدة التي أفرزتها الثورة.

  1. عبد اللطيف الحناشي، "انتخابات المجلس الوطني التأسيسي التونسي: الإطار، المسار، تقييم حالة والنتائج"،، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012/3/15، ص 23-22، شوهد في 2018/9/2، في https://goo.gl/DA8Jpn:
  2. أنور الجمعاوي، "المشهد السياسي في تونس: الدرب الطويل نحو التوافق"، سياسات عربية، العدد 6 (كانون الثاني/ يناير 2014)، ص.74
  3. الاتحاد من أجل تونس تحالف سياسي تكوَّن من أحزاب: آفاق تونس، ونداء تونس، والحزب الجمهوري، ذات الميول الليبرالية والرأسمالية.
  4. أنيس منصوري، "هل تنجح الجبهة الشعبية في أن تكون الخيار الثالث في تونس؟"،، نواة 2012/10/12، شوهد في 2017/1/5، في https://goo.gl/KwJUE0:
  5. توفيق المديني، تونس الثورة المغدورة وبناء الدولة الديمقراطية: الطوباوية الأصولية في السلطة (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2013)، ص.516-510
  6. هل سقطت شرعية حكومة النهضة باغتيال محمد البراهمي؟"، العرب، 2013/7/30، ص.12
  7. أحمد محمد مصطفى وحياة اليعقوبي، "الدور السياسي للنقابات العمالية العربية في ظل ثورات الربيع العربي (التجربتان المصرية والتونسية في العمل النقابي قبل وأثناء وبعد الثورات")، منظمة فريدرش إيبرت، المشروع النقابي الإقليمي، 2015، ص 28-17، شوهد في 2018/9/2، في https://goo.gl/Q43AzH:

.  أ المجتمع المدني

كشفت تطورات الأوضاع في مصر منذ 25 كانون الثاني/ يناير 2011 فجوة كبيرة بين الأجيال، وامتدت الفجوة إلى المسار السياسي نفسه الذي أراده جيل الشباب الذي تطلّع طوال المرحلة الانتقالية إلى الخطوات الأصعب لتحقيق مطالب الثورة، على عكس جيل الشيوخ الذي انخرط في إقامة التحالفات والتوازنات مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعيدًا عن جوهر الثورة ومطالبها. ضربت الانشقاقات والمصالح الفردية صفوف القوى الشبابية؛ فانخرط بعضها في حالة الثورة، وخرج بعضها تمامًا عن الحراك، واحتُوِي بعضها تمامًا في مؤسسات وأحزاب محسوبة على النظام القديم. ويبقى أهم أخطاء هذه الحركات عدم توحدها في كيانات جامعة. فضلً عن ذلك، أبرزها رموز النظام القديم في الإعلام والمؤسسات القديمة كونها مصدرًا لحالة الفوضى والتدهور الاقتصادي. دخل الشباب في صراع ضد المجلس العسكري الحاكم من خلال التصادم المباشر معه في الشارع؛ حيث أجبرته مطالب الميادين على إقالة حكومة الفريق أحمد شفيق، وإحالة مبارك وكثير من رموز نظامه إلى محاكمات قضائية، بغية امتصاص غضب الشارع في ذلك الوقت30، فضلً عن حالة تشكيك عام في قراراته وسياساته. ودخلت القوى الشبابية في خلافات مع القوى السياسية التقليدية، خصوصًا القوى الحزبية، التي اتهمتها القوى الشبابية بالسعي وراء مصالحها متناسية مطالب الثورة وحقوق الشهداء، وهذا ما ظهر في الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي قسَّ مت رفقاء الميدان إلى قسمين: مدني، وديني، وكذلك انتخابات برلمان عام 2012 التي قاطعها عدد كبير من القوى الشبابية. إن افتقاد القوى الشبابية التنظيم، انعكس على غياب الحاضنة الاجتماعية، وهو ما أدى إلى استفادة الأطراف الأكثر تنظيمً، مثل التيار الإسلامي، وقوى النظام القديم. تمت عملية تسويق سلبي للشباب في هذا الوقت، فحواها أنهم قوة تجيد فن المعارضة، وتفتقد القدرة على التنظيم والحكم. وأثار ذلك تخوفات (ظهرت نتائجها فيما بعد 30 حزيران/ يونيو 2013) من توظيف هذه الطاقة الإيجابية في غير مصلحة الثورة؛ سواء لصالح قوى النظام القديم أو القوى السياسية الأخرى. من ناحية أخرى، لم يكن للعمل النقابي دور بارز في التأثير في مجريات أحداث الثورة المصرية منذ بداياتها، ويرتبط هذا بمحاولات نظام مبارك التحكم في قيادات الحركة النقابية، ومن ثم تأميم مؤسساتها لصالح الحزب الوطني ورموزه النقابيين.

ب  .خريطة القوى المصرية وتفاعلاتها قبيل انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر 2011

ضَ مِن بيان تنحّي الرئيس الأسبق مبارك دورًا سياسيًّا فاعلً للمجلس الأع ىى للقوات المسلحة31؛ فقد أ وكِلت له صلاحيات رئيس الجمهورية وفقًا للإعلان الدستوري الأول في آذار/ مارس 2011 32. اعتمد المجلس على إدارة تحالفات سياسية مع قوى الثورة المختلفة، بدأها مع القوى الإسلامية لتمرير التعديلات الدستورية في آذار/ مارس 2011، ومن ثم اكتساب شرعية الإدارة، ثم ما لبث أن انقلب على هذا التحالف حينما أصرت القوى الإسلامية على سحب الثقة من حكومة الدكتور كمال الجنزوري. واستخدم المجلس حكومات تسيير الأعمال واجهة مدنية وتنفيذية لتسيير شؤون الناس اليومية. ومن ثم، ضَ من المجلس العسكري لنفسه السلطة، وترك للحكومة تحمُّل نتيجة هذه السلطات من دون أن تكون لديها صلاحيات حقيقية، ويُعَد ذلك كسرًا للقواعد الإدارية الشهيرة التي تقضي بتلازم السلطة والمسؤولية. من ناحية أخرى، أبرزت الأحزاب ذات التوجه الإسلامي فاعلية وديناميكية أكثر بعد نجاح الثورة، باعتبارها الأكثر تنظيمً والأقدر على التعبئة، ولكنها في الوقت نفسه فشلت في إقامة تحالف انتخابي فيما بينها، باستثناء تحالف حزب النور المحسوب على الدعوة السلفية، وحزب البناء والتنمية المحسوب على الجماعة الإسلامية. واستطاع حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، بناء تحالف انتخابي33، جمع 43 حزبًا، وانتهى إلى 12 حزبًا، أبرزها حزبا الكرامة وغد الثورة34. وفي مقابل هذا التحالف، برز تحالف الكتلة المصرية الذي ضم أحزاب المصريين يرر الديمقراطي الاجتماعي، والتجمع الوحدوي الأحرار، والم. وتُعَد الانقسامات العمودية السمة العامة لهذه التحالفات، وذلك لاعتبارات تتعلق بترتيب مرشحيها داخل القوائم الانتخابية. نلحظ

  1. أظهرت الأحداث السياسية بعد ذلك شكلية هذه المحاكمات، فقد برزت حالة الإخفاء المتعمَّد لأدلة الإدانة، وهو ما ترتب عليه براءة مبارك ونجليه ورموز نظامه
  2. يتكون المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية من 18 عضوًا من قادة القوات المسلحة، يترأسه رئيس الجمهورية، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويتألف من وزير الدفاع (القائد العام)، ورئيس الأركان، وقادة فروع الأسلحة الرئيسة، وقادة المناطق العسكرية، وقادة الجيوش، ومدير إدارة الشؤون المعنوية، ومدير الاستخبارات الحربية والاستطلاع.
  3. ثورة مصر: من الثورة إلى الانقلاب انظر: عزمي بشارة،، ج 2 (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص.48-33
  4. بدأ التحالف سياسيًّا وانتهى نفعيًّا ضيقًا، فقد اتفق المتحالفون على مبادئ عامة صيغت في "وثيقة المبادئ" التي اشتملت على مبادئ عامة؛ منها: حرية الاعتقاد، واعتماد المواطنة أساسًا وقوامًا للمجتمع، والعمل على التداول السلمي للسلطة عبر الاقتراع الحر المباشر، واستقلال القضاء، وضمان حق التجمع وحرية الرأي، والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية، انظر: يسري العزباوي، "محددات النجاح: خريطة التحالفات الانتخابية في ضوء تقدير موقف الخبرة الماضوية"،، المركز العربي للبحوث والدراسات، 2014/6/24، شوهد في 2018/9/2، في https://goo.gl/WPmjCh: 34 المرجع نفسه.
  5. الأمنيين والسياسيين.

من ذلك فشل القوى السياسية المصرية فيما يمكن تسميته "تخطِّي حاجز الأيديولوجيا"؛ حيث تسبب اختلاف الأيديولوجيات في فشل التحالف الديمقراطي الذي جمع في بداية تأسيسه أحزابًا من كل الاتجاهات، سواء الإسلامية الوسطية، مثل حزبَ الوسط، والحرية والعدالة، أو الإسلامية الراديكالية مثل أحزاب النور، والأصالة، والبناء والتنمية، وكذا حال القوى ذات الاتجاه الليبرالي والعلماني، كحزبي الكرامة، والوفد وغيرهما.

ثًالث ا: ثقافة الشارع في تونس ومصر

يرر لقد تطورت ثقافة الاحتجاج لدى الشعبين التونسي والم، وترسخت خلال أيام الثورة الأولى؛ إذ تعددت تكتيكات التظاهر، مثل الاكتفاء برفع الشعارات، أو اتباع أساليب غير تقليدية مثل التجمع في الميادين العامة عن طريق التعبئة والحشد المنظم عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي شملت تحديد أماكن التجمعات والشعارات35. ولا جدال أن تمثيل التظاهرات لكل أطياف المجتمعيَن المصري والتونسي وشرائحهما الاجتماعية والسياسية والاقتصادية أكسب ثورتَ البلدين زخمً كبيرًا؛ فكلتاهما خرجت من الشارع، واستمرت في الشارع، ثم تلقَّتها النخب بعد التحقق من جدية مطالبها وفاعليتها.

اعتمد الشباب في مصر وتونس على وسائل الاتصال الحديثة؛ فقد عوَّل شباب سيدي بوزيد على استخدام التعبئة والحشد إلكترونيًّا لحالة محمد البوعزيزي الذي أحرق نفسه احتجاجًا على وضعه الاقتصادي؛ فكان انتشار صورته على مواقع التواصل الاجتماعي مدخلً مهمًّ نحو تسييس القضية من خلال تضامن الناشطين والسياسيين والنقابيين والحقوقيين الذين شاركوا جميعًا أسرة البوعزيزي في الاحتجاج أمام مقر الولاية36. وفي مصر، اعتمدت القوى الشبابية على الوسيلة نفسها، في حالة مقتل الشاب السكندري خالد سعيد على أيدي قوات النظام المصري، لخلق حالة رأي عام ضد النظام السياسي؛ فقد كان لصفحة "كلنا خالد سعيد" الإلكترونية الدور الأكبر في تنظيم دعوات التظاهر، سواء في أوج أحداث الثورة أو قبلها، واكتسب الشارع أهميته بصفته محركًا لتطور الأحداث خلال الثمانية عشر يومًا، حيث تحولت التظاهرات طوال المرحلة الانتقالية إلى أداة للفعل السياسي بعيدًا عن التنظيمات السياسية التقليدية، كالأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني37. ومن خلال دراسة تطور دور الشارع والاحتجاج في هذه المرحلة، وتطور تبعاته، نلحظ أن حالة الاحتجاج التي اختلقتها الأطراف في الحالة التونسية أسهمت في كسر حاجز الخوف لدى مجتمع المراكز الذي التحق بالثورة متأخرًا، على العكس من حالة مصر التي شهدت كسرًا لحاجز الخوف في مراكز القاهرة والإسكندرية والسويس ثم انتقلت بعد ذلك إلى بقية الأقاليم. من ناحية أخرى، ساعدت سلمية التعبئة والحراك الجماهيري في الثورة على تمدد الثورة بين الهوامش والمراكز؛ فكلما قويت المعارضة الديمقراطية، ارتفعت تكلفة قمعها وتعززت احتمالات نجاحها.

رابعًا: تأثير سياسات الشارع في مخرجات المرحلة الانتقالية

تتراجع قوة الدولة ومؤسساتها في ظل حالة الثورة؛ إذ تتعالى قوة المجتمع مقارنة بالدولة، وهذا ما يفرض إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع في مرحلة ما بعد الثورة38 التي غالبًا ما تسفر عن حالة من الفوضى والهيجان داخل المجتمع. سنركز في هذا الجانب من الدراسة على علاقة النخب السياسية فيما بينها، ودور سياسات الشارع في التأثير في التعامل مع إشكالات المرحلة الانتقالية.

1. ثورة تونس بين الصراع ومأسسة التوافق

.  أ التوافق على مرحلة ما بعد بن علي

بعد خروج بن علي إلى السعودية، أعلن الوزير الأول محمد الغنوشي توليه مهمات الرئاسة وفقًا للفصل 56 من الدستور، مع

  1. Ottaway & Hamzawy.
  2. Michele Penner Angrist, "Understanding the Success of Mass Civic Protest in Tunisia," Middle East Journal, vol. 67, no. 4 (Autumn 2013), p. 548.
  3. انظر: محمد المصري، "مصر: التظاهرات أداة فعل سياسي بديلة في ظل ضعف سياسات عربية جماهيرية الأحزاب"،، العدد 4 (أيلول/ سبتمبر 2013)، ص.134-124
  4. أمل حمادة، "معادلة جديدة؟: إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع بعد السياسة الدولية الثورات العربية"،، العدد 189 (تموز/ يوليو 2012)، ص.19-15

إغفال الفصل 57 39. تبع ذلك الخطاب احتجاجات عامة في الأطراف والمراكز تطالب برحيل الغنوشي، والعمل بموجب الفصل 57 من الدستور، وكانت جل القوى السياسية التونسية تؤيد ذلك المنحى. ونتيجة لحالة الضغط الشعبي والنخبوي، أقر المجلس الدستوري بخلو منصب رئيس الجمهورية، وتولي رئيس مجلس النواب فؤاد المبزع مهمات الرئاسة مؤقتًا لحين إجراء الانتخابات40. واستمر الشارع في ممارسة الضغط من خلال الاعتصام والتظاهر في ساحة القصبة، فأفرز "اعتصام القصبة 1" إقالة عدد من وزراء عهد بن علي، ونتج من "اعتصام القصبة 2" إقالة حكومة محمد الغنوشي المحسوبة على بن علي، وتبنِّي الخريطة الزمنية والتفصيلية لتسيير المرحلة الانتقالية؛ فأقر الرئيس المؤقت إلغاء العمل بدستور عام 1959، والإعلان عن مجلس وطني تأسيسي خلال ستة أشهر يقود المرحلة الانتقالية، ويوكل له وضع الدستور والتمهيد لمرحلة الانتخابات. كان ذلك بمنزلة أهم خطوات الانتقال الديمقراطي في الحالة التونسية؛ فقد ضمنت هذه الإجراءات اضطلاع الثوار بمسؤولية إدارة المرحلة الانتقالية بدلً من رموز النظام القديم، وهذا عكس ما حدث في الحالة المصرية. يضاف إلى ذلك توحدهم على هذه المطالب على عكس ما سيلي هذه المرحلة.

.  ب المجلس التأسيسي

اتفقت القوى السياسية التونسية على صلاحيات المجلس التأسيسي ومدة انعقاده. ولكن جرى تمديد المرحلة الانتقالية إلى حين صياغة الدستور، فأثار هذا الأمر حفيظة قطاع واسع من المعارضة التونسية التي مارست ضغطًا سياسيًّا وشارعيًّا عنيفًا على المجلس التأسيسي وحكومة الترويكا، واتهمت المجلس التأسيسي بتحوُّله إلى سلطة فوق كل السلطات؛ إذ أوكلت له مراقبة الحكومة ومنحها الثقة، وكذلك الإشراف على مؤسسة الرئاسة. وشعرت أحزاب المعارضة بأن المجلس يخدم مصالح الترويكا، خصوصًا أنها صاحبة الأغلبية، وهذا ما أدى إلى مقاطعتها لفعالياته والانسحاب منه تمامًا بعد اغتيال محمد البراهمي. وساهمت هذه الخلافات في تعطيل مسار صياغة الدستور التوافقي في الموعد المرسوم له، وتأزم الأمر بعد ولوج العنف السياسي إلى الثورة، تزامنًا مع اغتيال المعارضَ يْ شكري بلعيد ومحمد البراهمي؛ حيث مثل اغتيال البراهمي أرضًا خصبة للمعارضة وحركة تمرد لقيادة تظاهرات ومسيرات تدعو إلى حل المجلس التأسيسي وكل السلطات المنبثقة منه41. كذلك، تأجج المشهد السياسي، خصوصًا بعد دخول الاتحاد العام التونسي للشغل على خط الصراع بعد إعلانه الإضراب العام عقب اغتيال البراهمي. استغلت المعارضة اغتيال البراهمي، وسعت إلى تجييش الشارع لتشكل ضغطًا شعبيًّا يؤدي إلى جر المؤسسة العسكرية للانحياز إليها ضد حكومة الترويكا على غرار ما حدث في مصر، ولكن سرعان ما ساءت الأوضاع في مصر وتصاعدت موجة العنف، خصوصًا بعد فض اعتصامَي ميدانَ رابعة العدوية والنهضة، فأوعز هذا إلى رباعي المجتمع المدني الراعي للحوار بتبنِّي مبادرة للتوافق42، والعمل على إجبار الجميع على تقديم التنازلات من خلال الانخراط في حوار وطني جاد43.

.  ج التوافق على صياغة الدستور

ارتبطت الخلافات حول صياغة الدستور بالخلاف على ماهية المجلس التأسيسي، أو بالأحرى أغلبية المجلس نفسه؛ حيث تسيطر على مراحل ما بعد الثورات أجواء التشكيك وانعدام الثقة في ظل حالة اللايقين44، ولكن استمرار هذه الحالة يهدد بناء التوافق؛ لذا تلتزم الأطراف، ولا سيمّا الأقوى منها، بذل الجهد لتطمين الأطراف الأخرى (وفي هذا السياق تخوفت النهضة من دخول الحوار مع القوى المعارضة لها خشية أن تتحول تلك القوى من قوة احتجاج إلى قوة انقلاب)45، فلا يمكن الحديث عن أقلية وأغلبية في مراحل البناء الديمقراطي، لكن يمكننا الحديث عن الجماعة الوطنية التي تمهد لإرساء قواعد اللعبة الديمقراطية. عُدَّ التوافق على صياغة الدستور من أصعب مراحل إتمام عملية الانتقال، وبناء الثقة، والخروج (ولو جزئيًّا) من حالة اللايقين التي أصابت العلاقة بين الإسلاميين والعلمانيين، خصوصًا في حالة المواد

  1. يشرح الفصل 56 من الدستور التونسي آلية انتقال السلطة في حالة عجز الرئيس
  2. عزمي بشارة، الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها
  3. المديني، ص.512-509
  4. يتكون رباعي الحوار الوطني التونسي الذي قاد عملية الحوار بين الأطراف السياسية التونسية من 4 منظمات من المجتمع المدني التونسي؛ هي: الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والهيئة الوطنية للمحامين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.
  5. إبراهيم نصر الدين وآخرون، حال الأمة العربية 2014-2013، تحرير علي الدين هلال (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2014)، ص.179-178 44 لمزيد من المعلومات، انظر: Scott Mainwaring, "Transitions to democracy and democratic consolidation: Theoretical and comparative issues," Working paper , no. 130, The Helen Kellogg Institute for international Studies, November 1989. 45 الجمعاوي، "المشهد السياسي في تونس"، ص.82
  6. مؤقتًا عن ممارسة سلطاته، بتكليف الوزير الأول بإدارة شؤون البلاد لحين عودة الرئيس. أما الفصل 57 فيوحي بأن خلو منصب رئيس الجمهورية يترتب عليه اجتماع المجلس الدستوري لتكليف رئيس البرلمان بالسلطة لمدة لا تتجاوز 60 يومًا، يتم الإعداد خلالها لانتخابات رئاسية.
  7. (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص.297-256

التي تتعلق بهوية الدولة، وبالمساواة بين الرجل والمرأة. وضَ مِن تنازل حركة النهضة عن تصورها لمواد الشريعة الإسلامية جوهرًا لبناء التوافق، وطمأنة للقوى المعارضة لها، وهذا ما أتاح شبه إجماع على إقرار الدستور داخل المجلس التأسيسي بأغلبية 200 نائب من إجمالي 216 نائبًا46. وعُدَّ نجاح التجربة التونسية في بناء التوافق نتاجًا لحالة التزاوج الواعي بين التظاهرات والتعبئة من ناحية، والحوار والتوافق من ناحية أخرى. أدت هذه التظاهرات إلى التأثير إيجابيًا في المشهد السياسي كله؛ حيث تنازل الإسلاميون عن طموحاتهم فيما يتعلق بتصورهم لمواد الهوية والشريعة الإسلامية47، وأبدت منظمات المجتمع المدني فاعلية كبيرة في القيام بدور الوسيط من دون الانحياز إلى أي طرف من القوى السياسية.

2. ثورة مصر بين بناء التحالفات وأولويات المرحلة الانتقالية

.  أ القوى السياسية وصراع التحالفات

على الرغم من إيجابية الدور الذي أدته القوات المسلحة في إسقاط مبارك، فإن إصرارها على احتكار إدارة المرحلة الانتقالية لم يكن موضع توافق على الإطلاق، سواء بين القوى الإسلامية أو الشبابية أو حتى التيارات المدنية. كان المشهد ضبابيًّا بعد عزل مبارك؛ فلم يجْر التوافق على جدول زمني بتوقيتات معينة يتم على إثره تسليم الحكم لسلطة مدنية منتخَبة، ولم يُحسَم مصير رموز نظام مبارك، وإنما رضخ المجلس في سبيل ذلك كله لضغوطات الشارع العنيفة. نتيجة لغياب التوافق العام حول ماهية المرحلة الانتقالية، سعت الأطراف جميعها، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للقوات المسلحة، لبناء التحالفات السياسية، بغرض تجاوز ضغوطات اللحظة الآنية، التي مثّل الشارع والقوى الشبابية الناشطة في فضائه محورها، فاستطاع المجلس العسكري من خلال تحالفه مع القوى الإسلامية تمرير استفتاء آذار/ مارس 2011 بنسبة تجاوزت 77 في المئة48، واعتبر تلك النسبة بمنزلة تجديد للثقة بإدارته. لكن التحالف بين المجلس العسكري وقوى الإسلام السياسي لم يَدُم طويلً، وانهار كليًّا بعد سعي المجلس للاحتفاظ بامتيازاته، وكذلك الصراع الذي وصل أشده بعد إصرار قوى الإسلام السياسي ذات الأغلبية البرلمانية على سحب الثقة من حكومة المجلس العسكري، واعتبار الأخير ذلك خطوة غير دستورية، وتلويحه بحل البرلمان. كشف هذا التهديد نية المجلس الأعلى للقوات المسلحة الاحتفاظ بالسلطة السياسية، أو على أقل تقدير عدم استعداده لتسليمها للإسلاميين49، وهكذا انتهى هذا التحالف، وحل محله صراع مباشر بعد حل مجلس الشعب في 14 حزيران/ يونيو قُبيل مرحلة الإعادة في الانتخابات الرئاسية عام 2012 50. أثارت هذه الخطوة ردود فعل عنيفة من الأحزاب ذات التوجه الإسلامي التي اتهمت المجلس العسكري بالتآمر عليها مستخدمًا في ذلك سلطة القضاء51. وعلى الجانب الآخر أظهرت القوى المدنية الممثلة في البرلمان احترامها لحكم حل مجلس الشعب، باعتباره صادرًا عن هيئة قضائية مستقلة. وقد يُنظَر إلى هذا الموقف على أنه بداية تحالف جديد بين المجلس العسكري والقوى المدنية التي حصدت ما نسبته 30 في المئة من مقاعد المجلس التشريعي. من ناحية أخرى، شهدت العلاقة بين القوى الشبابية والمجلس العسكري الحاكم توترًا منذ توليه زمام الحكم، لكنها وصلت إلى حد القطيعة والصراع المباشر بعد أحداث شارع محمد محمود، وتعززت بعد أحداث مجلس الوزراء52، وكذا ما عُرف إعلاميًّا بقضية "التمويل الأجنبي" التي اتهم فيها المجلس العسكري قوى شبابية بارزة، كحركة شباب 6 أبريل وغيرها من منظمات المجتمع المدني المُنشغِلة في مجالات الحقوق السياسية والمدنية، بتلقي تمويل أجنبي، فضلً عن اتهامات بالعمالة والخيانة53. في السياق نفسه، خسر المجلس العسكري علاقته بالكنيسة نتيجة أحداث العنف الطائفي التي ظهرت في الاعتداء على الكنائس والأقباط، وعجز الدولة عن توفير الحماية لهم، بل ولجوئها للجلسات العرفية لحل هذه المشكلات54. وهذا ما أزعج القيادة الكنسية التي طالما ضمنت علاقة جيدة بين الأقباط والدولة، ولكن يبدو أن المجلس العسكري شعر أن دور الوسيط الذي طالما أدّته

  1. نصر الدين وآخرون، ص.180
  2. Angrist, p. 547.
  3. إبراهيم الهضيبي، "الإسلام السياسي أثناء الثورة وبعدها"، في: قرني (محرر)، ص.179
  4. أحمد محمد خلف، "الحملات الانتخابية الرئاسية ومستقبل مصر السياسي"، في: باكينام الشرقاوي ومدحت الليثي (محرران)، الثورة المصرية والتغيير الحضاري والمجتمعي، حولية أمتي في العالم 11 (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2012)، ص.167
  5. جريدة الشروق الجديد،.2012/6/15
  6. علي الدين هلال ومازن حسن ومي مجيب، الصراع من أجل نظام سياسي جديد: مصر بعد الثورة (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2012)، ص.330
  7. ماجد عبد القادر، "من 'محمد محمود والوزراء' إلى 'الدفاع..' فض الاعتصامات بالقوة.. والمحصلة ضحايا"، بوابة الأهرام، 2012/5/5، شوهد في 2015/12/24، في: https://goo.gl/8hKKe3
  8. شحاتة، ص.155
  9. مجلة الديمقراطية مي مجيب، "الأقباط في الصراع السياسي والاجتماعي"،، العدد 51 (تموز/ يوليو 2013)، ص 3-2، شوهد في 2018/9/2، في: https://goo.gl/qnMuAN

الكنيسة بين الدولة والأقباط لم يعد مجديًا، على الأقل في هذه المرحلة، خصوصًا بعد مخالفة الشباب الأقباط أوامر الكنيسة، وخروجهم في التظاهرات ضد نظام مبارك، وكذلك ما شهدته منطقة ماسبيرو من عنف بين قوات الجيش وشباب الأقباط المعتصمين هناك للمطالبة بإصدار قانون دور العبادة الموحد وإلغاء المادة الثانية من الدستور، والاعتراض على حالات الاعتداءات المتكررة على الأقباط والكنائس. زاد ذلك من حدة الصراع المستتر بين الإدارة الانتقالية والأقباط55. نخلص من ذلك كله إلى الاستنتاجين الآتيين: عكست خريطة التظاهرات وسياسات الشارع، التي شهدتها المرحلة الانتقالية حالة من ال اررع السياسي، أفرزت تبدلً في خريطة التحالفات، سواء فيما بين القوى الثورية، أو بينها وبين المجلس العسكري. سعت كل القوى السياسية لاستخدام مواردها المتاحة لتحقيق مصالحها؛ فقد استفاد المجلس العسكري من كونه يمتلك السلطتين التنفيذية والتشريعية (بعض الوقت) في رسم خريطة تحالفاته السياسية، سواء مع القوى الإسلامية في بداية المرحلة الانتقالية، أو مع القوى المدنية في نهايتها، وعملت جماعات الإسلام السياسي لاستغلال قدرتها على الحشد والتعبئة، سواء في الشارع بغرض الضغط، أو عبر الصناديق.

.  ب إشكالية التوافق على الدستور

شهدت الجمعية الموكل لها وضع الدستور ولادة متعثرة؛ فقد تولى القضاء الإداري حلّها، وهو ما استغله المجلس العسكري لدعوة القوى السياسية لاجتماع عام بغرض التوافق على تشكيل الجمعية، وهو ما رفضته جماعة الإخوان المسلمين، باعتباره تعديًا على دور السلطة التشريعية. في غضون ذلك، توافقت القوى السياسية على قائمة من الأسماء، استباقًا لحكم المحكمة الدستورية القاضي بحل مجلس الشعب، واستغلالً لحالة التوافق بين القوى الإسلامية والمدنية على شخص المرشح الرئاسي آنذاك، محمد مرسي، الذي كان يخوض جولة الحسم في الانتخابات الرئاسية ضد الفريق أحمد شفيق. تُعد إشكالية التوافق على مواد الهوية (خصوصًا المادة الثانية من الدستور) من أهم خلافات القوى السياسية في المرحلة الانتقالية؛ إذ بدأت هذه الخلافات مع الإعلان الدستوري في 19 آذار/ مارس الذي انقسمت فيه القوى السياسية إلى ما يمكن أن يطلق عليه استقطاب إسلامي – علماني، فضلً عن حالة الانقسام المدني - العسكري الذي خلفته وثيقة المبادئ فوق الدستورية56.

ج  .العنف السياسي ودلالات الصراع خلال المرحلة الانتقالية

نعرض في هذا الجزء تحليلً لأداء المجلس الأعلى للقوات المسلحة وأداء الحكومات المؤقتة خلال المرحلة الانتقالية التي تلت تنحي مبارك، وذلك من خلال استخدام المنهج الكمي والحصر الإحصائي للقتلى والمصابين خلال هذه الفترة57. ونستطيع أن نتوصل من خلال هذه المنهجية إلى تحديد عوامل فشل الإدارة الانتقالية في استيعاب التظاهرات الموجهة ضد أدائها. نستطيع أن نستنتج من الجدول عددًا من الملحوظات التي تربط بين العنف ومسألة انتقال البلاد من حوزة المجلس العسكري إلى الهيئات والمؤسسات التمثيلية: تجاوز عدد وقائع المواجهات العنيفة بين السلطة السياسية والشارع خلال المرحلة الانتقالية 125 واقعة، وأسفرت هذه الوقائع مجتمعة عن زهاء 15848 مصابًا، و 235 قتيل. نلحظ، من خلال الربط بين عاملَ الزمن والحدث السياسي في تحليل هذه الأرقام، أن ثمة علاقة ارتباطية بين ارتفاع أعداد ضحايا العنف السياسي وتنفيذ الاستحقاقات الدستورية التي من شأنها ضمان استكمال انتقال السلطة، وهو ما يطرح علامات استفهام كبيرة تتعلق بمدى جدية المجلس الأعلى للقوات المسلحة في نقل السلطة. يظهر ارتفاع أعداد ضحايا شهر كانون الأول/ ديسمبر 2011 إلى 33 قتيلً، وارتبطت هذه الأحداث بتظاهرات مجلس الوزراء العنيفة التي ترتب عليها إعلان المجلس الأعلى للقوات المسلحة جدولً زمنيًّا محددًا يقضي بتسليم السلطة للقيادة المدنية المنتخبة في حزيران/ يونيو.2012 يبرز ارتفاع حدة العنف السياسي في كانون الثاني/ يناير 2012 بالتزامن مع بدء انعقاد جلسات مجلس الشعب الذي

  1. المرجع نفسه، ص.4
  2. تتعلق هذه الوثيقة بالصلاحيات والامتيازات الخاصة بالمؤسسة العسكرية، وكذلك موقعها وحدود دورها في دستور ما بعد الثورة.
  3. وردت بيانات هذا التحليل في قاعدة بيانات "ويكي ثورة: حتى لا ننسى"، وهي مبادرة توثيقية للمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تشمل الرصد والتوثيق للقتلى والمصابين والمقبوض عليهم والملاحقين خلال فترة الثورة، مع تصنيفهم بالاسم والعنوان والزمن والمكان وسبب الوفاة.

حصد الإسلاميون أكثر من ثلثي مقاعده. وشهدت هذه الفترة أسوأ المذابح التي شهدها تاريخ كرة القدم؛ حيث لقي 72 مشجعًا من رابطة مشجعي النادي الأهلي (أولتراس أهلاوي) التي شاركت في الاحتجاجات ضد سياسة المجلس العسكري، حتفهم في المباراة التي أقيمت بين النادي المصري البورسعيدي والنادي الأهلي في مسابقة الدوري المصري العام. شهدت فترة الإعداد للانتخابات الرئاسية مصرع أكثر من 52 قتيلً، ويبُرز هذا الإحصاء حالة عدم الثقة بين المجلس العسكري والثوار؛ فعلى الرغم من تحديد موعد تسليم السلطة في أواخر ظلت الاحتجاجات والضغوط حزيران/ يونيو 2012 على المجلس الأعلى مستمرة.

خلاصة

لم تكن سياسات الشارع في تونس عاملً لحسم الصراع كما كانت في حالة مصر، لكنها كانت عاملً لتسويته من خلال الضغط على القوى السياسية، ولا سيمّا ائتلاف الترويكا الحاكم، بهدف تقديم التنازلات والدخول في حوار مفتوح مع المعارضة السياسية. وقد توصلت الدراسة إلى عدد من العوامل التي أثّرت في نجاح سياسات الشارع في حالة تونس وفشلها في حالة مصر، ومن أهم هذه العوامل: فشل القوى السياسية المصرية في تجاوز خلافاتها الأيديولوجية، على عكس القوى التونسية التي استطاعت إلى حد بعيد تجاوز الانقسامات الحادة التي تفضي إلى إفشال التجربة الديمقراطية؛ وذلك لأسباب متعددة؛ منها: وعي النخبة، ووجود مؤسسات قوية قادرة على تأدية دور الوسيط بين الفرقاء، فضلً عن الدروس المستفادة من فشل التجربة المصرية التي اعتمدت على تثوير الشوارع وتعزيز الاستقطاب النخبوي الذي أفضى إلى تدخل القوات المسلحة لحسم الصراع في النهاية. الدور السلبي للإعلام الم يرر في تغذية حالة الصراع السياسي والانقسام الأيديولوجي، وهو ما برز في خطابه المؤدلج البعيد عن قواعد الاحترافية والمهنية، فبات أداة للتعبئة والحشد، متأثرًا بسطوة السلطة، ورأس المال المحلي والخارجي58. تمكُّن القوى السياسية المحسوبة على الثورة في تونس من إدارة المرحلة الانتقالية، فلم تتركها لبقايا نظام بن علي، وذلك على عكس مصر التي انفرد فيها المجلس الأعلى للقوات المسلحة وحده بالإدارة والحكم. توافُق التونسيين على جدول زمني بتوقيتات محددة، تم على إثره تسلُّم الحكم من إدارة الرئيس المؤقت فؤاد المبزع، وذلك على عكس الحالة المصرية التي شهدت ضبابية فيما يتعلق بتوقيتات الجدول الزمني التي وُضِ عت نتيجة ضغط شارعي عنيف. مثَّل غياب روح المبادرة والمبادأة لدى المجلس الأعلى للقوات المسلحة في حالة مصر ذريعة لشرعنة سياسات الشارع التي طالما رضخ لمطالبها مكرَهًا. إيمان القوى السياسية التونسية بمبدأ الاختلاف والتعددية في العمل السياسي من خلال تقديم التنازلات، والتسليم بضرورة الاتفاق بهدف تحقيق الاستقرار والتنمية الاقتصادية، وذلك على عكس القوى السياسية المصرية التي قدمت خلفياتها الأيديولوجية ومصالحها الحزبية على أهداف الثورة ومطالبها العادلة. اتجاه حركة النهضة في تونس منذ الوهلة الأولى إلى التوافق والائتلاف مع التيارات الأخرى المختلفة معها أيديولوجيًّا، وهذا ما برز في ائتلاف النهضة مع الأحزاب العلمانية، وتخلي الحركة عن منصب رئيس الجمهورية لصالح منصف المرزوقي ذي الاتجاه اليساري العلماني، وذلك على عكس حالة حزب الحرية والعدالة في مصر الذي رسَّخ مبدأ المغالبة، سواء في الانتخابات التشريعية والرئاسية، أو حتى في دستور عام 2012 الذي دعت المعارضة لرفضه، وتم تمريره بنسبة 63.8 في المئة. على الرغم من انتشار خطاب الكراهية والتحريض في المشهد السياسي التونسي بعد الثورة، فقد غابت بين الأطراف الفاعلة في تونس لغة العنف الحاد التي أصابت التجربة المصرية؛ فحادثتا اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي، اللتان يعتبرهما بعض المحللين دليلً على سيطرة العنف على الواقع السياسي التونسي نُسِبتا إلى جماعات تكفيرية متشددة، ولم يكن لأي من القوى السياسية التونسية علاقة بهما، بل كانتا مدانتين من الجميع، وفي المقدمة حركة النهضة، وذلك عكس الحالة المصرية التي شهدت خلال المرحلة الانتقالية 125 واقعة مواجهة دامية بين السلطة السياسية والشارع، أسفرت عن زهاء 15848 مصابًا و 235 قتيل.

  1. للمزيد في هذا الصدد، انظر: محمد شومان، "كيف تعامل الإعلام مع الثورة؟"، مجلة الديمقراطية، العدد 49 (كانون الثاني/ يناير 2013)، ص.39-37 المصدر: "حصر قتلى عهد المجلس العسكري تفصيليًّا"، ويكي ثورة، 2013/9/24، شوهد في 2018/9/2، في: https://goo.gl/Tb4sIi

جدول بتقرير شامل بأعداد القتلى من تشرين الثاني/ نوفمبر 2011 حتى حزيران/ يونيو 2012 في عهد المجلس العسكري

أعداد الضحاياالحدث السياسيالفترة
76 قتيلًالتجهيز والبدء في انتخابات مجلسَ الشعب
والشورى
تشرين الثاني/ نوفمبر 2011
33 قتيلًأحداث مجلس الوزراء التي ترتب عليها وضع
المجلس العسكري جدولً زمنيًّا محددًا لتسليم
السلطة
كانون الأول/ ديسمبر 2011
10 قتلىكانون الثاني/ يناير 2012
102 قتيلً
منهم 72 في مذبحة إستاد
بورسعيد الشهيرة
بدء جلسات انعقاد مجلس الشعبشباط/ فبراير 2012
12 قتيلًالتجهيز والبدء في انتخابات رئاسة الجمهوريةنيسان/ أبريل 2012
27 قتيلًأيار/ مايو 2012
13 قتيلًحزيران/ يونيو 2012

المراجع

العربية

البريشي، إسماعيل محمد. "المظاهرات السلمية بين المشروعية والابتداع: دراسة مقارنة." مجلة دراسات - علوم الشريعة والقانون. مج 41. العدد 1.)2014(بشارة، عزمي. في الثورة والقابلية للثورة. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012.________ الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 ________. "الثورة ضد الثورة والشارع ضد الشعب، والثورة المضادة." سياسات عربية. العدد 4.)2013(ثورة مصر: من الثورة إلى الانقلاب.________. ج 2. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 بيات، آصف. الحياة سياسة: كيف يُغير بسطاء الناس الشرق الأوسط؟. ترجمة أحمد زايد. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2014 تللي، تشارلز. الحركات الاجتماعية -1786 04 20. ترجمة ربيع وهبة. القاهرة: المجلس الأعلى للصحافة،.2005 جمال، محمود. "الحركات الاجتماعية في مصر بعد 2011: من تصاعد الدور إلى تراجع المكانة، ومن السلمية إلى العنف." مركز إدراك للدراسات والاستشارات. آذار/ مارس 2018:. في https://goo.gl/AVgA4S الجمعاوي، أنور. "حركة تمرد التونسية: الحدود والآفاق." سياسات عربية. العدد 4 (أيلول/ سبتمبر.)2013 ________. "المشهد السياسي في تونس: الدرب الطويل نحو التوافق." سياسات عربية. العدد 6 (كانون الثاني/ يناير.)2014 حمادة، أمل. "معادلة جديدة؟: إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة السياسة الدولية والمجتمع بعد الثورات العربية.". العدد 189 (تموز/ يوليو.)2012

الحناشي، عبد اللطيف. "انتخابات المجلس الوطني التأسيسي التونسي: الإطار، المسار، والنتائج." تقييم حالة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2012/3/15. في https://goo.gl/DA8Jpn:. باكينام ومدحت الليثي (محرران الشرقاوي،.) الثورة المصرية والتغيير الحضاري والمجتمعي. حولية أمتي في العالم 11. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية،.2012 شومان، محمد. "كيف تعامل الإعلام مع الثورة؟." مجلة الديمقراطية. العدد 49 (كانون الثاني/ يناير .)2013 الصافي، إبراهيم. "الحركة الاحتجاجية في تونس." المستقبل العربي. العدد 435 (أيار/ مايو.)2015 عبد العال، محمود. "التعبئة السياسية: السياق، المفهوم، والتأثير." مجلة العلوم السياسية والقانون. العدد 1 (كانون الثاني/ يناير.)2017 عبد القادر، أشرف عبد العزيز. "المحتجون: كيف تؤثر المظاهرات والاعتصامات في سياسات الدول؟." السياسة الدولية. مج.47 العدد 187 (كانون الثاني/ يناير.)2012 العزباوي، يسري. "محددات النجاح: خريطة التحالفات الانتخابية تقدير موقف في ضوء الخبرة الماضوية.". المركز العربي للبحوث والدراسات 2014/6/24. في https://goo.gl/WPmjCh:. قرني، بهجت (محرر.) الربيع العربي في مصر: الثورة وما بعدها. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2012 لوك، جون. الحكومة المدنية وصلتها بنظرية العقد الاجتماعي لجان جاك روسو. ترجمة محمود شوقي الكيال. القاهرة: مطابع شركة الإعلانات الشرقية،.1965 مجموعة مؤلفين. ثورة تونس: الأسباب والسياقات والتحديات. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 اررع السياسي والاجت عااي مجيب، مي. "الأقباط في ال." الديمقراطية مجلة. العدد 51(تموز/ يوليو  2013 في:). https://goo.gl/qnMuAN المديني، توفيق. تونس: الثورة المغدورة وبناء الدولة الديمقراطية: الطوباوية الأصولية في السلطة. ب وررت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2013 المصري، محمد. "مصر: التظاهرات أداة فعل سياسي بديلة في ظل ضعف جماهيرية الأحزاب." سياسات عربية. العدد 4 (أيلول/ سبتمبر.)2013 مصطفى، أحمد محمد وحياة اليعقوبي. "الدور السياسي للنقابات العمالية العربية في ظل ثورات الربيع العربي (التجربتان المصرية والتونسية في العمل النقابي قبل وأثناء وبعد الثورات.") ترر، الم وررع النقابي الإقليمي منظمة فريدرش إي. 2015:. في https://goo.gl/Q43AzH نصر الدين، إبراهيم وآخرون. حال الأمة العربية.2014-2013 تحرير علي الدين هلال. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2014 هلال، علي الدين ومازن حسن ومي مجيب. ال اررع من أجل نظام سياسي جديد: مصر بعد الثورة. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية،.2012 وحيد، مريم. الجسد والسياسة. القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب،.2015

الأجنبية

Angrist, Michele Penner. "Understanding the Success of Mass Civic Protest in Tunisia." Middle East Journal. vol. 67. no. 4 (Autumn 2013). Bayat, Asef. "The 'Street' and the Politics of Dissent in the Arab World." Middle East Research and Information Project (Spring 2018). at: https://goo.gl/9EqZIs Mainwaring, Scott. "Transitions to democracy and democratic consolidation: Theoretical and comparative issues." Working paper. no. 130. The Helen Kellogg Institute for international Studies. November 1989. Oliver, Pamela, Jorge Cadena-Roa & Kelley D. Strawn. "Emerging Trends in the Study of Protest and Social Movements." Research in Political Sociology. vol. 11 (2003). Ottaway, Marina & Amr Hamzawy. "Protest Movements and Political Change in the Arab World." Policy Outlook. Carnegie endowment. 28/1/2011. at: https://goo.gl/FdGfkU