المؤتمر السنوي السابع لقضايا الديمقراطية والتحول الديمقراطي "العامل الخارجي وإشكاليات الانتقال الديمقراطي في البلدان العربية بعد عام 2011 "
The Seventh Annual Conference on Democratic Transition "External Factors and the post- 2011 Democratic Transition in the Arab Region"
عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدورة السابعة من مؤتمره السنوي لقضايا الديمقراطية والتحول الديمقراطي بعنوان "العامل الخارجي وإشكاليات الانتقال الديمقراطي في البلدان العربية بعد عام 2011"، في مدينة الحمامات التونسية يومَي 21 و 22 أيلول/ سبتمبر.2018 وقد رأى المركز العربي أن يخصص أعمال هذه الدورة لبحث دور العوامل الإقليمية والدولية في تجارب الانتقال الديمقراطي التي أعقبت ثورات عام 2011 العربية بسبب ضآلة الاعتناء البحثي العربي بهذا الموضوع، وغياب الجهود الوافية لفهم الأدوار والمؤثرات الخارجية وتفسيرها، وتداعياتها على عملية الانتقال الديمقراطي في البلدان العربية، إضافة إلى أن فسحة السؤال العلمي عمّ جرى في الربيع العربي نراها تضيق، في حين تتسع الفجوة بين الأطروحتين الحدّيتين في الموضوع؛ أي أطروحة التآمر الخارجي من جهة، وأطروحة الصناعة المحلية للثورات العربية من جهة أخرى، بحسب وصف مهدي مبروك مدير فرع المركز العربي بتونس. وهو الأمر الذي يبرز جدوى البحث عن تفسيرات موضوعية ودقيقة لما حدث في بلداننا منذ مرور أكثر من سبع سنوات على انطلاق "الثورات العربية." ورأى المركز العربي أولوية البدء بدراسة تأثير الأدوار الإقليمية والدولية في مسارات الانتقال السياسي التي خبرتها بلدان الربيع العربي بعد ثورات عام 2011، وهي مساحة تحفل بإشكاليات وتحديات تشكّل أجندة بحثية ذات أهمية، وفق ما أكد منسق المؤتمر عبد الفتاح ماضي، مدير مشروع "التحول الديمقراطي ومراحل الانتقال في البلدان العربية."
أول ا: العامل الخارجي: إشكاليات وتوجهات نظرية
استهلّت دراسة الإشكاليات النظرية لموضوع العامل الخارجي وعلاقته بالديمقراطية الأطروحات البحثية التي عرضت في المؤتمر، وقدّم الباحث عبد الفتاح ماضي قراءة بانورامية للأدبيات التي تناولت هذه العلاقة، والمعالجات البحثية لأبرز العوامل الخارجية المؤثرة في مسارات الانتقال إلى الديمقراطية. وبيّ أن الاهتمام البحثي بالموضوع قد بقي محدودًا حتى تسعينيات القرن الماضي، وعلى الرغم من تنامي الاعتناء في الألفية الجديدة بمسائل من قبيل دعم الديمقراطية والمشروطية السياسية، وفرض الديمقراطية بأدوات خارجية، وكذا تأثير العولمة، ظلت الاتجاهات العامة لأدبيات التحول الديمقراطي تضع جل اهتمامها على عوامل الداخل، غلب وزنها في فهم نماذج الانتقال وعملياته، وتفسيرها. ولم تختلف الحال كثيرًا مع بروز خبرة الانتفاضات الشعبية العربية، فقد ظل تركيز البحوث التي تناولتها على العوامل الداخلية؛ كالاقتصاد الريعي، ودور القبيلة، وتغوّل المؤسسة الأمنية، وعوامل الثقافة السياسية، في حين بقيت العوامل الخارجية الأقل تناولً في تلك الأدبيات. وفي السياق ذاته، جادل الباحث محمد سعدي، في ورقته "الاتحاد الأوروبي والمشروطية الديمقراطية: اختبار ما بعد الربيع العربي"، بأن المشروطية الديمقراطية التي ينتهجها الاتحاد الأوروبي في آليات دعم الإصلاحات السياسية في دول العالم العربي، بعد الحراك العربي عام 2011 لم تثبت نجاعتها، وتحتاج إلى مراجعة جذرية؛ فالتركيز على الأمن والاستقرار والتنمية الاقتصادية على حساب الإصلاحات الديمقراطية، الذي يؤطر وجهة نظر الاتحاد الأوروبي إلى قضية التحول الديمقراطي في العالم العربي من قبل الحراك العربي وبعده، لم يحرز دفعًا حقيقيًا لديناميات الانتقال السياسي في العالم العربي وتفاعلاته. لم ينجح الاتحاد الأوروبي في أن يبرز "قوة معيارية" كما أراد، وظل يرجّح في كثير من الأحيان الاعتبارات الإستراتيجية على حساب المقاييس المعيارية والأخلاقية. وتعطّل الرهان على التحول الديمقراطي والسعي للدفع جهة إرساء دولة القانون وحقوق الإنسان، بصفتها شرطًا ضروريًا لتحقيق الاستقرار وعدم الرضوخ لفكرة استدامة الأنظمة التسلطية باسم الاستقرار ودوام المصالح. وضمن الاهتمام بالتوجهات والأفكار والأطروحات في هذا الموضوع، استعرض الباحث عز الدين حميمصة الدور المهم لمراكز التفكير الأميركية المؤثرة في بناء إستراتيجيات الإدارات الأميركية وتوجهاتها إزاء موضوع الانتقال الديمقراطي في البلدان العربية؛ إذ تعتمد هذه الورقة على تتبع مخرجات بعض مراكز البحث والمنابر البحثية والإعلامية الرئيسة التي تساهم في رسم السياسات الخارجية للولايات المتحدة أو تؤثر فيها، وكذا على التصريحات الرسمية، إضافةً إلى تتبّع التحركات على الأرض والمواقف من حركات التغيير، والثورة المضادة والحروب الأهلية في البلدان العربية. وتتخذ الورقة من تحليل الخطاب أداة منهجية. تتلخص القيمة المضافة لهذه الورقة في كونها تحاول قراءة الخطاب الأميركي الداخلي، سواء لدى صناع القرار أو المراكز المؤثرة في رسم السياسات الخارجية الأميركية، من خلال نظرة مبنيَّة على البحث في النظريات المؤسسة له والخطاب المعتمد خلال الأزمات. والظاهر أن الخطاب المتبع يعتمد المصلحة الأميركية قيمة مطلقة، أما الباقي فلا يعدو كونه مقاصد إجرائية.
ثانيًا: الولايات المتحدة: الدور الأقوى تأثيرًا والأشد جدل ا
ركّزت الجلسة الثانية على دراسة سياسات الولايات المتحدة الأميركية تجاه الثورات العربية؛ واستهلها الباحث محمد الشرقاوي بطرحٍ حول "الانتفاضات العربية والموقف الأميركي: أخلاقيات السياسة أم إستراتيجيات المصالح؟"، شدد فيه على ضرورة تفكيك العامل الأميركي، انطلاقًا من رؤية واشنطن ذاتها ووفق غاياتها ومصالحها الإستراتيجية، وفهم ما تعارض مع مُثُلِها وقِيمها وخطاب سياستها الخارجية حول الحرية والإصلاحات الديمقراطية في هذا الإطار. وأوضح الباحث أسباب دعوته إلى عدم التعويل على المسؤولية الأخلاقية لدى الولايات المتحدة في عهد ترامب وتصور إمكانية دعْم إدارته مسألةَ الانتقال الديمقراطي العربي؛ أولً، عدم تغير موقف ترامب من الانتفاضات العربية عندما قال في إحدى تغريداته في 5 تموز/ يوليو 2013 '"الربيع العربي' لا يؤدّي إلى نتائج إيجابية. اسم جيّد، ونتائج سيئة."! ثانيًا، لم يتورّع ترامب - على خلاف كلينتون وبوش الابن وأوباما - عن تهميش الحرية وحقوق الإنسان في الخطاب الرسمي للبيت الأبيض ووزارة الخارجية. ويبرز قراره الانسحاب من مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، متسقًا مع موقفه الأصلي الذي لا يولي أي اعتبار لحقوق الإنسان. إن أميركا - ترامب قد دخلت طواعية حقبة الانعزالية، وأدارت ظهرها لثقافة حقوق الإنسان ودلالتها المبدئية في العلاقات الدولية. وأخيرًا، ثمة نذير من تزامن البراغماتية المصلحية لترامب مع تراجع المدّ الديمقراطي في العالم؛ فوتيرة الديمقراطية قد تراجعت في أربع وعشرين دولة عام.2017 وذهب الباحث رضوان زيادة إلى أن العامل الخارجي في الثورة السورية قد احتل بصورة متدرجة دورًا أساسيًا، وتصاعد وزنه حتى صار حاسمً في النهاية، وبات أقرب إلى العامل المؤثر الوحيد. وهنا تكمن، بحسب الباحث، أهمية دراسة دور العامل الخارجي وتطوره في مسار الثورة السورية. وقد استعرض الباحث الديناميات الداخلية للثورة السورية وكيفية تفاعل العوامل الداخلية والخارجية لتحديد مسار الثورة ومصيرها حتى عام 2018. ثم بيّ الباحث أن إعلان الرئيس ترامب انسحابه من سورية قد حسر العامل الأميركي لصالح سيطرة كاملة لروسيا على المشهد السوري وخلص إلى أن روسيا والنظام السوري وحدهما يملكان خطة إستراتيجية تقوم على تكرار ما قام به بوتين في الشيشان. أما الولايات المتحدة والغرب عمومًا، فليس لديهما إستراتيجية في سورية، كما أنهما لا يريدان تطوير إستراتيجية تُلزمهما القيام بأي شيء. ومن زاوية أخرى تناولت فوزية الفرجاني السياسة الأميركية ودعم الانتقال الديمقراطي في تونس خلال الفترة 2016-2011. وتساءلت في ورقتها عن التصورات الأميركية عن الانتقال في تونس، وعلاقة ذلك بإستراتيجية الأمن القومي، وخلصت إلى أن إدارة أوباما قد تبنّت في دعم الانتقال الديمقراطي في تونس نموذجًا نظريًّا للتحوّل الديمقراطي، تداخل فيه المعطيان السياسي والاقتصادي وتكاملا، ولكن سياستها العملية أثبتت أن بعض الوعود لم تتحقق. واتضح أن مجالات الدعم وطرقه وأدواته والأطراف الفاعلة فيه متنوعة، وأن المجال الأمني مثّل أولوية لديها. وقد ترددت إدارة أوباما بين الدوافع المثالية المتمثلة في تأييد الديمقراطية، وأولويات السياسة الواقعية الساعية لتحقيق المصالح الإستراتيجية الثابتة، واعتورت حركتها عوائق بنيوية وإستراتيجية.
ثالث ا: التغيير في المغرب العربي وقوى الخارج
في الجلسة الثالثة، استعرضت أوراق ثلاث حالاتٍ من بلدان المغرب العربي. وقد بدأها الباحث فرج معتوق بطرحٍ حول دور فرنسا في ثورات الربيع العربي، مستخدمًا تونس مثالً. وعرض الباحث الموقف الرسمي الفرنسي تجاه الانتفاضة التونسية التي تحولت سريعًا إلى ثورة، وكيف تشكّل موقف المجتمع المدني من إعلاميين ومثقفين ورموز فكرية وسياسية مختلفة. وتساءل الباحث عن الأسباب الكامنة وراء تلك المواقف، وخلص إلى نتائج منها أن صورة الإنسان العربي قد تغيّ ت بفضل حركات الربيع العربي؛ إذ أصبحت الثورة التونسية على وجه الخصوص حدثًا مهمً ومؤثرًا. وفي حين احتفى القطاع الأكبر من الفرنسيين بالربيع العربي، ظل هذا الحدث مصدر قلقٍ لشريحة فرنسية قليلة العدد. وتنقسم هذه الشريحة إلى قسمين: قسم يستكثر على العالم والإنسان العربي أن يكون مفجّرًا للثورات والتمرد ضد الطغيان، وقسم خشي من فكرة الثورة لأسباب سياسية لا تتعلق بالسياسة الداخلية لفرنسا أو أوروبا، بل بأسباب خارجية ذات علاقة بإسرائيل ومستقبلها، بصفتها كيانًا غريبًا مزروعًا في قلب المنطقة العربية يعيش أزمة وجودية حقًا. واستعراضًا للصراع الدائر في ليبيا وتداخلاته الإقليمية والدولية، طرح الباحث أحمد قاسم حسين في ورقته تحليلً لدور القوى الخارجية
في الانتقال الديمقراطي في ليبيا بعد اتفاق الصخيرات 2015. وأكد أن الاتفاق جاء إثر توافق بين القوى المحلية والإقليمية عند الحدود الدنيا؛ فتلك القوى بنَت سياساتها الخارجية في مراحل الصراع في ليبيا على أساس التوازن بين المخاوف من الآثار السياسية والاقتصادية للانتقال الديمقراطي الليبي في تلك القوى، وبين مصالحها وطموحها إلى مزيد من السيطرة والنفوذ. وقد مثّل تناقض المصالح بين القوى الخارجية عاملً مهمً يضاف إلى مجموع العوامل الداخلية الأخرى التي ساهمت في تعطيل عملية الانتقال الديمقراطي. وأظهر الباحث أن الدول التي اعترفت بالاتفاق قد وسمت الازدواجية سياستها الخارجية؛ ففي الوقت الذي اعترفت بالاتفاق ومخرجاته وشجعت البعثة الأممية على تنفيذه بطريقة تضمن تحقيق الاستقرار واستعادة الأمن في ليبيا، تميزت حركة تلك القوى بالتغير المستمر على نحو يحقق مصالحها ويعزز نفوذها وأمنها القومي. وقدم الباحث محمد أحمد بنيس، في ورقته "لبرلة من دون ديمقراطية: دور العوامل الخارجية في استقرار السلطوية المغربية"، تحليلً لدور العوامل الخارجية في استقرار السلطوية المغربية منذ نهاية الحرب الباردة إلى الآن، وأكد أن هذه العوامل شجعت على لبرلة ضمن حدود معيّنة لا تسمح بالتحول نحو الديمقراطية. ورأى الباحث أن العوامل الخارجية ساهمت في توسيع هامش اللبرلة في الحقل السياسي المغربي بقدر ما ساهمت في الحد من هذه اللبرلة، وخصوصًا في ظل غياب الإرادة لدى الفاعلين في الداخل لإنضاجها وتطويرها، وهو ما يؤكد أن البيئة الدولية للديمقراطية تظل بطبيعتها متناقضة. لم ينظر الفاعلون الدوليون إلى التحول الديمقراطي بالمغرب، باعتباره خريطة طريق محكومة بسقف زمني محدد؛ الأمر الذي يعكس عدم جدية هؤلاء ومحدودية تأثيرهم في الدفع بعجلة الديمقراطية. أما النظام المغربي، فلم يتردد في استثمار العوامل الخارجية التي تقف حجر عثرة أمام التحول الديمقراطي.
رابعًا: الاقتصاد والأمن: أبعاد ومؤثرات
خُصصت الجلسة الرابعة لدراسة حالات تطبيقية في موضوعي الأمن والاقتصاد في عملية الانتقال الديمقراطي. وقدم الباحثان حسن الحاج علي وعديلة تبار بحثهما حول قضايا الأمننة في القرن الأفريقي، وتأثيرها في خفض أولوية مسألة التحول الديمقراطي في قائمة أولويات الدول الكبرى. جادلت الورقة التي تناولت خطاب الأمننة ومعززاته (حالات جيبوتي والصومال والسودان) بأن أمننة قضايا المنطقة جعلت مسألة التحول الديمقراطي تحتل مكانًا متدنيًا في قائمة أولويات الدول الكبرى، بينما أضحى خطاب محاربة الإرهاب هو الطاغي. وعبر أدوات تحليل الخطاب والتحليل التاريخي المقارن، استعرضت الورقة مفهوم الأمننة، وعناصر خطاب الحرب على الإرهاب، وكيف جرى توظيفه في الجدل السياسي، ثم عرّجت على طبيعة خطاب الأمننة الغربي تجاه أفريقيا. وأكد الباحثان أن الأمننة حملت تأثيرًا سلبيًا في عملية التحول الديمقراطي في البلدان الثلاثة، وإن اختلفت أنماطها من بلد إلى آخر؛ وفقًا لدرجة الأمننة التي تعرض لها البلد. وقد طرح الباحث عبده موسى البعد الاقتصادي، في ورقته "النيوليبرالية والتحول الديمقراطي: أثر توجهات المؤسسات المالية الدولية في تعزيز الاستبداد (حالة مصر")، مركّزًا على صراعات التوزيع وأثرها في تشكّل الإمكانية الديمقراطية. وبدأ الباحث من الزعم أن النيوليبرالية الطرفية، بوصفها برامج وسياسات ورؤية، مثَّلت عامل انشقاق اجتماعي وسياسي خلال مراحل الانتقال، على نحو يعوق شرط الوحدة الوطنية المطلوب لإحداث التحول الديمقراطي وترسيخها، بل يتضاد معه. واستعرضت الورقة عوامل الإقصاء الاقتصادي والسياسي في الحالة المصرية، مبيّنةً أن التنظيمات السياسية ليست هي التي عانت الإقصاء فحسب، بل إنّ قوى طبقية واسعة أساسًا (كالعمال) عانت هذا الإقصاء. بيّنت الورقة التي اعتمدت نظرية قاعدة الاختيار Selectorate Theory لتفسير طبيعة صراعات التوزيع أن هذه الصراعات في الحالة المصرية نجمت عن تعارض مصالح فئوية خاصة مدفوعة بمؤثر خارجي متمثل بالإملاءات النيوليبرالية، مع المصلحة العامة. وعرج نوري دريس على دور الريع والجماعات الريعية في الحالة الجزائرية، وقال إن استبعاد دور العامل الخارجي، الإقليمي والدولي، أثناء دراسة الاستبداد غير ممكن. وشدد على ضرورة الانتباه إلى أن تعطيل القوى الخارجية دعمها لنظم الاستبداد لا يعني بالضرورة أن التحول الديمقراطي سينجح، وأن التمييز بين تفسير مرتكزات الاستبداد وشروط تحرر ديناميكية الدمقرطة أمر واجب. وبيّ الباحث أن ارتباط المجتمعات العربية اقتصاديًّا بالريع والسوق العالمية أسهم في فشل التحول الديمقراطي. وخلص الباحث إلى أن التجربة الجزائرية أظهرت بجلاء رهانات النظام في المحافظة على السلطة عبر الأدوات الاقتصادية والعمل داخل الحقل الاقتصادي، وأن إحكامه القبضة على الأخير قد سمح له بإبطال مفعول التعددية الحزبية.
خامسًا: الجوار الإقليمي بين الدعم ونوازع الهيمنة
ناقشت الجلسة الخامسة، التي عُقدت في مستهل أعمال اليوم الثاني، موضوع "القوى الإقليمية في المشرق العربي"، وقد بدأها الباحث ياسر جزائرلي باستعراض موضوع "إيران وتركيا والثورة السورية: الدور الإقليمي والتحالفات الدولية"، وشدد على أنه - في ضوء ما بيّنته خبرة الثورة السورية - لا إمكانية لدراسة الأدوار الإقليمية في الشرق الأوسط بمعزل عن الأدوار الدولية للقوى العظمى. وأكد أن إيران لم تكن لتنتصر على الثورة السورية من دون مساعدة روسيا، وأن تركيا لم تكن لتخسر رهانها على الثورة السورية لولا خذلان – إن لم يكن عداء – حلفائها. وتساءل الباحث لماذا اتخذت أميركا إيران - وهي من ألد أعدائها - حليفًا في العراق، بينما تحالفت في سورية مع القوات الكردية المعادية لحليفتها وعضو منظمة حلف الشمال الأطلسي، تركيا؟ إن تناقض العلاقات الدولية التي سادت الشرق الأوسط يطرح ضرورة إعادة قراءة للسياسة الإقليمية والدولية في المنطقة، وخصوصًا بعد الربيع العربي. واستعرضت الباحثة فاطمة الصمادي، في ورقتها "من تونس إلى سورية: كيف تعاملت إيران مع الثورات العربية؟"، قراءة إيران للثورات العربية، وكيف حاولت توظيفها لتعزيز نفوذها والتبشير بنموذج سياسي أسمته "الديمقراطية الدينية"، ثم تراجع حماسها لاحقًا عن دعم الثورات. بدأت إيران من الاحتفاء بالثورات العربية، خاصة في تونس ومصر، واعتبرتها "صحوة إسلامية" تصب في صالح سياستها، ثم ما لبثت أن تحولت من الاحتفاء إلى توجيه النقد الشديد إلى الثورات وقواها، وخصوصًا الإسلاميين. كما اعتبرت الثورة السورية "ظاهرة غير وطنية" جرى صناعتها في الخارج. هذا التناقض كشف خواء الشعارات الأيديولوجية، لصالح براغماتية الموقف الإيراني وتحركه وفق البعدين الواقعي الجيوسياسي والأمني. إن توظيف هذا الخواء إنما جاء حماية لمصالحها، والتي رأت من خلالها أن الحفاظ على نظام الأسد أولوية، وأن اعتبار المجموعات السلفية المعارضة له أكبر تهديد أمني لها يتسق مع تصوراتها للعلاقة بدمشق. استمرت معالجة أدوار القوى الإقليمية في الجلسة الثانية من أعمال اليوم الثاني، وقد طرح الباحث عبد الرضا أسيري معالجته لموضوع "المتغيرات الإقليمية وتأثيرها في مسار التحول الديمقراطي في الكويت"، وأشار إلى أن تأثير المتغيرات الخارجية في مسار التحول الديمقراطي في الكويت ظل دأبًا مستمرًا، وأن للعوامل الخارجية تداعيات على الحياة السياسية في الكويت إجمال، وأن هذا التأثير قد ترك تداعياته على الحياة السياسية في البلاد، على نحو يتطلب إجراء إصلاحات سياسية مهمة لترسيخ التجربة الديمقراطية في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية المتوقع تزايدها مستقبلً؛ فمن الواضح أن هناك جدلية قائمة بين الوضع الداخلي وإحداثيات الخريطة الداخلية والضغوط الخارجية، سواء كانت دولية أم إقليمية. وفي ورقته التي تناولت "الدور السعودي والإيراني في اليمن وأثره في الانتقال السياسي"، بيّ الباحث أحمد إدعلي أن العوامل الإقليمية تفوق في أهميتها العوامل الداخلية في تفسير مآلات الثورة اليمنية، وأن هذه العوامل الإقليمية ترتبط بجملة من المتغيرات، مثل تقلبات السياسة الدولية وموازين القوى العالمية، وطبيعة مصالح الفاعلين الدوليين والإقليميين، فضلً عن موضوع التدخل، والموقع الإستراتيجي للبلد، ونوعية موارده، وطبيعة الديناميات الداخلية، ومستوى نضج النخب المحلية ووزن المعارضة السياسية. وأظهر الباحث أن تنافس الرياض وطهران على الريادة والنفوذ الإقليمي، وخشية السعودية من نجاح تجربة ديمقراطية في فنائها الخلفي، وتطلّع إيران إلى استغلال الموجة الثورية لإسبال ألوان مذهبية على الصراع على نحو يعزز نفوذها، كلها متغيرات عطّلت عملية الانتقال الديمقراطي في اليمن.
سادسًا: التغيير في مصر: أدوار خارجية ملتبسة
خُصصت الجلسة الأخيرة من المؤتمر، لدراسة تأثير العامل الخارجي في حالة الانتقال الديمقراطي في مصر. وفي معالجته لمواقف القوى الإقليمية من الانتقال الديمقراطي في مصر، استهل الباحث عماد حرب بتأكيد صعود دور بلدان الخليج في لحظة التحول على حساب ضعف الدور الأميركي الذي عزز تدخلات القوى الإقليمية وسعيها للتأثير في الظروف الداخلية المصرية. وقد اعتمد تدخّل الفاعلين الإقليميين في مصر على موارد مادية واسعة، وجهود داعمين محليين يعملون على تنفيذ الأجندات الإقليمية. وخلص الباحث إلى استنتاجات؛ أولها أن الحالة المصرية أكدت أن غياب الولايات المتحدة، وهي الفاعل الدولي المؤثر في الحالة المصرية، منح الدول الإقليمية حرية التدخّل والتأثير في الظروف الداخلية المصرية على نحو يحقق مصالحها الإستراتيجية.
أما ثانيها فهو أن الدول الإقليمية التي تؤثر في الأحداث والتطورات في البلدان التي تشهد تغييرًا تحتاج إلى موارد مادية لتقوم بأدوارها. وأما ثالثها فهو أن الفاعلين الإقليميين في حاجة إلى داعمين محليين في البلدان التي تشهد تحولً؛ وذلك للمساعدة في تنفيذ أجنداتهم. وفي السياق ذاته، تناول الباحث محمد المنشاوي "العلاقات العسكرية المصرية - الأميركية ومسألة الانتقال الديمقراطي في مصر." انطلق المنشاوي من أن واشنطن قد عمدت إلى إحداث تحولات في"عقيدة الجيش المصري القتالية"، ووظفت تطورات الأوضاع السياسية في مصر، وبالخصوص تدخّل الجيش في العملية السياسية، لفرض تصوراتها والبدء في هذه العملية. وخلصت الورقة إلى أن واشنطن تعتقد أنها قادرة على إنجاز مسعاها القديم لتغيير العقيدة القتالية للجيش المصري، ومما يساعدها في ذلك تلك التطورات في الداخل المصري، حيث الجيش يوجه تركيزه الأكبر على أهداف مكافحة الإرهاب دون غيرها من الأولويات التقليدية التي ورثتها العقيدة القتالية المصرية، والتي تنظر إلى مواجهة إسرائيل على أنها أولوية. وعلى الرغم من فشل النظام المصري في إقناع الدوائر الأميركية بأهمية الدور المصري في خدمة المصالح الإستراتيجية لواشنطن، أو في تقديم القاهرة نفسها على أنها دولة قائدة مؤثرة في ملفات مهمة لواشنطن (مثل ملفات ليبيا وسورية واليمن أو حتى القضية الفلسطينية)، جاء تبرير وزارة الخارجية لميزانية عام 2018 الفدرالية مؤكدًا أهمية دعم مصر في مجال مكافحة الإرهاب.