مواطنون أم ذميون؟: موقف جماعة ’الإخوان ‘المسلمين من الحقوق السياسية للأقباط في مصر

Citizens or Dhimmis? The Muslim Brotherhood and Political Rights of Copts in Egypt

خليل العناني| Khalil al-Anani *

الملخّص

تسعى الدراسة لتفكيك تصورات جماعة الإخوان المسلمين للحقوق السياسية للأقباط في مصر. وتجادل بأن ثمّة فهمًا ملتبسًا لدى الجماعة لمفهوم المواطنة عمومًا، وهو ما ينعكس، بدوره، على تصوراتها لمسألة الحقوق السياسية والمدنية للأقليات الدينية والسياسية والمذهبية. وتطرح الدراسة مقاربة سوسيوسياسية، بهدف فهم هذا الموقف الملتبس من حقوق الأقليات الدينية، كالموقف من الحقوق المدنية والسياسية للأقباط في مصر. وتجادل الدراسة بأن هذا الموقف يمكن تفسيره بعدة اعتبارات أهمها: الالتزام الأيديولوجي، والحفاظ على التماسك التنظيمي، وإكراهات القبول الاجتماعي، والمنافسة مع القوى الدينية المحافظة. وتقوم الدراسة بتفكيك هذه العوامل من أجل شرح موقف الإخوان من الأقباط في مصر وتفسيره. وتستند إلى منهجية تحليل الخطاب، وذلك من خال تحليل وتفكيك لبيانات وتصريحات أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وقياداتها عن الأقباط خال الفترة 1981 - 2013، للتعرف إلى تطور موقفهم من الحقوق السياسية والمدنية للأقباط المصريين.

Abstract

​This paper deconstructs Muslim Brotherhood perceptions about the political rights of Copts in Egypt. It argues that the group has an ambiguous understanding of the concept of citizenship generally, which is reflected in their perceptions of the political and civil rights of religious, political and sectarian minorities. This study proposes a socio-political approach to understand this ambiguity. It argues that this position can be interpreted through several considerations, the most important of which are: ideological commitment, maintaining organizational cohesion, constraints on social acceptance and competition with conservative religious forces. The paper deconstructs these factors in order to explain and interpret the Brotherhood stance on Copts in Egypt. The study uses discourse analysis to examine statements by Muslim Brotherhood members and leaders about the Copts from 1981-2013.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

مقدمة المواطنة: خلفية نظرية ومفاهيمية

شهدت المواطنة، بوصفها مفهومًا وحقلً معرفيًا، تطورًا كبيرًا على مدى العقود القليلة الماضية، وذلك منذ العمل الرائد الذي أنجزه توماس همفري مارشال (1950) حول "المواطنة الاجتماعية"1، فقد ظهرت مجموعة كبيرة من الدراسات والنماذج التي عزّزت فهمنا لمفهوم المواطنة. تركّز الأدبيات المتاحة في مجال دراسات المواطنة على تطور دراسات المواطنة من النماذج القائمة على العلاقة بين الدولة والمواطن إلى أطر أشمل تعترف بالمجموعات المهمشة تاريخيًا، مثل المرأة وكذلك المحرومين اجتماعيًا واقتصاديًا. إن الجدل حول المواطنة متأصل في روايات تاريخية مثل "الثقافات السياسية في اليونان القديمة وروما"2، أو معاهدة ويستفاليا عام 1648، التي تُتخذ عادة للاحتفال بظهور نظام أوروبي جديد من الدول المستقلة ذات السيادة"3. ومع ذلك، تطورت دراسات المواطنة الحديثة إلى حد كبير، وذلك ردًا على مفهوم المواطنة الاجتماعية لدى توماس مارشال في أوائل القرن العشرين. يقوم مفهوم مارشال للمواطنة على "أن دور السياسة الاجتماعية للدولة هو ضمان عدم استبعاد المواطنين من المشاركة في رسم سياسة مجتمعهم بسبب الفقر أو سوء الصحة أو نقص التعليم"4. في هذا السياق، يعدّ جيرارد ديلانتي إطار مارشال "نموذجًا لحقوق المواطنة التي لا يجب أن تكون مجالً للتفاوض مع الدولة وإنما هي حقوق رسمية للمواطنين"5. وهنا يتفق باري هيندس مع هذا المفهوم، ويجادل بأنه نتيجة للطبيعة الرسمية للحقوق في هذا النموذج، من المفهوم أن الدولة تتحمل مسؤولية ضمان هذه الحقوق للمواطنين جميعًا6. مع ذلك، يجب أن نفهم إطار مارشال في سياق الحقوق القائمة على المساهمات. و يقدم بريان تيرنر سياقًا تاريخيًا لهذا النموذج من خلال شرح تأسيس بريطانيا دولةَ الرفاه خلال الفترة 1949-1945، وذلك على أساس حقوق المساهمة التي تدفع الجميع إلى المشاركة في إقامة نظام تأمين وطني تدعمه الدولة وأصحاب العمل والعمال7. هذه الحقوق المساهمة هي أسس حقوق مارشال الاجتماعية للمواطنة، والجمع بين الواجبات والاستحقاقات. أضاف أيزن وتيرنر مزيدًا من التوضيح ل "نموذج الحقوق والواجبات المساهمة، المتعلقة بالعمل والضرائب والخدمة العسكرية والأبوة، وتعريف المواطنة المارشالية"8. يضع ديلانتي هذه المناقشة فيما يسميه "المواطنة المدنية" التي تضمن "إحساسًا قويًا بحقوق المواطنة وتنطوي أيضًا على درجة عالية من مشاركة المواطنين في إدارة الدولة"9. غير أن هينديس يعدها "نظرة دخيلة على المواطنة" View Internalist، ويطرح بدلً من ذلك مفهوم "المواطنة النيوليبرالية"10 التي تُدخل "ترتيبات السوق وشبه السوق في مجالات الحياة الاجتماعية: التهيئة والخصخصة وتشجيع المنافسة والاختيار الفردي في مجال الصحة والتعليم [...] واستخدام الأسواق المالية لتنظيم سلوك الدول". هذا المفهوم الموجه نحو السوق للمواطنة يجري تناوله في الأدبيات باسم "الحق الجديد"11. يحدد أيزن وتيرنر ظهور الليبراليين الجدد مع "ثورة المحافظين الجدد الأنغلو - أميركية في عام 1970، التي خلقت إطارًا سياسيًا جديدًا لم تعد فيه الحكومات ملتزمة المبادئ العالمية للحقوق الاجتماعية ودولة الرفاه الشاملة، والتوظيف الكامل"12.

أولا: من الإقصاء إلى الدمج: نحو مفهوم شامل للمواطنة

استجابة للنماذج التي تسلّط الضوء على جوانب الاستبعاد والإقصاء من المواطنة، أعاد بعض الباحثين تصوّر المواطنة في إطار يرفع من دور العمل الجماعي بين الفئات المهمشة. على سبيل المثال؛ يصف روث ليستر مفهوم التضامن ليشمل "نظرة أفقية للمواطنة [...] والتي تعطي أهمية كبيرة للعلاقات بين المواطنين فيما يتعلق بالعلاقة بين الدولة والفرد"13. ويؤكد بنوا تشالاند في وصفه للانتفاضات العربية عام 2011

  1. Thomas H. Marshall, "Citizenship and Social Class," in: Thomas H. Marshall, Class, Citizenship and Social Development (New York: Anchor,
  2. Engin F. Isin & Bryan S. Turner, "Investigating Citizenship: An Agenda for Citizenship Studies," Citizenship Studies , vol. 11, no. 1 (2007), p. 5.
  3. Barry Hindess, "Neo-liberal Citizenship," Citizenship Studies , vol. 6,
  4. Ibid., p. 138.
  5. Gerard Delanty, "Models of Citizenship: Defining European Identity and Citizenship," Citizenship Studies , vol. 1, no. 3 (1997), pp. 286-287.
  6. Hindess, p. 138.
  7. Bryan Turner, The Religious and the Political: A Comparative Sociology of Religion (Cambridge: Cambridge University Press, 2013), p. 70.
  8. Ibid.
  9. Delanty, p. 291. 10 Hindess, p. 140.
  10. no. 2 (2002), p. 130.
  11. Isin & Turner, p. 9.
  12. Ibid.
  13. Ruth Lister, "Inclusive citizenship: Realizing the Potential," Citizenship Studies , vol. 11, no. 1 (2007), p. 51.

بأنها "دعوة لأسبقية المواطنة على الأمة بدلً من المحاولات السابقة لترسيخ الفكرة القومية التي تخلو من حقوق المواطنة الكاملة "14. تتحرك هذه الحسابات الجديدة في الاتجاه المعاكس لنماذج المواطنة التقليدية التي تؤكد العلاقة بين المواطن والدولة، من خلال الدعوة إلى أطر أشمل. وهي متجذرة في إحساس الشمول الواسع، في المقام الأول. يقوم مفهوم المواطنة الثقافية عند نيك ستيفنسون على أساس "حوار عالمي حقيقي [...] مدعوم من كل مَن قبلوا المبادئ العالمية والاعتراف بالاختلاف"15. يعزز هذا التباين من النماذج التقليدية التي تستخدم مفهوم الاختلاف لشرعنة الإقصاء، واستخدامها لتعزيز الإدماج بدلً من ذلك. يلفت أيزن وتيرنر الانتباه إلى استبعاد المرأة في نقد فكرة مارشال عن المواطنة، قائليَن "هناك انتقاد واضح بأن [مارشال] أهمل الجندر، وذلك على افتراض تقسيم جندري تقليدي للعمل الذي كان غير ذي صلة على نحو متزايد بالمرأة داخل سوق العمل الرسمي واختفاء الأسرة التقليدية"16. وفي نهاية المطاف، تشير الدراسات الحديثة بشأن المواطنة إلى اتجاه متزايد يتخطى مفهوم المواطنة على أساس الإقصاء لمصلحة أطر أخرى أشمل. وتحدد الأدبيات ديناميات مثل العولمة لتأكيد أن هذا النطاق من التفاهمات التقليدية للمواطنة قد توسّع على نحو كبير في العقود الأخ ةرر. ويتجاوز المفكرون الذين يدافعون عن مفاهيم أشمل للمواطنة الحجةَ القائلة إن الفئات المهمشة ينبغي لها أن تنخرط في تعريف المواطنة فحسب؛ إذ تقدّم دليلً على أن تمكين هذه الجماعات هو البداية الحقيقية لتعبئة العمل الجماعي الذي يسمح لها بتحقيق المواطنة. وربما لكي نفهم، على نحو أوضح، تصورات جماعة الإخوان المسلمين لمفهوم المواطنة، من المهم جدًّا وضعها في إطار النقاش النظري سالف الذكر؛ إذ تؤكد هذه الدراسة أن جماعة الإخوان تتبنّى فهمً متناقضًا للمواطنة، يميل إلى تهميش بعض شرائح المجتمع، ولا سيما المرأة وغير المسلمين، وتفرض بذلك قيودًا على الحقوق السياسية والمدنية لهذه الفئات. لهذا الفهم جذوره في تفسير جماعة الإخوان للنصوص والتعاليم الإسلامية، الذي يميل إلى أن يكون تقليديًا ومحافظًا. وعلى الرغم من دور الاجتهاد في تحديث الفكر السياسي والقانوني الإسلامي، فإن الإخوان يترددون في تبنّي نظرة تقدمية حول المواطنة ربما تنفصل عن جمهورها. وتعتقد أيضًا أن بعض حقوق المواطنة قد تتعارض مع الخصوصية الثقافية للمجتمع المسلم.

يُعد فشل جماعة الإخوان المسلمين في تبنّي مفهوم شامل للمواطنة، وخاصة تجاه المرأة والمسيحيين، ذا تأثير سلبي في علاقتها بباقي الفاعلين السياسيين. لذلك، فإن العديد من الشخصيات العلمانية والليبرالية في مصر تبُرز شكوكها حول التزام الجماعة النهج الديمقراطي؛ ما خلّف فجوة كبيرة من حالة عدم الثقة بين الأقلية القبطية، إلى حد دفعهم إلى دعم الانقلاب على الإخوان المسلمين في 3 تموز/ يوليو.2013

ثانيًا: الإسلام والمواطنة: جدل تاريخي

يعدّ مفهوم المواطنة حديثًا نسبيًا في الفكر السياسي الإسلامي17، وهو يتعلق بأوضاع غير المسلمين الذين يعيشون إما في بلد مسلم أو في بلد تحت حكم إسلامي18. وتعرّف النصوص الإسلامية التأسيسية (القرآن والسنة) غير المسلمين بأهل الذمة، وهو مفهوم يشير إلى الأقليات المسيحية واليهودية باعتبارها من أهل الكتاب. ووفقًا للتعاليم الإسلامية، يحق لأهل الذمة التمتع بحقوق معينة طالما يعيشون في البلدان الإسلامية، وترتبط هذه الحقوق عادة بالأحوال القانونية والشخصية مثل الزواج والطلاق والميراث. ومع ذلك، اقتصرت هذه الحقوق على الديانات التوحيدية، وتحديدًا المسيحية واليهودية19. ارتبطت هذه الحقوق تاريخيًا بدفع ضرائب خاصة، مثل "الجزية" للدولة الإسلامية20.

  1. Benoît Challand, "Citizenship Against the Grain: Locating the Spirit of the Arab Uprisings in Times of Counterrevolution," Constellations , vol. 20,
  2. Nickt Sevenson, Cultural Citizenship: Cosmopolitan Questions
  3. Isin & Turner, p. 8.
  4. Rachel M. Scott, "Contextual Citizenship in Modern Islamic Thought," Islam and Christian-Muslim Relations , vol. 18, no. 1 (2007), p. 5. 18 Uriah Furman, "Minorities in Contemporary Islamist Discourse," Middle Eastern Studies , vol. 36, no. 4 (2000), p. 2. 19 Furman, p. 2.
  5. no. 2 (2013), p. 170.
  6. (Berkshire, UK: Open University Press, 2013), p. 25.
  7. Scott, p. 3.

وقد اختلفت الحقوق والحريات التي يمارسها غير المسلمين باختلاف الحكومات، فقد طوّر الفقهاء مع الزمن المداخل والقواعد الفقهية للتعامل مع غير المسلمين؛ وذلك من خلال فتح باب الاجتهاد، ما انعكس إيجابًا على حقوقهم وواجباتهم في المجتمع. فعلى سبيل المثال، في ظل الدولة العثمانية، جرى توسيع الحقوق لغير المسلمين لتعكس تعددية المجتمع وتنوعه الثقافي والديني؛ فقد اعتمدت، في القرن السادس عشر، إطارًا قانونيًا جديدًا يسمى نظام "الملة" الذي منح الأقليات الدينية "درجة من الاستقلال القانوني والسلطة"21. وبحسب سكوت "منح هذا النظامُ غيرَ المسلمين درجة كبيرة من الاستقلالية في الشؤون الدينية وغير الدينية على السواء، الأمر الذي انعكس على تنوع المجتمع العثماني وتعدده. علاوة على ذلك، ونتيجة للإصلاح التنظيمي، جرى إلغاء نظام 'الذمة'، وهو ما انعكس على حصول غير المسلمين على مزيد من الحريات التي وصلت حد التحول إلى ديانات أخرى"22. تكثَّف النقاش والكتابات حول حقوق غير المسلمين والمواطنة، بعد سقوط الخلافة العثمانية عام 1924، وظهور الدولة العربية الحديثة أو الدولة القومية. وفقًا لعبد الله سعيد23، يمكن ملاحظة أربع وجهات نظر أو تيارات في هذا الصدد. التيار الأول الذي يعبّ عنه التقليديون الذين اعتمدوا وجهة نظر كلاسيكية تجاه غير المسلمين في النصوص الإسلامية. ووفقًا لهذا المنظور، يجب معاملة غير المسلمين على أنهم أهل ذمة، يجب أن يدفعوا الجزية وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية. التيار الثاني هم المجددون الذين يقدّمون نظرة أكثر مرونة في التعامل مع غير المسلمين؛ وذلك من خلال منحهم مزيدًا من الحقوق، ولكنها لا تصل أيضًا إلى حد المساواة الكاملة بالمسلمين. ووفقًا لسعيد، تقع الحركات الإسلامية مثل جماعة الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية في باكستان ضمن هذه الفئة24. أما التيار الثالث، فهو تيار الحداثيين الذين يعارضون التمييز ضد غير المسلمين ويدعون إلى حمايتهم. ومع ذلك، فإنهم ما زالوا يؤمنون بدرجة معينة من المعاملة التفضيلية للمسلمين. ويتكون التيار الرابع من العلمانيين الذين يطالبون بدولة علمانية لا تفرق بين مواطنيها على أساس الدين أو العرق أو الجنس.

ثالثًا: الإسلاميون والمواطنة: تصورات متعددة

كيف يتصور الإسلاميون المواطنة؟ ترصد الأدبيات، حول الإسلاميين، في هذا السياق تغير موقفهم من مبادئ المواطنة والحقوق والحريات الفردية على نحو ملحوظ في العقود الأخيرة. وتكشف كتابات عدد من الرموز والشخصيات الإسلامية البارزة مثل راشد الغنوشي، ويوسف القرضاوي ومحمد سليم العوا وفهمي هويدي وأحمد الريسوني، كما سيأتي لاحقًا، عن تزايد الوعي بأهمية المواطنة والتعددية السياسية والحقوق المدنية، وقُدّمت مساهماتهم الفكرية دليلً على التطور الأيديولوجي للإسلاميين25. من ناحية أخرى، أصبح النقاش حول مبدأ المساواة بين الجنسين وإدماج الأقليات محورًا أساسيًا في الخطاب اليومي للإسلاميين، خاصة بين جيل الشباب. على صعيد آخر، يمكن أن يثري "الربيع العربي" هذه المسائل المحظورة سابقًا، من خلال مناقشتها والتحاور حولها في الحياة اليومية. وكما أشار رول ماير26، فإن الانتفاضات العربية أحدثت تحولً فكريًا كبيرًا في مناقشة العديد من القضايا، أبرزها مسائل الحقوق السياسية، بل انتقلت بها من ظلال غير سياسية وعائلية وقبلية ودينية أو تكنوقراطية إلى الساحة العامة. في الواقع، كانت مطالب القيم السياسية، مثل الحرية والعدالة والكرامة، في قلب النقاش العام في العالم العربي بعد الانتفاضات. والأمر الأشد إثارة للدهشة هو أن القوى التقليدية والمحافظة، مثل السلفيين، سعت لمواءمة خطابها مع هذه المطالب التي جاءت من الجماهير.

وعلى مدى العقود القليلة الماضية، برز اتجاه جديد من المفكرين الإسلاميين الذين قدّموا تفسيرات جديدة للنصوص الإسلامية بهدف إدماج الأقليات الدينية، خاصة في مصر. فعلى سبيل المثال،

  1. Benjamin Braude, Christians and Jews in the Ottoman Empire (Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 2014), p. 15.
  2. Scott, p. 4.
  3. Abdullah Saeed, "Rethinking Citizenship Rights of Non-Muslims in an Islamic State, Rashid al-Ghannushi, Contribution to the Evolving Debate," Islam and Christian-Muslim Relations , vol. 10, no. 3 (1999), pp. 309-310.
  4. Ibid.
  5. Saeed.
  6. Roel Meijer, "Political Citizenship and Social Movements in the Arab World," in: Hein-Anton Van Der Heijden (ed.), Handbook of Political Citizenship and Social Movements (Cheltenham, UK: Edward Elgar Publishing, 2014), p. 653.

يميل فهمي هويدي، وهو كاتب إسلامي، إلى معاملة غير المسلمين بوصفهم مواطنين كاملين يتمتعون بالحقوق السياسية نفسها التي يتمتع بها نظراؤهم المسلمون27. ويحثّ هويدي الإسلاميين على تجديد خطابهم تجاه الأقليات ليكون أكثر تقدمية وشمولية. كما يدّعي هويدي أن نظام الذمة ليس إسلاميًا؛ بسبب استيراده من مجتمعات ما قبل الإسلام28. من جهة أخرى، يدافع محمد سليم العوا، وهو مفكر إسلامي معروف، وطارق البشري، وهو قاضٍ متقاعد ومؤرخ، عن إدماج المسيحيين في المجتمع المصري بوصفهم مواطنين كاملي الأهلية والحقوق. وكلاهما يسلط الضوء على أن قاعدة أهل الذمة في الإسلام مفهوم سياسي فحسب، وليست قاعدة شرعية، وقد تجاوزها مفهوم المواطنة29. كما أنهم يعدّون الجزية عملية تاريخية يجب تجاوزها؛ لأن غير المسلمين باتوا يخدمون الآن في الجيوش الوطنية30. وفضلً عما سبق، فإن الشيخ يوسف القرضاوي يدعم المساواة بين المسلمين وغير المسلمين في الحقوق السياسية والمدنية31. ويرى القرضاوي، مثل العوا والبشري، أن مفهوم أهل الذمة غير ذي جدوى لأن العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين يجب أن تقوم على "الأخوة الوطنية"32. وعلى الرغم من ذلك التطور، فإن موقف الإسلاميين تجاه "الآخر" لا يزال يتسم بعدم الاتساق، بينما يبدو من خطابهم احترام حقوق المواطنة، إلا أنه يتناقض مع الممارسة، خاصة فيما يتعلق بحقوق المرأة والأقليات الدينية. وبهذا المعنى، يظهر فهمهم المحدود لمفهوم المواطنة؛ إذ يقصروه على نطاقات ومجموعات معينة. على سبيل المثال، ما يزال موقف جماعة الإخوان المسلمين في مصر تجاه غير المسلمين والطوائف الإسلامية الأخرى ملتبسًا. كما أن موقف جماعة الإخوان تجاه الحقوق الجماعية وحقوق الأفراد هو أيضًا جامد ومعيب. ووفقًا لجماعة الإخوان المسلمين، يجب أن يكون نطاق الحريات الممنوحة للأفراد (أي الحرية الدينية، وحرية المعتقد، وحرية الوعى... إلخ) محدودًا وتفسره وفق فهمها الضيق للمواطنة. انطلاقًا مما سبق، إن السؤال الحاسم هو: لماذا يتسم مفهوم المواطنة عند جماعة الإخوان المسلمين بالغموض وعدم الاتساق؟ أتكون مسألة أيديولوجية أم بسبب الحسابات السياسية والانقسام داخل الحركة؟ وعلاوة على ذلك، لماذا كانت الحركة غير قادرة على تبنّي مواقف أشد انفتاحًا وتسامحًا تجاه الأقليات في أعقاب ثورة يناير 2011؟ لذلك تسعى هذه الورقة للإجابة عن هذه التساؤلات.

رابعًا: فهم جماعة الإخوان المسلمين لمسألة المواطنة

شهدت أيديولوجيا جماعة الإخوان المسلمين وخطابها تحولات عديدة خلال العقود القليلة الماضية33. ولتعزيز دعمها وتوسيع نطاق جمهورها بعد المشاركة في السياسة الانتخابية خلال الثمانينيات، اضطرت الجماعة إلى مراجعة العديد من الأفكار الأساسية التي وضعها المؤسس حسن البنا، وخاصة فيما يتعلق بالتعددية السياسية وحقوق الأقليات وحقوق المرأة. ففي الوقت الذي لم يثق فيه البنا بالأحزاب السياسية بسبب دورها في تقسيم الأمة وتفتيتها إلى فصائل وجماعات34، رأى قادة جماعة الإخوان أن البنا رفض الأحزاب نتيجة قلقه على وحدة الأمة من السلطات البريطانية، لكنه لم يرفض التعددية السياسية والتنوع جذريًا35. وفيما يتعلق بالأقباط، يلاحظ القرضاوي أن البنا اعتبرهم "إخوة في الوطن يشتركون في الحقوق والواجبات نفسها"36. كما رفض البنا الجزية، واعتبرها ممارسة "تاريخية" يجب إلغاؤها منذ أن أصبح الأقباط يدافعون عن الوطن بانضمامهم إلى الجيش37. يذكر قادة الإخوان التاريخيون أيضًا العلاقة الودية بين البنا والزعماء الأقباط خلال الثلاثينيات والأربعينيات38. فعلى سبيل المثال، يشير محمود عساف، وهو أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين الذين

  1. فهمي هويدي، مواطنون لا ذميون (القاهرة: دار الشروق، 1999)، ص.15
  2. Rachel M. Scott, The Challenge of Political Islam: Non-Muslims and the Egyptian State (Redwood City, CA: Stanford University Press, 2010), p. 129.
  3. Ibid., p. 130.
  4. Ibid., p. 131.
  5. يوسف القرضاوي، غير المسلمين في المجتمع الإسلامي (القاهرة: مكتبة وهبة،.)1985
  6. David H. Warren & Christine Gilmore, "One Nation under God? Yusuf al-Qaradawi's, Changing Fiqh of Citizenship in the Light of the Islamic Legal
  7. Mona El-Ghobashy, "The Metamorphosis of the Egyptian Muslim Brothers," The International Journal of Middle East Studies , vol. 37, no. 3 (2005), pp. 373-395; Nathan Brown & Clark Lombardi, "Islam in Egypt's new constitution," Foreign Policy , Carnegie Endowment for International Peace, 13/12/2012, accessed on 20/11/2018, at: https://bit.ly/2zAnzaF; خليل العناني، الإخوان المسلمون في مصر: شيخوخة تصارع الزمن؟ (القاهرة: دار الشروق الدولية،.)2007
  8. حسن البنا، مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا (القاهرة: دار الشروق الدولية، 2002)، ص.60
  9. مأمون الهضيبي، الإخوان المسلمون: 60 قضية ساخنة (القاهرة: دار التوزيع والنشر الإسلامية،.)1998
  10. البنا، ص.60
  11. يوسف القرضاوي، "الإخوان والأقليات الدينية"، ويكيبيديا الإخوان المسلمين، 2010/10/13، شوهد في 2018/11/20، في: https://bit.ly/2OvT5vA 38 محمود عساف، مع الإمام الشهيد حسن البنا (القاهرة: مكتبات عين شمس،.)1993
  12. Tradition," Contemporary Islam , vol. 8, no. 3 (2014), p. 13.

أمضوا بضع سنوات مع البنا، إلى أن البنا كان له علاقة مميزة بالعديد من القيادات القبطية، تعززت بعد زيارته صعيد مصر. إضافة إلى ذلك، يرى عساف أن بعض هؤلاء القادة طلبوا من البنا إنشاء قسم داخل جماعة الإخوان للأقباط يسمّى "الإخوان المسيحيون"39. ومع ذلك، فإن بعض الروايات تناقض هذه العلاقة الودية بين جماعة الإخوان والأقباط خلال عصر البنا. فعلى سبيل المثال، تشير فيفيان إبراهيم، إلى انتقاد العديد من الافتتاحيات، في الصحف المملوكة للأقباط، البنا والإخوان إلى الدرجة التي كتب فيها البنا رسالة مفتوحة إلى البابا يوساب الثاني (1956-1946) يشكو هذه الأفعال المهينة ضده وضد حركته40.

وعلى مدى العقود القليلة الماضية، نقحت جماعة الإخوان العديد من وجهات نظر البنا، خاصة فيما يتعلق بالتعددية السياسية وحقوق الأقباط وحقوق المرأة. وغيّ ت الجماعة هذه الآراء لتصبح أشد توافقًا مع الديمقراطية؛ فقد سعت لتحسين صورتها لدى القوى السياسية الأخرى والغرب، وكذلك لتعزيز قواعدها الانتخابية وإثراء نفوذها السياسي. لذا قبلت جماعة الإخوان التعددية السياسية وأصبحت نشطة في خوض العملية الانتخابية منذ بداية الثمانينيات. من ناحية أخرى، استطاعت الجماعة التواصل مع قوى سياسية وأيديولوجية مختلفة، وكذا بناء التحالفات مع الأحزاب الليبرالية والعلمانية واليسارية كما الحال في انتخابات 1984 و 1987 التي انعكست إيجابًا على حصيلة المقاعد التي فازوا بها في هذه الانتخابات41. أصدرت جماعة الإخوان المسلمين عددًا من البيانات خلال التسعينيات بوصفها مؤشرًا على التحول السياسي والعقائدي لديهم، مثل الاعتراف بالتعددية السياسية، واحترام المواطنة، وكذلك تشديدهم على الحقوق السياسية للأقباط والمرأة42. وكان البيان المرتبط بالتعددية السياسية وحقوق المرأة هو الأوسع انتشارًا في عام 1994. ويرى العديد من المراقبين أن البيان سمة مميزة في تصور جماعة الإخوان المسلمين للمواطنة ودلالة على تطورها الأيديولوجي عمومًا43. وفي عام 2004، أصدرت جماعة الإخوان المسلمين وثيقة عرفت بمبادرة الإخوان المسلمين للإصلاح السياسي؛ دعت فيها إلى إصلاح سياسي شامل في مصر44. واعترفت المبادرة الجديدة بالمواطنة والحقوق السياسية للنساء والأقباط، بما في ذلك حقهم في خوض الانتخابات البرلمانية والبلدية45. ولكن حدث تراجع في موقف الإخوان من الأقباط، وذلك بعد أن أصدرت الجماعة، أول مرة في تاريخها، مسودة لحزب سياسي وذلك في آب/ أغسطس 200746. وقد أثارت المسودة انتقادات عديدة خاصة لدى المثقفين ووسائل الإعلام في مصر؛ وذلك بسبب مضمونها الجامد والمحافظ. وطوال أسابيع، كانت المسودة موضوع نقاش مكثف؛ إذ أثارت مناقشات ساخنة بين المراقبين المصريين والغربيين. كما عارضها العديد من الشخصيات الإسلامية مثل هويدي والبشري، اللذين انتقدا المسودة والجماعة. جادل النقاد بأن المسودة تعكس الطابع الجامد والرجعي للإخوان47، في حين رأى آخرون أنها انعكاس للتوازن الداخلي للقوة داخل الحركة48. ولم تثِ المسودة مخاوف جدية بشأن الالتزام الديمقراطي من جانب جماعة الإخوان فحسب، بل

  1. المرجع نفسه، ص.35
  2. Vivian Ibrahim, The Copts of Egypt: The Challenge of Modernization and Identity (London: I.B. Tauris, 2011), p. 97.
  3. Carrie Rosefsky Wickham, Mobilizing Islam: Religion, Activism, and Political Change in Egypt (New York: Columbia University Press, 2002);
  4. El-Ghobashy, p. 376.
  5. Ibid.; هويدي؛ أميمة عبد اللطيف، "في ظل الإخوان: النساء في جماعة الإخوان المسلمين المصرية"، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، أوراق كارنيغي، العدد 13 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2008
  6. محمد مهدي عاكف، "مبادرة جماعة الإخوان المسلمين للإصلاح الداخلي في مصر"، الجزيرة نت، 2004/3/3، شوهد في 2018/11/20، في: https://bit.ly/2PGkBvj
  7. المرجع نفسه.
  8. برنامج حزب الإخوان المسلمين"، ويكيبديا الإخوان المسلمين، 2007/8/25، شوهد في 2018/11/20، في: https://bit.ly/2RDvtHu
  9. Abdel Monem Said Aly, "Understanding the Muslim Brothers in Egypt," Middle East Brief , no. 23 (December 2007); Mohamed El-Menshawy, "The Muslim Brotherhood shows its true colors," The Christian Science Monitor, 12/10/2007, acccessed on 20/11/2018, at: https://bit.ly/2DrmDK2; Marc Lynch, "The Brotherhood's Dilemma," Middle East Brief , no. 25 (January 2008). 48 العناني، الإخوان المسلمون في مصر؛ "د. حامد عبد الماجد في حوار مهم حول أزمة برنامج حزب الإخوان"، الإسلاميون اليوم، 2007/12/2، شوهد في 2018/11/20، في: https://goo.gl/9mBk6W
  10. هشام العوضي، صراع على الشرعية: الإخوان المسلمون ومبارك، 1982 - 2000 (لندن: توريس للدراسات الأكاديمية،.)2004

كانت أيضًا نكسة في ضوء مواقفها وتصريحاتها السابقة49. أول دعت المسودة إلى إنشاء مجلس العلماء للإشراف على التشريعات وتنقيحها قبل أن تتحول إلى قوانين (2007). اعتبر العديد من المراقبين جماعة الإخوان المسلمين جماعةً تحاول إنشاء دولة ثيوقراطية على النموذج الإيراني50. ويرى المنشاوي أن المجلس يذكّر بمجلس الوصاية الإيراني، وهذا الجهاز غير المنتخب على نحو غير منظم يمكن أن يتمتع بالصلاحيات التي تمنح الدولة حق النقض (الفيتو) وأي تشريع يصدره البرلمان المصري ويوافق عليه الرئيس بحجة عدم توافقه مع الشريعة الإسلامية51. كذلك كانت المسودة نكسة كبيرة لحقوق المواطنة للمرأة والأقباط؛ وذلك في ضوء التصريحات السابقة للإخوان، إذ لم تعطهم الحق في تول منصب رئاسة الجمهورية. سعت جماعة الإخوان المسلمين عقب الغضب الذي أثارته مسودة 2007 للتهدئة، والتقليل من المخاوف فيما يتعلق بموقفها تجاه المرأة والمجتمع القبطي. وتحقيقًا لهذه الغاية، أجرى الإخوان عدة مقابلات مع علماء مصريين وغربيين لاحتواء مخاوفهم من موقفها تجاه قضايا المواطنة. وعلاوة على ذلك، رفضت بعض الشخصيات الإصلاحية داخل جماعة الإخوان المسلمين، مثل عبد المنعم أبو الفتوح وجمال حشمت، المسودة العامة للحزب وشدّدا على حق المرأة والأقباط في تولّ الرئاسة52. على الرغم من ذلك، فإن هذه الجهود لم تؤثر إيجابًا في المواقف العامة لحقوق الأقليات في برنامج حزب الحرية والعدالة التابع للإخوان؛ إذ يعدّ نسخة معدلة من مسودة 2007 التي اختارت عدم تناول مسألة السماح للنساء والأقباط بالتنافس على الرئاسة53. وعلى الرغم من أن المسودة شددت على أهمية المواطنة وإدماج الأقباط، فإنها لم تقدم تفاصيل عن الكيفية التي يمكن من خلالها تحقيق ذلك. وعلى الرغم من تلبية الحاجات الاجتماعية والاقتصادية للمرأة، فإنها لم ترقَ إلى الاعتراف بحقوقها السياسية. اختار الإخوان، بدلً من حسم هذه القضية، أن يتناولوا المرأة بوصفها أمًّا على أمل تفادي الانتقاد والاستبعاد من القوى العلمانية والليبرالية54.

خامسًا: غموض الخطاب الإخواني تجاه الأقباط وازدواجيته

إن موقف الإخوان المسلمين وخطابهم بشأن المواطنة والحقوق السياسية لغير المسلمين مشكوك فيه وغامض55. ففي بعض الأوقات، يبدو تصور الإخوان منفتحًا ومتقدمًا، وفي أحوال أخرى، يبدو منغلقًا ومتراجعًا عما أحرزوه من تقدم في هذا الشأن. فبعد صدور بيان 1994 حول التعددية السياسية واحترام حقوق المواطنة، تراجعت الجماعة إلى التصورات الثيولوجية الكلاسيكية حول علاقة المسلمين وغير المسلمين. فعلى سبيل المثال، في مقابلة مع صحيفة الأهرام الأسبوعية في نيسان/ أبريل 1997، أشار المرشد العام للجماعة، مصطفي مشهور، إلى أن على الأقباط دفع الجزية بدلً من خدمتهم في الجيش56. تقول ماريز تادروس إن بيانًا مشهورًا جرى تفسيره على أنه اعتداء على مفهوم المواطنة المتساوية. ودانت القوى السياسية الأخرى وبعض أعضاء جماعة الإخوان المسلمين هذا البيان57.

في الوقت نفسه، تعارضت مسودة الحزب التي أصدرها الإخوان عام 2007 مع تصريحات الإخوان السابقة بشأن حقوق الأقليات. كما كانت متناقضة مع المواقف التي اتخذها بعض الإسلاميين، مثل العوا والبشري في هذا الصدد. فوفقًا لراشيل سكوت، يقول العوا والبشري إن غير المسلم يمكن أن يكون رئيسًا أو رئيسًا للوزراء بوصف هذه الوظائف في الدولة الحديثة وظائف مختلفة تمامًا عنها في نظام الخلافة الذي ساد في القرون الوسطى58. ويؤكد العوا والبشري حق المرأة والأقباط في الرئاسة، لأنها ليست الخلافة أو الولاية العظمى.

  1. عبد اللطيف، ص 13؛ هويدي.
  2. Aly, p. 5; El-Menshawy.
  3. El-Menshawy.
  4. إيمان عبد المنعم ومحمد بهاء، "حشمت وأبو الفتوح: نعم لتولي المرأة والقبطي الرئاسة"، الإسلاميون اليوم، 2007/10/7، شوهد في 2018/11/20، في: https://goo.gl/Frt2it؛
  5. القرضاوي، "الإخوان والأقليات الدينية."
  6. خليل العناني، "حزب 'الحرية والعدالة' الإخواني: هاجس الاستقلالية"، مركز كارنيغي
  7. العناني، الإخوان المسلمون في مصر؛ Lynch; Scott, The Challenge of Political Islam. 56 مصطفى مشهور، مقابلة صحفية، الأهرامالأسبوعية، العدد 409،.1997
  8. Lynch, p. 10.
  9. Mariz Tadros, The Muslim Brotherhood in Contemporary Egypt: Democracy Redefined or Confined? (London: Routledge, 2012), p. 89. 58 Scott, The Challenge of Political Islam , p. 151.
  10. للشرق الأوسط، 2011/6/1، شوهد في 2018/11/20، في: https://goo.gl/bZjHY3

ويمكن العثور على مزيد من التناقضات بشأن المواطنة والحقوق السياسية بين قيادات جماعة الإخوان المسلمين. ففي حين يتبنّى بعضهم موقفًا متحفظًا وجامدًا تجاه غير المسلمين، فإن بعضهم الآخر يتبنّى وجهات نظر أكثر تقدمية ومعتدلة. فعلى سبيل المثال، وبالمثل، أكد محمود عزت، الأمين العام السابق للإخوان، أنه لا يجوز السماح للأقباط والمرأة الخدمة في الرئاسة. شرح عزت موقف الحركة باتباع التقاليد الإسلامية وإجماع الفقهاء59. وجاء الموقف الأشد جمودًا الذي اتخذ بين قادة جماعة الإخوان المسلمين من مفتي الحركة الشيخ عبد الله الخطيب؛ فقد رفض بناء الكنائس واقترح ضرورة دفع الأقباط الجزية60. في المقابل، أظهر مهدي عاكف، المرشد العام السابع لجماعة الإخوان المسلمين، مرونة تجاه المجتمع القبطي وذلك فى حوار على قناة "دريم" في 12 حزيران/ يونيو 2006؛ إذ عدّ جماعة الإخوان المسلمين جماعة تحترم حقوق المواطنة وترفض أي تمييز ضد المسيحيين أو اليهود61. وأكد عاكف علاقته القوية بشخصيات في المجتمع القبطي، مثل منى مكرم عبيد، وأكد أن اللجنة السياسية للإخوان كان لها ثلاثة مستشارين أقباط في عهده62. من ناحية أخرى، أكد محمد حبيب، النائب السابق لعاكف، حقوق المواطنة للأقلية القبطية، ووصفهم بأنهم "شركاء في الوطن"، وادّعى أن هذا الفهم "متجذر بعمق داخل جماعة الإخوان المسلمين"63. وفضل عن ذلك، اعترف حبيب بأوجه القصور في تعديلات 2007، وذكر أن جماعة الإخوان المسلمين شكّلت لجنة إعادة صياغة للتعديلات64. على صعيد آخر، يؤكد عبد المنعم أبو الفتوح مرارًا أن غير المسلمين يجب أن يكون لهم "المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات"65، يُذكر أن أبو الفتوح عضو سابق في جماعة الإخوان المسلمين معروف بالتزامه بالقيم الديمقراطية، وفي عام 2012 كان أحد مرشحي الرئاسة. تتجلى الشكوك في نيات جماعة الإخوان في مخاوف المجتمع القبطي منهم؛ وتتفق سكوت وتادروس على أن موقف جماعة الإخوان الغامض من المواطنة قد خلق فجوة من عدم الثقة داخل المجتمع القبطي. يغذي هذا الغموضُ رواياتِ الدولة بأن المجتمع القبطي ليس آمنًا من الاضطهاد في ظل حكم الإسلاميين66. ترى سكوت أن كثيرين داخل الأقلية القبطية يشكّكون في جماعة الإخوان والجماعات الإسلامية الأخرى من وجود أجندة خفية تسعى للحد من حقوق المواطنة والعودة إلى نظام الجزية67. وتدّعي تادروس أن تحالف الإخوان مع الإسلامیین الذین تبنّوا آراء عدائیة تجاه غیر المسلمین یثیر الشکوك فیما یتعلق بمدى قدرة الإخوان علی تخفیف أفعالهم بشأن مسألة المواطنة68.

سادسًا: المواطنة في الممارسة العملية للإخوان المسلمين

أثارت ثورة يناير 2011 أملً في أن عهدًا جديدًا من احترام المواطنة وحقوق الإنسان كان في الأفق69. وكما أشارت تادروس، خلال 18 يومًا من الانتفاضة في ميدان التحرير، شعر الناشطون المسيحيون بأنهم أصبحوا مواطنين متساوين وأن الانتفاضة سوف تبشّ بعصر جديد من التماسك والتضامن الاجتماعيين70. وخلال حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال الفترة (شباط/ فبراير 2011 - حزيران/ يونيو 2012)، والإخوان المسلمين خلال الفترة (حزيران/ يونيو 2012 - حزيران/ يونيو 2013)، أصبحت آفاق التصور الشامل للمواطنة ميؤوسًا منها على نحو متزايد. وفي ظل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، دُمرت الكنائس القبطية وذُبح العديد من المسيحيين بلا رحمة71. يشير جايسون براونلي إلى أن "الأشهر الأولى بعد خلع مبارك كشفت أن الأقباط كانوا معزولين إن لم يكونوا محبطين"72. يسلّط براونلي

  1. عبد المعز محمد، "محمود عزت في حوار مثير: لا تجوز رئاسة الدولة للمرأة ولغير المسلم، سيد قطب لا يحمل فكرًا مخالفًا لتوجهات الجماعة، كامب ديفيد قابلة للتعديل والإلغاء"، الإسلاميون اليوم، 2007/10/25، شوهد في 2018/11/20، في:
  2. Saeed; Lynch. وفقًا لمارك لينش، اعتذر الخطيب عن بيانه، الذي أكد أنه رأيه الشخصي ولا يعكس موقف جماعة الإخوان المسلمين. ويقول لينش أيضًا إن مثل هذه التصريحات التحريضية زادت من انعدام الثقة والتشكك بين الأقباط والإخوان.
  3. Lynch, p. 7.
  4. محاسن السنوسي، "مرشد الإخوان لمجدي مهنا 'في الممنوع': ربنا يهدي الحكومة وتوافق على حزب للجماعة نقبل عضوية أي مسيحي أو يهودي يقبل فكر الإخوان"، المصري اليوم، العدد 726، 2006/6/12، شوهد في 2018/11/20، في: https://bit.ly/2SU6ukS
  5. Lynch, p. 6.
  6. Ibid.
  7. Scott, The Challenge of Political Islam , pp. 140-141. 66 Ibid.; Tadros, p. 98.
  8. https://goo.gl/vquVoD
  9. Scott, p. 182.
  10. Tadros, p. 90.
  11. Meijer.
  12. Tadros, p. 96.
  13. في 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، قتلت قوات الجيش والأمن نحو 28 شخصًا وجرحت نحو 200 متظاهر سلمي كانوا قد تجمّعوا أمام مبنى التلفزيون الحكومي، وباتت تُعرف على نطاق واسع باسم مذبحة ماسبيرو. وقد غضب المتظاهرون من هدم كنيسة جديدة بُنيت في أسوان.
  14. Jasonk Brownlee, "Violence Against Copts in Egypt," Carnegie Endowment for International Peace, 14/11/2013, p. 14, acccessed on 20/11/2018, at: https://bit.ly/2JK1kDN

الضوء على التمييز المضمن للدولة ضد المجتمع القبطي في ظل المجلس الأعلى للقوات المسلحة. على سبيل المثال، في 15 نيسان/ أبريل 2011، عيّ المجلس الأعلى للقوات المسلحة 20 محافظًا، واحد منهم فقط قبطي؛ اضطر المحافظ، سريعًا، إلى الاستقالة بعد أن عقد السلفيون تجمعات ضخمة ضد تعيينه73. لم يطرأ تحسن على وضع الأقباط في ظل رئاسة محمد مرسي؛ لأنه فشل في سد الفجوة وحالة انعدام الثقة بين الأقباط والإسلاميين، على الرغم من أنه عين سمير مرقص، الشخصية القبطية، مساعدًا له74. كما التقى مرسي بزعيم بارز في المجتمع القبطي بعد أن أقسم اليمين الدستورية75. في ذلك الاجتماع، شدّد مرسي على المساواة بين المسلمين والأقباط، ووعد بالحفاظ على خط التواصل مفتوحًا، ليل ونهارًا، بينه وبين الأقباط76. ومع ذلك، وبعد بضعة أشهر فحسب، تدهورت العلاقة بين الطرفين مع عودة الشكوك مرة أخرى. ومن ثم فإن خطاب جماعة الإخوان المسلمين تجاه المسيحيين خلال فترة حكم مرسي عزز مخاوفهم مما رأوه في أجندة مرسي الخفية. فعلى سبيل المثال، أصدر عبد الرحمن البر، وهو عضو في مكتب الإرشاد التابع لجماعة الإخوان المسلمين، فتوى تمنع المسلمين من تحية الأقباط خلال أعياد الميلاد77 قبل أن يتراجع عن ذلك بعد ردود الأفعال الغاضبة التي تلقّاها من وسائل الإعلام والناشطين السياسيين78. وعلاوة على ذلك، خلق التحالف بين جماعة الإخوان المسلمين والإسلاميين المحافظين الآخرين، كالسلفيين، مناخًا تحريضيًا أدى إلى وقوع العديد من الحوادث الطائفية خلال فترة حكم مرسي. فعلى سبيل المثال، في 5 نيسان/ أبريل 2013، قتل خمسة من الأقباط ومسلم في مدينة الخصوص في محافظة القليوبية شمال القاهرة؛ ما أدى إلى اندلاع العنف بين المسلمين والأقباط، وقد أسفر الحادث عن مقتل شخصين وإصابة 89 آخرين79. وبعد بضعة أيام، تفاقمت الحالة بسبب هجوم على الكاتدرائية القبطية الأرثوذكسية المصرية في أثناء جنازة أولئك الذين قتلوا قبل أيام فحسب. ارتبطت هذه الحوادث بعدم وجود رد فعل قوي من الرئاسة، ما أغضب المجتمع القبطي. انتقد البابا تاواضروس الثاني الرئيس مرسي واتهمه بتهميش الأقباط، وذلك في مقابلة له مع رويترز، وأوضح تاواضروس أن "هناك شعورًا بالظلم والتهميش والرفض، وهو ما يمكن أن نسميه العزلة الاجتماعية"80.

سابعًا: ما وراء الدين: الحسابات الاجتماعية والتنظيمية والسياسية للإخوان

لماذا تتبنّى جماعة الإخوان المسلمين مفهومًا غامضًا ومتناقضًا للمواطنة؟ أيكون السبب في ذلك مسألة أيديولوجية، أم أنها حسابات سياسية؟ بوصفها حركة اجتماعية بعيدة المدى ذات دائرة انتخابية متنوعة، فإن موقف جماعة الإخوان المسلمين من الأقباط يبدو مدفوعًا بمسائل اجتماعية وتنظيمية وسياسية. من الناحية الأيديولوجية، كما ناقشنا من قبل، فإن الحوار بين المفكرين الإسلاميين يدور حول حقوق المواطنة الكاملة بين المسلم وغير المسلم81. لذلك، فإن السؤال المنطقي هو: لماذا اختارت جماعة الإخوان المسلمين عدم تبنّي هذا الموقف التقدمي؟ يكمن الجواب في مصالحها الاجتماعية والتنظيمية والسياسية. وبوصفها حركة اجتماعية، تتخذ جماعة الإخوان المسلمين قراراتها على أساس حسابات عقلانية وإستراتيجية. تفسر جان كوهين "الحركات الاجتماعية بأنها الجهات الفاعلة العقلانية التي تبني إجراءاتها الخاصة على الحسابات الإستراتيجية"82. وتفخر جماعة الإخوان بمداولاتها الشاملة عند اتخاذ قرارات إستراتيجية، وهي عملية يحكمها إلى حد كبير تحليل التكلفة والفوائد. وبناءً عليه، يمكن فهم منطق تبنّي موقف غامض بشأن الأقليات، مثل الأقباط في إطار ثلاث مصالح إستراتيجية رئيسة: تعزيز الدعم الاجتماعي للحركة، والحفاظ على تماسكها التنظيمي، واسترضاء الجماعات الإسلامية المحافظة من أجل تأمين دعمها ضد غير الإسلاميين.

  1. Ibid.
  2. Agence France Presse, "Morsi appoints Christian, woman as assistants," The Daily Star, 27/8/2012, acccessed on 20/11/2018, at: https://bit.ly/2F98S47
  3. Ahmed Mustafa, "Morsi meets with Coptic leaders, fails to soothe tense Christians," Al-Monitor, 28/7/2012, accessed on 20/11/2018, at: https://bit.ly/2qxz52c
  4. Ibid.
  5. سهيل محمود، "عبد الرحمن البر: ما زلت مصرًّا على عدم تهنئة المسيحيين بعيد القيامة"، اليوم السابع، 2013/‏5/‏27، شوهد في 2018/11/20، في: https://goo.gl/14EaXU
  6. محمد عبد الرءوف، "تهنئة الأقباط ب 'عيد الفصح' تثير جدلً في مصر: الإخوان تناقض عقيدتنا.. والسلفيون لا تجوز شرعًا"، الشرق الأوسط، العدد 12573، 2013/5/1، شوهد في 2018/11/20، في: https://bit.ly/2F97uhV
  7. المرجع نفسه.
  8. Yasmine Saleh & Paul Taylor, "Egypt's Pope says Islamist rulers neglect Copts," Reuters , 26/4/2013, accessed on 20/11/2018, at: https://goo.gl/ UJz8kG
  9. هويدي؛ محمد سليم العوا، النظام السياسي للدولة الإسلامية (القاهرة: دار الشروق، 1989)؛ راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1993
  10. Jean cohen, "Strategy or Identity: New Theoretical Paradigms and Contemporary Social Movements," Social Research , vol. 52, no. 4 (1985), p. 707.

1. الحساسيات الاجتماعية

تعمل جماعة الإخوان المسلمين داخل مجتمع محافظ وعلى درجة عالية من البطريركية. ووفقًا لبيانات مسحية، تعتمد الغالبية العظمى من المصريين على آراء المحافظين وغير الليبراليين تجاه غير المسلمين؛ فقد أظهر استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث في عام 2013 أن 74 في المئة من المصريين يعتقدون أن الشريعة يجب أن تكون القانون الرسمي للبلاد83. ويبرز الاستطلاع نفسه وجهات النظر المحافظة بين المصريين تجاه حقوق المرأة ودور المرأة في المجتمع عمومًا؛ إذ يعتقد 54 في المئة من المصريين أن النساء يجب أن يرتدين الحجاب، و 85 في المئة يعتقدون أن الزوجة يجب أن تطيع زوجها دائمًا، و 22 في المئة فحسب يعتقدون أن للمرأة الحق في الطلاق، و 26 في المئة يفضّ لون المساواة في الميراث بين الأبناء والبنات84. والأشد إثارة للاهتمام هو أن مصر هي البلد الوحيد الذي يقول فيه أكثر من عشُر (12 في المئة) مجموع السكان المسلمين أنه من الجيد أن غير المسلمين لا يتمتعون بالحرية لممارسة شعائرهم85. لذلك، من أجل تجنّب إغفال هذه الدائرة المحافظة المهمة حتى الآن اجتماعيًا وثقافيًا، فإن جماعة الإخوان المسلمين تميل إلى تبنّي مواقف غير ليبرالية محافظة، خاصة فيما يتعلق بالأقليات الدينية. وعندما سئل مهدي عاكف عن سبب عدم سماح مسودة عام 2007 للمرأة أو الأقباط بتولّ الرئاسة، أجاب "لأنه ليس من الواقعي القيام بذلك في بلد ذي أغلبية مسلمة"86. وبالمثل، أكد رفيق حبيب، وهو مسيحي قبطي عمل مستشارًا سياسيًا لمهدي عاكف، أن "المصريين لن يدعموا امرأة ولا قبطيًا في الانتخابات الرئاسية، فلماذا يجب على جماعة الإخوان المسلمين أن تفعل ذلك؟"87. لذلك فإن جماعة الإخوان المسلمين تبدو أشد حرصًا على الحفاظ على قواعدها الاجتماعية المحافظة من حرصها على تقديم خطاب ديني وسياسي متطور. وهو ما يعكس ارتباكًا وازدواجية، كما أشرنا من قبل. فالجماعة تشارك في الانتخابات ولا تريد أن تخسر أصوات مؤيديها إذا ما تبنّت رؤى أكثر تقدمية من الحقوق السياسية لغير المسلمين.

2. التماسك التنظيمي

تعدّ جماعة الإخوان المسلمين حركة اجتماعية غير متجانسة. فهي مجموعة معقدة ومتنوعة تضم العديد من الأعضاء الذين ينتمون إلى خلفيات وطبقات اجتماعية مختلفة، ولا سيما الطبقات الدنيا وما تحت الطبقة الوسطى. على مدى العقدين الماضيين، شهدت الحركة تغييرات أعادت تشكيل هيكلها التنظيمي وأثّرت في رؤيتها للعالم، التي أصبحت أشد تحفظًا وأقل تسامحًا تجاه التعددية السياسية والدينية. يشير حسام تمّام إلى أن جماعة الإخوان المسلمين شهدت تحولات كبيرة سواء في هيكلها الداخلي أو القيم التي تؤمن بها، وأصبحت أشد تقليدية وجمودًا. ويشير إلى هذه التغييرات على أنها "ترييف الإخوان المسلمين"، والتي تعد بمنزلة انقطاع عن الطبيعة الأساسية لجماعة الإخوان المسلمين بوصفها مجموعة حضرية فيما يتعلق بالعضوية والتجنيد واللوائح والمبادئ التوجيهية88. وقد حدّت هذه التغييرات من قدرة الإخوان على تبنّي آراء أشد ليبرالية وتقدمية. وليس من المستغرب أن هناك تفاوتًا طفيفًا بين آراء الأجيال القديمة والشابة بشأن حقوق الأقباط. ويؤكد العناني أن 23 في المئة فحسب من الشباب في جماعة الإخوان يتفقون على أن الأقباط لهم الحق في أن يتولوا رئاسة الدولة، ولا يعتقد أي منهم، تقريبًا، وجوب أن يكون للمرأة الحق نفسه89. وعلاوة على ذلك، كان مشروع برنامج الإخوان لعام 2007 الذي يقلص من الحقوق السياسية للمرأة والأقباط موضع مداولات داخلية واسعة النطاق، شهدت مشاركة الأعضاء جميعًا تقريبًا في مناقشات حول الموضوع في الفروع الإقليمية والمحلية. بل الأكثر من ذلك، فهناك من الإخوان المسلمين من رأى في برنامج الحزب أنه أشد ليبرالية وأقل إسلاموية90. من ناحيةٍ أخرى، يؤدي ميزان القوى داخل جماعة الإخوان عاملً في تفضيل وجهات نظر أشد تحفظًا. إن القيادة الحالية للإخوان تمتلك فهمً تقليديًا ومثيرًا للجدل فيما يتعلق بمفهومها للمواطنة على أساس التفسير الكلاسيكي للتعاليم الإسلامية. فعلى سبيل المثال، دافع محمد بديع، المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، عن موقف حركته تجاه الأقباط من خلال الإشارة إلى الأحكام الفقهية التقليدية التي تحظر على غير المسلم أن يصبح رئيسًا للدولة. فقد أشار إلى أن للدولة واجبات دينية معينة لا يستطيع غير المسلمين القيام بها91.

  1. Pew Research Center, "The World's Muslims: Religion, Politics and Society," Polling and Analysis , 30/4/2013, accessed on 20/11/2018, at: https://goo.gl/Bpj2UH
  2. Ibid.
  3. Ibid.
  4. مهدي عاكف، مقابلة شخصية، القاهرة،.2009/5/25
  5. رفيق حبيب، مقابلة شخصية، القاهرة،.2009/5/25
  6. Hossam Tammam, "The Ruralization of the Muslim Brotherhood: How Urbanism Retreated in Favor of Ruralism," Marased , no. 3 (2012), p. 5.
  7. العناني، الإخوان المسلمون في مصر، ص.91
  8. Lynch, p. 6.
  9. شعبان هدية، "القيادى الإخوانى د. محمد بديع: المرأة والقبطى لا يصلحان للرئاسة"، اليوم السابع، 2009/11/5، شوهد في 2018/11/20، في: https://goo.gl/KGDs1G

ويعتقد العديد من قادة الإخوان أن المساواة الكاملة بين الجنسين والمواطنة الكاملة غير قابلة للتطبيق.

3. الحسابات السياسية

يمكن تفسير موقف الإخوان تجاه حقوق المواطنة من خلال النظر في التحالفات التي عقدتها مع الجماعات الإسلامية المحافظة الأخرى، ولا سيما السلفيين، فعلى الرغم من العمل ضمن مجال ديني شديد التنافس، فإن جماعة الإخوان المسلمين لا تزال حريصة دائمًا على التركيز على ما يتعلق بالجوانب الدينية. ولكن على الرغم من هذه المنافسة، فإن قادة الإخوان يعتقدون بأنهم يستطيعون استيعاب الجماعات الإسلامية الأخرى والحصول على دعمها. لذلك نلحظ التحول في خطاب جماعة الإخوان المسلمين أثناء الانتخابات أو مراحل الصراع السياسي تجاه غير الإسلاميين، ويكونون بذلك أشد استعدادًا لتقديم تنازلات أيديولوجية ودينية للإسلاميين الآخرين من أجل ضمان المساندة والدعم. ظهر ذلك بصورة جليّة بعد ثورة يناير 2011 عندما كان الإخوان حريصين على استرضاء السلفيين وضمان دعمهم ضد القوات المسلحة وكذلك القوى غير الإسلامية. فعلى سبيل المثال، سعى خيرت الشاطر، الزعيم المخضرم للإخوان، لاستيعاب الجماعات السلفية والشيوخ وتشكيلها من خلال تشكيل الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح. ضمت الهيئة 16 شخصية من الاتجاهات الإسلامية كافة، بما في ذلك العديد من الشخصيات السلفية المؤثرة، مثل الشيخ محمد حسان والشيخ محمد عبد المقصود والشيخ عبد الله شاكر. وبينما كان الشاطر مرشحًا للرئاسة في نيسان/ أبريل 2012، وعد الشاطر الجماعة بأن هدفه الرئيس هو تطبيق الشريعة. وقال إن "الشريعة كانت وستظل دائمًا أول وآخر مشروع وهدف في حياته"92. علاوة على ذلك، فإن دستور عام 2012 كان موضع مفاوضات وحلول توفيقية بين الإخوان وحزب النور السلفي، وذلك لضمان تمريره من خلال سعي الإخوان لاسترضاء القوى السلفية. وعلى الرغم من أن المادة الثانية من الدستور تنص على أن مبادئ الشريعة هي المصدر الرئيس للتشريع، فإن السلفيين رأوا أن تكون الصيغة أوضح، وفي الحصيلة، سعوا لضمان تفسير هذه المبادئ من جانب علماء يثقون بهم93، ومن ثم ضغطوا على جماعة الإخوان المسلمين؛ إما لتغيير المادة الثانية لتكون أشد تحديدًا، أو إضافة مادة تفسيرية أخرى، اعترف الإخوان بهذه الأخيرة. ونتيجة لذلك، أضيفت المادة 219 إلى الدستور، وفتحت الباب لتفسير أشد صرامة للشريعة. يرى ناثان براون أن المادة 219 لم يجرِ وضعها من خلال المناقشات الفكرية فحسب، ولكن من خلال السياسة الصعبة. وهو يفسر موقف السلفيين الصارم بالرغبة في تأكيد أن المبادئ في المادة الثانية، على الأقل، قد طمست في بعض النواحي، حتى لو تم ذلك بطريقة مفرطة في التفسير العلمي94. وعلى الرغم من الأخطاء التي وقعت فيها جماعة الإخوان المسلمين، فيما يتعلق بمفهوم المواطنة، فإنه لا يمكننا بأي حال من الأحوال إخراج ذلك من سياقاته السياسية والزمنية، لا سيما فيما يتصل بالبيئة القمعية التي عملت فيها الحركة على مدى العقود الثلاثة الماضية؛ إذ استبعد نظام مبارك الإخوان وقمعهم على نحو منهجي. كما حرص على منع جماعة الإخوان من التواصل مع المجتمع وبناء علاقة جيدة بالقوى السياسية والدينية الأخرى.

خاتمة

تطورت المواطنة بوصفها مفهومًا يعكس مجموعة من الحقوق في العقود الأخيرة. كما أن فهمنا لكيفية الحفاظ على هذه الحقوق وممارستها قد تحوّل تحولً كبيرًا. ويتجنب نموذج المواطنة "الجامع" التمييز القائم على أساس الدين أو الجنس أو العرق، وبناءً عليه، أصبح النموذج السائد في أنحاء العالم المتقدم جميعًا. ومع ذلك، تكشف دراسة المجتمعات الأخرى عن عالمية حقوق المواطنة أبعد ما تكون عن تحقيقها. ولا يزال التمييز ضد المرأة، واستبعاد الأقليات، وتهميش الفئات المحرومة، منتشرًا في كثير من بلدان العالم. تعتمد هذه البلاد على إنتاج النموذج التقليدي للمواطنة، الذي يميل إلى استبعاد الجماعات على أساس الجنسية أو الاختلافات الثقافية أو الوضع الاجتماعي. وعلاوة على ذلك، وكما تبيّ هذه الدراسة، فإن الميل إلى الاستبعاد والتمييز ضد فئات معينة يمكن أن يكون مدفوعًا أيديولوجيًا وسياسيًا. إن التصور الغامض والمتناقض حول المواطنة لدى جماعة الإخوان المسلمين يعكس عدم قدرتها على اعتماد نموذج أشمل للمواطنة. تشكَّل هذا التصور من خلال أيديولوجيا الحركة الدينية وحساباتها السياسية. وتعمل جماعة الإخوان ضمن مجتمع تقليدي محافظ يميل إلى معاملة المرأة وغير المسلمين بوصفهم مواطنين من الدرجة الثانية. تعقّد هذه البيئةُ قدرة جماعة الإخوان على تغيير موقفها من حقوق المواطنة تجاه الأقباط والمرأة. وكباقي الفواعل السياسية، يميل الإخوان إلى استرضاء جمهورهم وحلفائهم المحافظين على حساب

  1. Egypt Brotherhood candidate says sharia is main goal," Reuters , 5/4/2012, accessed on 20/11/2018, at: https://goo.gl/XHPS8N
  2. Brown & Lombardi.
  3. Ibid.

الأقليات. ومن المفارقات أن جماعة الإخوان ضاعفت من تحفظها بعد ثورة يناير 2011 بدلً من انفتاحها. وقد اختارت التحالف مع السلفيين وغيرهم من الإسلاميين المحافظين من أجل إحداث التوازن مع قوة المؤسسة العسكرية وكذلك مؤسسات "الدولة العميقة" (أي وزارة الداخلية والقضاء وبيروقراطية الدولة). ومن أجل إرضاء هؤلاء الحلفاء الجدد، اضطرت جماعة الإخوان المسلمين إلى تقديم تنازلات أيديولوجية وسياسية أثرت سلبًا في صورتها في العديد من الدوائر. يعدّ الإخوان المسلمون الفاعل الرئيس في المجتمع المصري؛ إذ خلَّف غيابهم تأثيرًا سلبيًا في الساحة السياسية في مصر، لذا يجب أن تتخلى جماعة الإخوان عن وجهات نظرها التقليدية والمتناقضة بشأن المواطنة من أجل إطار أشمل للعودة فاعلً رئيسًا في السياسة المصرية كما كانت في السابق.

المراجع

العربية

البنا، حسن. مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا. القاهرة: دار الشروق الدولية،.2002 عبد اللطيف، أميمة. "في ظل الإخوان: النساء في جماعة الإخوان المسلمين المصرية". مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. أوراق كارنيغي. العدد 13 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2008 عساف، محمود. مع الإمام الشهيد حسن البنا. القاهرة: مكتبات عين شمس،.1993 العناني، خليل. الإخوان المسلمون في مصر: شيخوخة تصارع الزمن؟ القاهرة: دار الشروق الدولية،.2007 العوا، محمد سليم. النظام السياسي للدولة الإسلامية. القاهرة: دار الشروق،.1989 العوضي، هشام. صراع على الشرعية: الإخوان المسلمون ومبارك، 2000-1982. لندن: توريس للدراسات الأكاديمية،.2004 الغنوشي، راشد. الحريات العامة في الدولة الإسلامية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1993 القرضاوي، يوسف. غير المسلمين في المجتمع الإسلامي. القاهرة: مكتبة وهبة،.1985 الهضيبي، مأمون. الإخوان المسلمون: 60 قضية ساخنة. القاهرة: دار التوزيع والنشر الإسلامية،.1998 هويدي، فهمي. مواطنون لا ذميون. القاهرة: دار الشروق،.1999

الأجنبية

Aly, Abdel Monem Said. "Understanding the Muslim Brothers in Egypt." Middle East Brief. no. 23 (December 2007) Braude, Benjamin. Christians and Jews in the Ottoman Empire. Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 2014. Brown, Nathan & Clark Lombardi. "Islam in Egypt's new constitution." Foreign Policy. Carnegie Endowment for International Peace. 13/12/2012. at: https://bit. ly/2zAnzaF Brownlee, Jasonk. "Violence Against Copts in Egypt." Carnegie Endowment for International Peace. 14/11/2013. at: https://bit.ly/2JK1kDN Challand, Benoît. "Citizenship Against the Grain: Locating the Spirit of the Arab Uprisings in Times of Counterrevolution." Constellations. vol. 20. no. 2 (2013). Cohen, Jean. "Strategy or Identity: New Theoretical Paradigms and Contemporary Social Movements." Social Research. vol. 52. no. 4 (1985). Delanty, Gerard. "Models of Citizenship: Defining European Identity and Citizenship." Citizenship Studies. vol. 1. no. 3 (1997). El-Ghobashy, Mona. "The Metamorphosis of the Egyptian Muslim Brothers." The International Journal of Middle East Studies. vol. 37. no. 3 (2005). El-Menshawy, Mohamed. "The Muslim Brotherhood Shows its True Colors." The Christian Science Monitor. 12/10/2007. at: https://bit.ly/2DrmDK2 Furman, Uriah. "Minorities in Contemporary Islamist Discourse." Middle Eastern Studies. vol. 36. no. 4 (2000). Hindess, Barry. "Neo-liberal Citizenship." Citizenship Studies. vol. 6. no. 2 (2002). Ibrahim, Vivian. The Copts of Egypt: The Challenge of Modernization and Identity. London: I. B. Tauris, 2011.

Isin, Engin F. & Bryan S. Turner. "Investigating Citizenship: An Agenda for Citizenship Studies." Citizenship Studies. vol. 11. no. 1 (2007). Lister, Ruth. "Inclusive citizenship: Realizing the Potential." Citizenship Studies. vol. 11. no. 1 (2007). Lynch, Marc. "The Brotherhood's Dilemma." Middle East Brief. no. 25 (January 2008). Marshall, Thomas H. Class, Citizenship and Social Development. New York: Anchor, 1950. Mustafa, Ahmed. "Morsi meets with Coptic leaders, fails to soothe tense Christians." Al-Monitor. 28/7/2012. at: https://bit.ly/2qxz52c Pew Research Center. "The World's Muslims: Religion, Politics and Society." Polling and Analysis. 30/4/2013. at: https://goo.gl/Bpj2UH Saeed, Abdullah. "Rethinking Citizenship Rights of Non-Muslims in an Islamic State, Rashid al- Ghannushi, Contribution to the Evolving Debate." Islam and Christian-Muslim Relations. vol. 10. no. 3

Scott, Rachel M. "Contextual Citizenship in Modern Islamic Thought." Islam and Christian-Muslim Relations. vol. 18. no. 1 (2007). _______. The Challenge of Political Islam: Non-Muslims and the Egyptian State. Redwood City, CA: Stanford University Press, 2010. Sevenson, Nickt. Cultural Citizenship: Cosmopolitan Questions. Berkshire, UK: Open University Press, 2013. Tadros, Mariz. The Muslim Brotherhood in Contemporary Egypt: Democracy Redefined or Confined? London: Routledge, 2012. Tammam, Hossam. "The Ruralization of the Muslim Brotherhood: How Urbanism Retreated in Favor of Ruralism." Marased. no. 3 (2012). Turner, Bryan. The Religious and the Political: A Comparative Sociology of Religion. Cambridge: Cambridge University Press, 2013. Van Der Heijden, Hein-Anton (ed.). Handbook of Political Citizenship and Social Movements. Cheltenham, UK: Edward Elgar Publishing, 2014. Warren, David H. & Christine Gilmore. "One Nation under God? Yusuf al-Qaradawi's, Changing Fiqh of Citizenship in the Light of the Islamic Legal Tradition." Contemporary Islam. vol. 8. no. 3 (2014). Wickham, Carrie Rosefsky. Mobilizing Islam: Religion, Activism, and Political Change in Egypt. New York: Columbia University Press, 2002.