تثبيط مجتمع مُعبّأ: أثر السلطة الفلسطينية في المشاركة السياسية

D De-mobilizing a Mobilized Society: The Effect of the Palestinian Authority on Political Engagement

دانا الكرد| Dana El Kurd *

الملخّص

يجد المجتمع الفلسطيني نفسه مستقطبًا ومثبطًا، على الرغم من ارتفاع مستويات التعبئة الجماهيرية في الماضي. وباتت السلطة الفلسطينية اليوم تمسك بمقاليد الحكم وتكتسب طابعًا استبداديًا متناميًا. لكن هذه السلطة لا تبسط سيطرتها الكاملة على أراضيها؛ إذ تتفاوت درجة سيطرتها تبعًا لإعان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي (اتفاقية أوسلو). ويسمح لنا هذا التفاوت في السيطرة بعزل أثر الطابع الاستبدادي للسلطة الفلسطينية في أشكال التعبئة والديناميات الاجتماعية. وباستخدام مجموعة أولية من البيانات وتقييم كيفي للتطور التاريخي للسلطة الفلسطينية، نجد أن التعبئة تراجعت على نحو منتظم في الأماكن التي تحظى السلطة فيها بسيطرة مباشرة. ومن المفاجئ أن التعبئة السياسية أوسع انتشارًا في المناطق الخاضعة لاحتال المباشر. وتشير النتائج إلى أن للسلطة الفلسطينية دورًا مباشرًا في هذه الدينامية، عبر آليات الاحتواء والقمع؛ إذ أدت إستراتيجيات القمع إلى تراجع القدرة على الحشد والتعبئة.

Abstract

Despite high levels of mass mobilization in the past, Palestinian society today finds itself polarized and demobilized. The Palestinian Authority (PA) has gained control as a governing apparatus and has become increasingly authoritarian in nature. But the PA does not have complete control over the territories. This variation in control allows isolation of the effect of the PA's authoritarian nature on mobilization patterns and social dynamics. The study argues that mobilization has systematically declined in places where the PA has more direct control. Counter-intuitively, political mobilization today is more prevalent in areas under direct Israeli occupation. Findings suggest the PA has a direct role in this dynamic, using selective cooptation and repression. Overall, authoritarian strategies in the Palestinian territories have led to decreased capacity for mobilization.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

مقدمة

فجّر السكان الفلسطينيون في أواخر ثمانينيات القرن الماضي سلسلة احتجاجات عمّت الضفة الغربية وقطاع غزة، احتجاجًا على عشرين عامًا من الاحتلال1. وتمكّن الفلسطينيون من مواصلة معظم احتجاجاتهم الواسعة والسلمية، مستفيدين من القدرات التنظيمية لمؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني، على الرغم من السيطرة العسكرية المطلقة على تلك الأراضي والثمن الباهظ لتلك الاحتجاجات2. لكن الظروف في الأراضي الفلسطينية اليوم هي على العكس من ذلك؛ إذ لا يزال الاحتلال العسكري قائمًا، بينما تسيطر السلطة الفلسطينية، وهي الجهاز الوطني الحاكم، على بعض المناطق سيطرة مباشرة، مع أن الصعوبات لا تزال قائمة؛ نظرًا إلى توقف المفاوضات المتعلقة بإقامة الدولة إلى أجل غير مسمى. وعلى الرغم من أن ظروف حياة الفلسطينيين اليومية لا تزال نفسها إلى هذا الحد أو ذاك، فإنه لم يعد بمقدورهم تنظيم أنفسهم على نحو فعّال كما في الماضي. فإذا اعتبرنا أنهم تعبوا، فهل يمكن اعتبار التعب الفردي مسؤولً عن تثبيط همة شعب كانت مشاركته السياسية في يوم من الأيام كبيرة ولديه مجتمع مدني قوي وقدرات عالية على الفعل الجماعي؟ يعيش 90 في المئة من السكان الفلسطينيين اليوم في مناطق سيطرة السلطة الفلسطينية، ويتمتعون كما يفترض بدرجة عالية من تقرير المصير والحرية، ورُفعت عنهم قليلً وطأة الاحتلال العسكري المباشر3. وتوسعت السلطة الفلسطينية لتصبح أشد استبدادًا وقمعًا على نحو متزايد، وبات العزوف عن المشاركة شائعًا على نطاق واسع، كما يتضح من ضعف تعبئة منظمات المجتمع المدني وتراجع كفاءتها4. ولذلك يطرح السؤال التالي نفسه: ما أثر السلطة الفلسطينية في المشاركة والتعبئة السياسية؟ تقدّم لنا الأدبيات التي تبحث في العوامل المحددة لنجاح الحركات الاجتماعية والمجتمع المدني فهمً معينًا لشروط التعبئة السياسية القوية. مثلً، بيّ بعض الأبحاث كيف يمتلك المجتمع المدني الذي يبني لنفسه "رأس مالٍ اجتماعيًا" تأثيرًا شديدًا في مخرجات الحكم الرشيد، على صورة كفاءة مؤسسية5. كما اعتبُرت "بنية" الفرص/ المعوقات السياسية، وأشكال التنظيم المتاحة للمواطنين، والعمليات التي "تصوغ" القضايا (وتحيل الفرصة إلى فعل)، جميعها عوامل حاسمة في نجاح الحركات الاجتماعية6. وتبرز المجتمعات والشبكات الاجتماعية القوية تحديدًا بوصفها على صلة بقرار الفرد بالمشاركة، وتؤثر لاحقًا في نجاح الحركة كلها. بيْد أن قليلً من الأبحاث والدراسات الأكاديمية تركّز على تراجع العمل الجماعي للحركات الاجتماعية. تساعدنا حالة الأراضي الفلسطينية، التي وُجدت فيها ذات يوم مؤسسات ومجتمعات قوية جعلت العمل الجماعي ممكنًا وفعالً، في إلقاء نظرة على هذه الدينامية البديلة. ونحن نعتقد أن حالة السلطة الفلسطينية تساعدنا في تسليط الضوء على بعض الشروط العامة التي يمكن أن تتدهور في ظلها المشاركة/ التعبئة السياسية. وتفحص هذه الدراسة كذلك الديناميات على المستوى الاجتماعي، بدلً من بحث "تكلفة المشاركة" على المستوى الفردي، وهذا يفسّ على نحو أفضل أنماط التعبئة السياسية. تقيّم هذه الدراسة الأثر المستقل للسلطة الفلسطينية في التعبئة السياسية؛ إذ نتج من الاتفاقية الفلسطينية - الإسرائيلية الثانية، التي وُقّعت عام 1995، مستويات مختلفة من سيطرة السلطة الفلسطينية على مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة. ولم يكن للقرارات الخاصة بحدود سيطرة السلطة علاقة بالسكان الفلسطينيين أنفسهم، بل بكثافة المستوطنات الإسرائيلية في كل منطقة. وقد استُخدم هذا المتغير لتقييم العلاقة السببية للسلطة الفلسطينية ذاتها. وستبيّ الدراسة أن درجة المظالم الناجمة عن التحريض الإسرائيلي لم تتغير بين منطقة وأخرى، ويمكن إذًا اعتبارها ثابتًا. باختصار، توصّلت الدراسة إلى أن التعبئة السياسية قد تراجعت على نحو منتظم في الأماكن التي تحظى فيها السلطة الفلسطينية بسيطرة مباشرة أقوى. وتوجد التعبئة السياسية على نحو أوسع فعليًا في المناطق الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي المباشر، على الرغم من أن مناطق الضفة الغربية الثلاث جميعها تتعرض للقمع الإسرائيلي. وتبيّ هذه النتيجة أن للسلطة الفلسطينية، في الواقع، دورًا في تراجع مستوى التعبئة والمشاركة السياسية. ولمعرفة كيف مارست السلطة الفلسطينية هذا التأثير، تحلل الدراسة تطورها مع الزمن مستخدمةً بيانات كيفية. وتبيّ النتائج أن النظام، بعد نشوء السلطة الفلسطينية مباشرة، طوّر شبكات من الزبائنية

  1. اندلعت الاحتجاجات إثر اشتباكات مع الجيش الإسرائيلي، ولم تتقدم المنظمات السياسية إلا لاحقًا لتنظيم هذه الاحتجاجات والعمل بصفة مشتركة.
  2. Wendy Pearlman, "Precluding Nonviolence, Propelling Violence: The Effect of Internal Fragmentation on Movement Protest," Studies in Comparative International Development , vol. 47, no. 1 (2012), pp. 23-46
  3. International Crisis Group (ICG), "Squaring the Circle: Palestinian Security Reform under Occupation," Middle East Report , no. 98 (September
  4. Steven Levitsky & Lucan Way, Competitive Authoritarianism: Hybrid Regimes after the Cold War (New York: Cambridge University Press, 2010).
  5. Amaney Jamal, Barriers to Democracy: The Other Side of Social Capital in Palestine and the Arab World (Princeton, NJ: Princeton University Press,
  6. Doug McAdam et al. (eds.), Comparative Perspectives on Social Movements: Political Opportunities, Mobilizing Structures, and Cultural Framings (Cambridge: Cambridge University Press, 1996).

في سبيل "ربط" شرائح السكان المختلفة بها؛ على نحو أدى إلى نشوء استقطاب داخل المجتمع لا يزال قائمًا حتى اليوم. بيْد أن نجاح هذه الإستراتيجية كان محدودًا بسبب استمرار الدعم الخارجي على نحو مشروط. وأدى الإحباط، مرة أخرى، إلى اندلاع انتفاضة ثانية، إلى جانب معارضة حكم السلطة الفلسطينية. وانتقل النظام في السنوات الأخيرة إلى التركيز على قدرته القمعية، واعتمد أكثر فأكثر على القمع ليسيطر على التعبئة السياسية في أنحاء المناطق الواقعة تحت السلطة. وأدت هذه الإستراتيجية القمعية إلى استقطاب الجماعات السياسية وتشرذمها إلى درجة أكبر حتى مما كانت عليه من قبل. ونتج من تلك الإستراتيجيات الاستبدادية للسلطة الفلسطينية بصورة عامة تراجع في مستوى التعبئة السياسية في سائر مناطقها.

أولا: الأدبيات التحفيزية

إن التعبئة السياسية غير المرتبطة بنظام استبدادي تعرّض للخطر قدرات النظام على السيطرة في المستقبل. ولقد أظهرت الأدبيات، في الحقيقة، أن التعبئة السياسية الجماهيرية هي الآلية الرئيسة لتحقيق الديمقراطية المفروضة ذاتيًا7. لذلك تنشأ لدى الأنظمة الاستبدادية حاجة ملحّة إلى السيطرة على أي شكل مهم من التعبئة السياسية أو قمعها8. ومما لا شك فيه، أن مستوى الاستبداد يختلف بين نظام استبدادي وآخر، إلا أن الإستراتيجيات تبقى نفسها تمامًا، فالأنظمة الاستبدادية جميعًا تستخدم مزيجًا من الاحتواء والتطويع بالقوة لتحقيق أهدافها. ولعل الأنظمة الأقل استبداديةً تلجأ إلى الاحتواء أكثر من القمع، وذلك عبر أحزاب حاكمة كبيرة وشبكات زبائنية موسعة9. أما الأنظمة الأكثر استبدادية، فلا يتوافر لديها هذا النوع من المؤسسات، لذلك تعتمد بصورة متزايدة على قدراتها القمعية لكبح التعبئة والمشاركة10. ويبقى الهدف إما الحد من المظالم عبر احتواء المواطنين، وإما العمل على ألّ تتم ترجمة هذه المظالم إلى فعل مباشر أو تعبئة. وتفترض الأنظمة الاستبدادية في معظم الحالات أن الأثمان التي قد يتحمّلها الفرد (مثل التهديد بالقمع و/ أو الحرمان من منافع الزبائنية) كافية للحد من المظالم التي تقود إلى التعبئة السياسية. فعلى سبيل المثال، تناقش أماني جمال كيف أصبحت منظمات المجتمع المدني مؤيدةً النظام الاستبدادي نتيجةً لمنافع الزبائنية، التي تأخذ شكل تمويل مباشر لمنظمات بعينها11. وفي غير هذه الحالات، فإن قصور الحركات الاجتماعية والفعل الجماعي يُنسب، بصورة أعمّ، إلى شروط القمع الشديد12. ولكن إذا كانت هذه الدينامية حقيقة، فذلك يعني أن التعبئة السياسية الواسعة وغير المرتبطة بالنظام ستحدث في الحالات التي تحدّ فيها الصدمات الخارجية من قدرات الدولة على القمع، أو تتغير الشروط البنيوية بحيث تضعف قدرة الدولة على الاحتواء. وفي حين أن ذلك قد يكون حقيقيًا إلى درجة معينة، فإن التفسيرات التي تركّز على الأثمان المباشرة للتعبئة لا يمكنها أن تفسر، على نحو وافٍ، بعض الحالات الجزئية؛ فهي لا توضح، على سبيل المثال، الشروط التي تجعل التعبئة ممكنةً على الرغم من ثمنها المباشر، مثل الانتفاضات الفلسطينية والثورات العربية في عام.2011 إن ما يجعل هذه التفسيرات قاصرةً هو أنها تعتمد على الأثمان المباشرة وحدها، أي على مستوى الفرد. بيْد أن التجربة التاريخية تبيّ أن القمع والاحتواء لا يمكنهما السيطرة على التعبئة السياسية بالمطلق، كما أن أثر الإستراتيجيات المباشرة غير واضح بالضرورة؛ إذ أظهر بعض الدراسات أن القمع، على سبيل المثال، قد يؤدي إلى نتائج عكسية ومن ثمّ يزيد مستوى التعبئة السياسية13. كما أن مفاعيل

  1. يجبر تهديد التعبئة الجماهيرية القادة على التزام "المساومة الديمقراطية"، أي قدرة مقيدة على التعبئة، ما يعني فرصة أكبر للنظام ليتطور إلى شكل استبدادي. للاطلاع أكثر انظر: James D. Fearon, "Self-Enforcing Democracy," The Quarterly Journal of Economics , vol. 126, no. 4 (2011), pp. 1661-1708; Susan D. Hyde & Nikolay Marinov, "Information and Self-Enforcing Democracy: The Role of International Election Observation," International Organization , vol. 68, no. 2 (2014), pp. 329-359.
  2. Gary King, Jennifer Pan & Margaret Roberts, "How Censorship in
  3. انظر مثلًالأعمال المتعلقة بأحجام التحالفات الفائزة في الأنظمة الاستبدادية، مثل:
  4. Eva Bellin, "The Robustness of Authoritarianism in the Middle East: Exceptionalism in Comparative Perspective," Comparative Politics , vol. 36, no. 2 (2004), pp. 139-157.
  5. Jamal. 12 Ted Robert Gurr, Why Men Rebel (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1970); Charles Tilly, From Mobilization to Revolution (Reading, MA: Addison-Wesley Pub., 1978). 13 يفترض بعض الباحثين أن القمع يدفع المسالمين إلى التمرد المفتوح ويجعل العصيان السبيل الوحيدة الممكنة. انظر مثل: Elisabeth Jean Wood, Insurgent Collective Action and Civil War in El Salvador (New York, NY: Cambridge University Press, 2003); Ted Robert Gurr & Raymond Duvall, "Civil Conflict in the 1960s: A Reciprocal Theoretical System with Parameter Estimates, comparative political studies," Comparative Political Studies , vol. 6, no. 2 (1973), pp. 135-169.
  6. China Allows Government Criticism but Silences Collective Expression," American Political Science Review , vol. 107, no. 2 (2013), pp. 326-343.
  7. Mark Peceny & Christopher K. Butler, "The Conflict Behavior of Authoritarian Regimes," International Politics , vol. 41, no. 4 (2004), pp. 565- 581; Natasha Ezrow & Erica Frantz, "State Institutions and the Survival of Dictatorships," Journal of International Affairs , vol. 65, no. 1 (2011), pp. 1-13; Jeffrey Pickering & Emizet F. Kisangani, "Diversionary Despots? Comparing Autocracies' Propensities to Use and to Benefit from Military Force," American Journal of Political Science , vol. 54, no. 2 (2010), pp. 477-493.

القمع مشروطة بتوافر شروط مسبقة في الحركة ذاتها14. علاوة على ذلك، فإن وجود المظالم لا يفسر، بالضرورة، ضمن أي شروط سوف تحدث التعبئة. وفوق ذلك، فإن المظالم موجودة في كل مكان، لكنها ليست أسبابًا كافية للتنظيم السياسي. وما يغيب عن هذه التفسيرات هو معرفة كيف تسيطر الأنظمة على التعبئة السياسية أو تحدّ منها، ليس بفرض تكلفة على الأفراد فقط، بل أساسًا بتغيير التفاعلات على المستوى الاجتماعي. وتقدّم أدبيات الحركات الاجتماعية فهمً معينًا لآليات التعبئة السياسية الناجحة على المستوى الاجتماعي. وأشار بعض الباحثين إلى المجتمعات والشبكات الاجتماعية القوية بوصفها عاملً مساعدًا في نجاح أي حركة، وفي التغلب على مشكلة العمل الجماعي. إن العقوبات المجتمعية، وهي الطريقة التي تطبّق من خلالها المجتمعات قيمها وتفرض التبعات الإيجابية والسلبية، تدفع الأفراد إلى التعاون في سبيل هدف أسمى15. وفي المقابل، تصبح هذه العقوبات غير ذات صدقية من وجهة نظر المجتمع بصورة عامة، حين تضعف الروابط الاجتماعية، وتتعرض المجتمعات لمزيد من الاستقطاب. لقد كان واضحًا في السابق أثر السياسات الاستبدادية في الروابط الاجتماعية، ولا سيما في المجتمع المدني. وتذهب جمال، على سبيل المثال، إلى أن شروط الاستبداد تفسّ غياب رأس المال الاجتماعي في بعض الحالات، وتمارس دورًا في تحويله إلى مرآة تعكس الطابع الاستبدادي للدولة16. وهذا الضعف في الترابط الاجتماعي يترك أثره في التعبئة أيضًا، إذ يبيّ سيدني تارو أن الانقسامات في المجتمع تعدّ سببًا في تراجع التعبئة في الحركات الاحتجاجية الدورية، لكنه يستخدم ذلك في تفسير التراجع في الفترة الواحدة، ولا يأخذ في الاعتبار أثر هذه الانقسامات في التنظيم السياسي في المدى البعيد17. وأعتقد أن الإستراتيجيات الاستبدادية قد تزيد الاستقطاب فعلً بطريقة تؤثر في المجتمع خارج حدود فترة زمنية واحدة، والإستراتيجيات التي تغذّي الاستقطاب يمكن أن تضعف فاعلية التعبئة مع مرور الزمن. لذلك، عندما نريد معرفة لماذا تحدث التعبئة السياسية في شروط بعينها دون غيرها، من المهم أن نعالج الإستراتيجيات الاستبدادية أثناء اشتغالها، إضافة إلى أثرها في الديناميات على المدى البعيد وعلى المستوى الاجتماعي. وقد أثبت الترابط الاجتماعي أنه عامل محدد مهم، وبإدراج التغييرات فيه على المدى البعيد، في وسعنا وضع نظريات منهجية تجمع بين المتغيرات الهيكلية والكلية (مثل الترابط الاجتماعي البعيد المدى) وعملية صنع القرار على المستوى الجزئي. وسيتعرض هذا المشروع لإحدى النظريات التي تفسر ديناميات التعبئة السياسية في شروط الاستبداد.

ثانيًا: الإطار النظري والفرضيات

وجدت أدبيات سابقة أن المجتمعات القوية تسهّل المشاركة والتعبئة من خلال استخدام "العقوبات الاجتماعية". وتُعرّف العقوبات الاجتماعية بأنها طريقة تُفرض من خلالها مسلكيات خاصة عبر تعزيزات إيجابية وسلبية18. إن أثر المجتمع في قرارات الأفراد في دعم التعبئة، وليس الاكتفاء بالانتفاع من دون ثمن، أثر حاسم، ولا سيما في ظل ظروف عالية المخاطر. وتلحظ دراسات سابقة عن الأراضي الفلسطينية أثر الشبكات الاجتماعية في نجاح التلاحم في الانتفاضة الأولى19. كما أن الانتفاضة الثانية التي كانت أكثر تشتتًا وأعلى تكلفة بكثير تُعزى إلى ضعف التلاحم لدى الشعب الفلسطيني20. لذلك من المنطقي الافتراض أن النظام عندما يمارس دورًا معوقًا لتلاحم المجتمع ولقوة تلك الشبكات الاجتماعية، تضعف قدرة المجتمعات على أداء هذه الوظائف إلى درجة كبيرة. ويمثّل الاستقطاب، أو توسيع الهوة بين "معسكرين" في المجتمع، سببًا من أسباب إعاقة التلاحم الاجتماعي؛ إذ يبتعد هذان المعسكران عن بعضهما من حيث الأفضليات والمسلكيات، وفي حالتنا الخاصة، يشمل ذلك أفضليات ومسلكيات ترتبط بمشروع التحرر الوطني الفلسطيني. وبصورة عامة، حينما يزداد الاستقطاب في المجتمع، في وسعنا أن نتوقع أن القدرة على التعبئة الفعالة ستبدأ في التلاشي. ولهذا فإننا نتوقع الفرضيات التالية.

  1. Theodore McLauchlin & Wendy Pearlman, "Out-Group Conflict, In-Group Unity? Exploring the Effect of Repression on Intramovement Cooperation," Journal of Conflict Resolution , vol. 56, no. 1 (2011), pp. 41-66.
  2. Michael Taylor, "Rationality and Revolutionary Collective Action," in: Michael Taylor, Rationality and Revolution (Cambridge: Cambridge University Press, 1988), pp. 63-91.
  3. Jamal.
  4. Sidney Tarrow, Power in Movement: Social Movements and Contentious
  5. Taylor; Sarah Elizabeth Parkinson, "Organizing Rebellion: Rethinking High-Risk Mobilization and Social Networks in War," American Political Science Review , vol. 107, no. 3 (2013), pp. 418-432.
  6. Wendy Pearlman, Fragmentation and Violence: Internal Influences on Tactics in the Case of the Palestinian National Movement, 1918-20 06 (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2007). 20 Pearlman, "Precluding Nonviolence."
  7. Politics (Cambridge: Cambridge University Press, 1998), pp. 141-161.

1. الفرضية الأولى: مع زيادة الاستقطاب في المجتمع، تتراجع التعبئة السياسية

يحدث التراجع؛ لأن المصلحة العامة لأعضاء مجتمع متلاحم، يتمتع بشبكات اجتماعية قوية، يمكن تمييزها بسهولة أكبر، وعندما يعتبر العمل ضروريًا يتم تعبئة الناس. أما إذا كان المجتمع ضعيف التلاحم بشبكات اجتماعية ضعيفة، فعلى الرغم من أن الأفراد قد ينحدرون من الجماعة نفسها ويعيشون في ظل ظروف متشابهة، فإن مصالحهم قد لا تكون واضحة. وإذا وجدت شريحة من السكان أن التعبئة تصبّ في مصالحها، فمن غير الواضح إنْ كانت الأغلبية الضرورية تقتسم هذا الشعور. علاوة على ذلك، فإن البُنى الاجتماعية الضرورية ل "معاقبة" الأفراد على عدم التحرك غير متاحة في مجتمع مستقطب، والأهم أن العقوبات الفعالة يجب أن تتضمن التهديد بفرض العقوبة من المجتمع كله. فإذا كان المجتمع منقسمً بشأن ضرورة التعبئة، فلن تكون العقوبات تهديدًا جدّيًا. لذلك، في حال القيام بمحاولة التعبئة حول مصلحة مشتركة، فإن مشكلة المنتفعين المجانيين ستحدث.

لكن في حالة المناطق الفلسطينية، لم يكن للنظام الأثر نفسه فيها جميعها. فالسلطة الفلسطينية لم تكن تشمل سوى شرائح معينة من الضفة الغربية، ما يعني أن أي أثر حاسم للنظام لم يشمل جميع السكان21. تقع المنطقة (أ) تحت السيطرة المباشرة للسلطة الفلسطينية حيث يعيش معظم السكان الفلسطينيين، وشهدت هذه المنطقة بالتحديد الجزء الأكبر من التعبئة إبّان الانتفاضتين الأولى والثانية، لأن معظم مراكز المدن تقع فيها. أما المنطقة (ب) فمعظمها ريفي. والمنطقة (ج) هي خليط بين الأرياف والمدن. من جهة أخرى، فإن القمع والتدخل الإسرائيليَيّن يلحقان المناطق الثلاث، أي إن الحافز على التعبئة لجهة المظالم من الاحتلال موجود في المناطق الفلسطينية كافة22. لذلك إذا لم يكن للنظام أي تأثير، فإن مستوى التعبئة "الذي يحدث بشكل طبيعي" في المنطقة (أ) سيكون أعلى من المنطقتين (ب) و (ج)؛ وذلك ببساطة نتيجة لكثافة السكان فيها والقدرة الأكبر على التنظيم. أما إذا كان للنظام أثر، فإن الفروق التي تحدث بصفة طبيعية يفترض أن تختفي بسبب إعاقة التعبئة في مناطق دون أخرى. ولا يستطيع النظام، في المناطق الواقعة تحت السيطرة المباشرة للسلطة الفلسطينية، احتواء السكان فحسب عبر تقديم الخدمات والوظائف، بل أيضًا عبر قمع أي معارضة بسهولة، لذلك نجد السكان هنا أشد استقطابًا؛ جزء يؤيد السلطة الفلسطينية حقًا نتيجة لرعايتها، وجزء آخر يكبت أفضلياته الحقيقية خوفًا من خسارة الرعاية، وجزء ثالث يعارض النظام لكنه لا يستطيع القيام بالتنظيم بفاعلية لأن الآخرين لن ينضموا إليه أو خوفًا من قمع السلطة. من المفترض أن يكون مستوى التعبئة "التي تحدث بشكل طبيعي" أعلى في المنطقة (أ) بالتحديد بسبب عدد السكان الكبير في مساحة صغيرة وارتفاع مستوى الاستفزازات الإسرائيلية. ولكن إذا كان للسلطة الفلسطينية أثر معوق في التعبئة، نفترض الفرضية الثانية.

2. الفرضية الثانية

. أالمنطقة (أ) الخاضعة لسيطرة النظام المباشرة ستشهد إعاقة للتعبئة رغم ارتفاع عدد السكان وقدرتهم على التعبئة. وفي مناطق السيطرة المشتركة (أي المنطقة ب)، هناك استقلالية أكبر عن السلطة الفلسطينية، وليست هي الجهة الوحيدة التي يعمل لديها السكان الفلسطينيون. وبسبب عدم رغبة إسرائيل في السماح لقوى السلطة الفلسطينية بالعمل، فإن السكان الذين يقطنون مناطق السيطرة المشتركة لا يتعرضون لقمع دائم ومتسق من السلطة الفلسطينية. إذًا، ثمة قدر أقل من إخفاء الأفضليات، وللنظام أثر استقطابي أضعف في هذه المنطقة من المنطقة (أ). بيْد أن هذه المناطق تفتقر إلى الكثافة السكانية، أي إن القدرة على التنظيم فيها أضعف عمومًا. فأثناء الانتفاضتين الأولى والثانية على سبيل المثال، كانت هذه المناطق أضعف تعبئة، بسبب قلة عدد السكان وضعف القدرة أصلً على التنظيم. لكن اليوم، إذا كان للسلطة الفلسطينية تأثير في التعبئة، فيفترض الفرضية التالية.

  1. تحظى السلطة الفلسطينية بسيطرة كاملة على المنطقة (أ) التي تشكل 3 في المئة من الأراضي الفلسطينية و 60 في المئة من السكان، وبسيطرة مشتركة على المنطقة (ب) التي تشكل 25-23 في المئة من الأراضي الفلسطينية و 30 في المئة من السكان، ولا تحظى بأي سلطة على المنطقة (ج) التي تشكل 74-72 في المئة من المناطق الفلسطينية و 15-10 في
  2. المئة من السكان. International Crisis Group (ICG), "Squaring the Circle."

.ب المنطقة (ب) الخاضعة لسيطرة مشتركة تتميز بمستويات تعبئة أعلى من تلك "التي تحدث بشكل طبيعي" وأخيرًا، في المناطق التي لا وجود فيها للسلطة الفلسطينية، أي المنطقة (ج) والقدس، فإن تأثير السلطة في استقطاب المجتمع أضعف بكثير. ولا يعني ذلك أنه ليس هناك مجموعات سياسية موالية للسلطة الفلسطينية تعمل في المنطقة (ج)، بل يعني أن ليس هناك أثر يذكر للسلطة في تلاحم المجتمع فيها، لأن سكانها الفلسطينيين شبه معزولين عن المؤسسات الفلسطينية في حياتهم اليومية. ويواجه جميع سكان المنطقة (ج) الشروط نفسها الناتجة من الاحتلال الإسرائيلي، لكنهم أقل انقسامًا بشأن ردّهم عليها، نظرًا إلى غياب الأثر المثبّط لزبائنية السلطة الفلسطينية أو قمعها. أما بالنسبة إلى خصائص هذه المنطقة، فإن عدد الفلسطينيين فيها أقل من المنطقتين السابقتين (15-10 في المئة فقط من السكان الفلسطينيين)، وهي ذات تركيبة مختلطة بين الريف والمدينة. ويتعرض الفلسطينيون فيها للقدر نفسه من المداهمات والتدابير القمعية كما في المناطق الأخرى عمومًا. فإذا لم يكن للسلطة الفلسطينية أي أثر في قدرات التعبئة، فيمكن أن نتوقع أن التعبئة "التي تحدث بشكل طبيعي" ستكون ضعيفة في هذه المنطقة. والسبب ببساطة هو قلة عدد الفلسطينيين فيها، إضافة إلى كونهم معزولين عن المؤسسات الفلسطينية (أي قدرة تنظيمية أضعف). ومن جانب آخر، يمكننا أن نتوقع أن السلطة الفلسطينية إذا كان لها تأثير في المناطق الأخرى، أي المنطقتين (أ) و (ب)، نفترض الفرضية التالية..ج المنطقة (ج)، غير الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، تتميز بمستويات تعبئة أعلى من تلك "التي تحدث بشكل طبيعي" باختصار، إذا كان للسلطة الفلسطينية تأثير، فإن المناطق التي نتوقع أن تكون التعبئة فيها أضعف نتيجة قلة عدد السكان وضعف القدرة التنظيمية، أي المنطقتين (ب) و (ج)، ستشهد مستويات أعلى من التعبئة على الرغم من ذلك. وترى هذه الدراسة أن ذلك يأتي تحديدًا نتيجة تأثير السلطة الفلسطينية التي خلقت الاستقطاب وأضعفت الفعل الجماعي في المجتمع الفلسطيني الخاضع لسيطرتها المباشرة.

ثالثًا: تصميم البحث

لتقييم التعبئة السياسية مع مرور الزمن، تقتفي هذه الدراسة أثر التغير في هذا المتغير بالاستعانة بسجلات تاريخية وأعمال سابقة غطّت فترات مختلفة من التاريخ الفلسطيني. وتقيم الدراسة تحديدًا التعبئة السياسية في ثلاث فترات زمنية مختلفة: قبل نشوء السلطة الفلسطينية (بدءًا من الانتفاضة الأولى)، وفي مستهل النزاع بعد تأسيس السلطة الفلسطينية (الانتفاضة الثانية)، وأخيرًا في الفترة الراهنة. وقد اختيرت هذه الفترات لإبراز دور السلطة الفلسطينية بالتحديد عبر التركيز على تغير مستويات سيطرتها مع الزمن. ومن المهم جدًا تقييم هذه الفترات جميعها بغية إثبات أن الفروق التي نراها اليوم بين المناطق ترتبط في الحقيقة بنشوء السلطة الفلسطينية، وليست خصائص موجودة فيها أصلً. وهي تمثل أيضًا الطريقة الأشد فاعلية لتقييم الآليات المحتملة التي من خلالها يمكن إحداث التغييرات. ولتحقيق إمكانية المقارنة بين الحالات المدروسة زمنيًا، إضافة إلى إجراء التغيير على مستوى التعبئة السياسية باعتباره متغيرًا مستقلً، تعتمد الدراسة على التغير الداخلي الذي توفره هذه الحالة من أجل رصد التعبئة السياسية مع الزمن في المناطق الثلاث: (أ) و (ب) و (ج.) قبل قيام السلطة الفلسطينية، كانت المناطق الثلاث جميعها تحت الاحتلال الإسرائيلي، وكان الفلسطينيون فيها يتعرضون لقيود متشابهة على حرية الحركة. وشهد بعض المناطق، وأكثرها ريفية، معوقات أكبر أمام العمل الجماعي، بسبب قلة عدد السكان وضعف حضور المجتمع المدني23. ولكن باستثناء الفروق الطبيعية المنشأ المتعلقة بعدد السكان والبعد عن مراكز المدن، كانت في المناطق الثلاث جميعها نقاط انطلاق غير ملحوظة24. ويمكن اعتبار أثر السياسات الإسرائيلية اليوم "ثابتًا" في المناطق الثلاث، لأنها جميعًا تعرضت لمستويات متشابهة من القمع والتدخل الإسرائيليَيّن، والأهم المستوى نفسه من المظلومية. مثلً: يتعرض فلسطينيو المنطقتين (ب) و (ج) لحملة مصادرة أراضٍ أشد عدوانية، بينما يواجه فلسطينيو المنطقة (أ) تراجعًا في مستويات المعيشة نتيجة تضييق الخناق عليهم من جانب الاحتلال. وغالبًا ما يجد فلسطينيو المدن أنفسهم ضمن حدود ضيقة نتيجة ممارسات الاحتلال25، على الرغم من أنهم يحظون بوصول أكبر إلى التعليم، ما يخلق لديهم تطلعات أكبر نحو المستقبل. وربما لا تتعرض منازلهم للخطر مباشرة أو بالوتيرة نفسها، إلا أن سبل عيشهم ونجاحهم في المستقبل هي بلا شك ضمن دائرة الخطر. وقد ذكر 25.4 في المئة من الفلسطينيين في استطلاع للرأي أجري مؤخرًا أن انتشار البطالة والفقر من أشد الأخطار التيُ تواجه المجتمع الفلسطيني، وتأتي هذه الأسباب مباشرة بعد مصادرة

  1. Amal Jamal, The Palestinian National Movement: Politics of Contention, 1967-20 05 (Bloomington, IN: Indiana University Press, 2005), pp. 73-102.
  2. أقول "نقاط انطلاق غير ملحوظة" بسبب سكان هذه المناطق والمتغيرات في التركيبة السكانية... إلخ. وعلى الرغم من أن لهذه المناطق نقاط انطلاقٍ غير ملحوظة فقد تطورت تطورًا متباينًا، ويمكننا تأكيد أن سبب تطورها المتباين هو التغيرات بعد قيام السلطة الفلسطينية.
  3. للمزيد حول التفسير الكلاسيكي "للحرمان النسبي" ودوره في تزايد المظالم، انظر:.Gurr

الأراضي والاحتلال اللذين ذكر 29.7 في المئة من الفلسطينيين أنهما تهديد مباشر26. علاوة على ذلك، وحتى لجهة القمع المحض، أعلن مسؤولو السلطة الفلسطينية أنه، فعليًا، "لا فرق" بين المناطق الثلاث (أ) و (ب) و (ج) بعد الآن27. وتظهر البيانات أن المنطقة (أ) تتلقى 22 في المئة من التعديات مع أنها لا تمثّل سوى 3 في المئة من الأراضي الفلسطينية، ويفترض أنها منطقة ذات استقلال ذاتي وتخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية، وليس هناك ما يبرر التدخل الإسرائيلي. لذلك يمكن اعتبار المظالم "واحدة" على الأقل من حيث الشدة، إن لم يكن لسبب محدد. ويمكن دراسة أشكال التعبئة السياسية مع الزمن في تلك المناطق أن تساعد في تقييم إن كانت التعبئة السياسية قد تراجعت فعليًا بعد قيام السلطة الفلسطينية (الفرضية الثانية – أ). ولتحديد أسباب هذا التوجه، ستقيم الدراسة مستويات الاستقطاب والترابط في تلك المناطق في المراحل الزمنية المختلفة المذكورة آنفًا. فالاستقطاب هو وجود معسكرين متباعدين باستمرار في المجتمع يختلفان على الأهداف والإستراتيجيات التي يتعين استخدامها في التعبئة. وتجعل الدراسة هذا المفهوم قابلً للقياس من خلال التقييم الكيفي عبر النظر إلى مستويات التنسيق بين مختلف الفصائل، وبين المناطق الإدارية (أ، ب، ج). وتستعين بتقارير من ناشطين لتقييم التغير في الاستقطاب، ومن ثم القدرة على التنسيق في الفترات الزمنية الثلاث. لتقييم النتائج الملحوظة لهذه النظرية في يومنا الحاضر وتقديم الدليل لدعم التقييم الكيفي، تستعين الدراسة بمجموعة بيانات أولية عن التعبئة في الضفة الغربية، تغطي الفترة 2015-2007، وتدرج كل أشكال التعبئة منذ عام 2007 وما بعده، من أجل تفسير أثر السلطة الفلسطينية في التعبئة، وتقوم في غضون ذلك بتثبيت بعض الشروط الخارجية. فالسلطة الفلسطينية لم تكن قبل عام 2007 قوية، ولم تكن كما هي عليه اليوم. وبعد عام 2007، وبعد الإصلاحات الداخلية لرئيس الوزراء سلام فياض، عززت السلطة سيطرتها على المناطق الفلسطينية بصفة أشد فاعلية، ولم تعد تواجه تهديدات لوظائفها اليومية حيال إسرائيل. لهذا فإن دراسة التعبئة بعد عام 2007 تجعل التقييم أكثر فائدة. فإذا كانت التعبئة السياسية واحدة في المناطق المختلفة أثناء هذه الفترة، رغم التباينات في عدد السكان والقدرة على التعبئة، فإننا نكون قد أثبتنا الفرضية الثانية بمختلف عناصرها. وبالاستعانة بتقارير مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وتقارير "حماية المدنيين" الأسبوعية لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، إضافةً إلى شبكة القدس الإخبارية (وهي شبكة أنباء فلسطينية)، أنشأت الباحثة مجموعة بيانات خاصة بالتعبئة السياسية تشمل نوع التعبئة، وتاريخ حدوثها ومكانها (ريف، مدينة، مخيم لاجئين)28، كما جمعت الباحثة بيانات عن كثافة المستوطنات حول كل حي/ قرية، وهل حدثت اقتحامات إسرائيلية في زمن قريب من تاريخ التعبئة. وتغطي مجموعة البيانات أربعة أنواع من التعبئة السياسية: المسيرات، والاعتصامات، والصدامات، والاحتجاجات النقابية. فإذا صحّت توقعات هذه النظرية، فسوف تتأثر القدرة التنظيمية لأي فئة من فئات المجتمع. ولم يتم إهمال أي حادث حتى لو تحوّل إلى عنف؛ لأن هذه الأحداث تظلّ شكلً من أشكال التعبئة السياسية حتى إن لم تكن سلمية. ومن جهة أخرى، لم يتم إدراج أحداث العنف التي لا تتضمن عددًا مهمً من المشاركين (كالهجمات المفاجئة المعزولة على جنود أو مستوطنين مسلحين قام بها شخص واحد أو شخصان). وباستخدام هذه المجموعة من البيانات، يمكن تحديد أي من المناطق (أ) أو (ب) أو (ج) تُبدي مستويات مختلفة من التعبئة السياسية. تنقسم الأراضي الفلسطينية إلى محافظات ومناطق. والمحافظة هي تقسيم إداري للسلطة الفلسطينية لا يتطابق مع "المناطق" المختلفة التي حدّدتها الاتفاقيات المؤقتة. أما العدد الإجمالي للمحافظات في الضفة الغربية فيبلغ إحدى عشرة محافظة (انظر الخريطة). تتضمّن كل محافظة فلسطينية تقسيمات إدارية تقوم على أساس البلديات والقرى، والتي ترد في البحث بصفتها "وحدات فرعية". وبما أنّ كل محافظة تشمل "المناطق" الثلاث، فمن الضروري تقويم البيانات على مستوى الوحدة الفرعية بغية تحليل التأثير المستقلّ "للمنطقة"، وهكذا، تصبح وحدة التحليل "الوحدة الفرعية في الشهر." والمتغيّ الأساسي التابع، "الحدوث"، هو متغيّ عدديّ لتحرّكات الحشد والتعبئة التي تحدث في كل محافظة في ذلك الشهر. أما مستوى سيطرة السلطة الفلسطينية ضمن كل محافظة فهو متفاوت ضمن كل محافظة. فعلى سبيل المثال، هناك مناطق محدّدة (أ)

  1. المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، "نتائج استطلاع الرأي العام رقم (59)"، وحدة البحوث المسحية، 2016/3/21، شوهد في 2018/12/3، في: https://goo.gl/3Wf7Ya
  2. هذا اقتباس مباشر عن مسؤول فلسطيني، تكرر في عدد من المقابلات التي أجرتها الباحثة في الفترة أيار/ مايو 2015 - أيار/ مايو 2016. كانت القوات الإسرائيلية تعمل غالبًا
  3. حتى في المناطق التي يفترض أنها تحت السيطرة المباشرة للسلطة الفلسطينية، ومن دون تنسيق مسبق معها. للمزيد انظر في: International Crisis Group (ICG), "Squaring the Circle." 28 للمزيد انظر: مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة (2015-2013)، تقارير مؤسسة الدراسات الفلسطينية (2015-2013)، شبكة القدس الإخبارية (2015-2013)، والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني للبيانات على مستوى القرى. خريطة محافظات الضفة الغربية المصدر: من إعداد الباحثة.

و (ب) و (ج) في محافظة رام الله، إذ تقع الوحدات الفرعية في واحدة من المناطق الثلاث. يتيح هذا التباين بين الوحدات الفرعية تحديد المتغيرات المستقلّة الرئيسة التي توافق كلّ "منطقة"، بغية تقويم القيمة التنبئية المنفصلة للمناطق (أ) و (ب) و (ج). إن "المنطقة"، وهي المتغيّ المستقلّ الرئيس، هي متغيّ فئوي تميّزه ثلاث فئات مختلفة: إذا حدث في المنطقة (أ.) إذا حدث في المنطقة (ب.) إذا حدث في المنطقة (ج.)

وتشمل الضوابط الرئيسة المتغيّ الفئوي الذي يشير إلى مدى "انتشار المستوطنات" في كل محافظة (تصنيف جميع المحافظات الإحدى عشرة بحسب أعداد المستوطنين). وهذا متغيّ مهم يجب إدراجه؛ لأن التعبئة السياسية قد تفسّ الاحتمال الكبير الوارد لحدوث صدامات بين الفلسطينيين والمستوطنين الإسرائيليين. فضلً عن ذلك، يشير متغي "الاقتحام" إلى ما إذا كانت التوغلات الإسرائيلية قد وقعت في الوحدة الفرعية في ذلك الشهر (برمز 1 إذا كان حدث ذلك، و 0 في الحالة المعاكسة)، لتوضيح ردود الفعل المحتملة من جرّاء الأعمال القمعية. وفي سياق مماثل لمتغيّ "انتشار المستوطنات"، فإن متغيّ "القمع" يفسّ التعبئة السياسية التي قد تحدث نتيجة توغّل قوات الاحتلال الإسرائيلية، لا الحشد الذي يجري التخطيط له وتنظيمه بأناة. تشمل متغيّ ات "القمع" بصورة خاصة حواجز التفتيش "الطيّارة" وعمليات التفتيش والاعتقالات، وعمليات هدم المنازل عقابًا على ردود الفعل، والاستيلاء على الأراضي من أجل التحكّم بدقّة في أساليب القمع المختلفة التي يعانيها الفلسطينيون يوميًا، والتي قد يكون لها أثر في التعبئة. أخيرًا، هناك المتغيرات المتعلقة بالتحكّم في متغيّ ات الأوضاع المعيشية، وتشمل متغيّ ات توضّ ح ما إذا كانت الوحدة الفرعية مخيمً للاجئين (متغيّ ثنائي عنوانه "مخيّم" في التحليل)، إضافة إلى عدد السكان في كل وحدة فرعية (عنوانها "السكان)"29. يناقش بعض الأدبيات أنّ تنامي الظلم يؤدي إلى تعزيز الاستقطاب السياسي، وغالبًا ما تكون المظالم التي يعانيها اللاجئون في المخيمّات كثيرة نتيجة أوضاع معيشية صعبة30. لذلك، إنّ تفسير ذلك من شأنه تأكيد صحة النتائج النهائية. أما بالنسبة إلى "السكان"، فمن البديهي الافتراض أنّ عدد الأشخاص المشاركين في الاحتجاج يؤثر في احتمال حدوث تعبئة سياسية. أما السكان الأقلّ عددًا فمن السهل قمعهم وثنيهم عن الاحتجاج. إنّ الأخذ بمسألة تأثير ارتفاع عدد السكان يساعد في معالجة هذه الدينامية المحتملة.

رابعًا: النتائج

1. نتائج الفرضية الأولى

. أ ما قبل تشكيل السلطة الفلسطينية

أشكال التعبئة

كانت الضفة الغربية وقطاع غزة يخضعان، قبل قيام السلطة الفلسطينية، للاحتلال العسكري المباشر. وقد جاء الاحتلال في

  1. Palestinian Central Bureau of Statistics, "Annual Statistics," accessed on 3/12/2018, at: https://goo.gl/5iMjjP
  2. James Davies, "Toward a Theory of Revolution," American Sociological Review , vol. 27, no. 1 (1962), pp. 5-19; Gurr.

عام 1967، ومن ثم تغيّ ت دينامية الصراع بالنسبة إلى السكان الفلسطينيين مع دخول المستوطنات الإسرائيلية في الضفة والقطاع؛ على نحو أدى إلى تجدد الاحتكاك بين الإسرائيليين والفلسطينيين منذ التهجير القسري في عام 1948. وخلال هذه الفترة، تم إخماد أي مشاركة سياسية إخمادًا كاملً. وأثناء الانتفاضة الأولى، على سبيل المثال، طبّق إسحاق رابين، وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، سياسة "القبضة الحديدية" ضد أي شكل من أشكال المقاومة الفلسطينية والنشاط السياسي الفلسطيني31. وكان أي فلسطيني عرضة للتوقيف أو هدم منزله ومن ثم ترحيله بشبهة الانخراط في أي نشاط سياسي. وأدت تلك السياسات القمعية المترافقة مع فاقة اقتصادية إلى مستويات غير مسبوقة من التوتر في الضفة الغربية وقطاع غزة. وانفجرت هذه التوترات لتولد الانتفاضة الفلسطينية الأولى. ولم يكن لمنظمة التحرير الفلسطينية، السلف المباشر للسلطة الفلسطينية التي كانت موجودة خارج الأراضي الفلسطينية، دور كبير في قيام الانتفاضة وتنظيمها، بل كانت هناك قوى محلية مسؤولة بصورة مباشرة أكثر عن تنظيمها وعن مبادئها، ومن ثم سهّلت تقدمها طوال السنوات الأربع من عمرها32. وفي غضون تلك الفترة قبل قيام السلطة الفلسطينية، كانت مراكز المدن تحتضن الجزء الأكبر من التعبئة السياسية ضد الاحتلال الإسرائيلي33. ويعزى ذلك إلى قربها من المستوطنات الإسرائيلية وإلى أن الاحتلال العسكري الإسرائيلي ركّز أساسًا على المدن الفلسطينية. وكان سكان المدن الرئيسة المختلفة في الضفة الغربية، كالقدس ونابلس ورام الله، أول من لبّى نداء القيادة الوطنية الموحدة34. وكان سكان المناطق الفلسطينية الأشد ارتباطًا بحركة فتح هم الأكثر انخراطًا، وواجهت هذه المناطق أكبر حملة لقمع الانتفاضة35. ومثّلت مدينة نابلس منطلقًا استثنائيًا خاصًا للنشاط خلال تلك الفترة؛ لكونها معقلً لأنصار حركة فتح. وعلى العموم، مثّل الفلسطينيون من سكان مراكز المدن ومخيمات اللاجئين المجاورة لها، أي المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، الجزء الأكبر من المشاركين في الانتفاضة. أما سكان الأرياف، في المناطق التي ستشكّل لاحقًا المنطقة (ب)، فقد شاركوا أيضًا في الانتفاضة، لكن مشاركتهم كانت أقل36.

بمستويات الاستقطا

ركّزت الأحزاب السياسية السرية قبل الانتفاضة، في الأراضي الفلسطينية، على المحافظة على قدراتها التنظيمية وبعض مستويات التنسيق مع قوى خارجية (كمنظمة التحرير الفلسطينية والحكومات الأجنبية المتعاطفة معها). ولم يكن الاستقطاب داخل المجتمع الفلسطيني عاملً أساسيًا في تنسيق التعبئة السياسية. وكان الطيف السياسي الفلسطيني بأكمله حاضرًا في مراكز المدن الرئيسة، ولم يكن هناك خلاف على الأهداف والإستراتيجيات المتبعة في النضال الشعبي، على الرغم من أن بعض أجزاء من الضفة الغربية قد تميزت بدعمها القوي لفصيل من الفصائل أكثر من غيره. وبالنتيجة، تميّز المجتمع الفلسطيني إبّان الانتفاضة الأولى باستقطاب منخفض وتنسيق عالٍ بين الأحزاب السياسية الفعالة وفي المناطق المختلفة. وظهرت على سبيل المثال القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة، بدعم ومشاركة من حركة فتح، والجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، والحزب الشيوعي الفلسطيني37. وشكّلت هذه الفصائل آنذاك الأحزاب السياسية الرئيسة في الأراضي الفلسطينية، ومن المهم أنها كانت جميعها ممثلة في القيادة الموحدة. وكان الترابط القوي يعني أن من شارك في الانتفاضة التزم المبادئ التي وضعتها القيادة الموحدة أثناء الجزء الأكبر من الانتفاضة. ولم يلحظ التشرذم وظهور حركات المقاومة الإسلامية إلا بعد أن انقضت الاندفاعة الرئيسة من الانتفاضة (بعد عام 1991). ولم تظهر حركات المقاومة الإسلامية (كحركتَي الجهاد الإسلامي وحماس) إلا بعد أن بدأت منظمة التحرير المفاوضات مع الحكومة الإسرائيلية، وبعد بدء التحضيرات لإنشاء السلطة الفلسطينية38. وقبل قيام السلطة الفلسطينية، لم تختلف أشكال التعبئة السياسية كثيرًا بين المناطق الفلسطينية المختلفة. ولم تكن الأرياف بمستوى فاعلية مراكز المدن، وذلك نتيجة طبيعية لقلة عدد السكان وضعف القدرات، أما فيما عدا ذلك فلم يكن ثمة تمييز بين ما أصبح فيما بعد ضمن المناطق (أ) و (ب) و (ج) في الضفة الغربية. علاوة على ذلك، كان الاستقطاب ضعيفًا ولم يكن معوقًا للتنسيق بين الأحزاب المختلفة وشرائح السكان.

  1. Avi Shlaim, The Iron Wall: Israel and the Arab World (New York, NY: W.W. Norton, 2000), pp. 461-462.
  2. قررت القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة إستراتيجيات العصيان المدني والمقاومة اللاعنفية، وحافظت على هذه الإستراتيجيات في جزئها الأعظم طوال فترة الانتفاضة (-1987
  3. Jamal, The Palestinian National Movement , pp. 30-54.
  4. Ken Stein, "The Intifada and the Palestinian Uprising of 1936-1939: A
  5. Ibid., pp. 93-94.
  6. Ibid. 37 Joe Stork, "The Significance of Stones: Notes from the Seventh Month," in: Zachary Lockman & Joel Beinin (eds.), Intifada: The Palestinian Uprising against Israeli Occupation (Boston, MA: South End Press, 1989), pp. 70-73.
  7. Comparison," in: Robert Freedman (ed.), The Intifada: Its Impact on Israel, the Arab World, and the Superpowers (Gainesville, FL: University Press of Florida, 1991).
  8. Pearlman, "Precluding Nonviolence."

. ب ما بعد قيام السلطة الفلسطينية

أشكال التعبئة

اختلفت أشكال التعبئة بين المناطق الفلسطينية اختلافًا شديدًا بعد قيام السلطة الفلسطينية. وخضع السكان الفلسطينيون لأنظمة إدارية مختلفة بعد تحديد المناطق (أ) و (ب) و (ج)، على الرغم من أنه لم يكن هناك تمايزات بينهم قبل قيامها. فحازت السلطة الفلسطينية على سيطرة على المنطقة (أ). وسيطرت سيطرة مشتركة على المنطقة (ب). وتنازلت عن السيطرة الكاملة للاحتلال الإسرائيلي في المنطقة (ج)39. تقرّر هذا التوزيع للسيطرة استنادًا إلى كثافة المستوطنات في جوار كل منطقة، وليس على أساس وجود أي اختلاف بين السكان الفلسطينيين. وباتت المناطق الريفية في المنطقة (ب) وجزء من المنطقة (ج) مهملة سياسيًا نتيجة ضعف مستوى السيطرة فيها40. وكانت السلطة الفلسطينية، بقيادة ياسر عرفات، تسيطر على مساحة كبيرة من الأراضي ونسبة مهمة من السكان عبر تشغيل أعداد كبيرة من الفلسطينيين في مؤسسات السلطة ذاتها. وكانت قرارات التوظيف قبل عام 2000 تخضع لاعتبارات سياسية محضة غالبًا، ومثّلت نوعًا من الرعاية لربط السكان بالدولة الجديدة41. كما أدت الرعاية المقدّمة لشرائح معينة من المجتمع المدني إلى تحييد المعارضة المتشكلة في جماعات منظمة. وفي هذه الأثناء، طرأ تحسّن كبير على الوضع الأمني من دون اللجوء إلى قمع مفرط42. ويمكن إرجاع هذه الدينامية إلى نظام الرعاية الجديد الذي أدى وظيفته على أكمل وجه. ومع ذلك، تباينت أشكال التعبئة تباينًا شديدًا بين شتى المناطق، تبعًا لاختلاف مستوى تدخّل السلطة الفلسطينية فيها. وليس أدلّ على التغير في القدرة على التعبئة بين المناطق الفلسطينية من أحداث الانتفاضة الثانية؛ فحين اندلعت الاحتجاجات ردًا على الاستفزازات الإسرائيلية، اختلفت طريقة انتشار الانتفاضة اختلافًا شديدًا عن أشكال التعبئة الملحوظة في السابق. فعلى سبيل المثال: خلال الانتفاضة الأولى، كان هناك هيئة موحدة مكونة من الأحزاب المهمة كافة، وظهرت الاحتجاجات في مختلف مراكز المدن الرئيسة، إضافةً إلى بعض التجمعات الريفية. لكن ما حدث في الانتفاضة الثانية كان على العكس من ذلك. ولاحظ الباحثون والناشطون أن هذه الانتفاضة تميزت باستقطاب بين الفلسطينيين أنفسهم في الإستراتيجيات والأهداف معًا43، إذ وقع بعض مراكز المدن تحت سيطرة حركات المقاومة الإسلامية، بينما ظلت المراكز الأخرى معاقل لحركة فتح لكنها مستقلة عن السلطة الفلسطينية44. ففي بعض أجزاء المنطقة (أ)، كمدينة رام الله مثل، مُنعت الاحتجاجات على الرغم من الغارات الجوية والاقتحامات الإسرائيلية. وعلى الجانب الآخر، ظهرت جماعات مسلحة في مناطق أخرى كمدينة نابلس وجنين شمال الضفة، وكذلك في جزء من المنطقة (أ) وبعض أجزاء المنطقة (ب)، وظهر أيضًا مقاومون من تلك المدن لتنفيذ هجمات في القدس وداخل إسرائيل. وكانت مشاركة المجتمعات الريفية المحيطة بنابلس نادرة على سبيل المثال، وشارك فلسطينيو المنطقة (ج)، بخاصة القدس، في الاحتجاجات في البداية، لكن مشاركتهم انخفضت. ثم شارك فلسطينيو القدس بعد ذلك في هجمات مسلحة متقطعة على الجنود والمستوطنين الإسرائيليين. وتراجعت التعبئة في المنطقة (ج) بدرجة معينة نتيجة تراجع التنسيق بين مختلف المناطق. من الواضح، من أشكال الاحتجاج المذكورة في الانتفاضة الثانية، أن التعبئة لم تعد هي نفسها في أنحاء الضفة الغربية؛ حيث تميزت في بعض الأماكن كالقدس بمستويات مرتفعة من العنف غير المنسق، بينما كانت أقل من السابق في بعض المناطق الأخرى كمدينة رام الله في المنطقة (أ). وأخيرًا، ظلّت المناطق الريفية في المنطقة (ب) غير منظمة إلى حد بعيد.

بمستويات الاستقطا

إضافة إلى تراجع مستوى التعبئة في بعض المناطق، تميّزت الضفة الغربية بعد قيام السلطة الفلسطينية بدرجة عالية من الاستقطاب أيضًا. وقد لاحظ الباحثون أن تعدّي السلطة على المجتمع المدني مثلً أدى إلى انقسامات بين المشاركين وإلى ضعف الثقة بينهم45. وأثناء الانتفاضة الثانية، عبّ الانقسام عن نفسه من خلال التشرذم الصريح للانتفاضة؛ إذ لم يقتصر الاستقطاب بين المشاركين على الاختلاف في الإستراتيجيات والأهداف، بل رفع بعضهم السلاح في وجه بعض. وفي الحقيقة، يشير الباحثون إلى تشتتٍ واستقطاب في

  1. International Crisis Group (ICG), "Who Governs the West Bank? Palestinian Administration under Israeli Occupation," Middle East Report , no. 32 (September 28, 2004), p. 3.
  2. Jamal, The Palestinian National Movement , pp. 30-54.
  3. International Crisis Group (ICG), "Who Governs the West Bank?" p. 10.
  4. Barry Rubin, The Transformation of Palestinian politics: From Revolution to State-building (Cambridge, MA: Harvard University Press,
  5. Pearlman, "Precluding Nonviolence."
  6. International Crisis Group (ICG), "Ruling Palestine II: The West Bank Model?" Middle East Report , no. 79 (July 17, 2008). 45 Jamal, Barriers to Democracy , pp. 1-14.
  7. 1999), p. 25.

المجتمع الفلسطيني باعتباره التفسير الأساسي لظهور الطرق العنفية أثناء الانتفاضة الثانية46. وحتى المعاقل المؤيدة لحركة فتح انشقت في نهاية المطاف عن السلطة الفلسطينية مع اندلاع الانتفاضة؛ ما أدى إلى نشوء حالة من الفوضى في أجزاء مهمة من الضفة الغربية47. فرضت السلطة الفلسطينية سيطرتها على أجزاء من المنطقة (أ)، كمدينة رام الله، وحافظت على سيطرتها على الانتفاضة في هذه المناطق. وكان سكان هذه المناطق من الضفة الغربية يعوّلون على السلطة لتأمين الدخل وتحقيق الاستقرار؛ الأمر الذي وضعهم في تعارض جبهي مع سكان أجزاء أخرى من الضفة. وكما أشرنا سابقًا، كانت التعبئة في بعض أجزاء المنطقة (أ) أضعف وأقل تنسيقًا مع أجزاء الضفة الأخرى. لكن في مناطق أخرى كمدينة نابلس وريفها، سرعان ما خسرت السلطة سيطرتها لصالح الفصائل المسلحة التي استولت على مؤسسات السلطة كافة وفكّكتها بسرعة. وعاد الناس في هذه المناطق، أجزاء من المنطقة (أ) ومعظم المنطقة (ب)، إلى أنظمة قانونية تقليدية، أي حكم العشيرة والأسرة، في سبيل استعادة بعض مظاهر الاستقرار48. واستغرق الأمر سنوات بعد الانتفاضة لتستعيد السلطة سيطرتها على تلك المناطق في الضفة الغربية، وليس من الواضح تمامًا أنها كانت قادرة على إنجاز مهماتها كاملة في المناطق الريفية. وبات الاستقطاب شديدًا أثناء الانتفاضة الثانية في بعض أجزاء المنطقة (أ) ومعظم المنطقة (ب)، أي المناطق الريفية؛ فلم تعد الفصائل قادرة على العمل المشترك، حتى وصل الأمر بها إلى المواجهة فيما بينها49. وأخيرًا أعاقت الانقسامات في القدس وأجزاء من المنطقة (ج) عملية التعبئة إلى حد بعيد. وقد أشار مروان البرغوثي، أحد أبرز قادة الانتفاضة في القدس، إلى أنه على الرغم من محاولات الشروع في اشتباكات مع قوات الاحتلال الإسرائيلي ومن ثمّ إشعال الانتفاضة، فإن "اختلاف الرؤى" بين مختلف الفصائل السياسية المشاركة حال دون إنجاح هذه المحاولات50. وعلى الرغم من قيام بعض الاحتجاجات الأولى، كانت الفصائل العاملة في القدس وأجزاء أخرى من المنطقة (ج) مختلفة كثيرًا على الإستراتيجيات التي تفضّ لها في تعاونها فيما بينها. ولم تكن هناك جهود متواصلة للاحتجاج، وتحوّل معظم النشاط في المنطقة (ج) إلى نشاط عنفي متقطع بالنتيجة. من الواضح أن ثمة بونًا شاسعًا يفصل هذه الدينامية عن شروط الانتفاضة الأولى التي تميّزت بوجود هيئة منظمة كالقيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة. وتشير المقارنة بين الفترتين بوضوح إلى أن أشكال التعبئة بعد قيام السلطة الفلسطينية لم تختلف فحسب، بل عرف الاستقطاب زيادة حادة حالت أيضًا دون قدرة الفلسطينيين على التعبئة الفعّالة. صحيح أن وجود فصائل مسلحة أسهم في استمرار الانتفاضة خمس سنوات، لكن الحقيقة أن هذه الانتفاضة كانت أقل تنسيقًا بكثير وكان المشاركون فيها أشد استقطابًا؛ ما جعل سنوات الكفاح الخمس تعود بفوائد سياسية قليلة على الشعب الفلسطيني بصورة عامة.

.الضفة الغربية اليوم ج

أشكال التعبئة

إن فشل الانتفاضة الثانية، لا سيما لجهة قدرة السلطة الفلسطينية على المحافظة على النظام، أدى إلى قيام حملة تهدف إلى إعادة تنظيم قوى الأمن واستعادة السيطرة على أجزاء الضفة الغربية كافة51. وتم بالتدريج تصحيح الفوضى الناجمة عن حكم الميليشيات أثناء الانتفاضة الثانية، عبر منح المقاتلين السابقين رواتب تدفعها السلطة الفلسطينية في سياق مجموعة من اتفاقيات العفو52. ثم عُيّ سلام فياض رئيسًا للوزراء عام 2007، وكانت المهمة الأولى المطروحة أمامه هي إصلاح الأجهزة الأمنية. وكانت إصلاحاته تهدف إلى جعل الأجهزة الأمنية تتمتع بالمهنية، وضمان ألّ تتفكك مجددًا تبعًا للولاءات الحزبية كما حدث في الانتفاضة الثانية. وقد نجحت هذه الإصلاحات إلى حد بعيد، وعمل فياض على الحد من انتشار الفساد والمحسوبية، وتخلّص من كثير من الموظفين "غير المهنيين"، وأعاد من جديد سيطرة السلطة الفلسطينية على الضفة الغربية53، كما زاد التنسيق مع الحكومة الإسرائيلية54، وحقق الاستقرار في بعض أجزاء الضفة الغربية بوسائل توافقية (عبر احتواء قادة الميليشيات بصورة أساسية والعفو عنهم)، في حين استخدم القمع في أجزاء أخرى من الضفة لاستعادة السيطرة، وتم استهداف الفصائل السياسية التي لم ترفض العنف، ولا سيما ذات التوجه الإسلامي.

  1. Pearlman, "Precluding Nonviolence."
  2. Barry Rubin & Judith Colp Rubin, Yasir Arafat: A Political Biography (New York, NY: Oxford University Press, 2003), pp. 185-215.
  3. International Crisis Group (ICG), "Ruling Palestine II," p. 3.
  4. Pearlman, "Precluding Nonviolence," pp. 36-41.
  5. Rubin & Rubin, p. 205.
  6. تركز الدراسة على الضفة الغربية لأن سيطرة السلطة الفلسطينية على قطاع غزة انتهت بعد فوز حركة حماس في الانتخابات، وإطاحتها بعد ذلك. وعلى الرغم من وجود بعض التنسيق اليوم بين حكومة السلطة الفلسطينية في الضفة وحكومة حماس في غزة، فإن الدينامية التي تعمل بها السلطة في الضفة غير موجودة خارجها، وإذًا فهي غير مفيدة في المقارنة.
  7. International Crisis Group (ICG), "Ruling Palestine II," pp. 14-17.
  8. International Crisis Group (ICG), "Squaring the Circle," pp. 6-10.
  9. Michael Dumper, "Policing divided cities: Stabilization and law enforcement in Palestinian East Jerusalem," International Affairs , vol. 89, no. 5 (2013), p. 1258.

وكان من شأن هذه الإصلاحات ومحاولات فرض النظام بعد ذلك إحداث مزيد من التبعثر في التعبئة في شتى أنحاء الضفة الغربية. وبعد فشل الانتفاضة الثانية في تحقيق مكاسب سياسية، أدت هذه الإصلاحات إلى جعل أشكال التعبئة تختلف وتتباعد كثيرًا بزيادة استقطاب المجتمع في ظل سيطرة السلطة الفلسطينية. من جهة أولى، لم تعد التعبئة المنسقة في مختلف المناطق معيارًا؛ فالمنطقة (أ)، التي تضم مراكز المدن كمدينة رام الله، تتميز اليوم بمستوى منخفض جدًا من الاحتجاج وأشكال التعبئة السياسية الأخرى. واقتصرت الهجمات على جنود الاحتلال على المنطقة (ج)، أي القدس، حيث لا تحظى السلطة الفلسطينية بأي سيطرة، لكن هذه الهجمات باتت متقطعة جدًا وغالبًا ما يقمعها الجيش الإسرائيلي بسرعة55. وقد حدثت عمليات تعبئة أكثر تنسيقًا واتساعًا في هذه المناطق أيضًا، وكانت في الحقيقة فعّالة جدًا. والتفّ الفلسطينيون في القدس حول المنظمات الدينية والشعبية، وليس حول مؤسسات السلطة الفلسطينية، في عدد من المناسبات، والمثال القريب على ذلك، يتمثّل في قضية مجمع المسجد الأقصى والسياسات الإسرائيلية التي قيّدت وصول الفلسطينيين إلى المنطقة؛ إذ احتشد الفلسطينيون بصورة مستمرة وبأعداد كبيرة، وحافظوا على وحدتهم حيال طرق الاحتجاج والمطالب، وأجبروا إسرائيل فعليًا على الإذعان لمطالبهم خلال فترة قصيرة جدًا. إن لهذا الحدث أهمية بالغة؛ لأن مثال هذا الأسلوب في التعبئة لم يعد يسمع عنه في مناطق سيطرة السلطة الفلسطينية، حتى حينما يحتشد الناس بأعداد كبيرة، فمن النادر أن يحدث ذلك من خلال حملة مستمرة. وأخيرًا، أبدت أرياف المنطقة (ب) مستوى متزايدًا من التعبئة منذ الانتفاضة الثانية، وهذه الدينامية مهمة لأن هذه المنطقة ربما هي الأكثر إهمالً من الناحية السياسية بعد قيام السلطة الفلسطينية، وكانت مشاركتها في الانتفاضة الأولى أضعف من المناطق الأخرى في الضفة الغربية56. وتُفسر هذه الزيادة في التعبئة في المنطقة (ب)، مقابل إعاقة التعبئة في المنطقة (أ)، بزيادة النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في هذه المناطق الريفية57. وأطلقت هذه الدينامية جهودًا مستمرة ومتناسقة للتعبئة في عدد من القرى المتضررة من مصادرة الأراضي لأغراض الاستيطان58. والأهم من ذلك أن السلطة الفلسطينية لا تحظى إلا بسلطة محدودة على الريف، وقدرتها إذًا على قمع النشاط السياسي في المنطقة (ب) أو احتوائه، ضعيفة59.

بمستويات الاستقطا

لا يمكن لأمر أن يُحدث استقطابًا أكبر مما شهده المجتمع الفلسطيني بعد الانتفاضة الثانية، إذ فازت حركة حماس الإسلامية بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني، ولكن سرعان ما أجبرت على ترك السلطة. وقد فازت حماس تحديدًا لأنها عارضت موقف السلطة في الانتفاضة الثانية، وما كان من شأن الحملات التي تعرّضت لها حماس وأنصارها إلا دفع التوترات إلى التفاقم بين "معسكرَي" المجتمع الفلسطيني60. علاوة على ذلك، بدأت حملات القمع تستهدف، فضلً عن المنتسبين إلى حماس، أي شخص يجهر بانتقاده السلطة الفلسطينية61. واشتكى الكثيرون من غياب أي رقابة مدنية فعّالة على الأجهزة الأمنية، وأن فياض وخلَفه رامي الحمد الله، يحكمان بالمراسيم الرئاسية فقط62، وهذا ما دفع كثيرًا من الناشطين إلى القول إن المجتمع الفلسطيني بات مسكونًا "بثقافة الخوف"؛ إذ يعلم الجميع ضمنيًا أن السلطة الفلسطينية لا تعتبر أن المرحلة الراهنة هي "الوقت المناسب للاحتجاج" أو التعبئة63. ولم يتراجع التنسيق بين الفصائل المختلفة فقط، بل أيضًا بين مختلف المناطق الإدارية، حتى بات شبه معدوم. وأدت هذه التطورات إلى استقطاب كبير في المجتمع الفلسطيني، بين من لا يزال يؤيد السلطة الفلسطينية، بوصفها ممثلً للشعب الفلسطيني، ومن يعتقد أنها فقدت شرعيتها بعد قمعها حركة حماس64. ويعتمد الفلسطينيون الموجودون في المنطقة (أ) اعتمادًا كبيرًا على رواتب القطاع العام، التي يرى فيها الكثيرون الجانب الأساسي من حكم السلطة الفلسطينية الذي تحافظ من خلاله على سيطرتها على بعض المناطق65(. وليس لدى من يعيش في المنطقة )ب)،

  1. International Crisis Group (ICG), "Squaring the Circle," p. 21.
  2. Jamal, The Palestinian National Movement , pp. 81-90.
  3. Daniella Cheslow, "Palestinian Nonviolence: Is the Burdus Model Still Viable?" The Christian Science Monitor, 10/12/2010, accessed on 3/12/2018, at: https://goo.gl/usoCuU
  4. مثلً: بلعين، نعلين، كفر قدوم وبدرس، وهي مراكز للنشاط الريفي ضد المستوطنات وحظيت باهتمام دولي بسبب حركة الاحتجاج السلمية المستمرة فيها.
  5. في المقام الأول لأن وصول أجهزة الأمن الفلسطينية إليها محدود، ولأن السكان الذين يعيشون في المناطق الريفية لا يمكنهم العمل بسهولة في مؤسسات السلطة الفلسطينية ومن ثم لا يحظون بالمستوى نفسه من الرعاية الموجهة.
  6. International Crisis Group (ICG), "Squaring the Circle," p. 28.
  7. International Crisis Group (ICG), "Ruling Palestine II," pp. 28-33.
  8. International Crisis Group (ICG), "Squaring the Circle," p. 3-5.
  9. Ibid., p. 30.
  10. Feras Abu-Helal, "The Conflict over Palestinian Legitimacy," Middle East Monitor, 4/6/2013, accessed on 3/12/2018, at: https://goo.gl/zsco3Z
  11. قرابة 24 في المئة من السكان يعملون بصورة مباشرة لدى السلطة الفلسطينية، ويقال إن هذه النسبة قد تصل إلى ثلث عدد السكان. وتبلغ نسبة الإنفاق الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي 44 في المئة، وتعتمد نسبة كبيرة من السكان الفلسطينيين على السلطة للحصول على الخدمات الأساسية، انظر: Shaker Sarsour, Reem Naser & Mohammad Atallah, "The Economic and Social Effects of Foreign Aid in Palestine," Palestine Monetary Authority (November 2011), accessed on 3/12/2018, at: https://goo.gl/APUA2B

أي المناطق الريفية بالتحديد، غالبًا روابط كثيرة بالسلطة الفلسطينية سواء عبر وظائف القطاع العام أو غيرها66. ويعبّ كثير من الجماعات العاملة في هذه المنطقة عن انتقاداتها للسلطة الفلسطينية (إضافة إلى حركة فتح، الحزب السياسي الرئيس في السلطة). أما ولاءات فلسطينيي المنطقة (ج) فهي مختلطة؛ حيث يوجد العديد من الأحزاب السياسية من دون خوف من قمع السلطة. وكان من شأن دينامية الانقسام في الضفة الغربية أن تسهّل غياب التعبئة المنسقة بين المناطق. ولا يزال من الصعب ضمن المناطق ذاتها القيام بالتعبئة بطريقة مستمرة على غرار الانتفاضة الأولى نتيجةً لهذا الاستقطاب. ويبيّ الجدول (1) ملخصًا للنتائج الكيفية، على مستوى التعبئة والاستقطاب بين مختلف المناطق والفترات الزمنية. وكما يتضح من الجدول (1)، فإن المناطق الثلاث تُبدي قبل قيام السلطة الفلسطينية مستويات من التعبئة بين المرتفعة والمتوسطة، ومستوى متدنيًا من التشرذم؛ وهذا يعني أنه لم يكن هناك تنسيق بين الفصائل المختلفة فحسب، بل أيضًا بين المناطق الإدارية المختلفة. لكن بعد قيام السلطة الفلسطينية، بدأت هذه الاتجاهات تتباين بين منطقة وأخرى، وتراجع مستوى التعبئة في المناطق التي تشهد حضورًا قويًا للسلطة الفلسطينية، المنطقة (أ)، وازدادت درجة الاستقطاب بين المناطق والفصائل السياسية المختلفة. وأخيرًا، نتيجةً لاختلاف درجة سيطرة هذه السلطة، وأثر الاستقطاب بين المناطق المختلفة، نجد اليوم أن المناطق التي لا تحظى فيها السلطة بسيطرة كبيرة تشهد مستويات مرتفعة من التعبئة. كما نرى أن الانقسامات بين المناطق الإدارية والفصائل السياسية المختلفة تؤدي إلى غياب التنسيق في المناطق الثلاث غيابًا شبه كامل. وللمفارقة، فإنه على الرغم من قلة عدد السكان، تُبدي المنطقتان (ب) و (ج) مستويات من التعبئة ذات استمرارية أعلى مما هو قائم في المنطقة (أ). لذلك يمكننا القول إن اختلاف درجة سيطرة السلطة الفلسطينية قد كان له أثر مباشر في درجة الاستقطاب، ومن ثم في مستوى التعبئة في عموم الضفة الغربية.

2. نتائج الفرضية الثانية

من أجل اختبار الفرضية الثانية، بخصوص اختلاف مستويات التعبئة بين المناطق، تقيم الدراسة أشكال التعبئة في فترة زمنية واحدة (بعد الانتخابات التشريعية لعام 2006) باستخدام مجموعة بيانات أولية. ولا يقدّم ذلك دليلً آخر يؤكد الديناميات المذكورة في التقييم الكيفي فحسب، بل يفيد أيضًا باعتباره اختبارًا قويًا للنتائج الملحوظة للنظرية المقدمة في هذه الدراسة في الوقت الحاضر. والأهم أن ذلك يسمح لنا بتحديد الفروق الكمية بين المناطق (أ) و (ب) و (ج)، وتحديد مدى أهميتها في الحقيقة. أولً، يختلف كثيرًا العدد الكلي لحالات التعبئة من منطقة إلى أخرى في المناطق الثلاث. ويوضح الشكل (1) هذا الاختلاف الكبير؛ فالمنطقة (أ) التي تضم أكبر عدد من السكان الفلسطينيين، شهدت أقل عدد من حالات التعبئة، أما المنطقتان (ب) و (ج) فتحظيان بالجزء الأكبر من الاحتجاجات في الفترة المشمولة بالدراسة (من عام 2007 إلى الوقت الحاضر)، وكل ذلك على الرغم من أن الفلسطينيين في غالبيتهم يعيشون في المنطقة (أ)، ويعانون قيودًا على حركتهم، وتهديدًا بالاقتحامات الإسرائيلية، وعنف المستوطنين بصفة منتظمة. ولعل العدد الكلي لا يقدّم الطريقة الأكثر دقة. ويمكننا باستخدام اختبار ANOVA One-way تحديد إنْ كان الاختلاف في عدد الاحتجاجات بين المناطق ذا دلالة من الناحية الإحصائية. ويحتوي الجدول (2) ملخصًا لنتائج الاختبار. وكما يتضح من القيمة الإحصائية F في الجدول، فإن الاختلاف في عدد الاحتجاجات بين المناطق الثلاث له دلالة إحصائية فعلً (عند أعلى مستوى 0.01 < p). وفي وسعنا أن نكون على ثقة بأن الاختلاف في أعداد الاحتجاجات ليست وليدة تغير عشوائي. من المنطقي القول إن بعض المتغيرات الأخرى هي المسؤولة عن الاختلاف بين المناطق، وليس السلطة الفلسطينية نفسها، على الرغم من أن الاختلاف ذو دلالة إحصائية. مثلً، ربما يكون النشاط الاستيطاني في بعض المناطق أخطر من غيرها. وفي تلك المناطق، ربما يحتج الفلسطينيون أكثر بسبب ظروفهم، ولهذا السبب، علينا أن نكتشف إنْ كان النشاط الاستيطاني يفسّ أنماط التعبئة التي نراها. وباستخدام مجموعة البيانات، تم وضع قائمة كاملة بالمستوطنات في كل محافظة فلسطينية، ورتّبت المحافظات بحسب عدد المستوطنين في كل منها. ويبيّ الجدول (3) النتائج التي تم التوصل إليها. وبأخذ هذه الأرقام في الاعتبار، يمكننا أن نقيّم عدد الاحتجاجات بحسب المحافظة، والوصول إلى انطباع عام بخصوص النشاط الاستيطاني إن كان هو الوحيد المسؤول عن عدد الاحتجاجات في كل محافظة، أو إن كان ثمة عامل آخر يقف وراء ذلك. ويبين الشكل (3) متوسط عدد الاحتجاجات في كل محافظة. وبنظرة فاحصة على هذا المخطط يمكن التأكيد أن النشاط الاستيطاني في حد ذاته ليس مسؤولً عن الاختلاف في عدد الاحتجاجات بين المحافظات. فمثلً، تُعدّ كثافة المستوطنات في نابلس أعلى من قلقيلية، ومع ذلك فإن عدد الاحتجاجات في قلقيلية أكبر منه في نابلس. كما أن كثافة المستوطنات في القدس الشرقية أعلى منها في رام الله، إلا

  1. يعتمد القرويون في مناطق مثل بلعين ونعلين وكفر قدوم وبدرس على الزراعة. وقد جاءت حركاتهم الاحتجاجية في البداية نتيجة لمصادرة الأراضي الزراعية. الجدول (1) ملخص النتائج الكيفية المصدر: من إعداد الباحثة.

أن متوسط عدد الاحتجاجات في محافظة رام الله أكبر بكثير منه في محافظة القدس. من الواضح، إذًا، أن أثر المستوطنات، بوصفها سياسة إسرائيلية، لا يمكنه أن يفسر التغيرات في التعبئة في مناطق الضفة الغربية. وثمة تفسير محتمل آخر للاختلاف في عدد الاحتجاجات بحسب المنطقة؛ وهو أن الفلسطينيين في المنطقة (أ) التي تخضع للسلطة الفلسطينية مباشرة، ليس لديهم شكاوى كثيرة للاحتجاج من أجلها. بيد أن قسم التحليل الكيفي يظهر أن الفلسطينيين في المنطقة (أ) يكافحون أيضًا، وأن الاقتحامات الإسرائيلية تحدث بصورة منتظمة في المناطق الثلاث جميعها، ومن ثمّ فإن هذا التفسير يحتاج إلى مزيد من التدقيق. ولهذا السبب، درسنا عدد الاقتحامات الإسرائيلية باعتبارها مصدرًا للمظالم، ثم نظرنا إلى هذا المتغير في مختلف المحافظات (الشكل 4)، إضافة إلى المناطق المختلفة (الشكل.)5 ومرة أخرى، يبدو أن الاختلاف في عدد الاقتحامات الإسرائيلية بين المحافظات والمناطق المختلفة لا يتعلق بكثافة الاحتجاجات في هذه المناطق. مثلً، تشهد المناطق (أ) و (ب) و (ج) عددًا متشابهًا من الاقتحامات الإسرائيلية، ومع ذلك فإن الفلسطينيين في المنطقة (أ) يحتجون بتواتر أقل بكثير من المناطق الأخرى. كما أن التفسير الآخر للمظالم، سواء إن كان بسبب اقتحامات الجيش الإسرائيلي أو عنف/ نشاط المستوطنين، لا يصمد أمام البيانات. ولا يمكن تفسير الاختلاف في عدد الاحتجاجات بين المناطق أيضًا بالانقسام بين الريف والمدينة، لأن المنطقة (أ)، ومعظمها مناطق حضرية، هي الأكثر انصياعًا غالبًا. أخيرًا، ولإجراء اختبار أكثر صرامة للنظرية، قمنا بإجراء اختبار الانحدار السلبي ثنائي الحد الصفريZero-Inflated Negative Binomial Regression، ويفحص هذا الانحدار أثر "المنطقة" في حدوث التعبئة السياسية، في الوقت الذي يتحكم في المتغيرات الأخرى ذات الصلة. ولاستخدام هذا النموذج، يجب تحديد المتغيرات للتنبؤ "بالأصفار المؤكدة" (لتقييم احتمال عدم حدوث التعبئة السياسية)، ومن ثم تحديد نموذج ثانٍ (لتقييم تأثير المتغيرات المشمولة في عدد المظاهرات وأنواع أخرى من التعبئة السياسية). والمتغيرات التي تم استخدامها للتنبؤ بالأصفار المؤكدة هي: المخيم، والسكان، والاقتحامات، وكثافة المستوطنات. وأضيف المتغير الرئيس المستقل، أي المنطقة، في النموذج الثاني للتنبؤ بالتغيرات في المتغير التابع. ويبين الجدول (3) نتائج هذا النموذج. يظهر النموذج دلالة إحصائية لكل من المنطقة (ب) والمنطقة (ج)، وهذا يعني أنه عندما نتحكم في أثر عدد السكان المرتفع، فإن حدوث التعبئة في المنطقة (أ) يختلف اختلافًا كبيرًا عن المنطقتين (ب) و (ج.) وتكون التعبئة أكثر ترجيحًا في المنطقة (ب)، أي منطقة المجتمعات الريفية والأقل من حيث عدد السكان، من المنطقة (أ). كما أن التعبئة أكثر ترجيحًا في المنطقة (ج) أيضًا ولكن بدرجة أقل (أي بمُعامل أصغر). وإذا أردنا تفسير أثر عدد السكان الكبير، وكثافة المستوطنات، والاقتحامات والقدرات المرتفعة (في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية)، سنجد أيضًا أن المناطق التي فيها عدد سكان أقل وقدرات أضعف على التنسيق تشهد حقيقة مستوى أعلى من التعبئة. لذلك، عندما ننظر إلى هذه البيانات إضافة إلى التقييم الكيفي الوارد آنفًا، يبدو من الواضح أن لوجود السلطة الفلسطينية أثرًا فريدًا في العمل الجماعي، ويسهم بصورة مباشرة في تحديد أشكال التعبئة (والتثبيط) التي نراها في فلسطين اليوم.

المنطقة (أ)المنطقة (ب)المنطقة (ج)
قبل قيام السلطة الفلسطينيةمستويات مرتفعة من التعبئة.
درجة منخفضة من الاستقطاب.
مستويات منخفضة من التعبئة.
درجة منخفضة من الاستقطاب.
مستويات مرتفعة من التعبئة.
درجة منخفضة من الاستقطاب.
بعد قيام السلطة الفلسطينية ومع
انطلاق الانتفاضة الثانية
تراجعت التعبئة، وبدرجات متفاوتة.
زيادة الاستقطاب.
مستويات منخفضة من التعبئة.
درجة منخفضة من الاستقطاب.
تراجعت التعبئة، وبدرجات متفاوتة.
زيادة الاستقطاب.
بعد الانتفاضة الثانيةمستويات منخفضة من التعبئة.
درجات عالية من الاستقطاب.
مستويات مرتفعة من التعبئة.
درجات منخفضة من الاستقطاب.
مستويات متوسطة من التعبئة.
درجات منخفضة من الاستقطاب.

المنطقة أ المنطقة ب المنطقة ج

المنطقةالمتوسط والانحراف المعياريN
أ0.045)0.305(11025
ب0.071)0.488(20071
ج0.058)0.429(19342
القيمة الإحصائية F = 0.0000***مجموع N = 50438
النموذج 1
الانحدار السلبي ثنائي الحد الصفري
الحدوث
المنطقة (قيمة مطلقة)
1.464***المنطقة ب
(0.093)
0.882***المنطقة ج
(0.104)
-0.434**المخيم
(0.177)
6.68e-06***السكان
(1.10e-06)
0.083الاقتحامات
(0.080)
0.140***كثافة المستوطنات
(0.017)
الأصفار المؤكدة
-1.237***المخيم
(0.198)
-0.000***السكان
(6.37e-06)
-1.182***الاقتحامات
(0.095)
-0.245***كثافة المستوطنات
(0.019)
5.393***cons_
(0.192)
0.089Lnalpha
(0.217)
1.094Alpha
(0.237)
47528N (total)
1356N (non-zero)
46172N (zero)
Wald chi 2 (6) = 400.95
Prob > chi 2 = 0.000

خاتمة

بالنظر إلى التقييم الكيفي لفترات زمنية مختلفة، إضافةً إلى التقييم الكيفي لأشكال التعبئة السياسية القائمة اليوم، يمكننا القول إن للسلطة الفلسطينية تأثيرًا في طريقة احتجاج الفلسطينيين. ويعطينا التغير الداخلي المقدّم في هذه الحالة الخاصة فرصة فريدة لفحص أثر السلطة الفلسطينية بالتحديد، مع تثبيت المتغيرات الأخرى (كالاختلاف في عدد السكان أو المظالم). وتبيّ هذه الدراسة على المستوى النظري أهمية دراسة أثر إستراتيجيات الأنظمة الاستبدادية مع مرور الزمن، ليس على مستوى الفرد فقط، وإنما على مستوى المجتمع كله أيضًا. ويساعدنا ذلك في تكوين فهم أدق للتعبئة السياسية (أو لغيابها) في الأوضاع غير الديمقراطية. وبعد كل ذلك، يغدو من الواضح أكثر فأكثر أن الأفراد لا يشتغلون في الفراغ، وأنه لا يمكن التقليل من أهمية أثر المجتمع المباشر المحيط بهم. كما يساعدنا فحص أثر الأنظمة الاستبدادية في الترابط الاجتماعي في فهم السبب الذي يجعل بعض المجتمعات تمتلك القدرة على التعبئة السياسية الفعّالة، في حين تفتقر إليها مجتمعات أخرى. وتمثّل حالة السلطة الفلسطينية مثالً على هذه الدينامية، ومما لا شك فيه أنها تنطبق على كثير من الحالات الأخرى.

المراجع

العربية

المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية. "نتائج استطلاع الرأي العام رقم (59)". وحدة البحوث المسحية. 2016/3/21:. في https://goo.gl/3Wf7Ya

الأجنبية

Abu-Helal, Feras. "The Conflict over Palestinian Legitimacy." Middle East Monitor. 4/6/2013. at: https://goo.gl/zsco3Z Bellin, Eva. "The Robustness of Authoritarianism in the Middle East: Exceptionalism in Comparative Perspective." Comparative Politics. vol. 36. no. 2 (2004). Cheslow, Daniella. "Palestinian Nonviolence: Is the Burdus Model Still Viable?" The Christian Science Monitor. 10/12/2010. at: https://goo.gl/usoCuU Davies, James. "Toward a Theory of Revolution." American Sociological Review. vol. 27. no. 1 (1962). cities: divided "Policing Michael. Dumper, Stabilization and law enforcement in Palestinian East Jerusalem." International Affairs. vol. 89. no. 5 (2013). Ezrow, Natasha & Erica Frantz. "State Institutions and the Survival of Dictatorships." Journal of International Affairs. vol. 65. no. 1 (2011). Fearon, James D. "Self-Enforcing Democracy." The Quarterly Journal of Economics. vol. 126. no. 4 (2011). Freedman, Robert (ed.). The Intifada: Its Impact on Israel, the Arab World, and the Superpowers. Gainesville, FL: University Press of Florida, 1991. Gurr, Ted Robert. Why Men Rebel. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1970. Gurr, Ted Robert & Raymond Duvall. "Civil Conflict in the 1960s: A Reciprocal Theoretical System with Parameter Estimates, comparative political studies." Comparative Political Studies. vol. 6. no. 2 (1973). Hyde, Susan D. & Nikolay Marinov. "Information and Self-Enforcing Democracy: The Role of International Election Observation." International Organization. vol. 68. no. 2 (2014). International Crisis Group (ICG). "Who Governs the West Bank? Palestinian Administration under Israeli Occupation." Middle East Report. no. 32 (September

________. "Ruling Palestine II: The West Bank Model?" Middle East Report. no. 79 (July 17, 2008). ________. "Squaring the Circle: Palestinian Security Reform under Occupation." Middle East Report. no. 98 (September 7, 2010). Jamal, Amal. The Palestinian National Movement: Politics of Contention, 1967 - 2005. Bloomington, IN: Indiana University Press, 2005.

Jamal, Amaney. Barriers to Democracy: The Other Side of Social Capital in Palestine and the Arab World. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2007. King, Gary, Jennifer Pan & Margaret Roberts. "How Censorship in China Allows Government Criticism but Silences Collective Expression." American Political Science Review. vol. 107. no. 2 (2013). Levitsky, Steven & Lucan Way. Competitive Authoritarianism: Hybrid Regimes after the Cold War. New York: Cambridge University Press, 2010. Lockman, Zachary & Joel Beinin (eds.). Intifada: The Palestinian Uprising against Israeli Occupation. Boston, MA: South End Press, 1989. McAdam, Doug et al. (eds.). Comparative Perspectives on Social Movements: Political Opportunities, Mobilizing Structures, and Cultural Framings. Cambridge: Cambridge University Press, 1996. McLauchlin, Theodore & Wendy Pearlman. "Out- Group Conflict, In-Group Unity? Exploring the Effect of Repression on Intramovement Cooperation." Journal of Conflict Resolution. vol. 56. no. 1 (2011). Parkinson, Sarah Elizabeth. "Organizing Rebellion: Rethinking High-Risk Mobilization and Social Networks in War." American Political Science Review. vol. 107. no. 3 (2013). Pearlman, Wendy. Fragmentation and Violence: Internal Influences on Tactics in the Case of the Palestinian National Movement, 1918 - 2006. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2007. Propelling Nonviolence, "Precluding Violence: The Effect of Internal Fragmentation on Movement Protest." Studies in Comparative International Development. vol. 47. no. 1 (2012). Peceny, Mark & Christopher K. Butler. "The Conflict Behavior of Authoritarian Regimes." International Politics. vol. 41. no. 4 (2004). Pickering, Jeffrey & Emizet F. Kisangani. "Diversionary Despots? Comparing Autocracies' Propensities to Use and to Benefit from Military Force." American Journal of Political Science. vol. 54. no. 2 (2010). Rubin, Barry. The Transformation of Palestinian politics: From Revolution to State-building. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1999. Rubin, Barry & Judith Colp Rubin. Yasir Arafat: A Political Biography. New York, NY: Oxford University Press, 2003. Shlaim, Avi. The Iron Wall: Israel and the Arab World. New York, NY: W.W. Norton, 2000. Sarsour, Shaker, Reem Naser & Mohammad Atallah. "The Economic and Social Effects of Foreign Aid in Palestine." Palestine Monetary Authority (November 2011). at: https://goo.gl/APUA2B Tarrow, Sidney. Power in Movement: Social Movements and Contentious Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1998. Taylor, Michael. Rationality and Revolution. Cambridge: Cambridge University Press, 1988. Tilly, Charles. From Mobilization to Revolution. Reading, MA: Addison-Wesley Pub., 1978. Wood, Elisabeth Jean. Insurgent Collective Action and Civil War in El Salvador. New York, NY: Cambridge University Press, 2003.