الاتحاد الأوروبي والـتحول الديمقراطي في العالم العربي: حدود القوة المعيارية

The European Union and Democratic Transition in the Arab World: The Limits of Normative Power

محمد حمشي| Mohamed Hamchi *

الملخّص

تبحث الدراسة في حدود الدور الذي يؤديه الاتحاد الأوروبي (أو لا يؤديه) في مسارات التحول الديمقراطي في الوطن العربي، استنادًا إلى مفهوم "أن الاتحاد الأوروبي قوة معيارية" في السياسة الدولية. وتحاجّ بأن تعطل عمليات التحول الديمقراطي في دول الربيع العربي، و"لا دور" الاتحاد الأوروبي من شأنهما أن يقدما أداة مائمة لاختبار حدود القوة المعيارية لاتحاد. وتنقسم الدراسة إلى ثاثة محاور أساسية؛ يقدم الأول مدخل ا إلى مفهوم القوة المعيارية، ويستعرض الثاني تطور أنماط انخراط الاتحاد الأوروبي في مسارات التحول الديمقراطي في الوطن العربي، بينما يسعى الثالث إلى تحليل أنماط الانخراط، ونقدها، ومن ثم اختبارها. وتنتهي الدراسة إلى كشف حقيقة حدود القوة المعيارية لاتحاد الأوروبي، والمحاجّة بأن السلوك الخارجي لاتحاد الأوروبي هو سلوك إستراتيجي أكثر مما هو معياري.

Abstract

This article considers the limitations of the role that the European Union plays (or does not play) in the Arab democratic transition process, building on the idea of the EU as a 'normative power' in international politics. It argues that the breakdown of democratic transition in the Arab Spring states, and the (non)-role of the EU, provides an appropriate tool for testing the limits of the EU's 'normative power'. The second section reviews the development of the EU's modes of involvement in Arab democratic transition, while the third section analyses, critiques, and tests these modes. The article concludes by exposing the limits of the EU's normative power, arguing that its foreign policy behaviour is more strategic than it is normative.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

The European Union and Democratic Transition in the Arab World:

مقدمة

نشُرت، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، العديدُ من الأدبيات التي تناقش التحول في طبيعة القوة في السياسة الدولية. وإلى جانب القوة الناعمة (في مقابل القوة الخشنة)؛ أسست تلك الأدبيات، خاصة في الجماعات المعرفية الأوروبية، لمفهوم "القوة المعيارية" الذي ارتبط بالسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي في حقبة ما بعد الحرب الباردة1. وكان من أهم وعود المفهوم أنه يستند إلى مبدأ "تصدير الاتحاد الأوروبي قواعد/ معايير سلوكه وممارساته خارج حدوده"؛ ما يعني تحقيق أهداف السياسة الخارجية للاتحاد عبر الجذب والإقناع وليس عبر القسر والإكراه. وهو ما جعل الاتحاد الأوروبي يحظى بوصفه على نطاق واسع قوة معيارية فريدة من حيث وظيفتها وغائيتها. وقد أقرت معاهدة لشبونة عام 20072 أنه فيما يتعلق بشؤون السياسة الدولية والعلاقات الخارجية للاتحاد الأوروبي، على الاتحاد أن يسعى إلى نقل/ نشر القيم ومعايير السلوك نفسها التي يستند إليها خارج حدوده عمومًا، وعلى أطرافه خاصة. ويأتي تعزيز الديمقراطية، وسيادة القانون، والحريات وحقوق الإنسان في طليعة تلك المعايير. منذ نجاح حركات توسيع الاتحاد الأوروبي الأخيرة في أعوام 2004 و 2007 و 2013، هناك من يحاجّ بأن الاتحاد تمكّن من تحويل سلوك المؤسسات السياسية وممارساتها في الدول التي شملتها حركات التوسع، وهو مؤشر جيد على معيارية الاتحاد الأوروبي بوصفه قوة غير تقليدية في السياسة الدولية. ومع ذلك، فقد برزت مراجعات لحدود قوة الاتحاد الأوروبي المعيارية وتطورت، فضلً عن العديد من الانتقادات الحادة لسلوك السياسة الخارجية للاتحاد فيما يتعلق بنقل معايير تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى أطرافه. وحديثًا جدًّا، شكلت استجابة الاتحاد الأوروبي لأحداث الربيع العربي، وأداؤه حيال مسارات التحول الديمقراطي في دول الربيع العربي، دافعيَن قوييَن لأخذ تلك المراجعات والانتقادات على محمل الجد. في هذا السياق، يبدو ضروريًا إعادة النظر في الحد الفاصل بين "المعياري" و"الإستراتيجي" في سلوك السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي؛ باعتباره حدًّا غير واضح تمامًا. وهنا، يتطلب الأمرُ، من باحثي العلاقات الدولية، الانتباه إلى احتمال الزيف في الوعود التي تقطعها النظرية البنائيةConstructivism لتفسير الكيفية التي تُشكِّل بها الهوياتُ والمعاييرُ مصالحَ الفواعل، ومن ثم سلوكاتهم. في المقابل، يبدو من الملائم الانتباه إلى الطبيعة الذرائعية للمعايير في السياسة الدولية، وهي أطروحة مناهضة تزعم أن المصالح سابقة على الهويات والمعايير؛ وطبقًا لذلك، يصبح تشديد خطاب السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي على نقل المعايير (بما في ذلك معيار الديمقراطية) أداة في خدمة المصالح الإستراتيجية للاتحاد. وبذلك، فإن استجابة الاتحاد لأحداث الربيع العربي، و (لا) دوره في عمليات التحول الديمقراطي في دول الربيع العربي، من شأنهما أن يقدما نموذجًا ملائمًا لفهم حجج هذه الأطروحة. يمثّل الربيع العربي، بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، تطورًا معقدًا في جوار مضطرب بمخرجات غير يقينية (بمعنى لا يمكن التنبؤ بما ستؤول إليه)؛ لذلك، يبقى سلوكه محكومًا بمنطق الواقعية السياسية المحضة Realpolitik. وبدلً من الاكتفاء بقراءة الخطاب السياسي السائد الكامن في الوثائق والتصريحات السياسية/ الإعلامية الرسمية، لا بد من البحث على نحوٍ أوسع في مصالح الاتحاد الأوروبي وأهدافه وأدواته، وعلى نحوٍ أعمق في أنماط الصراع والتنافس المستمر، داخل مؤسسات الاتحاد نفسِه، حول كيفية تشكيل هويته ومصالحه وإعادة تشكيلها (كالصراع والتنافس بين ألمانيا وفرنسا حول التوجه شرقًا أو غربًا، والصراع والتنافس بين دول شمال الاتحاد ودول جنوبه حول أفضلية المسائل الأمنية كالهجرة على المسائل المعيارية كالديمقراطية وحقوق الإنسان.) تحاجّ هذه الدراسة بأن تعطل عمليات التحول الديمقراطي في دول الربيع العربي، و (لا) دور الاتحاد الأوروبي، من حيث هو قوة غير تقليدية تدّعي تبنّي سياسة خارجية قائمة على مبدأ نقل المعايير خارج حدودها، من شأنهما أن يقدما أداة ملائمة لاختبار حدود القوة المعيارية للاتحاد الأوروبي، وحججًا قوية (نظرية وإمبريقية) لإثبات أفضلية الانشغالات الأمنية على الانشغالات المعيارية في الجوار المتوسطي للاتحاد الأوروبي، المضطرب والمفعم باللايقين الإستراتيجي. وفي هذه الحالة، تحاجّ هذه الدراسة، بأنه ينبغي لباحثي العلاقات الدولية إعادة النظر في افتراضات النظرية البنائية التي كانت، في جزء مهم منها، قد تطورت أصلً في اتساق مدهش مع ولادة الاتحاد الأوروبي ونموه قوةً معيارية غير تقليدية في حقبة ما بعد الحرب الباردة. في الدراسة ثلاثة محاور أساسية: يقدم المحور الأول منها مدخلً إلى مفهوم القوة المعيارية في علاقته بسياسات الاتحاد الأوروبي، كما

  1. تستعمل هذه الدراسة عبارة "السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي" على نحو عام، من دون الخوض في تفاصيل النقاش السائد حول ما إذا كانت هناك سياسة خارجية "موحدة" أم "مشتركة" بين دول الاتحاد الأوروبي، أم أن المسألة ما زالت تتعلق أكثر بسياسات خارجية قومية لكل دولة بصورة منفردة. يبقى أن البعد القومي/ الوطني ما زال مهمًّ والاختلاف في وجهات النظر، وأحيانًا التنافس بينها، هو ما يحدد مخرجات السلوك الخارجي للاتحاد الأوروبي. يمكن في هذا الصدد استحضار التنافس بين وجهتي النظر الألمانية والفرنسية حيال الحالة المصرية عام.2013
  2. للاطلاع على نص المعاهدة، انظر: " Treaty of Lisbon," Official Journal of the European Union , C 306, vol. 50 (December 17, 2007), accessed on 292018/11/, at: https://bit.ly/2KGp3oF

يقدم مراجعة لافتراضات النظرية البنائية في العلاقات الدولية بشأن العلاقة بين الهويات/ المعايير والمصالح و (حدود) دورها في تشكيل سلوك الفواعل الدولية. أما المحور الثاني فيستعرض أنماط انخراط الاتحاد الأوروبي في مسارات التحول الديمقراطي في الوطن العربي، قبل الربيع العربي وبعده. بينما يسعى المحور الثالث إلى تحليل، أنماط الانخراط تلك ونقدها ومن ثم اختبارها، استنادًا إلى التوتر الثابت والمستمر في سياسات القوى الكبرى بين المعياري والإستراتيجي، بين الهويات والمعايير التي يرويها الخطاب والمصالح الإستراتيجية التي يعكسها السلوك. وتنتهي الدراسة إلى "فضح" حدود القوة المعيارية للاتحاد الأوروبي، والمحاجّة بأن سلوك سياسته الخارجية سلوك إستراتيجي أكثر مما هو معياري. وعندما يتعارض المعياري مع الإستراتيجي، يتصرف الاتحاد الأوروبي على أساس المفاضلة بين تعزيز المصالح الأمنية والإستراتيجية داخل الحدود وخارجها، وتعزيز (نقل) المعايير السياسية والاجتماعية خارج الحدود، لينتهي به المطاف إلى تفضيل المصالح على المعايير. وفي حالة التحول الديمقراطي في الوطن العربي، لا ينبغي أن نتوقع سلوكًا شاذًا عن ذلك، فالأمن دائمًا يأتي قبل الديمقراطية.

أولا: مفهوم القوة المعيارية

يترادف مفهوم القوة المعياريةNormative Power مع العديد من المفاهيم البديلة، كالقوة المدنية Civilian، والقوة الأخلاقية Ethical، وحتى القوة "اللطيفة" Gentle3. ويأتي تطور المفهوم في سياق الأدبيات التي تشدد على دور الاتحاد الأوروبي بوصفه فاعلً دوليًا غير تقليدي، يتبنى سياسات خارجية معيارية قيمية التوجه Value-Driven4، يسعى إلى تصدير [وتعزيز] قواعد سلوك الاتحاد الأوروبي ومعاييره وممارساته وقيمه خارج حدوده؛ ما يعني تحقيق أهداف السياسة الخارجية للاتحاد عبر الجذب والإقناع5 وليس عبر القسر والإكراه. وتشمل هذه المعايير كلً من الديمقراطية، وسيادة القانون، والحريات، وحقوق الإنسان، وتعددية الأطراف، والسلام المستدام/ المتساند، وغيرها. يمكن التعامل مع ما سبق على أنه تعريف ابتدائي، غير أن هذا لا ينفي وجود اختلافات - يبدو مبدئيًا أنها لا ترقى إلى مستوى الجدل - بشأن ما يُعنى بالقوة المعيارية للاتحاد الأوروبي. لذلك، تحاج هذه الدراسة بأن جزءًا أساسيًا من المشكلة يكمن في إسقاط هذه المضامين على مفهومي الهويات والمصالح في العلاقات الدولية كما تحددها النظرية البنائية. لذلك، يجب أولً فهم الكيفية التي يقارب بها البنائيون [أصحاب النظرية البنائية] إشكالية المعايير في السياسة الدولية، والتحديات التحليلية التي يواجهونها، ثم الانتقال إلى فحص ما يُعنى بالاتحاد الأوروبي بوصفه قوة معيارية في السياسة العالمية.

المقاربة البنائية لمسألة المعايير في السياسة الدولية

تشدد المقاربة البنائية للسياسة الدولية على أهمية المعايير بوصفها متغيراتٍ تساعد في فهم سلوك الفواعل الدولية وتفسيره. كما تشدد على أن وجود المعايير (والمؤسسات) الدولية يساعد على التغلب على صعوبات التعاون التي تفرضها البنية الفوضوية للنظام الدولي6. تأتي هذه الادعاءات في سياق اهتمام البنائيين بالبعد الاجتماعي في أنطولوجيا السياسة الدولية، وطريقتها في إعادة إبراز دور الهُوية والخطاب في العلاقات الدولية. في إمكان النقاش حول إشكالية المعايير في العلاقات الدولية أن يساعد في فهم الإضافة التي تقدمها المقاربة البنائية من جهة، والاختلاف بينها وبين المقاربتين الواقعية (الجديدة) والمؤسساتية (الجديدة) من جهة أخرى. يجادل الواقعيون بأن المعايير تفتقر إلى القوة التفسيرية اللازمة، بينما يجادل المؤسساتيون بأنها تؤدي دورًا مؤثرًا في مسائل معينة في السياسة الدولية، غير أن المعايير حتى بالنسبة إلى المؤسساتيين تبقى عوامل غير مستقلة تساعد في ضبط سلوك الدول وتقييد خياراتها فقط، كما أن هذه الدول تبقى فواعل عقلانية، أنانية وذات مصالح ثابتة ومحددة تدفع بها نحو السعي لتعظيم المنفعة. وبالنسبة إلى العقلانيين، فإن الفواعل

  1. يأتي هذا المفهوم في سياق النقاش حول التغير في طبيعة القوة في السياسة الدولية مع نهاية الحرب الباردة. يعتبر جوزيف ناي وهو من الرواد الذين خاضوا هذا النقاش محاجًّا ببروز موارد جديدة للقوة إلى جانب الموارد المادية التقليدية، وتتمثل أساسًا في القدرة على إقناع فاعل معين أو تحويل سلوكه لتحقيق أهداف معينة من دون استهلاك [مفرط ل] موارد القوة الخشنة التقليدية. وقد اصطلح على هذا المضمون الجديد للقوة بالقوة الناعمة. وهو ينطوي على عناصر فكرية Ideational واجتماعية Social أكثر منها مادية، كالقدرة على تحقيق الأهداف من خلال الإقناع والجذب وليس الإكراه، إقناع الآخرين بالتزام المعايير والمؤسسات التي تنتج سلوكًا ما مرغوبًا فيه. وقدم ناي مصطلحات مختلفة جديدة للتعبير عن القوة غير المادية للاتحاد الأوروبي، كالقوة المدنية، والقوة الأخلاقية، والقوة ما بعد
  2. 4 R. Youngs, "Normative Dynamics and Strategic Interests in the EU's External Identity," Journal of Common Market Studies , vol. 42, no. 2 (2004), pp. 415 - 435
  3. مصدر الجذب والإقناع هنا هو جاذبية نموذج الاتحاد الأوروبي في حد ذاته، فهو يشكل مثالً على نجاح الاندماج الإقليمي الذي تمكن من تحويل علاقات الصراع والاحتراب في الماضي إلى علاقات تعاون وتكامل تتلاقى فيها المصالح المتعارضة من خلال المفاوضات والتعاقد. انظر: al. et.Lazarou,
  4. 6 Fred Chernoff, Theory and Metatheory in International Relations: Concepts and Contending Accounts (New York: Palgrave Macmilan, 2007), pp. 69 - 70.

(الدول) هي التي تخلق البنى (المعايير والمؤسسات). في مقابل ذلك، يجادل البنائيون بأن المعايير فهومات جماعية (متشارَكة بين الفواعل) تمارس تأثيرًا أعمق من ذلك، فهي لا تقوم بضبط سلوك الدول فقط، لكنها تعمل كذلك على تشكيل هوياتها ومصالحها. وبذلك فهي تُعتبر متغيرًا تفسيريًا مستقلً. بالنسبة إلى البنائيين، فإن الفواعل (الدول) والبنى (المعايير والمؤسسات) تتفاعل فيما بينها،.7ويشكل بعضُ ها بعضًا Mutually Constituted تجادل مارتا فاينمور بأن المسعى الأساسي للبنائية يتمثل في إعادة النظر في المقاربات العقلانية المتمركزة حول الفاعل وإلقاء المزيد من الضوء على الشق الثاني من ثنائية الفاعل - البنية (أي البنية.) كما تجادل بأن منطق الملاءمةLogic Of Appropriateness الذي يدافع عنه البنائيون، في إمكانه أن ينبئنا بسلوك الفاعل بالقدر نفسه الذي ينبئنا به منطق العواقب Consequences Of Logic، الذي يدافع عنه العقلانيون. يفيد منطق العواقب/ النتائج بأن الفواعل الأنانية والعقلانية، الساعية إلى تعظيم المنفعة، تتفاوض وتتفاعل بحسب ما تمليه مصالحُها وتفضيلاتُها الثابتة. تأتي تسمية هذا المنطق من نزعة الدول إلى الانشغال بعواقب/ بنتائج التفاعل بعضُ ها مع بعض. أما منطق الملاءمة فيفترض أن الفواعل تهتم بالقيام "بالفعل الملائم" بحسب ما تدفعها إليه المعايير الضابطة والمشكِّلة للسلوك، والتي يمكن اعتبارها بمنزلة "قواعد للعبة"8 في حد ذاتها. في هذا السياق، تصبح مصالح الدول متغيراتٍ تابعة، في الوقت الذي تصبح فيه المعايير التي تروج لها المؤسسات الدولية مثلً، وتؤدي دورًا مشكِّلً لمصالح الدول وضابطًا لسلوكها، هي المتغير المستقل. وقد بينت فاينمور، استنادًا إلى ثلاث حالات (اليونسكو، والصليب الأحمر الدولي، والبنك الدولي)، أن هناك ارتباطات سببية Correlations بين ظهور معايير بنيوية (مؤسساتية) جديدة والتغير في مصالح الدول وسلوكاتها. وهذا يعني أن المعايير لا تعمل على تشكيل مصالح الدول ومن ثم سلوكاتها فقط، ولكنها تعمل كذلك على تغييرها لتتلاءم معها، وهو ما يمثل تحديًا جوهريًا للقدرة التفسيرية للمقاربات العقلانية. فضلً عن ذلك، بيّنت فاينمور أن الفواعل غالبًا ما تبرر ممارساتها على نحوٍ يجعلها تبدو متلائمة مع القيم والقواعد المتضمَّنة في تلك المعايير9. إن المعايير، مثلها مثل المؤسسات، هي ذات بعد تكويني Constitutive أيضًا وليست فقط ذات بعد ضابط Regulative لسلوك الدول، فهي لا تجعلها تمتنع عن سلوك معين فقط (بفعل وظيفة الضبط)، لكنها تجعلها تتبع وصفات اجتماعية معينة لسلوك آخر يُنظر إليه على أنه السلوك الملائم، وهذا هو جوهر منطق الملاءمة عند البنائيين. غير أن المداخلات البنائية حول إشكالية المعايير ما زالت تعرف العديد من التحديات التحليلية في الأساس. يكمن التحدي الأول في أنه عادة ما يُساء فهم الطابع المعياري للمعايير في حدّ ذاتها؛ بمعنى أن المعايير، التي يجادل البنائيون بأنها تشكل/ تعيد تشكيل هويات الدول ومصالحها، يجب ألّ تكون بالضرورة مرغوبًا فيها أخلاقيًا، لذلك نجد جيفري تشيكل ينبّه إلى أن البنائيين ينبغي لهم أن يولوا "الأشياء السيئة" الاهتمام نفسه في السياسة الدولية، المبنية اجتماعيًا بدورها، وألّ يقتصر الاهتمام على المعايير الأخلاقية، كمعايير الحد من انتشار الأسلحة النووية والكيماوية، تلك المعايير التي ساعدت على إنهاء الحرب الباردة10، أو تلك التي أدت إلى تصفية الاستعمار على سبيل المثال. أما التحدي الثاني فيكمن في أن تركيز (أغلب) البنائيين المفرط على المعايير كفُهوم جماعية - بينذاتية يكون قد أدى إلى إهمال المعايير كفهوم فردية - ذاتية، على الأقل في مراحل مبكرة من تطورها11. تُعتبر أعمال فاينمور رائدة في إبراز الدور الذي يؤديه الأفراد، بوصفهم فواعل اجتماعيين، في المراحل الأولى المبكرة من دورة حياة المعايير الدولية، حيث أطلقت عليهم تسمية "متعهدي المعايير" Entrepreneurs Norm12. تنقسم دورة حياة المعايير الدولية إلى ثلاث مراحل أساسية: مرحلة الانبثاق، ومرحلة الانتشار، ومرحلة التذييت (انظر الجدول.)

  1. Jeffrey Checkel, "The Constructivist Turn in International Relations Theory," World Politics, vol. 50, no. 2 (1998), pp. 327 - 328.
  2. Thomas Risse, "'Let's Argue!' Communicative Action in World Politics," International Organization , vol. 54 (2000), pp. 3, 5.
  3. Checkel, pp. 330 - 332.
  4. Ibid., p. 339.
  5. Ibid., p. 341.
  6. تقدم القواميس الإنكليزية - العربية مجموعة واسعة من الترجمات لمفردة Entrepreneur. إلى جانب الترجمة السائدة، المقاول، هناك ترجمات أخرى من قبيل المتعهد Undertaker، والمبادر Initiator، والمؤصِّل Originator، والملتزم Conformist. عمومًا، متعهدُو المعايير هم أفراد بارزون يبادرون بالتكلم عن معايير معينة، ويأخذون على عواتقهم مهمة الدفاع عنها وإقناع الدول بجدوى الامتثال لها، ويلتزمون السعي إلى إقحامها وترسيخها في الخطاب السائد. هناك تسميات أخرى، فمولر مثلً يسميهم "الأفراد الخيرين" المدفوعين بطبعهم إلى نشر الاعتقادات والأفكار الأخلاقية وتكريسها Individuals Benevolent، أما نايدلمان فيسميهم "متعهدي الأخلاق العابرين للحدود" Entrepreneurs Moral Transnational، بينما يسميهم ليسيغ "مهندسي المعنى" Architects Meaning:. انظر Tatjana Puschkarsky, "Norm Entrepreneurs in International Politics: A Case Study of Global Footprint Network and the Norm of Sustainability," Ruprecht-Karls-Universität Heidelberg, Fakultätfür Wirtschafts- und Sozial wissen schaften, Institut für Politische Wissenschaft, 2009, p. 31. دورة حياة المعايير الدولية المصدر: بيانات الجدول تستند إلى: Martha Finnemore & Kathryn Sikkink, "International Norm Dynamics and Political Change," International Organization, vol. 52, no. 4 (1998), p. 898. * يُقصد هنا بالتذييت Internalization تحوهّل المعايير إلى قواعد مفروغ منها ولا تصبح عند هذ المرحلة موضوعًا لنقاشٍ عام موسع بشأنها، حيث يصبح الامتثال لها عملية آلية. على سبيل المثال، لم يعد التزام الدول ضمان "حق النساء في التصويت" مَثارًا للنقاش، إلا بالنسبة إلى عدد قليل من الناس. ينطبق الأمر نفسه على معايير أخرى كتجريم العبودية أو ضمان الحصانة للطواقم الطبية أثناء فترات الحروب وغيرها. ** لا ينبغي أن يكون متعهدو المعايير أفرادًا بالضرورة. المؤسسات و/ أو المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية والجماعات المعرفية (الإبيستيمية) قد تؤدي هي الأخرى هذا الدور.
المرحلة الأولى
الانبثاق
المرحلة الثانية
الانتشار
المرحلة الثالثة
التذييت *
الفواعلمتعهدو المعايير **الدول، المنظمات الدولية، الشبكات(دوائر) القانون، البيروقراطيات
إ الدوافعالإيثار، التعاطف، الخيرية، الالتزامات
المثالية
الشرعية، السمعة،
تقدير (الآخرين)
الامتثال
الآلياتالإقناعالتنشئة، المأسسة (السياسية)العادة، المأسسة (الاجتماعية)

أما التحدي الثالث فيكمن في الحجة القائلة إن تأثير البنية الاجتماعية13 في الفاعل ليس حتميًا دائمًا؛ إذ يجب الانتباه إلى حالات لا تؤثر فيها المعايير في مصالح الدول وهوياتها14، وأحيانًا في هويات دول بعينها ومصالحها. من غير الممكن الفصل تحليليًا بين الكيفية التي تتطور بها المعايير وتنتشر من جهة، والإدراكات النفعيةUtilitarian للفواعل المرتبطين بهذا المسار من جهة أخرى. في السياق نفسه، تحاجّ فاينمور بوضوح بأن المعايير لا يمكن فصلها عن القوة وعن المصالح. قد تكون البنائية مقنعة بشأن الدور الذي تؤديه المعايير في تشكيل القرارات المستقبلية لقادة الدول ما إن تقبل بها دولُهم، غير أنها تبقى مقارنة بالعقلانية غير قادرة على التعامل مع أسئلة أساسية من قبيل: لماذا تتبنى دولة ما (أو مجموعة من الدول) معيارًا معينًا بينما تعارض تبني معيارٍ آخر؟ أو لماذا تتبنى دولة ما (أو مجموعة من الدول) معيارًا معينًا في فترة تاريخية معينة بينما تتخلى عنه في فترة تاريخية مختلفة15؟ في نهاية المطاف، يبدو أن الدول لا تتبنى المعايير لذاتها، لكن قرار تبنيها يتم بناءً على مدى ذرائعية المعايير وتناغمها مع مصالح الدول، وهذا ما يفسر الطابع الانتقائي لمواقف الدول من المعايير الدولية، كما يفسر التغيير في تلك المواقف من سياق إلى آخر، ومن مرحلة إلى أخرى. يؤكد سكوت فيتزسيمونس هذه العلاقة بين المعايير والمصالح من خلال إبراز النتائج المادية (وليس الاجتماعية) لتبني الدول معاييرَ معينة. إذا قبلنا بالافتراض الأساسي لدى البنائيين القائل بأن المعايير تؤثر في السلوك، فإنه ينبغي لنا أن نفهم أن تبني دولة ما معيارًا معيّنًا يترتب عليه في الأساس نتائج مادية. المثال الأشد وضوحًا هو المعايير المرتبطة بالممارسات العسكرية، حيث يمكن التزام الدولة بمثل هذه المعايير أن يحد على نحو حاسم من قدراتها العسكرية. في السياق نفسِه، تخلص جينيفر سترلينغ – فالكر إلى أن البنائيين يواجهون تحديًا أساسيًا بشأن تركيزهم المفرط على "منطق الملاءمة" على حساب "منطق العواقب."

22 هل الاتحاد الأوروبي قوة معيارية؟

أثبتت تجربة الاتحاد الأوروبي، خلال السنوات التي تلت نهاية الحرب الباردة، تهافت فرضية البنية الفوضوية للنظام الدولي المتمركز حول

  1. تتشكل البنية الاجتماعية لنظام ما من الأفكار، والمعتقدات، والقيم، والإدراكات، والتصورات، والهويات والمعايير التي يتشاركها الفاعلون المشكلون للنظام.
  2. Checkel, p. 339.
  3. Scott Fitzsimmons, "A Rational-Constructivist Explanation for the Evolution and Decline of the Normagainst Mercenarism," Journal of Military and Strategic Studies, vol. 11, no. 4 (2009), p. 4.

الدولة. فقد توجه زهاء 15 في المئة من إجمالي عدد الدول ذات السيادة في العالم إلى التنازل عن أجزاء مهمة من سيادتها لصالح مؤسسات ما فوق وطنية، وهو أمر يتعارض تمامًا مع افتراضات الواقعية (البنيوية)16. لقد تمكنت بالفعل بضع وعشرون دولة، رغم تاريخها الطويل المفعم بالغزوات والصراعات والحروب الفظيعة ورغم مواردها المحدودة، من أن تثبت أن الدول يمكن، في ظل نظام فوضوي البنية، ألّ تتصرف بوصفها فواعل أنانية، ويمكن أن تتنازل طوعًا عن (جزء من) سيادتها لمؤسسات فوق دولتية وأن تعتمد عليها في تحقيق أمنها، كما يمكن أن تتعاون وتندمج بعضُ ها مع بعض أكثر مما تتنافس وتحترب بعضُ ها ضد بعض. كان لتجربة الاتحاد الأوروبي - ولا يزال - تأثيرٌ تحويلي متعدد المستويات: على المستوى الوطني (حكومات الدول الأعضاء)، وعلى المستوى الإقليمي (ما بين حكومات الدول الأعضاء)، وعلى المستوى الدولي (السياسة العالمية). ومن أبرز مظاهر هذا التأثير (السعي نحو) تحويل معايير السلوك/ التفاعل وقواعده في السياسة الدولية بعيدًا عن الأنماط التقليدية المتمركزة حول الدولة بوصفها فاعل، وحول المصلحة الوطنية هدفًا، وحول القوة الخشنة/ العسكرية أداةً، وحول التنافس والاحتراب نمطًا للتفاعل. وهذا ما يجعل الاتحاد الأوروبي فاعلً مختلفًا عن بقية فواعل السياسة الدولية، بل فريدًا من نوعه. في هذا السياق، تطور الادعاء، الذي بات الآن سائدًا بين الباحثين والسياسيين على حدٍّ سواء، بأن الاتحاد الأوروبي يمثل قوة معيارية في السياسة الدولية في حقبة ما بعد الحرب الباردة. يرتبط، كذلك، مفهوم "الاتحاد الأوروبي بوصفه قوة معيارية"، بالأسئلة التي يثيرها وضع أوروبا بعد نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي من جهة، وبعد تحول الجماعة الأوروبية إلى اتحاد أوروبي من جهة أخرى؛ فهل يمكن أن تكون أوروبا "قوة عظمى" على غرار الولايات المتحدة الأميركية؟ لذلك، يمكن القول إن خطاب "القوة المعيارية" البديل يعبّ عن مدى قدرة الاتحاد الأوروبي على ممارسة القوة على الصعيد الإقليمي/ العالمي والقيام بالسياسة الدولية على. يلخصDoing International Politics Differently نحو مختلف زكي العايدي هذا النقاش تلخيصًا في غاية البساطة؛ فهو يحاجّ بأن الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يكون "قوة عظمى" بالمفهوم التقليدي الذي ينطبق على الولايات المتحدة أو الصين. لذلك، فهو يسعى إلى تعزيز "ما تبقى له" من قدرات غير تقليدية. وبناء عليه، يمكن المحاجّة بأن مفهوم "الاتحاد الأوروبي قوة معيارية" إنما يعبر عن مجموعة من القدرات التي (ينبغي أن) يتمتع بها الاتحاد الأوروبي من أجل تحقيق أهدافه الإستراتيجية بوصفه فاعلً غير تقليدي في السياسة الدولية، غير تقليدي مقارنة بالولايات المتحدة أو الصين، كالقدرة على إنتاج نظام خاص بالمعايير على المستوى العالمي، والقدرة على ضبط التفاعلات بين فواعله (الدول الأعضاء) والقدرة على جعل سلوكاتها قابلة للتوقع Predictability، فضلً عن القدرة على تطوير روح المسؤولية الجماعية بينها. وفي نهاية المطاف، يحاجّ العايدي بأنه ما من خيارٍ آخر أمام أوروبا غير التصرف بوصفها قوة معيارية17. في السياق نفسه، جادل فرانسوا ديشان مبكرًا، مع بداية سبعينيات القرن الماضي، بأن قوة أوروبا لا يمكن إلا أن تكون مدنية، وذلك عبر تحويل العلاقات الدولية إلى علاقات تعاقدية قائمة على المعاهدات والاتفاقيات التي من شأنها التخفيف من حدّة اللجوء إلى استخدام القوة [الخشنة]. كما يجادل بأن أوروبا لا يمكن أن تكون قوة عسكرية لأن منظورًا كهذا يتناقض تمامًا مع ما كان يؤمن به مؤسّسو مشروع الجماعة الأوروبية، والتي رأى فيها [حتى قبل تشكيل الاتحاد الأوروبي] فكرة ملهمة تقوم على مبدأ "المعايير قبل القوة"18. يتفق هذا أيضًا مع أطروحات جوهان غالتونغ الذي شدد على أن أوروبا لا ينبغي لها أن تميل إلى استخدام الأدوات التقليدية للقوة (المكافآت أو العقوبات)، لكن عليها أن تسعى بدلً من ذلك إلى التأثير في العالم من خلال أفكارها ومعاييرها، فتشكل بذلك طريقًا ثالثًا بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي آنذاك19. هناك ارتباط سياقي، على نحو وثيق، بين هذه المعايير - ما بعد الويستفالية كما يدعوها إيان مانرز - التي يتأسس عليها مفهوم القوة المعيارية ومسار الاندماج الإقليمي الأوروبي، عبر مراحله المختلفة،

  1. مع نهاية الحرب الباردة، تنبأ عدد من الواقعيين (البنيويين) بأن زوال استقطاب الحرب الباردة سيضع حدًّا لمسار الاندماج الأوروبي (جون ميرشهايمر، وكينيث وولتز، وستيفن وولت من بين آخرين). غير أن ما حدث لاحقًا أظهر هؤلاء البنيويين كأنهم (كانوا) يتحدثون عن قارة مختلفة تمامًا عن أوروبا؛ إذ بدلً من أن يتوقف مسار الاندماج الأوروبي، لم يحدث فقط أن تحولت الجماعة الاقتصادية الأوروبية إلى اتحاد أوروبي (عام 1992)، لكن الذي حدث أن الاتحاد توسع ليضم عددًا أكبر من الدول الأعضاء في خمس حركات توسع مهمة منذ نهاية الحرب الباردة (1993، و 1995، و 2004، و 2007، و 2013)، مع وجود
  2. Zaki Laïdi, Norms over Force: The Enigma of European Power (New York: Palgrave Macmillan, 2008), pp. 35 - 36. 18 François Duchêne, "The European Community and the Uncertainties of Interdependence," in: Max Kohnstamm and Wolfgang Hager (eds.), A Nation Writ Large? Foreign Policy Problems before the European Community (New York: John Wiley & Sons, 1973) cited in: Laïdi, pp. 36 - 37. 19 Johan Galtung, The European Community: Superpower in the Making (London: George Allen & Unwin, 1973), cited in: Laïdi , p. 37.
  3. خمس دول مرشحة للانضمام إضافة إلى الدول الأعضاء الثماني والعشرين. هذه الإخفاقات المتتالية في التنبؤات التي تحمس لها أنصار المقاربات البنيوية من شأنها أن تنزع الشرعية عن فرضية البنية الفوضوية للنظام الدولي بوصفها محددًا لسلوك الدول، سواء بوصفها مقيدًا لأنماط التعاون والاندماج أو محفزًا لأنماط التنافس والاحتراب. انظر: محمد
  4. حمشي، "النقاش الخامس في حقل العلاقات الدولية: نحو إقحام نظرية التعقد داخل الحقل"، أطروحة دكتوراه في العلاقات الدولية، جامعة باتنة 1، الجزائر، 2017، ص 227 -.229

والذي أفرز جملة من التفضيلات المعيارية القائمة على مبادئ السلام والحريات، وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، والديمقراطية، والتعددية، وحكم القانون، والتنمية المستدامة. تم النقاش والتداول بشأن هذه المعايير خلال القمة الأوروبية في كوبنهاغن عام 1993، ثم أصبحت جزءًا أساسيًا من هوية الاتحاد الأوروبي بوصفه فاعلً دوليًا. في هذا السياق، يلخص رئيس الوزراء الإيطالي السابق رومانو برودي (1998-1996 و 2008-2006) مفهوم القوة المعيارية بقوله: "إن الرغبة في نقل المعايير وتقاسم نموذجنا المجتمعي مع شعوب أوروبا الجنوبية وأوروبا الشرقية التي تتطلع إلى السلام، والعدالة والحرية لا يُعدُّ مشروعًا إمبرياليًا. في الحقيقة، يجب على أوروبا أن تذهب إلى أبعد من ذلك، حيث يستوجب علينا أن نصوب هدفنا نحو تحقيق قوة مدنية عالمية تكون في خدمة التطور العالمي المستدام"20. إضافة إلى ما سبق، لا يقتصر مفهوم الاتحاد الأوروبي بوصفه قوة معيارية على وضع/ إنتاج المعايير، لكنه يتضمن أيضًا نقلها والترويج لها. تشمل مساعي نقل المعايير هذه عدة مستويات: داخليًا (بين الدول الأعضاء والدول المرشحة للانضمام)؛ وإقليميًا (نحو الجوار الجيوسياسي - أوروبا الشرقية، جنوب المتوسط وشرقه)؛ وعالميًا. غير أن فكرة نقل السياسات عمومًا تبقى غير مقترنة حصرًا بالتجربة الأوروبية، فهي تعود مثلً إلى النقاش المبكر حول نقل السياسات عبر النظام الفدرالي الأميركي، بين حكومة/ مؤسسات الاتحاد الفدرالي وحكومات الولايات وعبرها. لكن، "بمرور الوقت، انتقل هذا الاهتمام من النظام الفدرالي الأميركي إلى تقارب السياسات بين الدول القومية ذات السيادة"21. يثير النقاش حول مسألة العلاقة بين نقل المعايير والترويج لها وبناء قوة الفاعل الدولي، خاصة في حالة الاتحاد الأوروبي، سؤالً مهمً جدًا، هو: هل يمكن أن يكون الفاعل قويًّا ومعياريًا في الوقت نفسِه؟ وهو سؤال تقليدي يحيل على التضارب الذي ساد بين المقاربات المثالية/ الأخلاقية/ المعيارية والمقاربات الواقعية في حقل العلاقات الدولية. ويبدو مبدئيًا أن حالة الاتحاد الأوروبي، والمسار الذي تطورت عبره تجربة الاندماج والتوسع الأوروبييَن خلال النصف الثاني للقرن العشرين ومع بداية القرن الحادي والعشرين، توفر حججًا كافية للادعاءات المرتبطة بالجمع بين مساعي "نقل المعايير" ومساعي "بناء/ تعزيز القوة" على المستوى الدولي (بالأحرى بين الدولي). لكن من الواضح أن الأمر لا يعدو أن يكون مسألة بناء نمط غير تقليدي للقوة، بما في ذلك بناء القدرة على التأثير عبر ممارسة القوة الناعمة (غير الخشنة). بمعنى أن الترويج للمعايير ونقلها/ نشرها - خاصة في الجوار الجيوستراتيجي للاتحاد الأوروبي - من المفروض أن يسمح بتحقيق أهداف السياسة الخارجية الأوروبية من دون الحاجة إلى ممارسة القوة الخشنة وما تقتضيه من تكاليف (قد تكون) شاقة من جهة وعواقب (قد تكون) سيئة من جهة أخرى. لذلك، وبالعودة إلى الجدل حول وضع الاتحاد الأوروبي بوصفه فاعلً دوليًا، يمكن المحاجّة بأن وضع القوة المعيارية يعتبر بمنزلة الوضع البديل من وضع القوة العظمى الذي عرفته/ تعرفه الولايات المتحدة على سبيل المثال. ويبدو فعلً أن هذا الإدراك (أصبح) يُعَدُّ جزءًا لا يتجزأ من هوية الاتحاد الأوروبي، هويته بمعنى الكيفية التي يعرف بها نفسه.

ثانيًا: الاتحاد الأوروبي والتحول الديمقراطي في الوطن العربي

اتسم موقف الاتحاد الأوروبي من المسألة الديمقراطية في الوطن العربي، قبل الربيع العربي، بازدواجية وتناقض مفرطيَن إذا ما تم إقحام البعد المعياري في السلوك الخارجي للاتحاد. فمن جهة، بقي خطاب الترويج للمعايير والسعي الحثيث إلى نقلها ساريًا؛ لكن من جهة أخرى، بقي السلوك الخارجي الفعلي للاتحاد الأوروبي قائمًا على منطق المحافظة على استقرار أنظمة الحكم القائمة جنوب المتوسط، بمسوغات ثلاثة على الأقل: ضمان تدفق موارد الطاقة، والحرب (العالمية) على الإرهاب، ومراقبة الحدود للحدّ من الهجرة غير الشرعية القادمة من جنوب المتوسط نحو شماله. غير أن "الخوف من زحف الأصوليات الإسلامية"، في علاقته بمسألة الإرهاب، لطالما مثّل هاجسًا أساسيًا في إدراك الجماعة الأوروبية لما ينبغي لأنظمة الحكم جنوب المتوسط أن تكون عليه، وهذا ما يفسر سياسة الصمت وغض الطرف عن الطبيعة التسلطية، فضلً عن الممارسات التسلطية، لتلك الأنظمة مع الاستمرار في الحديث عن "مجرد" تشجيع للإصلاحات السياسية والاقتصادية في المنطقة. تقدّم الحالة المصرية نموذجًا جيدًا لهذه الازدواجية؛ فالتعديلات الدستورية عام 2007، على سبيل المثال، والتي رسخت الطبيعة الاستبدادية للنظام الحاكم (عبر استبعاد السلطة القضائية من الإشراف على الانتخابات فضلً عن سن تشريعات قمعية تحت ذريعة مكافحة الإرهاب)، لم تمنع الاتحاد الأوروبي من تبني خطة عمل مشتركة بينه وبين مصر، رغم الانتقادات الحادة التي عرفتها تلك التعديلات الدستورية. وبعدها بسنة واحدة (2008)، تزامن توقيع الاتحاد الأوروبي مذكرة تفاهم مع مصر مع نشر

  1. آمال حجيج، "الاتحاد الأوروبي كقوة معيارية في المتوسط: نقل المعايير في مجال العدالة والشؤون الداخلية، دراسة حالة المغرب"، مذكرة ماجستير في العلوم السياسية، جامعة باتنة 1، الجزائر، 2012، ص 32 -.33
  2. المرجع نفسه، ص.37

البرلمان الأوروبي تقريرًا يدين أداء الدولة المصرية في مجال حماية حقوق الإنسان. ولم يتوان الاتحاد الأوروبي عن منح مصر 558 مليون دولار على مدى ثلاث سنوات، رغم أن المسؤولين المصريين استمروا في شجب ما أسموه تدخل البرلمان الأوروبي في الشؤون الداخلية لمصر. واللافت للانتباه أن مذكرة التفاهم تلك استمرت في التركيز على المسائل الأمنية بدلً من دعم الديمقراطية. وحتى قبل ذلك، لم يتأثر موقف الاتحاد الأوروبي، عبر استمراره في التفاوض بشأن خطة العمل مع مصر، رغم التقارير العديدة التي نددت بالانتخابات الرئاسية اللاديمقراطية التي جرت عام 2005، والتي أجريت في ظل تمديد العمل بقانون الطوارئ وشابتها ممارسات التزوير والتمييز والترهيب22.

وقد استمرت إشادة مسؤولي الاتحاد الأوروبي البارزين بدور نظام حسني مبارك على الصعيد الأمني (الحرب على الإرهاب، وكبح جماح الأصولية الإسلامية)، حتى قبل أيام قليلة من إذعانه وتخلّيه عن الحكم إثر ثورة 25 يناير 201123. غير أن الحالة المصرية ليست الوحيدة؛ فقد استمر الاتحاد الأوروبي في الإحجام عن السعي إلى فهم (و/ أو تفهم) صعود القوى المعارضة ذات التوجهات الإسلامية جنوب المتوسط، بدءًا بالحالة الجزائرية إثر تقدم الجبهة الإسلامية للإنقاذ في انتخابات عام 1992. لذلك، من الواضح أن ارتباك الاتحاد الأوروبي الذي تميزت به مواقفه المبكرة من ثورات الربيع العربي إنما يرجع إلى توجسه خيفة من احتمالات صعود نخب إسلامية، بغض النظر عما إذا كانت معتدلة أو متطرفة، واستيلائها على السلطة جنوب المتوسط. ومن اللافت للانتباه، في هذا السياق، أن خطاب الإصلاح السياسي بقي خطابًا محافظًا للغاية؛ إذ استمر في التركيز على النخب الحاكمة القائمة، حتى إن كانت تسلطية وغير قادرة على الإصلاح و/ أو غير راغبة فيه أصلً، بينما همَّش تمامًا قوى المعارضة الفعلية (وحتى قوى المجتمع المدني المرتبطة بها)، مع تجريدها من أي شرعية يمكن أن تجعل منها طرفًا في عملية الإصلاح. في السياق نفسه، وبُعيد اندلاع ثورات الربيع العربي الأولى (تونس، وليبيا، ومصر)، شدد وزير الخارجية الإيطالي السابق، فرانكو فراتيني، بعد سقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، على ضرورة دعم "حكومات تلك الدول، من المغرب إلى مصر [في عهد الرئيس حسني مبارك]، التي يقودها ملوكٌ ورؤساء دول شيدوا أنظمة علمانية حمَت من الأصوليات". كما دافع عن الزعيم الليبي الراحل، معمر القذافي، بقوله: "إنني أستشهد بمثال القذافي الذي حقق في بلاده إصلاحًا أسماه المؤتمرات الشعبية الإقليمية [...] وبالنسبة إليّ تُعَد هذه مؤشرات إيجابية"24. ويستمر الاتحاد الأوروبي، من جهة أخرى، في دعم أنظمة حكم ما بعد الربيع العربي رغم إعادة إنتاجها تسلطيات ما قبل عام 2011، وذلك عبر مقايضة واضحة فحواها صد حركة المهاجرين وطالبي اللجوء عبر المتوسط، مقابل الصمت إزاء الممارسات اللاديمقراطية لتلك الأنظمة، بما في ذلك من انتهاكات، واضحة وموثقة، للحريات وحقوق الإنسان الأساسية. لقد عرف الموقف الأوروبي، بُعيد الأحداث المبكرة للربيع العربي، تحولً طفيفًا، غير جذري في الواقع؛ فقد سعى الاتحاد الأوروبي، على تباين السياسات الخارجية للدول الأعضاء، إلى احتواء التحولات25 في المنطقة وضبط انعكاساتها على الاستقرار الإقليمي، خاصة مع إعادة صياغة سياسة جوار أوروبي جديدة خلال ربيع عام 2011، بعنوان "الشراكة الجديدة من أجل الديمقراطية والازدهار جنوب المتوسط." وقد تجلت مساعي إعادة النظر هذه على نحو واضح في المواقف وردود الأفعال الفرنسية التي انتقلت من الارتباك والترقب إلى الدفاع عن خيار التدخل العسكري في ليبيا، ثم لاحقًا إلى الصمت حيال التغيير الخشن، والعنيف على نحو متصاعد، لنظام الحكم في مصر. تكمن المشكلة في أن التناقض بين خطاب الاتحاد الأوروبي وسلوكه كان محسومًا تمامًا على الواقع؛ حيث انعكست غلبة الرغبة في المحافظة على الوضع الراهن مع الإبقاء على خطاب الترويج للإصلاحات الديمقراطية ساريًا في موقف الاتحاد الأوروبي حتى مع الأحداث المبكرة للربيع العربي في المنطقة (في تونس تحديدًا.)

  1. Lazarou et al.
  2. Gavin Hewitt, "Europe wobbles over Egypt," BBC News, 3/2/2011, accessed on 10/11/2018, at: https://bbc.in/2SmFwkx
  3. صحيفةكورييري ديلا سيرا،.2011/1/17
  4. صرح وزير الخارجية الفرنسي آنذاك، ألان جوبيه، مشددًا على أن "ما يجري في جنوب المتوسط يغيِّ كليًّا المُعطى الموجود، ومن واجب [الأوروبيين] التفكير فيه واستعادة المبادرة"، وأن "هذه ستكون واحدة من طموحات[هم] التي تحظى بالأولوية"، انظر: حسام شاكر، "أوروبا والربيع العربي: انتهى الحفل"، الجزيرة نت، مقالات رأي، شوهد في 2018/12/4، في: https://bit.ly/2QBHEYk

ثالثًا: الاتحاد الأوروبي والتحول الديمقراطي في الوطن العربي: المعياري والإستراتيجي

من اليسير ملاحظة الفجوة الواسعة والمتزايدة الاتساع بين أثر سياسات الترويج للمعايير ونقلها في الدول (التي كانت) مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي المشمولة بسياسة التوسع وبقية دول الجوار الأوروبي، خاصة الجوار الجنوبي الغربي. وبناء عليه، يمكن المحاجّة بأن الاتحاد الأوروبي فوّت الفرصة السانحة التي وفرها الربيع العربي جنوب المتوسط في ما يتعلق بتعزيز التحول الديمقراطي والدفع به نحو الأهداف التي يُفترض أن تتفق مع غائية القوة المعيارية. ففي الوقت الذي مثّل فيه نشر الديمقراطية في الجوار الشرقي، عبر مراحل توسع الاتحاد الأوروبي شرقًا، مظهرًا باهرًا من مظاهر عمل القوة المعيارية، يبدو أن الجوار جنوب المتوسط من غير المرجح أن يعرف المسار نفسه. وهو ما يقوض أطروحة التشابه بين آخر موجتين من موجات التحول الديمقراطي: ربيع أوروبا الشرقية خلال تسعينيات القرن الماضي، وربيع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال السنوات السبع الماضية. تستند سياسة الجوار الأوروبي، التقليدية عام 2004 والجديدة عام 2011، إلى "مبدأ برودي"، نسبة إلى الإيطالي رومانو برودي، القائل بضرورة إحاطة الاتحاد الأوروبي بحلقة من الأصدقاء. ذلك أن عدم استقرار حدود الاتحاد الأوروبي، بفعل استمرار ضم/ ترشيح دول جديدة (للانضمام)، تجعل الاتحاد في حالة تماس مع النزاعات الواقعة في جواره القريب، فضلً عن كونه هدفًا للتهديدات المتزايدة القادمة من جواريه القريب والبعيد. وبناء عليه، فإن إحاطة الاتحاد الأوروبي بحلقة من الأصدقاء تعني تشكيل ما يشبه مناطق حاجزةBuffer Zones تُؤمّن حدوده من جهة، وتَحُول دون وصول التهديدات الأمنية العابرة للحدود نحوها (التهديدات القادمة أساسًا من الوطن العربي والساحل وأفريقيا ما دون الصحراء). لذلك، فإن اللاأمني في سياسة الجوار الأوروبي لا يمكن أن يُعتبر إلا أثرًا جانبيًا Collateral للأمني، فدعم الإصلاحات السياسية (الانتقال الديمقراطي) وتمكين حقوق الإنسان وتشجيع التعاون الإقليمي في المجالين الاقتصادي والاجتماعي/ الثقافي ما هي إلا أدوات لتعزيز الاستقرار الداخلي على حدود الاتحاد الأوروبي، وهو ما يخفف من حدة انتقال التهديدات الأمنية من جهة، ويحقق حدًا أدنى من التوفيق بين المعايير الليبرالية في العلاقات الخارجية للاتحاد (دعم الديمقراطية وحرية تنقل السلع والأموال والأفراد)، والحاجة الملحة إلى التخفيف من حدّة تدفق المهاجرين غير الشرعيين من جهة أخرى26. لذلك، يتعرض أداء الاتحاد الأوروبي بشأن نشر الديمقراطية والتمكين لها عبر منطق القوة المعيارية لقدرٍ هائل من الاحتجاجات والانتقادات، إلى الحد الذي يدفع بعض المحللين إلى المحاجّة بقصور مفهوم القوة المعيارية، أو حتى نفاقها وازدواجيتها، بدلً من الاكتفاء بالحديث عن عدم جدواها27. ومن اليسير فهمُ حجج هؤلاء القائلة بأن غائية القوة الأوروبية لا تختلف عن غائية أي قوة كبرى تقليدية أخرى، إذ من الصعب تمييزها عن سياسات الهيمنة والتوسع الناعم (باستخدام أدوات قوة غير خشنة). لذلك، يجب التأكيد دائمًا أن الأمر لا يتعلق بالوثائق السياسية (الرسمية) بقدر ما يتعلق بالسلوك والممارسة الفعلييَن. لطالما أكدت النصوص/ الوثائق الرسمية للاتحاد الأوروبي أن تعزيز الديمقراطية/ سيادة القانون وصيانة حقوق الإنسان هما من المعايير الأساسية التي يتبناها الاتحاد سواءً داخل حدوده أو خارجَها حال التفاعل والتعاقد مع الدول غير الأعضاء في الاتحاد، إلا أن التجربة الحديثة، قُبيل الربيع العربي وبعده، تُبين أن الاتحاد الأوروبي لا يتردد في المحافظة على علاقاته السياسية والاقتصادية (المالية والتجارية) مع دول غير ديمقراطية وتستمر نخبها الحاكمة في انتهاك الحقوق الإنسانية الأساسية على نطاق متفاوت الاتساع28. تبقى سياسات الاتحاد الأوروبي في المنطقة محكومة بالمخاوف الأمنية، ومساعي صيانة الاستقرار في جوارٍ يبدو متزايد الاضطراب، أكثر مما هي محكومة بالطموحات المعيارية ومساعي نشر الديمقراطية.

  1. حول المناطق الحاجزة في السياسات الأمنية الأوروبية، انظر: طارق رداف، "المغرب العربي في التصورات الأوروبية: الشريك أم المنطقة الحاجزة؟"، شؤون عربية، العدد 163 (2015)، ص.194
  2. Lazarou et al.
  3. في عام 2007، على سبيل المثال اعتمد الاتحاد الأوروبي خطة عمل متعددة الجوانب مع مصر بالتزامن مع إقرار النظام المصري تعديلات دستورية لاقت انتقادات شديدة بدعوى أنها ترسخ الاستبداد عبر إلغاء الإشراف القضائي على الانتخابات وتبني قوانين قمعية في إطار مكافحة الإرهاب. انظر: Nathalie Bernard-Maugiron, "The 2007 Constitutional Amendments in Egypt and Their Implications on the Balance of Power," Arab Law Quarterly , vol. 22, no. 4 (2008), pp. 397-417; Michelle Pace, "Paradoxes and Contradictions in EU Democracy Promotion in the Mediterranean," Democratization, vol. 16, no. 1 (2009), pp. 39 - 58. وفي السياق نفسه، سجلت لازارو وآخرون كيف وقَّع الاتحاد الأوروبي، مع بداية السنة اللاحقة (2008)، مذكرة تفاهم مع مصر قبل بضعة أسابيع فقط من نشر البرلمان الأوروبي تقريرًا يدين فيه حماية الدولة حقوق الإنسان في مصر في أوائل عام 2008. ثم، خضوعًا لضغوط الحكومة المصرية التي انتقدت تدخل البرلمان الأوروبي في شؤونها الداخلية، منح الاتحاد الأوروبي حزمة مالية قدرها 558 مليون دولار مدة ثلاث سنوات، ركزت على المسائل الأمنية بدلً من دعم الديمقراطية، رغم أن التقارير الأوروبية كانت تتحدث عن انتخابات مصرية أبعد ما تكون عن الديمقراطية والشفافية؛ إذ جرت انتخابات عام 2005 مثلً تحت قيود مشددة فرضها قانون الطوارئ، وكانت مليئة بالممارسات غير الديمقراطية، بدءًا من التزوير إلى التمييز، كمنع النساء المحجبات من التصويت، مرورًا بالتخويف والاختيار التعسفي للمرشحين من جانب الحزب الحاكم. ومع أن وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك، كوندوليزا رايس، كانت قد ألغت (احتجاجًا) زيارة مقررة إلى مصر عقب تلك الانتخابات التي أتاحت للرئيس حسني مبارك البقاء في منصبه ولاية خامسة، استمر الاتحاد الأوروبي في تقديم المساعدات المخصصة لمصر. انظر: al et..Lazarou

لذلك، تبقى الإغراءات المقدَّمة والضغوط الممارَسة من أجل التحول الديمقراطي محدودة للغاية، وذلك خوفًا من أن انخراط الأنظمة الراسخة، على لاديمقراطيتها، في مسار التحول يمكن أن يقوّض استقرار المنطقة برمتها. وفقًا لهذا المنطق، يمكن المحاجّة، على نحو ما سبق، بأن المقاربة الأوروبية تتسم بالتردد، وفي الغالب بالإحجام عن التعامل مع قوى المعارضة الفعلية، الموجودة أو الناشئة، فهي تفضل الاستمرار في دعم النخب التي تمسك بزمام السلطة بغض النظر عن مدى معيارية سياساتها لأنها الأشد قدرة على ضمان استقرار الوضع القائم، وذلك بفضل دورها التاريخي في حماية المصالح الإستراتيجية للجماعة الأوروبية، سواءً في ضمان إمدادات الطاقة، أو مكافحة الإرهاب العابر للحدود أو كبح تدفقات الهجرة غير الشرعية.

بناءً على ما سبق، يمكن المحاجّة بأن السلوك الخارجي للاتحاد الأوروبي سلوكٌ إستراتيجي أكثر مما هو معياري. وعندما يتعارض المعياري مع الإستراتيجي، يتصرف الاتحاد الأوروبي على أساس المفاضلة بين تعزيز المصالح الأمنية والإستراتيجية داخل الحدود وخارجها وتعزيز (نقل) المعايير السياسية والاجتماعية خارج الحدود، لينتهي به المطاف إلى تفضيل المصالح على المعايير. وفي حالة التحول الديمقراطي في الوطن العربي، يجب ألا نتوقع سلوكًا شاذًا عن ذلك، فالأمن دائمًا يأتي قبل الديمقراطية. وبتوظيف الدروس التي يمكن استخلاصها من النقاش النظري بين العقلانيين والبنائيين حول منطقي الملاءمة والعواقب (انظر المحور الأول)، يفترض منطق العواقب، لدى العقلانيين، أن الفواعل أنانية وعقلانية، تسعى إلى تعظيم مكاسبها، وتتفاوض وتتفاعل بحسب ما تمليه مصالحها وتفضيلاتها الثابتة؛ أما منطق الملاءمة فيفترض أن الفواعل تهتم بالقيام "بالفعل الملائم" بحسب ما تدفعها إليه المعايير الضابطة والمشكِّلة للسلوك، يمكن المحاجّة بأن سلوك الاتحاد الأوروبي، كأي قوة كبرى في السياسة الدولية، يمكن أن يحكمه أيٌّ من المنطقين، لكن الادعاء أن هذا السلوك معياري محض يحكمه حصرًا منطق الملاءمة سرعان ما يتداعى أمام التجربة التاريخية، كما في حالة موقف الاتحاد الأوروبي من التحول الديمقراطي في الوطن العربي. لذلك، يمكن القول إن الباحث في حاجة، على الأقل، إلى القيام بالتوليف Synthesis بين المقاربتين البنائية والعقلانية (الواقعية.) في هذا السياق، تقدم استجابة الاتحاد الأوروبي لأحداث الربيع العربي، و (لا) دوره في عمليات التحول الديمقراطي في دول الربيع العربي، نموذجًا ملائمًا لفهم هذه المحاجّة؛ إذ يمثّل الربيع العربي بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي تطورًا معقدًا في جوارٍ مضطرب بمخرجات غير يقينية. لذلك، من المرجح أن يبقى سلوكه محكومًا بمنطق الواقعية السياسية المفرطة. وبناء عليه، يمكن فهم كيف أن ضعف دور الاتحاد الأوروبي، أو غيابه، في تعزيز التحول الديمقراطي في دول الربيع العربي لا يرجع إلى مشكلة في المضامين المعيارية لخطاب السياسة الخارجية للاتحاد، لكنه يرجع إلى تعقد مصالحه الأمنية بدرجة أولى، والاقتصادية بدرجة ثانية في جواره المتوسطي. والحكمة الراسخة التي لا ينفك تاريخ السياسة الدولية يعلمنا إياها تقول بأن معايير الفاعل إذا ما تعارضت مع مصالحه، تصبح قوتها السببية أضعف من أن تكون قادرة على (إعادة) تشكيل سلوكه. إن من شأن تعطل عمليات التحول الديمقراطي في دول الربيع العربي، و (لا) دور الاتحاد الأوروبي بوصفه قوة غير تقليدية تدعي تبني سياسة خارجية قائمة على مبدأ نقل المعايير خارج حدودها، أن يقدم أداة ملائمة لاختبار حدود القوة المعيارية للاتحاد الأوروبي، كما من شأنه أن يقدم حججًا قوية (نظرية وإمبريقية) لإثبات أفضلية الانشغالات الأمنية على الانشغالات المعيارية في الجوار المتوسطي للاتحاد الأوروبي، المضطرب والمفعم باللايقين الإستراتيجي. وفي هذه الحالة، ينبغي لباحثي العلاقات الدولية إعادة النظر في افتراضات النظرية البنائية، التي كانت في جزء مهم منها قد تطورت أصلً في اتساق مدهش مع ولادة الاتحاد الأوروبي ونموه بصفته قوةً معيارية غير تقليدية في حقبة ما بعد الحرب الباردة. أخيرًا، هناك معيار آخر في غاية الأهمية غير أنه لا يحظى بالاهتمام الكافي في خطاب نقل معايير الاتحاد الأوروبي نحو الجوار المتوسطي. يتمثل هذا المعيار في تعزيز الاندماج (الاقتصادي) الإقليمي ودوره في الدفع بالتحول الديمقراطي قُدمًا. استنادًا إلى الخطاب القائل بأن الاتحاد الأوروبي، بوصفه فاعلً في الشؤون الدولية، ينبغي له أن يسعى إلى تعزيز القيم نفسها التي يسترشد بها29، فإن المعيار الرئيس والحيوي الذي ينبغي الترويج له والسعي إلى نقله خاصة جنوب - غرب المتوسط هو الاندماج الإقليمي ومأسسته. ذلك لأن وجود مؤسسات إقليمية (فوق قومية) قوية، مؤسسات الاتحاد الأوروبي، يُعدَّ من أبرز العوامل التي ساهمت في دمقرطة أوروبا

  1. Lazarou et al.

الشرقية بعد نهاية الحرب الباردة وتفكيك المعسكر الشيوعي. في هذا السياق، يجب إيلاء العلاقة المطّردة بين التحول نحو الديمقراطية وانتشارها عبر مجموعةٍ من الدول من جهة، والاندماج الاقتصادي لهذه الدول إقليميًا من جهة أخرى، المزيد من الاهتمام. لذلك، فإن دعم الاتحاد الأوروبي لمسار الاندماج الإقليمي المغاربي على سبيل المثال، في إطار اتحاد المغرب العربي المعطلة مؤسساتُه وآلياتُ عمله، يقع في صميم مزاعمه حول كونه قوة معيارية في المنطقة وفي العالم. يتفق هذا مع ما أكدته لازارو وآخرون من أن "تعزيز الديمقراطية وتشجيع العمليات الإقليمية [يُعَدُّ] من أهم المجالات الأساسية التي غالبًا ما يركز عليها البحث في القوة المعيارية للاتحاد الأوروبي. فكلاهما مرتبط بالأهداف الأساسية للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة، كما نصت عليه معاهدة ماستريخت عام 1993؛ أي تعزيز التعاون الدولي، وتطوير الديمقراطية وسيادة القانون وتوطيدهما، واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية". في السياق نفسه، تقول لازارو وآخرون: "فيما يتعلق بالتعاون الإقليمي، تتجلى القوة المعيارية للاتحاد الأوروبي من خلال قدرته على التأثير في المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تشكل أساسًا للمبادرات والعمليات الإقليمية الأخرى عن طريق الإقناع والجذب، وليس الإكراه. وإلى حدٍّ بعيد، مصدر هذا الإقناع هو جاذبية نموذج الاتحاد الأوروبي ذاته: فهو يُعدّ مثالً على نجاح التكامل الإقليمي الذي حوّل العلاقات بين الأطراف المتحاربة في الماضي إلى هياكل تعاونية حيث تتلاقى المصالح المتعارضة من خلال المفاوضات. فالاتحاد الأوروبي كان رائدًا في صنع كيان ما فوق وطني يجمع بين دوله الأعضاء، من أجل التعاون، وتنسيق السياسات، والمحاذاة المعيارية، وبناء المؤسسات الجماعية، وبناء عليه، يَعدّ حجر الأساس في الجهود الرامية لتعزيز التعاون بين الدول، ووضع حد للصراعات في أطرافه. على هذا الأساس، [ينبغي أن تستمر إستراتيجية الاتحاد الأوروبي، في إطار سياسة الجوار، في التشديد] على تعزيز التكامل الإقليمي على أساس نموذج الاتحاد الأوروبي من خلال 'تصدير' أو'نشر' معايير [التعاون والتكامل الإقليمي"]30.

خاتمة: الأمن قبل الديمقراطية

تخلص هذه الدراسة، بناء على ما سبق، إلى أن التسليم بوجود تعارض قلق بين المعياري والإستراتيجي في منطق قوة الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يسمح بفهم سياسات الدعم، أو غض الطرف على أدنى تقدير، التي حظيت بها أنظمةٌ عربية تسلطية قبل الربيع العربي؛ وفهم سياسات الصمت والترقب، وأحيانًا ممانعة التغيير التي اتبعها الاتحاد خلال الأسابيع الأولى من اندلاع الربيع العربي؛ وأخيرًا، فهم سياسات اللاَّدَوْر في منع تعثر مسارات التحول الديمقراطي، خاصة في دول الربيع العربي التي قطعت شعوبُها سنواتٍ على دروب الآلام والآمال نحو الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرياته، وهي نفسُها المعاييرُ التي يدَّعي خطاب السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي أن الاتحاد موجود أصلً، قوة معيارية غير تقليدية، لنقلها ونشرها، داخل حدوده وخارجها. ويبدو أن هذا التعارض متأصل في جوهر القوة في حد ذاتها، وفي منطق عملها. فعندما يتعارض المعياري مع الإستراتيجي، لا يتردد الاتحاد الأوروبي، كأي قوة أخرى في التصرف بمنطق المفاضلة بين مصالحه الأمنية والإستراتيجية، داخل حدوده وخارجها من جهة، ونقل المعايير خارج حدوده من جهة أخرى. وهي مفاضلة محسومة، على نحو ما تبين في هذه الدراسة، عبر تفضيل المصالح على المعايير. لذلك، فإن سياسات الاتحاد الأوروبي حيال المنطقة العربية تبقى محكومة بالمخاوف الأمنية والإستراتيجية أكثر مما هي محكومة بالوعود المعيارية، بما في ذلك نشر الديمقراطية وسيادة القانون وتمكين حقوق الإنسان وحرياته. إن الأمن يأتي دائمًا قبل الديمقراطية.

المراجع

العربية

حجيج، آمال. "الاتحاد الأوروبي كقوة معيارية في المتوسط: نقل المعايير في مجال العدالة والشؤون الداخلية، دراسة حالة المغرب." مذكرة ماجستير في العلوم السياسية. جامعة باتنة 1. الجزائر،.2012 حمشي، محمد. "النقاش الخامس في حقل العلاقات الدولية: نحو إقحام نظرية التعقد داخل الحقل". أطروحة دكتوراه في العلاقات الدولية. جامعة باتنة 1. الجزائر،.2017 رداف، طارق. "المغرب العربي في التصورات الأوروبية: الشريك أم المنطقة الحاجزة؟." شؤون عربية. العدد.)2015(163

  1. Ibid. على مستوى النصوص الرسمية، يبقى تشجيع مبادرات التكامل الإقليمي أحد الأهداف الصريحة للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي؛ فقد شددت الإستراتيجية الأمنية الأوروبية لعام 2003، وتقرير عام 2008 الخاص بتنفيذ تلك الإستراتيجية، على ضرورة تعزيز المنظمات الإقليمية باعتبارها ركيزة من ركائز العالم الأكثر تنظيمً، الذي يتميز بسياسات متماسكة ومتسقة، ووسيلة لتعزيز آليات الحوكمة وأهدافها العالمية. انظر: European Union, A secure Europe in a Better World: European Security Strategy , Brussels, p. II, 12/12/2003, accessed on 1/7/2018, at: https://bit.ly/1mWIvdA

الأجنبية

Bernard-Maugiron, Nathalie. "The 2007 Constitutional Amendments in Egypt and their Implications on the Balance of Power." Arab Law Quarterly. vol. 22. no. 4 (2008). Checkel, Jeffrey. "The Constructivist Turn in International Relations Theory." World Politics. vol. 50. no. 2 (1998). Chernoff, Fred. Theory and Metatheory in International Relations: Concepts and Contending Accounts. New York: Palgrave Macmilan, 2007. European Union. "A secure Europe in a Better World: European Security Strategy." Brussels. 12/12/2003. at: https://bit.ly/1mWIvdA Finnemore, Martha. & Sikkink, Kathryn. "International Norm Dynamics and Political Change." International Organization. vol. 52. no. 4 (1998). Rational–Constructivist "A Scott. Fitzsimmons, Explanation for the Evolution and Decline of the Normagainst Mercenarism." Journal of Military and Strategic Studies. vol. 11. no. 4 (2009). Laïdi, Zaki. Norms over Force: The Enigma of European Power. New York: Palgrave Macmillan, 2008. Lazarou, Elina, Gianniou Maria & Tsouparas Gerasimos. ''The Limits of Norm Promotion: The EU in Egypt and Israel/ Palestine.'' Insight Turkey. vol. 15. no. 2 (2013). Pace, Michelle. "Paradoxes and Contradictions in EU Democracy Promotion in the Mediterranean." Democratization. vol. 16. no. 1 (2009). Puschkarsky, Tatjana. "Norm Entrepreneurs in International Politics: A Case Study of Global Footprint Network and the Norm of Sustainability." Heidelberg. Ruprecht-Karls-Universität. Fakultät für Wirtschafts- und Sozialwissenschaften, Institut für Politische Wissenschaft. 2009. Risse, Thomas. '"Let's Argue!' Communicative Action in World Politics." International Organization. vol. 54

Youngs, R. "Normative Dynamics and Strategic Interests in the EU's External Identity." Journal of Common Market Studies. vol. 42. no. 2 (2004).