العوامل الخارجية والثورات العربية: أربع إشكاليات للبحث
الملخّص
لم تهتم البحوث العربية والأجنبية كثيرًا بتأثير العوامل الخارجية في محاولات الإصلاح والتحول الديمقراطي في البلدان العربية، حتى كانت ثورات عام 2011 التي أظهرت أهمية تلك العوامل. استخدمت هذه الدراسة المنهج المقارن، لبحث تأثير المخاوف المتبادلة بين الأطراف الداخلية والخارجية، في عمليات الانتقال بعد عام 2011. إن عامل اللايقين المصاحب لأي انتخابات ديمقراطية ليس عامل ا محليًا في الحالات العربية؛ لأن قوى إقليمية ودولية ترى مصلحتها في منع الديمقراطية باعتبارها تهدد بتغيير الوضع الراهن. وانتهت الدراسة إلى طرح أربع إشكاليات متداخلة ذات صلة بالعامل الخارجي والثورات العربية، وخلصت أيض ا إلى أن العوامل الخارجية المعرقلة للديمقراطية في حالات أخرى غير عربية لم تكن حتمية؛ إذ ارتبط التعامل معها بالتغييرات التي شهدها النسق الدولي، وبظهور تكت تاا ديمقراطية محلية تمتلك القدرة على الضغط لدفع القوى الخارجية إلى تغيير مواقفها. كلمات مفتاحية: الثورات العربية، الانتقال الديمقراطي، الثورات المضادة، مصر، الولايات المتحدة الأميركية. This study adopts a comparative approach to investigate the impact of the reciprocal fears of internal and external parties on the stances of key actors during the 2011 transitions. Apparently, the uncertainty that accompanies any democratic elections has not been a local factor in the Arab cases because regional and international forces have an interest in hindering democracy, being a potential threat to the status quo. The study examines four interrelated problems related to external factors. It concludes that the external factors that have hindered democracy in non-Arab cases were not inevitable because addressing them seems to have been related to changes in the international system and the emergence of domestic democratic blocs that are able to exert pressure on external forces and get them to change their positions. Keywords: Arab Revolutions, Counter-Revolutions, Democratic Transition, Egypt, United States.
External Factors and Arab Revolutions: Four Research Questions
تمهيد
تعالج هذه الدراسة عددًا من الإشكاليات التي تتصل بتأثير العوامل الخارجية في مسارات الانتقال في أعقاب الثورات العربية لعام 2011، وهي تطرح الأسئلة التالية: هل اختلفت الحالات العربية عن غيرها من الحالات التي سبقتها في ما يخص تأثير العوامل الخارجية في حالات الانتقال إلى الديمقراطية؟ وهل من استنتاجات نظرية أو أسئلة بحثية تطرحها الخبرات العربية وتحتاج إلى مزيد من البحث؟ وما الذي يمكن أن يضيفه استقراء الحالات العربية بعد ثورات عام 2011 والثورات المضادة لها عام 2013 إلى ما يتصل بهذه العوامل بصفة عامة؟ لم يكن من اليسير الإجابة عن سؤال دور العوامل الخارجية في حالات الانتقال الديمقراطي التي بدأت منتصف سبعينيات القرن العشرين في جنوب أوروبا، وما إذا قدّمت هذه العوامل حوافز للانتقال الديمقراطي في الحالات اللاتينية والآسيوية والأفريقية، وذلك لعدة اعتبارات. فالإجابة عن هذا السؤال تتصل بالجدل الدائر حول حدود مجالَ السياسة المقارنة والعلاقات الدولية، وهي تتطلب أيضًا عبور مجال دراسة المناطق الشائع في دراسات تغيير نظم الحكم إلى مجالات بحث عابرة للمناطق والتخصصات، ودراسة الثقافات والقيم، فضل عن تتبع التطور التاريخي للدول وعلاقاتها المتبادلة1. ويزداد الأمر صعوبة مع تعدد الفاعلين على المستوى الدولي من دول وكيانات فوق الدولة، أو دونها، ومع تداخل العلاقات بينهم. هذا علاوة على حالة السيولة التي يتسم بها النسق العالمي في صورته الحالية. كان تركيز أدبيات الانتقال الديمقراطي لعدة عقود منصبًا على العوامل الداخلية بصفة عامة، وذلك ضمن بحثها في الظروف التي في سياقها يحدث الانتقال إلى الديمقراطية، والعوامل التي يمكن من خلالها أن يستمر النظام الديمقراطي الوليد وتترسخ دعائمه. وكان سبب هذا التركيز هو تأثر جُل الدراسات بالمداخل النظرية السائدة في العلوم الاجتماعية المعاصرة، وعلى رأسها مدخل العوامل الهيكلية Structure-oriented or Pre-condition Approach، الذي يركز في فهم عمليات الانتقال، على عوامل داخلية كمستويات النمو الاقتصادي والثقافة والصراعات الطبقية والبُنى الاجتماعية، مع تجاهل العوامل الهيكلية الخارجية للاستبداد كأوجه الدعم المادي والمعنوي للنظم المستبدة، والعوامل الثقافية المتصلة بمحاولات تصدير النماذج الغربية، وتأثير ديناميات الاقتصاد العالمي، وغير ذلك. أما المدخل الثاني، فهو مدخل الانتقال الذي اهتم بالعوامل المتصلة باختيارات النخب، عاملً مفسرًا لنجاح الانتقال أو فشله Process. ويقتصر هذا المدخل علىor Transition-oriented Approach الفاعلين الداخليين، متجاهلً أيضًا الفاعلين الخارجيين في جُل الحالات، فضلً عن تجاهله السياقات والعوامل الهيكلية. وهناك مدخل ثالث يهتم بعلاقة الاقتصاد والسياسة، وتزامُن عمليتي الإصلاح الاقتصادي والسياسي، ودور الأزمات الاقتصادية في تحديد مصير الانتقال. وهذا المدخل يركزPolitical Economy Approach الديمقراطي على السياقات المحلية، ومن ثمّ لم يحظ أثر ديناميات الاقتصاد العالمي في التفاعلات المحلية بالكثير من الاهتمام. وثمة مدخل رابع ينطلق من دراسة ما سُمي العوامل المؤسسية كعلاقات الدولة والمجتمع، ودور منظمات المجتمع المدني في فهم نواتج الانتقال الديمقراطي Institutional Context-oriented Approach، وهذا أيضًا لم يهتم كثيرًا بدور المنظمات الدولية والإقليمية والمؤسسات المالية الدولية وتفاعلاتها مع الفاعلين المحليين. تهتم هذه الدراسة بدور العوامل الخارجية تحديدًا في الحالات العربية بصفة عامة، مع الإشارة إلى أن الحالة المصرية ستحظى بقدر أكبر من البحث؛ وذلك على اعتبار أن إجهاض ثورة يناير 2011 ما كان له أن يتم لولا تداخل العوامل الداخلية والخارجية، وتأثير القوى الإقليمية والدولية في اختيارات النخب والقوى السياسية المصرية، فضلً عن أثر الحالة المصرية الواضح في الحالات العربية الأخرى. وسيتم هذا بمنهجية تعتمد على المنهج الاستقرائي الذي يبدأ بملاحظة واقع ثورات عام 2011 العربية، اعتمادًا على الأدبيات والمصادر والبيانات والمواقف والتصريحات ذات الصلة، مع التركيز على تحليل العوامل الخارجية المتعلقة بمسارات الانتقال التي شهدتها الحالات العربية. يساعدنا استقراء هذه الحالات وتحليلها في الكشف عن طبيعة الأدوار الإقليمية والدولية في التأثير، سلبيًا أو إيجابًا، في اختيارات الفاعلين السياسيين المحليين في ما يخص مسألة الديمقراطية. كما يساعدنا هذا الاستقراء والتحليل في الكشف عن الإشكاليات التي نتجت من الصراعات والتفاعلات التي دارت حول جملة من المصالح والمخاوف، أو التهديدات، التي أثارتها ثورات عام 2011 على المستويين الإقليمي والدولي، والتي ساهمت في النهاية في تشكيل النواتج النهائية لمسارات الانتقال. وتستخدم الدراسة أداة المقارنة متى تطلّب الأمر؛ وذلك لمقابلة الحالات العربية بغيرها من الحالات خارج العالم العربي، ومعرفة كيفية اختلاف هذه الحالات عن غيرها من حالات الانتقال، وما الذي يمكن أن تضيفه من مفاهيم ومقاربات. إنّ الفهم المعمق لأسباب تعثر الموجة الأولى من الثورات العربية يتطلب البحث في أدوار الفاعلين الداخليين والخارجيين أثناء إدارة المراحل الانتقالية، مع التركيز على طبيعة الصراعات التي كانت قائمة والتفاعلات المتبادلة بين هؤلاء الفاعلين، وكذا البحث في أثر السياقات المحلية والإقليمية والدولية في اختيارات الفاعلين.
تنقسم الدراسة إلى ثلاثة أجزاء وخاتمة، نعرض في أولها باختصار موقع العوامل الخارجية في أدبيات الانتقال الديمقراطي عامة، مع إشارة سريعة إلى الحالات العربية. ونتناول في الجزء الثاني، وهو الجزء الرئيس من الدراسة، التأثير الإقليمي والدولي في مسارات الانتقال التي شهدتها الدول العربية بعد ثورات عام 2011 وذلك من خلال دراسة خمسة موضوعات، هي: نشأة الدولة القُطْرية وتطور علاقاتها بالخارج، والأضواء الحمراء والخضراء القادمة من القوى الدولية تجاه نظم الحكم العربية، ومحاربة الإرهاب ومسألة الديمقراطية، وعامل الإقليم المعادي للديمقراطية، وأخيرًا تراجع الديمقراطية وصعود التسلطية. وفي الجزء الأخير، نقف باقتضاب عند الكيفية التي تم من خلالها تبدل مواقف الأطراف الدولية في عدة حالات للانتقال خارج العالم العربي. وفي الخاتمة، نورد أبرز الخلاصات بشأن موضوع الدراسة، ونُجْمل بعض الأسئلة ذات العلاقة بأربع إشكاليات ترى الدراسة أنها جديرة بمزيد من البحث.
أول ا: العوامل الخارجية في أدبيات الانتقال الديمقراطي
لم يكن تجاهل العوامل الخارجية في أدبيات الانتقال الديمقراطي مطلقًا، فقد ظهر اهتمام ببعض الأبعاد؛ وذلك تأثرًا إمّا بالنقد الذي تلقته افتراضات حقل الانتقال، وإمّا استجابةً لتغيرات وظواهر دولية مؤثرة كانتهاء الحرب الباردة، وتصاعد مظاهر العولمة ودرجة الاعتماد المتبادل بين الدول. لكن الاهتمام بالعوامل الخارجية بدأ يزداد تدريجيًا منذ تسعينيات القرن العشرين، عندما غيّ بعض الباحثين آراءهم2، وظهرت أدبيات تجادل في عدم صحة الاقتصار على العوامل الداخلية في فهم عمليات التغيير السياسي3. كانت الحرب الباردة عاملً مهمً في هذا الصدد؛ فقد اختارت الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية دعم الدكتاتوريات الحليفة في إطار مواجهتها الشيوعية. لم يكن شعار الغرب الأساسي هو دعم الديمقراطية، وإنما مكافحة الشيوعية، لكن ظلت هناك خطابات بلاغية عن نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان في بعض المناسبات. ومع هذا ظل اهتمام جُل الأدبيات التي تناولت العوامل الخارجية منصبًا على ما أطلق عليه "دعم الديمقراطية" Democracy Promotion4، وذلك حتى موجة الارتداد التي عانتها نظم الحكم الديمقراطية؛ إذ طُرح سؤال هل انتهت فاعلية سياسة دعم الديمقراطية بالخارج؟ وما الدور الذي يؤديه تطور النسق الدولي وما يصحبه من ظواهر كالعولمة، والتكامل الاقتصادي، في احتمالات انتشار الديمقراطية؟5 لم تهتم أدبيات الانتقال بما وراء مسألة دعم الديمقراطية تلك؛ إذ لم تبحث كثيرًا في الأبعاد المتصلة بحقيقة أن الكثير من عمليات بناء الدول والتغيير السياسي جاء في أعقاب أحداث عالمية كبرى، كانهيار الإمبراطوريات القديمة، وتفكك الاستعمار، والحربين العالميتين الأولى والثانية، وتفكك الاتحاد السوفياتي، وانتهاء الحرب الباردة. فضلً عن قلة البحوث التي تعالج أثر ظواهر أخرى مثل العولمة، ونفوذ الشركات متعددة الجنسيات في تطور الدول ومسارات التغيير فيها تحديدًا، سواء في اتجاه الديمقراطية أو نحو التسلطية وقمع الحريات. كما لم تهتم أدبيات الانتقال بالعوامل الخارجية التي أشارت إليها مدرسة التبعية والمدارس اليسارية عمومًا في تفسير تأخر دول العالم الثالث، وطبيعة نظم الحكم فيها وتطورها (والتي منها طبيعة النظام الرأسمالي، والعلاقات المختلة بين المركز والأطراف، ودور أجهزة المخابرات والسفارات الأجنبية، وأدوات ما يعرف ب "الاستعمار الجديد.)" كما لم يحظ عامل الإرث الاستعماري بالاهتمام أيضًا. نعم ظهرت دراسات عدة تربط بين العامل الاستعماري من جهة، وظواهر مثل التخلف والصراعات العرقية وصراعات الهوية والخلافات الحدودية والفقر والمجاعات في دول الجنوب من جهة أخرى. لكن ظهرت في المقابل دراسات أخرى ترى
أن الاستعمار كان من أسباب التقدم في الجنوب، ويختزل جُل هذه الدراسات - ومعظمها يستخدم التحليل الكمي - عامل الاستعمار في بعد واحد أو بعدين، كعدد سنوات الاستعمار أو نوع الاستعمار6. أما أدبيات الانتقال، فغالبًا لا تصل إلى عامل الاستعمار؛ ربما لصعوبة اختبار علاقات ارتباط أو سببية بين المتغيرات، أو بسبب صعوبة موضوعاته وعبورها حقولً معرفية مختلفة. وفي منطقتنا العربية غالبًا ما يُتهم من يبحث في علاقة إرث الاستعمار بنوعية نظم الحكم بالوقوع في براثن نظرية المؤامرة. والمسألة المحورية التي غابت عن كثير من أدبيات الانتقال هي أن العوامل الداخلية لا تعمل في فراغ؛ فالانتقال الديمقراطي يتطلب وجود قوى داخلية تنادي به وتدفع من أجله، على قاعدة برنامج سياسي يقوم على الديمقراطية، وما تقدمه العوامل الخارجية في الواقع هو إمّا رفع تكلفة سلوك الحكومات التسلطية ومن ثم تعزيز جهود القوى الديمقراطية، وإمّا تخفيض تكلفة الاستبداد ومن ثم ترسيخ أركانه وإضعاف أي قوى ديمقراطية تعارضه. أي إن النخب الحاكمة تعمل في سياق مواجهتها قوى المعارضة ومطالب التغيير إمّا في ظل سياق إقليمي ودولي مناصر للديمقراطية أو داعمٍ للاستبداد7. وفي الحالات العربية، لم تحظ العوامل الخارجية بالكثير من الاهتمام في أدبيات السياسة المقارنة المختصة بالشرق الأوسط؛ إذ ظلت العوامل الداخلية محل اهتمام الكثير من الدراسات العربية والأجنبية، وكان المرور على العوامل الخارجية يتم، في حالات كثيرة، في سياقات مختلفة كالمسائل الأمنية، والقضايا الجيوسياسية، والحرب على الإرهاب، وغير ذلك8. كما لم تمتد الأدبيات لتدرس أثر تجاهل القوى الدولية أداء الأنظمة ومخرجاتها في احتمالات التغيير فيها نحو الديمقراطية. أشير هنا تحديدًا إلى الجوانب السياسية؛ أي أثر انتهاكات حقوق الإنسان وغلق المجال العام ومحاصرة العمل السياسي السلمي في احتمالات الانتقال ونجاحه. تنتقد الحكومات الغربية على استحياء وبانتقائية شديدة بعضًا من هذه الانتهاكات، لكنها لم تتوقف قط عن دعمها الأنظمة. أما على المستوى البحثي، فثمة نزوع للتركيز على الثقافة، والقبيلة، والنفط، بصفتها عوامل مؤثرة9. وتُعدّ أطروحة عزمي بشارة عن الطائفية مهمة في هذا السياق؛ فهناك "طائفية سياسية" تقوم بإعادة تأسيس الطوائف من جديد بوصفها "طوائف متخيلة"، واستخدامها لتحقيق مكاسب سياسية10. فضلً عن عدم اهتمام الأدبيات بمسألة أخرى هي إساءة استخدام التدخل الانتقائي للخارج تحت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان11، فالحكام يستخدمونه للترويج بأنه خرقٌ للسيادة الوطنية وتدخلٌ في الشؤون الداخلية للدولة، وتشارك نخب سياسية معارضة من التيارات كافة الحكومات في ذلك. وترى نخب معارضة أخرى (من تيارات مختلفة أيضًا) أن التدخل الخارجي لفرض الديمقراطية ستترتب عليه عملية تغريب وضرب للهُوية الوطنية، واعتبر آخرون أيضًا أن ثورات عام 2011 تمّت بتدبير أميركي12. وتمثل تقارير التنمية الإنسانية العربية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مثالً بارزًا آخر عن تجاهل العوامل الخارجية. فمنذ عام 2002، صدرت ستة تقارير لم تحظ العوامل الخارجية فيها إلا باهتمام متواضع. ففي تقرير 2004، ثمة جزء عن البيئة الإقليمية والدولية المعيقة، وفيها حديث عن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، والاحتلال الأميركي للعراق وتصاعد الإرهاب. وفي تقرير 2009، فصلٌ عن الاحتلال وعلاقته بانعدام الأمن، وكذا الأمر مع تقرير 2016 حيث ورد فصل عن أثر العنف والنزاع في الشباب.
بخلاف هذا لا تتطرق التقارير إلى دعم الدول الكبرى النظم المستبدة وأثر ذلك في أدائها، ولا تربط بين هذه العوامل الخارجية ومسألة الديمقراطية وإعاقتها13. وفي المقابل، اهتمت دراسات قليلة في الغرب بدور العامل الخارجي في بقاء الاستبداد العربي؛ إذ كتب أحد الباحثين قائلً إن سبب فشل التحولات العربية نحو الديمقراطية هو دعم الولايات المتحدة الحكومات وحاجتها إلى حلفاء عرب، وإنه في الحالة المصرية كان الهدف هو الحفاظ على معاهدة السلام14. بينما اعتبر آخر أن الديمقراطية ليست مصلحة أميركية في علاقتها بنظم الحكم العربية، وأن الولايات المتحدة ترى أنه من الأسهل التعامل مع نخب حاكمة محدودة العدد على التعامل مع حكومات منتخبة ضمن نظم ديمقراطية15. وعمومًا، ثمة من يتحدث عن تحالف واشنطن مع الحكومات العربية في سياقات مختلفة كالحديث عن الأمن أو التجارة أو الإرهاب، أما عند الحديث عن الديمقراطية، فيعود جُل المحللين والباحثين إلى عوامل الثقافة والدين والاقتصاد، كما أشرنا. لكن ومع اندلاع ثورات عام 2011 وما تلاها من ثورات مضادة وحروب أهلية، كان من الصعب فهم ما يدور في الدول العربية بالتركيز على العوامل الداخلية فقط. لقد اتضحت أهمية العوامل الخارجية، ولا سيما في ضوء التدخلات الخارجية في ليبيا والبحرين واليمن ومصر وسورية. لقد حوّل خصوم الثورات في الداخل والخارج المنطقة ساحة للتدخلات الإقليمية والدولية، على نحو لم يسبق له مثيل منذ حلف بغداد والعدوان الثلاثي على مصر، وذلك ليس لتعزيز المطالب التي ثارت الشعوب من أجلها، وإنما لإعادة ترميم المنظومة القديمة، وربما لدعم منظومة أسوأ. كان توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، واضحًا في معاداة ثورات عام 2011، فقد دافع في تصريحاته عن الرئيس المصري المعزول حسني مبارك قبل أيام من سقوطه، ووصفه بأنه "شجاع جدًا"، وحذّر من التسرع في الانتخابات التي قد تجلب الإخوان المسلمين إلى السلطة، كما أثنى على دور مبارك في مفاوضات التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، قائلً "إن الغرب كان على حق في دعمه على الرغم من نظامه الاستبدادي لأنه حافظ على السلام مع إسرائيل"، مضيفًا أن على الأوروبيين "إدارة" التغيير بطريقة توصل إلى الحكم ما وصفه "حكومة منفتحة وعادلة وديمقراطية"16. واعتبر باحث أميركي أن "ركوب الموجة الحالية لن يكون سهلً، وسيتطلب إبداعًا وموارد وقدرة على إقناع حلفاء قلقين بأنه يتعين التحكم في التغيير، وليس إيقافه أو التراجع عنه"17. وفي الجزء التالي من الدراسة سنوضح كيف أن سياسات الدول الكبرى جاءت انعكاسًا لتلك المواقف والتصريحات إلى حد بعيد.
ثانيًا: التأثير الإقليمي والدولي في مسارات الانتقال العربية
كانت الأدوار التي قامت بها قوى إقليمية ودولية في توجيه دفة عمليات الانتقال في عدد من مسارات ثورات عام 2011 واضحة. ففي ليبيا، لم يكن إسقاط النظام ممكنًا من دون الدعم الخارجي، لكن البلاد أضحت ساحة لنفوذ قوى إقليمية ودولية عدة، ولم يكن بناء دولة المؤسسات الديمقراطية من أهداف هذه القوى18. وفي اليمن، قدّمت أطراف إقليمية ما عُرف بالمبادرة الخليجية التي نَزَعَت فتيل الثورة وأبقت على الحزب الحاكم القديم، ليقوم هذا الحزب وجماعة أنصار الله (الحوثية)
بالخروج عسكريًا على نتائج الحوار، وإشعال حرب امتدت لتشمل دول إقليمية عدة19. وفي البحرين، تم إجهاض الحراك الشعبي بتدخل خليجي مباشر. وفي مصر، ساهم الدعم الإقليمي والدولي للثورة المضادة في إجهاض ثورة 25 يناير وإعادة إنتاج منظومة بوليسية قمعية. أما في سورية، فقد تحولت الثورة إلى حربٍ طاحنة بحكم تدخل أطراف متعددة إقليمية ودولية. ولعل النجاح النسبي للثورة التونسية يرتبط إلى حد بعيد ببُعد البلاد عن تنافس الدول الكبرى20، مع أن قوى إقليمية تحاول التأثير في المسار السياسي هناك. ولفهم التأثير الإقليمي والدولي في مسارات التغيير العربية، نتناول فيما يلي خمسة موضوعات، تتداخل فيها العوامل التاريخية، والسياسية، والاقتصادية، والإستراتيجية، كما يوضحها الشكل.
1. نشأة الدول الوطنية العربية وتطور علاقاتها بالخارج
يقتضي فهم محاولات الانتقال الديمقراطي في الدول العربية العودة إلى التاريخ القريب، أي إلى ما قبل ثورات عام 2011 بعقود؛ إذ للمنطقة العربية تاريخ طويل مع التداعيات السلبية للتدخل الخارجي، فنشأة الدول الوطنية أو القُطْرية العربية تمت بأفعال خارجية في الأساس، وفي ظل أوضاع النسق العالمي متعدد القوى القطبية نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وما ارتبط بها من تكالب الدول الاستعمارية على المنطقة واحتلالها عقودًا طويلة، وجَرّ العرب ضد الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، ثم خروج فرنسا وبريطانيا من المنطقة بعد تقسيم مواقع النفوذ بينهما، ورسم حدود مصطنعة فيها، وزرع الدولة الصهيونية، كيانًا استيطانيًّا إحلاليًّا، تابعًا سياسيًا واقتصاديًا للغرب، وغريبًا حضاريًّا وثقافيًّا عن المنطقة. بل يرى عبد الوهاب الأفندي أن نشأة النظام الدولي المعاصر جاءت "على حساب المسلمين"، فقد خرج هذا النظام "إلى الوجود على أنقاض الدولة العثمانية، دولة المسلمين المركزية، حيث مزقتها الدول الغربية الكبرى أشلاء ثم توارثتها. وصاحب هذا إخضاع العالم الإسلامي بأكمله للهيمنة الاستعمارية من قبل نفس هذه القوى الأوروبية"21. فهل يمكن تجاهل هذه النشأة غير الطبيعية للدول القُطْرية، ونحن نبحث في طبيعة أنظمة الحكم التي قامت في هذه الدول وفي فرص تطورها نحو الديمقراطية؟
ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى انتهاء الحرب الباردة مطلع التسعينيات من القرن المنصرم، وفي ظل دولة ما بعد الاستعمار، ظلت للسياسة الخارجية الأميركية ثوابت ليس من بينها دعم الحريات والديمقراطية. هذه الثوابت هي ضمان تدفق النفط وبأسعار رخيصة، أي عدم استقلالية قرار النفط؛ وأمن الدولة الإسرائيلية وضمان تفوقها العسكري النوعي على جيرانها العرب كافة؛ وحماية حلفائها من الحكام العرب، وما ترتب على هذا من علاقات سياسية وعسكرية قوية ربطت بين حكومات وجيوش المنطقة وحكومات وجيوش غربية. وفي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، حلت مسألة الإرهاب محل الخطر الشيوعي، وصار المسرح الرئيس للحرب على
الإرهاب هو الدول العربية والإسلامية، وباسم هذه الحرب شرعت الولايات المتحدة في سياسة جديدة لتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط، أسمتها تغيير النظام Change Regime؛ باعتبار أن هذه الأنظمة مسؤولة عن قمع الحريات وتوليد التطرف، فكان احتلال أفغانستان والعراق. رَفَعَت هذه السياسة شعارات الديمقراطية وبناء الدولة Building Nation، إلا أن هذا لم يتحقق في الواقع، بل انتهى الأمر في العراق إلى قتل الملايين وتهجير ملايين أخرى، وتدمير مقدرات البلاد، ومد النفوذ الإيراني، وزرع طائفية مقيتة. ولنا عودة لمسألة الإرهاب واستخدام خطابه لترسيخ الاستبداد. من الأهمية الإشارة هنا إلى أن مناقشة دور الاستعمار في إعاقة الديمقراطية العربية أنتجت في حد ذاتها الكثير من التوترات، وكانت سببًا من أسباب الاستقطاب. فقد ظهرت مواقف حدية، إذ اتُّهم من يبحث في دور الاستعمار والعوامل الخارجية بتبني نظرية المؤامرة والتفسيرات التبسيطية والاختزالية، بينما اتُّهم من دعا إلى تجاوزها كليًّا بالتغريب وتجاهل ثوابت الأمة. لكن، وبعيدًا عن هذا السجال غير الصحي، من العرب من اعتبر أيضًا أن الاستعمار يمثل عقبة أمام الديمقراطية عبر تفتيته الأمة، وظهرت دراسات ترى أن من غير الممكن أن تكون "الدولة الوطنية العربية" إطارًا صالحًا لإحداث الانتقال الديمقراطي الذي دعت إليه ثورات عام 2011، لأنها لم تشكل يومًا "وحدة عضوية متكاملة الأركان ذات شرعية تاريخية ناجزة"، وأن أي "ثورة ديمقراطية اجتماعية في العالم العربي" يمكن أن تتم "على مستوى الحقل السياسي العربي ككل، أو لا تتم"، ومن دون هذا "ستنقلب حركات الربيع العربي إلى مشاريع ثورات مضادة وحروب أهلية مستمرة، تعيد إنتاج دول وطنية أكثر ضعفًا وانقسامًا من سابقاتها"22. بينما رأى آخرون أن "تجزئة الوطن العربي حرفت الحركة القومية عن المهام الديمقراطية، بخلقها أزمة شرعية للدول القائمة. ولكن على صعيد آخر، تحوّل التعرض المستمر لشرعية الدول، تحول بحد ذاته، إلى حجة لتعليل غياب الديمقراطية"23، وأن "الديمقراطية في البلدان العربية هي شرط تحقيق أي شكل من الوحدة العربية الطوعية بين الدول القائمة"24. وأشار بشارة، قبل اندلاع الثورات بسنوات، إلى أن هناك "مسألة عربية" سببها أن "أكبر قومية معاصرة لم تحظ بحق تقرير المصير بالتحول إلى أمّة ذات سيادة، ولم تحظ بفرصة الصراع بعد ذلك للتحول إلى أمّة من المواطنين"25، مضيفًا أن "العناصر التي تمنع تحقق الأمّة في داخل الدولة القطرية وخارجها، هي نفسها العناصر التي تعيق التحول الديمقراطي"26، وأنه لا يمكن أن يتم التحول الديمقراطي من دون أن ينتظم الديمقراطيون في كل قطر عربي، ومن دون إرادة وفعل ديمقراطي27. لا شك في أن التجزئة عقبة أساسية أمام التقدم والديمقراطية، ولا شك أيضًا في أن مطالب الثورات العربية متقاربة للغاية، لكن ثمة حقائق أخرى ذات أهمية، أولها أن كل التجارب الوحدوية التي رفعها حكام مستبدون آلت إلى الفشل في عالمنا العربي، وأنه من غير الممكن تصور أن النظم المستبدة الراهنة ستنجز هدف الوحدة العربية، وهي التي فشلت في تحقيق أهداف أقل من ذلك كثيرًا28. هذا فضلً عن أن ثمة مناطق أخرى اتجهت نحو التكتل أو التعاون، بمستويات مختلفة من النجاح، بعد أن انتقلت إلى الديمقراطية كما في أوروبا وأميركا اللاتينية. هذه إشكالية من إشكاليات متعددة تتصل بمسألة الحكم في الوطن العربي، لم تكن تعانيها جُل الحالات الأخرى خارج العالم العربي، وتحتاج بلا شك إلى مزيد من البحث.
2. الأضواء الحمراء والخضراء
كان من نتائج تلك النشأة المشوهة للدول القُطْرية العربية أن قامت العلاقات بين القوى الكبرى والأنظمة العربية على أسس مختلة تقوم على علاقات التبعية والهيمنة. تعتمد هذه الأنظمة على حماية القوى الغربية الكبرى في بقائها واستمرارها، وذلك بديلً من اعتمادها على شعوبها في شرعية قيامها واستمرارها. ولهذا مثلت الثورات العربية التحدي الأهم لهذه المعادلة، فمن المعروف أن أي انتخابات ديمقراطية تجرى في أعقاب عملية انتقال ديمقراطي ناجحة يصحبها عنصر اللايقين بشأن من سيصل إلى السلطة وحجم قوته الشعبية والبرلمانية، ومن المعروف أيضًا أن الحكومات التي تصل إلى السلطة عبر تلك الانتخابات الحرة تضع نصب أعينها مطالب من انتخبها في المقام الأول. ومن هنا فعنصر اللايقين في الحالات العربية ليس أمرًا محليًا؛ إذ تهتم به أيضًا الدول الكبرى ذات النفوذ في المنطقة.
كان هناك، منذ نشأة النظام العربي بعد الحرب العالمية الأولى وحتى اليوم، شبه ممانعة غربية (أو ضوء أحمر) أمام الديمقراطية العربية إذا ما أتت بقوى سياسية مستقلة تهدّد المعادلة المشار إليها أو الوضع القائم في المنطقة، وتهدد الحدود التي رُسمت للمنطقة في اتفاقية سايكس - بيكو عام 1916. إن المنطق الحاكم لهذه الممانعة هو أن ظهور حكومات ديمقراطية في المنطقة سيؤدي إلى ظهور تكتل عربي، وقد عبّ هنري كيسنجر عن هذا بكل وضوح عندما حدّد مرتكزات السياسة الأميركية إزاء المنطقة بعد ثورات عام 2011 في "أمن النفط" و"أمن إسرائيل"، موضحًا أن المبدأ الأهمّ الذي يجب أن تهتم به هذه السياسة هو منع ظهور أيّ قوة إقليمية تستطيع أن تجمع دول المنطقة حولها29. وهذا التخوّف الأميركي أمر واقع منذ سنوات؛ فعلى سبيل المثال تحدث أحد التقارير الدورية الصادرة عن مجلس الاستخبارات الوطني الأميركي التي تهتم بالاتجاهات العالمية المستقبلية، عن تخوفه من ظهور نواة لوحدة عربية إسلامية تقيم سلطة عابرة لحدود الدولة القومية30. وتظهر الممانعة الغربية جلية في الدعم العسكري والاقتصادي الذي تتسلمه الأنظمة العربية من الديمقراطيات الغربية. وبحسب إحدى الدراسات الحديثة، فإن الولايات المتحدة قدمت معونات عسكرية لنحو 70 في المئة من الدكتاتوريات في العالم خلال السياسة التي اتبعتها في الحرب الباردة لدعم الديمقراطية لتغيير "الدكتاتوريات الشريرة"31. وتتبع باحث أميركي العلاقات الأميركية - المصرية منذ السبعينيات، لينتهي إلى القول إن هذه العلاقات منعت أو أجهضت فرص الانتقال إلى الديمقراطية في مصر32. وكانت المواقف الغربية من الثورتين التونسية والمصرية كاشفة؛ إذ تمت التضحية بالمبادئ في سبيل المصالح. فالولايات المتحدة انحازت في البداية إلى الأنظمة القديمة، وبعد فترة من الارتباك ترددت في دعم بدائل لزين العابدين بن علي وحسني مبارك خوفًا من وصول الإسلاميين إلى الحكم وتهديد المصالح الأميركية. في الحالة التونسية، أعربت الولايات المتحدة عن قلقها من العنف وظلت تدعم النظام حتى بعد هروب بن علي، ودعت الحكومة الجديدة إلى تنفيذ وعوده التي أعلنها في خطابه قبل رحيله، ولاحقًا أعلنت عن دعمها السلام والاستقرار وبناء مجتمع أكثر ديمقراطية في تونس33. وفي مصر، وبرغم انفتاح الولايات المتحدة على القوى السياسية كافة، ومن ضمنها الإخوان المسلمون، فإن اتصالاتها الأهم كانت مع المجلس العسكري. وبعد فوز مرشح الإخوان بالرئاسة، أعلن أوباما موقفًا جديدًا لبلاده هو أن الحكومة التي يتزعمها الإسلاميون في مصر ليست حليفة ولا عدوة، واستمرت المعونة العسكرية من دون تغيير، مع تقليص المعونات الاقتصادية قليلً، ولم تخصص أموال جديدة لدعم التحول الديمقراطي. ويمكننا هنا مقارنة هذا بالدعم الذي يحصل عليه النظام الحالي بفضل جهود اللوبي الإسرائيلي بواشنطن. ففي أعقاب تدخل الجيش وإطاحته الرئيس المنتخب عام 2013، لم تستخدم الإدارة الأميركية كلمة الانقلاب، وكان جُل البيانات والتصريحات الأميركية منصبًا على نبذ العنف وسرعة عقد انتخابات جديدة. واستمر التنسيق العسكري بكثافة بين البلدين34، برغم انقسام الإدارة حول الوضع في مصر. واعتبر وزير الخارجية جون كيري أن ما حدث في مصر يمثل "استعادة للديمقراطية"35. كما استمرت المعونة العسكرية برغم تأخير أجزاء منها، وأعلن الجنرال مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان المشتركة، بوضوح في جلسة استماع بمجلس الشيوخ بعد أيام من بيان 3 تموز/ يوليو 2013، عن أهمية المصالح المشتركة بين الولايات المتحدة والجيش المصري تحديدًا، مؤكدًا أهمية الاستثمار في الشراكة القوية بين الطرفين، ومشيرًا إلى أن بلاده "تتمتع بالمرور التفضيلي في قناة السويس"، وإلى التزام الجيش اتفاقيات كامب ديفيد، وإلى أن "الجيش الإسرائيلي يعدّ الجيش المصري شريكًا قويًا"36. وبعد الانتخابات الرئاسية الشكلية في 2014، عادت العلاقات المصرية - الأميركية لما كانت عليه أيام مبارك، واستقبل أوباما الجنرال عبد الفتاح السيسي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/ سبتمبر 2014، وأضاف الكونغرس إلى القانون الذي ينظم المساعدات لمصر ما يسمح لوزير الخارجية
بالتنازل عما يسمى شهادة الديمقراطية المطلوبة إذا كان هذا في مصلحة الأمن القومي الأميركي37. وتم لاحقًا، في نيسان/ أبريل 2015، رفع الحظر عن إمدادات السلاح لمصر، والذي كان معمولً به منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2013، لقد كان الحظر هو الاستثناء نظرًا إلى أوضاع أميركية داخلية، أما الطبيعي فهو التحالف، وقد أوضح السيسي ذلك عام 2015، قائلً إن "الولايات المتحدة لم تخذلنا أبدًا خلال السنوات الماضية"، وإن "السنتين الماضيتين كانتا بمنزلة اختبار حقيقي لقوة العلاقات بين مصر والولايات المتحدة الأميركية وتحملها"38. والجديد هو ما أعلنه البيت الأبيض عن نية الولايات المتحدة وقف السماح لمصر بشراء الأسلحة بالائتمان بدءًا من العام المالي 2018، وكذا إعادة هيكلة العلاقات العسكرية بما يحقق المصالح المشتركة، وذلك بأن تقتصر أهداف الأسلحة الأميركية للجيش المصري على دعم قدراته في أربعة مجالات، هي "مكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، وأمن سيناء، والأمن البحري"، فضلً عن "صيانة الأنظمة العسكرية الموجودة بالترسانة المصرية." ويعدّ هذا التغيير جوهريًا؛ لأنه يتعلق بمسائل أساسية تمس عقيدة الجيش، ومهماته، ونظم تسليحه، وتمويله. وتبين أن السيسي كان قد أبلغ واشنطن في آذار/ مارس 2013 – غالبًا عبر جنرالات البنتاغون الذين نُقل لهم الملف المصري – بأن حكم الإخوان في مصر قد انتهى39. وظهرت لاحقًا عدة مقالات في الصحف الأميركية تشير إلى هذا، وإلى الأدوار التي قامت بها الإمارات والسعودية أيضًا40. كما ظهرت أيضًا تصريحات لآخر رئيس وزراء في عهد مبارك، الجنرال أحمد شفيق، عن دوره في مواجهة الإخوان من دبي، وذلك بالتنسيق مع السفارة الأميركية ومعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى41. ومع صعود اليمين المحافظ، ووصول دونالد ترامب إلى الرئاسة عام 2017 صارت السياسة الأميركية أكثر سفورًا في انحيازها التام إلى النظم المستبدة. بل الأخطر من ذلك هو أن تصريحات ترامب كشفت جوانب لم تكن معلنة من قبل في علاقات الهيمنة الأميركية على نظم الحكم العربية. فقد أشار في نيسان/ أبريل 2018 إلى أن الأنظمة العربية لن تدوم أكثر من أسبوع إذا رُفع الدعم الأميركي عنها؛ لأن الولايات المتحدة هي التي تحميها42؛ وهو تصريح كرّره مرات عدة بعد هذا. وفي أعقاب قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول في تشرين الأول/ أكتوبر 2018، كشف ترامب عن بعد آخر في علاقة بلاده بالسعودية تحديدًا إن صح ما قاله؛ ففي 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، قال مبررًا دفاعه عن السعودية "من دون حليف قوي مثل السعودية [...]سوف تشهد إسرائيل أوقاتًا عصيبة[...]ماذا يعني هذا؟ إسرائيل سترحل[...]هل تريدون أن تغادر إسرائيل المنطقة؟"43. وكان ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، قد كشف جانبًا آخر من تلك المعادلة حين اعتبر سياسة بلاده في نشر الوهابية وبناء المدارس والمساجد في الخارج جزءًا من الحرب الباردة وبطلب من الدول الغربية44. أما الأوروبيون فقد صدرت عنهم بيانات وتصريحات تدعم مطالب التغيير في مصر، وإدانة العنف واستعادة الأموال المنهوبة في البنوك الأوروبية، كما أعلن الاتحاد الأوروبي عن مخصصات مالية لدعم دول الربيع العربي، لكن، رفض الاتحادُ الأوروبي تسميةَ ما حدث في 2013 "انقلابًا"، وتعامل مع النظام في مصر، ما عدا السويد والنرويج اللتين دانتا الانقلاب. وحاول الاتحاد التوسط بين الأطراف في مصر ليس لاستعادة الشرعية الدستورية، وإنما لضمان مشاركة الجميع في
مسار 2013 وإقناع الإخوان بذلك45. وبعد ذلك عادت العلاقات لطبيعتها مع مصر وتعاظمت صفقات التجارة والسلاح. وقد كشف محمد البرادعي في أيار/ مايو 2015 أن من وَضَ عَ خريطة الطريق التي أعلنت في 3 تموز/ يوليو 2013 هو برناردينو ليون ممثل الاتحاد الأوروبي في جنوب المتوسط في ذلك الوقت46. وتكشف هذه المواقف جميعها الوجوه المتعددة للحكومات الأوروبية، وهذا أمر ليس جديدًا، فقد أ طلق على دبلوماسية بريطانيا في النصف الأول من القرن العشرين "دبلوماسية الزنجي الأبيض" في تعاملها المزدوج مع العرب والجماعات اليهودية في فلسطين. إنّ معيار المصالح (كما تفهمها القوى الأوروبية في النفط والتجارة ومبيعات السلاح وأمن الإسرائيليين ومكافحة الإرهاب ومنع وصول حكومات وطنية تغير ميزان القوة) هو المعيار الحاكم لتلك الحكومات. وقد عبّ بشارة عن هذا بدقة حين أشار إلى أن أوروبا لم تتخل عن تلك السياسة إلا "عندما كانت مجبرة على ذلك بفعل الحراك الشعبي"47. ولهذا فإنّ ميزان القوة المختل بين العرب والقوى الغربية لا يُعدّله إلا التسلح بقوة الشعوب وقيام حكومات مدنية منتخبة يمكن مراقبتها ومحاسبتها. الخوف من الديمقراطية العربية يترجم أيضًا في ضوء غربي آخر، أخضر هذه المرة أمام الحلفاء والخصوم من الحكومات العربية على حد سواء، وذلك للاستمرار في قمع المعارضين متى كان هذا القمع في صالح منع وصول حكومات مناوئة للمصالح الغربية. ففي الماضي، مرت المذابح ضد الإخوان المسلمين في حماة السورية 1982()، وقمع ثورات الشيعة والأكراد في العراق 1991()، وقمع تمرد بالجيش في ليبيا 1993() من دون إدانة من الجماعة الدولية. واليوم مرت ويلات الحرب في سورية واليمن ومذابح ميداني رابعة والنهضة في مصر، وما تلاها من انتهاكات، من دون إدانة دولية حقيقية. ومؤخرًا أثبتت قضية مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني وتغاضي إيطاليا والاتحاد الأوروبي عنها إعلاء المصالح الاقتصادية والعسكرية ليس على انتهاكات حقوق الإنسان العربي فقط، وإنما على انتهاكات حقوق الرعايا الأوروبيين في الدول العربية أيضًا. وفي الواقع ثمة تقارير حقوقية تكشف الدور الخارجي في دعم النظم المستبدة في العالم العربي؛ ففي الشأن المصري مثلً، كشف تقرير أصدرته منظمة العفو الدولية أن فرنسا زودت مصر خلال الفترة 2012 - 2016 بكميات من الأسلحة تفوق ما زوَّدتها به طوال العشرين عامًا السابقة، وأن عام 2017 وحده شهد تصدير معدات عسكرية وأمنية تزيد قيمتها على 1.4 مليار يورو. وذكر التقرير أن سياسة فرنسا هذه تستخف بالقانون الدولي؛ لأن قوات الأمن المصرية تستخدم هذه المعدات في قمع المظاهرات كما حدث في الفترة 2012 - 2015، ولأن هذه السياسة تخترق الحظر الذي تبناه الاتحاد الأوروبي عام 2008 أو ما يسمى قواعد "الموقف المشترك للاتحاد الأوروبي" التي تنظم الرقابة على صادرات المعدات والتقنيات العسكرية48. تعرف فرنسا جيدًا أن هذه الأسلحة لن تستخدم إلا على النحو الخاطئ ما دامت في أيدي نظم قمعية، برغم إعلانها عن عدم مسؤوليتها عن الاستخدام الخاطئ لهذه الأسلحة. وهنا نشير إلى أن فهم بعض الباحثين الغربيين للواقع العربي سيظل منقوصًا، ما دام يتم تجاهل ذلك الضوء الأخضر؛ فإيفا بيلين مثل كتبت عام 2004 قائلة إن المشكلة في الشرق الأوسط ليست في غياب الشروط المسبقة للديمقراطية، بقدر ما هي في الشروط الداعمة للاستبداد، ولا سيما الأجهزة الأمنية49. وهذا الفهم منقوص لأنه لا يأخذ في الحسبان أيضًا الشروط الخارجية الداعمة الاستبداد والأجهزة الأمنية، ولا سيما في ضوء تجارة السلاح الدولية، والعلاقات العسكرية - العسكرية القوية بين الدول الغربية الكبرى والجيوش والأجهزة الأمنية داخل الدكتاتوريات العربية. ووصل الأمر في الغرب إلى قيام صحف ومراكز بحثية بترويج أن المنطقة العربية لم تشهد ثورات من أجل الديمقراطية في الأساس، ولم تشهد عمليات انتقال ديمقراطي، وأن الشعوب العربية لا يصلح لها إلا الحكم الاستبدادي. ومن الأمثلة ذات الدلالة هنا مقال نشرته واشنطن بوست صحيفة بعنوان "كيف كان الجيش المصري يفكر بعد الثورة؟" حيث أورد كاتبه أن القول بأن المنطقة شهدت "ثورات مدنية" قول "تقليدي" وغير صحيح لأنه لا يفهم السياسة في مصر ودور الجيش هناك50. وبغض النظر عن أن عنوان المقال نفسه يكشف تناقضًا جليًّا، إذ إنه يتضمن كلمة "الثورة" في حين أن هدفه هو إثبات عدم حصولها، فإن معظم المقال الذي يركز على الجيش
وأدوات سيطرته ولا سيما في قطاع المعلومات يروج لمغالطات أخرى، منها الادعاء أن الانتخابات الرئاسية لعام 2014 كانت اختبارًا شعبيًّا حقيقيًّا. لقد تجاهل المقال علاقة الجيش بالولايات المتحدة وتلقيه معظم المعونة الأميركية المخصصة لمصر، تلك المعونة التي تبررها الإدارات الأميركية المتعاقبة بأنها "استثمار في الاستقرار الإقليمي الذي يُقام أساسًا على تعاون طويل الأمد مع الجيش المصري، وعلى الحفاظ على معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية عام "197951. إن إجهاض ثورة يناير عام 2013 لا ينفي عدم حدوثها، وإنما على العكس يثبت قيامها، ويبرهن أيضًا خطورتها على خصومها محليًا وإقليميًا ودوليًا، وقيام هؤلاء الخصوم بمواجهتها بمليارات من الدولارات الخليجية، وبجماعات موجهة من المثقفين والإعلاميين، وبسلسلة من الأحكام المسيسة، وغير ذلك.
3. محاربة الإرهاب ومسألة الديمقراطية
تتضح أيضًا أهمية العامل الخارجي مع استخدام خطاب الحرب على الإرهاب لأجل ترسيخ الحكم المطلق وتبرير قمع الحريات على أيدي النخب الحاكمة، وتحول هذا الخطاب، في الواقع، إلى إحدى إستراتيجيات الفاعلين الداخليين والخارجيين لإجهاض مسارات الانتقال السلمي إلى الديمقراطية المعادية لمصالحهم52. فالمنطقة دخلت ثلاث مرات على الأقل في "حرب على الإرهاب" خلال العقود الثلاثة الماضية تقريبًا؛ حيث تم في كل مرة تجيير المنطقة في حرب ضد عدو داخلي بينما يتم غلق الحياة السياسية، ووضع كل الإسلاميين في سلة واحدة، ثم اتهام كل المعارضين بالتعاطف معهم أو العمل على تنفيذ أهدافهم53. كانت المرة الأولى في نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن العشرين، مع عودة ما أطلق عليهم "الأفغان العرب"؛ حيث حلت الحرب على الحركات المسلحة محل المطالب الشعبية التي كانت تنادي بالإصلاح في دول مثل مصر والسعودية والجزائر والسودان وغيرها. وحدث الشيء ذاته تقريبًا للمرة الثانية بعد هجمات 2001؛ إذ تم إجهاض المطالب السلمية المعارضة في أكثر من دولة عربية باسم معركة الحرب على الإرهاب التي صارت الدول العربية والإسلامية مسرحها الرئيس، وتم في إطارها احتلال دولتين إسلاميتين وما ترتب على هذا من ظهور حركات متطرفة مسلحة. وفي هذه المرحلة صار الإرهاب هو العدو الجديد للغرب، وحلت عبارة "الحرب على الإرهاب" محل مصطلح "صراع الحضارات"، وقسّمت بعض التقارير العالم الإسلامي إلى راديكاليين ومعتدلين، وأعلت من أهمية ما رأته صراعًا بين الشيعة والسنة أو بين العرب وغير العرب54. وفي تقرير صدر عن مؤسسة راند الأميركية عام 2002، خلت الأسباب الكامنة وراء ما أسماه التقرير "ظاهرة الإسلام الراديكالي" من الأسباب الخارجية، ما عدا الإشارة إلى أمرين لم يظهر لهما صدى في توصيات التقرير، الأول هو "المناهضة البنيوية للغرب"، أي إن عدم ثقة العرب والمسلمين بالغرب هو المشكلة وليس أسباب عدم الثقة تلك، ومع أن التقرير تحدث عن بعض هذه الأسباب، فإن توصيات الحل والمعالجة لم تمتد لمعالجتها. وبالمنطق نفسه، كان الأمر الثاني هو الصراعات والحروب والثورات بصفتها سببًا للتطرف (الثورة الإيرانية، والحرب الأفغانية، وحرب الخليج الأولى 1991، وأحداث سبتمبر 2001، والحرب في العراق)، لكن من دون التطرق إلى دور الخارج في إشعال هذه الصراعات، ولا إلى صفقات الأسلحة التي لا يتوقف تصديرها إلى أطراف الحروب55. وأوصى تقرير صدر عام 2007 عن المؤسسة ذاتها بفرض الدول الغربية مجموعة من السياسات حول الحكم الرشيد والديمقراطية وتغيير المناهج ودعم الانفتاح السياسي والاقتصادي، لكن تم هذا في إطار الحديث عما أسماه بناء "شبكات للمسلمين المعتدلين" الذين تم تعريفهم بأنهم من يلتزمون "الديمقراطية الليبرالية الغربية"، ويرفضون "تطبيق مبادئ الشريعة"، ويحترمون "حقوق المرأة والأقليات الدينية"، ويعارضون "الإرهاب والعنف غير المشروع"56. لم يتطرق تقرير 2007 إلى مسببات ظهور التطرف والعنف ودوافعه المتصلة بالدعم الغربي للنظم المستبدة والحروب التي نشأت من جرّاء طبيعة هذه الحكومات وأدائها.
وواقع الأمر أن مضامين هذا التقرير، وغيره من التقارير المماثلة، لم تمثل أي تهديد للأنظمة العربية لأنها تتجاهل الحديث عن إصلاح المؤسسات الحاكمة ذاتها. أضف إلى ذلك أن هذه التقارير ركزت على توجيه الجزء الأكبر من الدعم الخارجي نحو إصلاح منظمات المجتمع المدني على حساب الأحزاب والمؤسسات السياسية، وبشكل مزدوج أيضًا؛ إذ تم تفضيل التيارات العلمانية الليبرالية بصفة عامة. فضلً عن أن هذه التقارير ساهمت أيضًا في تعميق الاستقطاب السياسي؛ نتيجة اعتبارها أن المعتدلين لا بد أن يكونوا علمانيين، وأن التعددية السياسية التي دعت إليها هذه التقارير لم تشمل التيار الإسلامي السلمي. ثم كانت المرة الثالثة والراهنة في إدخال المنطقة في "حرب على الإرهاب" بعد ثورات عام 2011 وصعود قوة الإسلاميين عبر الانتخابات الديمقراطية؛ إذ تحول نضال شعوب المنطقة لأجل الحرية إلى حرب على إرهاب داعش وإخوته، واختارت إدارتا أوباما وترامب دعم الثورات المضادة والحكام المستبدين في المنطقة على حساب دعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان. يوجد بلا شك مشكلة تطرف وإرهاب في المنطقة، لكن الجزء الأساسي من الحل هو فتح الحريات وسبل المشاركة السياسية السلمية وتقديم الحوافز المؤسسية لهذه المشاركة. ما يحدث في منطقتنا هو العكس، أي الاعتماد على الحلول الأمنية في الأساس وقمع الحريات وغلق المجال السياسي السلمي، وهذه أمور تساعد على ظهور الإرهاب واستمراره بدلً من محاربته. إن توظيف مقولات الحرب على الإرهاب ضد الثورات له مخاطر عدة57، أولها استخدام هذه الحرب لأجل استمرار معادلة الهيمنة الغربية وتحقيق الأمن ولو على حساب الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهذه سياسة قصيرة النظر، وتسهم في إشعال المنطقة لأنها تتجاهل حقيقة أن الإرهاب نتيجة أساسية من نتائج أزمة شرعية الحكم وأداء الحكومات في الدول العربية58. والأخطر من هذا أن المنطقة العربية شهدت في أعقاب الثورات المضادة 2013 قيام دوائر رسمية ومراكز بحثية بالترويج لمغالطات تعيد إنتاج افتراضات المدخل الثقافي في تفسير بقاء الاستبداد العربي، ولكن هذه المرة بالقول إن حروب المنطقة وصراعاتها صراعات أبدية، ولها جذور ثقافية وتاريخية تخص المنطقة وتركيبها المذهبي. فَعَل أوباما ذلك عندما قال إن ما يدور في المنطقة متأصل في الصراعات التي تعود إلى آلاف السنين فيها59، ويفعله الرئيس الحالي ترامب الذي أقام سياساته منذ حملته الانتخابية على أن الإرهاب سببه هو ما يسميه "الإرهاب الإسلامي المتطرف"60. ويكتب بالمنطق ذاته كتاب ليبراليون ومحافظون61. ثمة حاجة بلا شك إلى دراسات تعالج الطائفية، أما مسألة الإرهاب فتحتاج إلى دراسات تربط بين مسألة الإرهاب وأمور أخرى لا تتطرق إليها جل الأدبيات والسياسات الغربية الحالية62. أما ثالثة الأثافي فهي قيام مراكز بحثية غربية برسم مستقبل المنطقة على أسس طائفية ومناطقية، وعلى اعتبار أن المنطقة ستكون منطقة نزاعات لعقود قادمة، ومن دون التطرق مطلقًا إلى الديمقراطية والمواطنة والمصالحات الوطنية الشاملة بصفتها حلولً لأزمات المنطقة. فعلى سبيل المثال انتهى التقرير الذي صدر عن المجلس الأطلنطي بواشنطن نهاية عام 2016 إلى تأكيد أمرين أساسيين هما
"دعم الإدارة المحلية" المحافظات والمدن العربية بغرض "مكافحة الإرهاب والفساد وتوفير الخدمات"، وإقامة "منظومة تعاون إقليمية شرق أوسطية" تهتم أساسًا بالتعاون الأمني والاقتصادي والسياسي، تكون فيها الدولة الإسرائيلية طرفًا أساسيًّا. والخطير هو أن التقرير يمنح الحكومات الحالية الحرية في تحديد "المعايير" الخاصة لإصلاح الأوضاع داخل بلدانهم63. ولا شك في أن هذه التوصيات تختلف تمامًا عن سبل معالجة الحروب الأهلية واستبداد الحكومات في حالات أخرى، فالحروب الأهلية عادة ما يتم علاجها بوساطات سياسية تُنهي تدخل الأطراف الخارجية وتوقف تصدير السلاح للعناصر المتحاربة، وبعمليات مصالحة سياسية تتضمن ضمانات دولية محددة. أما استبداد الحكومات، فيتم التعامل معه بالتركيز على هدف أساسي هو بناء دولة المواطنة والقانون والمؤسسات الديمقراطية، وذلك من خلال عملية تحول ديمقراطي بأهداف ومسارات واضحة. ويكون هدف تقوية الإدارة المحلية جزءًا من تلك العملية التي تُغيّ من طبيعة ممارسة السلطة، وتُ كّن فئات الشعب كافة سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا. لم تتضمن توصيات تقرير الأطلنطي سياسات كالسياسات الأميركية تجاه إيطاليا وألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، والتي دارت تحديدًا حول الديمقراطية بصفتها نظامًا للحكم على نحو حاسم وواضح. ولا يمكن مقارنة ما فعله دوغلاس مكآرثر باليابان بما ارتكبه بول بريمر في العراق، ولا ببقية السياسات الكارثية التي ارتكبها الأميركيون في العراق وأفغانستان مستندين إلى مبررات واهية ترى أن ثقافة الشعوب لا تنسجم مع الديمقراطية والحريات، وأنها تخلق صراعات طائفية64.
4. عامل الإقليم المعادي للديمقراطية
لم يكن الإقليم مرحبًا بالثورات العربية؛ فبخلاف الدعم التركي والقطري الواضح لهذه الثورات، لم ترحب بها الأنظمة العربية عمومًا، كما اعتبرت إيران أن أي ديمقراطية عربية حقيقية قد تزعزع شرعية نظامها. ولعل الحالة المصرية المثال الأبرز على دعم السعودية والإمارات الثورات المضادة؛ لقد كان سبب خوف هذه الأنظمة ولا يزال هو امتداد حركة التغيير إليها. ولهذا دافعت السعودية والإمارات منذ البداية عن مبارك، وحاولتا منع محاكمته، ثم كانت ثقة البلدين بقادة الجيش لمنع وصول الإسلاميين إلى السلطة، ثم تكشف تدريجيًا حجم الدعم السعودي والإماراتي65 لنخب النظام القديم في مصر وتمويل ما حدث في 2013 عبر تقديم مليارات من الدولارات، وتمويل وسائل إعلام لصالح الثورات المضادة66، هذا فضلً عن سياسات أخرى مثل ملاحقة دعاة التغيير من إسلاميين وغير إسلاميين داخل الإمارات والسعودية نفسيهما، ونشاطات اللوبي الإماراتي بواشنطن لإفشال الثورات العربية، وتشويه التيار الإسلامي ومحاربته، واحتواء إيران67. أما بشأن العامل الإسرائيلي، فيمكن القول إن عنصر اللايقين من نتائج أي عملية انتخابية حرة في العواصم العربية يرتبط أيضًا بمسألة الأمن الإسرائيلي، بل بشرعية الدولة الإسرائيلية ذاتها وبقائها. وتعتبر هذه المسألة أيضًا محددًا أساسيًا للأميركيين والأوروبيين في علاقتهم بالعرب وإسرائيل. وما يهمنا هنا هو الإشارة إلى أن هناك معادلة ظلت قائمة تربط بين مسألتي أمن الدولة الإسرائيلية ووجود نمط الحكم المستبد بالعواصم العربية، وذلك خوفًا من أن تؤدي أي عملية إصلاح إلى وصول الإسلاميين أو أي قوى وطنية أخرى إلى السلطة. قامت هذه المعادلة منذ ما قبل "معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية"، ثم مثّلت الثورات العربية تهديدًا وجوديًّا لها ولشرعية الدولة الإسرائيلية وسرديتها التاريخية. ولهذا اعتبر الساسة الإسرائيليون أن قيام حكومات عربية ديمقراطية منتخبة خطرٌ على شرعية وجود دولتهم68، ووصف نتنياهو ثورات عام 2011 بأنها زلزال يهز أنظمة الحكم ويهدد بنشوء شرق أوسط جديد، معتبرًا أن مبارك "كان صديقًا عظيمً لإسرائيل"69. وتحت عنوان "خطة معاريف نتنياهو لوقف الإسلام"، نشرت جريدة في 3 آب/ أغسطس 2011 تصريحات نتنياهو الداعية إلى إنشاء صندوق دولي لدعم خصوم الإسلاميين في العالم العربي على غرار خطة مارشال في أوروبا؛ وذلك لتشجيع ما أسماه التحرك نحو الديمقراطية والنمو الاقتصادي
ولمنع الإسلام من السيطرة على الشرق الأوسط، ودعا داني أيالون، نائب وزير الخارجية آنذاك، الدول العربية الثرية إلى تمويل هذا الصندوق70. وليس هناك دليل ملموس حتى اليوم يربط بين هذا وبين الدعم المالي الذي قدمته دول خليجية لحركة تمرد في مصر، وبالمعونات المالية السخية التي حصلت عليها مصر منذ 2013 من السعودية والإمارات71. ومنذ 2013، وصلت العلاقات المصرية - الإسرائيلية إلى حد لا مثيل له، وتجاوزت ما كان قائمًا أيام مبارك؛ فقد تم تعزيز التعاون الأمني والعسكري، وخاصة ما يتصل بمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية - ولاية سيناء، وإحكام القبضة على قطاع غزة، كما تطابق الموقفان الإسرائيلي والمصري في محاولات الوصول إلى تسوية سلمية، وتواصلت القمم السرية التي جمعت السيسي ونتنياهو وعددًا آخر من الحكام العرب ضمن الإعداد لما أطلق عليه "صفقة القرن"، هذا فضلً عن تعزيز مشروعات الغاز والتجارة72. وإجمالً، مثلت الثورات المضادة طوْق النجاة للدول المعادية للثورات؛ لأنها أعادت بناء النظم التسلطية العربية على حساب الديمقراطية، وفتحت الباب على مصراعيه أمام تطبيع علاقات الإسرائيليين بعدة دول عربية، وكذا تقسيم المنطقة إلى محورين سني وشيعي، وتصفية القضية الفلسطينية. لم يكن هذا العائق الإقليمي موجودًا في حالات الانتقال الناجحة خارج العالم العربي بمثل هذه الكثافة. إن عمليات الانتقال إلى الديمقراطية تزداد صعوبة مع قيام تحالفات إقليمية ودولية صلبة لمواجهتها، ولن يكتب لأي حراك جديد النجاح من دون أن يكون لأصحابه سياسة حصيفة للتعامل مع هذه المسألة. وكان الأفندي محقًا عندما أشار إلى ما يسميه "عدم الأمان" الذي تشهده المنطقة، وإلى أن المنطقة مسكونة "بالأشباح"، يستوي في هذا الأنظمة والأقليات وقطاع واسع من الرأي العام، بجانب أطراف خارجية كالولايات المتحدة و"إسرائيل"73.
5. تراجع الديمقراطية وصعود الدول التسلطية
جاءت مسارات التغيير العربية نحو الديمقراطية مع صعود ظاهرة دولية أخرى هي تراجع الديمقراطية في العالم وصعود نفوذ دول غير ديمقراطية. وهذا يمثل في حد ذاته عاملً خارجيًا، يجب أخذه في الحسبان عند فهم مصير عمليات التغيير التي تشهدها الدول العربية. وبحسب تقرير حديث عن الحريات في العالم، فإن الديمقراطية تواجه أخطر أزمة منذ عقود، وأن التراجع يشمل الولايات المتحدة ودولً أخرى عديدة، مثل بولندا والمجر والمكسيك وبوليفيا وميانمار وغيرها74. لقد ساهمت عوامل عدة في تراجع الديمقراطية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بعضها له علاقة بالمنطقة العربية كغزو الولايات المتحدة العراق وأفغانستان، إلى جانب نجاح روسيا في احتواء الثورات الملونة في وسط آسيا75. ثم ساهمت الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008 في تراجع جاذبية الديمقراطية نظامًا للحكم، وتركت شعورًا قويًا بأن مؤسسات الحكم السياسية لا تعمل على نحو جيّد في معقل الديمقراطيات الراسخة كدول أوروبا الغربية والولايات المتحدة. وقد عززت هذا الشعور تطورات أخرى ذات أهمية، مثل الأزمات الحادة التي مرت بها دول ديمقراطية في جنوب أوروبا كاليونان وإسبانيا؛ وطبيعة السياسات الخارجية للدول الغربية التي اتسمت بالتردد والازدواجية في الدفاع عن قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ وكذا تصاعد النزعات الشعبوية في الديمقراطيات الغربية المعاصرة كتصويت البريطانيين للخروج من الاتحاد الأوروبي، وصعود الأحزاب اليمينية ووصول مرشح اليمين الشعبوي إلى رئاسة الولايات
المتحدة76، وتفاقم تداعيات الهجرة من مناطق النزاع. وتتضمن العوامل التي ساهمت في تراجع الديمقراطية أيضًا التركيز على تصدير النموذج الاقتصادي الرأسمالي، وفرض برامج الإصلاح النيوليبرالي، واهتمام سياسات الدول الكبرى بصفقات التجارة، والسلاح مع حكومات المنطقة على حساب الديمقراطية وحقوق الإنسان77. هذا فضلً عن أن مسار الاتحاد الأوروبي الداخلي ذاته يشي بأن المصالح الاقتصادية والإستراتيجية تأتي على حساب الديمقراطية حتى داخل أوروبا ذاتها؛ الأمر الذي يضعف صدقية دعاة الديمقراطية حول العالم. فعندما أراد رئيس الوزراء اليوناني إجراء استفتاء على خطة استقلال مالي عارضته ألمانيا وفرنسا، إضافة إلى أن المؤسسات الديمقراطية في اليونان أخفقت في معالجة الأزمة. وعندما صوّت الدنماركيون ضد معاهدة ماسترخت عام 1992 تمت إعادة الاستفتاء مرة أخرى، كما صوّت الأيرلنديون مرتين عامي 2002 و 2009 حول اتفاقيتَي نيس ولشبونة78. والحكام الأوروبيون الذين عارضوا الاتحاد والاندماج الأوروبي تم تجاوزهم عبر الانتخابات (في أيرلندا والبرتغال وإسبانيا وسلوفاكيا)؛ والسبب الأساسي في هذا أن الاتحاد الأوروبي يمثل مصلحة إستراتيجية للدول الأعضاء الكبرى، ولا سيما فرنسا التي يمثل الاتحاد لها سبب بقائها على الساحة الدولية، وألمانيا التي يحميها الاتحاد من أن تجد نفسها مرة أخرى في وضع مماثل لما حدث في عامي 1914 و 1939 79. ومن جهة أخرى، ساهم تصاعد دور الدول ذات أنظمة الحكم التسلطي (مثل روسيا، والصين، وإيران) في القضايا المحورية في الساحة الدولية في إضعاف القوى التي تنادي بالديمقراطية. فمع تعثر الثورات العربية، أصبح هناك نمط آخر يمكن اتباعه في الحكم هو النمط الروسي، وصار بوتين صديقًا ومثالً يحتذى. وفي واقع الأمر كان الموقف الروسي حاسمً في عدم ترحيبه بالثورات العربية، وكان وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو واضحًا عندما وضع الثورات العربية في 2011 ضمن الثورات الملونة في دول مثل أوكرانيا وجورجيا، مؤكدًا أن التدخل العسكري الروسي في سورية استهدف إنجاز مهمة جيوسياسية هي وقف هذه الثورات الملونة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا80. ولم يصدر عن روسيا ما يدين مذبحة رابعة في مصر ولا انقلاب 2013 وانحازت انحيازًا واضحًا إلى ما قام به السيسي، وتحالفت معه وعززت صفقاتها العسكرية معه. أما الصين فتجمع على وجه التحديد بين نظام الحكم التسلطي القائم على الحزب الواحد والنظام الاقتصادي التنافسي إلى حد بعيد، وبالنظر إلى أنها ليست دولة مصدرة للنفط، فإنها تقدم نموذجًا للدول الفقيرة ذات الموارد المحدودة81. وهذا بلا شك متغير خارجي يؤثر في صراع النظم التسلطية والديمقراطية. لقد أعلنت الصين صراحة، وقت اندلاع الثورات العربية، عن عدم ارتياحها لتحرك الشعوب ضد حكوماتها نظرًا إلى اختراقه الأسس والمبادئ التقليدية التي يقوم عليها النظام العالمي، وعلى رأسها مبدآ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، كما لم تخف خشيتها من صعود الإسلاميين، وشددت رقابتها على الإنترنت خوفًا من تحرك الأقليات الدينية داخلها. وخلال الثورة المصرية، قدّمت الصين منحًا مالية لمصر، وبعد ما حدث في حزيران/ يونيو 2013 أعربت عن احترامها للشعب ودعت إلى نبذ العنف، ثم انحازت إلى النظام الجديد بعد تموز/ يوليو 2013، وعززت تجارتها واستثماراتها بمصر82. ومن الأهمية الإشارة إلى التنسيق القائم بين تلك الدول التسلطية في المحافل والمنظمات الدولية، وإلى استخدام هذه الدول الأداة الدعائية لترسيخ نمط حكم معادٍ للديمقراطية83. وفي روسيا يتم رفع ميزانيات الإنفاق على الدعاية وعلى وكالة الأنباء الرسمية، وصارت شبكة التلفزيون الحكومية "آر تي" RT تبث بعدة لغات وتصل إلى ملايين البشر، وللصين أيضًا شبكة تلفزيونية "سي سي تي في" CCTV تبث بلغات عدة منها العربية84.
ثًالث ا: تبدل المواقف الخارجية
من الأهمية الإشارة في هذا الجزء الأخير من الدراسة إلى أن المقولات التي ترى استحالة تغيير المواقف الخارجية المعرقلة للديمقراطية – ومن ثمّ استحالة الانتقال الديمقراطي في الدول العربية - مقولات غير دقيقة، واللجوء إلى المقارنة مفيد هنا. فخلال الحرب الباردة، لم تكن الدول الغربية تدعم الديمقراطية إلا إذا ضمنت صناديق الانتخابات عدم وصول أحزاب أو تيارات شيوعية أو اشتراكية معادية للغرب، ولهذا كان الأسلوب الأكثر شيوعًا لضمان وصول حلفاء الولايات المتحدة إلى الحكم هو دعم الحكومات الفردية، ودعم الانقلابات العسكرية متى وصل يساريون إلى الحكم عبر انتخابات ديمقراطية. كما سبق أن رُفعت مقولات الاستثناء الثقافي أمام الشعوب الآسيوية واللاتينية والأفريقية، وكان النفوذ الأميركي عقبة أساسية أمام حركات التغيير الديمقراطي هناك. انتقلت دول كثيرة إلى الديمقراطية، برغم هذا، عندما توافرت فيها قوى ديمقراطية منظمة قادرة على تغيير ميزان القوة لصالح الديمقراطية، وعلى دفع الخارج للتوقف عن دعم المستبدين. لقد أيدت الدول الغربية الكبرى الانتقال في جنوب أوروبا وشرقها، وظهرت اتفاقيات ساهمت في تعزيز الديمقراطية، كاتفاقيات هلسنكي لعام 1975، ومعايير كوبنهاغن للاتحاد الأوروبي عام 1993. كما توّجَت الولايات المتحدة سياستها تجاه الديمقراطية في أميركا اللاتينية بتوقيع "العهد الديمقراطي للأميركتين" في 2001، حيث حسمَت موقفها لصالح الديمقراطية بعد عقود طويلة من دعم الحكومات والانقلابات العسكرية، ونبذت سياسة التدخل وتعهدت بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. وفي عبارات واضحة وقاطعة صارت الديمقراطية حقًا من حقوق شعوب المنطقة، وأمرًا أساسيًا للتنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وضرورة حيوية لحماية حقوق الإنسان وحقوق العمال85. وعمومًا، لم يمانع الغرب الانتقال الديمقراطي في أميركا اللاتينية، وفي دول أخرى كالفلبين وكوريا الجنوبية، عندما توافر بديل ديمقراطي قادر على الحكم، وغير متصادم مع المصالح الغربية؛ على اعتبار أن السياسة تقتضي ترتيب الأولويات، وتقوية مؤسسات الحكم قبل فتح الملفات الخارجية. ولا يمكن فهم التغيير الذي حدث في آسيا، من دون فهم متغير الحرب الباردة؛ فلم يعد الشيوعيون أو الانفصاليون في إندونيسيا وتايلند وكوريا الجنوبية يمثلون تهديدًا وجوديًا في تلك الدول بعد انتهاء الحرب الباردة. لقد دعمت الولايات المتحدة والغرب تلك الدول في إطار مواجهتها التهديد الشيوعي، وارتبط أمن كوريا الجنوبية بالوجود العسكري الأميركي الدائم هناك، كما أيدت الولايات المتحدة انقلاب سوهارتو في إندونيسيا عام 1965 والمجازر التي ارتكبت ضد الشيوعيين هناك. وإجمالً، أيدت الولايات المتحدة الحكومات العسكرية ما دامت الحاجة إليها قائمة في صراعها مع الشيوعية، وبانتهاء الحرب الباردة بدأت في انتقاد سجل حقوق الإنسان في هذه الدول86، ودعم أنظمة حكم بديلة، لكن بشرط عدم تهديد هذه الأنظمة المصالح الأميركية. كما أن القول بأن الضغط الخارجي على الحكام المستبدين، أو مقاطعتهم، لا طائل من ورائه، قول متهافت أيضًا. ولدينا مثال مهم للأثر الإيجابي للعقوبات؛ ففي جنوب أفريقيا مثّلت العقوبات الخارجية على نظام الفصل العنصري عاملً مؤثرًا لدفعه للتنازل. لقد بدأت المقاطعة رياضية في خمسينيات القرن العشرين لتتصاعد مع قرارات الأمم المتحدة بفرض مقاطعة على تصدير السلاح، ثم مع قرارات القوى الغربية واليابان بفرض عقوبات مالية واقتصادية على النظام العنصري. ساهمت العقوبات في رفع التكلفة الاقتصادية للنظام العنصري بالداخل، وفي تعزيز المطالب الداخلية بالإصلاح، فتحول النظام إلى الديمقراطية عام 1994. ولا ريب أن العقوبات بمفردها ما كان لها أن تُحدث هذا الأثر من دون العوامل الداخلية المهيئة لها، وأهمها المقاومة السلمية والعنيفة لحزب المؤتمر الوطني بقيادة نيلسون مانديلا، والحراك الداخلي داخل الأقلية البيضاء – ولا سيما من الشركات ورجال الأعمال - التي أدركت تدريجيًا أن بقاء النظام العنصري يُهدّد مصالحها ويزعزع الاستقرار الاجتماعي والسياسي87. لا مقارنة بين هذا وبين الدعم والتحالف القوي بين أنظمة الحكم العربية والغربية، أو بينه وبين الدعم الغربي الراسخ لدولة الأبارتهايد الإسرائيلي. استطاع الغرب، إذًا، حسم موقفه من الديمقراطية في كثير من المناطق ضمن عاملين أساسيين؛ الأول متصل بحسابات النسق العالمي وطبيعته والصراعات الدولية الكبرى واختفاء التهديد الشيوعي، والثاني ظهور قوى ديمقراطية محلية ضاغطة من أجل التغيير. ولهذا فالعوامل الخارجية المعرقلة للانتقال الديمقراطي ليست حتمية،
فأي تغيير حقيقي لا مفر من أن يبدأ من الداخل؛ فتكتل أصحاب المصلحة في الديمقراطية في الداخل حول برنامج وطني ديمقراطي هو الطريق المُجَرّبة تاريخيًا لدفع الأطراف الخارجية إلى التراجع أو الوقوف على الحياد على الأقل، لكن هذا التكتل مُطالبٌ بامتلاك أدوات القوة والعمل على تغيير ميزان القوة المختل لصالح الغرب والتعامل بحكمة مع العوامل الجيوسياسية88.
خاتمة
تناولت هذه الدراسة بالتحليل تأثير العوامل الخارجية في مسارات الانتقال إلى الديمقراطية بعد ثورات عام 2011 والثورات المضادة لها في عام 2013، وانتهت إلى أن تلك العوامل لم تحظ بالكثير من الاهتمام؛ فقلما نجد ربطًا بين طبيعة نظم الحكم في العواصم العربية واحتمالات الانتقال إلى الديمقراطية من جهة، وبين عوامل مثل الدعم الخارجي لهذه النظم، أو العلاقات الأمنية والعسكرية بين هذه النظم وبين الدول الكبرى، أو ديناميات التفاعل مع الاقتصاد العالمي والتبعية للخارج، أو طبيعة النظام الإقليمي القائم، أو استخدام خطاب الحرب على الإرهاب، من جهة أخرى. وانتهت الدراسة أيضًا إلى أن ثورات عام 2011 أظهرت بوضوح أهمية البحث في العوامل الخارجية، خاصة من حيث تداعيات التدخل المباشر للفاعلين الخارجيين على مآل هذه الثورات، ومن حيث تأثير الصراعات والمخاوف المتبادلة بين الأطراف المختلفة (الداخلية والخارجية) في اختيارات الفاعلين الأساسيين خلال مسارات الانتقال بعد عام 2011. إن عامل اللايقين المصاحب لأي انتخابات ديمقراطية حقيقية ليس عاملً محليًا في الحالات العربية، لأن هناك قوى إقليمية ودولية ترى مصالحها في منع الديمقراطية التي تهدد بتغيير الوضع الراهن. ويمكننا هنا استنتاج أربع إشكاليات متداخلة ذات علاقة بالعامل الخارجي ومسارات الانتقال في أعقاب الثورات العربية، ولا تزال تطرح أسئلة محورية في حاجة إلى مقاربات خلاقة لمعالجتها على المستويين البحثي والسياسي. وتحدد هذه الإشكاليات في واقع الأمر أيضًا بعض أوجه الاختلاف بين هذه المسارات، وغيرها من حالات الانتقال الديمقراطي الأخرى غير العربية: إشكالية الإرث التاريخي لنشأة الدول القُطْرية العربية والدور الخارجي في نشأتها، وأثر ذلك في طبيعة أنظمة الحكم وقابليتها للتغيير نحو الديمقراطية، وما إذا أصبح الدور الخارجي في تأسيس الدولة القُطرية العربية من ودائع التاريخ، أم أنه لا يزال يؤثر في طبيعة أنظمة الحكم وتطورها في الدول العربية وقابليتها للتغيير نحو الديمقراطية. ويرتبط بهذا أسئلة أخرى جديرة بالبحث، أهمها: كيف يمكن تجاوز إشكالية التجزئة والوحدة في علاقتها بالديمقراطية؟ وكيف استطاعت دول أخرى تجاوُز مسألة الإرث الاستعماري والحدود المصطنعة؟ وما الفارق بينها وبين الخبرات العربية؟ وما تأثير أدوات "الاستعمار الجديد" في التدخل والتحكم في احتمالات التغيير في الدول العربية؟ إشكالية العلاقة الراهنة بين الغرب والعرب التي تقوم على أساس أن المنطقة مجال سياسي مفتوح لممارسة الهيمنة الغربية، وعلى معادلة قوامها حماية النظم المستبدة مقابل ضمان المصالح الغربية في النفط والتجارة وأمن الكيان الصهيوني. ويتصل بهذا أسئلة جديرة بالدراسة: كيف يمكن معالجة المخاوف المتصلة بالممانعة الغربية لأي ديمقراطية تهدد المعادلة المشار إليها وتعيد توحيد المنطقة؟ وهل من سبيل لعلاقات أكثر توازنًا تحافظ على مصالح الطرفين معًا: الديمقراطية والتحرر من جهة، ومصالح الغرب في التجارة والنفط من جهة أخرى؟ وفي أي ظرف من الظروف يمكن أن تظهر بين العرب والغرب اتفاقيات وعهود مماثلة لاتفاقيات هلسنكي و"العهد الديمقراطي للأميركتين"؟ إشكالية الإقليم المعادي للديمقراطية، حيث تتشكل مصالح الأطراف الرئيسة بناءً على مخاوفها من الديمقراطية وليس على فوائدها. وهنا تثور أسئلة محورية، منها: ما الظروف التي يمكن معها أن تشكل الديمقراطية مصلحة إقليمية كما حدث في مناطق أخرى من العالم؟ وكيف يمكن التعامل مع تفاعلات النسق الإقليمي، والتأثير فيها، بما يضمن استقرار المنطقة وبناء نظم حكم ديمقراطية في الآن ذاته؟ وما الذي يمكن فعله حتى يتم تفعيل دور المنظمات الإقليمية في دعم الديمقراطية في العالم العربي على غرار ما تم في مناطق أخرى؟ إشكالية جيوستراتيجية تتصل باستخدام الحكومات العربية والغربية خطاب "الحرب على الإرهاب" وإستراتيجياتها لأجل ترسيخ القمع والاستبداد وعرقلة الديمقراطية. وثمة أسئلة محورية هنا، أهمها: كيف يمكن محاربة الإرهاب ودعم الديمقراطية في الوقت نفسه؟ ولماذا لا يُنظر إلى الحركات العنيفة على أنها حركات تمرد ذات مطالب سياسية يمكن معالجتها بالطرق السياسية أيضًا، كما حدث في أماكن أخرى
من العالم؟ ولماذا تغيب الحلول القائمة على دولة المواطنة والمؤسسات الديمقراطية وحكم القانون في الجهود الدولية والبحثية لحل الحروب والنزاعات الأهلية والبينية في الدول العربية؟ أخيرًا، كما أظهرت الدراسة، لم تكن العوامل الخارجية المعرقلة للديمقراطية في عدة حالات خارج العالم العربي عوامل حتمية. لقد ارتبطت معالجة هذه العوامل المعرقلة للديمقراطية بالتغييرات التي طرأت على النسق الدولي، وبظهور قوى ديمقراطية محلية قادرة على الضغط من أجل الديمقراطية. ومن هنا فإن تحييد هذه العوامل في الحالات العربية ممكن، وهو يعتمد، في جزء كبير منه، على قدرة الفاعلين الداخليين على امتلاك الإرادة السياسية، وعلى الاتفاق على مشروع وطني ديمقراطي، والتحول إلى فاعل قادر على أن يؤثر في طبيعة التفاعلات الدائرة في النسقين الإقليمي والدولي ويغيرها، وفرض الديمقراطية بصفتها مصلحة تضمن مصالح الشعوب وتحقق الاستقرار والأمن في المنطقة في الوقت ذاته.
المراجع
العربية
عبد الوهاب الأفندي،. ماا والدولة الحديثة الإس. لندن: دار الحكمة،.1991 بشارة، عزمي. الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018._______ الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012._______ المجتمع المدني: دراسة نقدية. ط 6. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012._______ ثورة مصر. في 2 مج: ج:1 من جمهورية يوليو إلى ثورة يناير، ج من الثورة إلى الانقلاب:2. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي._______. ط.4 الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 الصواني، يوسف محمد وريكاردو رينيه لاريمونت (محرران.) الربيع العربي: الانتفاضة والإصلاح والثورة. ترجمة وتحقيق لطفي زكراوي. بيروت: منتدى المعارف،.2013 الكواري، علي خليفة وعبد الفتاح ماضي (محرران.) نحو كتلة تاريخية ديمقراطية في البلدان العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2010 ماضي، عبد الفتاح. عمليات الحوار بعد انتفاضات 2011 العربية. جنيف: مؤسسة قرطبة بجنيف،.2016 ____.___ "قراءة في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي تجاه الثورات حولية أمتي في العالم العربية.". مركز الحضارة للدراسات السياسية. 2018/1/10 في https://bit.ly/2SQoVGl:.._______ العنف والتحول الديمقراطي في مصر بعد الثورة. سلسلة الوعي الحضاري.13 القاهرة: دار البشير للثقافة والعلوم،.2015 مجموعة مؤلفين. أطوار التاريخ الانتقالي: مآل الثورات العربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 تقييم حالة محارب، محمود. "إسرائيل والثورة المصرية.". المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2011/4/21، في: https://goo. gl/m61mQu المنشاوي، محمد. أمريكا والثورة المصرية: من 25 يناير إلى ما بعد 3 يوليو، شهادة من واشنطن. القاهرة: دار الشروق،.2014
الأجنبية
Abramowitz, Michael J. Democracy in Crisis. Washington D. C: Freedom House, 2018. Acemoglu, Daron, Simon Johnson & James A. Robinson. "The Colonial Origins of Comparative Development: An Empirical Investigation." American Economic Review. vol. 91. no. 5 (December 2001). Austin, Gareth. "African Economic Development and Colonial Legacies." International Development Policy. vol. 1. (December 2010). Ayubi, Nazih N. Over-stating the Arab State: Politics and Society in the Middle East. London and New York: I. B. Tauris, 1996. Becker, Charles M. "The Impact of Sanctions on South Africa and its Periphery." African Studies Review. vol. 31. no. 2 (September 1988).
Beichelt, Timm. "The Research Field of Democracy Promotion." Living Reviews in Democracy. vol. 3 (July 2012). Bellin, Eva. "The Robustness of Authoritarianism in the Middle East: Exceptionalism in Comparative Perspective." Comparative Politics. vol. 36. no. 2 (January 2004). Brownlee, Jason. Democracy Prevention: The Politics of the U.S.-Egyptian Alliance. New York: Cambridge University Press, 2012. Burnell, Peter & Richard Youngs (eds.). New Challenges to Democratization. New York: Routledge, 2010. Carothers, Thomas. Aiding Democracy Abroad: The Learning Curve. Washington, D.C: Carnegie Endowment for International Peace, 1999. Carpenter, Scott. "Shifting Sands: Political Transitions in the Middle East." Policy Analysis. The Washington Institute for Nearest Policy. 13/4/2011. at: https://goo.gl/ jA22v2 Cromer, Evelyn Baring (Earl of). Modern Egypt. New York: Cambridge University Press, 2010. Fosu, Augustin K. (ed.). Growth and Institutions in African Development. New York: Routledge Studies in Development Economics, 2015. Gause III, Gregory F. "Can Democracy Stop Terrorism?" Foreign Affairs (September/ October 2005). Grand, Stephen & Jessica P. Ashooh. Middle East Strategy Task Force: Final Report of the Co-Chairs, Madeleine Albright & Stephen J. Hadley (co-chairs.). Washington DC: Atlantic Council, 2016. at: https://goo.gl/LBXv9V Hashemi, Nader. Islam, Secularism, and Liberal Democracy: Toward a Democratic Theory for Muslim Societies. New York: Oxford University Press, 2009. IDEA, The Global State of Democracy: Exploring Democracy's Resilience. Stockholm: The International Institute for Democracy and Electoral Assistance, 2017. Levitsky, Steven & Lucan A. Way. "Linkage versus Leverage: Rethinking the International Dimension of Regime Change." Comparative Politics. vol. 38. no. 4 (July 2006). Manby, Bronwen. "South Africa: The Impact of Sanctions." Journal of International Affairs. vol. 46. no. 1 (Summer 1992). O'Donnell, Guillermo, Philippe C. Schmitter & Laurence Whitehead (eds.). Transitions from Authoritarian Rule: Tentative Conclusions about Uncertain Democracies. Laurence Whitehead (foreword). vol. 4. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1986. Owen, Roger. State, Power and Politics in the Making of the Modern Middle East. 3 rd ed. London and New York: Routledge, 2004. Perry, Glenn E. "The Arab Democracy Deficit: The Case of Egypt." Arab Studies Quarterly. vol. 26. no. 2 (Spring 2004). Plattner, Marc F. "The End of the Transition Era?" Journal of Democracy. vol. 25. no. 3 (July 2014). Rabasa, Angel, et al. Building Moderate Muslim Networks. Santa Monica: Rand Corporation, 2007. Rosenau, James N. (ed.). Linkage Politics: Essays on the Convergence of National and International Systems. New York: The Free Press, 1969. Rouis, Mustapha & Olga Shomakhmadova. "Arab Aid on the Rise 2011 - 2016." Quick Notes Series. no. 163. World Bank. February 2018. at: https://goo.gl/umMk1o Schwartzman, Kathleen C. "Can International Boycotts Transform Political Systems? The Cases of Cuba and South Africa." Latin American Politics and Society. vol. 43. no. 2 (Summer 2001). Sharp, Jeremy M. "Egypt: Background and U.S. Relations." CRS Report. Congressional Research Service. 7/6/2018. at: https://goo.gl/gsg2iT Simmons, Peter. "The State of the Art in the EU Democracy Promotion Literature." Journal of Contemporary European Research. vol. 7. no. 1 (May 2011).
Tansey, Oisín. The International Politics of Authoritarian Rule. Oxford: Oxford University Press, 2016. Trinkunas, Harold A. "Ensuring Democratic Civilian Control of the Armed Forces in Asia." East-West Center. Occasional Papers Politics and Security Series. no. 1 (October 1999). Tucker, Joshua A. et al. "From Liberation to Turmoil: Social Media and Democracy." Journal of Democracy. vol. 28. no. 4 (October 2017). Vanderhill, Rachel. Promoting Authoritarianism Abroad. Boulder: Lynne Rienner Publishers, 2012. Walker, Christopher. "What is 'Sharp Power'?" Journal of Democracy. vol. 29. no. 3 (July 2018). Whitehead, Laurence (ed.). The International Dimensions of Democratization: Europe and the Americas. Oxford and New York: Oxford University Press, 1996. Young, Crawford. The African Colonial State in Comparative Perspective. New Haven: Yale University Press, 1994.