دور القوى الخارجية في العملية السياسية: حالة ليبيا بعد الاتفاق السياسي "الصخيرات"

Ahmed Qassem Hussein أحمد قاسم حسين |

الملخّص

تهدف الورقة إلى دراسة الصراع الدائر في ليبيا وتداخلاته الإقليمية والدولية وتحليله، وذلك مع التركيز على المرحلة التي أعقبت توقيع الاتفاق السياسي الليبي في مدينة الصخيرات المغربية في كانون الأول/ ديسمبر  2015. توض ح الورقة أنّ هذا الاتفاق جاء نتيجة توافق القوى المحلية والإقليمية في حدوده الدنيا؛ إذ بَنت تلك القوى سياساتها الخارجية في مراحل الصراع المختلفة على أساس التوازن بين المخاوف من الآثار السياسية والاقتصادية للانتقال الديمقراطي الليبي، وبين مصالحها وطموحها إلى مزيد من السيطرة والنفوذ. لقد مث ل تناقض المصالح بين القوى الخارجية عامل ا مهمًّ ا يُضاف إلى مجموع العوامل الداخلية الأخرى التي ساهمت في تعطيل عملية الانتقال الديمقراطي. لهذا تتمثل المشكلة البحثية لهذه الورقة في مجموعة تساؤلات يرك ز مجملها على دور وسلوك القوى الخارجية المؤثرة في المشهد السياسي الداخلي الليبي. كلمات مفتاحية: ليبيا، القوى الإقليمية، اتفاق الصخيرات. The paper investigates and analyzes the regional and international interactions with the conflict in Libya, focusing on the period following the December 2015 political agreement in Skhirat, Morocco. The paper argues that this agreement is the result of a limited consensus among domestic and regional forces. These forces have moulded their foreign policies, over the course of the conflict, based on a balance between concerns over the political and economic effects of the Libyan democratic transition and their interests and ambitions for greater control and influence. The conflict of interests between the external forces was a substantial factor along with other internal determinants that have contributed to obstructing the democratic transition process. Therefore, this paper explores a series of research questions, mainly focusing on the role and behavior of the influential external forces in Libya's domestic politics. Keywords: Libya, Regional Powers, Skhirat Agreement.

The Role of External Forces in the Political Process:  Libya after the Skhirat Agreement

مقدمة

مرّت ثماني سنوات منذ اندلاع الثورة في ليبيا في 17 شباط/ فبراير 2011، وفي أعقابها تأثّر الليبيون بجيرانهم في تونس ومصر، وهو ما يكشف عن عمق العلاقة المعنوية بين الشعوب العربية، وترابط طموحاتها وتطلعاتها؛ إذ سبقت الثورات العربية ثورات في مجتمعات غير عربية ضدّ أنظمة شمولية كالتي حكمت في أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في تسعينيات القرن الماضي، من دون أنْ تلقى لها صدى أو ارتدادًا في المجتمعات العربية1. لكن ما ميّز الثورة الليبية التي بدأت شعبية مدنية، هو حضور العامل الخارجي بقوّة منذ بداياتها؛ إذ شكّل التدخل العسكري الخارجي العامل الأساسي في إطاحة نظام العقيد معمر القذافي. فقد هاجمت قوّات حلف شمال الأطلسي (الناتو) معاقله مباشرةً بعد صدور قرار مجلس الأمن 1973 بذريعة "حماية المدنيين الليبيين"، وقد استندت الدول المتدخلة عسكريًا في ليبيا إلى طلب المجلس الوطني الانتقالي على اعتباره ممثلً شرعيًا للشعب الليبي. وما إنْ أ طيح القذافي حتى جرت أول انتخابات حرّة ونزيهة في ليبيا لانتخاب مجلس وطني في 7 تموز/ يوليو 2012، حيث أقبل عليها المواطنون الليبيون المتعطشون للقيام بحقهم في التصويت والانتخاب، بعد خمسة عقود من سيطرة الدولة الشمولية التي أسّس أركانها القذافي. امتازت الحياة السياسية في العام الأول بعد سقوط النظام بالحيوية والدينامية مقارنةً بالعام الأول الذي أعقب الانتفاضات الشعبية العربية في تونس ومصر، وقد بشّ بتسارع عملية الانتقال الديمقراطي، حيث ازدهر المجتمع المدني، وملأ الفراغ الذي خلّفه انهيار نظام القذافي الذي حكم البلاد بقبضة حديدية أنهت ملامح الحياة السياسية، ومظاهر المجتمع المدني. لكنْ سرعان ما تعطّلت عجلة الانتقال الديمقراطي نتيجة جملة من العوامل التي ساهمت في تفاقم وتوتّر الأوضاع السياسية والأمنية في البلاد، ممّ يثير مجموعةً من التساؤلات عن محركات تلك العوامل، ولعلّ أهمها ما يرتبط بطبيعة ودور القوى التي قامت بالتدخل في إطاحة نظام القذافي. لقد اختارت تلك القوى سياسة أطلقت عليها اسم "آثار القدم الخفيفة"، لكنّ الواقع وطبيعة الأحداث ومساراتها تؤكّد أنّها لم تكن خفيفةًالبتة، بل هي قدم تركت آثارها العميقة في الدولة والمجتمع في ليبيا، ممّ فجّر خلافًا داخليًا تحوّلت معه الدولة الليبية إلى دولة هشّة أو فاشلة2.Failed State ظهرت توصيفات عديدة تشخِّص تعثّ عملية الانتقال الديمقراطي في ليبيا، والتناقض بين القوى السياسية والكتائب المسلحة. فهل هو انقسام بين أنصار نظام قديم وثوار؟ أم أنّه انقسام بين شرق وغرب؟ أو بين إسلاميين وعلمانيين؟ ورافق تلك التوصيفات تساؤل جوهري عن دور القوى الإقليمية والدولية في تكريس حالة الانقسام وعدم الاستقرار في ليبيا. في هذا الصدد رأى طارق متري مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا في شهادته المنشورة في دورية سياسات عربية3، مسالك وعرة: سنتان في ليبيا ومن أجلها وفي مقدمة كتابه، أنّه لا يصح وصف ما يجري في ليبيا بأنّه جزء من مواجهة أكبر في المنطقة كلّها، أو أنّه محكوم بالمواقف حيال السياسات التي انتهجتها الدول الغربية4. لكنّ الوقائع تجعلنا نختلف مع هذا الطرح، فقد أثبتت الأحداث أنّ ما يجري في ليبيا هو جزء من مواجهة أوسع في الإقليم بين قوى إقليمية ودولية، لها شبكة مصالح معقّدة، وأنه أحد العوامل التي تعوق أو تعطّل عملية الانتقال الديمقراطي، ويضع مؤسسات الدولة أمام تحدٍّ صعب في مواجهة مصالح القوى الإقليمية وهواجسها الأمنية والاقتصادية من ناحية، ومتطلّبات العملية السياسية من ناحية أخرى. لذا تتركّب المشكلة البحثية لهذه الدراسة من مجموعة من التساؤلات، تركّز بمجملها على دور القوى الخارجية5 المؤثّرة على نحو أساسي في المشهد السياسي الداخلي الليبي، والذي يُلقي بظلاله على العملية السياسية، وزيادة حجم التحديات الداخلية التي رافقت سقوط نظام القذافي، والتي تعود جذورها إلى إرث نظامه الذي كرّس ثقافةً سياسيةً، واقتصادًا وطنيًا ومؤسسات تعمل تحت نير الاستبداد وتساهم في إعادة إنتاجه، وإلغاء كلّ مظاهر المعارضة السياسية، حتى باتت ليبيا ساحةً لصراع على النفوذ بين القوى الخارجية. تسعى الدراسة للاشتباك مع أدوار القوى الخارجية وتفكيكها، وتحليل الصراع الدائر حاليًا في ليبيا وتداخلاته الإقليمية والدولية، اعتمادًا على الواقعية بشقيها الدفاعي/ والهجومي، بوصفها مدخلً نظريًّا في مراحل الصراع المختلفة لفهم وتحليل سلوك القوى الخارجية في منطقة ذات أهمية جيوسياسية، وذات حدود ممتدّة مع مجموعة من الدول التي تؤثّر وتتأثّر بالصراع الدائر فيها، مع التركيز على المرحلة التي أعقبت توقيع الاتفاق السياسي الليبي في مدينة الصخيرات المغربية في كانون الأول/ ديسمبر 2015، والذي جاء نتيجة

  1. سورية درب الآلام نحو الحرية: محاولة في التاريخ الراهن عزمي بشارة، (الدوحة:
  2. الدولة الهشة أو الفاشلة: هي الدولة التي تفقد القدرة على ممارسة مهمّ ت الحكم الأساسية ووظائفه، وتفقد أيضًا القدرة على تأسيس علاقة ذات معنى وإيجابية مع المجتمع، وتتعرّض لهزّات داخلية وخارجية (أزمات اقتصادية، وكوارث طبيعية، وأزمات سياسية ... إلخ)؛ إذ يشكّل الفقر الخاصيّة الرئيسة للدول الفاشلة. يصدر عن صندوق السلام
  3. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص.24
  4. مسالك وعرة سنتان في ليبيا ومن أجلها طارق متري، (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2015)، ص 14 - .24 5 عنى الباحث بالقوى الخارجية القوى الدولية والإقليمية ذات التأثير المباشر في العملية السياسية في ليبيا منذ اندلاع ثورة فبراير 2011، والتي شكّل التناقض بينها تأثيرًا مباشرًا في العملية السياسية في ليبيا، وتشمل كلً من الولايات المتحدة الأميركية، وروسيا، وفرنسا، وإيطاليا، وقطر، وتركيا، والمملكة السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والمغرب، إضافةً إلى دول الجوار الجغرافي مصر، وتونس، والجزائر.
  5. (FFS) Peace For Fund مؤشّ بالشراكة مع مجلة Foreign Policy حول الدول الهشة أو الفاشلة Index States Fragile في النظام الدولي، وقد جاء ترتيب ليبيا في التقرير السنوي لعام 2018 في المرتبة 25، كأكثر الدول هشاشةً في العالم. للاطلاع على المؤشر، انظر: FFS, Fragile States Index 2018 (Washington: 2018), accessed on 29/1/2018, at: https://goo.gl/MeUzNb 3 حمزة المصطفى، "شهادة المبعوث الدولي السابق إلى ليبيا طارق متري"، مجلة سياسات عربية، العدد 13 (آذار/ مارس 2015)، ص 169 - .174

توافق تلك القوى المحلية والإقليمية بحدوده الدنيا. هذا الاتفاق الذي كان بمنزلة خريطة طريق للخروج من الأزمة السياسية التي حالت دون تحقيق الانتقال الديمقراطي في البلاد من خلال اختبار مدى تدخّل القوى الخارجية في تعزيز حالة الاتفاق الداخلية، ومن ثَمّ دعم عملية الانتقال الديمقراطي في ليبيا.

أول ا: ليبيا: من الانتقال الديمقراطي إلى الاقتتال الداخلي

شهدت ليبيا ثورة شعبية متأثرة بنظيرتيها في تونس ومصر في 17 شباط/ فبراير 2011، واستعمل نظام القذافي كلّ أشكال القوة لقمعها، وقد طوت الثورة صفحةً من تاريخ ليبيا في 20 تشرين الأول/ أكتوبر من العام ذاته عندما أعلن المجلس الانتقالي الليبي أنّ ليبيا قد تحرّرت بعد 42 سنةً من الدكتاتورية، على إثر مقتل القذافي في مدينة سرت على يد كتائب الثوار. وبدأت في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2011 المرحلة الانتقالية، حيث جرى انتخاب المؤتمر الوطني العام في 7 تموز/ يوليو 2012، إذ تميّزت بعدم الاستقرار وتفاقم الأزمات؛ نتيجة فراغ القوّة الذي خلّفه سقوط نظام القذافي، وترافق ذلك مع وجود مخزون هائل من الأسلحة. وباتت السِّمة البارزة للبلاد هي فوضى السلاح المنتشر لدى الكتائب المسلحة التي لا تخضع لأيّ سلطة مركزية، وقد أرجع جلبير أشقر، في كتابه انتكاسة الانتفاضة العربية: أعراض مرضية، حالة الفوضى التي شهدتها ليبيا إلى افتقار الانتفاضة إلى قيادة معترف بها وقادرة، ممّ سمح للكتائب المسلحة بملء الفراغ الذي خلّفه انهيار الأجهزة المسلحة لنظام القذافي. وكذا القرار الخاطئ الذي اتخذه المجلس الوطني الانتقالي، تحت ضغط الكتائب المسلحة، بدفع أجور لأعضاء تلك الكتائب من الخزينة العامة، ممّ حوّلهم إلى فئة متميزة، مقارنةً بمن تبقّى من أفراد القوّات المسلحة النظامية، فقد ارتفع عدد الملتحقين بها عشرة أضعاف، وصولً إلى 250 ألفًا في غضون أقلّ من سنة من سقوط القذافي6. وقد تعاقبت على ليبيا مجموعة من الحكومات، لكنّها فشلت في تحقيق الاستقرار وحلّ الأزمات السياسية والاقتصادية وتحقيق الانتقال الديمقراطي. وجرت انتخابات تشريعية في ليبيا في 2014، جاءت نتائجها في غير مصلحة التحالف الثوري ب في تموز/ يوليو المُهيمِن على المؤتمر الوطني العام الذي انتُخ.2012 ونشبت على إثره أزمة دستورية بين مجلس النواب والمجلس الوطني العام7 لدى انعقاد مجلس النواب في طبرق في 2 آب/ أغسطس 2014، ممّ عزّز الاستقطاب السياسي في البلاد وهدّد مسار التحول الديمقراطي. لقد مثّل الصراع على نقل السلطة من المؤتمر الوطني إلى مجلس النواب واحدًا من أهمّ تداعيات الأزمة السياسية. ودار محور الصراع حول السيطرة على ملفّ السلطة التشريعية، لاعتقاد القوى السياسية الليبية أنّ منْ يسيطر عليها سيحدِّد ملامح الخريطة السياسية في ليبيا مستقبلً. عندها أعلن المؤتمر الوطني العام استئناف ممارسة صلاحيته مبررًا ذلك بإخراج البلاد من الأزمة، واستند إلى مبرّرَين، هما: عدم التزام مجلس النواب الإجراءات الدستورية لنقل السلطة، وخروج تظاهرات تطالب بعودة المؤتمر بصورة مؤقّتة لاتخاذ التشريعات اللازمة من أجل تجاوز الأزمة8. تزامن ذلك مع إطلاق الكتائب المسلحة التي تتخذ من طرابلس مقرًا لها، والمتحالفة مع قادة المؤتمر الوطني عملية "فجر ليبيا" للسيطرة على المناطق الحيوية في العاصمة. وفي المقابل اجتمع أعضاء البرلمان الليبي في مدينة طبرق من دون أنْ تجري عملية تسليم رسمية من المؤتمر الوطني العام، في حين قاطع آخرون مجلس النواب بصفته غير دستوريّ. أصدرت المحكمة العليا في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر حكم قضائيًا يقضي بعدم دستورية الفقرة الحادية عشرة9 من التعديل الدستوري السابع الصادر في آذار/ مارس 2014 وما ترتّب عليه من آثار. فُسِّ ذلك على أنّه إبطال مقترحات "لجنة فبراير"10 بوصفها نصًا دستوريًا يتضمنّ تشكيل سلطة تشريعية جديدة، وانتخاب رئيس للدولة، وبناء عليه يُحَلّ مجلس النواب على خلفية بطلان تعديل إعلان دستوريّ مؤقّت انتُخ ب بموجبه المجلس، ممّ أعطى نقطة قوّة لأعضاء المؤتمر الوطني العام الذين رفضوا مجلس النواب. رفض مجلس النواب المدعوم عسكريًا من تشكيلات الجيش الوطني الليبي الذي أطلق عملية "الكرامة" بقيادة خليفة حفتر في أيار/ مايو 2014، وقد كانت البيئة الإقليمية مواتية لتحركه خصوصًا مع الموجة المضادّة للانتفاضات الشعبية؛ إذ وقع الانقلاب في مصر بقيادة وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، وازداد عنف النظام السوري، وضعفت القوى الثورية في إدارة المرحلة الانتقالية، فضلً عن البيئة الداخلية

  1. انتكاسة الانتفاضة العربية: أعراض مرضية جلبير أشقر، (بيروت: دار الساقي،)2016 ص.172
  2. Libya Faces Chaos as Top Court Rejects Elected Assembly," Reuters , 6/11/2014, accessed on 20/5/2018, at: https://goo.gl/AogM6o
  3. خيري عمر، "الأزمة الدستورية في ليبيا: أبعاد الصراع بين المكونات السياسية"، سياسات عربية، العدد 13 (آذار/ مارس 2015)، ص.36
  4. تنصّ الفقرة الحادية عشرة من الإعلان الدستوري السابع على ما يلي: "يعمل بمقترح لجنة فبراير على أنْ يقوم مجلس النواب بحسم مسألة انتخاب الرئيس المؤقّت بنظام انتخاب مباشر أو غير مباشر خلال مدّة لا تزيد عن 45 يومًا من عقد أول جلسة." للمزيد، انظر: ليبيا، المؤتمر الوطني العام، التعديل الدستوري السابع، 11 آذار/ مارس 2014، CONSTITUTIONNET، شوهد في 2019/1/13، في https://goo.gl/MGQ4wP:
  5. لجنة فبراير: هي لجنة قانونية تشكلت بموجب القرار رقم 12() لسنة 2014 من المؤتمر الوطني العام، وكان لها مهمّتان؛ الأولى إعداد مقترح متعلق بتعديل الإعلان الدستوري، والثانية إعداد مقترح قانون انتخابات عامّة. وقد قدّمت اللجنة مجموعة اقتراحات للمجلس الوطني العام خلال المرحلة الانتقالية، بهدف انتخاب مجلس نواب بطريقة الاقتراع المباشر من الشعب الليبي وانتخاب رئيس دولة بالطريقة ذاتها، ووافق المجلس الوطني على آليّة اختيار مجلس النواب لكنّه لم يبتّ في طريقة اختيار رئيس الدولة. لمزيد من الاطلاع، انظر: "نص توصيات لجنة فبراير المعتمد من المؤتمر الوطني العام"، بوابة الوسط، 2014/8/13، شوهد في 2018/4/12، في https://goo.gl/tExjhm:

بعد قانون العزل السياسي11 الذي جمع كافّة القوى المتضرّرة من القانون لمقاومة مفاعيله وإسقاطه، ما أدّى إلى إعادة توزيع القوّة وحافظ على الصراع القديم في ظلّ فاعلين جُدد يجدون أنفسهم في قلب عملية الاستبعاد، ومدعومين من قوى خارجية تدعم الثورات المضادّة، وهو ما أضعف الدولة الليبية وعزّز الانقسام. وبدا الصراع بين قوتين أساسيتين، هما: الليبراليون والفدراليون المنضوون إلى "عملية الكرامة"، والتيارات الإسلامية والكتائب المسلحة المنضوية إلى عملية "فجر ليبيا." التطور اللافت أنّ بيئة الانقسام السياسي وفوضى الميليشيات والسلاح وعجز القوى السياسية والعسكرية الليبية عن تحقيق مصالحة وطنية، وفي ظلّ حالة من الاستياء الشعبيّ من الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والانفلات الأمني، والانقسام الإقليميّ، كل ذلك وفّر بيئة ملائمةً لنشاط تنظيم الدولة الإسلامية12، حيث قامت مجموعة مسلحة في شباط/ فبراير 2015 بنشر تسجيل مصوّر، أظهر قيامها بإعدام 21 قبطيًا مصريًا كانوا يعملون في ليبيا13، الأمر الذي شكّل ناقوس خطر يهدّد الدول المجاورة لليبيا، وهو ما ساهم في جهود بعثة الأمم المتحدة في ليبيا في دفع الأطراف للدخول في حوار، أفضى في نهاية المطاف إلى توقيع الاتفاق السياسي الليبي "الصخيرات."

ثانيًا: دور القوى الخارجية في ليبيا: توازن المصالح والمخاوف

لم يكن تأثير القوى الخارجية واضحًا في العملية السياسية كما هو الحال بعد توقيع الاتفاق السياسي الليبي، ومع ذلك يمكن تفسير أدوار القوى الخارجية خلال الفترة الممتدة من تشرين الأول/ أكتوبر 2011 حتى توقيع الاتفاق السياسي من منظور واقعي دفاعي؛ حيث بقيت أدوار القوى الخارجية محصورةً في تقديم الدعم المالي والسياسي للفواعل السياسية المؤثرة في العملية السياسية الليبية بما يخدم مصالحها ويعظّم من نفوذها، ولم يرتقِ إلى مستوى التدخل العسكري المباشر، الذي يمكن تفسيره من منظور واقعيّ هجوميّ من ناحية وجود قوّات عاملة في قواعد عسكرية شرق البلاد كما هو الحال اليوم. ومردّ ذلك الصراع من أجل الدور Role For Conflict في ليبيا بين القوى الإقليمية والدولية، في إطار حركتها التي تتسمّ بالدينامية والتغيير المستمرّ بما يحقّق مصالحها، ويعزّز نفوذها، ويضمن أمنها القومي، وهو يقود بالضرورة إلى بروز تناقض وعدم اتفاق أو انسجام بينها في مقاربتها وقراءتها للمشهد السياسي الليبي. وقد انقسمت أدوار القوى الإقليمية والدولية في ليبيا بين مستويين مع انطلاق المرحلة الانتقالية في ليبيا، ويرتبط كل مستوى، أساسًا، بحدّة التناقض والنزاع الداخلي بين تلك القوى السياسية والعسكرية المحلية: المستوى الأول: "الدور الناعم" Soft Role: يقوم على دعم قوى سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، لها ذات التوجه والرؤية الداعمة للدولة، ما يجعلها قادرةً على التأثير في العملية السياسية بالطريقة التي تخدم مصالحها. وهو يمثّل دور الدول الإقليمية والدولية في المرحلة الممتدة من تشرين الأول/ أكتوبر 2011 حتى توقيع اتفاق الصخيرات 2015، حيث إنّ دورها اقتصر على تقديم الدعم المالي والسياسي والعسكري للأطراف الليبية المتنازعة، من دون أيّ تدخّل مباشر لقوى عسكرية على الأرض الليبية. المستوى الثاني: "الدور الخشن" Role Hard: يرتبط على المستويين الإقليمي والدولي ارتباطًا جوهريًا بحدّة الصراع الداخلي والخلل في توازن القوى المحلي بما يؤثّر في مصالحها وأمنها القومي، عندها ينتقل الدور الناعم لتلك القوى ذات التأثير في العملية السياسية إلى دور خشن، وهو ما جسّده الدور العسكري الفرنسي والمصري والإماراتي والأردني في دعم قوات حفتر في الشرق الليبي، والدور العسكري القطري والتركي في دعم كتائب الثوار في مصراته وغرب ليبيا، والتدخّل العسكري الأميركي والإيطالي الجوّي في دعم قوات "البنيان المرصوص" التابعة لحكومة الوفاق الوطني في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في سرت. وبناءً عليه، بنت القوى الخارجية سياساتها في مراحل النزاع في ليبيا على أساس التوازن بين المخاوف والمصالح، وهو ما أثّر في مختلف مراحل النزاع الداخلي في ليبيا (انظر: الشكل)1، وجعل سلوكها يطغى عليه التلكؤ في دفع عجلة الانتقال الديمقراطي في ليبيا على وجه الخصوص في المرحلة الانتقالية الممتدّة بين تشرين الأول/ أكتوبر 2011 وأيار/ مايو 2014. ونجمت عن ذلك مجموعة من الإشكاليات؛ إذ سعت القوى الخارجية التي اندفعت إلى إطاحة العقيد القذافي للبحث عن موطئ قدم لها في ليبيا، من خلال إخضاع وتدجين قوى سياسية وعسكرية في ليبيا، والسيطرة عليها بجعلها في وضع من يحتاج إلى المساعدة الدائمة ليتمّ فرض الشروط عليها أثناء الحرب، والعمل على استثمار تحالفاتها مع تلك القوى لتحقيق مزيد من النفوذ والسيطرة14. وقد ارتبط ذلك بخوف القوى الخارجية من تكرار سيناريو العراق وأفغانستان، حيث انهارت الدولة بعد سقوط النظام، وساعدت سياسات الاحتلال الأميركي في ذلك بتفكيك

  1. قانون العزل السياسي: قانون رقم 13() لعام 2013، أقرّه المؤتمر الوطني العام في 14 أيار/ مايو 2013، ودخل حيّز التنفيذ في 5 حزيران/ يونيو 2013، ويهدف إلى استبعاد كل الذين عملوا لدى نظام القذافي على نحو مباشر أو غير مباشر عن الساحة السياسية الليبية. رومان ديفيد وهدى مزيودات، "إعادة النظر في قانون العزل السياسي في ليبيا: تغيير الوجوه أم تغيير السلوك؟"، مركز بروكنجز الدوحة، سلسلة أوراق (4)، آذار/ مارس 2014، شوهد 2018/3/18، في https://goo.gl/7zmCQh:
  2. يرى جلبير أشقر أنّ تسمية "داعش" خاطئة خارج العراق وسورية، انظر: أشقر، ص.173
  3. داعش وذرائع تدخل عسكري غربي في ليبيا"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تقدير موقف، 2016/1/13، شوهد في 2018/4/21، في: https://goo.gl/qnuSpb
  4. ليبيا: الثورة وتحديات بناء الدولة محمد جمعة الصواني، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013)، ص.219

مؤسسات الدولة بحجّة تصفية حزب البعث الحاكم، ممّ أدخل البلاد في نفق مظلم، ومن ثمّ تمكّنت حركة طالبان المتطرّفة من السيطرة على أفغانستان لتصبح البلاد مركزًا لتنظيم القاعدة. وقد تأطّرت عملية توازن مخاوف ومصالح القوى الإقليمية والدولية في اتجاهين أثّرا، على نحو رئيس، في مقارباتها للأزمة الليبية (انظر: الشكل)115: الاتجاه الأول: داخلي في اتجاه الخارج، إذ تخشى القوى الإقليمية والدولية من انتشار العدوى وامتدادها إلى دول الإقليم. الاتجاه الثاني: خارجي في اتجاه الداخل، وفيه قد تُسبِّب الأزمة تناقضًا وصراعا بين القوى المختلفة على النفوذ والسيطرة والمصالح. في الاتجاه الأول (داخلي في اتجاه الخارج:) ينتقل تأثير الصراع الدائر في ليبيا إلى دول الإقليم التي بدأت تعيد تعريف أمنها القومي انطلاقًا من تطور الأزمة الليبية وحدة النزاع الدائر فيها (تونس، ومصر، والسودان، والجزائر، وتشاد)، وتُكيِّف سياساتها الداخلية لمواجهة تداعياتها على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، نظرًا إلى التداخل العرقي والإثني والديني، والحدود الجغرافية الرخوة والممتدة التي تُسهِّل حركة انتقال الأفراد والسلاح إلى الدول المجاورة. في الاتجاه الثاني (خارجي في اتجاه الداخل:) تقوم الدول الإقليمية والدولية بتكييف خطابها الخارجي تجاه الأزمة الليبية بما يخدم مصالحها ويُقوّي نفوذها، وتتفادى تأثيراتها السلبية الأمنية والسياسية والاقتصادية. وفي لحظة محدّدة من الصراع يكون تدخل القوى الإقليمية والدولية محوريًا، رغم تناقض المصالح والرؤى تجاه الأزمة، ضمن ما يُ كن تسميته باللحظة المواتية Ripeness Moment على المستوى الإقليمي؛ لدفع عجلة التسوية السلمية للصراع، وهو ما مثّله الاتفاق السياسي الليبي في مدينة الصخيرات في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2015 الذي وقّعته القوى السياسية الليبية بدعم إقليميّ ودوليّ. لقد دفعت القوى الخارجية في اتجاه حلّ الأزمة الليبية عن طريق بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا  UNSMIL 16 في بداية عام 2015، والتي قادت إلى توقيع اتفاق سياسيّ بين الأطراف الليبية، لكنّ الفرقاء الليبيين الذين وصلوا إلى مرحلة التوقيع على اتفاق لتسوية الصراع، لم يتمكنوا من تحقيق المصالحة الشاملة ووضع حدٍّ للصراع الداخلي ودعم العملية السياسية والانتقال الديمقراطي، وذلك نتيجة جملة من العوامل الداخلية المرتبطة بالقوى السياسية المحلية وارتباطاتها الإقليمية والدولية. تبدو مراحل الصراع الليبي في الشكل 2() على النحو الآتي: اختلاف:Difefrence ظهر مع بداية المرحلة الانتقالية في 23 تشرين الأول/ أكتوبر.2011 تناقض Compatibility: بدأ التناقض مع انتخابات المجلس الوطني العام في 7 تموز/ يوليو.2012 استقطاب Polarizarion: بدأ مع قانون العزل السياسي في 2013 وتعزّز مع الانتخابات التشريعية في.2014 عنف Violence: جاءت نتائج الانتخابات التشريعية في غير صالح التحالف الثوري المُهيمِن على المؤتمر الوطني العام، وتسبّب ذلك في أزمة دستورية بين مجلس النواب المنتخب والمجلس الوطني العام. حرب:WAR أعلنت كتائب الثوار المُسيطِرة على طرابلس عملية فجر ليبيا في تموز/ يوليو 2014، وأعلن حفتر في أيار/ مايو عملية الكرامة.2014 وقف إطلاق النار Cease of Fire: لم يتم الاتفاق على تجميد الأعمال القتالية، واستمرّ كلّ طرف في تنفيذ عملياته العسكرية رغم الدعوات الدولية والإقليمية إلى الحوار في تسوية النزاع، ولم يصل الفرقاء في ليبيا إلى اللحظة المواتية على المستوى المحلي، وإدراكهم أنّ الصراع لن يجلب أيّ انتصار لأيّ طرفٍ. لكنْ دخلوا في اتفاق تسوية بسبب ضغط القوى الإقليمية والدولية. اتفاقية تسوية Settlement: توقيع الاتفاق السياسي الليبي في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2015 في مدينة الصخيرات المغربية بتوافق قوى إقليمية ودولية على دعم العملية السياسية. تطبيع Normalization: لم يتم التوصل حتى اللحظة المواتية التي تدفع الأطراف إلى تطبيع العلاقات، ووضع حدّ للخلافات نتيجة التدخلات الإقليمية والدولية. مصالحة شاملة Reconciliation: قدّم مبعوث الأمم المتحدة في ليبيا غسان سلامة خطّةً للمصالحة في أيلول/ سبتمبر 2017 في إطار الاتفاق السياسي الليبي، لكنْ لم تجد طريقها للتنفيذ.

  1. إدارة الصراعات وفض المنازعات: إطار نظري سامي إبراهيم الخزندار، (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 2014)، ص 160 - .162
  2. بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا UNSMIL: بعثة سياسية خاصّة متكاملة، تم إنشاؤها في 16 أيلول/ سبتمبر 2011، بقرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 2009 2011()، بناءً على طلب من السلطات الليبية، لدعم السلطات الانتقالية الجديدة في البلاد في جهودها خلال مرحلة ما بعد النزاع. وقام مجلس الأمن بتعديل ولاية البعثة وتمديدها من خلال قرارات 2022)2011(، و 2040 2012(2095)، و 2013(2144)، و 2014(2238)، و 2015(2323)، و 2016()، وينصّ قرار مجلس الأمن 2376 2017() على ولاية البعثة الحالية، التي تم تمديدها إلى 15 أيلول/ سبتمبر https://unsmil.unmissions.org/ar 2018 للمزيد، انظر موقع البعثة:. الشكل 1() التوازن بين مصالح القوى الإقليمية والدولية ومخاوفها بشأن ليبيا اﳌﺤﻴﻂ اﻹﻗﻠﻴﻤﻲ داﺧﲇ)ﻧﻔﻮذ، ﺳﻴﻄﺮة، ﻃﺎﻗﺔ(الشكل 2() مراحل الصراع في ليبيا وفق نموذج أولفير رامسبوثان O. Ramsbotham, H. Miall & T. Woodhouse, Contemporary of Conflict Resolution , 3rd ed. (Boston: Polity Press, 2011).

ثالث ا: الاتفاق السياسي الليبي "الصخيرات:" تناقضات دولية وتداعيات داخلية17

شكّل الاتفاق السياسي الليبي في مدينة الصخيرات المغربية في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2015 مدخلً إلى حل الصراع السياسي والعسكري في ليبيا، بعد أنْ دفعت الأمم المتحدة بأطراف النزاع إلى الحوار في بداية عام 2015، من أجل إنهاء الانقسام في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية على خلفية الأزمة السياسية بين مجلس النواب المنتخب عام 2014 والمؤتمر الوطني العام، وتشكيل حكومة وحدة وطنية ووضع دستور وإجراء انتخابات جديدة. وكان المتوقع أنْ تقوم الحكومة التي انبثقت من هذا الاتفاق بإجراء سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية وخصوصًا في قطاع الطاقة، ووضع حد لفوضى السلاح من خلال تفكيك الميليشيات المسلحة أو دمجها، ومحاربة الإرهاب ممثلً بتنظيم الدولة الإسلامية في سرت بدعم من المجتمع الدولي18. انبثق من الاتفاق حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، وقد واجهت حكومته سلسلةَ أزمات مركّبة (سياسية، وأمنية، واقتصادية وقبلية) حالت دون تنفيذ بنود الاتفاق الذي جاء في مقدمة نصّه ذكر صريح ل "عملية التحوّل الديمقراطي" في ليبيا، من خلال التعاون بين أعضاء مجلس النواب الذين تم اختيارهم عبْ انتخابات حرّة ونزيهة

  1. الصخيرات: مدينة ساحلية مغربية شهدت توقيع الاتفاق السياسي الليبي في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2015. والمفارقة أنّها المدينة التي شهدت محاولة الانقلاب الفاشلة في 10 تموز/ يوليو 1971 ضدّ الملك الحسن الثاني ملك المغرب بدعم من العقيد القذافي، وهو ما أفصحت عنه وثائق
  2. الخارجية البريطانية لعام 1971، والتي حملها ملف رقم 884 - 39 Fco، انظر: حسن ساتي، "قراءة في وثائق 1971 البريطانية"، البسالة، شوهد في 2019/1/30، في: https://bit.ly/2CQSOzK ﺧﺎرﺟﻲ)ﻧﺰوح، ﻫﺠﺮة، إرﻫﺎب، ﺳﻼح(18 الاتفاق السياسي الليبي وضرورة إعادة صياغته مجموعة الأزمات الدولية،، تقرير الشرق الأوسط رقم 170، 2016/11/4، شوهد في 2018/5/11، في: https://bit.ly/2MlQdSR

نظّمها وأقرّ بها المؤتمر الوطني العام، تقع على عاتقهم مسؤولية احترام الحقوق الديمقراطية للناخبين، وتمثيل دوائرهم الانتخابية والمؤتمر الوطني العام الذي قام بإدارة العملية الانتقالية، أكثر من عامين، والمجلس الوطني الانتقالي الذي قاد البلاد خلال المراحل الأولى للانتقال19. وخلال عامين ونيّف من توقيع الاتفاق، عملت حكومة الوفاق الوطني على تذليل تلك العقوبات، منذ وصولها إلى طرابلس، عبر قيامها بتسويات مع القوى الأساسية الفاعلة في المشهد الداخلي الليبي، وتزامن التوجه الداخلي للحكومة، مع تأييد ودعم إقليمي ودولي، تمثل في قرار مجلس الأمن رقم 2259 الصادر في 23 كانون الأول/ ديسمبر 2015 الذي أقرّ بشرعية المجلس الرئاسي الليبي20، وضرورة تقديم الدعم اللازم له من جهة، والبيان الوزاري المشترك الصادر عن مؤتمر فيينا في 16 أيار/ مايو 2016 21، والذي طالب برفع حظر الأسلحة ودعم الحكومة في بناء قوّة عسكرية قادرة على ضبط الأمن والاستقرار في ليبيا من جهة أخرى، إضافةً إلى حزمة دعم متكاملة اقتصادية وأمنية. وأبدت دول أوروبية عدّة دعمها لحكومة الوفاق، وفي مقدمتها إيطاليا، وفرنسا، وبريطانيا في سبيل إدارة الأزمة وتحقيق تقدم في ظلّ صراع داخليّ، تتشابك فيه عناصر جهوية وقبلية وأيديولوجية.

1. ضبابية مواقف القوى الإقليمية والدولية من الاتفاق السياسي الليبي

شجّعت معظم الدول المجلس الرئاسي على تشكيل حكومة والانتقال إلى تنفيذ الاتفاق السياسي من دون أيّ تغيير في شروطه، وبعد ذلك بدأت دول عديدة، منذ مؤتمر فيينا، بتجاوز الشرط القانوني المتمثّل بضرورة منح مجلس النواب الثقة للحكومة؛ منها الجزائر والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا التي اعتبرت تصديق مجلس النواب غير ذي صلة، على رغم من أنّها تعترف بهذا المطلب شكليًا. وقد رحّبت تركيا وقطر وتونس والسودان والاتحاد الأوروبي22 بالاتفاق. بينما دعمت دول أخرى مثل روسيا ومصر والسعودية والإمارات الاتفاق رسميًا، إلّ أنّها كانت أشدّ صرامةً من الناحية القانونية المرتبطة بتطبيق بنوده. لذلك امتنعت عن منح حكومة الوفاق الوطني الامتيازات الدبلوماسية التي تُ نَح لرئيس الوزراء23. وهو ما فس حالة الغموض والتناقض التي صبغت مواقف الدول في خطابها الخارجي تجاه العملية السياسية في ليبيا على نحو عامّ، وحكومة الوفاق الوطني برئاسة السراج على نحو خاص. أثّرت حالة التناقض في المواقف الدولية تجاه الاتفاق السياسي في عمل حكومة الوفاق الوطني، التي لم تُحقّق أيّ تقدّم، ودخلت في صراع داخليّ بعد وصولها إلى طرابلس في آذار/ مارس 2016 24. لم تؤدِّ الحكومة اليمين الدستورية أمام البرلمان، حتى تحصل على الثقة والشروع في تنفيذ برنامجها، وتفعيل عمل الوزارات وتمكينها من استلام مهمّ تها. ولم يتحقّق منح الثقة لحكومة السراج تحت قبة البرلمان، وما جرى هو صياغة بيان وقّعه 103 نواب، بغية الموافقة على تشكيل الحكومة، من دون أداء اليمين الدستورية في مجلس النواب.

2. المؤسسة التشريعية: حكومة من دون ثقة البرلمان

لقد ساهم التناقض الدولي حول الاتفاق السياسي الليبي وآلية تطبيقه من الجوانب القانونية والسياسية في تكريس الانقسام الداخلي، إذ انقسمت المؤسسة التشريعية بين تيارين؛ أحدهما مؤيد للاتفاق السياسي الذي جاء بحكومة السراج، وآخر معارض له يتزعمه رئيس البرلمان، عقيلة صالح والمشير خليفة حفتر، شرق البلاد، وعدد من ثوار الزنتان والرجبان وقبائل الصيعان، والجميل، والرقدالين، و"جيش القبائل" المسيطر على قاعدة الوطية غربي البلاد الموالية لبرلمان طبرق. يتمسّك التيار الثاني بالمادّة الثالثة عشرة من اتفاق الصخيرات التي تنصّ على أنّ البرلمان المنتخب في يونيو/ حزيران 2014 هو الذي يتولّ سلطة التشريع للمرحلة الانتقالية، والمخوّل منح الثقة للحكومة وسحبها. كما تُعتبر المادّة الثامنة من الاتفاق نقطةً خلافيّةً، بحكم أنّها تمنح مجلس رئاسة الوزراء اختصاصات واسعة، فور حصوله على ثقة البرلمان؛ كالقيام بأعمال القائد العام للجيش الليبي، وتعيين رئيس جهاز المخابرات العامة أو إقالته، وتعيين السفراء وممثلي ليبيا في

  1. يتألف الاتفاق السياسي من ديباجة ومجموعة مبادئ حاكمة، تليها تسعة فصول وزّعت فيها 67 مادة تنظم الأجسام السياسية التي نتجت من الاتفاق السياسي، وهي: "حكومة الوفاق الوطني"، ويحدّد الفصل مبادئ عمل وتشكيل حكومة الوفاق الوطني وصلاحياتها. و"مجلس النواب"، ويحدد الفصل أيضًا صلاحيات وآلية عمل مجلس النواب المنتخب في حزيران/ يونيو 2014 كأعلى جهة تشريعية في ليبيا. و"المجلس الأعلى للدولة"، ويحدّد الفصل كيفية تشكيل وعمل مجلس الدولة كسلطة استشارية تنفيذية عليا. و"تدابير بناء الثقة"، ويشتمل على 7 مواد. و"الترتيبات الأمنية"، ويشتمل على 14 مادة. و"العملية الدستورية"، و"الهيئات والمجالس المتخصصة"، و"الدعم الدولي"، و"أحكام ختامية." ويلحق بالاتفاق أحكام إضافية مكوّنة من 15 مادة و 6 ملاحق، هي: أسماء المرشّحين لعضوية مجلس رئاسة الوزراء، انظر: بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، الاتفاق السياسي الليبي، 2016/1/18، شوهد في 2017/5/5، في https://goo.gl/e3sKXT:
  2. United Nations, "Unanimously Adopting Resolution 2259 (2015), Security Council Welcomes Signing of Libyan Political Agreement on New
  3. UNSMIL, "Ministerial Meeting for Libya Joint Communique, Vienna, 16/5/2016," accessed on 1/6/2018, at: https://goo.gl/v2Jyr1
  4. European Union External Action, "Libya Political Agreement welcomed," 18/12/2015, accessed on 12/6/2018, at: https://goo.gl/uPpmxL 23 مجموعة الأزمات الدولية.
  5. Government for Strife-Torn Country," 23/12/2015, accessed on 1/6/2018, at: https://goo.gl/JriYXz
  6. Chris Stephen, "Chief of Libya's new UN-backed government arrives in Tripoli," The Guardian , 31/3/2016, accessed on 28/5/2018, at: https://goo.gl/Wk3teS

المنظمات الدولية أو إعفائهم، إضافةً إلى تعيين كبار الموظفين أو إعفائهم من مهماتهم، ما يعني تقليصًا لصلاحيات ونفوذ البرلمان والأطراف السياسية الأخرى التي ترى في حكومة السراج حصان طروادة للتدخل العسكري الخارجي25، واستند أنصار هذا الادعاء كيرر إلى التوافق الأم - الأوروبي الذي صاحبه ضغط، ارتفعت وتيرته إلى حدّ التلويح باللجوء إلى القوّة، لتأكيد سيطرة حكومة السراج، وفرض عقوبات على القادة السياسيين المعطلين لاتفاق الصخيرات (شملت العقوبات خليفة الغويل26 وعقيلة صالح27 وغيرهما)، وهذا التيار نفسه هو الذي ينسج تحالفًا مع الإمارات والسعودية ومصر؛ الأمر الذي وضع حكومة السراج أمام تحد كبير هدّد العملية السياسية برمّتها حول الكيفية، والقدرة التي تمكّنها من الاستجابة لاحتجاجات البرلمان. وأمام التناقض الدولي من مسألة الاعتراف الفعلي بحكومة الوفاق الوطني، أصدر السراج القرار رقم 12 القاضي بتفويض 18 وزيرًا بأداء مهماتهم، إلى حين أداء اليمين الدستورية أمام البرلمان28. وهنا بدأ الانقسام السياسي يأخذ طابعًا جغرافيًا بين الشرق في طبرق مقرّ البرلمان، وأماكن توزع وانتشار قوات عملية الكرامة الموالية لحفتر، وغرب طرابلس مقرّ حكومة الوفاق الوطني وأماكن توزع وانتشار قوات كتائب الثوار الموالية لها.

3. المؤسسة العسكرية والدعم الخارجي

تعدّ المؤسسة العسكرية قوةً سياديةً ضامنةً لأمن الدولة واستقرارها. ولكن في الحالة الليبية عانى الجيش قبل اندلاع الثورة ضعف الجاهزية والإمكانات، ولم يقم القذافي ببناء جيش قويّ بقدرات وعقيدة قتاليّة واضحة، وانصبّ تركيزه في إنشاء كتائب أمنية متفوّقة من الناحية العسكرية على الجيش النظامي في التسليح والتجهيز والتدريب لحماية نظامه وإحكام سيطرته على المدن الليبية29، وتدربت وحدات الجيش على شنّ حروب في الصحراء لمواجهة التمرد والحركات الانفصالية. وقد قادت الحرب إلى انهيار كامل للمؤسسة العسكرية الليبية وانقسامها، وأصبح من الصعب إعادة بنائها وهيكلتها بعد انتشار الكتائب المسلحة وسيطرتها على سلاح الجيش الليبي الخفيف والمتوسط والثقيل، وبات بعض كتائب الثوار أشبه بجيش نظامي بقدرات تسليحية كبيرة، الأمر الذي خلق فوضى سلاح ترافقت مع انعدام الأمن. إنّ منشأ المعضلة الأمنية في ليبيا التي أثّرت وتؤثّر، على نحو أساسي، في العملية السياسية كامن في دور القوى الدولية والإقليمية التي ساهمت، ضمن عمليات حلف شمال الأطلسي، في إطاحة نظام القذافي، ودعمت كتائب الثوار بالأسلحة وفشلت في نزع سلاحها أو تسريحها أو دمجها في مؤسسة عسكرية موحدة بعد انتهاء الحرب. وقد عزّز انقسام المؤسسة العسكرية انطلاق "عملية الكرامة" في الشرق الليبي وعملية "فجر ليبيا"، حيث تركزت القوى المسلحة بين كتلتين؛ واحدة في الشرق وأخرى في الغرب. وقد فشلت الحكومات الليبية المتعاقبة في توحيد المؤسسة العسكرية، ووجدت حكومة الوفاق الوطني نفسها مضطرةً إلى البحث عن ترتيبات خاصة بوزارة الدفاع، فوفقًا للمادة الثامنة من اتفاق الصخيرات، فإنّ مجلس رئاسة الوزراء هو المسؤول عن القيام بأعمال القائد الأعلى للجيش الليبي30، وبناءً على ذلك صدر عنه القرار رقم 2 بتاريخ 2016/5/9 القاضي بإنشاء الحرس الجمهوري، ومقرّه في طرابلس، وتتلخص مهماته في تأمين المقرّات الرئاسية السيادية والمؤسسات العامة في الدولة، وتأمين الأهداف الحيوية، بما في ذلك منافذ الدخول البرية والبحرية والجوية، في خطوة لإعادة ترتيب أوضاع الجيش وهيكلته، بحكم أنّه يعاني ضعف الكفاءة والجاهزية، فضلً عن ولاء الجيش الذي تقاتل عناصر منه بقيادة حفتر في الشرق، وعناصر أخرى تابعة لحكومة الوفاق التي لم تلق تحركاتها الدعم اللازم من القوى الإقليمية والدولية الفاعلة. ومع ذلك بقي دعم مثل هذه الخطوات مجرد تصريحات إعلامية من دون أيّ تطبيق لما ورد في المادة 57 من الاتفاق السياسي، والتي تعطي لحكومة الوفاق الوطني ضوءًا أخضر في طلب الدعم من البعثة الأممية والمنظمات الإقليمية لوضع وإقرار خطة شاملة للدعم الدولي بالنسبة إلى مؤسسات الدولة الليبية، وتعزيز الاستقرار الأمني في البلاد، بقيت مقاربات القوى الإقليمية والدولية أمنيةً محضة عند تعرّض أمنها لخطر داهم قد يكون مصدره ليبيا. ولكنّ الاتحاد الأوروبي لم يقدّم الدعم الفني واللوجستي والمالي اللازم لمواجهة الهجرة غير القانونية، وجرت استعارة الزوارق التي تستخدمها عناصر البحرية الليبية من روما منذ 2010 31، وهو الأمر الذي جعل حكومة الوفاق رهينة البحث عن تفاهمات سياسية وحوار وتنسيق مع قوى إقليمية متعارضة المصالح في ليبيا، وخصوصًا مع مصر، والإمارات، مهال ال(م ايكرتو، رطقو،)تفرح ةفيلخ ف ييثرأت نم اهل ال(م ةيدوعسلاو

  1. عقيلة صالح: نحن في حل من حكومة الوفاق لأنها مفروضة من الخارج"، سبوتنيك عربي، 2016/5/30، شوهد في 2018/5/20، فيhttps://goo.gl/gM398A:
  2. EU sets sanctions, mulls security mission to back Libya unity government," Reuters , 1/4/2016, accessed on 19/6/2018, at: https://goo.gl/JYJjPF
  3. U.S. Department of the Treasury, "Treasury Designates Additional Libyan Political Obstructionist," 13/5/2016, accessed on 14/6/2018, at: https://goo.gl/1rcjB1
  4. ليبيا، حكومة الوفاق الوطني، قرار المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني رقم 12 لسنة 2016 بشأن تفويض بمهام، 2016/5/16، شوهد في 2018/5/24، في: https://goo.gl/PpA3U5
  5. عاشور شوايل، "تداعيات الربيع العربي أمنيًا على ليبيا: واقع ورؤية"، ورقة مقدمة
  6. بشأن المادة الثامنة من نصّ اتفاق الصخيرات، انظر: بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. " 31 البحرية الليبية: أوروبا لم تدعمنا لاحتواء تدفق المهاجرين"، العين الإخبارية، 2018/6/28، شوهد في 2018/7/12، في https://goo.gl/EMftNL:
  7. إلى مؤتمر تحول قطاع الأمن العربي في المرحلة الانتقالية، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، -22 2014/1/23، شوهد في 2018/3/14، في https://goo.gl/QLnPv3:

من تأثير في كتائب الثوار)، وعلى وجه التحديد في مصراته التي تنتشر فيها وخارجها كتائب الثوار الأكثر تدريبًا وتسليحًا في ليبيا، وذلك للخروج بصيغة تضمن توحيد الجيش، وجَعْل ولائه للدولة الليبية، ورفع جاهزيته القتالية، حتى يصبح قادرًا على ضبط الأمن والاستقرار. لقد جرت جولات عديدة لم يُكتب لها النجاح نتيجة تناقض مواقف القوى الإقليمية من الأزمة السياسية الليبية ومقاربة كلّ طرف للأزمة من منظور مصالحه وأمنه القومي. وأدّت القاهرة دورًا محوريًا في اتجاه إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية الليبية المنقسمة بين شرق البلاد وغربها، مستندةً إلى علاقتها القوية بالمشير خليفة حفتر والقوى السياسية والقبلية في الشرق الليبي. وقد بدأت القاهرة بسلسلة اجتماعات لقادة عسكريين ليبيين موالين لحفتر وحكومة الوفاق الوطني منذ منتصف عام 2017 32، واختتمت الجولة السادسة 23 آذار/ مارس 2018. لكن ما ميّز البيان الختامي لهذه الجولة أنّه جاء عامًا لا يشتمل على إجراءات عملية لتوحيد المؤسسة العسكرية؛ إذ جاء فيه تأكيد الثوابت الوطنية، وعلى رأسها الحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها، ومدنية الدولة، وضرورة الابتعاد بالمؤسسة العسكرية عن الاستقطابات، سواء السياسية أو الجهوية التي من شأنها التأثير سلبيًا في الأداء الاحترافي والدور الوطني للجيش الليبي33، وهو مؤشّ دال على حدة التناقض بين القوى الإقليمية والدولية بشأن كيفية توحيد المؤسّسة العسكرية وآلياته. لا تعدو تلك الجولات أن تكون تأكيدًا للدور المصري في العملية السياسية، ومحاولةً لتعزيز الدور الإقليمي للقاهرة التي تمثل طرفًا فاعلً ومؤثرًا في إعادة تشكيل الواقع السياسي في الداخل الليبي بما يخدم مصالحها ويحقّق أمنها، إضافةً إلى أنّ دور القاهرة يشكّل نقطة ارتكاز أساسية في الحفاظ على مصالح الإمارات والسعودية داخل ليبيا، من بوابة دعم حفتر، وهو ما جعل القاهرة وسيطًا غير حياديّ في دعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية الليبية. وقد صدر تقرير عن الأمم المتحدة حول مساعدات ودعم عسكريّة إماراتية، تنتهك حظر توريد الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة على ليبيا، وهو ما عزّز القوّة الجوية التابعة لحفتر في شرق البلاد34. لقد وثّق تقرير أعدّه فريق خبراء من الأمم المتحدة معنيّ بمتابعة الأوضاع في ليبيا، في 1 حزيران/ يونيو 2017، الكيفية التي قامت بها الكتائب المسلحة من شرق ليبيا ومصراته بمضاعفة قدراتها القتالية، وتعزيز سلاحها الجوي من خلال عمليات نقل العتاد، وتجديد الطائرات التي لم تكن صالحةً للاستعمال سابقًا، وتوسيع القواعد الجوية العسكرية، مركزًا على الدعم الأجنبي لكلا الفصيلين المتنافسين شرق البلاد وغربها، حيث عثر الفريق على أدلة قطعية على عمليات تسليم لأسحلة ثقيلة ومتوسطة وخفيفة، في انتهاك لقانون حظر اﻷﺳﻠﺤﺔ35. ويحتوي التقرير على صور لطائرة عمودية من طراز "إم آي 24 بي" 24P MI، داخل قاعدة عسكرية شرقي ليبيا، وتتبّع الفريق منشأ الطائرة العمودية فوجد أنّها تعود إلى بيلاروسيا. من جهتها، أكّدت بيلاروسيا للفريق أنّ الطائرة العمودية من طراز "إم آي 24 بي"، التي تحمل هذه العلامات قد نُقِلت إلى الإمارات في عام 2014 بوصفها جزءًا من شحنة تشمل أربع طائرات من الطراز المذكور. وأضاف التقرير أنّ "أول طائرة من طراز إي تي 802 AT-(802)، تم رصدها في ليبيا كانت جزءًا من شحنة وُرِّدت إلى الإمارات في آذار/ مارس 2011 36. وذكر الخبراء أنّ الفريق لم يتلقَّ أيّ ردّ من أبوظبي على استفساراته، إلا أنّ التأكيد جاء عبر حليف أبوظبي عقيلة صالح الذي قال: "الجيش [في إشارة إلى قوات حفتر] بدأ من 300 سيارة أخذناها من شخص معرفة لأنّنا لا نملك المال، وكان سعر الواحدة 47 ألف دولار، وهذه السيارات كانت من ضمن بداية عملية الكرامة، ذهبنا إلى الإمارات لنطلب الدعم، وعلى الليبيين أنْ يذكروا ويرووا لأولادهم أنّ الإمارات وقفت معنا موقف الأخ، بالحرف الواحد الشيخ محمد بن زايد قال من أول لقاء: 'حلالنا حلالكم'، يعني مالنا هو مالكم ولم يقصروا معنا رغم الضغط"37. كما أ دخلت طائرات حربية تعود خفِيت عن عمد ملكيتها لمصر في سلاح الجو الليبي، لكنّ معالمها أ،ٍ بحسب الخبراء. وجاء في التقرير تهريب السودان معدّات حربيةً إلى قوات "فجر ليبيا" في انتهاك لحظر توريد الأسلحة، كما جاء في التقرير مزاعم تتهم دولة قطر بدعم الجماعات المتحالفة مع عملية "فجر ليبيا"38، مع الإشارة إلى دعم الدوحة الثوار عسكريًا أثناء الثورة الليبية. إضافة إلى معلومات حصل عليها الفريق عن نقل عتاد عسكريّ من تركيا إلى طرابلس، فضلً عن أنّهم يحقّقون في ادعاءات، تتعلّق بتسليم عتاد عسكريّ من إيطاليا إلى مسلحين في بنغازي، مشيرًا إلى أنّ فريق الخبراء لا يزال يجري تحقيقًا في تلك المزاعم.

  1. للاطلاع على الجولات السابقة في القاهرة، انظر: منى سليمان، "قراءة في نتائج الجولة السادسة لوفد 'توحيد الجيش الليبي' بالقاهرة"، مجلة السياسة الدولية، 2018/4/11، شوهد في 2018/4/12، في https://goo.gl/rbp8af:
  2. ننشر البيان الختامي للجولة السادسة من اجتماعات توحيد الجيش في القاهرة"، المرصد، 2017/3/23، شوهد في 2018/4/10، فيhttps://goo.gl/wM6Hkt:
  3. تقرير الأمم المتحدة: دعم إماراتي عزز القوة الجوية لقوات بشرق ليبيا"، رويترز، 2017/6/9، شوهد في 2017/6/15، في https://goo.gl/vcA465:
  4. الأمم المتحدة، مجلس الأمن، التقرير النهائي لفريق الخبراء المعني بليبيا المنشأ عملً بالقرار)2011(1973، 1(حزيران/ يونيو 2017)، شوهد في 2018/2/15، في: https://bit.ly/2S07fLz
  5. المرجع نفسه، ص.27
  6. فضيحة عقيل صالح والدعم الإماراتي"، يوتيوب، 2017/4/25، شوهد في 2018/3/17 في: https://goo.gl/H257tr، مع الإشارة إلى أنه لم يتسن للباحث التحقق من تاريخ تصويره.
  7. نفت قطر عبر عبد الرحمن يعقوب الحمادي، نائب السفير القطري في الأمم المتحدة، اتهامًا وجهه مساعد وزير الخارجية المصري طارق القوني، بخرق قطر قرار مجلس الأمن القاضي بحظر توريد السلاح إلى ليبيا، واتهم الدوحة بتقديم الدعم العسكري والمالي للجماعات المسلحة التي وصفها ب "الإرهابية"، ورد الحمادي على ذلك بأن "الاتهامات المصرية مزاعم لا أساس لها من الصحة، وتأتي في سياق الحملة الراهنة على دولة قطر"، انظر: "قطر تنفي اتهامًا مصريًا بخرق حظر السلاح على ليبيا"، الجزيرة نت، 2017/6/28، شوهد في 2017/10/25، في https://goo.gl/YV55FN:

4. حكومة الوفاق الوطني ولعنة الموارد

قاد الصراع الدائر إلى استنزاف أصول الاقتصاد الليبي ومقدراته، وتراجعت إيرادات النفط على خلفية تدني الإنتاج، وساهمت المعارك حول السيطرة على الهلال النفطي في ازدياد تدهور الوضع الاقتصادي للبلاد، ولعلّ من السخرية القول إنّ الموارد الطبيعية هي سبب في ضعف حكومات الوفاق الوطني، وسبب في جعلها أقلّ قدرةً على حلّ النزاعات السياسية والاجتماعية، وتوفير التعليم والصحة العامة للسكان، وذلك بفعل العامل الخارجي الذي قاد إلى إضعاف سيطرتها على كامل الجغرافيا الليبية، من خلال دعم كلّ دولة لمجموعات وكتائب مسلحة، وهو ما جعلها غير قادرة على بسط القانون والنظام في منطقة الهلال النفطي، وفتح الباب أمام الكتائب والميليشيات المسلحة لتحدّيها والسيطرة على تلك الموارد. وقد فشلت حكومة الوفاق الوطني في تطوير بيروقراطية قادرة على التدخل بفاعلية في النزاعات السياسية والعسكرية، وركزت في دخلها على موارد النفط والدعم الدولي المحدود لها. كما أنّ غياب السلطة التشريعية في البلاد أدّى إلى عدم محاسبة الحكومة. تصبح الحكومات التي تأخذ من الموارد الطبيعية مصدرًا أساسيًا لتمويلها أقلّ ديمقراطيةً؛ وفي النتيجة أقلّ عرضةً للمحاسبة من الحكومات التي تعتمد على مصادر أخرى للدخل مثل الضرائب. وأحد أسباب هذا النمط هو أنّ وفرة العائدات لدى الحكومات تدفعها إلى استخدام هذه العائدات لقمع المعارضة، سواء من خلال توزيع المحسوبيات أو بناء قوات الأمن المحلية الخاصّة بها. والمؤكّد هو أنّ الحكومات الغنية بموارد النفط والتعدين تنفق كميات هائلة من الأموال على قواتها العسكرية39، وهو ما يقود عادة إلى انتشار الفساد؛ إذ بدلً من أنْ تخدم الحكومات جميع مواطنيها بالتساوي، تنزع الحكومات الفاسدة إلى تفضيل الأثرياء، لأن الفقراء لا يمكنهم دفع الرشاوى المطلوبة. وفي حالة ضعف الحكومة قد يدفع ذلك شهية العسكر إلى السيطرة على الموارد الطبيعية والصناعات المتعلقة بها، ممّ يمنحه استقلاليةً ونفوذًا أكبر أمام الحكومة المدنية. وبسحب ذلك على الحالة الليبية، فهم حفتر أهمية معادلة الطاقة في تقوية نفوذه وهيمنته، وهو ما دفعه إلى السيطرة على موارد النفط التي شكَّلت الثروة النفطية فيها عنوانًا أساسيًا للصراع بين القوى المتنافرة في البلاد. فقد أصبحت الحقول النفطية هدفًا يسعى كلّ طرف لبسط نفوذه عليه، لأهميتها في تغيير توازنات القوى الداخلية السياسية والاقتصادية وقدرتها على تمويل نفسها، وخضعت طيلة سنوات لكتائب وميليشيات مسلحة استنزفت ثروة البلاد وكلفتها خسائر كبيرة، وانعكست سلبيًا على الحياة الاقتصادية والمعيشية للمواطن الليبي في ظلّ فشل الحكومات المتعاقبة منذ ثورة فبراير في إدارة البلاد ومقدّراتها الكبيرة. شهد شرق البلاد الغني بمنابع النفط حربًا بين الكتائب والقوى المتنافرة، ففي كانون الثاني/ يناير 2016 شنّ مسلحو تنظيم الدولة الإسلامية هجومًا على الهلال النفطي للحصول على مصادر تمويل لهم، وفشل التنظيم في مواجهة حرس المنشآت. ولكنّ المحطة الثانية كانت في 12 أيلول/ سبتمبر 2016، بعد أنْ سيطرت القوات الموالية لحفتر على ميناءي السدرة وراس لانوف، ثم ميناء الزويتينة بشرق البلاد، لتُحكم قبضتها على كامل الهلال النفطي، وتطرد منه قوات حرس المنشآت النفطية التي كان يقودها إبراهيم الجضران. وعلى الرغم من محاولات كتائب الدفاع عن بنغازي استرداد المنطقة ذات الأهمية الجيوسياسية في آذار/ مارس 2017، فإنّها لم تستطع أنْ تغي الواقع الجديد بفضل الدعم الجوي المصري والإماراتي لقوات حفتر في منطقة الهلال النفطي الذي بقي تحت سيطرة قوات حفتر. لكن في تموز/ يوليو من العام نفسه حاول إبراهيم الجضران السيطرة مرّةً أخرى على الهلال النفطي، وقد تم توجيه أصابع الاتهام إلى دولة قطر بأنّها من يقف خلف هذه الخطوة التكتيكية، وقد استطاع حفتر استعادة منطقة الهلال النفطي من الجضران. وعلى إثر ذلك أصدر حفتر، في 25 حزيران/ يونيو 2018، قرارًا يقضي بنقل تبعية المنشآت النفطية إلى المؤسسة الوطنية للنفط التابعة للحكومة الليبية المؤقتة التي تتخذ مدينة البيضاء، شرق ليبيا، مقرًا لها. وتعدّ المؤسسة الوطنية للنفط التابعة للحكومة المؤقتة مؤسسةً موازيةً للمؤسسة الأصلية في طرابلس، التابعة لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا، وهي من المؤسسات التي ظهرت، خلال السنوات الأخيرة، من جرّاء التشظّي السياسي والمؤسساتي الذي تشهده ليبيا، مثل إنشاء مؤسسة موازية لمصرف ليبيا المركزي40. لاقت هذه الخطوة معارضة الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، وصدر عن السفارة الأميركية في ليبيا وعن حكومتي فرنسا وبريطانيا، بيان يُعارض نقل تبعية حقول النفط من راس لانوف والسدرة ووضعها تحت سيطرة كيان آخر غير المؤسسة الوطنية للنفط التي يرأسها مصطفى صنع الله، والتابعة لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس. وطالب البيان بضرورة أنْ تبقى الموارد الليبية الحيوية تحت السيطرة الحصرية للمؤسسة الوطنية للنفط الشرعية وتحت الرقابة الوحيدة لحكومة الوفاق الوطني، ورفضها تصدير النفط على نحو غير مشروع، بما في ذلك النفط الخام والمنتجات البترولية المكرّرة من ليبيا من قبل مؤسسات موازية لا تعمل تحت سلطة حكومة الوفاق الوطني41. وقد أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ترحيبها بإعادة إنتاج وتصدير النفط ورفع القوة القاهرة بعد تسليمها للمؤسسة الوطنية

  1. 41  U.S Embassy in Libya, "Joint Statement on Libya by the Governments of France, Italy, the United Kingdom and the United States," 11/7/2017, accessed on 15/7/2018, at: https://goo.gl/kHHEFm
  2. تقدير موقف معركة الهلال النفطي في ليبيا: صراع النفوذ ومسارات التشظي"،، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018/7/10، شوهد في 2018/7/14، في: https://goo.gl/aD4Yo3
  3. 39 مايكل روس، "لعنة الموارد الطبيعية كيف يمكن للثروة أن تجعل منك فقيرًا "، في: أيان الموارد الطبيعية والنزاعات المسلحة خيارات وتحركات بانون وبول كوليبر (محرّران)،، ترجمة فؤاد سروجي (عمّ ن: الأهلية للنشر والتوزيع، 2005)، ص 53 - .54

للنفط42، الأمر الذي يدلّ على أنّ مقاربات الدول الخارجية، تتحرك أساسًا في المناطق الجيوستراتيجية بالنسبة إليها في ليبيا، وخصوصًا منطقة الهلال النفطي التي تعدّ مصدر الطاقة الأساسي في ليبيا، وهي لا تكترث للحرب الأهلية التي تسبّبت في معاناة المواطنين الليبيين.

5. الترتيبات الأمنية: تدخلات ترسمها المصالح الإستراتيجية للدول

يعود ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا إلى 3 شباط/ فبراير 2014 عندما بايع "مجلس شورى الشباب الإسلامي" و"فرع أنصار الشريعة في درنة" أمير التنظيم أبو بكر البغدادي، تحت اسم "ولاية برقة"، واستثمر تنظيم الدولة عوامل عديدة، ساعدت تمدّده انطلاقًا منها فوضى السلاح، والاقتتال الداخلي، وعدم قدرة الأحزاب السياسية والقوى العسكرية على التوصّل إلى مصالحة وطنية تُفضي إلى تأسيس قوة عسكرية قادرة على ضبط الأمن والاستقرار في البلاد. وقد فرض تنظيم الدولة سيطرته على مدن عديدة (درنة، وسرت، وصبراطة، وصرمان)، وقام بعمليات عسكرية في منطقة الهلال النفطي شرق ليبيا، بغية الاستحواذ على منابع النفط، وخصوصًا ميناءي السدرة وراس لانوف وحقل المبروك جنوب سرت، بوصفها مصادر مهمة لتمويله. وأثارت القوة الصاعدة لتنظيم الدولة وتمدّده مخاوف القوى الدولية، وعلى وجه التحديد، الأوروبية، لارتباط الأمن القومي الليبي بأمن دول الاتحاد الأوروبي، وخصوصًا فرنسا، وإيطاليا، وكذا دول الجوار؛ تونس، والجزائر، ومصر، وارتباط ملف الهجرة غير الشرعية بملف الإرهاب، خصوصًا أنّ شبكات تهريب البشر نشطة في ليبيا. بناء عليه، مثّلت محاربة تنظيم الدولة أولويةً أساسيةً لحكومة الوفاق التي تعمل على صياغة إستراتيجية واضحة، تقوم على تشكيل غرفة عمليات مشتركة لمحاربة التنظيم في المنطقة الواقعة بين مصراته وسرت، ودعم ذلك رفع حظر الأسلحة والدعم الدولي لها. ولكن،ْ واجهت إستراتيجية حكومة الوفاق الوطني عقبات عديدة في محاربة تنظيم الدولة، في ظلّ انقسام الجيش، وفوضى سلاح الميليشيات، حيث يوجد ربع مليون عنصر في كتائب مسلحة لا تخضع لسلطة الدولة. وقد بدأت حكومة الوفاق بمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة سرت، وحملت اسم العمليات العسكرية "البنيان المرصوص" التي بدأت منذ أيار/ مايو 2016. فقد حرّرت تلك القوات كلّ المناطق الواقعة ضمن محور "سرت-مصراته." ويكتشف المتابع لعملية "البنيان المرصوص" الازدواجية الغربية في مسألة محاربة الإرهاب وتجفيف منابعه في ليبيا، وتقديم الدعم للحكومات والأطراف التي تحاربه؛ إذ لم تحظَ العملية بدعم كامل، ولا حتى بتغطية إعلامية ومتابعة من مراكز صنع القرار الغربية التي وعدت بدعم حكومة الوفاق الوطني، في البيان الوزاري المشترك الصادر عن مؤتمر فيينا في 16 أيار/ مايو 2016، ولم تقم برفع حظر الأسلحة ودعم الحكومة في بناء قوّة عسكرية قادرة على ضبط الأمن والاستقرار في ليبيا، إضافةً إلى حزمة دعم متكاملة اقتصادية وأمنية. بقي ذلك كلّه حبرًا على ورق، ولم يُنفّذ منه شيء، لا سيما أنّ حكومة الوفاق هي التي تلتزم بتفعيل المؤسسات الأمنية، وعلى رأسها الجيش والشرطة، كما ورد في المادة 33 من نصّ الاتفاق السياسي، ودعمها وتطويرها وفق أسس مهنية وطنية43.

6. الولايات المتحدة الأميركية: غياب الإستراتيجية

جاء تدخل الولايات المتحدة في بداية آب/ أغسطس 2017 بتنفيذ ضربات جوية محدّدة، بعد أنْ حرّرت قوات "البنيان المرصوص" أكثر من 80 في المئة من مدينة سرت، واستعادت مدنًا عدّة بين محور مصراته وسرت. مع الإشارة إلى أنّ إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما قد أعلنت دعمها الكامل لاتفاق الصخيرات وحكومة الوفاق الوطني، ولكن لم يكن لديها إستراتيجية واضحة تجاه المنطقة عمومًا، وليبيا خصوصًا، حيث ارتكزت السياسة الخارجية لإدارة أوباما على محدّدين أساسيين؛ محاربة "الإرهاب" ممثّلً بتنظيم الدولة الإسلامية وبعض الميليشيات المسلحة، والحفاظ على توازن محدّد في منطقة جيوستراتيجية بالنسبة إلى واشنطن، وهي منطقة الهلال النفطي. ولم يطرأ أيّ تعديل على الإستراتيجية الأميركية في ظلّ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وما يجدر ذكره أنّ إدارة ترامب غير معنيّة بالتحول الديمقراطي وحقوق الإنسان والعملية السياسية في ليبيا، وكلّ ما يسعى له هو محاربة "الإرهاب"، من خلال القوى العسكرية الأكثر فعاليةً وقدرةً على تحقيق الاستقرار الذي يضمن مصالح واشنطن، وقد تقوم القاهرة وأبوظبي بالدعاية لحفتر في واشنطن على أنّه القوة القادرة على محاربة الإرهاب وضمان مصالح واشنطن في ليبيا.

7. روسيا: مظلة عسكرية جديدة لدعم حفتر

ساهم غياب الإستراتيجية الأميركية في ليبيا في زيادة التنافس بين القوى الإقليمية على الساحة الليبية وأربكها، إضافةً إلى تحفيز قوى دولية أخرى للتدخل؛ فقد ظهر بعد اتفاق الصخيرات دور روسيّ متنامٍ في ليبيا، إذ قام حفتر بزيارات عديدة إلى موسكو، كان الهدف منها واضحًا وصريحًا، وهو تطوير التعاون العسكري مع

  1. UNSMIL, "UNSMIL Welcomes Regular Production and Export of Oil under the National Oil Corporation Control," 11/6/2018, accessed on
  2. 15/7/2017 at: https://goo.gl/sGFh1p 43 بشأن المادة 33 في نص اتفاق الصخيرات، انظر: بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.

الجانب الروسي، ودفع موسكو إلى دعمه عسكريًا في حربه شرقي البلاد. وعلى الرغم من تلك المحاولات، بقي التعاون العسكري بين الجانبين متواضعًا، لا سيمّا أنّ مسألة توريد السلاح الروسي إلى ليبيا تخضع للحظر الدولي. حافظت موسكو على خطاب خارجيّ، قائم اررف بحكومة الوفاق الوطني على دعم الاتفاق السياسي، والاع، والانفتاح على كلّ الأطراف السياسية والعسكرية في ليبيا، بمن فيها حفتر، على اعتباره قائدًا لقوّة عسكرية مؤثرة شرقي البلاد. وتطمح موسكو إلى استعادة منطقة نفوذ سابقة وسوق لبيع السلاح الروسي، وتعيد تموضعها عسكريًا على ضفة البحر المتوسط المقابلة لأوروبا. غير أنّ التطور اللافت في الدور الروسي في ليبيا هو ما كشفه رئيس لجنة الاتصال الروسية المعنية بتسوية الأزمة الليبية، ليف دينغوف، من أنّ "الجيش الليبي" قدم طلبًا لروسيا لإقامة قاعدة عسكرية روسية شرق البلاد، مؤكدًا أنّه لا يزال من غير الممكن معرفة ما إذا كان سيتم الموافقة على ذلك الطلب. وبسؤاله عن سعي موسكو لوجود عسكري في شرقي ليبيا، قال دينغوف: "بحسب المعلومات لديّ، ورد مثل هذا الطلب من القائد العام للجيش الوطني الليبي، المشير خليفة حفتر، لإنشاء مثل هذه القاعدة العسكرية." وأضاف: "ولكنّي لا أعرف إنْ كان دعم هذا الخيار ممكنًا أم لا"44. وقد سارع الناطق الرسمي باسم قوات حفتر، العميد أحمد المسماري، بنفي صحّة تصريحات المسؤول الروسي، وهو ما يجعل الاتحاد الأوروبي متوجسًا من الدور الروسي المتصاعد في شرق ليبيا، وخاصةًالقوّتيَن الأوروبيتين إيطاليا وفرنسا.

8. باريس وروما: تنافس أوروبي على النفوذ في ليبيا

تحدّد دول الاتحاد الأوروبي، وخصوصًا فرنسا وإيطاليا، أمنها القومي انطلاقًا من الجغرافيا الليبية، ومن ثمّ يعدّ التحكّم والسيطرة على حدود ليبيا الجنوبية والشمالية أولويةً بالنسبة إلى الأمن القومي لبلاده، يبدأ من ضبط السواحل الليبية التي تشكّل نقطة الانطلاق الأساسية لقوارب المهاجرين. وفي سبيل ذلك، تنسق هذه الدول مع مجموعة من الأجهزة والهيئات الأوروبية للحدّ من الهجرة غير القانونية، وتَتبّع شبكات الاتجار بالبشر، وأهمها قوات الأوروفورس Force Euro، وهي قوّات برية وأخرى بحرية، إضافةً إلى الهيئة الأوروبية المختصة بمراقبة الحدود فرونتكس FRONTEX، وعملية صوفيا التي أطلقها الاتحاد الأوروبي في 22 حزيران/ يونيو 2015، للتصدّي لظاهرة الهجرة غير الشرعية وتهريب البشر والجريمة عبر الحدود، وكذا ضبط الحدود الجنوبية أمام تدفقات المهاجرين، وما يرتبط بها من تهديدات أمنية. واستمرت روما وباريس في تبني إستراتيجيات عمل في ليبيا قائمة على التوازن بين المصالح، والمخاوف من الانزلاق في أتون الحرب الأهلية الليبية، ولكنّ باريس خرجت عن صمتها، بعدما تكبّدت خسائر في صفوف جنودها في عام 2016 45، عندما أعلن حينها الرئيس السابق، فرانسوا هولاند، مقتل ثلاثة جنود غرب بنغازي إثر تحطم مروحيتهم. ولا يختلف اثنان على أنّ غرض الوجود العسكري الفرنسي شرق ليبيا هو دعم قوات حفتر، فباريس منحازة انحيازًا كاملً إلى طرف في المشهد السياسي الليبي، على الرغم من اعترافها الصريح بالاتفاق السياسي، وبحكومة السراج في طرابلس باعتبارها الحكومة الشرعية في البلاد. بدا الاهتمام الفرنسي المتزايد واضحًا في الملف الليبي في سياسة الرئيس الجديد، إيمانويل ماكرون، حيث قال وزير الخارجية الفرنسي، جان لوموند إيف لودريان، في حوار مع صحيفة الفرنسية، في حزيران / يونيو 2017، إنّ ليبيا من أولويات الرئيس ماكرون46. وقد استندت الدبلوماسية الفرنسية، في جزء منها، في إدارة الملف الليبي إلى دور دولة الإمارات في مساعدتها على جمع قطبي الرحى في الأزمة؛ حفتر الذي تسيطر قواته على الشرق الليبي، وعلى مناطق حيوية في ليبيا، أهمّها الهلال النفطي الذي يحتوي على احتياطات كبيرة من الطاقة، لما لأبوظبي من تأثير في حفتر الذي يُعدّ حليفها الإستراتيجي في ليبيا، ورئيس حكومة الوفاق الليبي، فايز السراج. وقد سعت أبوظبي من ذلك لتتخذ باريس موقفًا تجاه الدوحة التي فرضت عليها الرياض والمنامة وأبوظبي والقاهرة حصارًا في حزيران/ يونيو.2017 وقد تمّ اللقاء بالفعل في باريس في 25 تموز/ يوليو 2017، برعاية ماكرون، بغرض دفع العملية السياسية في ليبيا، وتزامن مع تول الممثل الخاصّ الجديد للأمين العام للأمم المتحدة، غسان سلامة، مهمّ ته، ما يعني رغبة باريس في فرض واقع جديد في المشهد السياسي الليبي، بحيث لا يستطيع المبعوث الأمميّ الجديد تجاوزه أو تجاهله، فتصبح هي مفتاح الحل للأزمة السياسية. وقد أثار تحرك باريس المنفرد آنذاك غضب السياسيين الإيطاليين الذين انتقدوا غياب بلادهم عن المشهد، والتي لم تتلقَ أيّ معلومات إطلاقًا من فرنسا عن حيثيات اللقاء، ولكن جرى إبلاغها بالأمر فقط عن طريق شخصيات مقرّبة من السراج وحفتر على السواء. وشكل ذلك خيبة أمل لإيطاليا التي رأت في خطوات باريس احتكارًا لملف ليبيا ومحاولةً لسحب البساط من تحت أقدام السياسيين الإيطاليين، باعتبارهم أصحاب الجهد التنسيقي والدبلوماسي للقاطرة الأوروبية في ليبيا. ويُذكر أنّ ذلك الاجتماع لم يأتِ بجديد، ولم يُحدِث أيّ اختراق في مسار الأزمة السياسية الليبية. وحينها، كان التحرّك الإيطالي في اتجاه

  1. 46 ماكرون يجمع طرفي النزاع الليبي قرب باريس"، مونت كارلو، 2017/7/24، شوهد في 2018/3/12، في https://goo.gl/DpMUP1:
  2. مقتل ثلاثة عسكريين فرنسيين خلال مهمة في ليبيا"، فرنس 24، 2016/7/20، شوهد في 2018/4/18، في https://goo.gl/jcUwTX:
  3. 44 رئيس مجموعة الاتصال الروسية في ليبيا: حفتر يطلب إقامة قاعدة عسكرية روسية بشرق البلاد"، سبوتنيك عربي، 2018/2/18، شوهد في 2018/5/13، في: https://goo.gl/Zy86CS

تأكيد ضرورة التعامل مع حكومة الوفاق الوطني ودعمها، ذلك أن روما منفتحة على الحوار مع جميع الفرقاء الليبيين، وخصوصًا في مدينة مصراته، وقد أرسلت إلى أبوظبي رسالةً واضحةً، عندما وقّعت في آب/ أغسطس عقدًا لتوريد سبع قطع بحرية إلى القوات البحرية القطرية، وعبّ المسؤولون الإيطاليون عن اهتمامهم بتطوير التعاون الدفاعي بين روما والدوحة. لكنّ فرنسا ما زالت تبحث عن تعظيم نفوذها في ليبيا، وفرض نفسها لاعبًا أساسيًا من خلال سعيها لعقد لقاء يجمع أطراف الصراع في ليبيا، لا سيما أنّ الفرصة مواتية مع نتائج الانتخابات البرلمانية الإيطالية وتشكيل حكومة من حزب "الليغا" (الرابطة) وحزب "خمس نجوم"، خصوصًا أنّ هذين الحزبيَن قد انتقدا سياسات رئيس الحكومة السابق، ماتيو رينزي، في إدارة السياسة الخارجية الإيطالية، ولا سيما في ليبيا. وهي الأحزاب ذاتها التي تدعو إلى اتباع سياسات أكثر انفتاحًا على حفتر، باعتباره الفاعل الأشدّ تأثيرًا وقدرةً على محاربة الهجرة غير الشرعية والحركات الإرهابية، كما يرى بعض قادة ائتلاف اليمين الإيطالي، وفي مقدمتهم، زعيم حزب الليغا، ماتيو سالفيني، في سياسات موسكو في ليبيا وسورية الأكثر نجاعةً من سياسات الاتحاد الأوروبي. وهو الأمر الذي يجعل توجهات الحكومة الإيطالية الجديدة التي يرأسها أستاذ القانون الدولي في جامعة فلورنسا، جوزيبي كونتي، غير واضحة الوجهة بشأن الأزمة في ليبيا، إضافةً إلى غياب إستراتيجية أميركية وتعاملها بضبابية مع هذه الأزمة. وقد تولّ الرئيس ماكرون في سبيل ذلك تكليف أجهزة المخابرات الفرنسية، ووزير خارجيته لورديان، للتأثير في الأطراف الليبية، ودفعها إلى الاجتماع في باريس، وتوسيع الاتصالات لتشتمل على صالح، وحفتر، ورئيس مجلس الدولة المنتخب، خالد المشري. وقد رأت روما، على لسان مصدر في الخارجية الإيطالية، أنّ مبادرات باريس خطوات استعراضية، وأنها لن تُحرِز أيّ تقدّم ملموس في العملية السياسية في ليبيا وتحقيق الاستقرار. وسارع السفير الإيطالي في طرابلس، جوزيبي بيروني، إلى لقاء السراج، بهدف فهم تحركات باريس هذه، وأكّد أنّ بلاده تؤيد حكومة الوفاق، وتؤيّد مبادرة المبعوث الأممي سلامة لحلّ الأزمة الليبية، ودعم المسار الديمقراطي الذي يُفضي إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية، وفق الخطّة التي أطلقها في 20 أيلول/ سبتمبر.2017 وتسعى فرنسا لتعظيم مصالحها الاقتصادية من بوابة التحديات الإستراتيجية التي تواجه دورها على المستوى الدولي، ما يعني أن هناك توجهًا إستراتيجيًا في باريس نحو التدخل في الشأن الليبي، يأتي جزءًا من مراجعة شاملة تطلّبها الفكر الإستراتيجي الفرنسي المتجدد لمجمل السياسات العسكرية والأمنية الفرنسية في الخارج، من أجل الظهور بمظهر القوى الأوروبية الأكثر ديناميةً وقدرةً على التحرّك، في ظلّ التحولات التي يشهدها الاتحاد الأوروبي، وتعظيم مصالحها وبناء شراكات أمنية وسياسية لحماية أمنها ومصالحها غرب أفريقيا، حيث تُعدّ ليبيا نقطة ارتكازها الإستراتيجية. في حين تسعى روما جاهدةً للحفاظ على نفوذها في ليبيا لاعتبارات تاريخية، فقد كانت ليبيا من المستعمرات الإيطالية في القارة الأفريقية حتى استقلالها عام 1951، واعتبارات أمنيّة لقربها الجغرافي، وارتباط أمن روما بأمن طرابلس، وأخرى اقتصادية من خلال الذراع الاقتصادية الإيطالية، شركة إيني ENI للطاقة التي حافظت على وجودها، على الرغم من الحصار والعقوبات الدولية التي فرضها المجتمع الدولي على نظام القذافي، والشركات الاقتصادية الإيطالية. كما نتج من اجتماع اللجنة المشتركة الليبية الإيطالية في روما، في أيلول/ سبتمبر 2017، اتفاقٌ يقضي بتنفيذ مشروع إيطاليّ يموّله الاتحاد الأوروبي، على الحدود الجنوبية الليبية، يتم بموجبه إرسال بعثة إيطالية لإقامة قواعد لوجستية للعمليات التنفيذية لحرس الحدود الليبي، وهو ما نفته حكومة الوفاق، بأنّ الاتفاق لا يعني وجود قواعد عسكرية أو معسكرات إيطالية. قد تستند تصريحات الوزير الإيطالي إلى معلومات استخباراتية، تفيد بأن مقاتلين أجانب يستعدّون لسلوك طريق عسكرية، ولانتشار فرديّ في أوروبا، مستغليّن بالضرورة طُرَق الهجرة التي بقيت مفتوحة، خصوصًا أنّ سياسات إدارة الحدود المعتمدة بين الدول الأفريقية وليبيا تسمح بنشاط مهربّي البشر، إضافةً إلى عدم قدرة حكومة الوفاق الوطني على ضبط الحدود الجنوبية، وصعوبة الرقابة على الحدود التي أغلبها في الصحراء بطول 4400 كم مع ست دول هي: تشاد، والنيجر، والسودان، والجزائر، وتونس، ومصر. شكّل التنافس الإيطالي - الفرنسي في الساحة الليبية عاملً مهم، ويساهم في عدم تحقيق أيّ تقدم في مسار العملية السياسية، وهكذا، يضع الانتقال/ التحوّل الديمقراطي في ليبيا أمام تحديات داخلية، تغذّيها صراعات القوى الإقليمية وتناقض مصالحها وإستراتيجياتها.

9. الدبلوماسية المغاربية والأزمة الليبية: المغرب، والجزائر، وتونس

لا تشترك المغرب جغرافيًا مع ليبيا، إلا أنّهما ينتميان إلى فضاء مغاربيّ تاريخيّ وثقافيّ واحد، واتسمت علاقتهما بالجودة في الفترة التي حكم فيها الملك إدريس السنوسي، ولكنّ العلاقات بدأت بالتدهور في عهد القذافيّ الذي حاول إطاحة حكم الملك الحسن الثاني، بمحاولة انقلاب فاشلة في الصخيرات عام 1971، لذا دعم المغرب ثورة شباط/ فبراير 2011 التي أطاحت القذافي الذي كان داعمً ومناصرًا لجبهة البوليساريو وقضية الصحراء الغربية47. بنى المغرب سياسته الخارجية تجاه ليبيا على ضرورة دعم الاستقرار الداخلي وتشكيل حكومة جديدة في ليبيا تتبنى توجّهًا جديدًا

  1. جمعة القماطي، "الدبلوماسية المغربية والأزمة الليبية"، العربي الجديد، 2018/4/30، شوهد في 2018/5/5، في https://goo.gl/gmLe6F:

تجاه قضية الصحراء، كما أنّ استقرار ليبيا يعني بالضرورة تحولها إلى بيئة آمنة للاستثمارات وسوق للعمالة المغربية، ومصدر مهم للطاقة التي يفتقر إليها المغرب، لكنّ التناقضات الجزائرية المغربية حول قضايا عديدة في الإقليم، قد يدفع المغرب إلى التفكير بطريقة مختلفة في تعاطيه أيضًا مع الأزمة الليبية، تقوم على منافسة الدور الجزائري في ليبيا؛ الأمر الذي يؤثر سلبيًا في مسار العملية السياسية فيها. تشترك الجزائر في حدود مباشرة مع ليبيا طولها نحو 700 كيلومتر تقريبًا، الأمر الذي يجعل مقاربتها للأزمة الليبية مختلفة نوعًا ما عن المغرب؛ إذ تمثّل الأزمة الليبية تهديدًا أمنيًا مباشرًا لها، من خلال حركة النزوح واللجوء وتهريب السلاح والأفراد. كما تعمل الجزائر جاهدةً على الحفاظ على توازن إستراتيجي مهم داخل ليبيا، من خلال الحدِّ من دور الدول، مثل؛ مصر والإمارات وفرنسا وقطر وتركيا، بالسيطرة الكاملة على المشهد السياسي والعسكري الليبي، ومن ثم إيجاد تهديد مباشر لمصالحها في المنطقة. أمّا تونس فهي من أكثر الدول تأثّرًا بالنزاع في ليبيا لاعتبارات جيوسياسية؛ فهي تمتلك حدودًا مشتركةً بريّةً تمتدّ على طول 459 كيلومتر، وثلاثة معابر حدودية هي؛ رأس جدير المعبر الحدودي الرئيس إلى جانب معبرَي وازن والذهيبة. وقد انتقل عدد كبير من الليبيين الفارّين من أتون النزاع إلى تونس عبرها. كما شكّلت ليبيا تهديدًا أمنيًا لتونس بسبب انتقال عناصر إرهابية وأسلحة إليها، وهي التي تعاني صعوبات اقتصادية وسياسية رافقت عملية الانتقال الديمقراطي؛ لذا حافظت الحكومات التونسية المتعاقبة منذ اندلاع الثورة الليبية على مجموعة من المرتكزات في سياساتها الخارجية على رأسها الحفاظ على الأمن الوطني من خلال ضبط الحدود، والحؤول دون انتقال الأزمة إلى الداخل التونسي، ممّ يتطلب حفاظ تونس على مسافة واحدة من جميع الفرقاء الليبيين وعدم الانحياز، والتركيز على نهج الحوار سبيلً إلى حلّ الأزمة بالطرق السلمية، إضافةً إلى تأكيد صانع القرار التونسي احترام سيادة ليبيا ووحدتها الترابية، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية48. إنّ الموقف التونسي المتمثل بالحياد والوقوف على مسافة واحدة من الجميع يجعل دورها أكثر فعاليّةً وقبولً لدى كافّة الفرقاء الليبيين، خصوصًا أنّ تونس ليس لديها طموح إلى امتلاك نفوذ في ليبيا أو حتى التنافس مع القوى الأخرى الإقليمية فيها، فهي تُقارِب الأزمة من بوابة تعظيم مصالحها الاقتصادية مستقبلً، بغضّ النظر عن شكل النظام السياسي في ليبيا، لا سيمّا أنّها سوق قريبة للطاقة التي تحتاج إليها تونس من جهة، وسوق للعمالة التونسية من جهة أخرى. ومن ثمّ يدرك صانع القرار التونسي أنّ أيّ تناقض أو انزلاق في اتجاه طرف دون آخر ستكون له نتائج سلبية على الأمن الوطني والاقتصاد التونسي مستقبلً؛ لذا تعمل تونس على ضرورة التنسيق مع الحكومة الشرعية في طرابلس "حكومة الوفاق" وفي الوقت ذاته تنفتح على كافّة الفرقاء الليبيين، وهو ما يعكسه استقبالها عديد الشخصيات الرسمية الليبية؛ من أهمّها فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي وعقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، وعبد الرحمن السويحلي، رئيس المجلس الأعلى للدولة والمشير خليفة حفتر، وكافّة ممثلّي المشهد السياسي والشعبي في ليبيا، وأهمّهم رؤساء "المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية." واحتضنت تونس اجتماعًا ثلاثيًا لوزراء خارجية تونس ومصر والجزائر لجمع الفرقاء الليبيين على مائدة الحوار؛ للوصول إلى حلّ شامل، والبدء في تركيز المؤسسات الشرعية، وهو ما تُوِّج بإمضاء "إعلان تونس الوزاري لدعم التسوية السياسية في ليبيا" بتاريخ 20 شباط/ فبراير 2017. وينصّ إعلان "تونس الوزاري لدعم التسوية السياسية في ليبيا" على مواصلة السعي الحثيث لتحقيق المصالحة الشاملة في ليبيا، من دون إقصاء أيّ طرف ليبيّ في إطار حوار ليبي - ليبي بمساعدة تونس والجزائر ومصر ورعاية الأمم المتحدة.

خاتمة

في الوقت الذي دعمت فيه القوى الخارجية الاتفاق السياسي الليبي "الصخيرات"، وأكّدت في خطابها الدبلوماسي ضرورة الاعتراف بالاتفاق ومخرجاته وتشجيع جهد البعثة الأممية في تنفيذه، بما يضمن تحقيق الاستقرار واستعادة الأمن في ليبيا، ووضع نهاية للأزمة السياسية، وتحقيق الانتقال إلى نظام سياسيّ ديمقراطيّ، كان سلوكها وحركتها على الأرض يتسمان بالدينامية والتغيير المستمر بما يحقّق مصالحها ويعزّز نفوذها ويضمن أمنها القومي، وهو ما شكّل عاملً يُضاف إلى عوامل داخلية حالت دون قيام نظام سياسيّ دستوريّ للدولة، يضمن الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين وينظّم سلطاتها، ويقدر على ضبط الأمن والاستقرار، بل أدى ذلك إلى تكريس الانقسام السياسي والجغرافي، وحال دون قيام نظام اجتماعيّ واقتصاديّ عادل، في بلد غنيّ بالموارد الطبيعية التي تحوّلت إلى لعنة ومحرّك للصراع بين القوى الخارجية للسيطرة عليها من خلال وسطاء محليين. يتطلّب تحقيق الاستقرار في ليبيا تحركًا من كافّة القوى السياسية والعسكرية على قاعدة الحدّ من تدخل القوى الخارجية في السياسات الداخلية والخارجية، وتوحيد الكتائب المسلحة ودمجها على اختلاف توجهاتها السياسية في جيش وطنيّ ليبيّ محترف، والحؤول دون أنْ تكون للأحزاب السياسية تنظيمات عسكرية داخل القوات الليبية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية بصلاحيات واسعة ودعم شعبيّ مدنيّ يمكّنها من إقامة نظام سياسيّ ديمقراطيّ، يقوم على قاعدة الفصل بين السلطات واحترام استقلالية القضاء، وتدعيم الحريات العامة للمواطن الليبي.

  1. علاقات تونس مع البلدان المغاربية الجمهورية التونسية،، الموقع الرسمي لوزارة الشؤون الخارجية التونسية، 2018/4/15، شوهد في 2018/7/12، في: https://goo.gl/td4kUn

المراجع

العربية

انتكاسة الانتفاضة العربية: أعراض مرضية أشقر، جلبير.. بيروت: دار الساقي،.2016 الأمم المتحدة. مجلس الأمن. التقرير النهائي لفريق الخبراء المعني بليبيا المنشأ عملً بالقرار 1973.)2011(1 حزيران/ يونيو.2017 فh يttps://bit.ly/2S07fLz: بشارة، عزمي. سورية درب الآلام نحو الحرية: محاولة في التاريخ الراهن. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. الاتفاق السياسي الليبي. 2016/1/18 في https://goo.gl/e3sKXT:. الخزندار، سامي إبراهيم. إدارة الصراعات وفض المنازعات: إطار نظري. الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات،.2014 خيري عمر، "الأزمة الدستورية في ليبيا: أبعاد الصراع بين المكونات سياسات عربية السياسية"،، العدد 13 (آذار/ مارس.)2015 "داعش وذرائع تدخل عسكري غربي في ليبيا"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تقدير موقف، 13/1/2016، في: https://goo.gl/qnuSpb روس، مايكل. "لعنة الموارد الطبيعية كيف يمكن للثروة أن تجعل منك فقيرًا ". في: بانون، أيان وبول كوليبر (محرّران.) الموارد الطبيعية والنزاعات المسلحة خيارات وتحركات. ترجمة فؤاد سروجي. عمّ ن: الأهلية للنشر والتوزيع،.2005 شوايل، عاشور. "تداعيات الربيع العربي أمنيًا على ليبيا: واقع ورؤية." ورقة مقدمة إلى مؤتمر تحول قطاع الأمن العربي في المرحلة الانتقالية. وررت مركز كارنيغي للشرق الأوسط. ب. 2014/1/23-22، في: https://goo.gl/QLnPv3 ليبيا: الثورة وتحديات بناء الدولة الصواني، محمد جمعة.. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2013 ليبيا. المؤتمر الوطني العام. التعديل الدستوري السابع. 11 آذار/ مارس 2014، في https://goo.gl/MGQ4wP : ليبيا. حكومة الوفاق الوطني. قرار المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني رقم 12 لسنة 2016 بشأن تفويض بمهام 2016/5/1.:. في https://goo.gl/PpA3U5 مجموعة الأزمات الدولية. الاتفاق السياسي الليبي وضرورة إعادة صياغته. تقرير الشرق الأوسط رقم.170 2016/11/4:. في https:// bit.ly/2MlQdSR المصطفى، حمزة، "شهادة المبعوث الدولي السابق إلى ليبيا طارق مجلة سياسات عربية متري.". العدد 13 (آذار/ مارس.)2015 "معركة الهلال النفطي في ليبيا: صراع النفوذ ومسارات التشظي." تقدير موقف. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.2018/7/10. فh يttps://goo.gl/aD4Yo3:

الأجنبية

European Union External Action. "Libya Political Agreement welcomed." 18/12/2015. at: https://goo.gl/uPpmxL FFS. Fragile States Index 2018. Washington: 2018. at: https://goo.gl/MeUzNb Ramsbotham, O., H. Miall & T. Woodhouse. Contemporary of Conflict Resolution. 3rd ed. Boston: Polity Press, 2011. U.S Embassy in Libya. "Joint Statement on Libya by the Governments of France, Italy, the United Kingdom and the United States." 11/7/2017. at: https://goo.gl/kHHEFm U.S. Department of the Treasury. "Treasury Designates Additional Libyan Political Obstructionist." 13/5/2016. at: https://goo.gl/1rcjB1 United Nations. "Unanimously Adopting Resolution 2259 (2015), Security Council Welcomes Signing of Libyan Political Agreement on New Government for Strife-Torn Country." 23/12/2015. at: https://goo.gl/JriYXz UNSMIL. "Ministerial Meeting for Libya Joint Communique, Vienna, 16/5/2016." at: https://goo.gl/v2Jyr1 UNSMIL. "UNSMIL Welcomes Regular Production and Export of Oil under the National Oil Corporation Control." at: https://goo.gl/sGFh1p