الاتحاد الأوروبي والمشروطية الديمقراطية: اختبار ما بعد الربيع العربي

Mohamed Saadi محمد سعدي |

الملخّص

كشفت السياسات الاشتراطية للاتحاد الأوروبي لدعم التحولات الديمقراطية في بلدان جنوب المتوسط عن كثير من الاخت لااات الهيكلية، وذلك على الرغم من الجهود الحثيثة التي بذلت، طوال سنوات عدة، منذ الشراكة الأورومتوسطية، مرورًا بالسياسة الأوروبية للجوار، وصول ا إلى برامج دعم الإصلاح الديمقراطي في مرحلة ما بعد "الحراك العربي." ولم تحصل الاندفاعة السياسية الديمقراطية المنشودة في هذه البلدان، كما كان عليه الأمر في أوروبا الشرقية. ونما توجه نحو تفضيل الدول الأوروبية الاعتبارات الأمنية على حساب دعم الديمقراطية، خاصة بعد تزايد وتيرة التعاون الأمني لمكافحة التهديدات الإرهابية والهجرة غير النظامية. لهذا، يمث ل الحراك العربي اختبارًا وتحديًا حقيقيًا لصدقية سياسات المشروطية الديمقراطية للاتحاد الأوروبي وفعالياتها. فإلى أي حدّ نجحت السياسات الأوروبية المرتبطة بالمشروطية الديمقراطية في دعم ديناميات الحراك العربي وتفاعلاته؟ وهل غلبة منطق الحفاظ على الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب تفرغ المشروطية الديمقراطية الأوروبية من نواتها الصلبة؟ كلمات مفتاحية: الاتحاد الأوروبي، المشروطية الديمقراطية، الانتقال الديمقراطي. Despite the great pains made over the years since the Euro-Mediterranean Partnership passed the European Neighborhood Policy to support programs for democratic reform in the phase following the Arab uprisings. The EU's conditional policies to support democratic transformations in the Southern Mediterranean Countries have revealed many structural imbalances. These countries did not gain the desired political and democratic momentum that the Eastern European countries. There was also a growing trend towards European Countries prioritizing security considerations at the expense of supporting democracy, especially after the increased security cooperation to combat terrorist threats and irregular migration. These uprisings thus formed an experiment and a real challenge to the credibility and effectiveness of the EU's conditional democratic policies. To what extent have the European policies associated with democratic conditionality succeeded in supporting the dynamics and interactions of the Arab uprisings? Does maintaining security and stability and combating terrorism void European democratic conditionality at its hard core? Keywords: European Union, Conditionality of Democracy, Democratic Transition.

The European Union and the Conditionality of Democracy: Post‑Arab Spring Case

تقديم عام

تجادل هذه الدراسة بأن المشروطية الديمقراطية للاتحاد الأوروبي أصبحت تحتاج إلى إعادة نظر معمقة، وإلى تفكير جديد في براديغمات دعم الإصلاحات السياسية وآلياتها، في دول العالم العربي، بعد الحراك العربي. فلم يعد مقبولً أن تكون المشروطية معبرًا لتكريس التسلطية وكبح الحريات وانتهاك الحقوق باسم إطالة أمد الاستقرار وضمان الأمن. ولم يعد مجديًا استمرار التركيز على الأمن والاستقرار والتنمية الاقتصادية على حساب الإصلاحات الديمقراطية. ولكي تكون السياسات الاشتراطية ذات صدقية، فيجب أن تكون الديمقراطية والاستقرار أمرين متلازمين على مستوى الواقع. وعلى المديين المتوسط والبعيد، ترسيخ دمقرطة الأنظمة السياسية في هذه الدول هو الطريق الآمنة نحو الاستقرار والتنمية اللذين ينشدهما الاتحاد الأوروبي في جواره المتوسطي الجنوبي. كيف ينظر الاتحاد الأوروبي إلى قضية التحول الديمقراطي في العالم العربي قبل الحراك العربي وبعده؟ إلى أي حدّ نجحت السياسات الأوروبية المرتبطة بالمشروطية الديمقراطية في دعم ديناميات الحراك العربي وتفاعلاته؟ ألا يمكن لغلبة منطق مصالح الحفاظ على الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب أن تفرغ المشروطية من نواتها الصلبة؟ وما الآفاق المتاحة لمنح دعم حقيقي للإصلاحات السياسية الديمقراطية داخلها؟ نحاول في هذه الورقة البحثية، باعتماد المنهج التحليلي الاستقرائي، البحث عن معالم المشروطية الديمقراطية وموقعها في السياسات الأوروبية للجوار والشراكة، وسنحلل مدى تجاوب مختلف السياسات الأوروبية المرتبطة بالمشروطية الديمقراطية لديناميات الحراك العربي وتفاعلاته والكشف عن نقاط القصور التي تعتريها في هذا المجال، ثم استكشاف الآفاق والبدائل المتاحة والممكنة لجعل المشروطية عنصرًا من عناصر دعم التحولات الديمقراطية في العالم العربي.

1. الإطار المفاهيمي

المشروطية أو الاشتراطية Conditionality والمشروطية السياسية Political Conditionality والمشروطية الديمقراطية Democratic وأحيانًا مشروطية حقوق Conditionality الإنسان Human Rights Conditionality هي كلها تعابير تستعمل على نحو مترادف وارتبطت ارتباطًا قويًا بالسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، وتعبير المشروطية السياسية هو الأشمل ويحتوي داخله باقي التعابير المستخدمة. وتعني المشروطية: "فكرة إخضاع حق أو امتياز ما لضرورة احترام مجموعة معايير وحقوق وسلوكات معينة"1. والتعريف الأكثر شيوعًا يحيل على "قدرة قوة أو سلطة ما على جذب الدول الأخرى وإقناعها من دون حاجة إلى استعمال القوة، ويتم الرهان على قدرتها في تجسيد قيم كونية وفي تعبئة الموارد"2. وفي أغلب الأحيان، يكون المقصود بالطابع السياسي والديمقراطي والحقوقي للمشروطية ضرورة احترام مجموعة معايير، تمثِّل النواة الصلبة ويتمّ حصرها في: احترام الديمقراطية ودولة القانون وحقوق الإنسان، وعلى نحو موسع، تضاف إليها: إجراء انتخابات دورية نزيهة، والتنمية المستدامة، واحترام الأقليات، واحترام حقوق المرأة، والحكامة، والحد من التسلح، ووقف العمليات المسلحة3. ويرى كثير من فقهاء القانون الدولي أن مبدأ المشروطية أصبح مبدأً من مبادئ القانون الدولي العام، وبموجبه، تخضع الدول لاحترام مجموعة من الالتزامات القانونية4، أو أنه، على الأقل، التزام الدول بأن تكون ديمقراطية. ويدخل مبدأ المشروطية الديمقراطية ضمن القانون الرخو5Soft Law الذي يترسخ على نحو متزايد داخل المجتمع الدولي وفي المنظمات الدولية والإقليمية. في المقابل، يعتقد بعضهم أن المشروطية الديمقراطية مبدأ سياسي فحسب، وليس له أي طابع قانوني إلزامي6؛ فالتوصيات والإعلانات والاتفاقيات التي تشير إليه غير كافية للقول بوجود ممارسات عرفية ترسخه بوصفه معيارًا قانونيًا دوليًا يُلزِم الدول. لهذا هناك خلافات حادة بين الدول حول طبيعته ومضامينه وأبعاده. ووصل الأمر إلى حدٍ يجري معه إدراك مبدأ المشروطية الديمقراطية تكريسًا لسياسة نيو إمبريالية جديدة واستعمار جديد؛ لأنه يريد أن يفرض نمطًا سياسيًا معيّنًا، ولأنه يتعارض مع مبدأين أساسيين للعلاقات الدولية، وهما: سيادة الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. ومثال ذلك إدراج مبدأ المشروطية الديمقراطية ضمن اتفاق لومي الرابع، كما جرى تعديله في 1995، وخصوصًا المادة الخامسة التي تجعل من احترام المبادئ

  1. Ode Jacquemin, "La conditionnalité démocratique de l'Union
  2. Abderrahim El Maslouhi, "Une conditionnalité dépourvue d'effectivité: Clause démocratique et gestion des risques dans les relations Euromed," IEMed, EuroMeSCo , no 1 (Juin 2011), p. 9, accessed on 25/1/2019, at: https://bit.ly/2HqOPPS
  3. Catherine Schneider, "Au cœur de la coopération internationale de l'Union européenne: Quelle stratégie à venir pour la conditionnalité politique?" in: Hubert Thierry (dir.), Droit international et coopération internationale, Hommage à Jean André Touscoz (Nice: France-Europe édition, 2007), p. 751.
  4. D. E. Emmanuel, "L'émergence du principe de la conditionnalité politique en droit international public," Annales de l'Université Marien Ngouabi , vol. 11, no. 3 (2010), pp. 28-51, accessed on 25/1/2019, at: https://bit.ly/2I2VKzh
  5. Didier Maus, "Elections et constitutionnalisme: Vers un droit international des élections?" in: J-P. Vettovaglia et al. (dirs.), Démocratie et élections dans l'espace francophone , OIF, AUF (Bruxelles: Bruylant, 2010), p. 55. 6  Atangana Amougou, "Conditionnalité de l'aide et respect des droits fondamentaux," La conditionnalité juridique en Afrique, Afrilex , no. 2 (Septembre, 2001), p. 59.
  6. européenne. Une voie pour l'universalisation des droits de l'homme? Mise en œuvre, critiques et bilan," CRIDHO, Working Paper (2006), p. 4, accessed on 25/1/2019, at: https://bit.ly/2FXHx3J

الديمقراطية وحقوق الإنسان أساس علاقات التعاون والاتفاقات بين أوروبا وشركائها. ورأى كثير من دول أفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ أن الأمر يتعلق بسياسة استعمارية جديدة. وفي هذا الاتفاق، رأى الاتحاد الأوروبي أن على الدول المستفيدة من الشراكة أن تتحمل مسؤوليتها وتلتزم تعهداتها التعاقدية على مستوى احترام الحكم الرشيد ومحاربة الفساد وإرساء قيم الديمقراطية ومبدأ المشروعية في تنصيب الحكومات؛ لأن ذلك يضمن توافر مناخ الاستقرار السياسي والاقتصادي الملائم للتنمية، ما من شأنه دعم هذه العلاقات الأوروبية - الأفريقية، والمساهمة في تحقيق المصالح المشتركة، ومن ثمّ المساعدة في معالجة ظاهرة النزاعات المسلحة المنتشرة بحدة في أفريقيا. وهذا ما لم تنظر إليه، بعين الرضى، دول أفريقية عدّة، واعتبرته نوعًا من التدخل في الشؤون الداخلية للدولة وشكلً من أشكال الاستعمار الجديد7. وفي الأصل، بدأ تطبيق مبدأ المشروطية في المجال الاقتصادي ومن جانب المؤسسات المالية الدولية بوصفه "مجموع الإجراءات الاقتصادية التصحيحية والإصلاحية التي تلتزمها دولة ما مقابل الدعم المالي المقدّم لها"8، ولم يكن هناك أي اهتمام بشكل النظام السياسي القائم. ولكن بعد التداعيات الكارثية لبرامج التقويم الهيكلي في كثير من الدول النامية، شرعت مؤسسات برتون وودز في أواخر التسعينيات في اعتماد المشروطية الديمقراطية عبر ربط منح الإعانات المالية بشرط دمقرطة الدولة وإرساء دولة القانون والحكامة. شهد عقد التسعينيات من القرن الماضي صعودًا متزامنًا للمشروطية الديمقراطية، في ظل برامج الحكم الرشيد من جانب المؤسسات المالية الدولية المانحة من جهة، والاتجاه إلى تبني التعددية السياسية والحزبية والانفتاح السياسي في كثير من الدول النامية المعتمدة على المعونات المالية من جهة أخرى. وكانت نهاية الحرب الباردة والمد الديمقراطي العالمي بداية ترسخ مبدأ المشروطية الديمقراطية في القانون الدولي وفي الممارسات الدولية، وقد كرسته المؤسسات المالية الدولية، ومجلس أوروبا، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس.)

2. التطور التاريخي

تُعدّ مسألة المشروطية الديمقراطية موضوعًا حديثًا في السياسة الدولية. وقد تكوّنت ملامحه الأولى في أواخر عقد السبعينيات في إطار السياسة الخارجية الأميركية، ثم تلتها بعد ذلك التجربة الأوروبية والكندية واليابانية والدول الإسكندنافية من دون إغفال أن التطبيق العملي لسياسة المشروطية كان من طرف المؤسسات المالية الدولية، وخصوصًا مؤسسات بريتون وودز. سمح المناخ الدولي عقب انتهاء الحرب الباردة بإشعاع قيم الديمقراطية واقتصاد السوق، وتوافق ذلك مع نشر مبادئ الحكم الرشيد Governance Good التي تبناها البنك الدولي، وصمم في إطارها برامج للمشروطية الديمقراطية ربطت بين الحصول على المنح المالية وتبنّي سياسات اقتصادية وسياسية تربط بين برامج تحرير الاقتصاد وسياسات تقرّ بسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان وربط المسؤولية بالمساءلة ومكافحة الفساد والشروع في الإصلاح المؤسساتي والإداري. وأخذ الاهتمام بدور العامل الخارجي في عملية التحول الديمقراطي منحىً مهمً في ظل قيام الاتحاد الأوروبي بدعم التحولات الديمقراطية في دول أوروبا الشرقية والانفتاح السياسي على كثير من أنظمة جنوب المتوسط وشرقه (المغرب، والجزائر، وتونس، ومصر، والأردن، ولبنان،... إلخ)، وذلك عبر إستراتيجية الربط Linkage؛ أي تقديم دعمٍ وحوافز ماليةٍ للدول؛ قصد تحفيزها إلى الوفاء بالتزاماتها وتطبيق الإصلاحات الديمقراطية لتعزيز شراكتها في الاتحاد الأوروبي وإستراتيجية التأثير Leverage أي القدرة على الضغط والإكراه والشجب العلني، وحتى إمكان فرض عقوبات على الدول التي لا تحترم تعهداتها وترتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، أو لا تبدي استعدادًا للقيام بالإصلاحات السياسية والاقتصادية التي تعهدت بالقيام بها مقابل ما حصلت عليه من دعم مالي9. وبذلك تحولت المشروطية الديمقراطية إلى مبدأ أساسي في سياسات الاتحاد الأوروبي الذي يقدم نفسه بوصفه قوةً ناعمةً ومعيارية تهدف إلى النهوض والترويج للديمقراطية وحقوق الإنسان، خصوصًا في محيطه الجغرافي شرقًا وجنوبًا. وتقوم السياسات الأوروبية في هذا المجال على مفهوم الشمولية في التعاون الأوروبي وعدم الاقتصار على الميدان الاقتصادي والتجاري فحسب. وأصبحت هذه المشروطية من ثوابت التعاون الاقتصادي والسياسي وتقديم المساعدات في مجال التنمية بينه وبين شركائه في الضفة الجنوبية للمتوسط. وقد تم تجسيد هذا المبدأ عبر مسارين أساسيين: مسار الشراكة الأورومتوسطية (مسلسل برشلونة) Euro-: انطلق على إثر انعقاد مؤتمرMediterranean Partnership برشلونة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1995، وهدفه الرئيس بناء "فضاء مشترك للسلم والاستقرار" عبر إرساء شراكة متعددة

  1. Grégory Godiveau, "La conditionnalité démocratique dans le partenariat ACP-CE: Nouvelle voie et nouvelles interrogations," Revue du Marché commun et de l'Union européenne , no. 515)Février 2008(.
  2. Jean Salmon, Dictionnaire de Droit international public (Bruxelles: Bruylant, 2001), p. 228.
  3. Milada Anna Vachudova, Europe Undivided: Democracy, Leverage, and Integration after Communism)Oxford: Oxford University Press, 2005(.

الأطراف، أساسها الحوار والتعاون؛ بغية ضمان السلام والاستقرار وتحقيق التنمية الاقتصادية لدى بلدان جنوب حوض المتوسط. وقد تضمن ثلاثة محاور أساسية: المحور الاقتصادي والمالي، والمحور السياسي والأمني ويهمّ إرساء حوار شامل ومنتظم لبناء السلام والاستقرار بالمنطقة عبر تعزيز دولة القانون والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، والمحور الاجتماعي والثقافي والإنساني ويهتمّ بتشجيع الحوار بين الثقافات وتنمية الموارد البشرية والنهوض بالحقوق الاجتماعية وإشراك منظمات المجتمع المدني في العملية التنموية. لقد تمّ تحقيق بعض المكاسب، ولكن الشراكة الأورومتوسطية فشلت في تحقيق أهدافها وكانت دون مستوى الطموحات، خصوصًا على مستوى تحقيق النمو الاقتصادي والاستقرار وترسيخ الإصلاحات الديمقراطية. وكانت القمة الأورومتوسطية الدول والحكومات في تشرين الثاني/ نوفمبر لرؤساء  2005 بمناسبة مرور عشر سنوات على مسار برشلونة بمنزلة تجسيد فعلي لفشل السياسة الأورومتوسطية. وقد أ دمج مشروع الاتحاد من أجل المتوسط في 2008 ضمن إطار الشراكة الأورومتوسطية، وعُدَّ تكتلًاندماجيًا مهمًّ لتعزيز العلاقات الأورومتوسطية والدفع بها. لكنّ طموحاته كان مبالغًا فيها، ولم تكن الحصيلة العملية في المستوى المطلوب، وفقد كثيرًا من حيويته، وأصبح أمام مفترق طرق، وغير قادر أحيانًا على الاستجابة للتحديات الجديدة على مستوى الاندماج الاقتصادي ودعم التحولات الديمقراطية في العالم العربي10. مسار السياسة الأوروبية للجوار European Neighbourhood Policy: تحسبًا للتبعات السلبية الناجمة عن توسيع الاتحاد الأوروبي، وبعد معاينة الاتحاد لبطء مسلسل الإصلاحات السياسية داخل دول الضفة الجنوبية، عمد في 2004 إلى إطلاق "السياسة الأوروبية للجوار" لمصلحة دول أوروبا الشرقية غير المرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ولدول جنوب المتوسط11. وكانت الغاية "خلق فضاء للاستقرار وحسن الجوار ودائرة أصدقاء تجمعهم علاقات متينة وسلمية قائمة على التعاون"12. وبناء عليه، تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة عبر منح نفس مستوى قضايا التنمية جديد للتعاون مع هذه الدول على الاقتصادية، والهجرة، والبيئة والأمن والإرهاب والإصلاحات الديمقراطية. وجرى التركيز على أن قيمة المساعدات المالية والتقنية مشروطة بمستوى الإصلاحات السياسية والحقوقية والاقتصادية المنجزة. سعى هذا المشروع على مستوى المشروطية الديمقراطية إلى تجاوز مقاربة السياسة الخارجية التقليدية الأوروبية، على مستوى دعم التحولات الهيكلية للشركاء في مجالات الديمقراطية ودولة القانون واقتصاد السوق13. وخضعت السياسة الأوروبية للجوار لعدة تعديلات، خصوصًا في 2011 مع قدوم الربيع العربي، وفي 2015 من أجل تعزيز نشر القيم الديمقراطية، إلا أن نتائجها على مستوى المشروطية الديمقراطية كانت محدودة للغاية، ولم يتحقق استقرار أو أمن أو إصلاحات ديمقراطية حقيقية، خصوصًا في الدول العربية14. وتبين اتفاقيات التعاون والشراكة التي أبرمت مع الدول المعنية أن مشروطية ثالوث الديمقراطية وحقوق الإنسان ودولة القانون صارت من ثوابت التعاون الاقتصادي والدعم المالي والمساعدة في مجال التنمية بين الاتحاد الأوروبي وشركائه في الضفة الجنوبية للمتوسط. لكن سياسات المشروطية الديمقراطية عرفت بعض التراجع والتغيير بفعل أحداث 11 سبتمبر 2001، والأزمة الاقتصادية العالمية منذ 2008. فقد تراجع حجم المساعدات وتزايد التركيز الأوروبي على الهاجس الأمني ومكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، وذلك على حساب تشجيع الإصلاحات السياسية في دول جنوب المتوسط، كما تمّ تخفيض القيمة المالية للعديد من برامج التعاون مع الضفة الجنوبية بفعل تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية. لكن في 2011، تجدد الاهتمام بالمشروطية الديمقراطية مع الصعود المفاجئ للموجات الثورية في دول الربيع العربي. ويرى كثير من المتخصصين في شؤون الاتحاد الأوروبي أن العلاقة بين المشروطية والإصلاحات السياسية اتجهت نحو التراجع في أعقاب أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية عام 2001 التي انعكست، ضمن عوامل أخرى، على النظام الدولي للمعونة بحيث جرى استبدال نظام المشروطية Conditionality بنظام ما بعد المشروطية، فبدأ Post Conditionality التراجع ضمنيًا عن فكرة فرض التحولات من الخارج، وطرح مفهوم الامتلاك Ownership بحيث تتبنى الدول النامية سياسات مصممة داخليًا تحت شعار "تعزيز الحرية والديمقراطية وليس

  1. Roger Albinyana, "The Union for the Mediterranean in 2017: Stocktaking and Consolidation," IEMed. Mediterranean Yearbook (2017), pp. 217-221, accessed on 25/1/2019, at: https://bit.ly/2DxhNd3
  2. الدول المعنية بالسياسة الأوروبية للجوار هي: أرمينيا، وأذربيجان، وروسيا البيضاء،
  3. Commission Européenne, communication, "Europe Élargie–Voisinage:
  4. وجورجيا، ومولدافيا، وأوكرانيا، والمغرب، والجزائر، وتونس، وليبيا، ومصر، والأردن، وفلسطين، وسورية، ولبنان، وما يسمى إسرائيل.
  5. un nouveau cadre pour les relations avec nos voisins de l'Est et du Sud," Bruxelles, 11/3/2003, accessed on 25/1/2019, at: https://bit.ly/2Sb8gRR 13  Stefan Lehne, "Time To Reset The European Neighborhood Policy," Carnegie Europe (February 2014), p. 4, accessed on 25/1/2019, at: https://bit.ly/1FreY3L 14  Steven Blockmans, The Obsolescence of the European Neighbourhood Policy (London: Rowman and Littlefield International, 2017).

تصديرهما." وأصبح التركيز على أدوات التأثير الناعمة، والعمل من خلال الفاعلين الداخليين. كما أن الديمقراطية التي قد يؤدي العامل الخارجي دورًا في تحفيز انطلاقها أو دعمها، هي غالبًا ذات طابع إجرائي يتمثل في تنظيم انتخابات تعددية على نحو دوري ونزيه، كما ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالنظام الاقتصادي الرأسمالي أي بديمقراطية اقتصاد السوق15.

المشروطية الديمقراطية والاتحاد الأوروبي: القوة المعيارية

لفهم أبعاد المشروطية الديمقراطية في السياسة الأوروبية الخارجية، ينبغي لنا فهم مركزية حقوق الإنسان والديمقراطية في بناء الوحدة الأوروبية؛ إذ تعتبر النواة الصلبة من القيم المشتركة. ثم إنّ الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية هي الأساس المعياري والقانوني للاتحاد الأوروبي16؛ الأمر الذي جعل عديدًا من الباحثين الأكاديميين والسياسيين يناقشون مدى قدرة هذا الكيان على تصدير قيمه المشتركة خارج حدوده. ويرى بعضهم أن الاتحاد الأوروبي قوة معيارية Power Normative بامتياز، تقوم، في جزء منها، وتنفرد عن باقي القوى الكبرى في العالم بكونها قوة ناعمة Soft Power تجعل هويتها المشتركة وأهدافها مرتبطة ارتباطًا شديدًا بالنهوض بالديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية السياسية عبر نشرها وتصديرها خارج حدودها17. ويرى إيان مانرز أن القوة المعيارية لأوروبا تمثِّل جوهر الهوية الأوروبية؛ إذ يفضل أن يجعل من المعايير الديمقراطية والحقوقية والقانونية مرجعيته الرئيسة في علاقاته الخارجية، وهو يعرّفها بأنها "تسعى للنهوض بمبادئ عمومًا هي مقبولة ومعترف بها داخل منظومة الأمم المتحدة باعتبارها واجبة التطبيق على المستوى الكوني: السلم، والحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، ودولة القانون، والمساواة، والتضامن الاجتماعي، والتنمية المستدامة، والحكم الرشيد"18. ويعتقد الباحث زكي لعيدي أن السياسة المعيارية هي الخيار الوحيد الموجود أمام الاتحاد الأوروبي وهي تمثِّل جوهر البناء الأوروبي؛ لأنها تحدد نفسها وسلوكها باستمرار على أساس أنها فضاء للقيم والمعايير التي تحاول التحكم في سيادات الدول التي تتشكّل منها وتحاول كذلك ضبطها. وبناء عليه، فإن المشروطية الديمقراطية وثيقة الصلة والارتباط بهذه القوة المعيارية للبناء الأوروبي، وهي أداتها لتعميم قوتها الناعمة والقيم والقواعد القانونية والديمقراطية التي تؤمن بها19. ويسعى الاتحاد الأوروبي، عبر اتفاقياته الخارجية، إلى تصدير مكاسبه الحقوقية والديمقراطية وتجسيدها في اتفاقياته مع الدول خارج أوروبا20. ومن منطلق القوة المعيارية للاتحاد، بوصفه مروّجًا قيم الديمقراطية، أصبحت موجهًا سياساته الخارجية المشروطية الديمقراطية مبدأ.

ولا يخفى تأثّر فلسفة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي بنظرية السلام الديمقراطي Democratic Peace Theory التي تقوم على فكرة أن الديمقراطية تمثِّل الدعامة الأساسية لبناء تنمية حقيقة داخل الدول، ولإقامة سلام متين ودائم في العلاقات الدولية. وتعد قيم الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وتنظيم انتخابات دورية حرة ونزيهة، عوامل حاسمة تشجع الاستقرار السياسي والسلام داخل الدول وفيما بينها. وهناك قناعة أوروبية بأنه لا يمكن ضمان الأمن والاستقرار في أوروبا من دون تأمين الديمقراطية والتنمية في دول جنوب المتوسط. ويرى عديد من وثائق المؤسسات الأوروبية أن الدفاع والنهوض بحقوق الإنسان أداة فعالة للوقاية من النزاعات المسلحة والاضطرابات وتدفقات الهجرة المكثفة21. ويقوم الاتحاد الأوروبي على معاهدة ماستريخت لعام 1992 التي أرست الأسس القانونية اللازمة لتكريس المشروطية الديمقراطية في العلاقات الخارجية للاتحاد، خصوصًا على مستوى التعاون والتنمية.

  1. انظر: علي محمد علي، "العامل الخارجي والتحول الديمقراطي: دور المؤسسات المالية الدولية"، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2016/12/21، شوهد في 2019/1/26، في https://bit.ly/2AYr3Fp:
  2. Saïd Hammamoun, "Droits de l'homme et conditionnalité dans les accords de coopération de l'Union européenne: Quelle logique juridique?" Revue générale de droit , vol. 40, no. 1 (2010), p. 146.
  3. Richard Whitman, Normative Power Europe: Empirical and Theoretical Perspectives  (London: Palgrave Macmillan, 2011).
  4. Ian Manners, "Normative Power Europe: A Contradiction in
  5. Zaki Laïdi, La norme sans la force: L'énigme de la puissance européenne (Paris: Presses de Sciences Po, 2008); Zaki Laïdi, "Peut-on prendre la puissance européenne au sérieux?" Les Cahiers européens de Sciences po., no. 5 (2005).
  6. Josiane Auvret-Finck, "Les procédures de sanction internationale en vigueur dans l'ordre interne de l'Union et la défense des droits de l'homme dans le monde," Revue trimestrielle de droit européen , no. 1 (Mars 2003(, pp. 1 - 21. 21  Jacquemin, p. 20.
  7. Terms?"  Journal of Common Market Studies , vol. 40, no. 2 (2002), p. 240.

وتؤكد المادة 11 من هذه المعاهدة أن الاتحاد يحدد سياسة خارجية وأمنية مشتركة ويطبقها، ومن أهدافها: "تنمية وترسيخ الديمقراطية ودولة القانون، وكذا احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية"، وتؤكد معاهدة لشبونة في 2009 الفكرة نفسها. وقد أقر الاتحاد الأوروبي سياسة العقوبات Sanctions أو السياسات التقييدية Mesures Restrictives بوصفها أداةً رئيسةً في السياسة الخارجية والأمنية المشتركة، وهدفها التحفيز إلى تغيير سياسة ما أو سلوك، وقد تكون هذه العقوبات ذات طبيعة اقتصادية أو دبلوماسية أو منع تصدير الأسلحة وبيعها، ومصادرة الممتلكات، وهذا في حالتَي انتهاكات حقوق الإنسان أو الإرهاب22.

المشروطية الديمقراطية الأوروبية بعد الحراك العربي

كانت ثورات الحراك العربي بمنزلة اختبار وتحدٍّ لصدقية سياسات الاتحاد الأوروبي الاشتراطية وفعالياتها إزاء دول الضفة الجنوبية، وقد كشفت عن اختلالات هيكلية عديدة تعانيها السياسة الخارجية الأوروبية؛ على نحو أدى إلى مراجعة سياسات التعاون وأولوياته. ودفعت ديناميات الربيع العربي الاتحاد الأوروبي إلى إعادة التفكير في آليات دعم المرحلة السياسية الانتقالية في بلدان جنوب المتوسط الخاضعة لأنظمة تسلطية. وذلك عبر تعديل سياسة الجوار لتعزيز فعالية المشروطية الديمقراطية، من خلال التركيز على الثنائية والتمايز في علاقته بالدول العربية الشريكة، وربط تعزيز العلاقات بحجم الإصلاحات التي تتبناها، وهو ما اصطلح عليه بمبدأ "المزيد مقابل المزيد" More for More؛ فسيكون هناك مزيد من الإصلاحات الديمقراطية والحقوقية مقابل مزيد من دعم الاتحاد الأوروبي. وكلما تنصلت الدول الشريكة بالمشروطية من التزامها، قلّ الدعم المقدم لها. ويرى الاتحاد الأوروبي أن "تقوية دعمه لجيرانه مشروط بالتقدم المحرز على مستوى إرساء الديمقراطية وتعزيزها وكذا احترام دولة القانون. وبقدر ما إذا كانت الإصلاحات الداخلية لدولة ما تتقدم على نحو فعال وسريع، سيكون دعم الاتحاد الأوروبي مهم "23. كما تغيرت مقاربة الاتحاد الأوروبي للإصلاح والتغيير؛ إذ بدأ يولي اهتمامًا معتبرًا للتغيير من أسفل، عبر دعم تعزيز قدرات منظمات المجتمع المدني وأدوارها لمواكبة الإصلاحات وتعزيزها على المستوى المجتمعي، على الرغم من استمرار الرهان على التغيير من أعلى عبر دعم بناء المؤسسات السياسية على أساس الحكامة والشفافية وسيادة القانون. لكن في المقابل، أدت الأزمة الاقتصادية العالمية، التي كانت تداعياتها مستمرة خلال اندلاع الربيع العربي، إلى نهج الاتحاد الأوروبي سياسات تقشفية على مستوى تقديم الحوافز المالية في إطار المشروطية الديمقراطية. وذلك في ظل تراجع فكرة توحيد السياسة الخارجية الأوروبية، وعودة المصالح الوطنية للدول الأوروبية إلى الواجهة على حساب أولويات الاتحاد الأوروبي. وازدادت النزعة القومية للبلدان الأوروبية كفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ فقد أخذت كل دولة تفكر في مصالحها الوطنية على حساب مصالحها وقيمها المشتركة داخل الاتحاد الأوروبي. وبعد فترة ترقب وانتظار، أبدى الاتحاد الأوروبي في البداية حماسًا في تفاعله مع تداعيات الربيع العربي، فقد أصدرت المفوضية الأوروبية عدة توصيات موجهة إلى مجلس الاتحاد والبرلمان الأوروبييَن من أجل اتخاذ قرارات أوروبية مواكبة للربيع العربي، نذكر منها وثيقة 8 آذار/ مارس 2011 "شراكة من أجل الديمقراطية والرخاء المشترك مع دول جنوب المتوسط"، والوثيقة الثانية بتاريخ 25 أيار/ مايو 2011 بعنوان "إستراتيجية جديدة تجاه جوار متغير" اللتين اقترحت فيهما المفوضية زيادة الدعم الأوروبي للمجتمع المدني في دول جنوب البحر الأبيض المتوسط وأكدت فيهما أن دمقرطة الأنظمة السياسية في هذه الدول هي السبيل للاستقرار والرخاء اللذَين ينشدهما الاتحاد الأوروبي في جواره المتوسطي. وفي هذا السياق، تمّت مراجعة خطة عمل الآلية الأوروبية من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان European Instrument،2011 منذ آذار/ مارسfor Democracy and Human Rights وتمّ تعيين ممثّل خاص للاتحاد الأوروبي في بلدان جنوب المتوسط في تشرين الأول/ أكتوبر 2012 على إثر انعقاد قمة مجموعة 5+5. وقد وضع الاتحاد الأوروبي إستراتيجية تتكون من ثلاث ركائز: تدعيم الديمقراطية العميقة والصلبة والمستدامة التي لا تقوم على نتائج صناديق الاقتراع فحسب، ولكن على متطلبات إقامة ديمقراطية حقيقية؛ كحرية التعبير وتكوين الجمعيات وسيادة القانون واستقلالية القضاء والمحاكمة العادلة، ومكافحة الفساد وإصلاح قطاع الأمن وقوات حفظ النظام والرقابة الديمقراطية على القوات الأمنية وقوات الجيش24. تعزيز المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية ودعمهما؛ فقد سعت مؤسسات الاتحاد الأوروبي، منذ الربيع العربي، إلى إرساء شراكة متينة مع منظمات المجتمع المدني في استقلالية عن وضع العلاقات بالحكومات. وفي هذا الإطار، يدخل برنامج تمكين المجتمع المدني في جنوب المتوسط Civil Society Facility

  1. Conseil de l'Union européenne, "Lignes directrices relatives aux sanctions," Bruxelles, 8/12/2017, accessed on 25/1/2019, at: https://bit.ly/2S4R3IN
  2. Communication conjointe de la Haute représentante de l'Union pour les affaires étrangères et la politique de sécurité et de la Commission européenne, "Une stratégie nouvelle à l'égard d'un voisinage en mutation,"
  3. Bruxelles, 25/5/2011, p. 3, accessed on 25/1/2019, at: https://bit.ly/2sI6kAZ 24  Ibid., p. 4.

South في الفترة 2012 - 2018، ويهدف إلى تعزيز قدرة منظمات المجتمع المدني ومسؤوليتها ودعم مشاركتها في عملية صنع السياسات والمشاركة في المؤسسات، إضافة إلى الصندوق الأوروبي من أجل الديمقراطية The European Endowment for Democracy الذي يتوخى تعزيز الحركات السياسية ومنظمات المجتمع المدني ودعمها؛ لتحقيق النمو السياسي ودعم القيم الديمقراطية ونشرها، وقد أنشئت عام 2012؛ لسد بعض الثغرات المؤسساتية والعملية للآلية الأوروبية من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان25. وتمّ ت زيادة الدعم المخصص لهذا الصندوق، على نحو متدرج، للاستجابة للتحديات والحاجات الملحة في دول جنوب المتوسط. النهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، عبر تعزيز تحرير الاقتصاد والأسعار والأسواق لضمان التوازنات الماكرواقتصادية26 واستجابةً لتداعيات الربيع العربي، اعتمد الاتحاد الأوروبي عام 2011 برنامج الربيع (برنامج دعم الشراكة والإصلاح والنمو الشامل)Support to Partnerschip, Reform and Inclusive Growth وهو مخصص لبلدان الربيع العربي. وفي عامي 2011 و 2012، خصصت له 350 مليون يورو، وتوخى الاتحاد من خلاله أمرين: أول، دعم الانتقال السياسي وتعزيز الإصلاحات الديمقراطية والمؤسساتية، وذلك بتحقيق نتائج ملموسة في مجال حقوق الإنسان والحريات الأساسية؛ وثانيًا، دعم التنمية الاقتصادية المستدامة والمندمجة، عبر توافر إطار تنظيمي أفضل للأعمال الاقتصادية التي تعرف تحولات سياسية جديدة، وتحسين المستوى المعيشي للسكان والرفع من نسب النمو الاقتصادي في هذه البلدان عبر تعزيز الاستثمارات27. وللتجاوب مع خيبات الأمل من الحصيلة الهزيلة للشراكة الأورومتوسطية والتداعيات السلبية للربيع العربي، أطلق الاتحاد الأوروبي عام 2015 السياسة الأوروبية الجديدة للجوار European new Teh Policy Neighbourhood التي تقوم على مبدأ "المفاضلة والتمييز" Difefrentiation أو مبدأ "المزيد من أجل المزيد" الذي يسمح، بحسب الطرف الأوروبي، بزيادة "دعمه" المالي وفق مدى "التزام" كل دولة بالمضامين السياسية، والاقتصادية والاجتماعية (الإصلاحات السياسية، والإصلاحات الإدارية، والانفتاح الاقتصادي، وخلق مناصب الشغل) التي تتضمنها خطة العمل الخاصة بها في إطار سياسة الجوار الأوروبية الجديدة. وإقرار مبدأ "المزيد مقابل المزيد" هو في حد ذاته إقرار بفشل الاتحاد الأوروبي على نحو بعيد في تعزيز الإصلاحات الديمقراطية في الجوار الجنوبي، وأن التحفيز إلى عملية الإصلاح في هذه البلدان يتطلب تقديم مزيد من الجهود والدعم المالي. كما ركزت هذه السياسة في تدعيم تملك الإصلاحات السياسية وذلك عبر وضع آليات للتشاور والحوار مع السلطات وفعاليات المجتمع المدني، وتشجيع التواصل ودبلوماسية عمومية بهدف منح صورة إيجابية لدى الرأي العام حول البرامج التي يدعمها الاتحاد في دول الجوار المتوسطي خصوصًا. وقد كانت إحدى الغايات الرئيسة للسياسة الجديدة للجوار تحفيز الدول الشريكة إلى الانخراط في القيم المشتركة للاتحاد الأوروبي، عبر إصلاح منظومتها التشريعية والمؤسساتية والحقوقية مقابل دعم اندماج اقتصادي متقدم من خلال عدة آليات تمويل، وعبر مفاوضات من أجل اتفاق التبادل الحر الشامل والعميق.Deep and Comprehensive Free Trade Agreement وأدى الاتحاد الأوروبي دورًا سياسيًا مهمً في الإسهام في رسم معالم مخاض التحول السياسي الديمقراطي في تونس والمغرب والأردن، فقد قامت المفوضية الأوروبية بمراقبة العمليات الانتخابية، وقدمت دعم ماليًا مهمً للسلطات الحكومية والمجتمع المدني لتأهيل المؤسسات الديمقراطية وتعزيزها. كما تمّ اعتماد التوجيهات لبدء المفاوضات قصد توقيع اتفاقيات تبادل حرّ شاملة وعميقة مع المغرب ومصر والأردن وتونس28. وعلى ما يبدو، فإن تونس والمغرب هما أكثر الدول استفادةً وتفاعل مع السياسات الأوروبية الجديدة للتعاون لما بعد الحراك العربي. وقد تعهد الاتحاد الأوروبي بدعم حقيقي للمسار الانتقالي التونسي نحو الديمقراطية، وبتعزيز العلاقات الثنائية به في كل المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية والأمنية والرفع من مستوى المبادلات التجارية. ولا يخفى أن تونس تواجه تحديات معقدة في سياق إقليمي هش وفي ظل مناخ احتقانٍ اجتماعيٍ حادٍّ بفعل وضعية سوسيو اقتصادية صعبة وبطالة مستفحلة في فئة الشباب. وحصلت تونس عام 2012 على وضعية "الشريك المتقدم"، ووقعت اتفاق الشراكة من أجل حرية التنقل عام 2014. ومنذ عام 2015، دخلت في مفاوضات متقدمة من أجل اتفاق التبادل الحر الشامل والعميق. ويعدّ هذا الاتفاق، بحسب المسؤولين الأوروبيين، محركًا أساسيًا لإعادة الاستثمار والنمو في تونس وتشجيع اندماجها الاقتصادي والتجاري مع الاتحاد الأوروبي. كما خصصت الآلية الأوروبية من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان مليوني يورو لتمويل مشاريع في تونس. ولم تكن تونس ضمن أولويات التعاون الثنائي لهذه الآلية في عهد حكم زين العابدين بن علي وكان التركيز، على نحو أشد، على الدعم المالي للمغرب، لكن بعد 2011، تغير تعاملها مع تونس على نحو جذري.

  1. Giusti Serena & Fassi Enrico, "The European Endowment for Democracy and Democracy Promotion in the EU Neighbourhood,"  The International Spectator, Italian Journal of International Affairs , vol. 49, no. 4 (2014), pp. 112-129.
  2. Tobias Schumacher, "The EU and the Arab Spring: Between Spectatorship and Actorness," Insight Turkey , vol.13, no. 3 (Summer 2011), p. 109.
  3. European Union, "EU Response to the Arab Spring: The SPRING Programme," Brussels, 27/9/2011, accessed on 25/1/2019, at:https://bit.ly/2Tc0qUg
  4. Commission européenne, "Réponse de l'UE au 'Printemps arabe': Etat des lieux deux ans après," Bruxelles, 8/2/2013, accessed on 25/1/2019, at: https://bit.ly/2Ug7H5P
تونسالمغربالجزائرليبيامصرالأردن
اتفاق الشراكةوقّع عام 1995 ودخل حيّز
التنفيذ عام 1998
وقّع عام 1996 ودخل
حيّز التنفيذ عام 2000
وقّع عام 2002
ودخل حيّز
التنفيذ عام
2 ا005
لاي يوجدوقّع في 25 حزيران/ يونيو
2001 ودخل حيّز التنفيذ
في 2 حزيران/ يونيو 2004
وقّع عام 1997 ودخل
حيّز التنفيذ عام 2002
وضع الشريك
المتقدم
حرصل عليه عام 2012حصل عليه في
تشرين الأول/ أكتوبر
2ا008
لاا يوجدلا يوجدلار يوجدحصل عليه في
تشرين الأول/ أكتوبر
2010
اتفاق للتبادل
الحر الشامل
ورالعميق
مفاوضات متقدمة منذ
تشرين الأول/ أكتوبر 2015
بداية المفاوضات
آاذار/ مارس 2013
لاا يوجدلا يوجدبدأت المفاوضات عام
2013
بدأت المفاوضات
عام 2014
اتفاق من
أجل التنقل
الحر
تم توقيعه في آذار/ مارس
2014
تم توقيعه في
7 احزيران/ يونيو 2013
لاا يوجدلا يوجدلار يوجدتشرين الأول/ أكتوبر
2014

ومنذ 2011، ونظرًا إلى الإصلاحات السياسية المهمة التي شرعت فيها تونس (الدستور الجديد، والانتخابات البرلمانية والرئاسية الحرة، والتعددية الحزبية والحريات السياسية)، ضاعف الاتحاد الأوروبي مساهمته المالية المخصصة للتعاون مع تونس التي تعدّ المستفيد الرئيس من البرنامج الإطاري الذي يدعم التقدم المحرز في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان. وإذا اعتبرنا المنح (أكثر من مليار ومئتي مليون يورو) والمساعدة الماكرومالية 800(مليون يورو) والاعتمادات (بما فيها اعتمادات البنك الأوروبي للاستثمار بقيمة مليار ونصف يورو)، فإن قيمة الدعم الممنوح لتونس في الفترة 2011 - 2016 تبلغ ما يناهز 5 مليارات و 300 مليون يورو29. وبذلك يكون الدعم المالي المقدم لتونس قد ارتفع على نحو بعيد، مقارنةً بفترة ما قبل الحراك العربي. فالحجم الكلي للمساعدات المالية التي قدمها الاتحاد الأوروبي في الفترة 2011 - 2015 لتونس يوازي ما استفادت منه من دعم مالي خلال ثلاثة عشر عامًا في إطار مسلسل برشلونة30. ومن خلال عدة بيانات وتصريحات أدلى بها مسؤولون أوروبيون، يتبين أن الاتحاد يرى أن تونس نموذج للانتقال الديمقراطي في العالم العربي؛ لهذا جعلها شريكًا متميزًا يرافقها دومًا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي من أجل إنجاح الانتقال الديمقراطي، و"يجب الحفاظ على هذا النموذج ودعمه" لأن نجاحه سيكون نجاحًا للمشروطية الديمقراطية للاتحاد وترسيخًا لها. وهذا ما يجسده على نحو واضح البيان المشترك بين اللجنة الأوروبية وممثلة الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية وسياسة الأمن في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016: "التربة التونسية مصدر أمل لدول الجوار[...]ومن المصلحة الإستراتيجية للاتحاد الأوروبي أن يكون له تونس قوية، ديمقراطية ومستقرة، كجار، ونجاح الانتقال الديمقراطي التونسي هو أولوية بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي"31. مبدئيًا، لا يرتبط حجم المساعدة المالية بالحاجيات التي تعبّ عنها الدول فحسب، بل بمدى التزامها تطبيقًا فعليًّا للإصلاحات أيضًا، وفي

  1. الاتحاد الأوروبي، "العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتونس"، 2017/9/4، شوهد في 2019/1/26، في https://bit.ly/2Bjv1Zd:
  2. L'ALECA, un instrument clé dans la politique de l'UE, briefing paper, no. 2," Observatoire Tunisien de l'Economie, no. 2 (12/5/2017), p. 5, accessed on 4/2/2019, at: https://bit.ly/2HRlyyd الجدول 1() مقارنة بين بعض مجالات التعاون بين الاتحاد الأوروبي والدول العربية في الضفة الجنوبية المصدر: من إعداد الباحث.
  3. Kamel Jendoubi, "Relations Tuniso-Européennes: Vision, enjeux et perspectives," Publication d'EuroMed Droits (Septembre 2017), p. 11, accessed on 26/1/2019, at: https://bit.ly/2HvTCQa

هذا الإطار يؤكد مسؤولو الاتحاد أن تونس تلقت أقصى المساعدات، على عكس مصر التي تلقت مساعدات أقل منها32.

المشروطية الديمقراطية الأوروبية وخطاب الواقعية السياسية

حاول الاتحاد الأوروبي، بعد الربيع العربي، الدفع بالإصلاحات الديمقراطية والاقتصادية في دول شمال أفريقيا، إلا أنه فشل في إيجاد أسلوب فعّال للتأثير في الدول قصد اعتماد إصلاحات سياسية حقيقية، على الرغم من رفع سقف عروضه الداعمة على مستوى المال والأسواق والتنقل، وكذا على مستوى تعزيز إشراك المجتمع المدني في صنع القرار السياسي. وبعدما كانت المساعدات المالية للاتحاد وثيقة الصلة بالمشروطية الديمقراطية من حيث المبدأ، تمّ التراجع عن ذلك تدريجيًا. وقد أبانت الأنظمة السياسية في العالم العربي عن مكرٍ وبراعةٍ في توظيف استغلال الاتحاد الأوروبي ومخاوفه حيال ضمان الاستقرار في ضفته الجنوبية؛ لتجنب الإصلاحات السياسية أو التعامل معها على نحو ملتوٍ وبطيء لا يؤدي في نهاية المطاف إلى تكريس إصلاحات ديمقراطية حقيقية وفعلية. وبناء عليه، فإن السياسات التعاونية لما بعد الربيع العربي وبدلً من أن تمثِّل بداية انطلاق صوب نشر القيم الديمقراطية في دول الجوار الجنوبي والإصلاح، أعادت تعزيز اعتماد الاتحاد الأوروبي على الأنظمة التسلطية التي تهدف إلى الحفاظ على الوضع الراهن فحسب33. في الحقيقة، تابع الاتحاد الأوروبي تداعيات الربيع العربي بمزيج من المخاوف والآمال، وحين كان يغلب الأمل كانت السياسة الأوروبية أشد استباقًا وتدخّلً. ولكن حين يتسيد القلق، يتركز الهدف الرئيس لهذه السياسة على تجنب المشكلات وتلافيها، على نحو أشد من تركيزه على تحقيق نتائج إيجابية34. وقد واجهت السياسات الأوروبية في مجال المشروطية الديمقراطية عدة تحديات، مع تزايد اقتناع عديد من الدول الأوروبية بضرورة تأمين الحدود الجنوبية من المخاطر، بوصفها أولوية إستراتيجية، في إطار شعار "حقوق أقل وأمن أكثر." وفي هذا السياق، لم يفلح الاتحاد الأوروبي في فتح حوار جماعي حقيقي مع بلدان الحراك العربي، للإنصات للحاجات الحقيقية لشعوب المنطقة العربية، وهو ما لم يمنح إلا قدرًا يسيرًا من فرص التغيير الحقيقي المنشود للدفع بديناميات الحراك العربي نحو مبادرات تخدم مصالح الشعوب وتطلعاتها إلى العيش الكريم واللائق. وهذا ما جعل سياسات المشروطية تفقد كثيرًا من صدقيتها أمام ما عدّه بعضهم سياسة "ازدواجية المعايير" و"تواطؤ مع الأنظمة التسلطية بالمنطقة العربية"، وتفضيل الاتحاد الاعتبارات والمصالح الإستراتيجية على حساب توطيد التحول الديمقراطي بوصفه طريقًا متوسطة المدى للاستقرار. وفي الواقع، غض الاتحاد الأوروبي النظر، على نحو واضح، عن السياسات غير الديمقراطية لدول جنوب المتوسط. لكنّ ذلك كان مقابل تعاونها معه على مواجهة عديد من التهديدات الأمنية؛ كالهجرة غير الشرعية، والإرهاب، والجريمة المنظمة، وتجارة المخدرات. وهكذا تستغل النخب الحاكمة في هذه الدول، على نحو جيّد وماكر، مسألة تصاعد موجات الهجرة السرية وموجات اللاجئين منذ الأزمة السورية، وتزايد المخاطر الإرهابية منذ بروز تنظيم "داعش" وقيامه بعدة عمليات إرهابية في عديد من المدن الأوروبية، لإقناع الاتحاد الأوروبي بأن ضمان مصالحه وأمنه في محيطه وجواره الإقليمي الجنوبي يفترض، بل يتطلب إبقاء استمرارية الوضع السياسي الراهن ودعمه، وإلا فسيكون أمام خيارين لا ثالث لهما: الفوضى والحرب الأهلية أو اكتساح الإسلاميين أو الجهاديين السلطة، وكلا الأمرين سيؤدي إلى انكشاف الحدود الجنوبية لأوروبا، ما يعني مزيدًا من الهجرة واللجوء والمخاطر الأمنية القادمة من الجنوب. كانت حصيلة المشروطية الديمقراطية الأوروبية محدودة النتائج بالنسبة إلى الدول العربية، على مستوى التعاون من أجل النهوض بحقوق الإنسان وإرساء قيم سيادة القانون والديمقراطية، وحتى الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين لم تتحسن تحسنًا كبيرًا؛ فقد ارتفعت نسب البطالة والفقر. وتبين المؤشرات العالمية المرتبطة بالديمقراطية والتنمية البشرية وحقوق الإنسان وحرية الصحافة أن المنطقة العربية هي إحدى المناطق الأشد هشاشةًاجتماعيًا، والأشد انتهاكًا للحقوق الأساسية للإنسان، ولم تستفد من المكاسب الديمقراطية، ولم يحدث أي تقدم أو تطور نوعي مهم منذ بداية الربيع العربي إلى حدود اليوم. وحاول الاتحاد الأوروبي بكل الوسائل الحفاظ على علاقاته الجيدة بهذه الدول، وذلك على حساب الإرساء الفعلي لإصلاحات حقيقية ومستدامة في مجال الديمقراطية والتنمية الإنسانية. ويستثنى من هذا الوضع تونس التي تبقى نقطة الضوء وبارقة الأمل الوحيدة؛ فقد نجحت في تحقيق مراتب جيّدة وتقدّم مهمّ على مستوى عدة مؤشرات، انظر الجدول 2(.) فالجهود التي بذلتها تونس واعتمادها دستورًا جديدًا متقدمًا ووجود إرادة لتغيير البلاد بدعم من الاتحاد الأوروبي، سمحت بتحقيق مكاسب ديمقراطية معتبرة، جعلتها أحد الشركاء الرواد للاتحاد الأوروبي35.

  1. Hélène Michou, "Relations bilatérales UE-Égypte: Quel champ d'action pour la défense des droits humains?" EuroMed Rights (Juin 2016), p. 9, accessed on 25/1/2019, at: https://bit.ly/2MsdaDU
  2. Lisa Watanabe, "Sinking in Shifting Sands: The EU in North Africa," Center for Security Studies, 11/4/2014, accessed on 25/1/2019, at: https://bit.ly/2B0JiKh
  3. Andreu Bassols, "La nécessité d'une politique étrangère commune de l'UE vis-à-vis de ses voisins arabes," Annuaire IEMed (2013), p. 77, accessed on 25/1/2019, at: https://bit.ly/2SaTwlf
  4. Amélie Ancelle & Giulia Bonacquisti, "Dossier Documentaire Thématique 'THEMA': La Politique Européenne de Voisinage," EU-Logos Athéna, 21/1/2016, accessed on 25/1/2019, at: https://bit.ly/2RPHpuw

وكان التركيز في التعاون الاقتصادي والتجاري والتقني من دون أن يكون هناك أي ضغوط حقيقية وفعلية للحد من انتهاكات حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وكانت تداعيات الربيع العربي بمنزلة مفعول كاشف عن فشل الاتحاد الأوروبي في الدفع نحو إحداث تغيير ديمقراطي في شمال أفريقيا من خلال سياسته الخاصة بالمشروطية الديمقراطية في منطقة البحر الأبيض المتوسط36. وقد أصبحت مسألة احترام حقوق الإنسان والقواعد الديمقراطية في أسفل أولويات العلاقات الثنائية بين الاتحاد الأوروبي ومصر، حيث الغلبة والتركيز في منطق تحقيق الأمن والاستقرار وتدعيم الروابط الاقتصادية واختيار الدبلوماسية المهادنة عوضًا عن توجيه اللوم إلى تسلطية النظام السياسي في مصر، وذلك بدعوى العودة إلى الاستقرار والأمن ولو كان ذلك خادعًا وعلى حساب خرق قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان37. وقد انتقدت المنظمات الحقوقية الدولية، بشدة، ما عدَّته "تغاضي الاتحاد الأوروبي عن الانتهاكات الحقوقية التي تمارسها السلطات المصرية" و"تلطيف موقفه من الانتهاكات الحقوقية في مصر عبر استئناف الاجتماعات رفيعة المستوى مع المسؤولين المصريين"38. وأكد ديفيد نيكولاس، المسؤول التنفيذي للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي في منظمة العفو الدولية ذلك في قوله: "ثمة خطر حقيقي من أن سجل مصر في حقوق الإنسان سيتم التعامي عنه بعدما وضع الاتحاد الأوروبي الأمن والهجرة والتجارة أولويةً، على حساب حقوق الإنسان"39. لقد دعم الأوروبيون مبدئيًا ونظريًا حقوق الإنسان والديمقراطية، ولكن في الممارسة العملية تسامحوا وغضوا الطرف عن انتهاكات الأنظمة التسلطية العربية، كما أن الشراكة الأورومتوسطية لم تجلب، فعليًا، الرخاء والتنمية والاستقرار الاجتماعي لهذه البلدان؛ فما زالت تعاني الهشاشة الاجتماعية وانسداد الآفاق أمام الشباب. حتى المغرب الذي يعدّه الاتحاد الأوروبي نموذجًا متميزًا للاستقرار السياسي والإصلاحات الديمقراطية، لم يسلم هو الآخر من موجات مستمرة من الاحتجاجات الاجتماعية للشباب منذ 2016، خصوصًا مع ما أصبح يطلق عليه الحراك الشعبي بالريف شمال المغرب. وهناك مثال آخر يتمثل في الاتفاقات من أجل التنقل الحر التي أبرمها الاتحاد مع تونس والمغرب ومصر، فهي في عمقها تحركها خلفيات أمننة الهجرة Securitization Migration of والاستعانة بمصادر خارجية لتأمين الحدود الأوروبية، وأصبحت أداةً لتكريس السياسات الأوروبية في مجال الأمن والهجرة التي تنظر إلى دول جنوب المتوسط بوصفها حزامًا وعازلً أمنيًا لتطويق الهجرة واحتوائها ووقف تدفقاتها وما يرتبط بها من مخاطر أمنية وإرهابية. وكان لمفعول التدفقات الهجروية على أوروبا وقع مهم على المشروطية الديمقراطية، بحيث عجز الاتحاد الأوروبي عن رؤية الربيع العربي خارج إطار التهديدات الهجروية، و"عوض أن يشيد بتقويض مجموعة من الأنظمة الاستبدادية وسقوطها كان الاتحاد منشغلً وقلقًا أكثر من المهاجرين الذين قد يجتاحون شواطئه"40. وفي هذا الإطار، يأتي إنشاء الصندوق الائتماني الاستعجالي للاتحاد الأوروبي من أجل أفريقيا عام 2015 من أجل مكافحة الهجرة غير النظامية وقد رصدت له مبالغ مهمّة. وأمام رفض مصر وتونس وليبيا والمغرب مقترح الاتحاد الأوروبي لإقامة مراكز استقبال وإيواء للمهاجرين واللاجئين وبعد اتفاق الدول الأوروبية الخاص بالهجرة في قمة بروكسيل في 29 حزيران/ يونيو 2018، وفي ظل احتداد موجة الهجرات نحو الساحل الشمالي، خصوصًا في بداية صيف 2018، قرر الاتحاد وعلى نحو مستعجل في آب/ أغسطس 2018 الرفع من قيمة المساعدات المالية المقدمة من أجل ضبط تدفق المهاجرين أو ما يسميه تحسين قدرات البلدان الشريكة على إدارة حدودها وتوفير الحماية والمساعدة المستعجلة للمهاجرين في وضعية هشة41. إن نشر الديمقراطية ليس هو الغاية ذات الأولوية الأولى لدى الاتحاد الأوروبي، بل تحوّل إلى وسيلة لتحقيق أهداف أمنية، وإستراتيجية، وأداة لمواجهة التهديدات الأمنية النابعة من جنوب المتوسط وفي مقدمتها الهجرة غير الشرعية، والإرهاب، وأمن الطاقة. لقد كان الاتحاد مضطرًا إلى الانتقال والتدافع المستمرين بين ترويج الديمقراطية بوصفها حلً طويل الأمد، والحفاظ على الاستقرار السياسي في دول جنوب المتوسط من خلال إبقائه على علاقات صداقة وتحالف مع الأنظمة السلطوية، بوصفها شريكًا رئيسًا في مواجهة التهديدات الأمنية. وغالبًا ما تعارض هذا النوع من التعاون مع سياسة الاتحاد الأوروبي لترويج الديمقراطية. وكثيرًا ما غض الاتحاد النظر عن سياسات دول جنوب المتوسط غير الديمقراطية، مقابل تعاون الأخيرة أمنيًا معه42. وحتى في حالة الشراكة الأوروبية مع تونس، نلاحظ أن "الاتحاد الأوروبي بات يريد من تونس منذ أزمة اللاجئين والهجمات الإرهابية في أوروبا قبل كل شيء توثيق التعاون أكثر في المسائل الأمنية وفي مكافحة الإرهاب وكذلك في 'منع الهجرة.'

  1. Vera Van Hüllen, "Europeanisation through Cooperation? EU Democracy Promotion in Morocco and Tunisia," West European Politics,  vol.
  2. Michou, pp. 7, 11.
  3. العفو الدولية: الاتحاد الأوروبي يتغاضى عن الانتهاكات الحقوقية في مصر"، الجزيرة، نت 2017/7/19، شوهد في 2019/1/26، في https://bit.ly/2RHx0AR:
  4. المرجع نفسه.
  5. Luis Martinez, "Le printemps arabe, une surprise pour l'Europe,"  Projet , no. 322 (2011), p. 12. 41  Commission Européenne, "Migration: follow-up to the European Council Conclusions of 28 June 2018," 24/7/2018, accessed on 25/1/2019, at: https://bit.ly/2FJlWgc
  6. 35, no. 1 (2012), pp. 117-134, accessed on 25/1/2019, at: https://bit.ly/2BrIjTN
  7. هايدي عصمت كارس، "السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي تجاه جنوب المتوسط في أعقاب الثورات"، موقع السياسة الدولية، 2015/12/26، شوهد في 2019/1/25، في: https://bit.ly/2S5Awo3 الجدول 2() ترتيب دول شمال أفريقيا على مستوى مؤشرات الإنجازات الديمقراطية والتنموية: مقارنة بين عامي 2011 و 2017 المصدر: من إعداد الباحث.
مصرليبياتونسالجزائرالمغربالسنةالمؤشرات
115125921301192011ترتيب مؤشر الديمقراطية
Democracy Index
130154691281012017
11216873112802011ترتيب مؤشر الفساد
Corruption Perceptions Index
11717174112812017
1136494961302011ترتيب مؤشر التنمية البشرية
Human Development Index
11110297831232016
1661551341221382012-2011ترتيب مؤشر حرية الصحافة
World Press Freedom Index
161163971341332017

وهذا يعزز من ناحية أخرى قوى النظام القديم في تونس ولا يعزِز الديمقراطية الليبرالية الفتية"43. أصبح المنطق المهيمن على سياسات الاتحاد الأوروبي اليوم، كما كان عليه الأمر قبل 2011 وبعده، هو دعم الاستقرار السياسي "الخادع" وليس دعم الإصلاح الفعلي، ما أنتج تحولً سلسًا من خطاب نشر القيم الديمقراطية خلال بدايات الربيع العربي إلى خطاب "الواقعية السياسية." وبعد تردي الأوضاع في عديد من الدول العربية، مثل سورية وليبيا واليمن، أدرك الاتحاد أن الفجوة الديمقراطية الشاسعة للأنظمة Democratic Gap السائدة ستجعل أمد الإصلاحات يطول ويسير ببطء، وستجعل إسهام قوى المجتمع المدني في تعزيز هذه الإصلاحات غير مجدٍ، لهذا فضَّ ل، من منطلق براغماتي، أنظمة "الاستقرار وحماية المصالح ومكافحة الإرهاب وكبح الهجرة"، على دعم الديمقراطية وإطلاق الحريات. ويرى بعض الباحثين أن دول جنوب المتوسط هي التي تتحمل مسؤولية فشل المشروطية الديمقراطية؛ لغياب الإرادة السياسية في إقامة حكومات قادرة على ضمان النمو الاقتصادي والتنمية البشرية في ظل سيادة القانون والمؤسسات وإشراك المواطنين في الحياة السياسية44. نخلص إلى أنه لم يحدث، في العمق، تغيير جذري في سياسة المشروطية الأوروبية بعد الربيع العربي، يستجيب لدعم المؤسسات الأوروبية للديمقراطية، في الواقع، لطبيعة مهمات هذه المؤسسات ومصالحها على نحو أشد مما يستجيب لمحفزات خارجية45. ويضعف هذا التحول الحاصل في العمق صدقية الاتحاد الأوروبي لدى شعوب المنطقة العربية؛ لأنه يقوم بإطالة عمر ما يعرف بنموذج "الاستقرار عبر السلطوية" Stability Authoritarian على نحو غير مباشر، بحيث أن صناع القرار في العالم العربي لم يعودوا يخشون من ضغوط وعقوبات خارجية فيما يتعلق باحترام الديمقراطية ودولة القانون وحقوق الإنسان46. وفعلً، يمكن عدّ تفاعل الاتحاد الأوروبي مع ديناميات الحراك العربي تفاعلً ضعيفًا يطغى عليه التردد وغياب الرؤية الواضحة. وعلى الاتحاد أن يستعيد صدقيته الأخلاقية، بتعزيز احترام حقوق الإنسان تعزيزًا حقيقيًا في دول شمال أفريقيا، بعيدًا عن الرؤية البراغماتية الضيقة47.

  1. إيزابيل شيفر، "الاتحاد الأوروبي وتونس ضرورة تعزيز أوروبا لديمقراطية تونس الفتية"، ترجمة رائد الباش، موقع قنطرة، 2018/2/28، شوهد في 2019/1/26، في: https://bit.ly/2UcWEKm
  2. Jean-François Drevet, "Le Maghreb et l'Union européenne (UE)," Colloque public de l'academie du renseignement, 4/5/2016, accessed on 25/1/2019, at: https://bit.ly/2UeqTR9
  3. Leila Mouhib, L'Union européenne et la promotion de la démocratie. Les pratiques au Maroc et en Tunisie (Bruxelles: Editions de l'ULB, 2017).
  4. F. Gregory Gause III, "Why the Middle East Studies Missed the Arab Spring: The Myth of Authoritarian Stability,"  Foreign Affairs , vol. 90, no. 4 (July-August 2011).
  5. Sally Khalifa Isaac, "Europe and the Arab Revolutions from a Weak to a Proactive Response to a Changing Neighrhood," Freie Universität Berlin, KFG Working Paper, no. 39 (May 2012), p. 24.

من أجل مشروطية ديمقراطية متماسكة

قام خطاب الاتحاد الأوروبي بعد الحراك العربي على التفاؤل وتصحيح أخطاء الماضي بخصوص دعمه الأنظمة التسلطية على حساب الشعوب، وإرساء ثقافة الإصغاء لحاجات المواطنين والشباب في العالم العربي وطموحاتهم. وهذا ما عبَّ تْ عنه كاترين أشتون الممثل السامي للاتحاد الأوروبي لشؤون السياسة الخارجية والأمن بوضوح عام 2011، وهي تتفاعل مع تداعيات الربيع العربي حين قالت: "إن استجابة الاتحاد الأوروبي تقوم على ضرورة اعترافنا بأخطاء الماضي وبالإصغاء من دون الضغط والإكراه. إنه بالضبط ما نقوم به. هذا يتطلب الصبر والمثابرة والالتزام في كل حين، ونجاح هذا المسار ينبغي له أن يتجسد عبر ما أسميه بالديمقراطية العميقة"48. يعكس هذا الموقف، بحسب روزا بلفور، تواطؤ الاتحاد الأوروبي مدة طويلة في دعم أنظمة استبدادية في المنطقة العربية، فالمؤسسات الأوروبية لم تفهم الديناميات التي أفرزها الحراك العربي، وما زالت، فهمً عميقًا. لهذا فهي تقوم بردود أفعال أكثر مما تقوم بفعل ممنهج من أجل دعم إرساء ديمقراطية حقيقية في المنطقة، وهو الأمر الذي يفترض إعادة التفكير في المشروطية الديمقراطية للاتحاد الأوروبي49. وفي تعاملها مع دول الحراك العربي، عانت السياسات التعاونية الأوروبية اختلالات عدة، كرست محدودية القدرة الأوروبية على تحفيز دول شمال أفريقيا إلى الانخراط في الإصلاحات السياسية. وهذه الاختلالات كالتالي: أصبحت السياسة الأوروبية الجديدة في إطار إيمانها بالواقعية وتخليها عن المثالية المعيارية والأخلاقية أقل طموحًا وانتظارًا، وجعلت تحقيق المصالح الإستراتيجية الغاية الرئيسة؛ أي تحقيق الاستقرار، والأمن، والطاقة، والنمو الاقتصادي وتدبير ملف اللاجئين والمهاجرين. أما النهوض وترويج القيم الديمقراطية فهو هدف ضمن عدة أهداف أخرى. وفعلً، إن تسويق السياسة الأوروبية الجديدة للجوار بعد الربيع العربي، لفكرة النهوض بديمقراطية صلبة ومستدامة تمّ تقويضها بسرعة من خلال وقائع عدة أكدت، بحسب تعبير ستيفان لهن، أن هناك فجوة عميقة بين الأهداف المعلنة والنتيجة الفعلية50. سيؤدي عدم صحة الفرضية الأوروبية التي مفادها أن مزيدًا من تحرير الاقتصاد وتوسيع اقتصاد السوق في بلدان جنوب المتوسط، إلى تحرير السياسة والتوجه نحو انفتاح ديمقراطي وليبرالية سياسية متزايدة؛ إذ لم تؤد السياسات الاقتصادية النيوليبرالية إلى الدمقرطة، بل إلى نمو اقتصاديات ريعية وطفيلية غير منتجة ومعيقة للتنمية، وتعمق تفقير الطبقات الاجتماعية الهشة وتزايد السخط الاجتماعي. لهذا، على الاتحاد الأوروبي أن يراجع فكرة أن النمو الاقتصادي يؤدي إلى الاندماج الاجتماعي، ومن ثم إلى الاستقرار السياسي51. وينبغي للاتحاد أن يعيد النظر في العلاقة بين السياسي والاقتصادي في علاقتها بالمشروطية الديمقراطية؛ فهناك تطور متفاوت بينهما، وهذا ما يفسر كون التجربة الانتقالية التونسية عرفت شرخًا كبيرًا بين وتيرة تقدم الزمن السياسي والدستوري، الذي حقق خطوات مهمة، ووتيرة تقدم الزمن الاقتصادي والاجتماعي، الذي عرف عثرات كبيرة. استمرت المؤسسات الأوروبية في تفضيل مقاربات نهجتها قبل 2011 لترويج الديمقراطية، ومنها الاعتماد على أسلوب فوقي عمودي Down Top يقارب التعاون "من أعلى إلى أسفل"، أي التعاون مع الحكومات، والتركيز على بناء مؤسسات الدولة، وهذا بدلً من مقاربة تشاركية أفقية Bottom-Up تنطلق "من أسفل إلى أعلى"، وذلك من خلال إعطاء المواطنين ومنظمات المجتمع المدني مزيدًا من الاهتمام وإشراكهم في المشاورات. وينبغي التركيز على إستراتيجيات متوسطة وبعيدة المدى تسعى إلى منح الشروط لتملك المجتمع بمختلف فئاته للإصلاحات السياسية داخليًا، وبإشراك المواطنين والمجتمع المدني إشراكًا فعليًا. وينبغي للإصلاح الديمقراطي أن يكون محليَّ المنشأ والأداء، ومعبّ ا، على نحو مستقل، عن الإرادة الخارجية التي ليس عليها إلا دعمه وتعزيزه. غياب رؤية شاملة وواضحة وسياسة واضحة المعالم للتعامل مع دول جنوب المتوسط. وفي الواقع، هناك سياسات وليس سياسة، وذلك باختلاف الظرفية والسياقات الداخلية والجيوسياسية لكل دولة. كما أن هناك نزعة أورو مركزية طاغية داخل سياسات الاتحاد الأوروبي وذلك في ظل عدم التشاور وإشراك بلدان الضفة الجنوبية في عملية بناء مختلف المبادرات والإجراءات المالية والاقتصادية والاجتماعية التي بادر إليها الاتحاد تجاه بلدان

  1. مذكور في: Rosa Balfour, "Les nouveaux paradigmes l'UE-Méditerranée du Sud: Repenser la conditionnalité?" Annuaire IEMed de la Méditerranée Med.
  2. Ibid., p. 74.
  3. Lehne, p. 4. 51  Nadine Abdalla, "The ENP between Ambitions and Delusions: Analysing Europe's Misconceptions in Supporting Democratisation in Egypt," PapersIEMed, EuroMeSCo , no. 32 (2016), p. 7, accessed on 25/1/2019, at: https://bit.ly/2FTXCre
  4. 2012, p. 74, accessed on 7/2/2019, at: https://bit.ly/2Dwk2NF

جنوب حوض المتوسط وبلورتها. وفي الحصيلة، فإن المبادرات والإجراءات لا تخدم، بالضرورة، مصالح بلدان جنوب المتوسط الاقتصادية والاجتماعية وتطلعاتها وحاجاتها. كما أن البحث عن حلول مسؤولة وتشاركية فيما يخص قضايا الهجرة واللاجئين ينبغي له أن يكون في إطار احترامٍ تامٍ لحقوق الإنسان ومصالح مختلف الأطراف، وعوضًا عن البحث عن احتواء التدفقات الهجروية وتدبيرها. ويجب العمل على البحث عن حلول بنيوية وإستراتيجيات تنموية تهم معالجة الأسباب المؤدية إلى تزايد عدد المهاجرين نحو أوروبا. لم تعد المشروطية الديمقراطية الناعمة التي يستخدمها الاتحاد الأوروبي تجدي نفعًا؛ فهي لم تتح إلا فرصًا محدودة لإحداث الإصلاحات السياسية الحقيقية، بل أشد من ذلك، كرست الأنظمة التسلطية ومنحتها الشرعية، وعززت سياسات التغاضي عن الفساد وانعدام الحكامة وعدم احترام حقوق الإنسان بفعل تغليب الأولويات والاعتبارات الإستراتيجية (الاستقرار، والأمن، والمصالح الاقتصادية) على حساب الاعتبارات الأخلاقية (احترام حقوق الإنسان والديمقراطية.) وهذا يؤدي في العمق إلى تثبيت وضعٍ وتكريسه. وهو وضعٌ من المفترض أن يعمل الاتحاد على تبديله، أو على الأقل يدفع نحو تغييره. وبناء عليه، فإنه من المنطقي ألا يتغير شيء تقريبًا بعد مرور سنوات عدة على إطلاق مبادرات التعاون والشراكة. وقد مكثت البنيات التسلطية القهرية على حالها في العالم العربي في غياب أي أفق قريب لقدوم ديمقراطيات حقيقية. وهذا ما يفرض ضرورة إعادة النظر في المشروطية الديمقراطية للاتحاد الأوروبي.

خاتمة

إن المشروطية الديمقراطية مبدأ أساس في سياسات الاتحاد الأوروبي الذي يقدم نفسه بوصفه مروّجًا الديمقراطية ومحفزها، وبوصفه "قوة معيارية." لكن الواقع غير ذلك؛ لأن الاتحاد فضّ ل، في كثير من الأحيان، الاعتبارات الإستراتيجية على حساب المقاييس المعيارية والأخلاقية. في الواقع، ما زال الصراع والارتباك الحاد داخل سياسات الاتحاد الأوروبي قائمين بين خيارين: الرهان على الاستقرار مع التضحية بالمُثل الديمقراطية لتحقيق الإصلاحات على المديين المتوسط والبعيد، والرهان على التحول الديمقراطي والضغط من أجل إرساء فعلي لقيم دولة القانون وحقوق الإنسان بوصفها شرطًا ضروريًا لتحقيق الاستقرار وعدم الرضوخ لفكرة استدامة الأنظمة التسلطية لضمان الاستقرار. وما زال الاتجاه العام يميل ميلً شديدًا إلى تفضيل الاستقرار والأمن على حساب الديمقراطية. لكن المشكلة تكمن في عدم تحقق ضمان الاستقرار والأمن أو تحقق دمقرطة حقيقية للأنظمة التسلطية في دول ما بعد الحراك العربي. لقد حاول الاتحاد الأوروبي تعزيز الإصلاحات الديمقراطية والاقتصادية في دول شمال أفريقيا، لكنه لم يحرز قدرًا كبيرًا من النجاح. وهذا يقتضي مراجعة شاملة للمشروطية الديمقراطية في علاقتها بآليات التعاون الأوروبية مع الجوار الجنوبي، وخاصة أنه لا يمكن أن تستمر أوروبا في سياستها التقليدية القائمة على تغليب الأمن والاستقرار على الديمقراطية. حان الوقت للتفكير في سبل فتح حوار متكافئ مع الدول المتوسطية في العالم العربي، يكون قائمًا على حقائق الترابط وعلى المصالح المشتركة. ولا بد من الرهان على اشتراطية أشد صرامة بالتزامات واضحة، حتى تستعيد السياسات الاشتراطية الأوروبية صدقيتها. وتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان هو السبيل لتحقيق التنمية والاستقرار الحقيقي، ولجعل الربيع العربي يؤتي ثماره بما فيها مصلحة المواطنين والشعوب في العالم العربي ومصلحة الدول الأوروبية في الوقت نفسه.

المراجع

العربية

علي، علي محمد. "العامل الخارجي والتحول الديمقراطي: دور المؤسسات المالية الدولية." مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية 2016/12/21. في https://bit.ly/2AYr3Fp:. كارس، هايدي عصمت. "السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي تجاه جنوب المتوسط في أعقاب الثورات". موقع مجلة السياسة الدولية. 2015/12/26، في https://bit.ly/2S5Awo3:

الأجنبية

Abdalla, Nadine. "The ENP between Ambitions and Delusions: Analysing Europe's Misconceptions in Supporting Democratisation in Egypt." PapersIEMed, EuroMeSCo. no. 32 (2016). at: https://bit.ly/2FTXCre Albinyana, Roger. "The Union for the Mediterranean in 2017: Stocktaking and Consolidation." IEMed. Mediterranean Yearbook (2017). at: https://bit.ly/2DxhNd3 Amougou, Atangana. "Conditionnalité de l'aide et respect des droits fondamentaux." La conditionnalité juridique en Afrique. Afrilex. no. 2. (Septembre, 2001). Ancelle, Amélie & Giulia Bonacquisti. "Dossier Documentaire Thématique 'THEMA': La Politique

Européenne de Voisinage." EU-Logos Athéna. 21/1/2016. at: https://bit.ly/2RPHpuw Auvret-Finck, Josiane. "Les procédures de sanction internationale en vigueur dans l'ordre interne de l'Union et la défense des droits de l'homme dans le monde." Revue trimestrielle de droit européen. no. 1 (Mars 2003). Balfour, Rosa. "Les nouveaux paradigmes l'UE- Méditerranée du Sud: Repenser la conditionnalité?" Annuaire IEMed de la Méditerranée Med (2012). at: https://bit.ly/2Dwk2NF Bassols, Andreu. "La nécessité d'une politique étrangère commune de l'UE vis-à-vis de ses voisins arabes." Annuaire IEMed (2013). at: https://bit.ly/2SaTwlf Blockmans, Steven. The Obsolescence of the European Neighbourhood Policy. London: Rowman and Littlefield International, 2017. Commission Européenne. Communication. "Europe Élargie–Voisinage: Un nouveau cadre pour les relations avec nos voisins de l'Est et du Sud." Bruxelles. 11/3/2003. at: https://bit.ly/2CE9AC6 ________. "Réponse de l'UE au 'Printemps arabe': Etat des lieux deux ans après." Bruxelles. 8/2/2013, at: https://bit.ly/2Ug7H5P ________. "Migration: Follow-up to the European Council Conclusions of 28 June 2018." 24/7/2018. at: https://bit.ly/2FJlWgc Communication conjointe de la Haute représentante de l'Union pour les affaires étrangères et la politique de sécurité et de la Commission européenne. "Une stratégie nouvelle à l'égard d'un voisinage en mutation." Bruxelles. 25/5/2011. at: https://bit.ly/2sI6kAZ Conseil de l'Union européenne. "Lignes directrices Bruxelles. sanctions." aux relatives at: https://bit.ly/2S4R3IN Drevet, Jean-François. "Le Maghreb et l'Union européenne (UE)." Colloque public de l'academie du renseignement. 4/5/2016. at: https://bit.ly/2UeqTR9 El Maslouhi, Abderrahim. "Une conditionnalité dépourvue d'effectivité: clause démocratique et gestion des risques dans les relations Euromed." IEMed, EuroMeSCo. no. 1 (Juin 2011). at: https://bit.ly/2HqOPPS Emmanuel, D. E. "L'émergence du principe de la conditionnalité politique en droit international public." Annales de l'Université Marien Ngouabi. vol. 11. no. 3 (2010). at: https://bit.ly/2I2VKzh European Union. "EU Response to the Arab Spring: The SPRING Programme." Brussels. 27/9/2011. at: https://bit.ly/2Tc0qUg Gause III, F. Gregory. "Why the Middle East Studies Missed the Arab Spring: The Myth of Authoritarian Stability."  Foreign Affairs. vol. 90. no. 4 (July‑August 2011). Godiveau, Grégory. "La conditionnalité démocratique dans le partenariat ACP-CE: Nouvelle voie et nouvelles interrogations." Revue du Marché commun et de l'Union européenne. no. 515 (Février 2008). Hammamoun, Saïd. "Droits de l'homme et conditionnalité dans les accords de coopération de l'Union européenne: quelle logique juridique?" Revue générale de droit. vol. 40. no. 1 (2010). through "Europeanisation Van. Vera Hüllen, Cooperation? EU Democracy Promotion in Morocco and Tunisia." West European Politics.  vol. 35. no. 1 (2012). at: https://bit.ly/2BrIjTN Isaac, Sally Khalifa. "Europe and the Arab Revolutions from a Weak to a Proactive Response to a Changing Neighrhood." Freie Universität Berlin. KFG Working Paper. no. 39 (May 2012). Jacquemin, Ode. "La conditionnalité démocratique de l'Union européenne. Une voie pour l'universalisation des droits de l'Homme? Mise en œuvre, critiques Paper Working CRIDHO. bilan." et at: https://bit.ly/2FXHx3J Jendoubi, Kamel. "Relations Tuniso-Européennes: Vision, enjeux et perspectives." Publication d'EuroMed Droits (Septembre 2017). at: https://bit.ly/2HvTCQa

Laïdi, Zaki. La norme sans la force: L'énigme de la puissance européenne. Paris: Presses de Sciences Po, 2008. ________. "Peut-on prendre la puissance européenne au sérieux?" Les Cahiers européens de Sciences po. no. 5 "L'ALECA, un instrument clé dans la politique de l'UE, briefing paper, no. 2." Observatoire Tunisien de l'Economie. no. 2 (12/5/2017). at: https://bit.ly/2HRlyyd Lehne, Stefan. "Time to Reset the European Neighborhood Policy." Carnegie Europe (Février 2014). at: https://bit.ly/1FreY3L Manners, Ian. "Normative Power Europe: A Contradiction in Terms?"  Journal of Common Market Studies. vol. 40. no. 2 (2002). Martinez, Luis. "Le printemps arabe, une surprise pour l'Europe."  Projet. no. 322 (2011). Michou, Hélène. "Relations bilatérales UE-Égypte: Quel champ d'action pour la défense des droits humains?" EuroMed Rights. (Juin 2016). at: https://bit.ly/2MsdaDU Mouhib, Leila. L'Union européenne et la promotion de la démocratie. Les pratiques au Maroc et en Tunisie. Bruxelles: Editions de l'ULB, 2017. Schumacher, Tobias. "The EU and the Arab Spring: Between Spectatorship and Actorness." Insight Turkey. vol. 13. no. 3 (Summer 2011). Serena, Giusti & Fassi Enrico. "The European Endowment for Democracy and Democracy Promotion in the EU Neighborhood."  The International Spectator, Italian Journal of International Affairs. vol. 49. no. 4 (2014). Thierry, Hubert (dir.). Droit international et coopération internationale, Hommage à Jean André Touscoz. Nice: France-Europe édition, 2007. Vachudova, Milada. Anna Europe Undivided: Democracy, Leverage, and Integration after Communism. Oxford: Oxford University Press, 2005. Vettovaglia, Jean-Pierre et al. (dirs.). Démocratie et élections dans l'espace francophone. OIF. AUF. Bruxelles: Bruylant, 2010. Watanabe, Lisa. "Sinking in Shifting Sands: The EU in North Africa." Center for Security Studies. 11/4/2014. at: https://bit.ly/2B0JiKh Whitman, Richard. Normative Power Europe: Empirical and Theoretical Perspectives. London: Palgrave Macmillan, 2011.