"فلسطين دوليًا: صعود اليمين في العالم وإعادة رسم التحديات"
عنوان الكتاب: فلسطين دوليًا: صعود اليمين في العالم وإعادة رسم التحديات. المؤلف: مجموعة مؤلفين. المحررون: جميل هلال، ومنير فخر الدين، وخالد فراج. مكان النشر: بيروت، لبنان. سنة النشر:.2018 الناشر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية. عدد الصفحات: 277 صفحة.
"Palestine Internationally: Rise of the Right Wing in the World and Re-examining the Challenges"
أين يُدرج الكتاب؟
يُدرج هذا الكتاب ضمن حقل السياسة الدولية والعلاقات الدولية، ويحتوي مجهودًا بحثيًا يساعد على تفسير أسباب صعود اليمين في العالم وانعكاسه على "المسألة الفلسطينية". والكتاب خلاصة مؤتمر بحثي عُقد في 4 - 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 بعنوان "المسألة الفلسطينية من منظور دولي: الواقع والآفاق." وشارك في تأليفه ثلاثة عشر باحثًا ينتمون إلى تخصصات وجامعات ومراكز بحثية مختلفة، وقد أسهم في تحريره ثلاثة باحثين؛ هم جميل هلال، ومنير فخر الدين، وخالد فراج. يتفرع الكتاب إلى مدخلين أساسيين، في كل منهما عدد من الدراسات. يضم المدخل الأول أبحاثًا تتناول تحولات صعود اليمين وانعكاسه على القضية الفلسطينية في دول معيّنة؛ مثل الولايات المتحدة الأميركية، وبعض دول الاتحاد الأوروبي، وروسيا، والهند، وبعض دول أميركا اللاتينية. أما المدخل الثاني، فيتضمن أبحاثًا تركز على التحولات الجامعة تجاه "المسألة الفلسطينية"، فضلً عن محاولته سبر أغوار الطرق والتكتيكات النضالية الفلسطينية المتاحة في هذا العالم المتغير، مع التركيز على عولمة التضامن مع فلسطين والقانون الدولي. يحاول الكتاب فهم تغير خريطة العلاقات الفلسطينية الكونية من جانب، والتحولات في العلاقة بإسرائيل من جانب ثانٍ؛ فهناك المصالح التجارية والأمنية والصلّات القوية التي تربط إسرائيل بدول العالم. ويحاول المساهمون كذلك أن يبيّنوا الانعكاسات التي سببها الصعود المتنامي لليمين في العالم، واستغلال نظام الاستعمار الاستيطاني له؛ بهدف مواصلة عمليات التشويه والطمس للتاريخ والجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية. يساعد الكتاب في فهم القضية الفلسطينية من منظور دولي، فالتقليب بين صفحات التاريخ الفلسطيني يحيلنا على إحدى المسائل التي ظلت متداولة في أجندة المجتمع الدولي منذ تأسيس الأمم المتحدة؛ إذ اقترنت "المسألة الفلسطينية" بمجموعة من القرارات الدولية التي ظلت مثار انقسام إلى يومنا هذا، وذلك منذ نكبة 1948 وإصدار الأمم المتحدة قرارات عدة تكفل حق الفلسطينيين في العودة، وتدعو إلى احترام حقوقهم في أرضهم، وتؤكد حقهم في تقرير مصيرهم، وتطالب إسرائيل بإلغاء استيطانها في الأرض الفلسطينية ووقف ارتكابها جرائم ممنوعة في القانون الدولي. أضف إلى ذلك أن القضية الفلسطينية ظلت مقترنة بأدوار قوى دولية تعتبر نفسها وسيطًا في الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ويمثل السياق السياسي الدولي وتفاعلاته فرصةً مهمة لفهم القضية الفلسطينية من منظور دولي، ولا سيما مع تهاوي فرص تطبيق "حل الدولتين" المدعوم دوليًا، وعدم استجابة إسرائيل لتطبيق القانون الدولي والقرارات الدولية.
اليمين وصعوده في العالم
تسعى هذه الكتابات لإعادة استكشاف ظاهرة صعود اليمين لنقد الكيفية التي يُساء بها إدارة النظام الدولي خطابًا وممارسةً. ولهذا ارتفع الاهتمام بالكتابة البحثية حول صعود قوى اليمين في الوقت الذي حققت فيه أحزاب اليمين في العالم مكاسب سياسية في العقدين الماضيين، وباتت جزءًا رئيسًا من حكومات وبرلمانات دولية. وازدادت أهمية هذه الكتابة في الآونة الأخيرة بعد فوز الرئيس الأميركي دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة الأميركية، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، وصعود الأحزاب والقادة اليمينيين في دول عديدة؛ مثل اليونان، والتشيك، وإيطاليا، وسويسرا، وهنغاريا، وبريطانيا، وفنلندا، والنرويج وبولندا، والنمسا، وإسبانيا، والبرازيل، والفلبين، والهند. وبات هذا الصعود يوصف بأنه ظاهرة مهمة في السياسة والعلاقات الدولية. تظهر هذه القوى في أشكال عدة، لعل أهمها "اليمين المتطرف"، و"اليمين الشعبوي"، وغالبًا ما تستخدم كلمة "اليمين" للإشارة إلى أحزاب عديدة؛ من بينها "الجبهة الوطنية الفرنسية"، و"حزب الحرية النمساوي"، وأحزاب أخرى في العالم1.
بالرغم من عدم الاتفاق بين الباحثين حول تعريف جامع ل "اليمين المتطرف"، فإنّ ثمة مقاربات مفاهيمية مهمة قد تساعدنا على فهمها. أولً، تمتلك أحزاب اليمين المتطرف مقاربة موحدة في معاداة الديمقراطية والرأسمالية؛ ليس لذاتهما فحسب، بل خوفًا من التحولات على مستوى القيم والأخلاق في المجتمع. ثانيًا، تمتلك هذه الأحزاب مقاربة تستند إلى معاداة الأجانب والهجرة والمهاجرين والأقليات والتعددية؛ فهذه الأحزاب ترى في هؤلاء تهديدًا للهوية الإثنو-وطنية والتقاليد القومية والتاريخية، وتعتبرهم سببًا رئيسًا للبطالة والجريمة المتفشية في المجتمع. ثالثًا، تمتلك هذه الأحزاب أسسًا أيديولوجية
مشتركة تقوم على القومية والعداء للأجنبي وحفظ القانون والنظام والشوفينية تجاه الرفاهية؛ بحيث يجب على الدولة أن تضمن رفاه أفراد الأمة، من دون ضمانٍ لرفاه الأجانب2. ولعل المظلة الرئيسة التي تجتمع تحتها قوى "اليمين المتطرف" هي الإقصاء القومي العرقي للمواطنة التي تعني أن هذ الدول حصرية من قبل أعضاء "المجموعة الأصلية"، وأن العناصر "غير الأصلية" من سكانٍ وأفكارٍ مصادرُ تهديد للهوية القومية وتجانس الأمة. وهذا يدل على أن جذور التسمية الرئيسة تشير إلى موقف من قبل فئة أو طيف سياسي حيال قضايا الهجرة والتنوع العرقي3. ويذهب آخرون إلى إضافة معيارين في تعريف اليمين؛ هما مناهضة الدستور والقيم الديمقراطية (لهذا السبب يطلق عليه "المتطرفون)"، ورفض مبدأ المساواة. ويبرز العديد من السمات المشتركة لهذه القوى متمثلة بالإقصاء، والشوفينية، والكراهية، والعداء للأجانب والمهاجرين4. "اليمين الشعبوي" غالبًا ما يُعرّف نفسه بأنه الركيزة الرئيسة في حماية هوية الشعب وتطلعاته ومصالحه من الآخر، لحماية الروح الوطنية الأصيلة من أي تهديد. كما تُعتبر الشعبوية نفسها نوعًا من الخطاب السياسي الذي يدير به السياسيون "شعبًا فاضلً " ضد "نخب شريرة" وأجانب مهاجرين يسعون إلى تقويض السيادة الشرعية لهوية الدولة5. وتستند هذه الأحزاب في برامجها إلى انتقاد السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدول الديمقراطية الغربية؛ حيث ترفض مبدأ المساواة بين الأفراد والتجانس الإثني داخل المجتمعات وتمتلك خطابًا عدائيًا تجاه المهاجرين، كما أنها تعتمد على القضايا المادية في برامجها مثل الربط بين الهجرة والبطالة. وتسعى هذه الأحزاب لتسويق خطابها وبرنامجها السياسي الشعبوي من خلال الاستفادة من الكاريزما القيادية لنخبها6. وعلى الرغم من صعوبة تقديم تعريف واضح وصريح لقوى "اليمين المتطرف" و"اليمين الشعبوي"؛ نظرًا إلى أن الظاهرة تضم أحزابًا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وقادة وسياسيين يعملون في دول متعددة الملامح ذوي تاريخ وظروف وتركيبة سياسية واقتصادية واجتماعية غير متشابهة، فإنّ مقدمة الكتاب ومداخلته الرئيسة، لجميل هلال وأحمد سامح الخالدي، قد استعانت بمجموعة من التأثيرات الاقتصادية التي أدت إلى صعود اليمين في أوروبا وأميركا، لتمهد للبدء في تعريف الظاهرة وتحليل التحولات الجامعة التي مرت بها القضية الفلسطينية؛ بناءً على التغيرات التي تجري في مراكز القوى في العالم. يُقر الكتاب، من دون أدنى شك، بأهمية بعض التفسيرات الاقتصادية الشائعة التي أدت إلى تراجع مكانة القضية الفلسطينية. فصعود اليمين يعتمد على تغلغل العولمة النيوليبرالية الرأسمالية في اقتصادات دول العالم، وهذا التغلغل شوّش مفاهيم الديمقراطية والحرية والمساواة والعدالة وأفرغها من مضامينها القيمية؛ إذ جرى اختزال هذه القيم بتدابير إجرائية قابلة للتأثر برأس المال ومصالحه، ومصالح النخب الحاكمة وموقعها في وسائل الإعلام والتواصل الإلكتروني والاجتماعي. وفي ربطها لصعود العولمة النيوليبرالية الرأسمالية بصعود اليمين، تناقش مقدمة الكتاب ومداخلته الرئيسة التفسيرات التي طالما سيطرت على النيوليبرالية في العالم؛ كالحديث عن شبكات الأمان الاجتماعي التي كانت قائمة في النصف الثاني من القرن الماضي، وتهميش فرص الناس وتراجعهم، وانتقال مراكز اتخاذ القرار من مؤسسات عامة للناسِ رأي في سياساتها إلى مؤسسات خاصة لا صوت للناس فيها. وترى المقدمة أن فظاظة النيوليبرالية حفزت العديد من القوى الديمقراطية التقدمية لاستعادة ظواهر سياسية صحية (بقدر ما تتيح الديمقراطية الليبرالية)، وهذا ما حدث في حملات التأييد الواسع لقيم العدالة الاجتماعية والحرية ومحاربة الاستبداد والفساد، مع حملة بيرني ساندرز في الولايات المتحدة وحزب العمال، بقيادة جيرمي كوربن في بريطانيا، وشعارات المنتفضين في الثورات العربية7. وبغض النظر عمّ يظهر به هذا التقديم من تأكيد للدوافع الاقتصادية عن صعود اليمين، فإن الكتاب، في الحقيقة، يحيلنا على ظواهر سياسية أبعد من ذلك كثيرًا، بل يقفز بنا إلى محطات لا تقلُّ جوهرية، بالتركيز على الدوافع الاجتماعية، ليرسم صورة أكثر تشابكًا وتعقيدًا حول التأثير السلبي لتراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية في العالم؛ بحيث يدعم الكتاب ما آلت إليه العديد من الدراسات متمثلة بأن العداء للمؤسسة الحاكمة والعولمة والتجارة الحرة، والخوف من الهجرة، وتنامي المشاعر القومية الضيقة، والعداء للإسلام، هي الأسباب الحقيقية لصعود اليمين8. يرفض الكتاب الميل الشائع في تناول تراجع مكانة القضية الفلسطينية دوليًا، والذي يغيّب مسألة الصمود والمقاومة الفلسطينية التي ما فتئت تؤكد حضورها عالميًا بأشكال مبتكرة ومتنوعة على مستوى الرواية
التاريخية والرأي العام العالمي، ولا سيما خلال العقدين الأخيرين. فاعتماد تراجع وهج القضية الفلسطينية في العالم يبقى قاصرًا من دون الحديث عن بقاء القضية الفلسطينية - قضية العرب الأولى - لدى الشعوب في زمن الثورات العربية من جهة، وتحقيقها تقدمًا كبيرًا في الموسيقى والسينما والفنون العابر للحدود من جهة ثانية9.
فلسطين والعالم: أين نحن؟
1. فلسطين والولايات المتحدة الأميركية
يخصص رشيد الخالدي دراسته "إدارة ترامب ومسألة القدس" لتحليل التغييرات الجوهرية في سياسة الولايات المتحدة تجاه فلسطين؛ بالنظر إلى قرارات الرئيس الأميركي ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، ونقل سفارة الولايات المتحدة إليها، وأخيرًا تجاهله سياسة الولايات المتحدة التقليدية بشأن فلسطين. فقد بدا تتبّع التحولات في قرارات ترامب وسياساته أمرًا بالغ الأهمية، بالرغم من صعوبة تبيّ أي تماسك فيها تجاه أي قضية دولية؛ وهو ما ينطبق على روسيا، والصين، وكوريا، والشرق الأوسط. ويهدف هذا التتبّع إلى تسليط الضوء على سلوك إدارة ترامب المتباين والمتناقض؛ فهذه الإدارة تضم مجموعة من الأيديولوجيين، والراديكاليين، والمحافظين، وعددًا من الحديثي العهد بشؤون السياسة الخارجية من جهة، ومجموعة من البيروقراطيين الدائمين من الجيش والمؤسسة الأمنية والفروع الأخرى للدولة العميقة من جهة ثانية10. تكشف تناقضات إدارة ترامب عن التجاذبات السياسية غير المتماسكة بين اتجاهين؛ الأول مدفوع بمصلحة قصيرة لتغذية الاحتقان لدى قاعدة ترامب، ويمثل الثاني مجموعة من المهنيين الذين يسعون للمحافظة على مكانة الولايات المتحدة في النظام الدولي. لكن هذه الازدواجية السياسية تظهر في تدخل ترامب في قضايا الشرق الأوسط، وهو لا تعنيه نصائح مستشاريه في ضوء انحيازه الأعمى إلى إسرائيل واستهتاره بالمواقف الفلسطينية. وهذا على عكس ما جرى مع الرؤساء القريبين من إسرائيل مثل هاري ترومان، ورونالد ريغان، وجورج بوش الابن؛ إذ كانوا منفتحين دائمًا على نصائح مساعديهم ومستشاريهم11. وتعكس هذه الازدواجية، وفقًا للخالدي، موقع إسرائيل التي تُعتبر قضية داخلية في الولايات المتحدة. ولهذا فإن التوجهات الأميركية في عهد ترامب، فيما يتعلق بالمفاوضات، لم تخرج عن الصيغ والتكتيكات القاضية بإقناع السعودية بتطبيع علاقتها مع إسرائيل وحشدها لدول الخليج العربية ضد إيران. فسلوك الولايات المتحدة في عهد ترامب، الذي توّج بإعلانه القدس عاصمةً لإسرائيل ونقل السفارة إليها، جاء بهدف تعزيز قاعدته الداخلية، وليس لاعتبارات أو مصالح خارجية. وفي تفسير الإستراتيجية الفلسطينية وتحليلها، بوصفها الصيغة الأضعف في الصراع مع إسرائيل، بات إقصاء المقاربة الراهنة ضرورة رئيسة لمحاربة صعود اليمين؛ وذلك من خلال الانخراط في حملات كثيفة من العلاقات العامة والدبلوماسية، ومراكمة الجهود الفلسطينية التي حققت تفوقًا؛ مثل "حركة مقاطعة إسرائيل" BDS، والسينما والفنون والمسرح الفلسطيني، على أن يتصل ذلك بضرورة إدراك أن الخطاب السياسي الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية بات معتل ويستوجب التغيير12. وفي السياق ذاته ناقش كميل منصور السياسة الأميركية وتحولاتها تجاه القضية الفلسطينية، في دراسته "السياسة الأميركية والمسار التفاوضي"، وهو الذي يتخذ من الوثيقة الأميركية التي قدمها وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري، في شباط/ فبراير 2014 بشأن المفاوضات الفلسطينية–الإسرائيلية، نقطة انطلاقته لفهم السياسة الأميركية في العقد الأخير، والتي تضمنت أفكارًا وصيغًا عن قيام الدولة الفلسطينية والحدود والأمن والقدس واللاجئين، إضافة إلى طبيعة الاعتراف المتبادل. اتخذت وثيقة كيري أبعادًا عدة، وسُجلت بشأنها بعض الملاحظات؛ فمن جهة ضمت إيماءتين إيجابيتين؛ هما الإشارة إلى حدود الرابع من حزيران عام 1967، والقدس الشرقية عاصمةً للدولة الفلسطينية، ولكنها ضمت، من جهة ثانية، أمورًا خطيرة؛ من قبيل شطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين، والاعتراف بإسرائيل بصفتها الدولة القومية للشعب اليهودي، وتغييب مسألة تجميد النشاط الاستيطاني13. في الوقت الذي تبعثرت آمال كيري بإعادة إحياء "عملية السلام" بسبب الرفض الإسرائيلي للمقترح وانتهاء الفترة الرئاسية للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، بدأ ترامب بطرح أفكاره حيال "المسألة الفلسطينية" من على منبر سباق الترشح إلى الرئاسة الأميركية. وقد عمل ترامب هو ومساعداه جاريد كوشنر، صهره ومستشاره في عملية السلام، وجيسون غرينبلات، مبعوثه لشؤون الشرق الأوسط، على تقديم أطروحات عامة ترى أن "تحقيق سلام" فلسطيني-إسرائيلي غير ممكن إلا عبر مقاربة إقليمية، وعلى أن تأخذ مسارين؛ أولهما تحقيق تقارب بين إسرائيل وبعض الدول الخليجية، وثانيهما انخراط أميركي أكبر في الإقليم من أجل "مكافحة الإرهاب" ومحاصرة النفوذ الإيراني. وقد شككت جهات عدة في قدرة ترامب على ذلك؛ ليس لأنه يفتقر إلى إرادة حقيقية فحسب، بل لأن مستشارَيه لا يقلَّ ن عنه جهل. حفزت طبيعة هذه الأطروحات منصور، في الجزء الثاني من دراسته، على البحث في الآلية التي سعت من خلالها الإدارة الأميركية لتنفيذ ما يمكن تسميته "صفقة العصر." فقد طرح كوشنير وغرينبلات أفكارًا
على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بخصوص تسوية القضية الفلسطينية، ولم يكن تنسيقهما مع الدول العربية بعيدًا عن هذه الأطروحات؛ إذ عمل كوشنير وغرينبلات على إقامة ترتيب إقليمي يضم إسرائيل والسعودية والإمارات ومصر، وإلى حد معيّ الأردن، مستفيدين من الدور التاريخي لهذه الدول في تشكيل الأداة الرئيسة؛ من أجل الضغط على القيادة الفلسطينية في التفاوض مع إسرائيل14.
2. فلسطين والاتحاد الأوروبي
يركز هيو لوفات في ورقته "مكانك سر: ما هي الخطوة التالية لسياسة الاتحاد الأوروبي نحو إسرائيل-فلسطين؟" على سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي منذ عام 1980، للكشف عن تناقضات هذه السياسة وتحدياتها في ضوء تهاوي "حل الدولتين" المصحوب بتعزيز الاستيطان من جهة، وصعود اليمين في أوروبا من جهة ثانية. ومع أن سردًا لتاريخ العلاقات الأوروبية-الإسرائيلية في العقدين الأخيرين يبيّ لنا أن الاتحاد الأوروبي، وإن ميّز بين إسرائيل والمستوطنات وساهم في دعم السلطة الفلسطينية، من خلال برامج ومشاريع متعلقة ببناء الدولة في الصحة والتعليم والأمن؛ فإنه لم يستطع أن يقابل هذا الدعم بدور سياسي يتمكن من خلاله وقف الانتهاكات الإسرائيلية، ووقف انهيار "حل الدولتين"، ووقف التوسع الاستيطاني، ووقف القيود المفروضة على الفلسطينيين في منطقة "ج." فضلً عن ذلك، لم يتمكن من وقف تدهور السلطة الفلسطينية وانجرارها إلى السلطوية بوقوفه إلى جانب الولايات المتحدة ضد خيار الفلسطينيين في الانتخابات التشريعية عام 2006، ودعمه موازنة قطاع الأمن15. ويبحث لوفات في محدودية قدرة الاتحاد الأوروبي على أداء دور أكبر تجاه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي؛ بسبب صعود تيارات اليمين في أوروبا، وهذا الصعود لا يقف على مستوى واحد، إذ يتغير من وقت إلى آخر، ومن دولة إلى أخرى. وتشير دراسة متعلقة بتأييد الأوروبيين للأحزاب اليمينية، وتحديدًا اليمينية الشعبوية، إلى أن مؤيدي هذه الظاهرة في تزايد منذ عام 1998. وترى الدراسة أن أعلى الدول تأييدًا لليمين الشعبوي هي إيطاليا، وهنغاريا، وبلغاريا، والتشيك، يليها اليونان، والنمسا، وسلوفاكيا، وسويسرا، ثم ألمانيا، وهولندا، وفرنسا، وإسبانيا، وليتوانيا، وفنلندا، والسويد، والنرويج، والدنمارك، وإيرلندا، وإيسلندا، بينما تقلُّ النسبة في بقية الدول. وترى الدراسة، أيضًا، أن قوى اليمين الشعبوي تحظى بأعلى نسبة مقارنةً بقوى اليسار الشعبوي والقوى الشعبوية الأخرى بحسب مقياس زيادة الشعبوية16. يتزامن هذا الصعود مع أزمة داخلية تعانيها دول اليمين الأوروبي؛ بسبب خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وإفلاس اليونان، وصعود الحكومات غير الليبرالية، وغياب الثقة بين عدد من الدول الأوروبية، وأزمة خارجية متمثلة بمشكلات السياسة الخارجية الأوروبية تجاه الصراعات في الجوار؛ في ليبيا، وسورية، وفلسطين، وتجاه المهاجرين. ولهذا، كانت النتيجة، بحسب لوفات، تنامي قوة إسرائيل في دول اليمين الأوروبي؛ بحيث تمكنت الأولى من تفادي اتخاذ قرار في مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي عن التوسع الاستيطاني في كانون الثاني/ يناير 2016؛ من خلال ضغط نتنياهو على حكومات اليونان وبولندا وبلغاريا وهنغاريا وسلوفاكيا والتشيك. زد على ذلك الانقسام الأوروبي في التصويت بالأمم المتحدة تجاه "المسألة الفلسطينية." ففي آذار/ مارس 2017، لم تستطع دول الاتحاد الأوروبي اتخاذ موقف موحد لشجب النشاط الاستيطاني في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة17.
3. فلسطين وروسيا
ركز هذا الفصل، في دراسة قدمها غريغوري كوساتش بعنوان "روسيا في عهد بوتين: هل هي فرصة فلسطين؟"، على سياسة روسيا تجاه الشرق الأوسط، وتطرق إلى التغيرات التي طرأت على رؤية موسكو من الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، في ضوء بروز عامل الجغرافيا السياسية الذي سعت موسكو من خلاله للعودة إلى المنطقة. ينطلق كوساتش، في سرده للسياسة الخارجية الروسية تجاه فلسطين، من وثيقة "العلاقات الروسية-الفلسطينية" التي أعدتها وكالة الأنباء ريا نوفستي، في أيار/ مايو 2017، وإشارتها إلى الدعم الروسي لقطاعات السياحة والتعليم والثقافة والعلوم والتجارة والاقتصاد. وقد وصف المؤلف هذه السياسة ب "العطالة والركود"18، فلا يزال الشأن الفلسطيني على الهامش في السياسة الروسية؛ لا في المجالات المُشار إليها فحسب، بل في المجال السياسي أيضًا، وتحديدًا في العلاقة بإسرائيل. ومن خلال العودة إلى العلاقات التاريخية، نجد أن الاتحاد السوفياتي خلال فترة الحرب البادرة حدد تعامله مع منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها حركة تحرر وطني ضد إسرائيل، وهذا يعود إلى توازنات الحرب ووضع الانقسام في العالم العربي. ومن خلال الانتقال إلى تسعينيات القرن المنصرم، نجد أن سياسة موسكو تغيرت، وأنها كانت جزءًا من سياق أوسع وأشمل في منظومة العلاقات الدولية؛ وذلك بتقاربها مع الولايات المتحدة في سياستها تجاه فلسطين والمنطقة العربية. يجادل كوساتش بأن الموقف الروسي، خلال ولاية فلاديمير بوتين الأولى عام 2000، كان أشبه بالموقف الأميركي حيال "المسألة الفلسطينية19"؛
فهو يدعو إلى "إقامة دولة فلسطينية قادرة على الحياة" من جهة، ويدعو الفلسطينيين - كما يدعو الإسرائيليين - إلى الوقوف ضد "الإرهاب" من جهة ثانية؛ وبذلك يقف بوتين على جهة واحدة فيساوي بين نضال الفلسطينيين من أجل الحرية والتحرر من ناحية، وإرهاب استعمار استيطاني يقوم على اقتلاع إبادة السكان الأصليين من أرضهم وطردهم خارجها من ناحية أخرى، في حين اختلف الأمر في الولاية الثانية لبوتين، عام 2012، التي أتت في سياق الربيع العربي الذي وقف بوتين شخصيًا ضده، وهنا أ هملت القضية الفلسطينية في إطار احتلال التدخل الروسي في سورية رأس أولويات بوتين20. واستخدمت روسيا هنا "الحرب ضد الإرهاب" من أجل حماية نفسها مجددًا، وهي التي استفادت من حرب التحالف الدولي الذي أسسته الولايات المتحدة "ضد الإرهاب"، وقد قُصد بالإرهاب الحرب على التنظيمات الإسلامية والإسلام، وهذا بدوره يصبّ في مصلحة موسكو التي شرعنت حربها ضد مسلمي روسيا.
4. فلسطين وأميركا اللاتينية
في دراستها "فلسطين في سياق أميركا اللاتينية"، ركزت سيسيليا بايزا على تعزيز إسرائيل لصداقتها التاريخية مع دول أميركا اللاتينية، وهي صداقة غابت في العقد الماضي. وتضع الباحثة صعود اليمين السياسي على محك التحولات المعاصرة في العلاقات بين الطرفين منذ عام 2013، وترى أنّ صعود هذا اليمين قدَّم فرصة واضحة لإسرائيل لاستعادة التأثير السياسي وتوسيع علاقتها السياسية والاقتصادية والتجارية، ولا سيما في قطاع الأمن والفضاء. ومع صعود اليمين في أميركا اللاتينية، تطوي دولها صفحة "العصر الذهبي" الذي اكتسب قيمة رمزية في التضامن والتعاضد والدعم للقضية الفلسطينية، من خلال التنسيق بين منظمات المجتمع المدني الفلسطيني ومنظمات في القارة؛ لدعم حملات مقاطعة إسرائيل، ودعم الحكومات اللاتينية الاعتراف بدولة فلسطين التي نشطت في الفترة 2008 - 2013، وافتتاح سفارات لهذه الدول في مدينة رام الله، وتجميد عدد من الدول علاقتها بإسرائيل بسبب الانتهاكات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. عرضت الكاتبة موجزًا تاريخيًا للعلاقات الأميركية اللاتينية-الإسرائيلية- الفلسطينية من خمسينيات القرن الماضي حتى تسعينياته. وتطرقت إلى التحولات التي مرت بها دول أميركا اللاتينية فيما يتعلق بالشأن السياسي، والتي بدأت مع حكومات شمولية استبدادية لم تكن مهتمة بدعم القضية الفلسطينية، ثم مرحلة الحكومات العسكرية منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي التي عرفت علاقات بإسرائيل متميزة بالنسبة إلى هذه الدول؛ بسبب تزويد الأخيرة لهذه الدكتاتوريات بالمعونة العسكرية والإنمائية، وأخيرًا صعود موجة التحول الديمقراطي التي برزت مع توقيع اتفاقات أوسلو بين منظمة التحرير وإسرائيل، والتي صبت في صالح حياد هذه الحكومات تجاه الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي21. تقدم الكاتبة تحليلً معمقًا لصعود حكومات اليمين في أميركا اللاتينية، كاشفة عن عوامل سياسية؛ من أهمها فضائح الفساد التي أصابت الحركات اليسارية الحاكمة في هذه الدول، وعوامل اقتصادية تعود إلى الأزمة الاقتصادية التي أصابت هذه الدول. ومن الأمثلة المهمة الدالة على ذلك الأرجنتين التي شهدت تحولً نحو سياسة وسط-يمين منذ عام 2015، وفنزويلا التي من المرجح أن يشهد فيها الحزب الاشتراكي انهيارًا بسبب الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، والبرازيل التي أنهت حكم حزب العمال بسبب تُهم فساد، والبيرو التي فاز فيها خبيرٌ ماليٌّ عمل سابقًا في وول ستريت، وتشيلي التي فاز فيها اليمين التشيلي عام 2017 في الانتخابات المحلية والبلدية22. إن الموقف من إسرائيل بات عنصرًا مهمً في الحياة السياسية اللاتينية؛ فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعمل، على نحو دائم، على زيادة الاستثمارات في التكنولوجيا والأمن والدفاع والطعام مع هذه الدول؛ إذ إنّ هذه الدول منذ عام 2015 بدأت تبحث عن علاقة تسعى من خلالها للتقرب من إسرائيل وتأييدها؛ بهدف الحصول على الدعم السياسي والاقتصادي الأميركييَن. فضلً عن ذلك، نسجت هذه الحركات علاقة وثيقة مع المنظمات اليهودية الموالية لإسرائيل، وأعطت الصهيونيين المسيحيين الإنجيليين دورًا مهمً في الحياة السياسية؛ وبهذا باتت هذه الحركات تؤيد إسرائيل وتتغنى بها، ولا تنتقدها. تفتح بايزا آفاقًا مستقبلية للخروج من "غمامة" صعود اليمين، وترى أن على الفلسطينيين التركيز على ثلاث قضايا، هي: العنصرية، والأمن، والتمييز. فهذه القضايا تتقاطع على نحو مباشر مع اهتمام الحركات الاجتماعية المحلية في أميركا اللاتينية. وترى الباحثة أن على اللوبي العربي-الفلسطيني القيام بدوره لدعم مصلحة الحقوق الفلسطينية، والاهتمام بتعزيز الوعي بين الحركات الاجتماعية المحلية؛ لإيجاد التضامن وإقامة التحالفات23.
5. فلسطين وآسيا
تركز الدراسة الأخيرة في المحور الأول على العلاقات الإستراتيجية بين دول آسيا وإسرائيل، والتدهور في الموقف في حق القضية الفلسطينية بعد تطبيع كل من الهند والصين علاقاتها مع إسرائيل؛ إذ يتتبّع توفيق حداد، في دراسته "فلسطين في ظل استدارة إسرائيل نحو آسيا: الهند مثالً "، صعود اليمين في آسيا، وتحولات الخطاب والسلوك من الانحياز
إلى حركات التحرر العالمية - بسبب وجود قواسم مشتركة بين نضال هذه الشعوب ضد الاستعمار ونضال الفلسطينيين خلال القرن الماضي - إلى التماثل مع إسرائيل في ظل صعود اليمين في آسيا وإسرائيل. يستنتج حداد أن إسرائيل لم تستدر شرقًا نحو آسيا في إطار بحثها عن بديل غير واشنطن، بل إنّ الموضوع، بحسب رأيه، يتعلق مباشرةً بالبحث عن سوق أكبر للبضائع الإسرائيلية. زد على ذلك، أن صعود رئيس الوزراء الهندي ناريندا مودي إلى سدّة الحكم في الهند عام 2014، والذي مثّل التقارب اليميني مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بات يعتبر انسحابًا جزئيًا في العلاقات بين العرب والهند؛ بسبب عدم التزام الدول العربية تجاه القضايا الهندية، ودعم عدوتها باكستان، وعدم معارضة الحكومات العربية إقامة الهند علاقات بإسرائيل في ظل مساعيها لتطبيع علاقتها مع إسرائيل من جهة، وبسبب سعي الهند لتعزيز قدراتها العسكرية وتقوية اقتصادها الصاعد من جهة ثانية؛ وهذا في حد ذاته بات يمثل لبّ نموذج مودي للتنمية والنمو الاقتصادي24. يصل حداد في نهاية دراسته إلى القول بوجود العديد من التماثلات الأيديولوجية والمصالح السياسية والاقتصادية بين الصهيونية والهندوسية القومية وصعود اليمين في آسيا، المصحوبة بمصالح إستراتيجية للطرفين. ويرى أن ذلك لا يمنع الاستثمارَ في مواقف العديد من القوى السياسية داخل آسيا والهند تحديدًا؛ ذلك أنها تعتبر أكبر ديمقراطية في العالم.
كيف نقاوم صعود اليمين؟
1. المقاطعة الأكاديمية والثقافية والاقتصادية لإسرائيل
من الدراسات التي تضمنها الكتاب دراسة سوزان موريسون "عولمة التضامن مع فلسطين من خلال حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات"، وقد تناولت "حركة مقاطعة إسرائيل" منذ تأسيسها في تموز/ يوليو 2005؛ إذ أشارت إلى محطتين مهمّتين لفهم نشاط الحركة؛ هما السياق التاريخي وتفاعلاته السياسية والتعبوية، وآليات توسيع نطاق الدعم للحركة حتى تصبح عابرة للحدود. تقدم موريسون تحليلً معمقًا للسياق السياسي الذي شكل لحظة تاريخية للفلسطينيين باستفادتهم من تاريخ طويل من المقاطعات وعدم التعاون ومناهضة التطبيع، لتشريع مطالبهم بعدالة قضيتهم. وكذلك تبقى مسألة دخول الزوار الأجانب إلى فلسطين من خلال حملات دولية من مختلف بقاع العالم، واستجابة اتحادات الطلبة والعمال والصحف والمجلات ورجال الأعمال ورجال الدين والناشطين والمنظمات الدولية، ركيزةً مهمة أخرى لفهم الحشد والدعم، والمناصرة التي استفادت منها حركة المقاطعة. كما تناولت الباحثة آليات توسيع نطاق قاعدة الدعم ل "حركة مقاطعة إسرائيل" في ظل تنامي اليمين في العالم؛ وذلك لتصبح الحركة عابرة للحدود. وتعرف الحركة بأنها فلسطينية التوجه والمبادئ والأهداف والمساعي، وهذا لا يمنع قدرتها على استقطاب العديد من ناشطي العالم، وتبنيها تكتيكات وأهدافًا وعمليات تشابه حركات معاصرة، وتعمل في قضايا العدالة العابرة للحدود.
2. القانون الدولي وتجريم إسرائيل
خصصت هالة الشعيبي دراستها، "فلسطين والآليات الدولية: من نيويورك إلى جنيف ولاهاي"، لتوضيح مكانة فلسطين في الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والمحكمة الجنائية الدولية؛ وذلك بهدف إلقاء الضوء على الآليات القانونية الدولية التي لم تُستغل. تتبَّعت الشعيبي الوضع القانوني لفلسطين منذ حصولها على صفة دولة مراقب غير عضو في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012، وقد عُد ذلك عهدًا جديدًا لوضعية فلسطين في القانون الدولي. ويأتي هذا التتبّع بهدف فهم اهتمام السلطة الفلسطينية بالقانون الدولي، وهو أمرٌ يعود إلى سببين؛ هما تماشيه وطموحات السلطة الفلسطينية المتمثلة بإنشاء دولة، ومساعدته الفلسطينيين على المحافظة على وضعهم بين دول العالم. تهدف الشعيبي إلى القول إن تطبيق قواعد القانون الدولي أعطى السلطةَ الفلسطينية مجموعةً من الحقوق من جهة، وفرض عليها مجموعة من الالتزامات من جهة ثانية. وهذا الأمر كشف عن تناقض مهمٍّ وقعت فيه السلطة الفلسطينية في التعامل مع إسرائيل؛ فانضمام السلطة الفلسطينية إلى نظام روما الأساسي لم يُؤخذ على محمل الجد، إذ لم يُح ل الفلسطينيون على المحكمة الجنائية الدولية العديد من الانتهاكات الإسرائيلية اليومية في حقهم؛ وذلك حتى لا يؤثر في وضعهم في أي مفاوضات مستقبلية مع إسرائيل. وفي دراستها لمجلس حقوق الإنسان، ترى أن المشكلة أخذت مسارين؛ أحدهما أن السلطة الفلسطينية تدخلت لدى المجلس، في سابقة تاريخية، لسحب تقرير غولدستون عام 2009 الذي جرّم إسرائيل بعد حربها على قطاع غزة عام 2008، والآخر أن إسرائيل لا تلتزم إطلاقًا بقرارات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وتعتبر أنّ المجلس مسيَّس وغير عادل في تعامله مع الإسرائيليين؛ ولهذا فإنها لا تطبق قراراته. توصي الباحثة بأن تعمل السلطة الفلسطينية، في ظل صعود اليمين العالمي وتراجع اهتمام المجتمع الدولي بالقضية الفلسطينية، على استغلال القانون الدولي لتجريم إسرائيل من خلال دراسة حيثيات القانون الدولي ومصطلحاته ومداخله من جهة، واحترام السلطة التزاماتها المحلية من جهة ثانية. وبناءً عليه، سيؤدي استخدام القانون الدولي، من دون الوقوف ضد الانتقائية في تطبيق القوانين، إلى إعادة إنتاج الاستعمار الاستيطاني من جديد25.
3. فلسطين ومعايير النضال الدولي
يناقش روجر هيكوك، في دراسته "الحقائق ضد المعايير: نضال لا ينتهي"، عددًا من التغيرات التي حصلت في نهاية القرن العشرين بالنسبة إلى نضال الفلسطينيين. ويرى أن غياب روح النضال الجماعي في الحالة الفلسطينية يبقى أمرًا مؤقتًا. تناول هيكوك في دراسته السياسات النيوليبرالية الرأسمالية الجديدة في العالم، وتأثيرها في البلاد العربية، بما فيها فلسطين، والدور الحاسم الذي أدته في التأثير في السياسات المالية أو الاقتصادية، والكيفية التي أثرت بها في نهج منظمة التحرير الفلسطينية في الاعتماد على الاقتصاد القائم على السوق، والاعتماد على المنح والمساعدات والاتفاقات الدولية في تحديد مسائل عديدة في الشأن الفلسطيني، بما فيها مسألة المقاومة الفلسطينية التي ما فتئ المستعمِر الاستيطاني يلصق بها وصمة الإرهاب. وبما أن إسرائيل سعت لتصدير خطاب الإرهاب وإلصاقه بخطابها المعادي للفلسطينيين ومقاومتهم، فمن المضحك المبكي، في عالم اليوم الذي يشهد صعود قوى اليمين، أن يصبح السؤال هو: من هو الإرهابي؟ بدلً مِن: مَن هو العدو؟26. ركز هيكوك في ختام دراسته على أهمية التشبث بالمعايير والشباب والإع ماا والجامعة لاستعادة النضال من أجل فلسطين، فمشروع إسرائيل الاستعماري فشل في إلغاء الفلسطينيين ومحو هويتهم الوطنية؛ ولهذا، على الشباب في الشارع الفلسطيني اليوم أن يحددوا قيادة جديدة من بين صفوفهم، وألَّ يعتمدوا على شعارات الأجيال الآفلة في نضالهم الجديد.
4. فلسطين والقيم الكونية
اشتمل هذا الجزء على مقابلة خاصة مع عالِم اللسانيات والناشط السياسي الأميركي نعوم تشومسكي للحديث عن صعود التيارات القومية والشعبوية اليمينية في أوروبا والعالم. وقد أرجع تشومسكي هذا الصعود إلى أسباب اقتصادية قسمها إلى محطتين؛ ناقش في الأولى مرحلة "الرأسمالية المعدلة" التي برزت في منتصف القرن الماضي، والتي دعت إلى تطبيق سياسة الاعتدال؛ من أجل تفادي ثورات الغضب في أوروبا، وناقش في الثانية مرحلة سنوات "إجماع واشنطن"، وبروز السياسات النيوليبرالية وتأكُّل الديمقراطية؛ بسبب السطوة الاقتصادية لأصحاب الثروة. ورأى تشومسكي أن بروز اليمين يعود إلى تنامي ضحايا الرأسمالية الذين باتوا غاضبين من هذه المؤسسات ونخبها27. وبعد نقاش معمق في صورة الرأسمالية العالمية، ومستقبل النظام العالمي في ضوء الأزمات التي يمر بها النظام الدولي حاليًا، وحالة الغليان التي تعيشها المنطقة العربية في أعقاب إخماد الثورات العربية، فتح تشومسكي آفاق الحديث عن دور الناشطين الفلسطينيين والشباب العربي المنتكس من تراجع الثورات العربية، ورأى أنّ القوى الكامنة التي تفجرت قبل سبعة أعوام قد تنفجر مرة أخرى؛ فهذا الربيع العربي ما زال يحتفظ ببعض المفاجآت في الأيام القادمة.
5. فلسطين: كيف ننهض من جديد؟
قدم معين رباني في ملاحظاته الختامية، ضِ من عنوان "تدويل القضية الفلسطينية"، قراءة في التحديات التي يواجهها الفلسطينيون على الصُ عد المحلية والإقليمية والدولية وتأثير ذلك في النضال من أجل تقرير المصير. ويشدد رباني على أن جذور الأزمة التي يواجهها الفلسطينيون ظلت محل جدل ونقاش بين المثقفين الفلسطينيين، فالبعض يعيدها إلى انسحاب مصر من الصراع العربي-الإسرائيلي؛ بتوقيعها اتفاقية "كامب ديفيد" في نهاية سبعينيات القرن الماضي، وآخرون يرون أنها تعود إلى فقدان منظمة التحرير الفلسطينية قاعدتها في لبنان عام 1982، وغيرهم يرجعونها إلى اتفاقات أوسلو التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل عام 1993، والتي قزّمت الصراع مع إسرائيل. ومن جهة أخرى، قدم رباني إجابة عن تساؤل النهوض من جديد. ومن أجل محاربة اليمين، يرى رباني أنّ على الفلسطينيين إعادة إحياء الحركة الوطنية الفلسطينية على أساس المصالحة والمشاركة السياسية، وتفعيل إستراتيجيات العمل على المستوى الدولي، وتغيير الإجماع الدولي حول الصمت عن الانتهاكات الإسرائيلية في حق الفلسطينيين، والعمل على توفير دعم عربي واقعي، وتحشيد الرأي العام العربي والدولي، وعدم العودة إلى المفاوضات إلا ضمن أسس دولية واضحة، وجعل تكلفة استمرار الاحتلال أعلى، والبناء على أسس نضالية مستوحاة من موروث الاستعمار الاستيطاني في القرن التاسع عشر28.
كيف نقرأ الكتاب ونناقش أفكاره؟
يعتبر هذا الكتاب قيمة مضافة إلى حقل السياسة الدولية والعلاقات الدولية وموضوع الدراسات الفلسطينية. ومن المنتظر أن يحمل بين طياته أثرًا واضحًا في إعطاء القارئ مساهمة مهمة في بحث "المسألة الفلسطينية" من منظور دولي. ومع ذلك، لا يخلو الكتاب من بعض المسائل التي تحتاج إلى مناقشة؛ ففضلً عمّ تمّت مناقشته في عرض أقسام الكتاب، في المدخلين الأول والثاني، سيتم التركيز فيما تبقّى من هذه المراجعة على مسألتين حتى نحافظ على الأهمية المعرفية للكتاب. ولعل أولى القضايا مرتبطة بالتناقض المنهجي في أطروحة الكتاب الرئيسة، المتعلقة بكيفية تعريف اليمين؛ فقد وضع الكتاب اليمين الصاعد في العالم على مسافة واحدة. وفي هذا السياق، بيّنت الدراسات الفرق بين
"اليمين المتطرف" و"اليمين الشعبوي"29؛ فاليمين الشعبوي لا ينتمي إلى مدرسة أيديولوجية محددة، كما أنه لم يفكر أصلً في تأسيس مدرسة أيديولوجية متمايزة، لكنّ هدفه كان مخاطبة مشاعر الناس واستقطابهم من خلال خطابه، وخطابه هنا هو الذي سعى من خلاله لحشد المجتمع وتعبئته سياسيًا واحتكار تمثيله، وقد التقى اليمين الشعبوي من خلال خطابه السياسي، بخلاف اليمين المتطرف، بأيديولوجيات سياسية متعددة (يسارية أو يمينية، دينية أو علمانية)، وهذا كان - ولا يزال - ضروريًا عند مختلف التيارات اليمينية الصاعدة على مدار التاريخ؛ بهدف حشد الناس ضد الآخر. وبناءً عليه، فإن الالتقاء ما بين صعود اليمين المتطرف واليمين الشعبوي، ولا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، يعني أنّ العلاقة معقدة وتستوجب التمييز؛ فنحن لسنا أمام ظاهرة تقتصر على اليمين فحسب، بل إنها ظاهرة متشابكة اجتمع فيها اليمين مع الشعبوية. ثمّ إنّ الكتاب الذي يُعنى بنقد ظاهرة صعود اليمين يركز على الإخفاقات الاقتصادية ويوظفها لنقد الظاهرة؛ وبذلك يستبعد العديد من الظواهر الثقافية والاجتماعية التي استدعت صعود الظاهرة في الآونة الأخيرة، بصفتها ظاهرة مقلقة تشتد في المواسم الانتخابية. وفي هذا السياق، ربما لا تكفي هذه الدراسات لتحليل أهمية هذه الظاهرة وتفسيرها وتبيين تأثيرها في النظام الدولي. فهذه الدراسات تغفل البحث في مركبات أخرى لها تأثير في صعود اليمين، ولهذا يبدو أننا نحتاج إلى فهم الظاهرة، لا التركيز على جوانبها الاقتصادية فحسب، إذ يجب التركيز على جوانب أخرى؛ فقد بات صعود اليمين ظاهرة يتشابك فيها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسيكولوجي، وهذا يتطلب رؤية مركّبة من عدة زوايا؛ يجتمع فيها التأصيل التاريخي القادر على استحضار وقائع التاريخ وشخصياته، والضبط المفاهيمي القادر على تقديم فهمٍ متعدد الأبعاد، والتوظيف المناهجي الذي يساعد في الحصول على تفسير الظاهرة وفهم دلالتها وانعكاسها. في الحصيلة، إذا أمعنَّا النظر في هذه الأحزاب اليمينية الصاعدة، ولا سيما في أوروبا وآسيا، فإن السؤال المهم هو: هل تُعد الأحزاب اليمينية المتطرفة شعبوية؟ وبالطبع، يحتاج هذا السؤال إلى بحث ودراسة معمقيَن، لكن يمكننا القول إن هذه الأحزاب هي شعبوية فعل، وليست يمينية؛ فمن خلال تحليل خطاب هذه الحركات والقادة نجد انشغالً بقضايا مرتبطة بالهوية، والأمن القومي، والهجرة، والتعددية الثقافية، والإسلاموفوبيا، وسعيًا لتحشيد الناس وتعبئتهم ضد النخب التي يرى أولئك أنها مسؤولة عن التهديد الثقافي والسياسي والاقتصادي لهم ولهويتهم ودولتهم القومية. في حين أنّ الأحزاب اليمينية المتطرفة الأوروبية المجبولة بالشوفونية والكراهية والعداء، أكثر اهتمامًا في خطابها بقضايا القومية ومعاداة الدستور والقيم الكونية والديمقراطية؛ ولهذا فنحن نميل إلى تصنيف هذه القوى بوصفها شعبوية.
المراجع
العربية
بشارة، عزمي. "صعود اليمين واستيراد صراع الحضارات إلى الداخل: سياسات عربية حينما تنجب الديمقراطية نقائض الليبرالية.". العدد 23 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2016 مجموعة مؤلفين. فلسطين دوليًا: صعود اليمين في العالم وإعادة رسم التحديات. جميل هلال ومنير فخر الدين وخالد فراج (محررون.) بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2018 مجموعة مؤلفين. قضية فلسطين ومستقبل المشروع الوطني - الجزء الثاني: الكولونيالية الاستيطانية وإعادة تصور مستقبل المشروع الوطني. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016
الأجنبية
Charalambous, Giorgos (ed.). The European Far Right: Historical and Contemporary Perspectives. PRIO Cyprus Centre. Report 2. Cyprus: 2015. Cox, Michael. "The Rise of Populism and the Crisis of Globalization: Brexit, Trump and Beyond." Irish Studies in International Affairs. vol, 28 (2017). Jasper Muis & Tim Immerzeel, "Causes and Consequences of the Rise of Populist Radical Right Parties and Movements in Europe," Current Sociology , vol. 65, no. 6 (2017), p. 910. McDonnell, Duncan. "Populist Leaders and Coterie Charisma." Political Studies Association. vol. 64, no. 3
Norris, Pippa. Radical Right Voters and Parties in the Electoral Market. Cambridge: Cambridge University Press, 2005. Oliver, J. Eric & Wendy M. Rahn. "Rise of the Trumpenvolk Populism in the 2016 Election." The ANNALS of the American Academy. vol. 667, no. 1 (2016).