لبرلة من دون ديمقراطية: دور العوامل الخارجية في استقرار السلطوية المغربية
الملخّص
يحاول هذا البحث رصد دور العوامل الخارجية في استقرار السلطوية المغربية، والتحكم في مسارات اللبرلة التي انتهجتها السلطة، من خلال منعطفين اثنين: نهاية الحرب الباردة في نهاية ثمانينيات القرن العشرين، والربيع العربي مع بداية 2011. وبقدر ما ساهمت هذه العوامل في توسيع هامش اللبرلة في الحقل السياسي المغربي، ساهمت، أيض ا، في الحد من هذه اللبرلة (أحداث 11 سبتمبر 2001، وصعود محور الثورة المضادة بعد 2013)، ولا سيما في ظل غياب الإرادة لدى الفاعلين في الداخل لإنضاجها. صحيح أن هذه العوامل أحدثت ارتجاجات في هذا الحقل، لكن ذلك ظل في حدود معينة سمحت للفاعلين في الخارج (الولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد الأوروبي، والمؤسسات المانحة)، انطلاق ا من مصالحهم، بالتحكم في تحولات السياسة المغربية وتدبير تناقضاتها، ومن ثمّ توجيهها ل بيئة محف زة للتحول الديمقراطي في المغرب بما لا يشك. كلمات مفتاحية: المغرب، السلطوية، اللبرلة، التحول الديمقراطي، الربيع العربي. This study monitors the role of external factors in the stability of Moroccan authoritarianism and controling the liberalization methods pursued by the government over two stages: the final years of the Cold War and the 2011 Arab Spring. As much as these factors contributed to widening the margin of liberalization in the Moroccan political arena, they also contributed to limiting this liberalization (September 11 , the post- 2013 counterrevolutionary movement), especially given the lack of internal will to mature it. While it is true that these factors have made an impact, this remained within certain limits that allowed actors abroad (the United States, the European Union and donor institutions) to control the transformations of Moroccan politics and to manage contradictions, thus creating an environment hostile to democratic transition in Morocco. Keywords: Morrocco, Authoritarianism, Liberalization, Democratic Transition, Arab Spring.
Liberalization without Democracy: The Role of External Factors in the Stability of Moroccan Authoritarianism
مقدمة
يهدف هذا البحث إلى مساءلة دور العوامل الخارجية في استقرار السلطوية المغربية. وإذا كانت الأنظمة السلطوية تقع في منطقة وسطى بين الأنظمة الشمولية والديمقراطية1، فإن طبيعة التركيبة السياسية المغربية تجعل النظام أقرب إلى السلطوية. وقد كان من الأنظمة العربية القليلة التي أقرّت التعددية الحزبية مبكرًا2، رغم أن ذلك ظل ضمن ما يُعرف بالسلطوية الملبرلة التي تنهض على قيام النظام بإصلاحات لا تمسّ نواته الصلبة3، وتسمح بانفتاح متحكَّم فيه. تتجلّ هذه التركيبة في هيمنة المَلَكية على الحياة السياسية، مع ترك هامش للنخب والأحزاب، يضيق ويتسع بحسب ميزان القوى والسياق الإقليمي والدولي. وهو الأمر الذي يجعل السلطوية المغربية، في نظر البعض، نسقًا سياسيًّا وإداريًّا واجتماعيًّا4، وهو النسق ذاته الذي تعرفه البلاد العربية رغم اتخاذه أشكالً متنوعة5، ما يجعل النظام المغربي أحد تنويعات السلطوية العربية. ترتبط مقاربة آليات اشتغال السلطوية المغربية بسياق أوسع، يصب في البحث في إشكالات التحول الديمقراطي في المنطقة العربية، خاصة بعد الربيع العربي الذي بقدر ما أعاد، إلى الواجهة، هذه الإشكالات، سلّط الضوء مجددًا على مشكلة صياغة المفهوم Conceptualisation المرتبطة بمدى تطبيق المقترحات والفرضيات التي صاغها مُنظّرو الجيل الأول من أدبيات التحول الديمقراطي على مناطق أخرى6. بيد أن هذه المشكلة لا تنفي إجماع هذه الأدبيات على جدلية العوامل الداخلية والخارجية في التحول الديمقراطي. فمهما كان دور العوامل الخارجية فعالً، فإنه لا يمكن تجاهل دور الفاعلين في الداخل وتحمّسهم لإنجاز هذا التحول7، والدفع به قدمًا نحو الأمام. بيد على أهمية العوامل الداخلية، فإن تأثير العوامل الخارجية في عدد من التجارب كان له دور في توسيع آفاق نظرية التحول الديمقراطي8، وإثراء مقارباتها. مثّلت المنطقة العربية تحديًّا لبعض منظّري التحول الديمقراطي9، وهو التحدي الذي سيزداد مع إخفاق معظم الثورات العربية في تحوّلها نحو الديمقراطية. وكما أسهمت العوامل الداخلية في هذا الإخفاق10، كان للعوامل الخارجية دورها، أيضًا، في ذلك، خاصة فيما يتعلق بإحجام الغرب عن دعم هذه الثورات في تطلّعاتها الديمقراطية. من هذا المنطلق، يُعتبر المغرب حالة تسمح برصد دور العوامل الخارجية في تعطيل تحوّله نحو الديمقراطية خلال العقود الثلاثة
الأخيرة، عبر إستراتيجية محكمة لدعم النظام في إقراره حدًا معينًا من اللبرلة11 التي تفتقد إمكانيةَ تطورها في اتجاه ديمقراطية حقيقية. وبالوسع القول إن المغرب يجسد بذلك حالة نموذجية لأدوار العوامل الخارجية في التحول الديمقراطي في المنطقة، من خلال الارتباط بين اللبرلة المحدودة للنظام ودعم الفاعلين الدوليين له، ما يجعل تحوّله نحو الديمقراطية مشروطًا بتداخل العوامل الداخلية والخارجية. من هنا نتساءل: كيف ساهمت العوامل الخارجية في استقرار السلطوية المغربية، بتشجعيها على لبرلة سلوكها السياسي، من دون أن تتحول نحو الديمقراطية؟ وما دور هذه العوامل في الارتجاجات التي عرفها الحقل السياسي منذ نهاية الحرب الباردة إلى الآن، مرورًا بالربيع العربي؟ كيف عبّأ الفاعلون الخارجيون مواردهم للتأثير في مشروع التحول الديمقراطي في المغرب، بالحفاظ على تناقضات هذا الحقل وتدبيرها، بما لا يؤدي إلى تشكّل بيئة ملائمة لتطور هذا المشروع؟ تكتسي هذه التساؤلات المركزية دلالاتها من خلال اشتباكها بتساؤلات أخرى ذات صلة بالعوامل الداخلية، من قبيل الطبيعة التقليدية للنظام، وضعف الأحزاب والمجتمع المدني، وصعود الإسلام السياسي؛ ما يعني أن دور العوامل الخارجية في الحالة المغربية يظل رهينًا بالسياق الداخلي، ما يؤكد طبيعة التحول الديمقراطي وارتباطه بخصوصية كل بلد12. فرضت المتغيراتُ الدولية لنهاية الثمانينيات على النظام المغربي انفتاحًا سياسيًّا محدودًا. وفي الوقت الذي بدا أنه قطع بعض الأشواط على درب تحوّله نحو الديمقراطية، خاصة بعد تشكيل حكومة التناوب في 14 آذار/ مارس 1998، جاء الالتفاف على نتائج انتخابات 27 أيلول/ سبتمبر 2002، ليعيد الأمور إلى مربع الصفر، متزامنًا مع تداعيات أحداث 11 سبتمبر 2001. ومن هذا المنطلق، يمثّل المغرب حالة تستنفر أسئلة التحول الديمقراطي، خصوصًا في ضوء ما أبداه النظام من قدرة على تدبير الضغوط الخارجية. ولعل ذلك ما يجعل البعض يرى تأثير القوى الخارجية في المسلسل الديمقراطي في المغرب ضعيفًا13، وهكذا فالحديث عن تحولات ظرفية يبدو أكثر استجابة لطبيعة هذا النظام. يفرض علينا ذلك تنويع المداخل المنهجية، بغاية رصد دور العوامل الخارجية في عملية التحول الديمقراطي في المغرب؛ ولذلك، فاعتماد منهج يزاوج بين الوصف والتفسير والتحليل يبدو كفيلً بتحقيق هذه الغاية، من خلال تتبّع الوقائع المتوافرة ومحاولة فهمها، والربط بينها بطريقة استقرائية واستنتاجية، تسمح باستيعاب أعمق للسياق الإشكالي للموضوع. مبرّرنا في ذلك صعوبة الوصول، في الوقت الحالي على الأقل، إلى المعلومات (وثائق، ومذكرات... إلخ) الكفيلة بإضاءة مساحات أكثر فيما يخص دور هذه العوامل في التحول الديمقراطي في المغرب.
أولا: متغيرات البيئة الخارجية: لبرلة السلطوية
كان لمتغيرات البيئة الخارجية دور مهم في التطورات السياسية التي عرفها العالم خلال العقود الأخيرة، ولا سيمّا ضمن ما عُرف بديمقراطيات الموجة الثالثة14. وكان لذلك أثره في السياسة المغربية، سواء مع نهاية الحرب الباردة أو مع الربيع العربي. فخلال هاتين المحطتين، أبدى النظام قدرة لافتة على التكيّف مع هذه المتغيرات، عبر إصلاحات انصبّت على لبرلة سلوكه السلطوي، بما أوحى أن الأمر يتعلق بتحول ديمقراطي. وتُ ثّل الثورات العربية عيّنة بارزة من هذه المتغيرات، من خلال دورها في نقل السياسة من دائرة النخب إلى المجال العمومي المفتوح15، وإحياء مشروع التحول الديمقراطي في المغرب الذي تبدّد مع بداية الألفية الجديدة، وتأكيد أن الفاعلين الداخليين ليسوا دائمًا أحرارًا في التحكم في سياقات الدمقرطة وخياراتها16، خاصة حينما تكون المؤثرات الخارجية قوية. لقد أثبتت الوقائع أن الأمر لم يكن يتعلق بتحول ديمقراطي حقيقي17، بقدر ما كان إعادةَ إنتاج النظام السياسي لبناه وآليات اشتغاله التقليدية، رغم أهمية البيئة الخارجية فيما عرفه المغرب
من إصلاحات؛ فقد شكّلت هذه المتغيرات فرصة، إلا أنها لم تساعد على إحداث نقلة نوعية، تسمح بالحديث عن تحول ديمقراطي حقيقي، وهو ما بدا في التراجع الذي عرفته هذه الإصلاحات، سواء مع بداية الألفية الجديدة، وتحديدًا بعد أحداث 11 سبتمبر، أو مع الانتكاسة التي مُنيت بها معظم الثورات العربية بعد سنة.2013
1. المتغيرات الدولية: نهاية الحرب الباردة
خلال فترة الحرب الباردة، كان يُنظر إلى المغرب على أنه حليف للغرب في المنطقة، وشكّل أهمية إستراتيجية للدول الكبرى؛ حيث أظهر، منذ منتصف الثمانينيات، نوعًا من اللبرلة التي عكستها بعض المؤشرات18. وساعدت المتغيرات التي واكبت نهاية الحرب الباردة على تزايد الوعي في المغرب بأهمية الإصلاح السياسي، سواء لدى السلطة19 أو أحزاب المعارضة20. وتظلّ حقوق الإنسان أهم المداخل التي تفاعل من خلالها النظام مع هذه المتغيرات؛ فمنذ منتصف الثمانينيات، تعرّض لضغوط متواترة في هذا الصدد، إذ أصدر البرلمان الأوروبي، ما بين 1986 و 1991، 11 توصية21، ترجمت رسالةً دالةً مفادها أن أي تعاون بين أوروبا والمغرب مشروط بمدى احترامه لحقوق الإنسان وإنجاز إصلاحات سياسية. ولم يشذّ المجتمع المدني الأوروبي عن هذا التوجه، إذ أصدرت منظمات حقوقية عديدة، خاصة في فرنسا، بيانات دانت فيها انتهاكات حقوق الإنسان في المغرب، وساهمت، من ثمّ، في خلق بيئة مضادة للخطاب الرسمي المغربي في أوروبا22؛ الأمر الذي أحدث ارتجاجًا غير مسبوق داخل السياسة المغربية. ومع بداية عام 1990، أصدرت الخارجية الأميركية تقريرها السنوي حول حقوق الإنسان في العالم23، والذي خصَّ المغرب بانتقادات شديدة، الأمر الذي تَرجم، ساعتها، تحولً في السياسة الخارجية الأميركية التي أضحت هذه الحقوق ضمن أولوياتها. فلم يعد ممكنًا التغاضي عن الانتهاكات التي تحدث في البلدان التي كانت حليفة لواشنطن إبان الحرب الباردة. كما مارست منظمة العفو الدولية ضغوطًا كبيرة على النظام بشأن المعتقلين السياسيين24. وكان لهذه الضغوط بالغ الأثر في الحركة الحقوقية المغربية التي صارت قادرة على إنتاج خطابها المستقل بفعل تواصلها مع المنظمات الدولية25. لم تكن حقوق الإنسان في المغرب لتصعد إلى الواجهة لولا هذه المتغيرات، التي كشفت أنه لا يزال على هامش موجة اللبرلة السياسية التي شهدتها، في الفترة نفسها، بلدان أخرى خاصة في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية. ومثّل ذلك إكراهًا للنظام الذي أيقن أن الوقت حان لِلبَرلة أدائه ولو نسبيًّا، وأن الاستمرار في تجاهل هذه الضغوط سيكون مكلفًا على صعيد علاقته بالخارج، فاضطر إلى تقديم عرض سياسي جديد أعطى الانطباع بأن البلاد تستعد للتحول نحو الديمقراطية. لم يكن هذا العرض واضحًا، بحيث يحيل إلى إرادة سياسية لتحقيق هذا التحول، بقدر ما كان عبارة عن مبادرات متفرقة، يقودها خيط ناظم محكوم بإصلاح سياسي ودستوري محدود. فتم تعديل الدستور في تشرين الأول/ أكتوبر 1992، والذي تضمّن "التشبث بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميًّا"26، كما تم العفو عن المعتقلين السياسيين في 8 تموز/ يوليو 1994، وإجراءُ تعديل دستوري ثانٍ في أيلول/ سبتمبر 1996 بعد فشل النظام، مرتين، في إقناع المعارضة بتشكيل الحكومة، وتوقيعُ التصريح المشترك من جانب الحكومة والنقابات وأرباب العمل في فاتح آب/ أغسطس 1996 27. وكانت الخطوة الأكثر دلالة توقيع الحكومة والأحزاب تصريح 28 شباط/ فبراير 1997، الذي أعطى الانطباع بأن الأمر يتعلق بميثاق وطني يحيل إلى ما يُعرف في المسارات الانتقالية بالحل الوسط الذي يتوصل إليه الفاعلون بعد مفاوضات طويلة. لكن هذا التصريح لم يكن كذلك؛ لأنه خلا من خريطة طريق تحيل إلى التوافق المؤسس لقواعد جديدة في الممارسة السياسية.
لم تكن هذه المبادرات بعيدة عن تزايد اهتمام الاتحاد الأوروبي بقضايا حقوق الإنسان في رؤيته للشراكة مع بلدان جنوب المتوسط28، الأمر الذي مثّل حينها طورًا آخر في الضغوط التي أفرزتها بيئة ما بعد الحرب الباردة، وكان لذلك أثر في توسيع النظام قاعدةَ مشاوراته مع الأحزاب والنخب، والإيهام بأن مشروع التحول الديمقراطي صار جزءًا من هويته السياسية، ومن ثمّ قضية محورية على طاولة علاقاته بالفاعلين الدوليين. وقد بلغ ذلك ذروته مع تعيين الملك الراحل، الحسن الثاني، زعيم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عبد الرحمن اليوسفي، على رأس حكومة التناوب في 14 آذار/ مارس 1998. ولقد حمل ذلك آمالً بشأن دمقرطة النظام، أو على الأقل الحد من سلطويته، إلا أنه لم يفض إلى تحول ديمقراطي؛ إذ نجح النظام في إخراج الإصلاح الدستوري والسياسي من دائرة التفاوض مع الفاعلين في الخارج، حتى لا يتحول هذا الإصلاح إلى منطلق لوضع خريطة طريق للتحول الديمقراطي. يتعلق الأمر بالحد من اللبرلة المحدودة التي باشرها النظام مع مطلع التسعينيات، بيد أن ذلك لا يبدو بعيدًا عن عدم جدية هؤلاء الفاعلين في الضغط على الملك الحسن الثاني لدمقرطة نظامه خلال تلك الفترة، ولعل ذلك ما دفع المعارضة، بحسب البعض، إلى القبول بالعرض الذي قدّمه الملك للمشاركة في الحكومة29، ولا سيما بعد الانهيار الدراماتيكي للمسار الانتقالي في الجزائر. إذا كانت متغيرات ما بعد الحرب الباردة دفعت إلى القيام ببعض الإصلاحات في المغرب، فإن الفاعلين الدوليين لم يظهروا الحماس نفسه كما في حالة بلدان أوروبا الشرقية، وكانت مطالبتهم إياه بالإصلاح تكتيكية، ولم تعكس رؤية إستراتيجية. كان لذلك كله أثر في منحه هامشًا للتحكم في عرضه الذي قدّمه للمعارضة، واختزاله في انفتاح محدود تحكمه معادلة الاستقرار والإص حاا المتدرج والمتحكَّم فيه.
2. المتغيرات الإقليمية: ثورات الربيع العربي
كان للثورات العربية التي اندلعت في نهاية عام 2010 دور بارز في خلخلة التوازنات التي قام عليها النظام الإقليمي العربي، وخلق متغيرات لا تزال تفاعلاتها مستمرة، فضلً عمّ طرحته من إمكانية التحول الديمقراطي في المنطقة بما يمكِّن من إعادة بناء الدولة الوطنية على أسس جديدة30. ومن ثمّ اندرجت هذه الثورات في سياق إخفاق هذه الدولة، وتزايد حدة الاستقطاب الإقليمي وصراع المحاور، والنفوذ الأميركي في المنطقة31؛ وهو ما جعل عملية التحول الديمقراطي أشدّ تعقيدًا في معظم بلدان الربيع العربي. لقد استطاع النظام المغربي أن يحافظ على مسار سياسي مغاير، نسبيًا، عن بقية الأنظمة العربية، رغم أنه أخفق في تحويل عرضه الذي طرحه مع بداية التسعينيات إلى مشروع للتحول الديمقراطي. بيد أن تسارع الأحداث في المنطقة مع مستهل عام 2011 أربك حساباته، ووجد نفسه أمام متغيرات غير مسبوقة. وإذا كان سياق ما بعد نهاية الحرب الباردة لم يؤدِّ إلى تغيير في السياسة المغربية، فإن تأثير الثورات العربية كان أشدّ، إذ دفعت القصر إلى أخذ المبادرة والتفاعل بسرعة مع مطالب الشارع. ترجم الخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس، في 9 آذار/ مارس 2011 32، قدرة النظام على التفاعل السريع مع حركة 20 فبراير، لكنه أكّد، في الوقت نفسه، دور العوامل الخارجية في إرباك حساباته، حيث شكّل الربيع العربي بيئة إقليمية ضاغطة دفعت في اتجاه مراجعة دستورية جديدة، رغم أن ذلك لم يكن مدرجًا على جدول أعمال الفاعلين في الداخل. فالنظام لم يتفاعل مع حركة 20 فبراير لأنها حركة اجتماعية داخلية، ولكن باعتبارها انعكاسًا حتميًّا للحراك العربي الذي انطلق من تونس قبل أن يعمّ معظم البلاد العربية. ولذلك، فاتخاذه قرار تعديل الدستور بتلك السرعة بدا خطوة مدروسة لتجنّب الغضب الشعبي العابر للحدود33. وإذا ظلّ هذا النظام، منذ تول محمد السادس العرش سنة 1999، يتجنب إصلاحًا دستوريًّا واسعًا34،
فإن التسارع الدراماتيكي للأحداث دفعه إلى القيام بخطة استباقية تسحب البساط من تحت حركة 20 فبراير، باعتبارها نسخة مغربية من "تحرك شعبي واسع خارج البنية الدستورية القائمة"35، وخارج المواضعات المألوفة لتوزيع السلطة والثروة في المنطقة. على الصعيد الدولي، حظيت خطوة النظام بترحيب واسع. فرحّبت الخارجية الأميركية بإعلان الملك محمد السادس "إجراء إصلاحات دستورية وقضائية وسياسية"، وأثنت على ما تحقّق، في عهده، من "إنجازات كبيرة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية"، وشدّدت على تقديرها للمغرب باعتباره شريكًا إستراتيجيًّا رئيسًا، واستعداد الولايات المتحدة للعمل مع الحكومة والشعب المغربيي على تحقيق تطلعاتهما الديمقراطية36. بيد أن اللافت في بيانها تلك الفقرة التي تحدثت عن دعم الولايات المتحدة "لتطلعات الشعب المغربي في جهوده لتعزيز حكم القانون، والسمو بمعايير حقوق الإنسان، والترويج للحكم الرشيد، والعمل على إجراء إصلاحات دستورية على المدى الطويل"37. يتعلق الأمر بحرص الإدارة الأميركية على ترك هامش للمناورة في ظل تسارع الأحداث، وعدم وضوح الرؤية في لحظة تاريخية فارقة، بدا فيها كل شيء ممكنًا بعد سقوط النظامين التونسي والمصري. فبقدر انشغال هذه الإدارة بدعم خطوة العاهل المغربي، كان انشغالها بترك المجال مفتوحًا أمام أي احتمال آخر، في أفق الحفاظ على مصالحها في بلد تعتبره حليفًا تقليديًّا لها. ولذلك، فإن هذه الفقرة، التي تبدو مغازلة أميركية صريحة للحراك المغربي، تعكس انشغال واشنطن، آنذاك، بتصاعد وتيرة الاحتجاجات في البلدان العربية التي تحكمها أنظمة موالية لها، بحيث ظل احتمال سقوط هذه الأنظمة أمرًا واردًا في أي لحظة38. رحّب الاتحاد الأوروبي "بالإصلاحات الدستورية التي وعد بها الملك، واعتبرها تستجيب للتطلعات المشروعة للشعب المغربي، وتسير في الاتجاه الذي كان يطالب به من أجل تعزيز العلاقات بين بروكسل والرباط"39. كما حرص الاتحاد على إظهار وقائع الربيع المغربي على أنها ترجمة لتوصياته السابقة المتعلقة بالمغرب، أو بمعنى أصحّ أراد أن يظهر كأنه يساند الحراك الشعبي، رغم تقاطع موقف الاتحاد مع الموقف الأميركي بشأن ما يكتسيه المغرب من أهمية إستراتيجية. إقليميًّا، مثّل الربيع العربي تحديًّا إستراتيجيًّا بالنسبة إلى دول الخليج التي انشغلت بتحولاته. ففي ذروة الحراك الشعبي تداولت قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي عقدت في الرياض في أيار/ مايو 2011، مشروعَ انضمام المغرب والأردن إلى المجلس40، بكل ما حمله ذلك من دلالات. ولا شك في أن ما تردّد، حينها، من دعوة هذين البلدين إلى الانضمام إلى المنظومة الخليجية، كان بغاية دعم الملكيات العربية. وحظيت الإصلاحات الدستورية في المغرب بترحيب خليجي، واعتبُرت "إنجازًا كبيرًا جدًّا، وستوسّع من مجال الديمقراطية في المملكة"41. عكَس هذا الترحيب دعمً واضحًا للنظام الذي نجح في الخروج من منعرج الربيع العربي بأقل الأضرار، ومن جهة أخرى حرص دول الخليج، لا سيما السعودية والإمارات، على احتواء المد الثوري الذي اجتاح المنطقة والحفاظ على تأثيرهما السياسي ومراعاة مصالحهما42. من هنا، فتعديل الوثيقة الدستورية43، وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة، وتصدّر حزب العدالة والتنمية الإسلامي نتائجها، وتكليف أمينه العام، آنذاك، عبد الإله بنكيران بتشكيل الحكومة، عوامل مثّلت، في مجموعها، أبرز مخرجات الحراك العربي في المغرب. بيد أن هذه المخرجات، على ما لها من أهمية في ضخّ دماء جديدة في السياسة المغربية، لم تفضِ إلى تغيير قواعد اللعبة السياسية، وإحداث توازنات جديدة ترجّح إمكانية التحول نحو الديمقراطية. ولم يستطع هذا الحراك اختراق السلطوية المغربية التي بقيت متحكّمة في الأحداث، ولا سيما فيما يتعلق بطريقة اعتماد الإصلاح الدستوري44. لقد جاء هذا الإصلاح ببعض المستجدات، لكنّ الوقائع أثبتت أن رفع منسوب اللبرلة على المستوى الدستوري الشكلي لم يواكبه ميزان قوى جديد، وظل هامش المبادرة أمام الأحزاب ضيقًا لا يسمح
بالتأثير في آليات اشتغال النظام، وإنجاز دمقرطة حقيقية تذيب جليد السلطوية المترسب في مفاصل الدولة المغربية. فالاقتصار على إصلاح متحكَّم فيه ترجم عدم استعداد هذا النظام تحمّل تكلفة رفع منسوب اللبرلة، بسبب ما قد يترتب على ذلك من تشكيل بيئة داخلية أكثر استجابة لاستيعاب المتغيرات الدولية.
3. العائد السياسي للعدوى المعكوسة
إذا كانت عدوى الديمقراطية قد استطاعت أن تصل إلى السياسة المغربية في فرصتين اثنتين ضمن ما يسميه هانتنجتون عدوى الديمقراطية45، فإن حدثين آخرين سيندرجان في سياق إنتاج هذه العدوى، لكن بطريقة معكوسة من خلال تأثيرهما السلبي في قوة الدفع الداخلية. يتعلق الأمر بهجمات 11 سبتمبر، وانتكاسة الثورات العربية بعد 2013؛ الأمر الذي سمح للنظام باستخلاص العائد، وتوظيفه بما يوافق إستراتيجيته المحافظة السياسي لهذين الحدثيْ. أبدى هذا النظام، منذ بداية الألفية الجديدة، قدرة ملحوظة على إحداث تغيير سياسي، لكن مع التحكّم فيه وتوجيه منعرجاته. وما كان لهذه الدينامية أن تفرز بعض امتداداتها، لولا التحول النسبي الذي طرأ على سياسة القوى الدولية الكبرى إزاء البلدان العربية، من خلال إيلائها توسيع هوامش اللبرلة السياسية فيها أهمية أكبر46. جعلت هجمات 11 سبتمبر هذه القوى تُعيد جدولة أولوياتها الخارجية. ومن ثمّ، فالانتكاسة التي عرفها الحقل السياسي المغربي آنذاك، رغم أنها تظل رهينةً لحدود التحول الذي جسدته حكومة التناوب التي قادها اليسار الإصلاحي ما بين سنتي 1998 و 2002، فإنها تبقى على صلة بارتدادات هذه الهجمات، وتأثيرها في رؤية الفاعلين الخارجيين لقضايا الديمقراطية. فلم يكن استغناء القصر عن عبد الرحمن اليوسفي الذي قاد هذه الحكومة، والاستعاضة عنه بوزير أول غير مُنتمٍ عقب الانتخابات التشريعية التي جرت في 27 أيلول/ سبتمبر 2002، إلا توظيفًا للتحولات التي طرأت على النظام الدولي بعد هذه الهجمات، وبالنتيجة إعادة تشكيل النظام المغربي بالحدِّ من "نزوعه الليبرالي" وإنعاش نواته السلطوية. لقد وضعت هذه الانتخابات المغرب على درب ما يعرف بالديمقراطيات الانتخابية أو الأنظمة السلطوية الانتخابية47، إلا أنّ تصدّر قضايا الإرهاب والأمن أجندات الفاعلين الدوليين بعد هذه الهجمات جعل القصر أقل حماسة لاستمرار اليوسفي على رأس الحكومة، ولا سيما أن هذه الانتخابات أشّت على صعود الإسلام السياسي المعتدل؛ الأمر الذي بدأ يطرح تحديًّا على الفاعلين في الداخل والخارج. ولذلك لم تلقَ إزاحة اليوسفي معارضة الإدارة الأميركية التي كان يحكمها الجمهوريون المنشغلون بإعادة بناء الإستراتيجية الأميركية في المنطقة عقب هذه الأحداث. أصبح المغرب، بعد هذه الأحداث، في قلب الإستراتيجية الأميركية المتعلقة بمكافحة الإرهاب؛ وهو ما جعل النظام يتفاعل مع ذلك عبْ مداخل متعددة، أبرزها تصديق الاتفاقيات ذات الصلة بمكافحة الإرهاب48، والانكباب على إعداد مشروع قانون مكافحة الإرهاب. وسيكون للأحداث التي عرفتها مدينة الدار البيضاء، بتاريخ 16 أيار/ مايو 2003، دور في تسريع تصديق البرلمان هذا المشروع49. وساعدت هذه الأحداث على الانتقال إلى طور جديد في إدراك الفاعلين، في الداخل، للواقع الدولي الجديد الذي أفرزته هجمات 11 سبتمبر؛ الأمر الذي ساهم في تقييد الحقوق والحريات50. ولا شك في أن انخراط النظام في التحالف الدولي للحرب على الإرهاب، بعد هجمات 11 سبتمبر و 16 أيار/ مايو، منحه مبررًا موضوعيًّا لإعادة توزيع الأدوار داخل الحقل السياسي بالحد من اللبرلة التي جاء بها سياق ما بعد نهاية الحرب الباردة. إن هذه المتغيرات صبّت في مصلحة النظام، إلا أنه لم يغلق القوس الذي فتحه مع بداية التسعينيات؛ فاستمر في إعطاء الانطباع بأنه ماضٍ في تحوله نحو الديمقراطية، من خلال مؤشرات، مثل
إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة51 التي مكّنته من عائد سياسي مهمّ، واعتبُر ذلك، حينها، مؤشرًا على طور جديد في استيعاب بعض متطلبات التحول الديمقراطي المتعارف عليها عالميًّا، رغم أن التحولات اللاحقة أثبتت أن ذلك لم يكن له دور في الحد من صلابة السلطوية المغربية. أشّ حدث مفصليّ آخر على هذه العدوى المعكوسة؛ فقد مثَّل فوز الإسلاميين بالانتخابات الرئاسية المصرية في عام 2012 تحديًّا إقليميًّا كبيرًا، خصوصًا بالنسبة إلى دول الخليج، وعلى رأسها النظام السعودي الذي وفّر دعمً ماديًّا واقتصاديًّا ودبلوماسيًّا لقوى الثورة المضادة في المنطقة من أجل وقف صعود الإسلام السياسي الديمقراطي في المنطقة52. وجاء الانقلاب العسكري في مصر في 3 تموز/ يوليو 2013 ليتوّج الانتكاسة التي مُنيت بها الثورات العربية، ويكشف أن الفاعلين الخارجيين غير معنيين بتقديم الدعم الكافي لبلدان الربيع العربي، على غرار ما تم تقديمه لبلدان أوروبا الشرقية ومكّنها، من ثم،ّ من تسريع وتيرة الإصلاحات السياسية والاقتصادية53. كما أن الترويج لفكرة أن الحراك العربي ليس إلا وسيلة لزعزعة استقرار المنطقة وبثّ الفوضى54، كان له بالغ الأثر في تشكيل بيئة إقليمية حاضنة للتراجعات التي عرفتها السياسة المغربية على أكثر من صعيد. شكّلت هذه المتغيرات موردًا بالنسبة إلى النظام لإعادة جدولة الأولويات في ضوء نتائج الانتخابات الجماعية والجهوية55 والتشريعية56. وفي وقت كان يُنتظر أن تُفضي هذه الاستحقاقات إلى تعميق الاختيار الديمقراطي الذي نصّ عليه الدستور الجديد، جاءت أزمة مخاض تشكيل الحكومة (البلوكاج)57 لتعيد إلى الواجهة إشكالية التحول الديمقراطي في المغرب في علاقتها بالعوامل الخارجية. فمن ناحية، كشفت هذه الأزمة ضعف الفاعلين في الداخل، وعجزهم عن بناء سياق داخلي يستوعب إكراهات هذا التحول، ومن ناحية أخرى، أظهرت لامبالاة الفاعلين في الخارج، حيث لم يتم تسجيل أي رد فعل دولي طوال مدة هذه الأزمة. لم يكن الانسداد الذي عرفه الحقل السياسي شهورًا متواصلة مطروحًا على أجندة الفاعلين الدوليين، رغم أهمية المغرب في المعادلات الجيوسياسية لمنطقة المغرب العربي والساحل. ولم يتدخل هؤلاء طوال فترة المخاض المذكورة لمساعدة نظرائهم في الداخل على صياغة أرضية مشتركة، تكون منطلقًا لإعادة بناء التوافقات داخل الحقل السياسي، بما يمكّن عبد الإله بنكيران من تشكيل حكومته الثانية، ويحدّ من ارتدادات الانقلاب العسكري الذي شهدته مصر58، وهو الانقلاب الذي مثّل جزءًا من سياق إقليمي أسهم في تقويض التوازنات السياسية الهشة التي شهدها المغرب عقب الحراك العربي؛ الأمر الذي أدى إلى انتعاش الخطاب السلطوي من جديد. لم تكن هناك ضغوط خارجية بشأن الجدولة الزمنية للتحول الديمقراطي الذي يُفترض أن العرض الذي قدّمه النظام في عام 2011 يتضمّنه؛ الأمر الذي جعل هذا التحول هشًّا، وغير واضح ومفتقدًا الفاعلية المؤسسية المطلوبة. وفي الوسع القول إن الانتكاسة التي مُنيت بها معظم ثورات الربيع العربي بعد عام 2013 ساعدت على خلق بيئة معادية لمسار الدمقرطة في المغرب. فعِوض أن تفضي هذه الثورات إلى نشر قيم التوافق بين الفاعلين المعنيين بقضايا التحول الديمقراطي، تحولت إلى سبب للاحتراب الأهلي59، ولا شك في أن ذلك اعتبُر بالنسبة إلى النظام عائدًا سياسيًّا عمل، ولا يزال، على استخلاصه ضمن إستراتيجيته للتكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
ثانيًا: الفاعلون الدوليون: قراءة في الإستراتيجيات
طوال ثلاثة عقود لم يتوانَ الفاعلون الخارجيون في تعبئة مواردهم للتأثير في السياسة المغربية. إذ كان للمغرب حضور في أجنداتهم، باعتباره أحد مختبرات رصد مسارات اللبرلة في المنطقة، إلا أن ذلك لم يحفزهم على وضع خريطة طريق تؤطر هذه المسارات، وتدفع بها صوب مشروع للتحول الديمقراطي يهتدي بالتجارب المقارنة ويستفيد من إنجازاتها وانتكاساتها. وسواء تعلّق الأمر بالولايات المتحدة، أو بالاتحاد الأوروبي، أو بالمؤسسات المانحة، فغياب هذه الخريطة يكاد يكون القاسم المشترك بين هذه القوى في رؤيتها للمغرب. وإذا كان من المسلّم به أن ضغوط الفاعلين الخارجيين لا تكون مؤثرة إلا إذا منحها الفاعلون في الداخل دينامية معيّنة بالتفاعل الإيجابي معها60، فالحالة المغربية لا تقدّم لنا عيّنة واضحة من هذه الضغوط، التي تصدر من رؤية تكتيكية للإصلاح السياسي، ولذلك فإيقاعاتها تختلف من مرحلة إلى أخرى وفق السياق الدولي والإقليمي وأولويات القوى الكبرى. فما يبدو دعم يقدّمه الفاعلون الخارجيون يبقى محكومًا بمصالحهم الإستراتيجية61. ولذلك، فالدعم الذي يقدمه الغرب للنظام المغربي يندرج في هذا السياق، خاصة في ضوء نجاح هذا النظام في توفير الأمن والاستقرار في محيط مضطرب، وتحقيق نمو اقتصادي رغم ما واكب ذلك من اختلالات62. غير أن هذا الدعم لم يتضمن، يومًا، مشروعًا متكاملً للمساعدة على التحول نحو الديمقراطية عبر تحفيز القوى الديمقراطية في الداخل. يكتسي بعض المبادرات التي تستهدف إشاعة قيم الديمقراطية أهمية، إلا أنها لا تندرج ضمن منظور واضح لتحويل اللبرلة المحدودة التي يعرفها المغرب إلى ديمقراطية صريحة. وتنبئنا التجارب المقارنة أن البرمجة الزمنية للتحول الديمقراطي تظل مسألة مركزية، وهو أمر غائب في حالة المغرب، فلا يُبدي الفاعلون الخارجيون اهتمامًا بهذه البرمجة باعتبارها وسيلة لضخّ دماء جديدة في السياسة المغربية.
1. الولايات المتحدة: الأمن قبل الديمقراطية
مع مطلع الثمانينيات، أطلقت الولايات المتحدة برنامجًا دوليًّا لترويج الديمقراطية، عبر مؤسسات أهمها الصندوق الوطني للديمقراطية، والوكالة الأميركية للتنمية الدولية63. وعلى الرغم من اندراج المغرب ضمن هذه الإستراتيجية، فإن الوضع كان مختلفًا، إلى حد ما، بالنسبة إليه. فإضافة إلى كونه لم يهدد قط المصالح الأميركية64، فإن السياق السياسي المغربي يبقى أقل خطورة من معظم البلدان العربية الأخرى التي تتدخل فيها الولايات المتحدة ضمن برامج تعزيز الديمقراطية65، بسبب حرص النظام على الحفاظ على حد أدنى من اللبرلة الموجّهة. وظلت الحالة المغربية بعيدة عن خيار التدخل المباشر، الذي غدا عنوانًا للإستراتيجية الأميركية، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر التي ساعدت على صعود المحافظين الجدد الذين انبروا لمحاربة الإرهاب، ونشر الديمقراطية، وتغيير أنظمة الحكم بالقوة كما حدث في أفغانستان والعراق. ظلت الولايات المتحدة تنظر بإيجابية إلى الإصلاحات التي باشرها النظام المغربي، وتعتبرها جريئة66. وحتى حينما كانت هذه الإصلاحات تنتكس، فإن ذلك لم يكن يلقى معارضة منها، ولا سيما خلال فترة حكم الجمهوريين الذين يؤمنون بأهمية الاستقرار في المنطقة العربية، على اعتبار أن المساعدة على التحول نحو الديمقراطية قد تؤدي إلى حالة من الفوضى يصعب التحكم فيها، بما يشكّله ذلك من تهديد للمصالح الأميركية. حظي النظام المغربي، عقب أحداث 11 سبتمبر، بموقع لافت في البرنامج الأميركي للمساعدة على القيام بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية في الوطن العربي67، وأثنت الإدارة الأميركية على ما يقوم به من إصلاحات68. هذا الثناء وإن بدا، من ناحية، مجاملة أميركية للسلطوية المغربية، إلا أن البعض رأى فيه التزامًا أميركيًا بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للمغرب، وترك أمر تطوير الحقل السياسي للفاعلين في الداخل69، وإن كان ذلك لا يتطابق مع السياسة الخارجية لواشنطن، التي تقوم على الحفاظ على مصالحها الإستراتيجية، وهو ما يفرض عليها التدخل في الشؤون الداخلية لهذا البلد أو ذاك. وبالنظر إلى أن هذه المصالح أضحت محكومة بالبعد الأمني والاستخباراتي عقب أحداث 11 سبتمبر، فقد حظي المغرب بأهمية
بالغة في الإستراتيجية الشرق أوسطية للإدارة الأميركية، باعتباره حليفًا أساسيًّا لها في المنطقة70. وهي أهمية نابعة، من جهة، من موقعه الجغرافي الذي يمثّل بالنسبة إلى هذه الإستراتيجية عمقًا حيويًّا، ومن جهة أخرى من النفس "الاعتدالي" الذي يميز السياسة الخارجية المغربية إزاء قضايا الشرق الأوسط، خاصة قضية فلسطين، هذا فضل عن المبادلات التجارية بين البلدين التي سجلت ارتفاعًا ملحوظًا منذ عام 2006 71. من ثمّ، راهنت الإدارة الأميركية على المغرب ليؤدي دورًا سياسيًّا، ولا سيما في سياق مشروع الشرق الأوسط الكبير لنشر الحرية والديمقراطية الذي أطلقه جورج بوش الابن. لذلك لم تُبدِ إدارته انشغالً بنواقص السياسة المغربية72، ولا مماطلة النظام في دمقرطة مؤسساته، بقدر ما حرصت على تعزيز علاقتها به في ضوء انخراطه في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب. وفي المقابل، استطاع المغرب أن يحصل على دعم واشنطن لمبادرته من أجل "حكم ذاتي في الصحراء الغربية"73؛ الأمر الذي يجعلنا إزاء اتفاق غير معلن بين الطرفين، لا تقع دمقرطة هذا النظام ضمن أولوياته الرئيسة. ويعتبر اتفاق التبادل الحر بين البلدين74 أحد تمظهرات الإستراتيجية الأميركية حيال الإصلاح السياسي في المغرب. فلم تُبدِ واشنطن أي اعتراض على حصر السلطة في دائرة الفاعلين المتدخلين في إقرار هذا الاتفاق، سواء أثناء المفاوضات أو خلال تصديقه75، كما لم يتضمن الاتفاق أي إشارة إلى الوضع السياسي في المغرب76. وهو الأمر الذي ترجم بوضوح رؤية الولايات المتحدة لدور المغرب ضمن تجاذبات توزيع القوة والنفوذ الأميركيَيْ في المنطقة؛ وهو دور يجعل الإدارات الأميركية المتعاقبة تتجنب الخوض في كل ما له صلة بالتحول الديمقراطي في المغرب. وإذا كانت الولايات المتحدة توجه أحيانًا انتقادات إلى أوضاع حقوق الإنسان في المغرب من خلال التقارير السنوية التي تصدرها خارجيتها، فإن ذلك لم يندرج، يومًا، في سياق رؤية متكاملة لما يجب أن تكون عليه السياسة المغربية. ولم يسبق أن تبلورت هذه الانتقادات في موقف أميركي واضح قابل للتحوّل إلى عنصر ضغط فاعل، سواء فيما يتعلق بالشق الحقوقي أو بالشق السياسي.
خوّلت هذه البراغماتية الأميركية النظام أوراقًا جديدة في رؤيته لقضايا الإصلاح، أبرزها ورقة الإسلام السياسي المعتدل التي وظّفها عبر التحكم في منسوب الانفتاح الذي يعرفه، والحدّ من فاعلية المجتمع المدني؛ وبالنتيجة الالتفاف على أي إمكانية للتحول الديمقراطي. لقد استثمر النظام، جيّدًا، المنظور التكتيكي للولايات المتحدة إزاء المسألة الديمقراطية، فهي، مثلً، وإن كانت تركّز على الانتخابات، فإن ذلك يقتصر فقط على المساعدة على صياغة برامج تتوخى تحسيس المواطنين بأهمية الاستحقاقات الديمقراطية77؛ ما يعني إفراغ هذه الاستحقاقات من حمولتها الديمقراطية. إضافة إلى ذلك، مثّل المغرب أحد البلدان المستهدفة، في المنطقة، بالنسبة إلى المعهد الجمهوري الدولي IRI التابع للحزب الجمهوري، من خلال برامج مختلفة78 استهدفت عددًا من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، وانخرطت في مشاريع وأبحاث ترتبط بصناعة
السياسات العمومية79، وقياس الرأي العام، وقضايا النخب والإصلاح والمرأة والتنمية المحلية80، إلا أن تأثيرها بقي محدودًا، رغم أهميتها. وكان لافتًا قيام هذا المعهد باستطلاعات رأي تتعلق بالعزوف الانتخابي والإصلاح، وقد اعتبر ذلك ضمن خطته لمساعدة الأحزاب على الرفع من أدائها والتغلب على المشكلات التي تواجهها في إقناع المواطنين ببرامجها81، إلا أن انشغاله بالإسلاميين سرعان ما برز لاحقًا على نحو ملحوظ82، وهو الأمر الذي عكَس حرص واشنطن المتزايد على إقامة علاقات جيدة مع حزب العدالة والتنمية الذي تنظر إليه باعتباره حزبًا معتدلً ووازنًا في المشهد السياسي83، وقادرًا على الاندماج في هياكل السلطة. من هنا، لا يُستبعد أن يكون أحد أسباب استمرار الحزب على رأس الحكومة منذ عام 2011 على "صلة ما" بهذه النظرة الأميركية الإيجابية إلى الحزب، بسبب قدرته على تعزيز الاستقرار السياسي بتوافق مع القصر. ضمن هذا السياق، ندرك التفاعل الإيجابي لواشنطن حيال خطوات النظام في مواجهة الحراك الشعبي مع بداية عام 2011، فاعتبرت الخارجية الأميركية الإصلاحات التي أعلنها الملك محمد السادس في خطاب 9 آذار/ مارس "نموذجًا يُحتذى بالنسبة لباقي بلدان المنطقة"84، كما رأت في الاستفتاء الدستوري الذي شهدته البلاد في فاتح تموز/ يوليو من السنة نفسها "خطوة مهمة في التنمية الديمقراطية الجارية في المغرب"85. وعقب الانتخابات التشريعية التي شهدها المغرب في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر من السنة ذاتها، صرحت وزيرة الخارجية الأميركية، آنذاك، هيلاري كلينتون بأن "تشييد الصرح الديمقراطي، لا يتوقف عند الانتهاء من فرز الأصوات [...]وأكدت استعداد الولايات المتحدة للعمل مع البرلمان الجديد والشعب المغربي، من أجل تدعيم دولة القانون وحقوق الإنسان، وتعزيز الشفافية والحكامة القائمة على أساس المساءلة، والعمل على إجراء إصلاحات ديمقراطية مستدامة"86. يتعلق الأمر "بشراكة متينة ومربحة للطرفين، وتحالف إستراتيجي يربط البلدين"87 يجعلان إدراج قضية الديمقراطية في المغرب على رأس جدول العلاقات الأميركية - المغربية خروجًا عن مقتضيات البراغماتية السياسية، باعتبارها المرجعية المؤطرة للسياسة الخارجية الأميركية. يبدو واضحًا دعم واشنطن الخيارات الإصلاحية للنظام المغربي التي لا تعني، قطعًا، انخراطه في دمقرطة حقيقية. وفي الوسع القول إن تعاون هذا النظام مع واشنطن في الحرب على الإرهاب، وعدم تهديد مصالحها، والاستقرار الذي يعرفه المغرب، والاندماج السلس للإسلاميين في الحقل السياسي، كلها عوامل تجعل الولايات المتحدة غير مضطرة إلى الضغط عليه لإنجاز إصلاح ديمقراطي شامل لمؤسساته. أكثر من ذلك، صار لافتًا تواتر إشادة الإدارة الأميركية في الأعوام الأخيرة بأهمية الدور المغربي في محاربة الإرهاب والعنف الديني والتنظيمات الجهادية العابرة للحدود88، وبالأخص فيما يرتبط بدور الاستخبارات المغربية في تعقب آثار المغاربة الذين انضموا إلى هذه التنظيمات في العراق وسورية وليبيا بعد عام 2011، وتفكيك عدد من الخلايا الإرهابية، فيما يُعتبر، وفق منظور واشنطن، التزامًا بالتعهدات الدولية بشأن محاربة الإرهاب89، ومن ثمّ، اصطفافًا إلى جانب إستراتيجيتها في هذا الباب. ولا مبالغة في القول إن المغرب أحد النماذج العربية التي تطرح، بحدة، صدقية الولايات المتحدة في عملية الدمقرطة والإصلاح السياسي، والضبابية التي تلفّ مواقفها في الغالب. فقد ساندت واشنطن النظام في الإصلاحات التي قام بها لمواجهة الحراك الشعبي بغاية الحفاظ على الاستقرار، والحيلولة دون حدوث اضطرابات تفضي إلى وصول المتطرفين الإسلاميين إلى السلطة. يتعلق الأمر، إذًا، بدعم تكتيكي تحكمه إستراتيجية الحفاظ على الأمن القومي الأميركي في المنطقة.
2. الاتحاد الأوروبي: الاقتصاد في خدمة السياسة
اضطلعت المجموعة الأوروبية بدور مهم في مساعدة بلدان أوروبا الشرقية على الانفتاح السياسي في نهاية الثمانينيات، بجعل الانضمام
إليها حافزًا لها كي تتحول نحو الديمقراطية90. قد يبدو هذا الدور مرجعيةً تحكم سياسة أوروبا إزاء قضايا التحول الديمقراطي، خاصة حينما يرتبط ببلد مثل المغرب يحتل مكانة أساسية في سياسة الجوار الأوروبية. بيد أن الوقائع تكشف أن سياسة الاتحاد حتى إن اختلفت، في بعض أوجهها، عن نظيرتها الأميركية، فإنها تتسم بالرؤية البراغماتية نفسها. فالاتحاد لا يمتلك خارج أوروبا، وفي علاقته بالمغرب وباقي بلدان جنوب المتوسط، ما يسميه البعض، القوة التحويلية التي امتلكها في علاقته ببلدان أوروبا الشرقية91 التي ساعدها على التحول الديمقراطي. من جهته، عمل النظام المغربي، منذ بداية التسعينيات، على توظيف ورقة الإصلاح السياسي لتعزيز شراكته مع أوروبا. تجلّ ذلك في اتفاق الشراكة الذي وقعه الطرفان في 26 شباط/ فبراير 1996، ودخل حيز التنفيذ في فاتح آذار/ مارس 2000 92. لقد نص هذا الاتفاق على أهمية الحوار السياسي للنهوض بقيم الديمقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان، إلا أن ذلك جاء في صيغة تعميمية تفتقد إلى الدقة والوضوح، وهو ما عبَّ عن طبيعة الشراكة الأورومتوسطية التي تخدم مصالح أوروبا في سياق بحثها عن تحقيق التوازن الإستراتيجي في مواجهة الولايات المتحدة93؛ الأمر الذي تقاطع مع رؤية النظام لهذه الشراكة، من خلال حثّه أوروبا على التركيز على الجانب الاقتصادي مدخلً أساسيًّا لإنجاز التنمية الشاملة، وكسب رهانات الانخراط في الاقتصاد العالمي، والتبادل الحر لتسريع وتيرة النمو94. ومن ثم،ّ غدت هذه الورقة، بالنسبة إلى النظام، تكتيكًا تُ ليه إكراهات الاقتصاد والسياسة والهجرة والأمن ومكافحة الإرهاب في حوض المتوسط. غير أن اندلاع الثورات العربية وضع الاتحاد أمام تحديات جديدة؛ فالرهان على الاستقرار على حساب التطلعات الديمقراطية للشعوب بدا أنه ليس بالإستراتيجية الناجعة دائمًا95، وأظهر أن الوقت حان لإعادة توجيه سياسة الاتحاد إزاء بلدان جنوب المتوسط، في ضوء تطلّع شعوبها إلى الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية، فلم تعُد هناك حاجة إلى الرهان على "الاتحاد من أجل المتوسط" الذي أ حدث في قمة باريس في عام 2008 96، وباتت الحاجة ماسة إلى مداخل مغايرة تستوعب الارتجاج الذي أحدثته هذه الثورات. لقد رحّب الاتحاد بتفاعل الملك محمد السادس مع حركة 20 فبراير97، إلا أنه فضَّ ل أن يتفاعل مع الربيع المغربي من خلال برامج عامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية98. وفي هذا الإطار، أظهر اهتمامًا خاصًا بالمغرب تكريسًا للوضع المتقدم الذي منحه في 13 تشرين الأول/ أكتوبر 2008 99. ومثَّلت المساعدات الإنسانية والبرامج السياسية أبرز أوجه هذا الاهتمام100. فوقَّع الطرفان الاتفاقَ الفلاحي بتاريخ 16 شباط/ فبراير 2012 101، بعد سنوات من المفاوضات. وكان المغرب ضمن البلدان العربية التي استفادت من برنامج "دعم الشراكة والإصلاح والنمو الشامل" SPRING الذي انصبّ على وضع برامج اقتصادية واجتماعية مستعجلة ودعم المسارات الانتقالية102. وحظي تحديث القضاء بدعم أوروبي واضح103 استمر طوال الأعوام الفائتة104. كما استفاد من مِنح وهبات لتعزيز الحكامة العمومية والنهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية105.
وتكشف خطة العمل الجديدة (المغرب - الاتحاد الأوروبي: –2013 2017) التي تم توقيعها في 16 كانون الأول/ ديسمبر 2013، جانبًا من الاختلالات التي تعرفها الشراكة المغربية الأوروبية، ففي وقت يتم فيه التركيز على اندماج الاقتصاد المغربي في الاقتصاد الأوروبي، لا يحظى الجانب السياسي إلا بإشارة عابرة حول "تعميق التعاون السياسي وفقًا للأهداف العامة لاتفاق الشراكة الأورومتوسطية"106، ما يُكرّس أولوية الاقتصاد على السياسة في الإستراتيجية الأوروبية. وسلكت الدول الأعضاء في الاتحاد المنحى نفسه، ففرنسا وبحكم شبكة مصالحها السياسية والاقتصادية والثقافية الواسعة مع المغرب107 لم تتخلَّ يومًا عن واقعيتها التي تحكم سياستها الخارجية108، فالاستقرار في المغرب، لا يتأتى بالنسبة إليها إلا بدعم المَلَكية والقوى الاجتماعية المتحالفة معها، في ضوء تزايد المخاوف من تنامي قوة الإسلام السياسي، الأمر الذي يجعل النظام المغربي، بحكم مشروعيته الدينية، الأقدرَ على تحقيق الاستقرار وفقًا للرؤية الفرنسية. أما إسبانيا، التي انحازت منذ سنوات إلى خيار دعم الاستقرار في المنطقة العربية109، فعملت على دعم المسارات الانتقالية العربية، وإن لم يتبلور ذلك في سياسة واضحة ومتماسكة110، بسبب موقعها الجغرافي الذي يجعل "مصالحها في جنوب المتوسط أكثر عرضة للتهديد من شركائها في شمال أوروبا"111. وضمن هذا الأفق، انخرطت في برامج للإصلاح، خاصة في ظل امتلاكها تجربة واسعة في التعاون في مجال "الحكامة الديمقراطية"، بسبب إرثها في التعاطي مع إشكالات الانتقال الديمقراطي112. وبحكم أهمية استقرار المغرب بالنسبة إليها، فقد كان الأخير ضمن البلدان العربية التي استفادت من عدة مشاريع وبرامج إصلاحية إسبانية، أبرزها مشروع ADL لإصلاح القضاء113. لا نعثر في الوثائق الأوروبية على ما يشير إلى ضغوط منتظمة، تتوخى التأثير في الفاعلين في المغرب من أجل وضع خطة محكمة لهذا التحول، بالتركيزِ على وثيقة دستورية تضعها هيئةٌ تأسيسية، وتأهيل الأحزاب السياسية، وتقليص سلطات الملك، وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة تفرز حكومة منسجمة بصلاحيات قوية. كما لا يبدو مكترثًا لوضع الطبقة الوسطى في المغرب باعتبارها رافعة سوسيولوجية وثقافية لهذا التحول. وحتى عندما ينخرط في دعم المجتمع المدني، فإن ذلك غالبًا ما يستهدف المنظمات التي تتمركز في المدن والحواضر الكبرى، الأمر الذي يجعل دعم الأوروبيين المجتمع المدني في المغرب لا يتوافق مع الطلب المحلي؛ ما يُفضي إلى خلق منظمات لا علاقة لها بدعم الإصلاح114، بل تصبح، في أحيان كثيرة، عقبة أمامه بسبب عجزها عن تجديد بناها التنظيمية. تعكس هذه البراغماتية الأوروبية، التي لا تقتصر على المغرب115، اهتمام الأوربيين المتزايد بالفضاء الأورومتوسطي، لكنه اهتمام محكوم بالمصالح الاقتصادية والإستراتيجية. وإذا كان هناك حوار سياسي بين المغرب والاتحاد الأوروبي، فإنه ينصبّ على الجانب المؤسسي والاستشاري والتقني الذي يفتقد الفاعلية اللازمة لإحداث تغيير في بنية السياسة المغربية. إن التحول الديمقراطي في المغرب، بالنسبة إلى الاتحاد ليس أكثر من فتح الأسواق المغربية أمام المنتجات الأوروبية، وتحرير الاقتصاد في أفق إدماجه في الاقتصاد الأوروبي، وخلق فضاء اقتصادي مشترك116 تكون فيه الهيمنةُ لأوروبا. وبطبيعة الحال، فإن ذلك يجب أن يتم في ظل استقرار سياسي واجتماعي يجسّده نظام ملبرل Libéralisé إلى حد ما، لكنه، قطعًا، ليس ديمقراطيًّا، لأن ذلك قد يقف حجر عثرة أمام مصالحها الاقتصادية في المغرب والمنطقة. في ضوء ذلك، ندرك الدلالات الكامنة خلف بعض الخطوات التي قامت بها جهات أوروبية مختلفة، مثل إقدام الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي في 2 حزيران/ يونيو 2011 على منح البرلمان المغربي صفة "شريك من أجل الديمقراطية"117، وهو ما تزامن مع وضع الدستور الجديد الذي لم تضعه جمعية تأسيسية منتخبة، كما تقضي بذلك الديمقراطية الغربية، بل لجنةٌ عيّنها الملك. كما لم يتردد واضعو تقريرٍ صادر عن لجنة الشؤون الأوروبية بمجلس الشيوخ الفرنسي، في القول إن المغرب تجاوز مرحلة التحول الديمقراطي في اتجاه ترسيخه، مستندين، في ذلك، إلى دسترة الحقوق والحريات،
وإقرار التعددية الحزبية، واحتكار المَلكية الدِّين عبر إمارة المؤمنين، وقبول صعود الإسلاميين إلى السلطة بعد عام 2011، وحيوية المجتمع المدني118، هذا في وقت لم يتطرق التقرير إلى غياب الديمقراطية في وضع هذا الدستور، وضعف المشروعية الديمقراطية أمام تجذّر المشروعية التقليدية، وضعف مؤسسات الوساطة. نستنتج أن السياسة الأوروبية إزاء المغرب براغماتية، تقودها هواجس اقتصادية وأمنية بالدرجة الأولى. ولذلك يحرص الاتحاد أن تكون الإصلاحات التي يقوم بها النظام، بين الحين والآخر، محكومة بسقف معين، بحيث تضمن حدًا أدنى من الاستقرار السياسي والاجتماعي، وتَحُول دون التمدد السياسي للإسلاميين تحت ذريعة الدفاع عن القيم الديمقراطية119، وتُكرّس إسلامًا مغربيًّا معتدلً ومقبولً في الغرب، كل ذلك ضمن منظور للحفاظ على المصالح الأوروبية في المغرب. ومن هنا، لم يكن مستغربًا أن يلزم الاتحاد الصمت في محطات دالة جدًا، أبرزها أزمة حراك الريف، ومخاض تشكيل الحكومة الذي أعقب انتخابات 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2016 120. هذا الصمت الدالّ لا يمكن أن يفسر إلا باقتراب موعد تجديد اتفاقية الصيد البحري بين الطرفين التي انتهت صلاحيتها في 14 تموز/ يوليو 2018، ما يعني حرص الأوروبيين على ألا يؤثر أي أمر، مهما كان، في مسار مفاوضاتهم مع الرباط بشأن تجديد الاتفاقية المذكورة.
3. المؤسسات المانحة: المشروطية الملتبسة
عرف الاقتصاد المغربي مع نهاية السبعينيات اختلالات كبرى، تمظهرت في عجز الموازنة العامة وارتفاع معدل المديونية، ما دفع النظام إلى طلب مساعدة المؤسسات المالية الدولية التي تحولت، منذ ذلك الحين، إلى متدخل في القرار الاقتصادي المغربي؛ فأصبح الحصول على قروضها رهينًا بتطبيق وصفاتها الليبرالية. ابتداء من عام 1983، بدأ المغرب في تطبيق برنامج "التقويم الهيكلي" بتوصية من هذه المؤسسات، وارتكز على تخفيض العجز في الموازنة، وتقليص الإنفاق العمومي. واندرج هذا البرنامج ضمن الجيل الأول من نظام المعونة الدولية الذي اتّسم بتجنب الخوض الصريح في قضايا الإصلاح السياسي121، والاكتفاء بالإصلاح الماكرو-اقتصادي من دون اعتبار لتكلفته الاجتماعية. وطوال الثمانينيات، قامت الدولة بإصلاحات هيكلية، ما فتئت أن تعززت بتدابير ليبرالية أخرى (سياسة الخصخصة مثلً)، ترجمت تفاعل الفاعلين في الداخل مع التقارير التي تصدرها هذه المؤسسات122. وسرعان ما بدأ هذا البرنامج يفرز تناقضاته لاقتصاره على الجوانب المالية والاقتصادية، دونما اكتراث لما يتطلبه ذلك من إصلاح سياسي عميق يتجاوز جرعات اللبرلة المحدودة. بيد أن المتغيرات الدولية لنهاية الثمانينيات ألقت بظلالها على علاقة المغرب بهذه المؤسسات التي صارت تأخذ بالمشروطية السياسية أداةً لتأطير علاقتها بالدول التي تطلب مساعدتها123. وأضحى الحصول على هذه المساعدات رهينًا بمدى احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان124. ووجد المغرب نفسه في مواجهة هذه المشروطية التي تعكس ما يعرف في أدبيات التحول الديمقراطي بإستراتيجية الضغط Leverage 125، حيث الحصول على القروض والمساعدات مشروط بتنفيذ إصلاحات سياسية وإدارية واسعة. يتعلق الأمر بمأزق حقيقي واجهه "الاختيار الليبرالي" للدولة المغربية. وهو اختيار يفترض تكامل بعديه الاقتصادي والسياسي؛ فلا يمكن فك الارتباط بين الأنظمة الديمقراطية والقابلة للمحاسبة، والأداء الجيد لمؤسساتها الاقتصادية. فالديمقراطية التي تتأسس على المشاركة تتطلب إعطاء دور أكبر للمنظمات المحلية والحكم الذاتي واحترام حقوق الإنسان، بما في ذلك أنظمة قانونية فعالة يسهل الوصول إليها، وأسواق تنافسية، ومقاولة حرة ديناميكية126. ولذلك أصبح من الصعب التوفيق، في الحالة المغربية، بين نظام سياسي مركزي ونظام اقتصادي ليبرالي في ضوء تطلّع النظام إلى استخلاص عائد سياسي ومالي من علاقته بمؤسسات التمويل الدولي.
منذ مطلع التسعينيات، نجحت هذه المؤسسات في زيادة تكاليف السلطوية المغربية، بربطها بين حصول النظام على مساعداتها المالية وضرورة احترامه معايير الحكامة الجيدة، وسيادة القانون، ومكافحة الفساد، وإصلاح الإدارة. لكن هذا الربط لا يشير إلى أن هذه التدابير يجب أن تنتظم داخل إستراتيجية للتحول الديمقراطي. صحيح أن بعض تقارير هذه المؤسسات أحدث ارتجاجًا وصل إلى قمة هرم السلطة127، إلا أن تأثيرها لم يمتد إلى مساءلة الخيارات غير الديمقراطية للنظام؛ ما يجعل مبدأ المشروطية السياسية الذي باتت تتبنّاه هذه المؤسسات ملتبسًا. ويكاد يكون إقرار الحكامة الجيدة أبرز المطالب التي تشدّد عليها تقارير مؤسسات التمويل الدولي بشأن المغرب، ولا سيما تلك التي تتعلق باختلالات الإدارة العمومية128. ولقد أجرت السلطة إصلاحات إدارية في هذا الصدد، إلا أن ذلك لم يكن ضمن إصلاح مؤسسي كامل ينفذ إلى البنية العميقة لمعادلة توزيع القوة والسلطة، بقدر ما كان وفق متطلبات الانفتاح السياسي المحدود. ولا نستغرب أن تعتبر هذه المؤسسات أن المغرب بدأ مسلسل التحول الديمقراطي منذ المراجعة الدستورية لعام 1992 129، علمً أننا لا نعثر في التجارب المقارنة على تحول ديمقراطي يمتد أكثر من ربع قرن. يعني ذلك أن نظام المعونة الدولية لا يختلف في إستراتيجيته عن القوى الكبرى. فهو مستعد لإدخال هذا النظام السلطوي أو ذاك إلى نادي الديمقراطيات العريقة، إذا كان ذلك يصبّ في اختيارات النظام الاقتصادي الدولي الذي يعرف هيمنة هذه القوى على مقدّرات البلدان النامية وثرواتها. وبما أن اجتزاء الحكامة الجيدة غير ممكن لارتباطها بالديمقراطية وحقوق الإنسان، فإن استمرار السلطوية المغربية في تغذية توتراتها وإعادة إنتاجها يجعل الحديث عن هذه الحكامة بلا جدوى، ومفتقدًا إلى الاتساق الذي تتطلبه دينامية التحول الديمقراطي بما هو تجاوز حتميّ لهذه السلطوية. ومن ثمّ، لا تستدعي المؤسساتُ المانحة السياسةَ المغربية ضمن رؤية متكاملة للتحول الديمقراطي، بقدر ما تستدعيها بطريقة مجتزأة، كإشادتها بما تحقق في مجال الحقوق والحريات130، علمً أن المكتسبات النسبية التي حققها المغرب في هذا المجال لم تلتحم، بعد، بمشروع حقيقي للتحول الديمقراطي. تجلّت هذه الاجتزائية في البرامج التي استفاد منها المغرب خلال الأعوام الأخيرة، وأبرزها مبادرة دوفيل Deauville، التي تم إطلاقها في 26 أيار/ مايو 2011 في اجتماع رؤساء الدول الثماني الكبرى G8، وتضمّنت شقين، أحدهما سياسي والآخر اقتصادي، واستهدفت دعم المسار الانتقالي في المنطقة131. وما يلفت الانتباه أن تركيزها في الشق السياسي على مكافحة الفساد والرشوة، والتزام الحكامة الجيدة، باعتبارها مسائل ضرورية للانتقال132، ظل ضمن الإطار الإداري الصرف ولم يتجاوزه نحو رؤية سياسية متكاملة. أظهرت هذه المبادرة أن الدول الثماني غير معنية بتحقيق الديمقراطية في المغرب، ولا سيما مع الانفتاح النسبي الذي يعرفه، والذي يُفترض أن يكون قوة دفع فعالة في اتجاه الدمقرطة. وظهر واضحًا أن ما يهمّها، في المنطقة العربية، إحلال الاستقرار الذي يساعد على الاستمرار في الإصلاح، وخلق مناصب شغل، وتوسيع دائرة المشاركة والحكامة، وإدماج الاقتصادات العربية المعنية في الأسواق التجارية الدولية133. لم تنشغل هذه المبادرة بإقامة البنى المؤسساتية والقانونية الكفيلة بإعادة توزيع السلطة على نحو أكثر ديمقراطية، ولا بإنعاش الطبقة الوسطى ودورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية بما هي شرط رئيس للدمقرطة والتحديث. إضافة إلى ذلك، لا تكترث المؤسسات المانحة للجانب المؤسساتي/ الديمقراطي الذي يؤطر المساعدات والقروض التي يتوصّل بها المغرب، ولا تلحّ على أن تتم المفاوضات، ذات الصلة، عبر المؤسسات الرسمية، وعلى رأسها البرلمان، تجنبًا لاستفراد السلطة بتدبير القرار وإقصاء الفاعلين الآخرين، مع ما يعنيه ذلك من فتح الباب أمام الفساد والمحسوبية اللذين قد يشوبان هذه المساعدات والقروض. ولا تبدو هذه المؤسسات مهتمة بتشكيل مؤسسات مستقلة للمتابعة والتنفيذ والأجرأة والمحاسبة، ولا بالتوزيع المجالي والترابي
لهذه المساعدات، بما يُفضي إلى تنمية مجالية متوازنة. كما لا تعترض على احتكار السلطة والنخب التصرفَ في هذه المساعدات من دون اعتبار احتياجات الأرياف التي تعاني مشكلات ثقافية واقتصادية واجتماعية134، وتتطلب تدخلً عاجلً لتدبيرها والحد من تداعياتها. في معظم الوثائق التي أصدرتها المؤسسات المانحة بشأن المغرب، لا توجد رؤية واضحة تخص الحقل السياسي. فمثلً، اعتبر البنك الدولي أن الدستور الجديد وآفاقَ إبرام اتفاق التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي فرصتان تاريخيتان من أجل تطوير الاقتصاد والمجتمع المغربيين135، لكنه لم يعرّج على أزمة السياسة المغربية ممثلة في ثقل موارد الشرعية التقليدية قياسًا على موارد الشرعية الديمقراطية. ففاعلية النص الدستوري، من وجهة نظر البنك الدولي، رهينة بمدى إسهامه في تطوير الاقتصاد؛ أي ربط الاقتصاد المغربي بالأسواق العالمية عبر تحرير الأسواق وخصخصة مؤسسات القطاع العام من دون اعتبار التكلفة الاجتماعية لذلك. إنها مشروطية ملتبسة تحيل إلى أنماط بناء الحقل السياسي وبموقع بعض الفاعلين فيه، خاصة الإسلاميين، فكلما كان النظام قادرًا على إدماج هؤلاء وترويض تطلعاتهم السياسية، أمكن المؤسسات المانحة اجتراح مداخل وصيغ عملية للتعامل مع الحالة المغربية. بمعنى أن الأمر لا علاقة له بما يُعرف بإستراتيجية الربط التي تقوم على تقديم الدعم الاقتصادي للدول المتحولة إلى الديمقراطية حديثًا136، بقدر علاقته بإعادة إنتاج السلطوية المغربية وفق شروط أكثر استجابة لإستراتيجية هذه المؤسسات التي تجسّد القوى المتحكمة في الاقتصاد الدولي. وحتى حينما تقرّر هذه الأخيرة منح المغرب مساعدات، فكثير منها يظلّ مجرد توصيات بلا تنفيذ، خاصة ما تعهّد به صندوق النقد الدولي إبان الربيع العربي؛ الأمر الذي يجعل مثل هذا التعهد إعلان نيات أكثر منه التزامًا صريحًا، لأن معظم ما يتم تخصيصه من أموال يكون في شكل استثمارات أو قروض أكثر من كونه مساعدات137. إن فاعلية أي إصلاح سياسي رهينة بمدى قدرة الفاعلين في الداخل على تحقيق الاستقرار، الذي يساعد على استثمار عوامل أخرى لا تقل أهمية (الموقع الجغرافي للمغرب، وقربه من أوروبا، وجاذبيته للاستثمارات... إلخ)، وهي عوامل تشكل ميزة تنافسية، بحسب هذه المؤسسات، تُخوِّل المغرب اللحاق بالركب الاقتصادي138، الذي لا يعني غير الاندماج الكامل في حركة الأسواق الدولية. عدا ذلك، لا نجد في وثائق البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ما يحيل إلى تقوية الطبقة الوسطى المغربية. بل على العكس من ذلك، تجتهد هاتان المؤسستان في تضييق الخناق على هذه الطبقة بتوصياتهما القاضية بتقليص الإنفاق العمومي في القطاعات الاجتماعية؛ ما يعني زيادة الضغوط عليها، وتقليص فرص الترقي الاجتماعي أمامها، والتصدي لطموحاتها السياسية.
خاتمة
بقدر ما ساعدت العوامل الخارجية على توسيع هامش اللبرلة في الحقل السياسي المغربي، ساعدت كذلك على الحد منها، في ظل غياب الإرادة لدى الفاعلين في الداخل لإنضاجها وتطويرها. حدث ذلك في محطتين فاصلتين إبان ثلاثة عقود، الأولى مع نهاية الحرب الباردة، والثانية مع اندلاع الثورات العربية في نهاية عام 2010، وضعتا النظام المغربي أمام تحديات جمة أربكت حساباته، ودفعته إلى ضخ مزيد من اللبرلة في مؤسساته، وفق إستراتيجيته الموجهة إلى تعبئة موارد جديدة تعزز شرعيته الخارجية، رغم أن لكل محطة سياقاتها.
وفي وقت كان يُنتظر أن تساعد الموارد الخارجية الفاعلين، في الداخل، على تحويل هذه اللبرلة إلى مشروع للتحول الديمقراطي، لم تعمل إلا على الحد من امتداداتها داخل النسيج الاجتماعي، وكرّست قدرة النظام على ما يسميه البعض تحييد التأثير الخارجي139، هذا من دون أن نُغفل الدور الذي كان للإصلاحات التي دأب هذا النظام في اتخاذها من حين إلى آخر، والتي غالبًا ما تمنحه موارد لتدبير المنعرجات المفاجئة، وهو ما ظهر واضحًا في تدبيره الرجة الثورية التي هزت المنطقة مع بداية عام 2011 140. لم ينظر الفاعلون الدوليون إلى التحول الديمقراطي في المغرب باعتباره خريطة طريق محكومة بسقف زمني محدد؛ الأمر الذي ترجم عدم
جديتهم ومحدودية تأثيرهم في الدفع بعجلة الديمقراطية. بيد أن ذلك يجب أن لا يقلل من دور العوامل الداخلية؛ فالنظام لا يألو جهدًا للحد من فاعلية الضغوط الخارجية، مستثمرًا بنيته التقليدية المتجذرة، وضعفَ النخب والأحزاب والمجتمع المدني والطبقة الوسطى. فهو يدرك أن سياسات اللبرلة ما تمثل خطرًا على التوازنات القائمة، وبالأخص في ضوء وجود عوامل خارجية مساعدة، ولذلك يعمل على إدارة هذه السياسات بالحد من تأثيراتها على المدى البعيد. في المقابل أيضًا، لا يتردد في استثمار العوامل الخارجية المعيقة للتحول الديمقراطي، وهو ما تجلّ في صعود قوى الثورة المضادة في المنطقة بعد إخفاق الثورات العربية في إنجاح مساراتها الانتقالية. ونظرًا إلى أن هذه الثورات لم تقدّم نموذجًا مكتمل141، فقد ضاعفت من التحديات المطروحة على هذا النظام الذي عمل على استخلاص العائد السياسي للانتكاسة التي مُني بها معظم هذه الثورات. هذه القدرة على توظيف العوامل الخارجية، إيجابيًّا وسلبيًّا، خوَّلت النظام هامشًا لتدبير التوازنات الداخلية، من خلال التحكم في منسوب اللبرلة، والحفاظ على عمقه السلطوي، والحيلولة دون دمقرطته بما يمكن أن يُفضي إلى تعاقد اجتماعي وسياسي جديد. فاستطاع أن يكون أحد الأنظمة العربية القليلة التي نجحت في فك الارتباط بين اللبرلة والديمقراطية، بالإجهاز على الدينامية التي تصل بينهما142، والوصول إلى حقل سياسي ينبني على مَلكية دستورية تنفيذية قوية، وإسلام سياسيّ معتدل مستعدّ للاندماج في هذا الحقل، وتعددية حزبية متحكَّم فيها؛ الأمر الذي يجعله، أي النظام، قادرًا على إدارة التناقضات التي تفرزها هذه المعادلة، ومن ثمّ "التكيف مع السياق الدولي والإقليمي تجنبًا لكل انزلاق داخلي غير متوقع"143. غير أن فك الارتباط هذا يستوجب، بالضرورة، إعادة تحديد هوية النظام بعد إخفاقه في التحول الديمقراطي طوال العقود المنصرمة، وفي وقت يرى فيه البعض أن هذا الإخفاق يجعله أقرب إلى الأنظمة الهجينة Hybride 144 التي تنتظم في المنطقة الرمادية، يرى آخرون أن ذلك يدخله ضمن نطاق الأوتوقراطيات الملبرلة145؛ ما يعني اتساع الهوة بين البنية السياسية المغربية بكل التقليد المترسب فيها، والتحول الديمقراطي من حيث هو أفق سياسي واجتماعي قادر على إحداث الفارق. وإذا كان ضبط عملية التحول وتوجيهها يتطلبان خطة وبرنامجًا تتفق عليهما أوسع قوى سياسية ممكنة146، فإن الحالة المغربية تظل أبعد ما يكون عن ذلك، ليس فقط بسبب غياب الإرادة لدى الفاعلين في الداخل، ووجود مواقع محافظة داخل تركيبة الدولة والمجتمع، ولكن أيضًا بسبب ما يكتسيه الاستقرار السياسي في المغرب من أهمية بالنسبة إلى الفاعلين في الخارج، وهو ما يُحوّل دمقرطة هذا النظام إلى رهان تتجاذبه الإرادات والمصالح. فإذا كان من غير الممكن بناء الديمقراطية أو ترسيخها، إلا بتغلّب الفاعلين في الداخل على معضلاتها المختلفة، فمن غير الممكن، أيضًا، تجاهل دور العوامل الخارجية في صناعة هذا التحدي وتوجيهه. إنّ للعوامل الخارجية التقليدية (ضغوط القوى الكبرى والمؤسسات المانحة... إلخ) أهمية في التأثير في دينامية السياسة المغربية، لكنّ بروز جيل جديد من هذه العوامل قد يُحدث بعض التحول على المدى البعيد. فثورة الاتصالات التي يعرفها العالم حاليًّا من شأنها أن تساهم في خلق مصادر ضغط جديدة على النظام. ويمكن القول إن كشف وثائق ويكيليكس وبنما، على سبيل المثال، معلومات مختلفة تخص المغرب يمثّل نموذجًا لهذا الجيل الجديد من العوامل الخارجية، وإن كان من السابق لأوانه الحديث عن تأثير يمكن أن تمارسه على التوازنات السياسية في المغرب.
المراجع
العربية
انبعاث أمة. الرباط: مطبوعات القصر الملكي،.1988 أوتاواي، مارينا ورايلي ميريديث. "المغرب: من الإصلاح الهرمي إلى الانتقال الديمقراطي؟." مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. أوراق كارنيغي. العدد 71 (أيلول/ سبتمبر 2006:.) في https://bit.ly/2TUh7rR في الثورة والقابلية للثورة بشارة، عزمي.. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 بنيس، محمد أحمد. "السياسة الحقوقية في المغرب خلال التسعينات." أطروحة دكتوراه في العلوم السياسية. كلية الحقوق. أكدال. الرباط،.2004 البنك الدولي. " الحكم الجيد لأجل التنمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: تحسين التضمينية والمساءلة - نظرة عامة"..2003 https://bit.ly/2HLLfi0: في حجال، صادق. "تأثير العوامل الخارجية على عملية بناء الدولة لفترة ما بعد الحراك العربي لعام 2011 العلوم السياسية والقانون." مجلة. العدد 7 (شباط/ فبراير.)2018
حمودي، عبد الله. الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة. ترجمة عبد المجيد جحفة. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2000 خطب وندوات صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني. الرباط: منشورات وزارة الإعلام،.1991 سورنسن، غيورغ. الديمقراطية والتحول الديمقراطي: السيرورات والمأمول في عالم متغير. ترجمة عفاف البطاينة. مراجعة عبد الرحمن عبد القادر شاهين. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 شوفور، جون بيير. المغرب في أفق 2040: الاستثمار في الرأسمال اللامادي لتسريع الإقلاع الاقتصادي، ملخص تحليلي. واشنطن: منشورات البنك الدولي للإنشاء والتعمير،.2017 كولفرني، محمد. "الربيع العربي والإصلاح الدستوري في المغرب." سياسات عربية. العدد 22 (أيلول/ سبتمبر .)2016 مؤذن، عبد الحي. "العدالة الانتقالية والسلطوية الملبرلة: نموذج عمران المغرب.". مج 2، العدد 5 (صيف.)2013 النويضي، عبد العزيز. "اشتراطية حقوق الإنسان: ربط المساعدة باحترام حقوق الإنسان في العلاقات بين الدول." المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية. العدد.)1999(18 مجموعة مؤلفين. 1998-1958: أربعون سنة من الحريات العامة بالمغرب. الرباط: المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية،.1999 مجموعة مؤلفين. التقرير الاستراتيجي المغربي.)2010-2006(التقرير التاسع. الرباط: منشورات مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية،.2010 هانتنجتون، صامويل. الموجة الثالثة: التحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين. ترجمة عبد الوهاب علوب. الكويت: دار سعاد الصباح،.1993
الأجنبية
Amnesty international. Maroc: Appel en faveur de six prisonniers politiques - communiqué de presse: MDE. 40 / WU / 01.89-3 octobre 1989. Schmitter, Phillipe C. "Se déplaçant au Moyen-orient et en Afrique du Nord, 'transitologues' et 'consolidologues' sont- ils toujours assurés de voyager en toute sécurité?" Patrick Hutchinson (trad.). Annuaire de l'Afrique du Nord. vol. 38 (2002). Cavatorta, Francesco. "The International Context of Morocco's Stalled Democratization." Democratization. vol. 12, no. 4 (2005). Commission Européenne. "Déclaration de Barcelonne et programme de travail (Barcelone, 27 et 28 novembre 1995)." CVCE Website (1995). at: https://bit.ly/2YcQzRh Country Reports on Terrorism 2015. Washington, DC: Bureau of Counterterrorism and Countering Violent Extremism, 2016. Country Reports on Terrorism 2016. Washington, DC: Bureau of Counterterrorism and Countering Violent Extremism, 2017. Diamond, Larry. "Puede el mundo entero ser democrático? Democracia, desarrollo y factores internacionales, traducido por Borja Díaz Rivillas." Revista Española de Ciencia Política. no. 9 (Octubre 2003). "Décision du conseil et de la commisssion: Du 24 janvier 2000 relative à la conclusion de l'accord euro- méditerranéen entre les Communautés européennes et leurs Étas membres, d'une part, et le Royaume du Maroc, d'autre part (2000/204/CE, CECA)." Journal officiel des Communautés européennes. vol. 70, no. 1 (2000). at: https://goo.gl/7St4sj Echagüe, Ana y Manrique, Manuel. "Las políticas de la Unión Europea hacia el Norte de África, ¿Cuál debe ser el papel de España?" FRIDE. Policy Brief. no. 83 (Julio 2012). Echagüe, Ana. "El papel de los actores externos en las transiciones árabes. " FRIDE. Policy Brief. no. 79 (Abril 2012) Linz, Juan J. Régimes Totalitaires et Autoritaires. Guy Hermet (Préface). Guy Hermet, Mohammad Saïd
Darviche & William Genieys (trans). Paris: Arman Colin, 2006. Llorente, Ángel. "Justicia y democracia en Marruecos y en el mundo árabe: ¿una oportunidad para la UE?" Real Instituto Elcano. 2011. Livitsky, Steven & Lucan Way. “Internacional Linkage and Democratization,.” Journal of Democracy. vol. 16, no. 3 (July 2005). Nodia, Ghia. "External Influence and Democratization: The Revenge of Geopolitics." Journal of Democracy. vol. 25, no. 4 (October 2014). O'donnell, Guillermo A., Philippe C. Schmitter & Laurence Whitehead. Transitions from Authoritarian Rule. Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1986. Ottaway, Marina. “Promoting Democracy in the Middle East, the Problem of U.S. Credibility.” Carnegie Endowment. Working Papers. no. 35 (March 2003). "Rapport du département d'Etat Américain sur la situation des droits de l'Homme au Maroc (1989)." Ambassade des États-Unis à Rabat (Mars 1990). Recommandation N° 1 / 2013 du conseil d'association UE-MAROC du 16 décembre 2013 portant sur la mise en œuvre du plan d'action UE-Maroc dans le cadre de la PEV mettant en œuvre le statut avnacé (2013-2017)." Journal officiel de l'Union européenne. vol. 352, no. 78 (2013). at: https://goo.gl/htP3b7 "Règlement d'exécution (UE) N° 812 / 2012 de la commission du 12 sep 2012 portant modification du règlement (CE) n° 747 / 2001 du conseil en ce qui concerne les contingents tarifaires de l'Union pour certains produits agricoles et produits agricoles transformés originaires du Maroc." Journal officiel des Communautés européennes. vol. 247, no. 7 (2012). at: https://goo.gl/YuiRFP Royaume du Maroc, Minstere de la fonction publique et de la Modernisation de l'administration. "Chronologie des dates importantes du Partenariat de Deauville." Rabat. 4/12/2012. Saidi Azbeg, Hynd. "Processus de démocratisation et monarchie constitutionnelle au Maroc." PhD. Dissertation. Université de Bordeaux Montesquieu. Pessac Bourdeaux. France, 2014. Scheneider, Carsten Q. & Philippe C. Schmitter. "Liberalization, Transition and Consolidation: Measuring the Components of Democratization." Democratization. vol. 11, no. 5 (December 2004). Sutour, M. Simon et al. "La politique méditerranéenne de l'Union européenne après le printemps arabe: les cas du Maroc et de la Tunisie." SÉNAT. Rapport d'information. no. 100 (2013-2014). Tolstrup, Jakob. "When can External Actors Influence Democratization? Leverage, Linkages, and Gatekeeper Elites." Center on Democracy, Development, and the Rule of Law. Working Papers. no. 118 (July 2010).