أزمة الدولة في اليمن: الخلفيات والمحددات

Hani Mousa هاني موسى |

الملخّص

اتسمت الدولة اليمنية المعاصرة بالتأزم والتعقيد، وينسحب ذلك على جميع المناحي الحيوية في الدولة والمجتمع. وتعود هذه التعقيدات إلى عهد النشأة وتستمر إلى اليوم، مخلفة آثارًا وتداعياتٍ خطيرة على وحدة اليمن سياسيًا وجغرافيا ومجتمعيا. وهناك تقاطعات شديدة الوضوح بين المكونات الداخلية والخارجية؛ ما يساهم في استدامة حالة التأزم في الدولة. فقد فشلت الحكومات اليمنية المتعاقبة في تأدية واجباتها ووظائفها المفترضة؛ ما حال دون تمكنها من التصدي للتدخ تاا الخارجية بأشكالها المختلفة. هذا إلى جانب غلبة الدور القبلي والمذهبي في اليمن تاريخيا على غيره من أدوار الفواعل السياسية اليمنية، التي لم تنجح في نقل اليمن نحو الحكم المدني، وبناء نموذج ديمقراطي يحقق الاستقرار ويتيح لليمنيين المشاركة الفاعلة في العمليتين السياسية والاقتصادية، ويرسخ مفهومي المواطنة وسيادة القانون، ويحافظ على الحقوق والحريات المختلفة لأفراد المجتمع اليمني كافة. كلمات مفتاحية: اليمن، القبلية، المذهبية. The contemporary Yemeni state is characterized by strife and complications involving all aspects of the state and society. These complexities go back to the era of its inception and continue today, leaving serious implications for the political, geographic and social unity of Yemen. There are very clear intersections between the internal (political, economic, social) and external components, which contribute to the sustained crisis in the Yemeni state. Successive Yemeni governments have failed to fulfill their assumed duties and functions, thus preventing them from dealing with all kinds of foreign interventions. Moreover, tribal and sectarian roles in Yemen have historically prevailed over other Yemeni political roles, which have not succeeded in transferring Yemen to civil rule. Nor have they managed to build a democratic model that achieves stability and allows Yemenis to participate actively in the political and economic process, consolidate the concepts of citizenship and the rule of law, and safeguard the various rights and freedoms of all members of Yemeni society. Keywords:  Yemen, Tribalism, Sectarianism.

Crisis of the Yemeni State: Background and Determinants

مقدمة

تتناول هذه الدراسة بالتحليل والنقاش أزمة الدولة اليمنية الحديثة1)، التي تجدد ظهورها تزامنًا 2018-1918(مع اندلاع ما يسمى ثورات الربيع العربي، وذلك عبر دراسة محدداتها الداخلية والخارجية وأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فاليمن، كغيره من الدول العربية، يعاني حالة تأزم في علاقاته الداخلية والخارجية منذ تأسيس دولته الحديثة (القُطرية) عام 1918 وحتى تاريخه، وهذا ماثل في المشهد اليمني الراهن وما سبقه من أحداث تاريخية ألقت بظلالها على وحدة الدولة سياسيًا وجغرافيًا ومجتمعيًا. وما يبرر اختيار الحالة اليمنية هو محدودية الدراسات التي تناولت الأزمة بالدراسة والتحليل، إلى جانب أن لليمن خصوصية تميزه من غيره من الدول؛ فهذا البلد ذو تاريخ عريق وحضارة أصيلة امتدت عبر آلاف السنين2. ومن هذا المنطلق، كان لا بدّ من التركيز على هذا البلد الذي تشّكل أزمته في الوقت الراهن إحدى أهم الأزمات في العالم العربي، وأشدّها تعقيدًا على الصعيدين الداخلي والخارجي، وبات اليمن قاب قوسين أو أدنى مهددًا بالتفكك جغرافيًا في ظل حالة التشظي السياسي التي يعانيها، وما نتج منها من حرب داخلية أهلية قادت في نهاية المطاف إلى اندلاع حرب إقليمية بالوكالة ما زالت مشتعلة حتى الآن. لذا، يتمحور النقاش في هذه الدراسة حول إشكالية رئيسة: ما المحددات الجوهرية الأشد تأثيرًا في حالة التأزم التي تعانيها الدولة اليمنية الحديثة؟ وهذه الإشكالية ستتم معالجتها في محورين أساسيين: يتناول الأول خلفيات الأزمة، وهنا سيتم التركيز على الفترة الزمنية الحديثة بداية من عام 1918، أي منذ الانسحاب العثماني عن الشطر الشمالي لليمن، وحتى تاريخه. أما المحور الثاني فيتناول محددات الأزمة الراهنة.

استهلال مفاهيمي

يقتضي موضوع الدراسة ضبطًا دقيقًا للمفاهيم الأساسية التي يساعد تحديدها في معالجة الإشكالية، وإزالة الغموض حولها، وذلك على النحو التالي: الأزمة: لم يعرّف مفهوم الأزمة3 تعريفًا شاملً مانعًا، ولم يتفق الباحثون والكتّاب على تعريف محدد له4، غير أنه يمكن اعتبارها حالة صعبة تصيب أحد المجالات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الأمنية أو تصيبها مجتمعةً نتيجة اضطرابات متراكمة، ناتجة من محددات إما داخلية أو خارجية أو الاثنين معًا، تؤدي في نهاية المطاف إلى فقدان السيطرة عليها، فتسعى النخبة الحاكمة أو صانع القرار لإيجاد الحلول لها، وفي كثير من الحالات يتعذر عليها تجاوزها5، لا سيمّا إذا كانت المعالجة متأخرة أو غير رشيدة6. ويعتبر مفهوم الأزمة مفهومًا واسعًا شاملً يتجاوز المفاهيم الأخرى المشابهة أو المرادفة مثل مفهومي الصراع والنزاع: مفهوم ال اررع7: هو حالة تصادم بين طرفين أو أكثر ناتجة من تناقض أو تضارب في الفكر أو التوجهات أو الرؤى أو المصالح بينهما، تتسبب في دخولهما حالة حرب أو عداء، تنتهي باضمحلال أحد الطرفين وفنائه8. وفي حال تم التوصل إلى اتفاق في هذا النوع من المواجهة، فهو لا يؤدي إلى انتهاء الصراع بل يقود إلى تجميده. فالصراع الذي جرى بين المعسكرين الشرقي والغربي انتهى بسقوط الاتحاد السوفياتي، وبالرغم من ذلك لم ينتهِ الصراع، وهذا ماثلٌ في العلاقة المضطربة أو المتأرجحة بين روسيا الاتحادية والقوى الغربية منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي. مفهوم النزاع: هو حالة تصادم أو عدم اتفاق بين طرفين أو أكثر ناتجة من تعارض في المصالح أو تنافس على موارد معينة، لكن يمكن السيطرة على النزاع بينهما من خلال التوصل إلى اتفاق،

  1. تجدر الإشارة إلى أن المقصود بالدولة الحديثة هو المعنى التاريخي والعمر الزمني، وليس المواكبة للتطور الجاري أو عملية التحديث والإصلاحات.
  2. رامي عبد الرحمن الرمحي، "اليمن: تكوين الدولة القطرية اليمنية ")1994-1962(، رسالة ماجستير، كلية الدراسات العليا، جامعة القدس، فلسطين، 2010، ص 4،.33
  3. الأزمة، من الناحية الإجرائية، خلل في المسار المعتاد أو موقف حرج وطارئ ناتج من مجموعة من الأحداث المتداخلة والتوجهات المتناقضة التي تضع متخذ القرار في موقف صعب في ما يتعلق باتخاذ القرارات، إلى الدرجة التي تؤثر في سير عمل المؤسسة أو الدولة، وقد تهدد استقرارها وتماسكها. فاليمن لم يعرف الاستقرار في تاريخه الحديث إلا فترات قصيرة ومتقطعة، انظر: مشعان الشاطري، "مفهوم الأزمة.. خصائصها ومراحل نشوئها"، المنتدى العربي لإدارة الموارد البشرية، 2011/6/18، شوهد في 2019/2/6، في: https://bit.ly/2TuDAeY
  4. منير محمود بدوي، "مفهوم الصراع: دراسة في الأصول النظرية للأسباب والأنواع"، دراسات مستقبلية، مركز دراسات المستقبل، جامعة أسيوط، العدد الثالث 1997()، ص.44
  5. محمد التامر عبادة، الولايات المتحدة وإدارة الأزمات الدولية سياسة: إيران، العراق، سورية، لبنان أنموذجًا (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.37-36
  6. المعالجة غير الرشيدة هي أن تحاول النخبة الحاكمة فرض رؤيتها وحلولها من طرف واحد فقط، مستخدمةً في ذلك القوة أو الإكراه بعيدًا عن الحوار الذي يقود إلى استجابة وتنازلات متبادلة من الأطراف كافة.
  7. تجدر الإشارة إلى أن مفهوم الصراع أوسع وأشمل من مفهوم النزاع، حيث يدور النزاع حول مسألة أو نقطة محددة، بينما الصراع له أبعاد واتجاهات متعددة. انظر: بدوي، ص.43
  8. شفيق الحوت، "الفرق بين الصراع والنزاع"، شوهد في 2018/9/28، في: https://bit.ly/2F5Biu1

من دون أن يقود ذلك إلى فناء أحد الأطراف9. وتجدر الإشارة هنا إلى النزاعات الحدودية بين الدول، مثل النزاع الحدودي بين مصر والسودان حول إقليم حلايب. الدولة: طرأت تغيّ ات مختلفة على مفهوم الدولة منذ العهد الإغريقي، وتعددت المدارس الفكرية التي تناولت هذا المفهوم10. لذا، تحاول هذه الدراسة تقديم مفهوم يعكس هذا التطور والاختلاف. ارتبط وجود الدولة تاريخيًا بوجود السياسة11، وقد مارست جهات مختلفة السياسة قبل نشوء الدولة، وكان أهم هذه الجهات القبيلة، التي أدت دورًا مهمً في بعض المراحل التاريخية في ضبط مجتمعاتها وتوزيع المصادر المحدودة، ومع التطور الذي شهدته البشرية ظهرت الدولة - المدينة الصغيرة في العهد الإغريقي، حيث حملت كل مدينة صفة دولة. ومن ثم اختفت هذه الدولة لتظهر مكانها إمبراطوريات كبيرة مترامية الأطراف، تضم بداخلها قوميات وأعراقًا مختلفة12، وكان يحكمها ملوك تتجسد فيهم صفة السيادة. وفي ظل تنامي النّزعات القومية في أوروبا، خلال القرن السادس عشر، وتراجع الدول الإمبراطورية والدينية، ظهرت الدولة القومية الحديثة التي تتمتع حصريًا بالسيادة على إقليمها وشعبها، معززة سيادتها بوجود اعتراف دولي بها13. ومع التطور الذي طرأ على العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة، أصبحت الدولة تعزز سيادتها من خلال منح المجتمع أو الأفراد حق المشاركة في الحياة السياسية، وأصبح رضا الأفراد وقبولهم هو أحد أهم المعايير لتحقيق الاستقرار والحفاظ على تماسك الدولة ووحدتها14. وفي ضوء التطور التاريخي للدولة المشار إليه سابقًا، أصبحت الدولة تتجسد فعليًا في مجموعة من العناصر الأساسية (الإقليم، والشعب، والسلطة، والسيادة)، ويشكل ترابط هذه العناصر وتكاملها دولةً تقوم على تنظيم شؤون الجماعات المختلفة داخلها، من خلال احتكارها عملية توزيع المصادر المتاحة، وحقها الحصري في استخدام العنف المشرع قانونًا15.

أولا: خلفيات الأزمة

1. النشأة المأزومة للدولة اليمنية المعاصرة

نشأت الدولة اليمنية الحديثة عام 1918 على جزء من أرض اليمن التاريخية16، على أنقاض ممالك وحضارات تعاقبت على اليمن. منها ما كان قبل الميلاد مثل سبأ وحضرموت ومعين وقتبان وأوسان17، ومنها ما كان قبل ظهور الدولة الإسلامية مثل الرومان والحكم الحبشي، وغيرها من الدول حتى مجيء الحكم الإسلامي الذي شهد مراحل حكم مختلفة مثل الراشدي والأموي والعباسي والأيوبي والفاطمي، وصولً إلى الحكم العثماني الأخير 1918-1538() الذي سبق تأسيس الدولة اليمنية الحديثة18. أنتج التنوع والتعدد اللذان شهدهما اليمن تاريخيًا أنظمة حكم مختلفة، جمعت في إطارها التناقضات في البنية الاجتماعية اليمنية (أعراق، مذاهب، قبائل) كافةً، وتمكنت مؤخرًا من إقامة إدارة مركزية في إطار دولة تسيطر على كامل التراب اليمني19. وذلك بالرغم من ظهور بعض حالات التشظي أو التصدع السياسي والقبلي التي كانت تصيب أطراف الدولة وأجزاءها في بعض الفترات التاريخية، وما أحدثته من عدم استقرار وإرباك للسلطة المركزية، لكن لم تنجح هذه الحالات الانقسامية20 في ضرب التعايش المشترك لأهل اليمن ووحدتهم اللغوية والثقافية والدينية21. تجلت إرهاصات ظهور الأزمة اليمنية تاريخيًا أو زمنيًا في وقوع عدن ومناطق يمنية أخرى تحت حكم المستعمر البريطاني، في نهاية الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، لِيصبح اليمن بذلك منقسم، جغرافيًا وديموغرافيًا وسياسيًا واقتصاديًا وإداريًا، جزأين متعاديين؛

  1. المرجع نفسه.
  2. محمد الهلالي وعزيز لزرق (إعداد وترجمة)، الدولة، سلسلة دفاتر فلسفية 21 (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2011)، ص.9
  3. تجدر الإشارة إلى أن هناك علاقة عضوية بين وجود السياسة ووجود الصراع؛ فالسياسة قائمة على وجود صراع بين طرفين أو أكثر بسبب محدودية الموارد المتاحة، وتستهدف السياسة حل الصراع أو الحد منه عبر توزيع تلك الموارد. وما جري في اليمن تاريخيًا، وما زال، من صراع وعدم استقرار كان مرتبطًا في أحد أسبابه بمحدودية الموارد التي يمتلكها اليمن وغياب التوزيع العادل لها من جانب الحكومات اليمنية المتعاقبة.
  4. الهلالي ولزرق، ص 6، 16،.37
  5. عبد العالي دبلة، الدولة: رؤية سوسيولوجية (القاهرة: دار الفجر للنشر والتوزيع، 2004)، ص 57،.59
  6. الهلالي ولزرق، ص.29-28
  7. دبلة، ص.61-59
  8. لم تنشأ الدولة اليمنية الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى على كامل التراب اليمني، وذلك نظرًا إلى عدم اكتمال مقومات النشأة وبقاء جزء مهم من أراضيها، متمثلً في إقليمها الجنوبي، مدينة عدن وضواحيها، تحت حكم المستعمر البريطاني.
  9. محمد عبد الله باسلامة، "الحضارة اليمنية القديمة والمنقولات الأثرية للخارج"، العربي، العدد 542 (كانون الثاني/ يناير 2004)، ص.120
  10. عبد الوهاب آدم العقاب، الوحدة اليمنية: دراسة وثائقية في تاريخ اليمن المعاصر من حكم الإمام إلى دولة الوحدة، سلسلة تاريخ شبه الجزيرة العربية (دمشق: دار ومؤسسة رسلان للطباعة والنشر والتوزيع، 2009)، ص.18-16
  11. أحمد محمد الأصبحي، "الوحدة اليمنية: نموذج عربي وحدوي في مطلع القرن "21، دراسات شرق أوسطية، العدد 11 (شتاء 2000)، ص.47-44
  12. من الأمثلة على حالات التصدع ما حدث في نهاية العهد العباسي، عندما انفصل بعض الأمراء عن المركز مثل انفصال محمد بن عبد الله بن زياد الذي أسس كيانًا سياسيًا صغيرًا في مطلع القرن التاسع 819(ميلادي) تركز عمومًا في المناطق الجنوبية من اليمن، انظر: المرجع نفسه، ص.47-46
  13. علي عبد القوي الغفاري، "لمحات عن الوحدة اليمنية عبر التاريخ"، المستقبل العربي، العدد 304 (حزيران/ يونيو 2004)، ص.45-44

الأول جنوبي تديره بريطانيا ومركزه عدن22، والثاني شمالي تديره الدولة العثمانية ومركزه صنعاء23. تمكنت بريطانيا من تحقيق مخططها الاستعماري في اليمن من خلال اللعب على التناقضات في البنية الاجتماعية اليمنية، القبلية والمذهبية والطائفية، وضرب التفاهمات بين هذه المكونات، مستخدمةً في ذلك إغراءاتها المالية والإدارية لبعض الزعامات التقليدية الباحثة عن أي سلطة وامتيازات24. فالسيطرة على عدن، ذات الموقع الجيوستراتيجي المهم، مكّنت بريطانيا من التوسع في اتجاه وسط المشرق العربي وغربه، وكذلك في اتجاه شرق القارة الأفريقية، وسيطرتها على البحر الأحمر الذي سهّل عليها عمليات الشحن من مستعمراتها في الهند وإليها. وأوجدت هذه السيطرة خللً بنيويًا أضعف الكيانية25 اليمنية، سياسيًا واقتصاديًا وديموغرافيًا، التي كان من المفترض أن تؤسس دولة حديثة موحدة26. وعليه، فقد استفادت بريطانيا من حالة التشظي التي شهدها اليمن تاريخيًا، وتجلت تلك الحالة في تعدد الكيانات، القبلية والمذهبية والطائفية، ذات الطابع السياسي، والتي شكّلت مدخلً لتغلغلها في الأراضي اليمنية27. تجسد التقسيم الثنائي لليمن بعد قبول العثمانيين، تحت وطأة المستعمر البريطاني، في اتفاقية مودروس28 عام 1918، التي حرمت اليمنيين من التوحد في إطار دولة مستقلة ذات سيادة على كامل إقليمها وشعبها. كما أنهت هذه الاتفاقية الوجود العثماني في اليمن29، وأسست مرحلة جديدة من الصراع، لكن هذه المرة بين دولة يمنية حديثة النشأة في الشمال بزعامة الإمام الزيدي يحيى حميد الدين، ومستعمر بريطاني في الجنوب، إلى جانب بعض الفواعل30، المحلية والإقليمية والدولية، التي انقسمت في مواقفها ودعمها بين الطرفين المذكورين آنفًا، حتى باتت أحد عناصر الأزمة اليمنية31. لم يكن اتفاق مودروس، الذي تأسست بموجبه الدولة اليمنية الحديثة في الشمال، الأول والأخير مع المستعمر البريطاني، فقد سبقته اتفاقيتان الأولى عام 1904 والثانية عام 1914، وتبعهما اتفاق آخر عام 1934. وكان هذا الاتفاق الأخير الأخطر والأشد تأثيرًا في مستقبل اليمن، وعنصرًا من عناصر الأزمة؛ إذ حسمت فيه مسألة ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب، أي بين طرفي الحكم في اليمن: بريطانيا من جهة، والإمام يحيى حميد الدين32 مؤسس نظام الحكم الملكي في الشمال 1962-1918() من جهة أخرى33. جاء الترسيم الحدودي مكرسًا للتجزئة بين شطري اليمن، وداعم المصالح البريطانية ومشرعنًا احتلالها، ومدمرًا الامتدادات الطبيعية والديموغرافية والثقافية بين أبناء الشعب اليمني الواحد. إذًا، كان هذا الاتفاق خطأ إستراتيجيًا ارتكبه نظام الحكم الملكي، سواء بشكل عفوي أم مقصود. فقد عانى اليمن آثار هذه الخريطة التي رسمت في اتفاق عام 1934 وتبعاتها حتى تمكن من تحقيق الوحدة بين شطريه في مطلع العقد الأخير من القرن الماضي34. ولا بدّ من الإشارة إلى أن الدولة اليمنية الحديثة 2018-1918() شهدت ثلاث مراحل تاريخية - سياسية مأزومة امتدادًا لأزمة تكوينها ونشأتها، وهي على النحو التالي: الحكم الملكي 1962-1918()، والحكم الجمهوري -1962(1990)، والحكم الجمهوري بعد توحد الشطرين.)2018-1990(يتضح مما سبق أن نشأة الدولة اليمنية الحديثة ارتبطت بالأزمة، ففي كل مرحلة من مراحل تطورها، المشار إليها سابقًا، كانت تتفاقم عناصر هذه الأزمة على الصعيدين الداخلي والخارجي بدل من تجاوزها. وقد تجلت أزمة النشأة في جوانب عديدة أهمها: أن الدولة اليمنية (القُطرية) التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى، كغيرها من الدول العربية، هي دولة مسقطة على المجتمع اليمني، ولم تأتِ في سياق تطور طبيعي انسيابي أو في إطار تعاقد

  1. تجدر الإشارة إلى أن عدن اليمنية، بأهميتها الجيوستراتيجية، خلقت صراعًا بين القوى الكبرى (بريطانيا، والدولة العثمانية، وفرنسا، وإيطاليا، ومصر في أثناء حكم محمد علي باشا) حسمت نتيجته بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918 لمصلحة بريطانيا.
  2. تاريخ جنوب الجزيرة العربية الحديث للمزيد انظر: صباح مهدي وميض، (عمان: دار الفكر، 2010)، ص 171-169، 178-177،.192
  3. من الأمثلة التي توضح سياسة بريطانيا في استقطاب بعض الزعامات اليمنية التقليدية، ما فعلته مع الزعيم المحلي لمنطقة لحج اليمنية السلطان محسن العبدلي، الذي أدى دورًا مهمً في مساعدة بريطانيا على السيطرة على مدينة عدن، مقابل حصوله على العطايا والمنح المالية التي لم تتعد بالدولار الأميركي سبعة آلاف دولار، انظر: محمد أحمد العشملي، الوحدة والصراع السياسي: دراسة في التكوين التاريخي والسياسي لدولة الوحدة اليمنية -1820 03 20 (صنعاء: مركز النهار للدراسات السياسية، 2004)، ص.24
  4. يقصد بالكيانية، في إطار هذه الدراسة، المرحلة السابقة لنشوء الدولة، والتي تصل فيها الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى مرحلة متطورة من النمو تمهيدًا لقيام الدولة.
  5. وميض، ص 171-170،.180-179
  6. صادق عبده علي، الحركات السياسية والاجتماعية في اليمن -1918 67 19 (بيروت: مؤسسة دار الكتاب الحديث؛ الشارقة: دار الثقافة العربية، 1992)، ص.32-24
  7. حملت معاهدة مودروس هذا الاسم نسبة إلى المكان الجغرافي الذي وقعت فيه، وهو ميناء بحري يقع على جزيرة ليمينوس اليونانية.
  8. مجموعة من المؤلفين السوفيات، تاريخ اليمن المعاصر 1982–1917، ترجمة محمد
  9. يقصد بالفواعل، في إطار هذه الدراسة، القوى الفاعلة والمؤثرة في الأزمة مثل: المكون الإدريسي، والنظام السعودي، وإيطاليا، ومصر.
  10. الوحدة اليمنية العقاب،، ص.21-20
  11. تجدر الإشارة إلى أن الإمام يحيى حميد الدين ترأس نظام الحكم في الشمال من عام 1918 حتى اغتياله في عام 1948، ولم ينتهِ حكم المذهب الزيدي/ النظام الملكي بعد وفاته، إنما انتقل إلى أولاده وأحفاده حتى عام.1962
  12. الأصبحي، ص 50-48؛ للمزيد انظر: عبد الوهاب آدم العقاب، تاريخ اليمن المعاصر، سلسلة تاريخ شبه الجزيرة العربية (دمشق: دار ومؤسسة رسلان للطباعة والنشر والتوزيع، 2010)، ص.27-26 34 العشملي، ص.44-34
  13. علي البحر، مراجعة محمد أحمد علي (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1990)، ص.9-7

مجتمعي، بل نشأت بفعل محددات وتدخلات خارجية. وظهر هذا الدور في تقسيم اليمن شطرين، شمالي وجنوبي، وحرمان اليمنيين من تقرير مصيرهم، وتحديد معالم دولتهم، واختيار من يحكمهم، وكيف يحكم؟ ولمصلحة من يحكم؟ كما تجلت أزمة النشأة في ترسيم الحدود اليمنية قسريًا وعشوائيًا، سواء بين شمال اليمن وجنوبه أو مع دول الجوار35، مع تجاهل مقصود ومتعمد للحقائق التاريخية والجغرافية وكذلك للبنى الاجتماعية والثقافية36.

2. التدخلات الخارجية في اليمن بعد الاستقلال

أدت التدخلات الخارجية دورًا مهمً في تكوين أزمة الدولة اليمنية الحديثة واستمرارها منذ النشأة، وراوح هذا الدور بين التدخل المباشر والتدخل غير المباشر، فضلً عن تنوع أبعاده بين سياسية واقتصادية وأمنية وأخرى اجتماعية37. كما يصعب فصل نجاح هذا الدور، مهما كان تأثيره، عن الإشكاليات اليمنية الداخلية التي تقاطعت معه، وأضعفت قدرة الدولة على التصدي له. لذا، يركز هذا المحور النقاش على دور القوى الخارجية الفاعلة في الأزمة اليمنية، والمقصود هنا دور كل من: بريطانيا، والسعودية، ومصر، والاتحاد السوفياتي السابق، والولايات المتحدة الأميركية، وإيران. لم تكتفِ بريطانيا بالسيطرة على القسم الجنوبي من الجغرافيا اليمنية بين عامي 1839 و 1918، وما يتمتع به من موارد وثروات وموقع جيوستراتيجي مهمّ، إنما اتبعت مجموعة أخرى من السياسات، التي انعكست بصورة سلبية على واقع اليمن لاحقًا، بعد تثبيت سيطرتها على هذا القسم مدة خمسين عامًا أخرى، أي حتى عام 1967، جرّاء انتصارها في الحرب العالمية الأولى، وتمكنها من حصر نشوء الدولة اليمنية الحديثة في الجزء الشمالي فقط38. وكان أبرز تلك السياسات: منع أهل الجنوب من بناء منظومة مؤسساتية موحدة وتطويرها؛ سياسية، وإدارية، واقتصادية، وقانونية، تؤسس نظامًا سياسيًا عصريًا ومتطورًا. كما تم منعهم من إقامة أي شكل من أشكال الحكم الذاتي، قد يمكنهم من أداء دور في العمليتين السياسية والاقتصادية؛ وبذلك تفردت بريطانيا بهذه المهمة من خلال إسنادها حكومتها في الهند، ومن ثم إسنادها، منذ عام 1937 وحتى خروجها عام 1967، حكومتها المركزية في لندن39. يضاف إلى ما سبق مقاومة بريطانيا محاولات نشوء أي حركات وطنية تنادي بالتحرر والاستقلال والوحدة. وللتقليل من هذه المحاولات لجأت بريطانيا إلى إفشال النظام التعليمي والتربوي في الجنوب، وأهملت المؤسسات التعليمية التي تربي على الهوية والوعي الوطني والقومي. وفي الإطار ذاته، واجهت بريطانيا محاولات تحسين الحالة الاقتصادية والبنية الإنتاجية في الجنوب بالتقويض، وإغراق السوق اليمنية بمنتجاتها، سعيًا منها لمنع تطور اليمنيين اقتصاديًا وعلميًا ومؤسساتيًا، لما لذلك من دور مهمّ في الحد من الاعتمادية والتبعية والوصول إلى الاستقلال. وفي إطار هذه السياسات، التي كانت نتيجتها إحداث مزيد من الضعف والتشرذم، صممت بريطانيا نظامًا فدراليًا هشًا40 يمنع توجه اليمنيين نحو الوحدة وإقامة دولة مركزية واحدة، ويستوعب تعدد الكيانات التي دعمتها وأوجدتها في الجنوب41، ويحافظ على هشاشة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أنتجتها. لكن، لم يترجم النظام الفدرالي سالف الذكر إلا في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي؛ بسبب تشكل معارضة يمنية في الجنوب مناهضة

  1. من الأمثلة على الترسيم القسري للحدود ضم السعودية مناطق عسير ونجران وجيزان اليمنية في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي، من خلال القوة العسكرية والدعم البريطاني اللامحدود، وهو ما تسبب في حدوث نزاع حدودي طويل بين البلدين العربيين، حسم في تاريخ اليمن بداية الألفية الحالية بتوصل الطرفين إلى اتفاق جدة، انظر: العقاب،، ص.53-48
  2. للمزيد انظر: علي، ص.38-33
  3. عبد السلام يحيى المحطوري، "المسارات التاريخية للتدخلات الإقليمية والدولية في الثورة اليمنية: الخلفية والآفاق اليمن"، في: مجموعة مؤلفين،، تحرير فؤاد عبد الجليل الصلاحي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص.121
  4. Lisa Wedeen, Peripheral Visions: Publics, Power, and Performance in Yemen (Chicago: The University of Chicago Press, 2008), pp. 24-25.
  5. عبد الوهاب محمد الروحاني، اليمن خصوصية الحكم والوحدة: دراسة تحليلية (عمان: دار زهران للنشر والتوزيع، 2009)، ص 96-92،.118-117
  6. اتسمت الإدارة البريطانية في الجنوب اليمني بطابع خاص ميّزها من مناطق أخرى خضعت للمستعمر ذاته، وهذه الخصوصية تجلت في ثلاثة جوانب أساسية: أولً، فرضت بريطانيا قوانينها وسياساتها الخاصة في إدارة المجتمع الجنوبي، وربطت كل المسائل الإدارية والقانونية المتعلقة بهم بحكومة التاج، وذلك سعيًا منها لمحو الهوية اليمنية وطمسها، وصناعة هوية جديدة خاصة بأهل الجنوب. وبذلك لم تكتفِ فقط بالتجزئة انطلاقًا من قاعدة "فرق تسد"، إنما عملت على خلق هوية مختلفة وخاصة. ثانيًا، قتل أي محاولة يمنية لإقامة أي شكل من أشكال الحكم الذاتي المركزي، وفرض معاهدات ثنائية مع السلطنات والإمارات والمشيخات تحت عناوين متعددة مثل: الحماية، والتطوير، والمساعدة، والتنسيق، وذلك بغرض استقطابها ودفعها إلى القيام بدور وظيفي محدد، يعمق حالة الضعف والتشرذم في الجنوب. ثالثًا، إنشاء كيانين سياسيين مختلفين الأول شرقي والثاني غربي داخل الجنوب اليمني نفسه، بحيث يتألف كل كيان من مجموعة من الكيانات الصغيرة، المرتبطة مسبقًا بالمستعمر بمعاهدات ثنائية، والتحكم في هذين الكيانين من خلال إنشاء دولة فدرالية باسم: الاتحاد الفدرالي للجنوب العربي، بحكومة يرأسها المندوب السامي، تكون بيده كل الشؤون الخارجية للاتحاد سواء السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية. هذا إلى جانب، إبقاء مدينة عدن بعيدًا عن الكيانين ومن ثمّ بعيدًا عن الاتحاد، لتبقى إدارتها بريطانية خالصة، ولا سيمّا في بداية نشأته، ليضم الاتحاد في نهاية المطاف مجموعة لا تتجاوز إحدى عشرة سلطنة وإمارة من شرقي وغربي الجنوب اليمني ممن استجابوا لهذا المشروع، وألحقت عدن به بعد مماطلة بريطانية طويلة، انظر: العشملي، ص.32-27
  7. من الأمثلة على الكيانات التي أصبحت محميات مدعومة في ظل الوجود البريطاني: "السلطنة الكثيرية في حضرموت، والسلطنة القعيطية، والسلطنة العبدلية في لحج وعدن"، سياسات عربية انظر: قيس الإرياني، "ربيع اليمن وتحديات التنمية"،، العدد 8 (نيسان/ أبريل 2014)، ص.100

للاستعمار، هذا إلى جانب تعقيدات المشهد اليمني في علاقاته الداخلية والخارجية42. من جانب آخر، شهد اليمن خلال الفترة الثانية، التي حكم فيها المستعمر البريطاني شطره الجنوبي 1967-1918()، تدخلات أخرى من لاعبين إقليميين هما السعودية ومصر. وقد عكس هذا التدخل ما يشكله اليمن من أهمية لمصالح الطرفين واستقرارهما43، حيث وظف كلُّ طرف اليمن، في بعض الفترات التاريخية، لكبح جماح الطرف الآخر44(وتهديد استقراره وأمنه القومي45. كانت بدايات الدور السعودي، عندما نشأت الدولة اليمنية الحديثة واصطدم نظامها الملكي - الزيدي في الشمال مع الحكم الإدري 46، في مطلع العشرينيات من القرن الماضي، المدعوم آنذاك بريطانيًا وسعوديًا. وكان هدف الطرفين من هذا الدعم تقويض أسس حكم الإمام الزيدي (الشيعي)، يحيى حميد الدين، ومنع اقترابه من المناطق الحدودية الواقعة تحت حكم الأدارسة مثل منطقتي عسير والحديدة. ومع فشل النظام الإدري يي في مقاومة الضغط الزيدي وعدم تماسك قاعدته الاجتماعية47، تدخلت السعودية مباشرة في الأزمة معلنةً ضم جزء من المناطق التي حكمها الأدارسة، لا سيمّا عسير، إلى جانب مناطق يمنية أخرى مثل نجران، إلى إقليمها. وقد كان هذا الضم بداية المواجهة بين صنعاء والرياض، التي سرعان ما تحولت إلى حرب بين الطرفين عام 1934، انتهت بفرض السعودية خطًا حدوديًا جسّد أطماعها وأهدافها في اليمن48. مثّلت نتائج الحرب بين النظامين الزيدي والسعودي بداية تراجع الحكم الملكي في شمال اليمن، وبداية ظهور وسط معارض لحكم الإمام. والتقارب الذي جرى بين صنعاء والرياض بعد معاهدة الطائف عام 1934 49، لم يؤدِ إلى إعادة الأوضاع اليمنية الداخلية إلى ما كانت عليه قبل بدء الحرب50. فقد شهدت الدولة المتوكلية51 سلسلة من الاضطرابات التي كانت بدايتها اغتيال الإمام يحيى حميد الدين عام 1948، وما تبع ذلك من حدوث موجات انتفاضية ضد الحكم الملكي خلال عقد الخمسينيات من القرن الماضي، وهنا برز الدور المصري لا سيمّا بعد نجاح ثورة الضباط الأحرار عام 1952، وإطاحة النظام الملكي المصري، وظهور نخبة مصرية جديدة جمهورية ذات عقيدة قومية - تحررية. وفي إطار التنافس بين الجمهوريين والمحافظين في العالم العربي، دعمت مصر الجمهوريين اليمنيين ضد النظام الملكي - الزيدي المدعوم سعوديًا، ونتج من هذا التنافس الحاد بين القاهرة والرياض سقوط الحكم الملكي، وقيام نظام حكم جديد جمهوري في شمال اليمن عام 1962 52. شهد اليمن بعد قيام الجمهورية العربية اليمنية عام 1962، إثر سقوط الدولة المتوكلية - الإمامية في الشطر الشمالي، مزيدًا من التأزم والتعقيد في علاقاته الداخلية والخارجية. داخليًا، اندلعت حرب أهلية بين الجمهوريين، المدعومين مصريًا، والملكيين، المدعومين سعوديًا، خلال الثماني سنوات التي أعقبت قيام الجمهورية.)1970-1962(وهنا برز الدور القبلي مستفيدًا من ضعف الدولة وحالة الفوضى وغياب النظام، وباتت القبيلة محددًا مهمً من محددات تحقيق الاستقرار وتماسك النظامين اليمنيين الاجتماعي والسياسي53. كما شهد اليمن داخليًا حراكًا جنوبيًّا، بعد عام من بدء الحرب الأهلية في الشمال 1963()، مناهضًا الوجود البريطاني في الجنوب، ومؤيدًا بعامة قيام نظام جمهوري في الشمال54.

  1. الروحاني، ص 94-92، 104-103،.118-111
  2. يكتسي اليمن أهمية بالغة بالنسبة إلى مصر والسعودية، فالأولى تعتبره مهمً بسبب موقعه المطل مباشرة على مضيق باب المندب، الذي يعد تأمينه مهمً لعمل قناة السويس، أما السعودية فتعتبر اليمن المحاذي لها جغرافيًا مهمً لاستقرارها السياسي والأمني، عدا النزاع الحدودي بينهما حول مناطق عسير وجيزان ونجران الذي شكّل محور الاهتمام السعودي باليمن تاريخيًا.
  3. ظهر التناقض بين القاهرة والرياض بعد إطاحة النظام الملكي المصري عام 1952 ووصول قوى مصرية، تقدمية قومية، إلى سدة الحكم في مصر، وما مثّله ذلك من تهديد لنظام الحكم الملكي في السعودية وللتيار المحافظ بعامة.
  4. العشملي، ص.99
  5. تجدر الإشارة إلى أن الحكم الإدريسي لأجزاء من الأراضي اليمنية برز بعد الحرب العالمية الأولى في إطار الصراع الثلاثي البريطاني – العثماني - اليمني، وقد نشأت هذه الإمارة بعد تمكن محمد الإدريسي (زعيم المكون الإدريسي آنذاك) من تأسيس إمارة خاصة به في ظل
  6. تاريخ اليمن العقاب،، ص 44-39،.55-53
  7. المحطوري، ص.138-137
  8. رسمت معاهدة الطائف الخط الحدودي بين الجانبين، حيث استغلت السعودية تفوقها في الحرب لتجبر الدولة اليمنية المتوكلية بزعامة الإمام على القبول بالترسيم الحدودي، من دون إعادة الأراضي اليمنية التي ضمتها في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي.
  9. المحطوري، ص.139-138
  10. تجدر الإشارة إلى أن الدولة المتوكلية هي اسم أطلق على دولة الإمام الزيدي يحيى حميد الدين الذي حكم شمال اليمن في الفترة.1948-1918 52 سعيد محمد باديب، الصراع السعودي المصري حول اليمن الشمالي -1962 70 19 (لندن: دار الساقي بالتعاون مع مركز الدراسات الإيرانية والعربية، 1990)، ص.35-30
  11. ضعف الحكم العثماني لليمن، لكن كانت مقومات نشأتها ضعيفة وهشة، وهو ما أدى إلى انهيارها بعد وفاته عام 1923 بفترة وجيزة. لذا، من الأهمية القصوى الإشارة إلى أن الشمال اليمني لم يكن موحدًا، إنما كان يشهد بين فترة وأخرى بروز كيانات سياسية وقبلية صغيرة ذات نزعة استقلالية، انظر: Paul Dresch, A History of Modern Yemen (Cambridge: Cambridge University Press, 2000), pp. 30-31.
  12. تجدر الإشارة إلى أن القبائل اليمنية في علاقاتها الداخلية والخارجية كان موقفها متأرجحًا بين الأطراف المتصارعة وليس ثابتًا، وهذا التأرجح سببه الجانب المادي، فالجهة التي تقدم لها دعمً ماليًا وعسكريًا أكثر كانت تضمن الموقف القبلي لمصلحتها، والعكس بالعكس.
  13. جريجري جويس، العلاقات اليمنية السعودية بين الماضي والمستقبل: الأبنية الداخلية والمؤثرات الخارجية، ترجمة سامية الشامي وطلعت غنيم حسن (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1993)، ص 46-43،.67

أما خارجيًّا فقد تصاعدت حدة الأزمة بين مصر والسعودية بعد سقوط النظام الملكي - الإمامي وبدء الحرب الأهلية، وتجلى ذلك في دخول الجيش المصري إلى شمال اليمن لحماية النظام الجمهوري، والتصدي للتدخل السعودي بجانب الملكيين55. وفي الإطار ذاته، برزت قوى أخرى في الأزمة اليمنية هي الاتحاد السوفياتي وإيران والولايات المتحدة الأميركية، التي ساهمت بدورها السياسي أو العسكري، أثناء الحرب الأهلية، في تعقيد المشهد اليمني. إذ وقف السوفيات بجانب المصريين والجمهوريين، والقوى الأخرى المناصرة لهم في شمال اليمن وجنوبه، في حين وقف الإيرانيون بجانب الملكيين، أما الأميركيون فقد كان موقفهم في البداية متأرجحًا ومتذبذبًا تارة مع المصريين وتارة أخرى مع السعوديين، حتى حسم في نهاية المطاف لمصلحة السعودية ضمانًا لمصالحهم الحيوية في الخليج العربي56. وتسبب هذا التدخل الخارجي للأطراف جميعها، لمصلحة هذا الطرف أو ذاك، في إطالة عمر أزمة الدولة اليمنية، وتأخير وحدتها، وضرب سيادتها وبنيتها الاجتماعية. دفعت التغيّ ات السياسية التي شهدها جنوب اليمن، بعد استقلاله عن المستعمر البريطاني عام 1967، السعودية إلى مراجعة علاقتها بالنخبة الجمهورية الحاكمة في شمال اليمن، وذلك في إطار مساعيها لمحاصرة من يحملون فكرًا شيوعيًا في الجنوب. ومن هذا المنطلق تعاملت السعودية، لا سيمّا بعد رحيل القوات المصرية عن الأراضي اليمنية وتوقف الحرب الأهلية، مع الحكم الجمهوري في الشمال، واعترفت به في بداية السبعينيات من القرن الماضي، بعد أن ضمنت تجنيده في مواجهة التيار الشيوعي الذي بدأ الحكم في جنوب اليمن في الفترة المذكورة آنفًا. ومن ثمّ، نقلت السعودية الحرب لتصبح بين شطري اليمن، بعد أن كانت داخل الشطر الشمالي فقط، وتجسد ذلك بوقوع حرب عام 1972 بين الشطرين57، وكذلك حرب عام 1979. وقد نتج من هذين الحربين تكريس حالة التجزئة والتأزم58، وضرب البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كان من المفترض أن تبنى عليها الدولة اليمنية الموحدة59. لجأت السعودية60، بعد توقف الحرب اليمنية بين الشطرين، إلى أساليب أخرى غير مباشرة، لضمان بقاء حالة الضعف ملازمة للدولة فيهما. كان أهمها: اللعب على التناقضات في البنية الاجتماعية اليمنية من خلال بث الفكر السلفي الوهابي في الأراضي اليمنية، ودعم من يحملون هذا الفكر ماديًا ومعنويًا، وتجنيدهم لإثارة النعرات الطائفية والمذهبية، لا سيمّا بين الشافعيين والزيديين، هذا إلى جانب بناء تحالفات مع قبائل يمنية لتقويض أسس النظام الحاكم، وزعزعة استقراره، ومحاصرته من الداخل وليس فقط من الخارج61. وفي بعض الفترات، خصوصًا خلال الثمانينيات من القرن الماضي، قدّمت السعودية لنظام علي عبد الله صالح دعمًاقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، حتى تحدث فجوة بين الشطرين، وتعزز قدرة الشمال على التصدي للجنوب، وليس لإحداث نهضة تنموية قد تحقق الوحدة والاستقرار والأمن62. وفي ضوء الواقع المعقد سالف الذكر، شهد الجنوب اليمني، خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، تطورًا اقتصاديًا ملحوظًا في البنية التحتية والمجالات الإنتاجية كافة؛ الزراعية والصناعية والتجارية. وحدث هذا التطور بفعل الدعم السوفياتي الاش ارركي، الذي كان على شكل معونات وامتيازات واستشارات وخبرات، وكذلك بفعل تركز الثروة اليمنية في الجزء الجنوبي من اليمن63. ومثّلت هذه المستجدات الاقتصادية دافعًا إضافيًا لتوجه الشمال في السعي للوحدة مع الجنوب، رغم التدخلات الخارجية، في ظل ما كان يعانيه من أوضاع اقتصادية صعبة. ولم يصل الطرفان إليها في ضوء التطور الاقتصادي النسبي للجنوب، حيث وصلا إليها عام 1990 بعد تفكك الكتلة الاشتراكية، وبعد تراجع الاقتصاد في الجنوب من جراء توقف الدعم الخارجي له64.

3. التدخلات الخارجية في اليمن بعد قيام دولة الوحدة

توحّد اليمن عام 1990 بشطريه، الشمالي والجنوبي، بعد مسار تاريخي وسياسي شديد التعقيد والتأزم في علاقات اليمن الداخلية والخارجية، وبعد أن اتضح للنخب الحاكمة في صنعاء وعدن

  1. المرجع نفسه، ص.98-97
  2. باديب، ص 71-69،.127-117
  3. من الأسباب الإضافية لدخول الشطرين في مواجهة عسكرية مباشرة، إيواء كل منهما القوى المعارضة ودعمها في مواجهة الآخر.
  4. تجدر الإشارة إلى أن السعودية وقفت فترة طويلة عائقًا أمام توحد اليمنيين، فقيام دولة يمنية جمهورية موحدة يمثّل تهديدًا محتملً للنظام الملكي السعودي وبقية الأنظمة الملكية في الخليج العربي. كما أن بقاء اليمن ضعيفًا يحافظ على تفوق السعودية في ميزان القوى الإقليمي. ومن ثمّ، كان من مصلحة السعودية أن تبقى حالة التجزئة والعداء مستمرة بين الشطر الشمالي، الذي عرف بالجمهورية العربية اليمنية، والشطر الجنوبي، الذي عرف
  5. الوحدة اليمنية العقاب،، للمزيد انظر: ص 118-108،.197
  6. من الأهمية القصوى الإشارة إلى أن هناك دورًا مهمًّ، سياسيًّا وعسكريًّا، أدّته الولايات المتحدة في دعم النظام السعودي، ودعم الجمهوريين في شمال اليمن، وذلك في إطار احتواء التوسع السوفياتي، ومحاصرة القوى المناصرة له سواء في جنوب اليمن أو غيره من المناطق.
  7. المحطوري، ص.142-139
  8. مهيوب غالب أحمد، "الوحدة اليمنية وتحديات النشوء"، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 15 (صيف 2007)، ص.60-59 63 مجموعة من المؤلفين السوفيات، ص.325-322
  9. بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
  10. الأصبحي، ص.60

استحالة قيام دولة يمنية موحدة بعيدًا عن الحل السياسي المبني على التوافق والتفاهم المشترك بين الجانبين65. هذا إلى جانب أن الوحدة اليمنية جاءت في ظل مستجدات ومتغيّ ات سياسية شهدتها الساحتان الإقليمية والدولية؛ فإقليميًا، ظهرت بوادر تجدد الأزمة العراقية - الكويتية التي كان لها خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي ارتدادات على استقرار اليمن ووحدته. أما دوليًا، فقد حُسمت الحرب الباردة لمصلحة الولايات المتحدة بسقوط الحليف التقليدي لجنوب اليمن، الاتحاد السوفياتي، وما تبع ذلك من توحد ألمانيا بشطريها الشرقي والغربي66. لم تنتهِ الأزمة في علاقات اليمن الداخلية والخارجية بعد قيام دولة الوحدة، إنما لازمت مساره السياسي والوحدوي منذ عام.1990 فقد رأت قوى إقليمية ودولية في الوحدة تحدّيًا وتهديدًا لدورها أو مكانتها أو مصالحها أو استقرارها، وهذا ما جعلها تستمر في أداء دور سلبي تجاه اليمن؛ دولةً وشعبًا. وكان أبرز تلك القوى السعودية والولايات المتحدة؛ فالأولى سعت لإفشال الوحدة تجنبًا لنتائجها المحتملة عليها، مثل نشوء دولة قوية جنوب الجزيرة العربية، وتقدم اليمن في اتجاه الديمقراطية، وإعادة الترسيم الحدودي الذي فرضته على اليمن عام 1934، والتوجه اليمني المحتمل نحو إقامة نظام سياسي ديمقراطي مغاير للأنظمة السائدة في الخليج العربي67. وانطلاقًا من المخاوف سالفة الذكر، عملت السعودية على إعادة اليمن سياسيًا وجغرافيًا إلى ما كان عليه قبل قيام الوحدة؛ أي إعادته إلى شطرين منقسمين، عبر دعمها الانفصاليين الجنوبيين في حرب عام 1994، التي اندلعت بين صنعاء وعدن لأسباب عديدة أهمها الصراع على السلطة واستفحال الأزمة السياسية68. وعندما فشلت الرياض في تحقيق هدفها، بعد هزيمة قوى الانفصال الجنوبية، عادت إلى التدخل غير المباشر، ومارست ضغوطًا سياسية وأمنية واقتصادية، بين فترة وأخرى، على النظام الحاكم في صنعاء69. وحتى تقلل السعودية من تأثير الوحدة اليمنية فيها سعت، وما زالت، لتحديد الجهات الخارجية التي يمكن صنعاء أن تطور علاقتها بها، تفاديًا لأي تحالفات قد تحدث بينها وبين قوى خارجية تعتبرها الرياض معادية لها مثل إيران70. وهذا ما يفسر جانبًا مهمً من الحرب الدائرة في اليمن منذ عام 2015، فيما يعرف بعاصفة الحزم. أما الولايات المتحدة فكان دورها، خلال العقد الأخير من القرن الماضي، يتمحور حول حماية مصالحها الإستراتيجية وحلفائها التقليديين في الخليج العربي، وكبح جماح أي جهة تهدد هذين الجانبين. لذا، ساندت الدور السعودي في حرب عام 1994، وحدّت من قدرة اليمن على التحرك على الصعيد الدولي، ومنعته من الحصول على أي معونات أميركية. وبعد توقف الحرب لمصلحة صنعاء، وتراجع حدة التوتر في الجزيرة العربية، أعادت واشنطن النظر في علاقتها باليمن، وذلك نظرًا إلى ما يتمتع به هذا البلد من مزايا جغرافية واقتصادية، كان آخرها ظهور الثروة النفطية في أراضيه، ليصبح اليمن منذ ثمانينيات القرن الماضي بلدًا نفطيًا، على الأقل في الجانب الاحتياطي71. ومن ثمّ، لم تتسم العلاقات اليمنية - الأميركية بالثبات بقدر ما اتسمت بالتقلب الناتج من تعدد أطراف الأزمة وكثرة مستجداتها. طرأت أثناء الألفية الحالية مستجدات دولية وإقليمية انعكست بظلالها على العلاقات اليمنية - الأميركية، كان أهمها وقوع أحداث 11 سبتمبر 2001، التي وضعت اليمن تحت ضغوطات وتدخلات أميركية أضعفت سيادته على إقليمه. هذا إلى جانب زج الدولة اليمنية في مواجهة مباشرة مع قوى داخلية صنّفت أميركيًّا على أنها متطرفة، دفعتها للتركيز على المجهود الأمني بدلً من التركيز على الجانب التنموي الذي يساعد في إضعاف هذه الظاهرة والحد منها72. وبالتوازي مع ذلك، واجه اليمن أزمة داخلية أخرى ظهرت تجلياتها في مطلع الألفية الحالية عندما اصطدمت، عديد المرات، بحركة أنصار الله الحوثية، الرافضة لسلوك المركز وسياساته الداخلية73. وتجدر الملاحظة أن التدخل السعودي في اليمن، خلال سبعينيات القرن

  1. المرجع نفسه، ص 57،.63
  2. حمود منصر، "العلاقات اليمنية الأمريكية"، في: فرانسوا برجا [وآخرون]، اليمن والعالم: تفاعل اليمن والعالم في العقد الأخير من القرن العشرين، تحرير فارس السقاف (القاهرة: مكتبة مدبولي، 2002)، ص.219
  3. خديجة أحمد الهيصمي، "العلاقات اليمنية السعودية 2000-1990"، في: برجا [وآخرون]، ص.177-176
  4. 69 رياض نجيب الريّس، رياح الجنوب: اليمن ودوره في الجزيرة العربية -1990 97 19 (بيروت: رياض الريّس للكتب والنشر، 1998)، ص.147-146 70 السويدي، ص.112-111
  5. 68 من الأهمية القصوى الإشارة إلى أن هناك لاعبين آخرين أديَا دورًا سلبيًا في الأزمة اليمنية بعد قيام الوحدة، هما الكويت وعمان اللتان دعمتا الجنوب، بصفة غير مباشرة، في
  6. حرب عام 1994. ويجدر التوضيح أن الدور الكويتي كان ردة فعل على العلاقة الجيدة بين صنعاء وبغداد، والتي فسرت كويتيًا على أنها دعم يمني للعراق عند وقوع الأزمة الكويتية عام 1990، وما تبعها من تدخل دولي لمصلحة الكويت. أما الدور العماني فتمثل في دعم مسقط الجنوبيين، ومنحهم المساعدات المالية والعسكرية، والسماح لهم بدخول الأراضي العمانية، والانطلاق منها في مواجهة صنعاء سواء أثناء الحرب الأهلية عام 1994 أو بعدها،
  7. منصر، ص 220-219، 232-231؛ السويدي، ص.109-107
  8. سياسات عربية علي شعثان، "المؤثرات الخارجية في المماحكات اليمنية"،، العدد 12 (كانون الثاني/ يناير 2015)، ص.110-109 73 سامح راشد، "الشرق الأوسط: الدولة والحوثيون في اليمن: قراءة في جوهر الصراع"، السياسة الدولية، العدد 178 (تشرين الأول/ أكتوبر 2009)، ص.154
  9. انظر: جمال سند السويدي [وآخرون]، حرب اليمن 1994: الأسباب والنتائج (أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، 1998)، ص.105-104

الماضي وثمانينياته، كان عاملً مساعدًا في تكوين الحركة الحوثية، وإن على نحو غير مقصود، رغم أنها اليوم من أشد خصومها وأعدائها. وتجلى ذلك الدور في سعي الرياض في الفترة المشار إليها آنفًا لنشر الفكر السلفي في إطار محاصرتها الشيوعيين في جنوب اليمن، وهنا كانت إرهاصات تكوّن الجماعة الحوثية74 التي عرف أفرادها قبل نهاية القرن الماضي بالشباب المؤمن75. يرتبط التحول السعودي في معاداة الحركة الحوثية، منذ مطلع الألفية الحالية، مقارنةً بما كان عليه الحال من تقارب نسبي في الربع الأخير من القرن الماضي76، ارتباطًا وثيقًا بالحرب الباردة بينها وبين إيران. إذ تحاول طهران منذ نجاح ثورتها الإسلامية عام 1979 تصدير تجربتها، والتغلغل في دول المشرق العربي ومنها الدولة اليمنية، التي تشّكل أهمية جيوستراتيجية وديموغرافية بالنسبة إلى طهران، وهذا ما تجسد في دعمها المكون الزيدي (الشيعي) وحركته السياسية الحوثية (أنصار الله) في مواجهاتها المتعددة مع الدولة اليمنية في الفترة 2010-2004 77. في المقابل، واجهت الرياض التهديد المحتمل لأمنها القومي من خلال زج النظام اليمني في المواجهات سالفة الذكر، وتوفير احتياجاته المادية والعسكرية، وفي بعض الحالات تدخلت مباشرة في مواجهة الحوثيين، كما حدث عام 2009 في محافظة صعدة، ذات الغالبية الحوثية، المحاذية لحدودها مع اليمن78. يتضح مما سبق، أن هناك ثلاث قضايا شكّلت تاريخيًا، وما زالت، محور الاهتمام والتدخل السعودييَن في الشأن اليمني، وهي: من يحكم؟ وكيف يحكم؟ ولمصلحة من يحكم؟ ومع كل عملية تغيير في الخريطة الجغرافية أو السياسية لليمن تبرز هذه القضايا محددًا للعلاقة اليمنية - السعودية. وقد تجلى ذلك في المنعطفات التاريخية التالية: 1962(، 1972، 1990، 1994، 2011، 2014) التي قوبلت نتائجها جميعها برفض سعودي، عبّ عنه بتدخل غير مباشر بدعم طرف يمني في مواجهة آخر أو عبّ عنه بحدوث مواجهة عسكرية مباشرة، كما جرى مؤخرًا بعد سيطرة الحوثيين على السلطة ومفاصل الدولة الرئيسة عام 2014، والتي تطورت عام 2015 إلى حرب شاملة حشدت فيها السعودية مختلف القوى الإقليمية والدولية المؤيدة لها ضد اليمن79(، وذلك تحت شعار عاصفة الحزم80.

ثانيًا: محددات الأزمة

1. المحدد الاجتماعي

يتسم اليمن ببنية اجتماعية فسيفسائية مركبة تركيبًا مزجيًا، مرتكزة على أسس قبلية وطائفية ومذهبية متداخلة مع جوانب سياسية واقتصادية واجتماعية في الوقت ذاته. فدارس التاريخ اليمني، قديمه وحديثه، يجد أن القبيلة كانت، وما زالت، تؤدي دورًا مهمًّ في استقراره أو عدمه سواء في علاقاته الداخلية أو الخارجية. فالمنظور القبلي يسيطر على جوانب الحياة في اليمن كافة، لذا هناك مئة وستون قبيلة تشكّل جلّ المجتمع اليمني، وتؤثر فيه تأثيرًا بليغًا، وتتمايز قبائل اليمن من جوانب مختلفة، فمنها القبائل الكبيرة مثل بكيل وحاشد ومذحج، وقبائل صغيرة مثل نجران وسفيان والأغابرة81. ترتكز بنية القبيلة على أسس ومحددات تجعلها متماسكة وفاعلة؛ على نحوٍ حافظ على دورها المحوري في مختلف جوانب الحياة اليمنية. ولعل أهم هذه الأسس قدرتها على قيادة مجتمعاتها المحلية والسيطرة على أفرادها وتنشئتهم تنشئة قبلية82 لا حياد عنها، قائمة على عناصر مختلفة مثل الدم والنسب والدين وضعف الوعي ومحدودية التعليم. يضاف إلى قيام النظام القبلي على شبكة من العلاقات السياسية والاقتصادية كي يعزز نفوذه ويؤمّن احتياجاته المادية، سواء كان ذلك من النظام السياسي السائد أو من أطراف وجهات خارجية قد تكون معادية للدولة اليمنية. وفي كثير من

  1. تجدر الإشارة إلى أن الحركة الحوثية تصدرت الواجهة السياسية للمذهب الزيدي
  2. عبد الباقي شمسان، "اليمن ما بعد عاصفة الحزم: متطلبات إعادة بناء الحقل سياسات عربية السياسي"،، العدد 14 (أيار/ مايو 2015)، ص.105
  3. ظهرت إشارات عديدة تبين التقارب النسبي بين السعودية والحركة الحوثية في الربع الأخير من القرن الماضي، ومنها معاداة الطرفين الرئيس اليمني في حينه علي عبد الله صالح، وتأييده العراق في الأزمة العراقية - الكويتية عام.1990
  4. شمسان، ص 103،.105
  5. شعثان، ص.109
  6. تجدر الإشارة إلى أن السعودية، ومن خلفها الولايات المتحدة، استطاعت أن تجند المؤسسات الإقليمية والدولية ذات العلاقة، ولا سيمّا جامعة الدول العربية ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لمصلحتها. وهذا ما يفسر حالة السكون لدى هذه المؤسسات تجاه ما حدث وما زال يحدث في اليمن. في المقابل، أدّت إيران، في الحرب الدائرة منذ عام 2015 وحتى تاريخه، دورًا سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا داعمًالحوثيين في حربهم مع السعودية، ومع القوى المحلية التي ترفض السيطرة الحوثية على أجهزة الدولة وعلى العاصمة صنعاء.
  7. السياسة الدولية عمرو منصور، "إيران والعنف الطائفي في العراق واليمن"،، العدد 204 (نيسان/ أبريل 2016)، ص.156-155
  8. اليمن السعيد وصراعات الدين والقبليّة سعود المولى، (الرياض: مدارك للنشر،)2011، ص.107-104 82 من الأهمية القصوى الإشارة إلى أن القبيلة بعامة لا تخلق فردًا مشاركًا أو فاعلً سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا قريبًا من الدولة، إنما تخلق فردًا تابعًا موجهًا بعيدًا عن الدولة وعن الحقوق التي يفترض أن يتمتع بها مثل المواطنة والمشاركة السياسية والحريات. لذا، تمثّل القبيلة حاجزًا يفصل الفرد عن الدولة، وتتعامل معه من منطلق السلطة الأبوية وليس على أساس حكم القانون كما تفعل الدولة في الوضع الطبيعي. فالقبائل تتعامل مع الحقائق على أنها مطلقة وليست نسبية، أي لا تتقبل قيام الأفراد بالنقاش والحوار والنقد البناء والاختلاف في الرأي سواء داخل القبيلة أو خارجها مع القبائل والمكونات الأخرى، وهذا ما يفسر لغة العنف التي تطغى على سلوك القبائل في علاقاتها الداخلية والخارجية، انظر: أنور بن قاسم سياسات عربية الخضري، "الطائفية وفتيل الحرب الأهلية في اليمن"،، العدد 6 (كانون الثاني/ يناير 2014)، ص.67
  9. اليمني، ولا سيمّا أثناء الألفية الحالية، وهذا المذهب يمثّل الحاضنة الاجتماعية والديموغرافية لهذه الحركة.

الأحيان، يمارس النظام القبلي ضغوطه على السلطة السياسية من خلال التلويح بالانفصال وإضعاف سيطرتها على مناطق نفوذه83. وفي سياق الحديث عن الدور القبلي في الأزمة اليمنية، لا بدّ من الإشارة إلى تكامله مع الدور أو المحدد المذهبي84 في نشوء الأزمة واستمرارها. ففي كثير من الأحيان كان أئمة المذاهب يستغلون الصراع بين القبائل في سبيل الوصول إلى السلطة85، ويرتكزون في ذلك على القاعدة الشعبية العريضة لتلك القبائل لتحقيق مصالحهم السياسية الضيقة. في المقابل، استغل النظام القبلي المذهب لتعزيز عصبيته والمحافظة على وحدة كيانه، هذا إلى جانب تقاطع مصالح الجانبين، القبلي والمذهبي، حتى باتت مصلحة واحدة، أي إن المذهب حقق مأربه في السيطرة على الحكم، من خلال مساندة القبائل الموالية له مقابل دعمها وتعزيز نفوذها وتحقيق أطماعها. غير أن هذا التقاطع في المصالح عزز، من جانب آخر، الصراع القبلي، حيث شكّل المذهب أحد العناصر الأساسية في تعزيز اتساع رقعة الخلاف بين القبائل، حيث استخدم الانتماء المذهبي، في أحيان كثيرة، كمبرر لقيام قبيلة بمعاداة قبائل أخرى تختلف معها مذهبيًا86. لقد بقي الدور القبلي والمذهبي مؤثرًا في العهود الثلاثة التي مرت بها الدولة اليمنية الحديثة، وإن بتفاوت، سواء في العهد الزيدي -1918(1962) أو العهد الجمهوري الأول 1990-1962() أو العهد الجمهوري الثاني 2018-1990(.) وهنا لا بدّ من إثارة هذا الدور، وتوضيح سمات كل مرحلة، وذلك على النحو التالي: اتسم العهد الأول بطغيان الطابع المذهبي على أجهزة الدولة ومؤسساتها، وبات يطلق على الدولة في حينه الدولة المتوكلية – الإمامية - الزيدية؛ حيث حكم النظام السياسي الأئمة الزيديون. وفي هذا العهد تراجع دور القبيلة نسبيًا بسبب سطوة الحكم التي طغت على النظام القبلي، واستغلال الأئمة للصراعات القبلية في بسط نفوذهم وسلطتهم السياسية، من خلال تغليب قبيلة على أخرى أو محاباة قبيلة وإقصاء أخرى. لكن، لم ينتج من هذه السيطرة الزيدية تحديثات وإصلاحات سياسية وإدارية وقانونية في أجهزة الدولة ومؤسساتها، ولم يجرِ تحسين وتطوير العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة أو إحداث أي تقدم في اتجاه الديمقراطية والمأسسة، وإنما جرى تطويع النظام القبلي والنظامين السياسي والاقتصادي لخدمة النخبة الزيدية المذهبية وتثبيت أركان حكمها87. أما العهد الثاني، فقد اتسم بعودة الدور القبلي إلى ما كان عليه قبل حكم الأئمة، وتراجع الدور المذهبي نسبيًا. وهذه العودة كانت مرتبطة بحاجة النظام الجمهوري الجديد إلى مؤيدين وداعمين له في مواجهة حركة الرفض التي كان يقودها الملكيون الزيديون، والتي أدخلت اليمن في حرب أهلية طويلة -1962(1970.) وفي هذا الواقع الهش وغير المستقر، تمكن النظام القبلي من التغلغل في مؤسسات الدولة وأجهزتها المختلفة، وكان له دور سياسي وأمني حال دون نجاح النخبة الجديدة في إحداث التغيير المفترض منها، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. وعندما جرت بعض المحاولات الجادة لإحداث نوع من التغيير، في طبيعة الحكم وتحديد العلاقة بالنظام القبلي وتقنينها، قوبلت برفض قبلي عنيف، وتجلى ذلك في اغتيال الرئيس اليمني إبراهيم الحمدي الذي قاد تلك المحاولات في الفترة 1977-1974 88. دخل اليمن، مع وصول صالح إلى سدة الحكم عام 1978، مرحلة جديدة في العلاقة بالنظام القبلي؛ حيث تمكن من المواءمة بين هذا المحدد ومتطلبات الحكم والسلطة. فالنخب الجمهورية التي سبقته لم تستطع أن تحتوي النظام القبلي كما فعل هو،

  1. المولى، ص.108
  2. تجدر الإشارة إلى أن أهل اليمن يتوزعون من الناحية الدينية بين ثلاثة مذاهب إسلامية، تتفاوت في وزنها الديموغرافي وفق الترتيب التالي: الشافعية والزيدية والإسماعيلية. ومن الناحية السياسية يتصدرها المذهب الزيدي الشيعي، ثم يليه المذهب الشافعي السني رغم أن غالبية أهل اليمن شافعيون، وهذا يعكس سلطوية الحكم في اليمن تاريخيًا. أما المذهب الإسماعيلي الشيعي، الذي يحمل فكرًا دينيًا ليس مقبولً لدى أتباع المذاهب السنية والشيعية الأخرى، فهو يرى أنه لا معنى للتاريخ والحالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية من دون سلطة الإمام. فالإمام بالنسبة إلى المذهب الإسماعيلي يمثّل سلطة تبنى على أساس معرفي، وعلى أساس تميز هذا الشخص بقدرات استثنائية لا يمتلكها العامة من الناس، فهو يضيء الطريق للمؤمنين بالله؛ إذ إن معرفة الله والإلمام به فكرةً عظيمة وفق العقيدة الإسماعيلية هي مسألة محصورة في شخص الإمام الملهم وصاحب الحضور الواعي. فالعقل العادي لا يستطيع الوصول إلى العظمة الإلهية إلا من خلال الإمام الذي يجسد إرادتين وفق المذهب الإسماعيلي: الأولى إرادة القوة الكونية المعبر عنها بالله، والثانية إرادة القوة العقلية المعبر عنها ببصيرته وحكمته. لذا، فمن يخرج عن الإمام فهو جاهلي، ووجود الإمام هو أساس الوصول إلى المعرفة واليقين. وتجدر الإشارة إلى أن المذهب الإسماعيلي أسس كيانًا سياسيًا في النصف الثاني من القرن التاسع واستمر حتى وصول الأئمة الزيديين إلى الحكم في نهاية هذا القرن 898(ميلادي)، ويتركز أتباع الإسماعيلية في شمال اليمن وتحديدًا في جبل حراز في محافظة صنعاء، وهم قلة عددية مقارنة بالمذاهب والطوائف الأخرى. وعليه، هناك فرق جوهري بين الزيدية والإسماعيلية يتمثل في نظرتهم إلى العامة وفي تعاملهم مع شخص الإمام، فالزيدية لم تمنح الإمام جبروتًا كليًا كما فعلت الإسماعيلية، ولم تحصر المعرفة فيه، ويمكن الخروج عليه إذا كان ظالمًا، ويمكن العامة الوصول إلى العظمة الإلهية والإلمام بالله كفكرة عظيمة. وفي الختام، يجدر القول إن جوهر الصراع بين المذاهب المختلفة في اليمن بعامة هو سياسي وليس عقائديًا، فالصراع بينها هو على السلطة، انظر: العقاب، الوحدة اليمنية، ص.103-96
  3. من الأمثلة العملية على دور القبيلة السياسي، أن القبائل كان، وما زال، لها دور مهم في تعيين النخبة السياسية، وفي أحيان كثيرة التدخل في تعيين الحاكم، وهذا ما حصل مع الإمام الزيدي الهادي يحيى بن الحسين، الذي كلفته القبائل في العقد الأخير من القرن التاسع بإدارة شؤون اليمن وتحقيق الأمن والاستقرار، بعد أن كان اليمن يعاني صراعًا قبليًا محتدمًا،
  4. محمد محسن الظاهري، الدور السياسي للقبيلة في اليمن -1962 90 19 (القاهرة:
  5. انظر: المولى، ص.114
  6. مكتبة مدبولي، 1996)، ص.81-75 87 سمير العبدلي، ثقافة الديمقراطية في الحياة السياسية لقبائل اليمن: دراسة ميدانية، سلسلة أطروحات الدكتوراه 62 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007)، ص.86-84 88 المرجع نفسه، ص.87-85

وإن نسبيًا، حيث خلق توازنًا مؤقتًا بين عملية التغيير وضمان استقرار العلاقة بالقبائل. فقد استوعبها في مؤسسات الدولة، وجيّ ها لخدمتها، وعزز من خلالها فاعليتها89. لكنّ الطابع السلطوي والطائفي لحكم صالح90 مثّل عائقًا أمام تحقيق تقدم تنموي حقيقي؛ سياسي واقتصادي واجتماعي، وبقي النظام السياسي في عهده بعامة ضيقًا بعيدًا عن التشاركية الحقيقية أو التمثيل الحقيقي لمختلف أطياف المجتمع اليمني وفئاته91. ما شهده الشمال من بروز للدور القبلي، في العهد الجمهوري بعامة، لم يشهده الجنوب. فقبل قيام الوحدة عام 1990 كان المشهد بينهما معاكسًا، ففي الجنوب كان دور القبائل محوريًا في ظل وجود المستعمر البريطاني 1967-1839()، الذي عزز مكانتها ودعم كياناتها وسلطتها للحيلولة دون نشوء سلطة وطنية تؤسس دولة مدنية حديثة. في المقابل، كان دور القبائل في الشمال محدودًا في ضوء سطوة الحكم الزيدي كما نوقش سابقًا. وبعد نيل الجنوب استقلاله عام 1967، وسيطرة من يحملون فكرًا شيوعيًا على الحكم في مطلع السبعينيات، وتعاملهم بحزم وقسوة مع القبائل الجنوبية، ومفرداتها من سلطنات ومشيخات وإمارات؛ على نحوٍ حجم دورها وأفقدها جزءًا كبيرًا من كياناتها وسلطتها لمصلحة أجهزة الدولة ومؤسساتها. هذا ما ميّز الجنوب من الشمال، وأسس حالة من الاستقرار النسبي في المجتمع الجنوبي، وأحدث تقدمًا نسبيًا في المجالين الاقتصادي والاجتماعي92. لقد تغيّ الحال في الجنوب عند الانتقال إلى الوحدة وتأسيس العهد الجمهوري الثاني عام 1990، حيث لم تستثمر الطبقة السياسية الجنوبية والشمالية الوحدة بينهما لتخطي أزمة النشأة، وصياغة تعاقد اجتماعي جديد بين الفرد والمجتمع والدولة، والتقدم في اتجاه سيادة القانون. وبالرغم من إجراء انتخابات عامة تشريعية ورئاسية في العقد الأخير من القرن الماضي، فإن ذلك لم يعكس تحولً في طبيعة نظام الحكم؛ حيث سيطرت النخبة الشمالية على النظام السياسي، وتفردت بصناعة القرار، وكان هذا أحد أسباب حرب عام 1994 بين الشطرين. وفي ظل هذا الواقع المضطرب، أصبح الدور القبلي والمذهبي أكثر فاعلية من ذي قبل، لا سيمّا بعد أن حظيت القبائل في كلا الشطرين بدعم النخبة الشمالية، وهزيمة القوى الاشتراكية وتراجع دورها نتيجة حرب عام 1994 93. أما الدور المذهبي، فقد عاد إلى الواجهة من جديد في مطلع الألفية الحالية، عندما اصطدم المركز عسكريًا بالذراع السياسية للمذهب الزيدي، المتمثلة في الحركة الحوثية، عام 2004، وكان هذا الصدام مع أتباع هذا المذهب هو الأول بعد توقف الحرب الأهلية في الشمال بين الجمهوريين والملكيين عام 1970. وفي ضوء المعالجة الخاطئة للأزمة من جانب المركز، تكررت الصدامات العسكرية بين الجانبين مخلفةً تبعات اقتصادية واجتماعية وأمنية صعبة، قادت في نهاية المطاف إلى حدوث حراك جماهيري عام 2011، وتغيّ في النخب الحاكمة، ثم تمكن الحوثيون من السيطرة على المركز عام 2014، ليعود الحكم المذهبي94 الزيدي متصدرًا المشهد السياسي اليمني من جديد، ويعود اليمن إلى حالة التجزئة95(وعدم الاستقرار96.

2. المحدد الاقتصادي

يعتبر البعد الاقتصادي أحد الأبعاد المحورية في أزمة الدولة اليمنية الحديثة، إذ يصعب تحييد هذا المحدد عن الأزمة ببعديها الداخلي والخارجي. وسيجري تركيز النقاش على ثلاثة عناصر أساسية لبيان دورها في الأزمة، وهي: طبيعة الاقتصاد اليمني، وتأثير الدور القبلي والمذهبي في العملية الاقتصادية، وكذلك تأثير التوزيع غير العادل للموارد المتاحة في العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة من جهة، وفي وحدة اليمن واستقراره سياسيًا وجغرافيًا من جهة ثانية، مع الأخذ في الاعتبار الدور الخارجي. ويصنّف اليمن ضمن الدول الأشد فقرًا وضعفًا من الناحية الاقتصادية، بالرغم من أهميته من الناحية الجغرافية تاريخيًا، واكتشاف الثروة النفطية فيه مؤخرًا. ورثت الدولة اليمنية الحديثة نظامًا اقتصاديًا شبه إقطاعي، سلطويًا، مركبًا على وجهين الأول زراعي، والثاني رعوي - تجاري. وكانت الغلبة في هذا النظام تاريخيًا للمحددين القبلي والمذهبي اللذين أديا دورًا محوريًا في إطالة عمره واستمراره عقودًا أخرى، ما بعد نشوء الدولة اليمنية الحديثة عام 1918، حفاظًا على امتيازاتهما ومكاسب كل منهما الاقتصادية. كما كان لهما دور في تحديد شكل وتركيبة النظام الطبقي الذي ساد في العهد الملكي - الزيدي)1962-1918(، وهذا النظام جسّد المصالح الفئوية الضيقة للقبائل ورجال الدين

  1. المرجع نفسه، ص.88-87
  2. تجدر الإشارة إلى أن المذهب الذي ينتمي إليه الرئيس علي عبد الله صالح هو الزيدي، ولم يستطع خلال حكمه لليمن أن يتجرد من مذهبيته ويحكم بالعدل والمساواة.
  3. علي محسن حميد، "التركيبة الطائفية في اليمن وعلاقتها بالحكم والثورة"، شؤون عربية، العدد 153 (ربيع 2013)، ص.99-97
  4. المرجع نفسه، ص.101-97
  5. اليمن فوق بركان: صراع القبيلة والسلطة: النصر لمن؟ عادل الجوجري، (حلب: دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع، 2010)، ص.89-81
  6. تجدر الإشارة إلى أن الحكم المذهبي ضيق ولا يمثل التنوع في البنية الاجتماعية اليمنية، ويجسد وجهة نظر دينية واحدة ذات لون محدد، ويفقد الحكم طابعه المدني.
  7. إن العودة إلى حالة التشظي ليست مرتبطة بعودة الحكم المذهبي الضيق أو بالدور القبلي فقط، وإنما هناك تراكمات تاريخية وأسباب أخرى أدت مجتمعةً إلى حدوث تلك العودة، كان أهمها الخلل البنيوي في طبيعة النظام السياسي، والسلوك الداخلي الخاطئ للحكومات المتعاقبة، هذا إلى جانب التدخلات الخارجية.
  8. Ibrahim Fraihat, Unfinished Revolutions: Yemen, Libya, and Tunisia after the Arab Spring (New Haven and London: Yale University Press, 2016), pp. 39-42, 49-50.

والمتحالفين معهما من القوى المحلية الأخرى. وتجلى ذلك في التدرج الهرمي الفئوي، من أعلى إلى أسفل، الذي اتسم به النظام الاقتصادي اليمني، وذلك على النحو التالي: السادة، ورؤساء القبائل، والتجار، والفلاحون، والعبيد97. لم يشهد العهد الأول، الملكي، من الدولة اليمنية الحديثة عدالة اجتماعية أو مساواة حقوقية أو حرية اقتصادية. ولم تحقق السلطة السياسية الزيدية تقدمًا ملموسًا في القاعدة الإنتاجية أو البنية التحتية الصناعية والتجارية والخدماتية، إنما كانت تفرض سياسات تعسفية على المزارعين الذين كانوا يشكلون جلّ المجتمع اليمني، ومنها السياسة الضريبية المجحفة التي كانت تخدم النخبة الحاكمة وشيوخ القبائل ورجال الدين الذين مارسوا دورًا إقطاعيًا تعسّفيًّا98. وقد مثّل غياب التنمية بجوانبها المختلفة، وغياب العدالة في توزيع الموارد المتاحة، سببًا مهمً في عدم تمكّن الدولة من اختراق البنية الاجتماعية ذات الطابع القبلي والمذهبي؛ ما جعل وجودها في المناطق والتجمعات السكانية البعيدة نسبيًا عن المركز هشًا وضعيفًا99. لم يختلف الواقع الاقتصادي في الجنوب اليمني، الذي كان يرزح تحت حكم المستعمر البريطاني 1967-1839()، عن نظيره في الشمال، إذا ما استُثني من ذلك قطاع الخدمات. ففي الجنوب لم يدخل المستعمر الحداثة على البنية التحتية الإنتاجية، الزراعية أو الصناعية، إلا بالقدر الذي يحقق به مصالحه، وليس مصلحة الشعب اليمني، وهذا ما دفعه إلى تحسين جانب من القطاع الخدماتي مثل الكهرباء وشبكة المواصلات، من دون أن يؤدي ذلك إلى إخراج الجنوب من أوضاعه الاقتصادية الصعبة100، التي كانت لا تقل سوءًا عما كان عليه الحال في الشمال. وكانت اليد العليا في إدارة الاقتصاد والتحكم في مخرجاته ومدخلاته هي للمستعمر بالدرجة الأولى، والفواعل المحلية بالدرجة الثانية، التي ارتبطت مصالحها به كالمحميات101، وبعض الزعامات القبلية102. أحدث التحول السياسي الجوهري في نظام الحكم اليمني، في الشمال عام 1962، من ملكي إلى جمهوري تطورات عديدة في الجانب الاقتصادي، لا سيمّا بعد توقف الحرب الأهلية بين الملكيين والجمهوريين عام 1970، التي أعقبت ذلك التحول مباشرة. ففي العهد الجمهوري الجديد تحوّل الاقتصاد اليمني من شبه إقطاعي إلى شبه رأس لياا، مع بقاء ملامح وخصائص إقطاعية نابعة من استمرار تأثير البنية الاجتماعية، ذات الطابع القبلي والمذهبي، في مدخلات العملية الاقتصادية ومخرجاتها. هذا إلى جانب تحوّل اليمن في العهد الجديد إلى بلد شبه ريعي يستند في إيراداته ونفقاته المالية كثيرًا إلى مصادر خارجية، وليس على بنية إنتاجية وسياسة ضريبية عادلة كما هو مفترض. وجانب مهم من هذا التحوّل نحو الطابع شبه الريعي كان مرتبطًا بالاعتماد الكبير على الأيدي العاملة اليمنية في الخارج103، خصوصًا لدى الدول الخليجية، لتشكل بثقلها النسبي وحجمها الكبير104 أحد أهم الفواعل الاقتصادية للدولة اليمنية الجمهورية قبل قيام الوحدة عام 1990 105. أما الخصائص الرأسمالية التي ظهرت جليًّا في العهد الجمهوري، فكانت مرتبطة بالتوجه اليمني، منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي، نحو إقامة علاقات اقتصادية، وإن بصفة غير متكافئة، مع فواعل رأسمالية سواء كانت دولً أو مؤسسات دولية مثل

  1. مجموعة من المؤلفين السوفيات، ص.23-20
  2. تجدر الإشارة إلى أن السياسة الضريبية لم تخضع لضوابط ومعايير محددة قانونيًا، ولم يتول تحديدها مؤسسة مدنية قانونية مهنية، بل كانت تترك لرجال الدين وشيوخ القبائل الذين يقومون بتحديدها، إما وفق نظام الزكاة الإسلامي أو وفق سلطة تقديرية ليست واضحة وغير عادلة. وكان يفرض على كل مزارع أن يقدم للجهات القبلية والدينية ربع ما ينتجه. هذا إلى جانب أن السلطة السياسية كانت تتعامل مع الجانب المالي، بما في ذلك ميزانية الدولة، على نحو غامض، بحيث تحجب عن الجمهور أي معلومات تتعلق بمدخلاتها ومخرجاتها المالية، كما لم تنشئ الدولة، ولا سيمّا في النصف الأول من القرن الماضي، أي مؤسسات مالية مصرفية، ولم يكن للدولة الملكية الزيدية في تلك الفترة عملة وطنية نقدية، وكان التعامل التجاري والاقتصادي بعامة يجري بعملة أجنبية وهي الريال النمساوي، أو يجري بأسلوب التبادل التجاري بالكم والنوع في ما عرف قديمًا بالمقايضة، انظر: العقاب، الوحدة اليمنية، ص.94-93
  3. الروحاني، ص.49-47
  4. من الأهمية القصوى الإشارة إلى أن مصفاة البترول التي أنشأها المستعمر البريطاني في عدن، في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، كان الهدف منها تقليل الجهد والوقت والتكلفة في تسويق النفط الخليجي، والاستعداد للتعامل مع أي اكتشافات نفطية في اليمن،
  5. يجدر التذكير بأن المقصود بالمحميات في إطار هذه الدراسة السلطنات والمشيخات والإمارات التي فرض عليها المستعمر البريطاني معاهدات ثنائية، وهذه المحميات التي تقع في شرق الجنوب اليمني وغربه أصبحت أداة وظيفية يتحكم فيها المستعمر.
  6. الروحاني، ص.94-92
  7. ترتب على هجرة الأيدي العاملة اليمنية إلى الخارج تبعات اقتصادية سلبية على اليمن، رغم الفوائد التي حققها هؤلاء المهاجرون، عكست فشل الحكومات اليمنية المتعاقبة في تحقيق التوازن بين المتطلبات الداخلية والهجرة الخارجية، في ضوء عدم وجود خطة إستراتيجية تنموية وطنية شاملة. إذ تعرضت قطاعات اقتصادية عديدة للضرر والتراجع مثل قطاعي الزراعة والتصدير؛ حيث تسببت السياسة الضريبية المجحفة بحق المزارعين في عزوف الشباب عن العمل في الزراعة والهجرة نحو الخارج، ما أدى إلى انخفاض حاد في المنتجات الزراعية، وتهديد الأمن الغذائي، الأمر الذي دفع الدولة اليمنية إلى تعويض ذلك الانخفاض من خلال مضاعفة عمليات الاستيراد من الخارج، حتى وصل الأمر إلى استيراد بعض المنتجات التي كان اليمن يشتهر بها وتعتبر أحد مصادر دخله المهمة مثل سلعة البن. في المقابل، انخفضت القدرة التصديرية لليمن انخفاضًا كبيرًا، وارتفعت أسعار السلع والمنتجات في الأسواق اليمنية في ظل تراجع المنتج الوطني المحلي، انظر: العقاب، الوحدة اليمنية، ص.95-94
  8. تجدر الإشارة إلى أنه في العشر سنوات التالية 1985-1975() وصل عدد العاملين اليمنيين في الخارج إلى ما يقرب من مليون عامل، وهؤلاء شكّلوا مصدر الدخل الأول للدولة اليمنية في الفترة المذكورة آنفًا، وكانوا المحرك الأهم للاقتصاد اليمني، انظر: مارينا دي ريخت، رائدات في ظروف غير مواتية: المرشدات الصحيات وسياسات التنمية في اليمن، ترجمة محمد عبد الحميد عبد الرحمن، مراجعة سعد صلاح خالص (القاهرة: دار مهاجرون،)2005، ص.51-47 105 المرجع نفسه.
  9. وليس تحسين الواقع الاقتصادي للشعب اليمني.

البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والتي كانت نتيجتها ربط الاقتصاد اليمني ماليًا وتجاريًا واستثماريًا بسياسات هؤلاء الفاعلين وخططهم106، والتي لم تراعِ خصوصية الحالة اليمنية ومتطلباتها واحتياجاتها الداخلية. من جانب آخر، شهدت الدولة اليمنية في العقدين الأخيرين قبل قيام الوحدة عام 1990 توسعًا غير مسبوق في القطاع العام، وخصوصًا الجهاز الإداري؛ حيث ارتفع عدد الموظفين الحكوميين في السبعينيات أكثر من ثلاثة أضعاف عما كان عليه الحال في السنوات الأولى من العهد الجمهوري107. وهذا الجهاز الإداري مثّل عبئًا ثقيلً على الدولة وموازنتها السنوية العامة، فهو جهاز غير منتج اقتصاديًا ويقدم خدمات للجمهور، ويعتاش ماليًا على خزينة الدولة. يضاف إلى ذلك، أن 50 في المئة من الموازنة السنوية العامة كانت تذهب للمؤسسة الأمنية ومجهودها الحربي، بدلً من توظيفها في إحداث التنمية الاقتصادية108. أما الانتقال إلى المحدد الاقتصادي في الجنوب اليمني، فقد كان هو الآخر أحد أهم جوانب الأزمة، رغم الفروق النسبية التي حدثت بين الشطرين خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. فقد استقل الجنوب عام 1967 وهو في حالة اقتصادية مأزومة؛ حيث كان جلّ المجتمع اليمني في الجنوب مجتمعًا فقيرًا محرومًا من مقومات الحياة الأساسية، ويعاني الجهل والأمية109 والبطالة والضرائب المرتفعة110. وبعد أن حسم الصراع على السلطة، بعد الاستقلال بعامين، لمصلحة من يحملون فكرًا يساريًا، بدأت عملية التحوّل في الاقتصاد الجنوبي، ليأخذ طابعًا اشتراكيًا تأثرًا بالنخبة الحاكمة وسياساتها الاقتصادية، التي كان أهمها: توسيع القطاع العام التابع للدولة من خلال اللجوء إلى سياسة التأميم، والحد من دور القطاع الخاص إلى أدنى حد ممكن، وإدارة الاقتصاد على نحو شبه كامل، والتحكم في مدخلاته ومخرجاته انطلاقًا من مبدأ المركزية الاقتصادية111، وسحب الامتيازات الاقتصادية التي كانت ممنوحة سابقًا للزعامات المحلية سواء القبلية أو الدينية أو السياسية، وتوزيع ما كان بحوزتها من أراض وممتلكات على الفلاحين والعمال. هذا إلى جانب استحداث قوانين داعمة لشريحة العمال والفلاحين والزراعة بعامة مثل قانون الإصلاح الزراعي112. لقد فشلت عملية التحوّل نحو الطابع الاشتراكي في معالجة الخلل البنيوي في الاقتصاد، وفي إصلاح هشاشة البنية الإنتاجية. وكان الطابع الخدماتي والريعي السمة الغالبة على الاقتصاد اليمني في الجنوب خلال سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، حيث ارتبط التطور النسبي في الفترة المذكورة آنفًا بعنصرين خارجيين كانا سببًا في تحريك العجلة الاقتصادية: الأول الدعم السوفياتي، والثاني الدعم الذي كانت توفره التحويلات المالية للأيدي اليمنية العاملة في الخارج، إلى جانب ريع السلعة النفطية التي أصبحت منذ منتصف الثمانينيات جزءًا مهم من مصادر الدخل لدولة اليمن الديمقراطية الشعبية113. وفي ضوء تفشي نمط الاقتصاد الريعي لم تعد الدولة ضابط إيقاع في ضبط الاقتصاد والتحكم في مدخلاته ومخرجاته114. لم يخرج اليمن، في ظل دولة الوحدة، من أوضاعه الاقتصادية الصعبة، بعد انتقاله من إطار الدولتين إلى إطار الدولة الواحدة عام 1990، إنما شهد اقتصاده مزيدًا من التأزم والتعقيد في تفاعلاته الداخلية والخارجية. فالموقف السياسي اليمني من الأزمة العراقية - الكويتية، الذي أعقب الدخول في دولة الوحدة بأسابيع قليلة، ظهرت نتائجه السلبية المباشرة في الجانب الاقتصادي، حيث عادت القوى البشرية، التي كانت تعمل في الخليج العربي، إلى اليمن قسريًا، مما أفقد الدولة مصدرًا أساسيًا من مصادر دخلها الخارجية، وتحولت تلك القوى العائدة، التي كان عددها لا يقل عن 800 ألف عامل، إلى شريحة غير منتجة، وأصيبت بالفقر والبطالة، وأصبحت عالة على الدولة اليمنية، فضلً عن صدى هذه الأزمة الكبير على المجتمع والاقتصاد بعامة115. لقد تفاقمت الأزمة الاقتصادية في اليمن أكثر عام 1994، عندما انهار التوافق السياسي بين الشطرين مجددًا، ودخلا في مواجهة

  1. كان الدعم الخارجي الذي يقدم لليمن من الجهات الأجنبية (المؤسسات الاقتصادية الدولية والدول المانحة) متذبذبًا ومرتبطًا بالأوضاع السياسية، سواء في اليمن أو الإقليم العربي بعامة، ومن الأمثلة على ذلك أن تلك الجهات قدّمت لليمن في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي مليار دولار، ثم قدّمت نصف المبلغ المذكور في منتصف العقد نفسه، ووصل في نهاية الثمانينيات إلى 10 في المئة فقط، انظر: المرجع نفسه.
  2. كان الهدف من توسيع الجهاز الإداري في وقت قياسي كسب الولاءات القبلية والمذهبية لنظام الحكم، وخلق شرعية من خ لاا عملية التوظيف في المؤسسات الحكومية العامة.
  3. المرجع نفسه.
  4. يجدر التوضيح أن أقل من 10 في المئة من المجتمع اليمني في الجنوب كانوا خارج دائرة الأمية في السنوات الأخيرة لحكم المستعمر البريطاني، أي إن الغالبية الساحقة من المجتمع كانت تعاني الجهل والأمية.
  5. علي، ص.265-258
  6. الروحاني، ص 216،.219
  7. علي، ص.260-258
  8. تجدر الإشارة إلى أن جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية هي الاسم الذي أطلقه التيار اليساري، الذي حكم الجنوب منذ عام 1969 وحتى تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990، على الدولة اليمنية في الشطر الجنوبي بعد أن حملت في بداية استقلالها اسم جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية منذ 1969-1967. في المقابل، كان يطلق على الدولة في الشطر الشمالي: الدولة اليمنية المتوكلية 1962-1918()، ومن ثم الجمهورية العربية اليمنية -1962(1990.) أما دولة الوحدة 2018-1990() فقد أطلق عليها الجمهورية اليمنية، وما زالت هذه التسمية قائمة.
  9. الروحاني، ص 219،.230-228
  10. عبد الواحد العفوري، "أوضاع إدارة الحكم وأثرها في التنمية في اليمن"، بحوث اقتصادية عربية، العدد 65 (شتاء 2014)، ص.127-126

عسكرية عنيفة في ظل دولة الوحدة، كانت تكلفتها الاقتصادية والبشرية عالية116، حسمت في نهاية المطاف لمصلحة الشمال، الذي تفرّد لاحقًا بالحكم والسلطة والثروة117. وكانت قدرة دولة الوحدة على معالجة الآثار الاقتصادية التي خلفتها تلك المواجهة ضعيفة ومحدودة، لا سيمّا في ضوء تراجع ريع السلعة النفطية التي انخفض سعرها بعد الحرب مباشرة، وهذا الريع كان يشكّل مصدرًا مهم للدولة في معالجة قصورها الاقتصادي118. فشلت دولة الوحدة في معالجة الأزمة الاقتصادية أو وقف التدهور في القطاعات الاقتصادية المختلفة على الأقل، وكانت المؤشرات على ذلك كثيرة؛ ففي السنوات السبع الأولى من قيام دولة الوحدة)1997-1990(انخفض الناتج القومي الإجمالي على نحو ملموس، لا سيمّا في القطاع الزراعي الذي تراجع حوالى النصف. في المقابل، كان هناك زيادة في الواردات قدّرت ب 379 مليون دولار أميركي، وتراجع الاستثمار بنسبة 2.8 في المئة. أدى ذلك إلى ارتفاع معدل التضخم بنسبة 26.7 في المئة، وتضاعفت الأسعار ثلاثة أضعاف عما كانت عليه في عام 1990. وفي ظل التراجع الاقتصادي الكبير، أصبح أكثر من نصف المجتمع اليمني تحت خط الفقر 51.2(في المئة)119، وانخفض متوسط دخل الفرد بمقدار 3806 ريالات120، أي تراجع بقيمة 365 دولارًا أميركيًّا121، وزادت نسبة البطالة 14 في المئة لتصبح نسبة العاطلين عن العمل من المجتمع اليمني 39 في المئة في نهاية الألفية الثانية122. اتسم الاقتصاد اليمني منذ قيام دولة الوحدة بالتذبذب وعدم الاستقرار، وذلك بالرغم من اعتماد الحكومات اليمنية المتعاقبة خططًا اقتصادية خمسية عديدة، منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، ولجوئها إلى المؤسسات المالية الدولية والاقتراض منها مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وما تحقق من نجاحات اقتصادية كان محدودًا؛ نظرًا إلى ما آلت إليه الأوضاع السياسية والأمنية منذ عام 2004 123 وصولً إلى الحراك الجماهيري الشامل عام 2011. فقد أظهرت المؤشرات الاقتصادية حالة الضعف التي اتسم بها الاقتصاد اليمني أثناء الألفية الحالية، منها: كان اليمن يحتل في مؤشر الدول الفاشلة المرتبة 24 عام 2007، ثم أصبح ترتيبه السادس عام 2013، أي كان ينحدر نحو الفشل بوتيرة متسارعة124، وبات عام 2018، أي بعد بدء الحرب الأخيرة بثلاثة أعوام، في مقدمة الدول الفاشلة إلى جانب الصومال. أما "ترتيب اليمن في مؤشر التنمية البشرية فكان عام 2010 يحتل المرتبة 133 من أصل 169 دولة"125 خضعت للدراسة، وأصبح "عام 2016 يحتل المرتبة 168 من أصل 188 دولة"126. وكانت نسبة الفقر عام 2011 تضم أكثر من نصف المجتمع اليمني 54(في المئة)، وكانت البطالة في العام نفسه أكثر من 40 في المئة127، وبعد الحرب الأخيرة التي اندلعت عام 2015 بعام واحد أصبح جلّ أفراد المجتمع اليمني فقراء وعاطلين عن العمل128. وخلال العامين الأخيرين تراجع الناتج المحلي الإجمالي حوالى النصف تقريبًا، وهبطت قيمة العملة اليمنية الريال ليصبح الدولار الأميركي الواحد يساوي 550 ريال يمنيًا، وهو ما يعني ارتفاع معدلات التضخم ارتفاعًا كبيرًا جدًا خلال الحرب الأخيرة129. يتضح من المؤشرات سالفة الذكر حجم التدهور في الاقتصاد اليمني منذ قيام دولة الوحدة عام 1990، وكيف تحول اليمن خلال فترة وجيزة من دولة ضعيفة وقابلة للتطور إلى دولة فاشلة ومنهارة.

  1. بلغت الخسائر الاقتصادية اليمنية الناجمة عن حرب عام 1994 ما يزيد على 8 مليارات دولار أميركي.
  2. اتسمت دولة الوحدة بعدم العدالة في توزيع الموارد، كما كان الحال في العهود اليمنية السابقة لها، وأهمها ريع السلعة النفطية، الذي كان المصدر الأهم لخزينتها المالية (ثلثا الموازنة السنوية العامة للدولة كان مصدرهما ريع السلعة النفطية.) فقد استحوذ الشمال، الذي يسيطر على الحكم، ولا سيمّا منذ عام 1994، على جلّ العوائد النفطية والوظائف العليا في الدولة، وحرم الجنوب من حقوقه الاقتصادية والسياسية المفترضة، وكان يمنح نسبة محدودة جدًا من تلك الموارد والمراكز، علمً أن الثروة النفطية تتركز غالبيتها في الجنوب، وكذلك الحركة التجارية مع العالم الخارجي تجري عبر البوابة الجنوبية المطلة على البحر الأحمر وبحر العرب. يفسر ما سبق جانبًا مهمً من أزمة الدولة في اليمن، وعدم الاستقرار بعامة في الجنوب منذ قيام دولة الوحدة وصولً إلى الحراك الشامل عام 2011، وما أعقبه من تغيّ ات في المشهد السياسي والأمني، سواء في علاقات اليمن الداخلية أو الخارجية، السياسة الدولية انظر: محمد حافظ عبد المجيد، "النفط والحراك الجنوبي في اليمن"،، العدد 179 (كانون الثاني/ يناير 2010)، ص.118
  3. فضل علي مثنى، "التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني خلال القرن الحادي بحوث اقتصادية عربية والعشرين وكيفية مواجهتها"،، العدد 24 (خريف 2001)، ص 63،.72
  4. المستقبل العربي محمد عبد الملك المتوكل، "اليمن: إلى أين"،، العدد 240)1999(،
  5. بدر صالح عبيدي محمد، "النموذج القياسي للفقر في الجمهورية اليمنية"، بحوث اقتصادية عربية، العدد 17 (خريف 1999)، ص.75
  6. صبري زاير السعدي، "ضرورات التغيير في المعايير الاقتصادية والفنية لسياسات
  7. مثنى، ص.67
  8. شهد عام 2007 حدثين مهمين، الأول بداية الحراك الجنوبي الرافض سياسات المركز، والثاني الصدام بين المركز والجماعة الحوثية في محافظة صعدة الشمالية، ولم يتوقف هذا الصدام منذ عام 2007 حتى بدء الحراك الجماهيري الشامل عام.2011
  9. العفوري، ص 129-127،.131
  10. الإرياني، ص.111 126 منصور علي البشيري، "التكلفة الاقتصادية لحرب اليمن وأثرها على أطراف اررع"، مركز الجزيرة للدراسات ال،، شوهد 2018/8/28 في 2018/11/21 في،: https://bit.ly/2VTBdz3
  11. ص.24-23
  12. الإرياني، ص.110 128 منصور الراجحي، "الاقتصاد اليمني: تداعيات الحرب على الاختلالات البنيوية"، مركز الجزيرة للدراسات، 2016/3/10، شوهد في 2018/11/21، في: https://bit.ly/2T1oR5W
  13. صندوق النقد والبنك الدوليين الإصلاحية في البلدان العربية: اليمن نموذجًا"، دراسات عربية، العدد 6-5 (آذار/ مارس - نيسان/ أبريل 2000)، ص.109
  14. البشيري.

فالتدمير الذي تعرض له اليمن خلال الحرب الأخيرة)2019-2015(لحق كل قطاعات الدولة وبُناها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأدخله في أزمة إنسانية غير مسبوقة تاريخيًا، حيث تشير الدراسات إلى سقوط ما يزيد على تسعة آلاف قتيل يمني منذ بدء الحرب، وإصابة أكثر من خمسين ألفًا آخرين، كما يعاني أكثر من عشرين مليون يمني نقصًا في الاحتياجات الأساسية الضرورية للحياة، وبات اليمن واحدًا من الدول الأكثر مجاعة في القرن الحادي والعشرين130.

3. المحدد السياسي

يعزى جانب مهم من التعثر في المسارين الاجتماعي والاقتصادي اليمنيين تاريخيًا، وكذلك في علاقات الدولة اليمنية الخارجية بعامة، إلى التعثر في المسار السياسي خلال العهود الثلاثة التي عرفها اليمن خلال القرن العشرين. فالحياة السياسية اليمنية وطبيعة نظام الحكم، سواء في العهد الملكي - الزيدي أو العهد الجمهوري الأول بفرعيه الشمالي والجنوبي أو في عهد دولة الوحدة الأخير، غاب عنهما طابع المأسسة وغلب عليهما الطابع الشكلي للتعددية والمشاركة من جهة، واتسما بالسلطوية والعنف من جهة أخرى. وفي إطار هاتين المسألتين برز الدوران القبلي والمذهبي اللذان أعاقا، إلى جانب العوامل الأخرى، التقدم في اتجاه قضايا عديدة، كان أهمها تحديث مؤسسات الدولة ونظامها السياسي والإداري والقانوني، ونشوء دولة مدنية تستند إلى حكم القانون131. لذلك، كانت الحكومات المتعاقبة عمومًا حبيسة هذين المحددين، ولم تتمكن من تجاوزهما في ضوء هشاشة شرعيتها، وحاجتها المستمرة إلى فواعل داخلية تتمتع بقدرة نسبية على ضبط المجتمعات المحلية وتطويعها السياسات الحكومية المختلفة. إن ضعف أداء النظام السياسي اليمني، منذ عام 1918، في المجالات كافة، كان مرتبطًا إلى درجة كبيرة بحالة التعثر السياسي الناتجة من جوانب وقضايا عديدة منها: أزمة النشأة، وفرض نموذج الدولة القطرية على المجتمع اليمني، ورسم حدودها عشوائيًا، وتحديد معالمها الجغرافية والسياسية، وغياب التعاقد المجتمعي في إنشائها وتأسيسها. وفي الإطار ذاته، فرض التجزئة عليها وإخراج الشطر الجنوبي من إطارها، وضرب هويته اليمنية، وأوجدت بداخله أنظمة سياسية قبلية مختلفة، أطلق عليها في ظل الحكم الاستعماري مصطلح المحميات. فشل الحكومات اليمنية المتعاقبة في تخطي إشكالية النشأة المأزومة، سواء في علاقات اليمن الداخلية أو الخارجية. وكان هذا الفشل مرتبطًا بطبيعة نظام الحكم الذي اتسم بالمذهبية والقبلية تارة، وحكم الفرد المستبد أو الحزب الواحد تارة أخرى، وعدم نجاحها في بناء نموذج ديمقراطي يمنح اليمنيين فرصًا متكافئة للمشاركة في العمليتين السياسية والاقتصادية. وفي هذا الإطار استمرت حالة الانقسام داخليًا بين شمال اليمن وجنوبه، حتى بعد قيام دولة الوحدة عام 1990، أما خارجيًا، فاستمر النزاع الحدودي بين اليمن والسعودية حتى بداية الألفية الحالية التي شهدت تسوية حدودية وتوقيع الجانبين اتفاقية جدة عام 2000، والحرب الدائرة منذ 2015 مع السعودية التي من أسبابها انقلاب الحركة الحوثية على العملية السياسية، وخشية الرياض من ارتدادات ذلك الانقلاب على الأمن القومي السعودي. الصراع على السلطة في شماله وجنوبه؛ حيث شهد اليمن منذ نشوء دولته الحديثة صراعًا محتدمًا على الحكم بين جمهوريين وملكيين، ثم أصبح بين قوميين وشيوعيين، وآخر بين علمانيين وإسلاميين، ومؤخرًا بين جنوبيين وشماليين. وكان دور المحددين القبلي والمذهبي حاضرًا في هذه الصراعات، على اختلاف مسمياتها، وكذلك دور المؤسسة العسكرية التي أصبحت منذ المحاولة الانقلابية الأولى عام 1948 لاعبًا مهمً في تحديد المشهد السياسي اليمني، وبرز دورها أكثر خلال العهد الجمهوري الذي شهد انقلابات عسكرية عديدة خلال سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته132. وشهد الشطر الجنوبي صراعًا دمويًا بين نخبه السياسية والعسكرية في الفترة 1990-1967. فالجبهة القومية التي تصدرت المشهد السياسي في الجنوب بعد الاستقلال عام 1967 انقسمت تيارين متنافسين؛ الأول بزعامة قحطان الشعبي، الذي حكم الجنوب مدة عامين بعد الاستقلال مباشرة، والثاني بزعامة سالم ربيع علي وعبد الفتاح إسماعيل اللذين يحملان فكرًا يساريًا متشددًا، وقد تقاسما السلطة بعد التغلب على التيار الأول في نهاية الستينيات من القرن الماضي. وقد كان الصراع بينهما بالأساس حول مدى وطبيعة التغيير الذي يجب

  1. المرجع نفسه.
  2. يجدر التذكير بأن الدور القبلي كان يعطّل عملية الإصلاح والتحديث التي قادها الرئيس اليمني في الشمال إبراهيم الحمدي إبان العهد الجمهوري الأول، وتحديدًا في الفترة 1977-1974، حيث تعرض للاغتيال من جانب القبائل اليمنية كما جاء في معظم الدراسات، سواء اليمنية أو غير اليمنية.
  3. محمد محسن الظاهري، "الحالة اليمنية"، في: أحمد يوسف أحمد [وآخرون]، كيف يصنع القرار في الأنظمة العربية: دراسة حالة: الأردن، الجزائر، السعودية، السودان، سورية، العراق، الكويت، لبنان، مصر، المغرب، اليمن، تحرير وتنسيق نيفين مسعد (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010)، ص.567

إحداثه في الدولة ونظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فالأول كان يرى ضرورة إجراء إصلاحات محدودة. في المقابل، كان الفريق الثاني يرى ضرورة إجراء تغيير جوهري في طبيعة الدولة ووظائفها المختلفة. ولم ينتهِ الصراع على السلطة بعد التغلب على التيار الأول، إنما انتقل ليصبح بين أتباع التيار الثاني، وهذا اتضح عند اغتيال الرئيس سالم ربيع علي عام 1978 بتواطؤ من حليفه التقليدي عبد الفتاح إسماعيل الذي تولى الحكم من بعده مباشرة133.

خاتمة

يلاحَظ من خلال المسار السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدولة اليمنية الحديثة أن هناك تقاطعًا جليًا بين المحددين الخارجي والداخلي في تكوين الأزمة التي تعصف باليمن واستمرارها منذ مئة عام. إذ يصعب حصر هذه الأزمة في محدد دون الآخر، فالدور الخارجي ما كان له أن ينجح لولا وجود بيئة داخلية، سياسية واجتماعية واقتصادية، هشة ورخوة مثّلت مدخلً لتغلغل المفاعيل الخارجية وتأثيرها، على اختلاف أسمائها وأدوارها، في الأراضي اليمنية، واستمرار هشاشة تلك البيئة وفشل الحكومات الوطنية المتعاقبة في إصلاحها وتحديثها حالَ دون تمكّن هذه الحكومات من التصدي لها أو الحد من تأثيرها على أقل تقدير. وما وصل إليه اليمن مؤخرًا في حالته الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية منذ عام 2015 هو امتداد لأزمة النشأة، ونتاج التفاعل السلبي بين المحددَين، وانعكاس لحالة التأزم التاريخية في علاقات الدولة الداخلية والخارجية، والتي جعلت اليمن ضمن قائمة الدول الفاشلة في القرن الحادي والعشرين. على الصعيد الداخلي، لم يعرف اليمن الاستقرار في تاريخه الحديث، إلا فترات محدودة، فقد تدخل الجيش مرارًا بانقلابات عسكرية، ولا سيمّا في العقود الثلاثة التي سبقت قيام دولة الوحدة عام 1990، ومعظم القيادات التي تولت الحكم في اليمن عمومًا كانت خلفيتها عسكرية. ولم يعرف النظام السياسي اليمني بعامة المأسسة وسيادة القانون والتداول السلمي والدوري المنتظم للسلطة، وعانى تاريخيًا، وما زال، سطوة الدور المذهبي والقبلي وغياب التماسك السياسي والاجتماعي، وكذلك السياسات الارتجالية الخاطئة التي تعكس الطابع الشخصاني للسلطة. وكانت نتيجة هذه الحالة الفشل في بناء دولة مدنية علمانية قائمة على مفهوم المواطنة وحكم القانون واحترام الحريات، والمساواة بين أفرادها بغض النظر عن قضايا العرق أو الجنس أو الدين. خارجيًا، يمكن الإشارة إلى ثلاث محطات سياسية كان التعثر فيها يعزى جانب مهم منه إلى التدخلات الخارجية: الأولى عندما تحوّل النظام السياسي من ملكي إلى جمهوري عام 1962، والثانية عندما نشأت دولة الوحدة عام 1990، أما المحطة الثالثة فكانت عام 2011 عندما سقط حكم صالح واختلفت الفواعل السياسية اليمنية في شكل الدولة في اليمن ومستقبلها134. ففي هذه المحطات الثلاث، لم تنجح عملية التغيير في إحداث نقلة نوعية في اتجاه المأسسة وبناء نموذج ديمقراطي تعددي يستوعب في إطاره التناقضات السياسية والاجتماعية اليمنية كافة، ويعيد ترميم العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة من جهة، والمنظومة الإقليمية والدولية من جهة أخرى. ويتمثّل جزء مهمّ من ذلك الفشل في أن كل محطة من المحطات آنفة الذكر كانت تتبعها حرب، وكان الدور الخارجي عاملً مساعدًا في اندلاعها، وما يجري في الوقت الراهن بين اليمن والسعودية يؤكد هذا الدور. واستنادًا إلى المشهد اليمني كما يبدو الآن، هناك مجموعة من التصورات المستقبلية المحتملة، أهمّها: أن الدولة اليمنية سوف تتجه نحو مزيدٍ من التأزم والتعقيد في علاقاتها الداخلية والخارجية، وقد يتعرض اليمن لخسارة وطنية كبيرة مشابهة لما حدث في بعض الدول العربية، مثل السودان الذي خسر الجزء الجنوبي من إقليمه الجغرافي عام 2011، في حال استمر المشهد اليمني سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا واجتماعيًا على ما هو عليه. فعدم معالجة الخلل البنيوي في طبيعة النظام السياسي على الأقل منذ قيام دولة الوحدة عام 1990، وعدم التقدم في قضايا الديمقراطية والتنمية وحقوق الإنسان ينذران بتصاعد الأزمة، ويهددان وحدة اليمن جغرافيًا وسياسيًّا. إن مقترح حل الأزمة اليمنية يمكن أن يكون عبر تشكيل مجلس يمني تأسيسي يضم في إطاره كل القوى السياسية اليمنية على اختلاف توجهاتها وتناقضاتها، للخروج باتفاق على شكل الدولة اليمنية ومستقبلها، وصياغة تعاقد اجتماعي جديد لمعالجة الخلل البنيوي في طبيعة النظام السياسي، وتفعيل الحياة السياسية التي عانت تاريخيًا، وما زالت، الركود والتكلس، وترميم جسور العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة، وكل ذلك لا يتم إلا باتفاق اليمنيين أنفسهم.

  1. العشملي، ص.139-133
  2. جانب مهم من أزمة الدولة اليمنية الراهنة هو عدم اتفاق اليمنيين على شكل الدولة وطبيعة نظامها السياسي؛ فهناك من يطالب بدولة مركبة، وآخرون يريدون دولة بسيطة، وهناك من يريد إقامة حكم إسلامي، وآخرون يطالبون بحكم علماني، وهناك قوى تطالب بالانفصال وإعادة اليمن إلى ما كان عليه قبل قيام الوحدة عام 1990، هذا إلى جانب وجود قوى تطالب بالتقدم نحو الديمقراطية والدولة المدنية، وأخرى تريد إبقاء الدور القبلي والمذهبي فاعلً في الحياة السياسية اليمنية.

المراجع

العربية

أحمد، أحمد يوسف [وآخرون.] كيف يصنع القرار في الأنظمة العربية: دراسة حالة: الأردن، الجزائر، السعودية، السودان، سورية، العراق، الكويت، لبنان، مصر، المغرب، اليمن. تحرير وتنسيق نيفين مسعد. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2010 أحمد، مهيوب غالب. "الوحدة اليمنية وتحديات النشوء." المجلة العربية للعلوم السياسية. العدد 15 (صيف.)2007 الإرياني، قيس. "ربيع اليمن وتحديات التنمية." سياسات عربية. العدد 8 (نيسان/ أبريل.)2014 الأصبحي، أحمد محمد. "الوحدة اليمنية: نموذج عربي وحدوي في دراسات شرق أوسطية مطلع القرن."21. العدد 11 (شتاء.)2000 باديب، سعيد محمد. الصراع السعودي المصري حول اليمن الشمالي.1970–1962 لندن: دار الساقي بالتعاون مع مركز الدراسات الإيرانية والعربية،.1990 باسلامة، محمد عبد الله. "الحضارة اليمنية القديمة والمنقولات العربي الأثرية للخارج.". العدد 542 (كانون الثاني/ يناير.)2004 بدوي، منير محمود. "مفهوم الصراع: دراسة في الأصول النظرية دراسات مستقبلية للأسباب والأنواع.". مركز دراسات المستقبل، جامعة أسيوط. العدد الثالث.)1997(برجا، فرانسوا. [وآخرون.] اليمن والعالم: تفاعل اليمن والعالم في العقد الأخير من القرن العشرين. تحرير فارس السقاف. القاهرة: مكتبة مدبولي،.2002 التامر، عبادة محمد. سياسة الولايات المتحدة وإدارة الأزمات الدولية: إيران، العراق، سورية، لبنان أنموذجًا. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 الجوجري، عادل. اليمن فوق بركان: صراع القبيلة والسلطة: النصر لمن؟ حلب: دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع،.2010 جويس، جريجري. العلاقات اليمنية السعودية بين الماضي والمستقبل: الأبنية الداخلية والمؤثرات الخارجية. ترجمة سامية الشامي وطلعت غنيم حسن. القاهرة: مكتبة مدبولي،.1993 حميد، علي محسن. "التركيبة الطائفية في اليمن وعلاقتها بالحكم شؤون عربية والثورة.". العدد 153 (ربيع.)2013 الخضري، أنور بن قاسم. "الطائفية وفتيل الحرب الأهلية في اليمن." سياسات عربية. العدد 6 (كانون الثاني/ يناير.)2014 دبلة، عبد العالي. الدولة: رؤية سوسيولوجية. القاهرة: دار الفجر للنشر والتوزيع،.2004 دي ريخت، مارينا. رائدات في ظروف غير مواتية: المرشدات الصحيات وسياسات التنمية في اليمن. ترجمة محمد عبد الحميد عبد الرحمن. مراجعة سعد صلاح خالص. القاهرة: دار مهاجرون،.2005 راشد، سامح. "الشرق الأوسط: الدولة والحوثيون في اليمن: قراءة السياسة الدولية في جوهر الصراع.". العدد 178 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2009 الرمحي، رامي عبد الرحمن. "اليمن: تكوين الدولة القطرية اليمنية 1994-1962(.") رسالة ماجستير. كلية الدراسات العليا. جامعة القدس، فلسطين،.2010 الروحاني، عبد الوهاب محمد. اليمن خصوصية الحكم والوحدة: دراسة تحليلية. عمان: دار زهران للنشر والتوزيع،.2009 الريّس، رياض نجيب. رياح الجنوب: اليمن ودوره في الجزيرة العربية 1997–1990. بيروت: رياض الريّس للكتب والنشر،.1998 السعدي، صبري زاير. "ضرورات التغيير في المعايير الاقتصادية والفنية لسياسات صندوق النقد والبنك الدوليين الإصلاحية في دراسات عربية البلدان العربية: اليمن نموذجًا.". العدد 6-5 (آذار/ مارس – نيسان/ أبريل.)2000 السويدي، جمال سند. حرب اليمن 1994: الأسباب والنتائج. أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية،.1998 شعثان، علي. "المؤثرات الخارجية في المماحكات اليمنية." سياسات عربية. العدد 12 (كانون الثاني/ يناير.)2015 شمسان، عبد الباقي. "اليمن ما بعد عاصفة الحزم: متطلبات إعادة سياسات عربية بناء الحقل السياسي.". العدد 14 (أيار/ مايو.)2015 الظاهري، محمد محسن. الدور السياسي للقبيلة في اليمن –1962.1990 القاهرة: مكتبة مدبولي،.1996 عبد المجيد، محمد حافظ. "النفط والحراك الجنوبي في اليمن." السياسة الدولية. العدد 179 (كانون الثاني/ يناير.)2010 العبدلي، سمير. ثقافة الديمقراطية في الحياة السياسية لقبائل اليمن: دراسة ميدانية. سلسلة أطروحات الدكتوراه 62. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2007

العشملي، محمد أحمد. الوحدة وال اررع السياسي: دراسة في التكوين التاريخي والسياسي لدولة الوحدة اليمنية 2003–1820. صنعاء: مركز النهار للدراسات السياسية،.2004 العفوري، عبد الواحد. "أوضاع إدارة الحكم وأثرها في التنمية في بحوث اقتصادية عربية اليمن.". العدد 65 (شتاء.)2014 العقاب، عبد الوهاب آدم. الوحدة اليمنية: دراسة وثائقية في تاريخ اليمن المعاصر من حكم الإمام إلى دولة الوحدة. سلسلة تاريخ شبه الجزيرة العربية. دمشق: دار ومؤسسة رسلان للطباعة والنشر والتوزيع،.2009.________ تاريخ اليمن المعاصر. سلسلة تاريخ شبه الجزيرة العربية. دمشق: دار ومؤسسة رسلان للطباعة والنشر والتوزيع،.2010 علي، صادق عبده. الحركات السياسية والاجتماعية في اليمن 1967–1918. بيروت: مؤسسة دار الكتاب الحديث؛ الشارقة: دار الثقافة العربية،.1992 الغفاري، علي عبد القوي. "لمحات عن الوحدة اليمنية عبر التاريخ." المستقبل العربي. العدد 304 (حزيران/ يونيو.)2004 المستقبل العربي المتوكل، محمد عبد الملك. "اليمن: إلى أين.". العدد

مثنى، فضل علي. "التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني خلال القرن الحادي والعشرين وكيفية مواجهتها." بحوث اقتصادية عربية. العدد 24 (خريف.)2001 مجموعة من المؤلفين السوفيات. تاريخ اليمن المعاصر.1982–1917 ترجمة محمد علي البحر. مراجعة محمد أحمد علي. القاهرة: مكتبة مدبولي،.1990 الثورة اليمنية: الخلفية والآفاق مجموعة مؤلفين.. تحرير فؤاد عبد الجليل الصلاحي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 محمد، بدر صالح عبيدي. "النموذج القياسي للفقر في الجمهورية بحوث اقتصادية عربية اليمنية.". العدد 17 (خريف.)1999 منصور، عمرو. "إيران: والعنف الطائفي في العراق واليمن." السياسة الدولية. العدد 204 (نيسان/ أبريل.)2016 اليمن السعيد وصراعات الدين والقبليّة المولى، سعود.. الرياض: مدارك للنشر،.2011 الدولة الهلالي، محمد وعزيز لزرق (إعداد وترجمة.). سلسلة دفاتر فلسفية 21. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2011 تاريخ جنوب الجزيرة العربية الحديث وميض، صباح مهدي.. عمان: دار الفكر،.2010

الأجنبية

Dresch, Paul. A History of Modern Yemen. Cambridge: Cambridge University Press, 2000. Fraihat, Ibrahim. Unfinished Revolutions: Yemen, Libya, and Tunisia after the Arab Spring. New Haven and London: Yale University Press, 2016. Wedeen, Lisa. Peripheral Visions: Publics, Power, and Performance in Yemen. Chicago: The University of Chicago Press, 2008.