التقانة الشبكية في مواجهة الاستبداد: من معضلة السجين إلى معضلة السجان

Sharif Abdul Rahman Al-Nasr شريف عبد الرحمن النصر |

الملخّص

تتساءل هذه الدراسة عن مقدرة التقانة الشبكية على تحدي أنظمة الاستبداد؛ ولهذا الغرض، توظف الدراسة مقاربتين نظريتين، هما "معضلة السجين"، و"معضلة المستبد/ السجان." وتوظف منهج "دراسة الحالة" الذي يتضمن الوقوف على عدد من التجارب التي شهدت استخدام "التقانة الشبكية"، سواء من جماعات احتجاجية أو من أنظمة استبدادية؛ للتعرف إلى مدى تأثيرها واتجاهه عمليًا. وتخلص إلى أن التقانة الشبكية، من خلال تحديها لمنطق معضلة السجين وتحويلها إلى مقلوبها (معضلة السجّان)، قادرة "نظريًّا" على أن تشكل عنصر ضغط على أنظمة الاستبداد، ولكنها على مستوى الحالات الواقعية يمكن أن تُستخدم من هذه الأنظمة بالفاعلية نفسها؛ لمواجهة الاحتجاجات الجماهيرية المدعمة محايدًا تقانيا، وهو ما يشير إلى أن التقانة الشبكية يمكن النظر إليها، بوصفها عام، يتعين أن يُدرس تأثيره بالنسبة إلى تأثير عوامل أخرى. كلمات مفتاحية: التقانة الشبكية، الأنظمة الاستبدادية، الاحتجاجات الجماهيرية. This study examines the ability of network technology to challenge despotism regimes. It thus applies two theoretical approaches. The first is the "Prisoner's dilemma" and the "despot/jailer's dilemma" and the second is the "case study", which studies a number of cases of "network technology", whether used by protest groups or by authoritarian regimes, to determine the extent (and direction) of their impact in practice. The study concludes that network technology — through challenging the logic of the "prisoner's dilemma" and reversing it to become the "jailer's dilemma" — can, theoretically, pose an element of weakness for despotism regimes. However, in reality, network technology can be used by these regimes with the same effectiveness, to respond to mass protests supported by technology. This indicates that network technology can be seen as a neutralizing factor, the impact of which should be studied relative to the impact of other factors. Keywords:  Network Technology, Despotism Regimes, Mass Protests.

Network Technology in the Face of Despotism: from the Prisoner's Dilemma to the Jailer's Dilemma

مقدمة

تتساءل هذه الدراسة عن الحدّ الذي يمكن للتقانة الشبكية1 أن تذهب إليه في تحدي أنظمة الاستبداد؛ لهذا الغرض، ستعاد قراءة نموذج معضلة السجين؛ لتحقيق فهم أفضل لآليات التحكم في إطار الأنظمة الاستبدادية. حيث تذهب الدراسة إلى أن مبدأ "تقويض الثقة والتواصل"، وهو جوهر النموذج المذكور، يمثل مدخلً أساسيًا لفهم منطق الأنظمة الاستبدادية، ثم تتناول الدراسة نموذج "معضلة المستبد/ السجان" الذي يذهب إلى إمكانية وجود علاقة عكسية، تدعم من خلالها "التقانة الشبكية" التواصل والثقة بين الأفراد، بما يقلب معضلة السجين (الشعوب)؛ كيما تصير معضلة للسجان (أنظمة الاستبداد.) وأخيرًا، تلقي الدراسة الضوء على عدد من "الحالات" التي استُخدمت فيها التقانات الشبكية، سواء من جماعات احتجاجية، أو من أنظمة استبدادية، للتعرف إلى مدى تأثير استخدام التقانة الشبكية واتجاهه عمليًا.

منطلقات الدراسة ومشكلتها

تتبنى أنظمة الاستبداد خطابات من شأنها إشعار مواطنيها بالخطر الحال والوشيك الذي يهددهم؛ خطر غياب الأمن وضياع الاستقرار. وتلخص تلك الخطابات العبارة/ النبوءة الشهيرة التي تجري على ألسنة كثير من قادة هذه الأنظمة، وبخاصة في أوقات الأزمات: "أنا أو الفوضى"2. بعبارة أخرى، تروّج هذه الأنظمة ل "معضلة أمنية" مماثلة لتلك التي تخيل بعض منظري "العقد الاجتماعي" أنها سادت "حالة الطبيعة." وجوهر تلك المعضلة هو الدفع بالأفراد، وهم في كامل وعيهم، إلى الإذعان طواعية ل "مستبد"؛ لإنقاذهم من حالة حرب الجميع ضد الجميع، مع ما يترتب على ذلك الإذعان من فقدانهم الحق في مساءلة المستبد عن أفعاله3. وإذا كان المضمون النظري لخطابات الاستبداد يترجُم إلى كثير من السياسات، فإن هذه الدراسة ستركز على نوعين منها فقط، وهما سياسات عرقلة التواصل بين الأفراد، وخلخلة ثقة الأفراد بعضهم ببعض؛ تماشيًا مع الفرض الذي اختبر في كثير من الدراسات ومفاده أنّ في المنظومات الاجتماعية علاقةً بين "فاعلية التحكم"، من جهة، و"تقويض الصلة والثقة" بين الأفراد، من جهة أخرى4. تحاول الدراسة أن تلقي الضوء على التأثير المحتمل لأدوات التواصل الجديدة والتقانة الشبكية في أداء أنظمة الاستبداد، وهو التأثير الذي يمكن أن تمارسه من خلال عكس مفعول السياسات السابقة؛ أي من خلال "بناء الثقة وتدعيم التواصل" بين الأفراد، وذلك بالاستعانة بنموذجي معضلة السجين Dilemma Prisoner's، ومعضلة المستبد.Dictator's Dilemma ويشير مفهوم "التقانة الشبكية"، في إطار هذه الدراسة، إلى وسائل الاتصالات ونقل المعلومات  ICT 5 المستخدمة في خلق واقع شبكي، تنتظم بمقتضاه كثير من الوظائف والعمليات والعلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الأساسية في المجتمع6. بعبارة أخرى يشير المفهوم إلى التقانة المسؤولة عن تكوين "المجتمع الشبكي" الذي فيه تتدفق المعلومات بين عُقد موصولة بروابط. وعلى الرغم من تعدد الأشكال التي يمكن أن تأخذها العناصر الثلاثة السابقة (العقد، والروابط، والتدفقات)، فإن التعريف الذي تتبناه الدراسة ينصرف إلى الشكل التقني تحديدًا، حيث تُشير العُقد إلى مكونات رقمية، مثل: الحواسيب، الهواتف النقالة ... إلخ، بينما تشير الروابط إلى شبكات الاتصال السلكية واللاسلكية. وأخيرًا، فإن التدفقات تشير بالأساس إلى تدفقات المعلومات والبيانات7. أما مفهوم النظم الاستبدادية، فتستخدمه الدراسة للإشارة إلى الأنظمة التي تتجاوز إرادة مواطنيها، ولا تفسح المجال لمشاركة سياسية فاعلة، وتستخدم حقها في احتكار أدوات القوة (بما في ذلك قوة المعلومات) خارج مظلة القانون، وتسيطر على محتوى وسائل الإعلام والتعليم والثقافة، وتستمد قدرًا كبيرًا من شرعيتها من طرح نفسها بديلً وحيدًا (بما يتضمن نفي كافة/ معظم أشكال التعددية)؛ لتحقيق الأمن والاستقرار8. تحوز هذه الأنظمة عادة تقييمَ سلبيًا/ منخفضًا في المؤشرات التي تعتمدها

  1. ستستخدم هذه الدراسة مفاهيم، مثل: التقانة الشبكية، والتقانة الرقمية، وتقنيات
  2. Ana C. Dinerstein, "Too Bad for the Facts: Confronting Value with Hope (Notes on the Argentine Uprising of 2001)," South Atlantic Quarterly ,
  3. Rex Martin, "Political Obligation," in: Richard Bellamy & Andrew Mason (eds.), Political Concepts (Manchester: Manchester University Press, 2010), p. 42.
  4. Tom Burns & Walter Buckley, "The Prisoners' Dilemma Game as a System of Social Domination," Journal of Peace Research , vol. 11, no. 3 (September 1974), p. 223; Tom Baumgartner, Walter Buckley & Tom Burns, "Relational Control: The Human Structuring of Cooperation and Conflict," Journal of Conflict Resolution , vol. 19, no. 3 (September 1975), p. 417. 5  Information and Communication Technology. 6  Manuel Castells, The Rise of the Network Society: The Information Age: Economy, Society, and Culture , vol. I, Information Age Series (London: Blackwell, 1996), p. 500. 7 المجتمع الشبكي دارن بارني،، ترجمة أنور الجمعاوي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص 31؛ التعريف العام للشبكات يعتبر "العقدة" أي نقطة محددة موصولة بغيرها، والرابط هو ما يصل عقدة بأخرى، وأما الدفق، فهو ما يمر بين العقد عبر الروابط. ومن الواضح أن هذا التعريف لا يقتصر على الشكل التقني، ولكن يتسع لكثير من أشكال الاجتماع البشري وغير البشري.
  5. الاتصالات والمعلومات، ووسائل التواصل الجديدة، على نحو متبادل، بحسبانها تشير إلى
  6. مضامين ذات دلالات متقاربة.
  7. vol. 113, no. 2 (2014), pp. 367-378; Nathan W. Swanson, "Embodying Tahrir: Bodies and Geopolitics in the 2011 Egyptian Uprising," Area , vol. 48, no. 3 (September 2016), p. 303; Theodore Trefon, "The Political Economy of Sacrifice: Kinois & the State," Review of African Political Economy , vol. 29, no. 93-94 (September 2002), p. 486.
  8. Natasha M. Ezrow & Erica Frantz, Dictators and Dictatorships: Understanding Authoritarian Regimes and their Leaders (London/ New York: Continuum, 2011), p. 2.

المنظمات الدولية المختصة (تصوغها عادة في شكل أسئلة)، من مثل: هل جاء رئيس الدولة وأعضاء البرلمان إلى مواقعهم عبر انتخابات نزيهة؟ وهل حرية تشكيل الأحزاب (والتجمعات السياسية الأخرى) مكفولة على نحو يخلو من العقبات؟ وهل في إمكان المعارضة الوصول إلى السلطة أو زيادة قوتها؟ وهل تخضع الخيارات السياسية للمواطنين لهيمنة المؤسسة العسكرية أو الدينية، أو أي مجموعة أخرى لا تخضع للمساءلة؟ وهل تتمتع الأقليات بحقوق سياسية متكافئة؟ فضلً عن مؤشرات تختبر شفافية النظام السياسي، وإتاحته للمعلومات المتعلقة بآدائه، واستقلال القضاء، وعدم تسيس أحكامه، ومؤشرات تتعلق بحرية وسائل الإعلام، والبحث العلمي والأكاديمي، وحرية الأفراد في التعبير والتجمع، وممارسة العمل النقابي، وأداء الشعائر الدينية، وتمتع الأفراد بالمساواة في الفرص، والتحرر من الاستغلال الاقتصادي9.

منهج الدراسة

تستخدم الدراسة اقتراب النمذجة Modeling الذي يساعد في فهم الظواهر المعقدة، من خلال اختصارها إلى عدد محدود من العلاقات، مع الاحتفاظ بالبنية التفاعلية الأساسية لمكوناتها. ومن المفهوم أن عملية تشييد النموذج تعتمد على الإدراك المتعمق للواقع، ولكن يتحول النموذج نفسه، لاحقًا أداة فعالة في إدراك هذا الواقع وفهمه، عبر تحديد الآليات والعمليات الرئيسة التي تنضوي عليها ظواهره10. إن الاتجاه الغالب على الأبحاث، في مجال العلوم الاجتماعية، يميل إلى استخدام أسلوب النمذجة على نحو كمي11؛ لكون النماذج الكمية تراعي عنصري الدقة والتحديد، في ما تقدمه من حلول لمشكلات الواقع الاجتماعي، لكنّ هذه الدراسة ستوظف نموذجي السجين والمستبد على نحو "كيفي"، انطلاقًا من قناعة مفادها أن الدقة والتحديد لا يكونان، في كثير من الأحيان، المحك الذي يمكن على أساسه تقييم مدى فهم الظواهر الاجتماعية، وإنما القدرة على الاقتراب من منطق الواقع، وفك رموزه الكامنة فيه. وهنا، قد يفقد العديد من النماذج الشكلية Formal قدرًا من أهميتها أو دلالتها بالنسبة إلى الموضوع؛ لكونها تُعنى بتقديم تفسيرات "دقيقة ومنضبطة"، ولكنها لا تعكس الواقع في تعقده غير المتناهي، إضافة إلى أنها قد تفتقر إلى الابتكار اللازم لفهم أزماته12. من هذا المنطلق، ستوظف الدراسة نموذجي السجين والمستبد/ السجان، لوصف الميكانيزمات الداخلية لأنظمة الاستبداد، وتفسير الكيفية التي يمكن أن تتحدى من خلالها "التقانة الشبكية" هذه الميكانيزمات. وهو ما يعني أن النماذج، في إطار هذه الدراسة، ستُستخدم لوصف الظاهرة محل الدراسة (الاستبداد)، وتفسير منطق عملها (إضعاف التواصل والثقة بين الأفراد)، فضلً عن استخدامها للوقوف على تصوّر لكيفية تخفيف قبضة الاستبداد (تقوية التواصل والثقة بين الأفراد.) بعبارة أخرى؛ إن مفهوم "النموذج" في هذه الدراسة لا يشير إلى "أداة منهجية"، وحسب، ولكن أيضًا، وبدرجة ما، إلى "إطار نظري" يقدم مقولات لفهم الظاهرة. من ناحية أخرى، تستعين الدراسة بمنهج دراسة الحالات التاريخية Studies Case Historical؛ لمحاولة الإجابة عن تساؤل الدراسة، من خلال حالات حقيقية من العالم الواقعي. وكما هو معلوم ينهض منهج دراسة الحالة على استقصاء حالة بعينها (أو أكثر)؛ لفهم الديناميكيات الأساسية المتضمنة في تفاعلاتها الداخلية، على افتراض إمكان التعميم على الحالات المشابهة. ويمكن للمقولات الوصفية أن تكون أساسًا لنظرية تفسيرية، على الرغم من أن منهج دراسة الحالة يقدم مقولات وصفية بالأساس13، ولا سيما إذا عكست الحالات محل التناول نطاقًا واسعًا من التجارب الواقعية، ولم تُقصر على تلك التي تؤيد المقولات المبدئية للدراسة. اختارت الدراسة عددًا من الحالات التي استُخدمت فيها التقانة الشبكية لتحدي أنظمة استبدادية. وقد روعي فيها أن تعكس تنوعًا وامتدادًا جغرافيًا واسعًا (شمل قارات آسيا، وأوروبا، وأميركا الجنوبية)، وأن تسلط الضوء، في الوقت ذاته، على الأطراف المختلفة التي تُعنى الدراسة باستكشاف مواقفها (حركات الاحتجاج الجماهيرية، والأنظمة الاستبدادية، أو الاثنين معًا.) كما روعي في الحالات أن تغطي مدى زمنيًا كافيًا (عقدًا كاملً، من 2000 إلى 2010)، وهو مدى ذو دلالة خاصة بالنسبة إلى منطقتنا العربية؛

  1. تستعين الدراسة بتصنيف الأنظمة السياسية الذي يعده كل من مؤسسة فريدوم The Economist Intelligence Unit's الإيكونوميست هاوس Freedom House، ومجلة democracy of index، وهو التصنيف الذي يعتمد وضع الدولة إزاء عدد من المؤشرات. مع ملاحظة أن تعريف كل من الاستبداد والديمقراطية يظل أمرًا نسبيًا، ولا يمكن تصور حدوث إجماع عليه. عن منهجية العمل في هذين التصنيفين، انظر: Freedom House, Freedom in the World 2019, Methodology 2019 , accessed on 20/3/2019, at: https://goo.gl/sFZNu4; Laza Kekic, "The Economist Intelligence Unit's Index of Democracy," The Economist Intelligence Unit, accessed on 20/3/2019, at: https://goo.gl/11ajU1
  2. Vilmos Csányi, "Organization, Function, and Creativity in Biological and Social Systems," in: Kenneth Boulding & Elias Khalil (eds.), Evolution, Order and Complexity (Abingdon: Routledge, 2002), p. 148.
  3. Stephen M. Walt, "A Model Disagreement," International Security , vol. 24, no. 2 (October 1999), pp. 115-130.
  4. Stephen M. Walt, "Rigor or Rigor Mortis? Rational Choice and Security Studies," International Security , vol. 23, no. 4 (April 1999), pp. 22-23.
  5. Kathleen M. Eisenhardt, "Building Theories from Case Study Research,"  Academy of Management Review , vol. 14, no. 4 (October 1989), pp. 532-550.

إذ إنه العقد الذي سبق نشوب ثورات الربيع العربي مباشرة، ومنه استمدت هذه الثورات خبراتها المباشرة. وعليه، من المهم التعرف إلى أبرز ملامح هذه التجارب للاستفادة منها في أي دراسة لاحقة تحاول الوقوف على الأسباب الكامنة وراء تعثر معظم ثورات الربيع العربي، أو على الأقل تفسير الصعوبات التي تواجهها. وتعتمد الدراسة على تصنيف مؤسسة فريدوم هاوس للأنظمة السياسية14، وهو التصنيف الذي يمنح الدول تقديرات كمية، بحسب درجة حرية نظامها السياسي أو استبداده، وتعتمد وإن بدرجة أقل على تصنيف مجلة الإيكونوميست15. ولم تلحظ الدراسة وجود اختلافات حادة بين التصنيفين، فمعظم الأنظمة المصنفة على أنها أنظمة "غير حرة" وفق التصنيف الأول، مصنف على أنه "أنظمة استبدادية" وفق التصنيف الثاني. وقد روعي في اختيار الحالات أن تكون قد شهدت تحقق معيارين: الأول أن تكون الحالة مصنفة على أنها لنظام غير حر أو حر جزئيًّا (في الفترة محل الدراسة)، والمعيار الثاني أن تكون الحالة قد شهدت احتجاجًا جماهيريًا ذا دعم تقاني؛ لتحدي ترتيبات استبدادية من النظام المصنف، وفق المعيار الأول، على أنه نظام استبدادي. وتشمل الحالات المعروضة في هذه الدراسة الفلبين، والصين، ومولدوفا، وبيلاروسيا، وإيران، وتايلاند. وهي حالات ينطبق عليها الشرطان المذكوران آنفًا، من حيث كونها لأنظمة "غير حرة"، أو "حرة جزئيًّا"، ومن حيث كونها قد شهدت (في الفترة الزمنية محل الدراسة) اندلاع مواجهات جماهيرية مدعمة تقانيًّا، مع ملاحظة أن تصنيف هذه الحالات أنظمةً غير حرة/ حرة جزئيًّا ينطبق على الأعوام التي شهدت اندلاع التظاهرات الشعبية ضدها، وقد يتغير هذا التصنيف بتغير استجابتها لمعايير التقييم في أعوام لاحقة16. وتعتمد الدراسة على السجل التاريخي Record Historical، مصدرًا للبيانات والمعلومات المتعلقة بالحالات الدراسية. ويتيح هذا النوع من المصادر بيانات ثانوية بالأساس، إلا أن هذه تبدو ملائمة لموضوع الدراسة وأهدافها، من حيث هي، أولً، دراسة تستهدف تحقيق إسهام نظري، من خلال توظيف نموذجي "السجين والمستبد" في الوقوف على طبيعة التأثير المتبادل بين التقانة الشبكية وأنظمة الاستبداد، ومن حيث هي، ثانيًا، دراسة تتعامل مع أحداث تاريخية، وتفاصيل موزعة جغرافيًا، يتعذر الجمع المباشر للمعلومات الأولية عنها، ومن حيث هي، أخيرًا، دراسة تركز على "إعادة قراءة" ما هو متوافر من بيانات (وفق إطار نظري جديد)، أكثر مما تستهدف الكشف عن بيانات أو معلومات جديدة. وعمومًا، فإنه يمكن التغلب دومًا على أوجه القصور المرتبطة باستخدام مصادر ثانوية، بتنويع هذه المصادر، والاعتماد على الموثوق به منها، والتركيز على الجانب المعلوماتي بدرجة أكبر من التركيز على جانب الرأي أو التحليل المرتبط بوجهات نظر مؤلفيها.

: نموذج "معضلة السجين أولا" بوصفه تلخيصًا لميكانيزمات التحكم في إطار أنظمة الاستبداد

1. مضمون معضلة السجين

تلخص معضلة السجين تلك الحالة التي يكون اتخاذ القرار السليم فيها من أحد الأطراف متوقفًا على قرار غيره، مع عدم استطاعة أي منهما "التواصل" مع الآخر أو "الثقة" به17. ويُستخدم لشرح هذه المعضلة المثال الآتي: يُلقى القبض على اثنين من المشتبه بهما، وتكون الخيارات المتاحة أمام كل منهما، في أثناء التحقيق، هي إما الصمت أو الوشاية بالآخر.

  1. Freedom House, About Freedom in the World: An Annual Study of Political Rights and Civil Liberties , Report , accessed on 20/3/2019, at: https://bit.ly/1LaTvmr
  2. The Economist Intelligence Unit, Democracy Index 2018: Me too? Political Participation, Protest and Democracy , Country Report (2018) , accessed on 24/3/2019, at: https://bit.ly/2sfSTYG
  3. ثمة تضارب في تصنيف الفلبين في الفترة محل الدراسة، ذلك أن المنظمات الدولية كانت تصنفها على أنها دولة حرة في تلك الفترة، لكن سياسات الرئيس جوزيف استرادا كانت تنحرف بهذا الوصف ناحية النظم الاستبدادية، وهو ما ذكرته تقارير كثيرة، أكدت أن تصنيف الفلبين دولةً حرة في تلك الفترة كان ينصرف في الأساس إلى وصف الإجراءات الشكلية، بينما أكثر التقييمات ارتباطًا بسياسات نظام استرادا وممارساته يصنف فترته على أنها مرحلة استبدادية بامتياز، انظر: The Economist Intelligence Unit, Philippines: At a Glance: 2001-02 , Country Report (March 2001) , accessed on 24/3/2019, at: http://bit.ly/2U5PR8X; The Economist Intelligence Unit, Philippines: At a Glance: 2001-02 , Country Report (January 2001), accessed on 24/3/2019, at:
  4. https://bit.ly/2DJND57; The Economist Intelligence Unit, Philippines: At a Glance: 2001-02 , Country Report (February 2001), accessed on 24/3/2019, at: https://bit.ly/2EeRMj6 17  Stuart Oskamp, "Effects of Programmed Strategies on Cooperation in the Prisoner's Dilemma and other Mixed-Motive Games,"  Journal of Conflict Resolution , vol. 15, no. 2 (January 1971), p. 225.

وفي حال اختار المتهمان الصمت، لا يمكن إثبات التهمة على أي منهما، فيحكم على كل منهما بالسجن لمدة عام واحد، أما لو وشى أحد المتهمين بصاحبه، بينما صمت الآخر، يفرج عن الواشي، ويُحكم على الآخر (الصامت) بالسجن عشر سنوات. أما إذا اختار المتهمان أن يشي كل منهما بالآخر، فيحكم على كل منهما بخمس سنوات، مع الأخذ في الاعتبار أن كلا المتهمين لا يعلم بقرار الآخر في أثناء التحقيق معه، والأهم أنه لا يستطيع الثقة به18. في إطار السيناريو السابق، تبدو إستراتيجية "الصمت المتبادل" أفضل بديل متاح، بشرط أن ينجح السجينان في التواصل، وإقناع كل منهما الآخر بالتزام الصمت. ولكن المشكلة أن هذا التواصل غير مسموح به، والأسوأ أنه حتى لو كان ثمة طريقة للتواصل، فإن هناك مشكلة أخطر وهي انعدام الثقة، فربما يتفق السجينان بطريقة ما على الصمت، ثم يقول أحدهما في نفسه: "حسنًا.. لقد أقنعت زميلي بالصمت، والآن يمكنني أن أشي به وأحصل على البراءة"19. وبسبب معضلة "الشك المتبادل" من جهة، وانعدام "القدرة على التواصل" من جهة أخرى، لا يبقى أمام السجينين إلا اللجوء إلى الخيار المتمثل في وشاية كل منهما بالآخر، ويبدو هذا الخيار "اللاأخلاقي" عقلانيًا جدًا في نظر الطرفين اللذين يفترض فيهما الرشادة الكاملة، ففي حال قرر "الطرف الأول" الوشاية، فإن "الطرف الثاني" إما أن يصمت، فيحصل الواشي على البراءة، وإما أن يقرر الوشاية بزميله بدوره، فينجو الطرف الأول بوشايته من حكم مشدد بعشر سنوات (لو كان قد صمت.) صحيح أن الطرفين يحصلان في هذه الحالة (الوشاية المتبادلة) على حكم بخمس سنوات، وهذه ليست أفضل نتيجة ممكنة، بل هي خسارة فعلية، إلا أن هذه الخسارة هي أفضل خيار "عقلاني" في ضوء حالة الشك المتبادل و"غياب التواصل."

2. العلاقة بين النموذج والواقع

كما سبق القول، يصمَّم النموذج من خلال مراقبة الواقع وفهمه، ولكن بعد تشييده يصبح النموذج نفسه أداة مهمة لفهم الواقع، واستيعاب تفاصيله على نحو معمق. فنموذج معضلة السجين، وفق تفاصيله المحدودة السابق استعراضها، يقدم تلخيصًا مفيدًا لطَيفٍ واسعٍ من الأنظمة الاجتماعية والسياسية، ومنها "أنظمة الاستبداد"، والأساليب التي تُستخدم في إطاره هي الأساليب ذاتها التي تستخدمها أنظمة الاستبداد في التعامل مع شعوبها. ويمكن اختبار مدى تعبير النموذج عن الواقع، من خلال التعمق في فهم مجاز معضلة السجين، والتوسع في فهم صفة السجينين ووضعيتهما، ومقارنتها بأوضاع الأفراد في ظل الأنظمة الاستبدادية عامةً. وما يلي مناقشة لبعض عناصر هذه المقارنة.

أ- أولوية المصلحة الأنانية والاستعداد للتضحية بالآخر

أبرز الخصائص التي يعكسها نموذج معضلة السجين هي تلك المتعلقة بالأنانية، والاستعداد للتضحية بالآخر؛ إذ يبدو كل طرف في حلٍ من التفكير في غير مصلحته الضيقة. إن هذه الحالة لا تُفرض على السجينين، ولكن تُهيَّأ الأجواء المساعدة في بلوغها من خلال تقنيات القمع؛ إذ تسهم أجواء الاعتقال في دفعهما إلى تبني المصلحة الذاتية الضيقة، بوصفها منطلقًا سلوكيًا وحيدًا، ذلك أنه عندما تكون المقتضيات الأولية للحياة على المحك لا تكون ثمة مساحة لرفاهية التفكير في الآخر. هذا إضافة إلى أن الانقطاع المكاني والمعنوي بين السجينين يسمح بتطوير مشاعر من عدم الاهتمام، من السهل أن تتطور إلى استعداد للوشاية. هذه الخصائص نفسها توجد، بوضوح، في إطار أنظمة الاستبداد التي تستعيض عن ظروف الحبس التي يوجد فيها السجينان بإشاعة أجواء ضاغطة، عبر وسائل الإعلام وأنظمة التعليم ومؤسسات الثقافة، هدفها إشعار الأفراد أن بقاءهم على المحك، وأن الشروط الأولية لاستمرارهم في الحياة صعبة التحقق، بما ينجح في الغالب في صرفهم عن أي محاولة للتفكير "الغيري." ومع تراجع التفكير الغيري، وتصاعد أولوية المصلحة الذاتية، يصبح وجود الآخرين غير ضروري، أو غير مؤثر، وقد يصل ذلك إلى حد زوال العبء النفسي المرتبط بقرار التضحية بهم، فغياب التواصل يساعد على فقدان الإحساس بوجود الآخرين، ومن ثم بأهميتهم. ومن هنا نفهم لماذا يثير "التواصل" قضايا أخلاقية؛ فالتواصل الاجتماعي ليس مهمً من منظور المشاركة في المعلومات، واتخاذ القرارات الملائمة إزاء التهديدات فحسب، وإنما من زاوية الاعتراف المتبادل، والاقتناع بحق الآخرين في الوجود أيضًا.

ب- الإدانة بوصفها وضعًا افتراضيًّا

يبدأ نموذج معضلة السجين من وضع افتراضي، مفاده وجود فردين في حالة إدانة، ثم تتدفق بقية التفاصيل بعد ذلك؛ لتشرح ما يتعلق

  1. تمّ تطوير أنموذج معضلة السجين داخل المركز البحثي الأميركي الشهير RAND على يد كل من ميرل فلود Flood Merrill، وميلفن دريشر Dresher Melvin، في إطار أبحاثهما الخاصة بما بات يُعرف بنظرية المباريات، غير أن تسمية هذه التجربة باسمها الحالي يعود إلى ألبرت تاكر Tucker W. Albert، انظر: Siang Yew Chong, "Iterated Prisoner's Dilemma and Evolutionary Game Theory," in: Graham Kendall, Siang Yew Chong & Xin Yao, The Iterated Prisoners' Dilemma: 20 Years On (Singapore: World Scientific, 2007), p. 23.
  2. Joseph Nye Jr.,  Understanding International Conflicts: An Introduction to Theory and History (New York: Longman, 2007), p. 16.

بكيفية الإيقاع بهما، ودفعهما إلى الاعتراف. إن هذا الوضع الاستهلالي من الإدانة المبدئية التي يوجد في ظلها الأفراد يعبر عن وضع قريب من أوضاع المواطنين في كثير من أنظمة الاستبداد، ففي إطار هذه الأنظمة عادة ما يكون المواطن "مدانًا تحت الطلب"، على المعنيين المجازي والحقيقي؛ فعلى المعنى المجازي، يكون الفرد مدانًا لأنه لم يقدم ربما فروض الولاء الكافية، فلم تكن موافقته وتأييده للنظام في المستوى المطلوب، أو لأنه يكون قد تلبس ب "سلوك معارض" في أحد السياقات، كأن يكون قد أظهر احتجاجًا ضمنيًا، أو رفضًا غير مباشر. وهنا قد لا يدان أو يعاقَب مباشرة، وإنما يُكيَّف وضعه، على أنه مدان محتمل، بحيث تكون إدانته جاهزة ومعدة، في انتظار التفعيل والاستدعاء وقت اللزوم. أما على المستوى الحقيقي، فنظرًا إلى حالة الانغلاق السياسي والتضييق الاقتصادي والاجتماعي، فإن من الوارد جدًا، بالنسبة إلى أيّ مواطن، أن يتورط بالفعل في مخالفة أو أكثر، وهذا ما يجعل منه متهمً حقيقيًا. ومن المهم ملاحظة أن الأنظمة الاستبدادية عادة ما تنزع إلى عدم تحديد المعايير المقبولة للسلوك على نحو دقيق، أو تضع تعريفات عامة وغامضة، أو ضيقة وخانقة، بحيث يمكن انتهاكها جهلً أو خطأ، فعدم الكفاية في وضع معايير سليمة، أو عدم الرغبة في ذلك، يفتح باب الانتهاكات على مصراعيه، وهو ما يؤكد وضعية الإدانة في حق المواطن الذي يجهل كيفية الوفاء بهذه المعايير الغامضة، أو يجهل وجودها أصلً. ومن ناحية أخرى، فإن الأنظمة المستبدة "عادة ما تستفيد من الالتباس التشريعي والقانوني بحيث تسن قوانين ذات صبغة جنائية ثم توظفها في مواجهة كافة أشكال المعارضة السياسية والأيديولوجية"20.

ج- اللا-بدائل

يثير النموذج فكرة البدائل المنقوصة، أو اللا-بدائل أيضًا، فالبدائل في إطار النموذج (في معظمها) تخير السجينين بين مدد مختلفة للسجن، بمعنى أنها ليست بدائلَ بين ما هو سيئ وما هو جيد، وفق ما يقتضيه التعريف الطبيعي لكلمة بدائل، ولكنها بدائل تتردد بين السيئ والأسوأ، وهذا ما يتيح للمحقق/ السلطة أن يمارس على السجينين لعبة تخيير متعسفة. منطق اللا-بدائل مطابق بدرجة كبيرة لمنطق المساومة في إطار الأنظمة الاستبدادية، فهذه الأنظمة تحدد للأفراد عادةً بدائل شحيحة للاختيار في ما بينها، والأفدح أن بعضها يكون أسوأ من بعض، فأنظمة الاستبداد تخير مواطنيها غالبًا بين القبول بالاستبداد، أو الوقوع في الفوضى، فيما يطلق عليه بعضهم اسم صفقة فاوست21. ففاوست الذي ضحى بمصيره لأجل أن ينال سعادة غير مؤجلة، خسر مصيره، ولم يحصل على السعادة العاجلة التي منّى نفسه بها. ويبدو أن أنظمة الاستبداد تعقد مع شعوبها صفقة مماثلة، فهي تعدهم بأن توفر لهم الأمن والاستقرار، مقابل تخليهم عن حرياتهم. ولكن، كما في صفقة فاوست الخاسرة، يؤدي القبول بهذه الصيغة، في كثير من الأحيان، إلى فقدان الحرية والأمن معًا22. واستطرادًا مع مجاز صفقة فاوست؛ كما أن السعادة (المؤقتة) التي يمنحها "الشيطان" لفاوست في القصة تحوي بذرة الشقاء في داخلها، فإن الأمن الذي تَعِد أنظمة الاستبداد رعاياها به ينطوي بدوره على نقيضه من الخوف، فالأمن الموعود لا يتحقق إلا بالتخويف من المعارضة "الهدامة"، ومن التعددية "المؤدية إلى الفوضى"، ومن قوى الخارج "المتربصة"، ومن قوى الداخل "المتخفية"... إلخ؛ ولهذا، فإن فاتورة الأمن في ظل الاستبداد تشتمل على التلبس بصفات الخوف من الآخر وكراهيته، ومن ثم الانصياع للرأي الواحد الذي يُفترض أن يكفل الاستماع إليه النجاة من مصادر الخوف التي لا تنتهي23.

د- غياب المعلومات

أحد المعاني الواضحة في نموذج السجين أن عدم القدرة على اتخاذ القرار السليم متعلق بغياب التواصل الذي هو الوجه الآخر لغياب المعلومات؛ لذلك، فإن معضلة السجين تبدو معضلة معلوماتية في جزء أساسي منها. إذ إن المعلومات، في إطار النموذج، مصدرها الوحيد هو المحقق الذي يملك، لو أراد، أن يكون همزة وصل بين الطرفين، ولكنه على العكس يمتنع من تقديم أي نوع من العون للسجينين؛ بهدف وضعهما في إطار حالة من العمى المعلوماتي، وسلبهما أي قدرة على الفعل الإيجابي، وحصرهما في إطار عدد من البدائل المحددة سلفًا. والأمر نفسه يحدث في إطار الأنظمة الاستبدادية؛ فنتيجة لغياب "التواصل" بين المجتمع والسلطة، يتعذر على الأفراد "الوصول" إلى المعلومات، ومن ثم يتعذر عليهم "التوصل" إلى حلول ملائمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ومن ناحيتها لمشكلاتهم، تعمل أنظمة الاستبداد على الحفاظ على هذا الوضع من خلال

  1. المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن ميشيل فوكو،، ترجمة علي مقلد (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1990)، ص.38
  2. إشارة إلى الحكاية الشهيرة التي تحمل اسم "الدكتور فاوست"، وقد بدأت قصة شعبية ألمانية قبل أن تُعالج أدبيًا، ثم تمثل مرات عدة على المسارح الأوروبية، ابتداء بالمسرح الإنكليزي في الفترة.1593-1588
  3. Geof Wood, "Staying Secure, Staying Poor: The Faustian Bargain,"  World Development , vol. 31, no. 3 (March 2003), pp. 455-471.
  4. Jill Crystal, "Authoritarianism and its Adversaries in the Arab World," World Politics , vol. 46, no. 2 (January 1994), p. 267.

تذكير مواطنيها بحقيقة كونهم غير قادرين على تصور، أو اقتراح، أي حل لمشكلاتهم (في إطار من النبوءات المحققة لذاتها)، وذلك بحجة أنهم لا يعون حجم التحديات التي تواجهها أوطانهم، ولا يقفون على "المعلومات الكافية." تكمن المفارقة هنا في أن هذه الأنظمة نفسها هي التي تحرص على عدم توفير "المعلومات الكافية" للأفراد، وتمارس في شأن المعلومات نوعًا من الاحتكار، لتظهر دومًا بمظهر الطرف الأقدر على التصرف، واتخاذ القرارات في وقت الأزمات24. مما سبق يظهر أن ثمة منطقًا مشتركًا بين ممارسات أنظمة الاستبداد، وتفاصيل معضلة السجين، يتمثل في السعي لإذكاء حالة من "انعدام الثقة" و"عرقلة التواصل" بين المواطنين، وخلق أجواء تشبه أجواء السجن العام، بحيث يستشعر كل طرفٍ في إطارها مشاعر التوجس والقلق، والخشية من بقية الأطراف، فيقبل الجميع بمنطق الخسارة الجزئية (الناتجة من غياب الثقة والتواصل)؛ تجنبًا لما يظنونه الأسوأ (الفوضى التي يمكن أن تنتج من تحديهم للمستبد)25.

ثانيًا: من معضلة السجين إلى معضلة السجان

كما يحمل نموذج معضلة السجين تفسيرًا لميكانيزمات الاستبداد، فإنه يتضمن، في الوقت نفسه، أسلوبًا للخروج من أسرها. فإذا كان لب المعضلة، كما ناقشناها، يكمن في غياب الثقة والتواصل بين السجينين، فيمكن تصور أن حلها يكمن في "تعاون" السجينين، وتصديرهما معضلتهما إلى المستبد نفسه، بحيث تنقلب معضلة السجين إلى "معضلة للسجان."

1. مضمون معضلة السجان/ المستبد

معضلة "السجان" وصف مجازي، تستخدمه هذه الدراسة للإشارة إلى النموذج المعروف في الأدبيات ذات الصلة باسم "معضلة المستبد" Dictator's Dilemma26، وتشير إلى "الأزمة" التي يجد بعض أنظمة الاستبداد نفسه متورطًا فيها؛ بفعل شيوع تقانات الاتصالات والمعلومات بين المواطنين27. وهذه الأزمة/ المعضلة تشير إلى مقلوب معضلة السجين، ففي مواجهة أساليب المستبد القائمة على إضعاف الثقة والتواصل بين الأفراد، تأتي التقانات الشبكية لتمكّن الأفراد، وفق ما يفترض النموذج، من تجسير المسافات، وتقوية عوامل الثقة بينهم؛ الأمر الذي يمكن أن يخلق معضلة للسجان/ المستبد. ويراهن بعضهم على أن هذه المعضلة هي قَدَر الأنظمة الاستبدادية التي اختارت (أو أ رغمت ع)ىى الدخول في عصر المعلومات والاتصالات المفتوحة، واستفادت من القدرات الواسعة للتقانات الشبكية28. فعند المفاضلة بين تبني آخر التطورات في مجال تقانات المعلومات والاتصالات، والاستفادة مما تحمله من وعود اقتصادية مؤكدة (مع ما يثيره ذلك من مخاطر الانفتاح المعلوماتي)، وبين رفض هذه التقانات، والمغامرة بالتخلف الاقتصادي المترتب على ذلك (ولكن مع الحفاظ على شكل الاستقرار الداخلي)، تجد هذه الأنظمة نفسها مرغمة على الانحياز إلى البديل الأول29.

2. موقع التقانة الشبكية في إطار نموذج معضلة السجان/ المستبد

القول بأن معضلة السجان/ المستبد هي المعكوس المنطقي لمعضلة السجين يفترض ضمنًا أن الأخيرة قابلة للحل، وهذا لم يعد طموحًا نظريًا فحسب؛ فتجريبيًا أمكن إثبات أنه من خلال تكرار الوقوع في الأزمة نفسها تتولد ظروف يمكن الاستفادة منها في تعويض غياب التواصل والثقة30، فقد توصل باحثون (باستخدام نماذج حاسوبية) إلى أن الفرقاء، في إطار معضلة السجين، يمكن أن يستفيدوا، على نحو أفضل، من خلال "تبادل الثقة"، وأن الاستمرار في الفشل يدفعهم إلى قناعة مفادها أن التعاون أفضل من الوشاية. وما يساعد على الوصول إلى هذه القناعة أن معضلة السجين على المستوى الواقعي لا تحدث مرةً فقط، وإنما تتكرر بين الأشخاص أنفسهم، أو يمارسها أشخاص، بينما يلاحظ آخرون نتائج تفاعلهم فيستفيدون منها. هذا

  1. Andreas Schedler,  The Politics of Uncertainty: Sustaining and Subverting Electoral Authoritarianism (Oxford: Oxford University Press, 2013), p. 54.
  2. Tom Burns & Walter Buckley, "The Prisoners' Dilemma Game as a
  3. 30  David M. Kreps et al., "Rational Cooperation in the Finitely Repeated Prisoners' Dilemma,"  Journal of Economic Theory , vol. 27, no. 2 (August 1982), pp. 245-252.
  4. Philip Howard, Sheetal D. Agarwal & Muzammil M. Hussain, "The Dictators' Digital Dilemma: When Do States Disconnect Their Digital Networks?" Issues in Technology Innovation , Brooking, no. 13 (October 2011), accessed on 27/3/2019, at: https://brook.gs/2TTBgdp
  5. Clay Shirky, "The Political Power of Social Media: Technology, The Public Sphere, and Political Change,"  Foreign affairs , vol. 90, no. 1 (January 2011), pp. 28-41. 29  George P. Shultz, "New Realities and New Ways of Thinking,"  Foreign affairs , vol. 63, no. 4 (Spring 1985), pp. 705-721.
  6. System of Social Domination,"  Journal of Peace Research , vol. 11, no. 3 (September 1974), p. 223.
  7. 26  Christopher Kedzie, "Communication and Democracy: Coincident Revolutions and the Emergent Dictators" California: Rand Corporation, 1997, accessed on 28/3/2019, at: https://bit.ly/2UZNcLc

فضلً عن أن التفاعلات في حالة المجتمعات تكون من الكثافة بحيث يمكن اكتشاف فوائد التعاون على نحو أسرع31. وهنا تحديدًا، يأتي دور "التقانة الشبكية" التي تساعد على توسيع رقعة التواصل المجتمعي، والتخلص من فردية التفكير والمصلحة والقرار. فمع الدخول في عصر الاتصالات الشبكية، تضاعف عدد مستخدمي تقانات المعلومات والاتصالات في سنوات معدودة، وكان من شأن هذا التوسع الهائل أن يسرع من عملية التعلم، وأن يجعل نتائجها أوضح.

3. كيف تعمل معضلة المستبد؟

من المفهوم أن الجماعات المنظمة التي تحتفظ بشبكة مستقرة من العلاقات بين أفرادها، تكون أكثر فاعلية في اتخاذ القرارات الجماعية؛ نظرًا إلى وجود طرق نسقية تستخدمها في توجيه أفعال أعضائها. ولما كانت الشعوب تقع غالبًا في خانة الجماعات غير المنظمة، أو غير المنضبطة، في إطار بنى قادرة على الفعل الجماعي، فإنها عادة ما تفشل في اتخاذ قرارات جماعية، كتلك التي تحتاج إليها لمقاومة الاستبداد32. يمكن النظر إلى التقانة الشبكية بوصفها حلً تعويضيًا، تلجأ إليه تيارات المعارضة الجماهيرية لعلاج جانب من النقص التنظيمي، وغياب الشكل المؤسسي لديها؛ الأمر الذي يتيح لها القدرة على اتخاذ القرارات الجماعية على نحو منسق، كالقيام بالأعمال الاحتجاجية، والحملات الإعلامية، التي كانت في الماضي أشد ارتباطًا بالجماعات المنظمة، مثل حركات المعارضة التقليدية من أحزاب وغيرها. من ناحية أخرى، فإنه بشيوع التقانات الشبكية يصبح نطاق الاتصالات أشد كثافة وأكثر تشاركية؛ الأمر الذي يترتب عليه أن يصبح المنخرطون في هذا النشاط أقدر على الوصول إلى المعلومات، وأقدر على تبادلها في ما بينهم. ومن المفترض أن الأفراد الأقدر على الوصول إلى المعلومات وتبادلها يمكنهم (على الأقل نظريًا) أن يحدّوا من قدرة الأنظمة الاستبدادية على التصرف من دون رقابة. فالأنظمة المعتادة على احتكار حق الفعل العام تغدو في حاجة إلى أن تبرر أفعالها، أو أن تشرح لمواطنيها سبب اختلاف سياساتها مع ما تحت أيديهم من معلومات33. وينبغي ألّ ننسى أنه في المجتمعات الشبكية يعثر الأفراد ذوو الاهتمامات المشتركة بعضهم على بعض بسهولة أكبر، فيحطمون القيود الرسمية التي تمنع تجمعهم "بدون تصريح مسبق"، ويصير في إمكانهم التواصل عبر الفضاء الافتراضي، من دون أن يوجَدوا داخل الحيز الجغرافي نفسه، ومن ثم من دون الخضوع للاشتراطات الأمنية التي تفرضها الأنظمة على الاجتماع والتجمهر. وبحرية اجتماع الأفراد تتصاعد موضوعات الحوار بينهم، فتتجاوز الشأن الخاص إلى الشأن العام، ومنه إلى مساءلة الأوضاع السياسية، وتقييم أداء من بيده مقاليد السلطة والحكم. وهنا يمكن أن تنبثق الثقة، بوصفها منتجًا اجتماعيًا Construct Social، فمن خلال الانخراط في شبكة من العلاقات المكثفة والمتكررة يصبح توقع ردود الأفعال ممكنًا، ومن ثم تصبح الثقة بمواقف الآخرين ممكنة أيضًا. وتكرار التجربة يسمح بتأكيد هذه الثقة، ولا سيما إذا أسفر التفاعل عن أنماط، وجرى وفق قيم تضفي على هذا التفاعل معنى، وتكتسب في ذاتها معاني إضافية من خلال التفاعل المطرد34. اكتسب هذا التحليل النظري لمضمون "معضلة المستبد" صدقية معتبرة، من خلال عدد من الحالات الواقعية التي استُخدمت فيها التقانة الشبكية بنجاح معقول، في مواجهة أنظمة أو قرارات استبدادية، حاولت تهميش الجماهير، مستغلة افتقارهم إلى القدرات التنظيمية؛ فإذا بالتقانات الشبكية تعوض هذا النقص، وتمكّن الأفراد من اتخاذ قرارات جماعية منظمة في أزمنة قياسية، فاجأت أنظمة الاستبداد، وتركتها في خانة ردة الفعل35، على نحو ما تستعرض الفقرات التالية.

ثالث ا: حالات عملية تهدد فيها موقع المستبد بفعل التقانة الشبكية

1. حالة الفلبين عام 2001

خلال عام 2001، كانت الفلبين تشهد انحرافًا حادًا عن تقييمها بأنها دولة حرة، وهو ما جعل العديد من الدراسات يشير إلى أنها دولة؛36ذات نظام ديمقراطي معيب  Flawed/ Defective Democracy

  1. Robert Axelrod, "The Evolution of Strategies in the Iterated Prisoner's Dilemma," in: Cristina Bicchieri, Richard C Jeffrey & Brian Skyrms (eds.), The Dynamics of Norms  (New York: Cambridge University Press, 1997), pp. 1-16.
  2. Philip N. Howard & Muzammil M. Hussain,  Democracy's Fourth Wave? Digital Media and the Arab Spring (Oxford/ New York: Oxford University Press, 2013), p. 36.
  3. Ora John Reuter & David Szakonyi, "Online Social Media and Political Awareness in Authoritarian Regimes,"  British Journal of Political Science , vol. 45, no. 1 (January 2015), pp. 29-51.
  4. Paula Bialski & Dominik Batorski, "From Online Familiarity to Offline Trust: How a Virtual Community Creates Familiarity and Trust between Strangers," in: Panayiotis Zaphiris & Chee Siang Ang (eds.), Social Computing and Virtual Communities (New York: CRC Press, 2010), p. 179.
  5. Manuel Castells, Communication Power (Oxford/ New York: Oxford University Press, 2009), pp. 24-25.
  6. Aurel Croissant, "From Transition to Defective Democracy: Mapping Asian Democratization," Democratization , vol. 11, no. 5 (December 2004), p. 161; Miguel Reyes, "Rating Philippine Democratization: A Review of Democratization Metrics," Asian Democracy Review , vol. 1 (January 2012), pp. 182-198.

حيث كانت سياسات رئيسها جوزيف اس ارردا مشوبة بصفات استبدادية صريحة، وكان يتّهمه خصومه بإساءة استغلال السلطة، وتقويض حرية التعبير، وعدم الجدية في إجراء إصلاحات اقتصادية. ومن ناحية أخرى، كانت الانتخابات التي شهدها عهده مشوبة بالتزوير، والتدخل الواضح لأجهزة الأمن، حتى إن الموسوعة البريطانية اعتبرت رئاسته بمنزلة انقلاب على المرحلة الإصلاحية التي بدأها سلفه فيدل راموس37. بدأت الاحتجاجات ضد استرادا في التصاعد في تشرين الثاني/ نوفمبر 2000، حين وجّه مجلس النواب الفلبيني تهمتي الرشوة والفساد إليه، عبر إجراءات رسمية لمحاسبته، واستمرت حتى 16 كانون الثاني/ يناير 2001، عندما صوّت نواب موالون له من أجل تنحية دليل إدانة رئيسٍ ضده38. فكانت هذه هي "القشة" التي قصمت ظهر المعارضة الشعبية؛ إذ تجمع آلاف الفلبينيين الغاضبين، بعد أقل من ساعتين من إعلان هذا القرار، في شارع إبيفانيو دي لوس سانتوس Epifanio Santos los de المعروف اختصارًا باسم "إدسا"، في العاصمة مانيلا احتجاجًا على محاولة تمكين استرادا الفرار من العدالة39. عدّ الاحتجاج الشعبي، في جزء أساسي منه، من خلال "رسائل نصية أ"، تضمنت عبارة "اذهب إلى إدسا، مع ارتداء الأسود"، واستعاض المحتجون عن غياب القدرات التنظيمية بالتنسيق الرقمي، وتمكنوا من اتخاذ مواقف جماعية قبل أن يستوعب النظام حقيقة ما يجري، فتضاعف الحشد بسرعة، حتى وصل خلال أيام قليلة إلى أكثر من مليون شخص؛ ما أدى إلى اختناق حركة المرور وسط العاصمة الفلبينية، وإصابة الحياة بالشلل. وبعد أربعة أيام من الاحتجاجات الجماهيرية المتواصلة، اضطر استرادا إلى مغادرة قصر الرئاسة، قبل أن تعلن المحكمة العليا خلو منصبه، وتُنصَّب نائبته المستقيلة وزعيمة المعارضة، غلوريا أوريو، رئيسًا للبلاد؛ لتنتصر حركة شعبية ولدت من رحم تقانات شبكية، لم تؤخذ مأخذ الجد منذ البداية40. اللافت أن حركة مناهضة اس ارردا قد نجحت باستخدام التقانة الشبكية في تنظيم تظاهراتها الضخمة، من دون حاجة إلى الإجراءات التنظيمية المعقدة الطويلة التي تحتاج إليها الحركات الاحتجاجية التقليدية، لتصبح تجربة الفلبين باكورة الاحتجاجات المدعمة تقانيًا، ويصبح استرادا أول رئيس تسهم تقانات التواصل الاجتماعي في إطاحته؛ حتى إنه في تصريح لاحق عزا مصيره السيئ إلى جيل الرسائل، ويصبح في الوقت41النصية  the text-messaging generation ذاته أول من يتجرع آثار معضلة المستبد/ السجان على نحو عملي، وهو ما أوجد نوعًا من الأمل في بلدان أخرى في إمكانية نجاح تجربة الاحتجاج الشعبي المدعم تقانيًا فيها. ما يبرزه النموذج الفلبيني هو إمكانية تهاوي سيناريوهات معضلة السجين أمام تقنيات "معضلة السجان/ المستبد"، فعلى الرغم من نجاح نظام استرادا في خلق "أزمة ثقة"، انعكست في صورة انقسام شعبي حاد، بين من رأوا في التظاهرات تعبيرًا عن مؤامرة تستهدف الرئيس الشرعي، ومن رأوا فيها تعبيرًا عن حالة من الإحباط الحقيقي من أداء سياسي يتقلب بين الفساد والفشل، وعلى الرغم من نجاح استرادا في تكوين دائرة من أصحاب المصلحة في بقائه، وهي الدائرة التي تفرع منها هؤلاء الذين صوتوا من أجل عدم الاطلاع على أدلة إدانته (بحجة أنها لم تكن جزءًا من الدعوى المتعلقة بالإقالة)، فإن الزخم الذي أحدثه الحراك الجماهيري قد قاد الأمور إلى مسار مغاير لما كان استرادا وأعوانه يقودون البلاد إليه؛ ما أوقعه في معضلة حقيقية، اضطرته إلى مغادرة موقعه في السلطة، بالرغم من تأكيده أن ما شهدته البلاد، بعد تظاهرات إدسا، يُعدّ من وجهة نظر قانونية غير دستوري42. غير أنه يتعين القول إن النهاية السعيدة للحراك الشعبي في الفلبين لم تكن لتكتمل، لو لم يسحب الجيش الفلبيني، في 19 كانون الثاني/ يناير 2001، دعمه لاسترادا، ويدفع نائبه غلوريا أوريو. وهذا يطرح جدلية العلاقة بين القوة الناعمة والقوة الخشنة إلى الواجهة، ويفتح الباب أمام أن تؤخذ في الاعتبار وجهةُ نظر تذهب إلى أن التقانة الشبكية قد لا تملك "بمفردها" حسم معطيات تفاعل تحكمه قواعد السياسة العليا43.

2. حالة الصين عام 2008

اندلعت احتجاجات جماهيرية واسعة في الصين، في أعقاب الزلزال المدمر الذي وقع في مدينة سيشوان في أيار/ مايو 2008، وبلغت حصيلة ضحاياه نحو تسعين ألف قتيل، وخمسة ملايين مشرد، وكان

  1. Philippines: At a Glance: 2001-02 , Country Report (March 2001).
  2. Rita Safranek, "The Emerging Role of Social Media in Political and Regime Change,"  ProQuest Discovery Guides  (March 2012), p. 3.
  3. Michael Bociurkiw, "Revolution by Cell Phone,"  Forbes , vol. 168, no. 5 (2001), p. 28.
  4. Manuel Castells et al.,  The Mobile Communication Society: A Cross- Cultural Analysis of Available Evidence on the Social Uses of Wireless
  5. Gerard Goggin,  Cell Phone Culture: Mobile Technology in Everyday Life (Routledge/ New York: Routledge, 2012), p. 78.
  6. Philippines: At a Glance: 2001-02 , Country Report (March 2001). 43  John Aglionby, "Filipinos Rally to Oust The President," The Guardian , 20/1/2001, accessed on 21/3/2019, at: http://cutt.us/aUc5t
  7. Communication Technology (Los Angeles: University of Southern California, Annenberg School for Communication, 2004), pp. 205-206.

المتظاهرون في الأساس من الآباء والأمهات الذين فقدوا أطفالهم بفعل انهيار المدارس التي بُنيت بناءً سيئًا، نتيجة التواطؤ بين شركات البناء والحكومة المحلية. قبل وقوع الزلزال، كان الحديث عن الفساد في صناعة البناء في البلاد يتم سرًا. ولكن عندما انهارت المدارس، بدأ المواطنون في تبادل المعلومات عن حجم الفساد، ومن ثم الدعوة إلى تنظيم احتجاجات، من خلال أدوات وسائل التواصل الاجتماعي44. في البداية، سمحت الحكومة الصينية للصحافة بتناول الحادثة، لكنها تراجعت فجأة وبدأت في تعقب الصحافيين والقبض على المتظاهرين، وذلك عندما أصبح واضحًا أن هؤلاء يطالبون بإصلاح حقيقي، وليس بتعويضات من الدولة فحسب. ومن وجهة نظر الحكومة الصينية، لم يكمن التهديد في أن المواطنين قد أصبحوا على بينة من الفساد المستشري، وإنما كان التهديد الحقيقي، من وجهة نظر بكين، يكمن في الآثار المحتملة، إذا ما أصبح هذا الوعي الجماهيري "مشتركا"؛ إذ سيتعين عليها في هذه الحال أن تسن إصلاحات، أو أن تستجيب بطريقة تثير مزيدًا من الوعي لدى المواطنين. وقد ظهر من خلال أزمة زلزال سيشوان كيف أن النظام الصيني الحاكم يوظف معظم تقنيات معضلة السجين. ففضلً عن الأجواء الضاغطة التي تعرقل التواصل والثقة بين الأفراد، وتحول بينهم وبين القدرة على الاحتجاج الجماعي المنظم، يفرض النظام على الأفراد حالة من الإدانة الاستباقية تحول بينهم وبين المطالبة بحقوقهم المشروعة. ففي أعقاب أزمة المدارس المنهارة، كان على الأسر المنكوبة القبول بوضع الإدانة المترتبة على كون كثير من ضحاياهم قد صنفتهم الحكومة الصينية أطفالً غير شرعيين؛ لأنهم ولدوا بمخالفة قاعدة "الطفل الواحد." ومن هنا تمثل التعويض الذي منحته الحكومة الصينية للأسر في إسقاط أقساط الغرامة المستحقة عن الطفل (غير الشرعي) الذي قضى بفعل هذه الانهيارات (مع عدم التزام الحكومة إعادة الأقساط التي سددتها أسرة الطفل المتوفى بالفعل قبل موته)!45. وتعكس المفارقة السابقة خاصية أخرى لنموذج معضلة السجين، وهي خاصية اللا-بدائل. فالفرد في مواجهة النظام الاستبدادي عليه أن يخضع لحقيقة عدم وجود بدائل إيجابية، وأن يقبل بتقليل خسارته الكلية وحسب، إن أمكن، على اعتبار أن ذلك هو أفضل المتاح. ففي إطار سياق من البدائل الشحيحة، والسلبية في معظمها، يصبح الطرف الذي يجني أقل خسائر هو الفائز، أو على الأقل الأوفر حظًا من غيره. وإضافة إلى هذه الخصائص، هناك خاصية غياب المعلومات أيضًا، وتُرجمت إلى حالة من التعتيم مارستها الحكومة على نتائج التحقيقات حول حدود مسؤولية الأطراف المختلفة في أزمة انهيار المباني المدرسية. فقد استصدرت السلطات الصينية أحكامًا بالسجن للصحافيين الذين خالفوا سياسة التعتيم الإعلامي، ومارست إجراءات صارمة للتحكم في محتوى الإنترنت المتعلق بهذه الأزمة. وعمومًا تحدِّث الحكومة الصينية تقنياتها المستخدمة في مراقبة الإنترنت دوريًا، وتجنّد معلقين تابعين لها وتدربهم لنشر ملاحظات مؤيدة للحكومة الصينية على شبكة الإنترنت، بعض التقديرات تقدر عددهم بما يفوق مئتي ألف معلق46. وتحدد إدارة الدعاية المركزية الموضوعات التي لا يمكن للصحافيين المحليين تناولها، وتشمل هذه الموضوعات أي حديث عن العيوب في النظام القانوني الصيني، والإجراءات التي تتخذ ضد المدافعين عن حقوق الإنسان، وعيوب المرافق العامة، والإجراءات القمعية في التبت. كذلك أصدرت الحكومة لوائح تقييدية جديدة عام 2007، تسمح بإلغاء تراخيص أي وسيلة إعلام تنشر تقاريرها الإعلامية من دون إذن مسبّق47. وأمام هذه الإجراءات الهائلة لفرض التحكم، فإن العنصر الإيجابي الوحيد الذي يمكن الإشارة إليه، في حالة زلزال مدينة سيشوان، هو أن انتشار مظاهر التقانة الشبكية قد جعل مهمة الحكومة الصينية في القيام بإجراءات أشد قمعًا وأوسع نطاقًا أصعب، وهو ما يعدّ في حد ذاته انتصارًا (وإنْ كان محدودًا) للمجتمع المزود بالقدرات الشبكية، في مواجهة واحد من أعتى النظم الاستبدادية في العالم48.

3. حالة مولدوفا عام 2009

في عام 2009، فقد الحزب الشيوعي موقعه في السلطة، بعد أن أعلن فوزه في الانتخابات البرلمانية التي جرت في نيسان/ أبريل من العام نفسه، وسط مزاعم واسعة بالتزوير، والتحيز الإعلامي، وتهديد المعارضة، وتعبئة موارد الدولة لصالح الحزب الحاكم؛ الأمر الذي أثار احتجاجات شعبية واسعة، كانت أغلبية المشاركين فيها من الشباب. وقد ردت الشرطة باستخدام العنف، ومارست كثيرًا من الانتهاكات على المتظاهرين49.

  1. Asian Intelligence, "Internet and Social Networking as Forces for Political Change," Political & Economic Risk Consultancy Ltd , no. 821 (February 2011), accessed on 21/3/2019, at: http://bit.ly/2JKjSXU
  2. Olympics Deliver Blow to Press Freedom in China," Freedom House, 30/7/2008, accessed on 24/3/2019, at: http://bit.ly/2TyFK8E
  3. Ibid.
  4. Ibid.
  5. Athina Karatzogianni, Firebrand Waves of Digital Activism 1994–2014: The Rise and Spread of Hacktivism and Cyberconflict (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2015), p. 49.
  6. Freedon House, Freedom in the World 2010 , Moldova , accessed on 24/3/2019, at: http://bit.ly/2TtjHQx

كانت حملة الاحتجاجات الجماهيرية قد نُسّقت من خلال الرسائل النصية، وعبر شبكات التواصل الاجتماعي50، حيث دعت الرسائل النصية المتظاهرين إلى التجمهر في أكبر ميادين العاصمة كيشيناو؛ لتحدي محاولة الحزب الشيوعي البقاء في السلطة. وقد أتاحت أدوات الاتصال الشبكي الفرصة أمام المحتجين للتواصل اللازمني، وصُدّرت وإنْ جزئيًا المشكلات التي كان يعانيها المجتمع إلى النظام الحاكم نفسه؛ إذ انهار جدار العزلة الذي كان قائمًا بين الأفراد، وأصبح النظام نفسه في حكم المعزول داخليًا، ومن ثم خارجيًا. ومن ناحية أخرى، نجحت قنوات الاتصال الجديدة في إيجاد مناخ من الثقة بين المحتجين، مبعثه اتحاد المطالب والهدف، ما أدى إلى انكماش قدرة المستبد (الحزب الشيوعي في هذه الحالة) على التحكم والسيطرة، على الرغم مما اتخذه من إجراءات حاول من خلالها إظهار استمرار إمساكه بمقاليد الحكم. وقد تمثلت هذه الإجراءات في الأساس في حجبه كثيرًا من المواقع الإخبارية ومواقع المعارضة على الإنترنت وتعطيلها، فضلً عن حملة من القمع والمتابعة القضائية المسيسة لمن شاركوا في الاحتجاجات51. ومع تراكم الضغوط الداخلية والخارجية، فقد الحزب الشيوعي موقعه في السلطة. وفي العام التالي مباشرة وبعد إجراء انتخابات أكثر شفافية بعيدًا عن سيطرة الحزب الشيوعي وإدارته، تحسنت مؤشرات الحقوق السياسية في مولدوفا، وارتفع من ثم تصنيف الدولة على مؤشرات الأنظمة الحرة. وبأثر رجعي يبدو من المستحيل تصور إمكانية فقدان الحزب الشيوعي المولدوفي السلطة بعد انتخابات عام 2009 وتحوله إلى مقاعد المعارضة، من دون التأثير الذي تركته، من بين أشياء أخرى، أدوات التقانة الشبكية52.

رابعًا: المستبدون لا يرفعون الراية البيضاء بسهولة

قد يوحي العرض السابق للحالات التي استُخدمت فيها التقانة الشبكية في تقويض الاستبداد، أو على الأقل تحديه، بأن تراجع الأنظمة الاستبدادية في عصر تقانات التشبيك هو أمر حتمي. ولكن هذه نتيجة متعجلة بعض الشيء؛ فالحاصل أن أنظمة الاستبداد لا ترفع الراية البيضاء بسهولة، والقليل منها يستسلم لحتمية السقوط، فعلى الرغم مما سيق من نماذج لأثر أدوات التواصل الاجتماعي وتقنيات الاتصالات الشبكية ودورها، فإن هذا لا يعني أن كل حركة احتجاج جماهيرية تستخدم هذه الأدوات ستنجح حتمً، أو أن أي نظام تستخدم هذه الوسائل ضده سيسقط بالضرورة. فالأمر الواضح أن الأنظمة الاستبدادية لم تفقد القدرة على الرد، وأنها تسعى بدورها للمبادرة إلى امتلاك وسائل تقانية متطورة، لتحجيم أثر الأدوات التي أصبحت متاحة لخصومها ومعارضيها من الحركات الاجتماعية الجديدة53.

ففي مقابل التحدي الشبكي، تحاول الأنظمة الاستبدادية، وباستخدام المعطيات التقانية نفسها، المحافظة على قدراتها المركزية (أو استعادتها)، عن طريق مضاعفة جرعات المراقبة والتتبع، وتفكيك جماعات المعارضة الجديدة، إما بتعميق الاستقطاب بين هذه الجماعات، أو عن طريق بث بذور الاختلاف داخل كل جماعة على حدة، فضلً عن نشرها الدعايات السلبية عن المنخرطين في أعمال المقاومة المعلوماتية، عبر ترويج فكرة أن من يتبادلون المعلومات عبر الفضاء الرقمي هم بالضرورة متآمرون على المصالح القومية، وهي الدعاية التي يبدو أنها قد حققت قدرًا من النجاح، على الأقل في النماذج التالية:

1. حالة بيلاروسيا عام 2006

في بيلاروسا (التي توصف بأنها آخر معاقل الاستبداد في أوروبا)، في آذار/ مارس 2006، تعثرت الاحتجاجات (المرتبة جزئيًا بالبريد الإلكتروني) التي اندلعت في شوارع العاصمة منسك Minsk، ضد الرئيس ألكسندر لوكاشينكو (الذي يمسك بزمام السلطة منذ عام)1994،

  1. Safranek, p. 3.
  2. Alina Mungiu-Pippidi & Igor Munteanu, "Moldova's 'Twitter Revolution'," Journal of Democracy , vol. 20, no. 3 (2009), pp. 136–142.
  3. Amaro La Rosa, "Social Media and Social Movements around the World," in: Bogdan P ă tru ţ & Monica P ă tru ţ (eds.), Social Media in Politics , vol. 13 (Cham: Springer, 2014), p. 41.
  4. Taylor C. Boas, "The Dictator's Dilemma? The Internet and US Policy toward Cuba," The Washington Quarterly , vol. 23, no. 3 (September 2000), p. 58.

رفضًا لنتائج الانتخابات الرئاسية التي أُعلن فيها فوز الأخير بطريقة لم تخلُ من التلاعب بالنتائج54. كانت بيلاروسيا قد شهدت تجربة انتخابية نزيهة وحيدة عام 1994، في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي، وإعلان بيلاروسيا دولة مستقلة، ومنذ ذلك الحين يمسك الرئيس لوكاشينكو بمقاليد الحكم بطريقة شبه فردية، معتمدًا، ضمن أشياء أخرى، على تصدير معضلة أمنية، تصور بقاء نظامه ضمانةً وحيدة لمواجهة فوضى واسعة، يمكن أن تنتقل إلى بيلاروسيا من دول الجوار55. وبعد اعتزامه إعادة الترشح لفترة رئاسية ثالثة، احتشد معارضون في شوارع العاصمة، مستفيدين من قدرات الأدوات التقانية في تنظيم عملهم الاحتجاجي، وهو ما استوعبه النظام بسرعة، فقام في اليوم الأول للانتخابات الرئاسية 19(آذار/ مارس) بعرقلة التواصل بين المحتجين، من خلال حجب 37 موقعًا إلكترونيًا معارضًا، ثم قطع خدمة الإنترنت عن المشتركين في مرفق الاتصالات الحكومي Minsk Telephone، فضلً عن حجب النظام موقع المرشح الرئاسي المنافس.56أليكساندر ميلينكافيتش  Aleksandr Milinkevich عكست تصرفات النظام الحاكم إدراكه لأهمية الدور الذي تؤديه قنوات التواصل في التقريب بين المحتجين، ومن ثم في خلق حالة من الثقة بينهم؛ لذلك فقد لجأ نظام لوكاشينكو، أول ما لجأ، إلى تعطيل القدرات الشبكية، والحيلولة دون تواصل المحتجين أيًا ما تكن الخسائر الاقتصادية التي يمكن أن تترتب على مثل هذا القرار. ولجأ النظام أيضًا إلى سياسات القبضة الغليظة، ومن ذلك استخدامه العنف ضد المتظاهرين، وإصدار أحكام بالسجن على العديد من زعماء المعارضة، وقمع الأحزاب السياسية، والمنظمات غير الحكومية، ووسائل الإعلام المستقلة، والمؤسسات التعليمية، والنقابات. وقد آتت إجراءات القمع المادي والمعلوماتي آثارها، بعد أن وضعت حياة المحتجين نفسها على المحك، وقطعت سبل التواصل الافتراضي بينهم. فعلى الرغم من الاعتصام الحاشد الذي استمر خمسة أيام، في ظروف مناخية سيئة، تعثرت أعمال الاحتجاج ضد النظام الاستبدادي القوي، والأسوأ أنها لم تنجح في استثارة تعاطف شعبي أو جماهيري فعّال. وهو الأمر الذي ترك لوكاشينكو أكثر تصميم ومقدرة على السيطرة على وسائل التواصل الجديدة، ووقف نشاط مجتمع المعلومات57. وتثير النتيجة العكسية للاحتجاجات في التجربة البيلاروسية التساؤل عن مدى قدرة تقانات التشبيك على التأثير في أرض الواقع؛ فبما أنه أمكن، من خلال قرار مركزي مباشر، قطع شبكة الاتصالات الأفقية، وإقامة جدار من العزلة والانقطاع المكاني بين ناشطي المجتمع الشبكي، فإن جميع الإمكانات التي يمكن نسبتها إلى التقانات الرقمية ومجتمعات المعلومات تصبح على المحك. هذا إضافة إلى أن التقانة الشبكية إذا كانت قد نجحت في تحقيق نوع من الثقة والتواصل، فإنها قد فعلت ذلك بين قطاع محدود من المواطنين، بينما ظلت الأغلبية أشد ارتباطًا بخطاب السلطة، وأشدّ اقتناعًا بمعضلة الأمن التي يروج لها النظام، وأكثر استعدادًا لتقبل الرواية الرسمية، التي تصف المحتجين بالفئة المندسة المتلاعبة باستقرار البلاد، من استعدادها للاستماع إلى مطالب المحتجين، والاصطفاف معهم.

2. حالة إيران عام 2009

خلال الانتفاضة الخضراء التي نشبت في إيران، في حزيران/ يونيو 2009، استخدم المتظاهرون كل أداة تنسيق تقانية ممكنة؛ للاحتجاج على الخلل الذي حدث في احتساب الأصوات، وترتب عليه فوز المرشح المحافظ محمود أحمدي نجاد بفترة رئاسية ثانية، متغلبًا على خصمه الإصلاحي مير حسين موسوي58. وبدا أن النظام الإيراني على وشك أن يشهد ثورة ثانية، يحل فيها العقل الجمعي، والتنظيم الشبكي، محل القيادة الكاريزمية والتنظيم الهرمي الذي ميز الثورة الأولى. تدفق المتظاهرون إلى شوارع العاصمة طهران بأعداد ضخمة، مستعينين بالقدرات التنظيمية لأدوات التقانة الشبكية، واندلعت الاحتجاجات على نطاق واسع، وظهر من خلالها، على نحو واضح، كيف أن التنسيق الشبكي يمكن أن يحل محل الطرق التنظيمية التقليدية، ويعوض غياب الشكل المؤسسي للمعارضة الذي تحول دون قيامه القوانين الإيرانية. فمن خلال القدرات الجديدة تمكن المحتجون من بلورة موقف موحد رافض للنتائج الرسمية للانتخابات، وهو ما وسع من نطاق الاحتجاجات وكثافتها، وأغرى شخصيات سياسية بارزة (مثل الرئيس الأسبق محمد خاتمي) بالانضمام إليها،

  1. The Economist Intelligence Unit, Country Report (June 2006) , Belarus , accessed on 24/3/2019, at: http://bit.ly/2CAyjIe
  2. Freedom House, Freedom in the World (2005), Belarus , accessed on 24/3/2019, at: http://bit.ly/2FyjXKj
  3. Ronald J. Deibert, "The Geopolitics of Internet Control: Censorship, Sovereignty, and Cyberspace," in: Andrew Chadwick & Philip N. Howard (eds.),  Routledge Handbook of Internet Politics (Abingdon: Routledge, 2008), p. 333.
  4. Elena Korosteleva, "Questioning Democracy Promotion: Belarus' Response to the Colour Revolutions,"  Democratization , vol. 19, no. 1 (February 2012), pp. 44-45.
  5. R. F. Xavier & D. F. Campbell, "The Effects of Cyber-Democracy on the Middle East: Egypt and Iran," in: Elias G. Carayannis, David F. Campbell & Marios Panagiotis Efthymiopoulos (eds.), Cyber-Development, Cyber- Democracy and Cyber-Defense (New York: Springer, 2014) p. 148.

والدعوة إلى إجراء استفتاء على شرعية الحكومة. وعلى الرغم من الإجراءات القمعية التي رد بها النظام، استمر المتظاهرون في التظاهر، مستخدمين كاميرات الهواتف المحمولة والإنترنت؛ لتوثيق الانتهاكات التي يتعرضون لها، وللتواصل مع العالم الخارجي، وإيصال صوتهم إلى الجميع59. لوهلة بدا أن الانتفاضة الشعبية المدعمة تقانيًا قادرة على تغيير المعادلة السياسية القائمة، وترجمة معضلة المستبد إلى واقع، إذ سهلت الإمكانات التقانية من عثور الأفراد ذوي المظالم المشتركة، بعضهم على بعض. وتجاوزت الاحتجاجات المدعمة تقانيًا النقطة الحرجة التي يمكن القوات الأمنية إخضاعها بسهولة، وبدا أن الأمور قد تحسم لصالح المحتجين. ولكنّ النظام الإيراني كان له رأي آخر، فقد تمكنت قوات الأمن من إسكات صوت المعارضة الشعبية، عن طريق حملة قمع عنيفة، تخللها قطع الحكومة الإيرانية الاتصال بشبكة المعلومات الدولية، وصدور تصريح (يشبه الفتوى) من مرشد الثورة، خامنئي، في 19 حزيران/ يونيو 2009، يدين فيه "الأثر المنحرف" لأدوات التواصل الاجتماعي، ومواقع الإنترنت المشبوهة، على أوضاع إيران الداخلية، ويؤكد مباركته لما تقوم به قوات الأمن من قمع للاحتجاجات السلمية، عبر إجراءات شديدة القسوة60. اللافت في رد فعل النظام الإيراني أنه قد تمكن من إسكات صوت المعارضة، ليس بأدواته الخشنة، فحسب، وإنما عن طريق الأدوات الناعمة ذاتها التي استخدمتها جماعات الاحتجاج الجماهيري ضده، فقد استُخدمت أدوات التواصل الاجتماعي، على نحو عكسي، لتعقب الناشطين، من خلال تتبع حساباتهم الإلكترونية وأرقام هواتفهم الخلوية، ليظهر أن التقانة الشبكية، في هذه الحالة، أكفأ في توطيد أركان الاستبداد من الأساليب القديمة، ويظهر من ثم أن التقانة الجديدة ليست في عداء تلقائي مع أهداف أنظمة الاستبداد. وأخيرًا، إن معضلة السجان يمكن ألا تكون قدرًا سلبيًا للأنظمة الاستبدادية، وإنما عنصر قوة مرنة، يضاف إلى مصادر قوتها الخشنة61.

3. حالة تايلاند عام 2010

على مدار شهري نيسان/ أبريل وأيار/ مايو 2010، شهدت تايلاند واحدة من أسوأ موجات عنف الشوارع في تاريخها الحديث؛ حيث اشتبكت قوات الأمن مع عشرات الآلاف من المحتجين (القمصان الحمر) المناهضين للحكومة، في قلب المنطقة التجارية في العاصمة بانكوك، وقد قتل خلال هذه الاحتجاجات نحو 90 شخصًا، وجُرح مئات آخرون، قبل أن تفرض الحكومة حالة الطوارئ في بانكوك و 23 مقاطعة أخرى، وتوجه تهمة الإرهاب إلى زعماء حركة القمصان الحمر، بمن فيهم رئيس الوزراء السابق المنفي، ثاكسين شيناواترا Shinawatra Thaksin، وتجمد أصول ممولي القمصان الحمر المشتبه فيهم62. اتبعت انتفاضة القمصان الحمر في تايلاند عام 2010 مسارًا مماثل للانتفاضة الخضراء في إيران، ولكن على نحو أكثر تسارعًا، ففي 19 أيلول/ سبتمبر (الذكرى الرابعة للانقلاب العسكري على رئيس الوزراء المنتخب شيناواترا) تظاهر نحو 10 آلاف تايلاندي من أنصاره؛ احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية المتردية والفساد السياسي63، وذلك باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، واحتلوا وسط مدينة بانكوك، قبل أن تفرق الحكومة التايلاندية المتظاهرين بالقوة المسلحة، وهو ما أسفر عن مصرع العشرات وجرح المئات. لاحقا شُددت القبضة الحكومية على مظاهر التفاعل الرقمي كافة، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت التفكير في مثل هذه الثورة أمرًا ممكنًا. وعقب إعلان حالة الطوارئ حُظر استخدام هذه الأدوات كليًا، وهو ما أعاد المحتجين مضطرين إلى استخدام طرق التواصل التقليدية؛ حتى إنهم اضطروا إلى استخدام مكبرات صوت يدوية للتواصل مع زملائهم في الفاعليات اللاحقة64. ولكن لم يكن استمرار الاحتجاجات بهذه الطريقة البدائية ليجدي نفعًا؛ إذ نجحت الإجراءات الحكومية في إضعاف مستوى التواصل، وإعاقة الوصول إلى مصادر المعلومات، ومن ثم سلبت الناشطين أي مقدرة على الفعل الإيجابي، وحصرتهم في إطار عدد من أنواع النشاط القابلة للتوقع، ومن ثم للإجهاض؛ لتُستوعب التحركات الجماهيرية،

  1. Freedom House, Freedom in the World (2010), Iran , accessed on 24/3/2019, at: http://bit.ly/2U1cHyI
  2. Alex Burns & Ben Eltham, "Twitter Free Iran: An Evaluation of Twitter's Role in Public Diplomacy and Information Operations in Iran's 2009 Election Crisis," Paper Presented at Record of the Communications Policy and Research Forum 2009, Network Insight Institute (2009), p. 299, accessed on 25/3/2019, at: https://goo.gl/zZ4kFS
  3. James Curran, Natalie Fenton & Des Freedman, Misunderstanding the Internet (London: Routledge, 2016), pp. 12, 50
  4. Freedom House, Freedom in the World (2011) , Thailand , accessed on 24/3/2019, at: http://bit.ly/2CBL99b
  5. T. Forsyth, "Thailand's Red Shirt Protests: Popular Movement or Dangerous Street Theatre?"  Social Movement Studies. vol. 9, no. 4 (November 2010), pp. 461-467.
  6. Alastair Carthew, "Thaksin's Twitter Revolution: How the Red Shirts Protests Increase the Use of Social Media in Thailand," in: Philip Behnke (ed.),  Social Media and Politics: Online Social Networking and Political Communication in Asia  (Singapore: Konrad-Adenauer-Stiftung, 2010), p. 24.

وتستعيد المؤسسة العسكرية سيطرتها على الأحداث، عبر تفاهمات مع المعارضة، وليتأكد أن ميكانيزمات معضلة السجين لا تقتصر على التأثير النفسي في الأفراد، وإنما تمتلك أنيابًا حقيقية أيضًا، تستطيع بها خلق حقائق مادية على الأرض، ومن ثم إبطال أي تأثير لقوى أدوات التواصل الاجتماعي الناعمة، الأمر الذي يوحي بأن التحفيز الذي تتسبب فيه أدوات التواصل يمكنه أن يشعل فتيل الاحتجاجات. لكنه قد لا يكفي لوصولها إلى نتيجة نهائية مكتملة.

خاتمة

قدمت الدراسة إعادة قراءة لنموذج معضلة السجين، بوصفه تلخيصًا لمنطق الحكم في إطار الأنظمة الاستبدادية؛ هذا المنطق الذي ينهض على تقويض التواصل والثقة، عبر ميكانيزمات متعددة، منها احتكار المعلومات، والتحكم شبه المطلق في شروط التفاعل، وفرض بدائل سلبية وشحيحة، وذلك في إطار جملة من الشروط التي ليس للأفراد أمامها (ما دامت العقلانية هي إطارهم المرجعي الوحيد)، إلا المفاضلة بين اختيارات تراوح بين السيئ والأسوأ. وعرضت الدراسة نموذج معضلة السجان/ المستبد، بوصفه يمثل المعكوس المنطقي لمعضلة السجين، فإذا كانت معضلة السجين تنبع من غياب التواصل وغياب الثقة بين الأفراد، الأمر الذي يستغله "المستبد" عادة لفرض شروطه على الجميع، فإن "معضلته" تبدأ حينما تتاح الفرصة أمام السجينين للتواصل وتبادل الثقة. وبعبارة أخرى، تبدأ معضلة المستبد عندما ينهار جدار العزلة الذي يضربه حول الأفراد، وتنجح قنوات الاتصال في ترميم الثقة المفقودة بينهم، فتنكمش قدرة المستبد على التحكم والسيطرة. في وقت يؤمن مستخدمو التقانة الشبكية ووسائل الاتصال الجديدة أن في إمكانهم، عبر هذه الأدوات، أن يجعلوا العالم مكانًا أفضل (من زاوية ممارسة الحريات والحقوق)، يعتبر المستبدون هذه الوسائل تهديدًا صريحًا لهم، فهي تخلخل معادلة الاستقرار التي يشيدون عليها دعائم حكمهم، وتجرد "معضلة الأمن" التي يؤسسون بها شرعية سلطتهم الواسعة من جاذبيتها، أو، في أحسن تقدير، تفرض عليهم عبء "تبرير" ما يتخذونه من سياسات للجماهير التي باتت تملك المعلومات. لهذا، لا يرفع المستبدون الراية البيضاء عادة، وإنما يوظفون الأدوات نفسها التي تُستخدم ضدهم لصالحهم. وقد استعرضت الدراسة عددًا من الحالات التي تم فيها ذلك بنجاح. وهكذا، فإن الاستخلاص الذي تخلص إليه الدراسة يبدو مركبًا؛ فمن ناحية، يمكن القطع بأن أدوات التقانة الشبكية (بما توفره من قنوات للتواصل والثقة) قادرة على تحدي الاستبداد بطرق متعددة، من ذلك أنها تتيح "مجالً عامًا" بديلً، يتيح للناشطين أن يؤلفوا خطابًا حرًا، ويتبادلوا محتوى سياسيًا تشاركيًا. ومنها تمكينها الأفراد من تجاوز أشكال الحظر التي تفرضها الأنظمة على المصادر التقليدية للمعلومات، وتفتح المجال أمام تعددية حقيقية في الآراء والأصوات، وأمام أشكال جديدة من التنظيم والعمل الجماعي. ولكن، من ناحية أخرى، فإن أدوات التقانة الشبكية قد لا تكون كافية وحدها لمواجهة الاستبداد أو تفكيكه65. وهذا ليس لقصور في "إمكانات" هذه الأدوات، وإنما لأن "المستبد" أيضًا يملك أن يكون طرفًا في مجتمع المعلومات لأغراضه الخاصة، ويملك باستخدام الأدوات نفسها أن يطور قدراته في أن يراقب ويعرقل التعاون الذي يمكن أن يحدث بين السجينين (المواطنين) في محاولتهما الخروج من المأزق الذي وضعا فيه. وبعبارة أخرى، إذا كانت التقانة الشبكية توفر طرقًا جزئية لتحدي الاستبداد، فإنها لا تملك، على الأقل في إطار معطيات الدراسة، ترجمة ذلك إلى إستراتيجية كاملة. فهي تنغص على الأنظمة الاستبدادية استقرارها، ولكنها لا تملك المقدرة، بعد، لإحلال أوضاع جديدة إحلال تامًا محلها، وهو ما يجعلها عرضة لاتهام بعضهم المتكرر بأنها أدوات لإشاعة الفوضى في المجتمعات المستقرة وحسب، على اعتبار أنها تتحدى الأوضاع القائمة من دون أن تنجح في تأسيس أوضاع جديدة. ومرجع ذلك، على ما يبدو، أن الشروط التي تعمل من خلالها التقانات الشبكية على تحدي الأنظمة المستبدة، تتعلق بتوافر عوامل مساعدة، ربما يكون غيابها هو المسؤول عن محدودية نجاح كثير من تجارب الاحتجاجات المدعمة تقانيًا. من هذه العوامل، كما أظهرت الحالات التي تطرقت إليها الدراسة، موقف المؤسسة العسكرية، والسياق الدولي والإقليمي، والأهم، ربما، درجة استبداد النظام نفسه. فعندما كانت الاحتجاجات الجماهيرية تواجه أنظمة شبه ديمقراطية، أو حرة جزئيًّا (مولدوفا، والفلبين)، كانت النتائج أعمق تأثيرًا من تلك التي جرى فيها تحدي أنظمة أشد انغلاقًا (روسيا البيضاء، وإيران)، على أن هذا الافتراض هو ما يحتاج إلى دراسة تجريبية أوسع للتأكد من صدقيته. ومن ناحية أخرى، أظهرت دراسات الحالة أن أدوات التقانة الشبكية تمثل شكلً من أشكال القوة المرنة، ولكنها هشة في الوقت ذاته، ومرجع ذلك أن قرار الاتصال نفسه يظل قرارًا مركزيًا، يمكن التراجع عنه، أو التشويش عليه، أو حتى إرغام مزودي الخدمة (من غير القطاع الحكومي) بالتوقف عن تقديم خدماتهم فيه. وبخلاف مركزية قرار الاتصال، فإن أحد مظاهر هشاشة الظاهرة الشبكية يكمن في حقيقة أنها قد تتحول، مع الزمن، إلى ظاهرة موازية غير

  1. Marc Lynch, "After Egypt: The Limits and Promise of Online Challenges to the Authoritarian Arab State,"  Perspectives on Politics , vol. 9, no. 2 (June 2011), p. 307.

متقاطعة مع الواقع، وذلك حين يصبح الهروب إليها هو الوسيلة الوحيدة المتاحة للاحتجاج على ممارسات الاستبداد، فيتحول الاحتجاج إلى عمل افتراضي محض، قد تجد فيه أنظمة الاستبداد شكلً مقبولً من أشكال التنفيس الاجتماعي عن الغضب، ما دام في إطار عالمه الرقمي بعيدًا عن أن يشكل تحديًا لها66. بقي القول إن النتائج السابقة يمكن أن تساعد في تقديم تبصّ مفيد في شأن المنطقة العربية، وما شهدته، على مدار العقد الثاني من الألفية الحالية، من انتفاضات ضد عدد من الأنظمة التي ليست بأقل استبدادية من الأنظمة التي تناولتها الدراسة؛ إذ يمكن القول إن التعثر النسبي (أو الكامل) الذي عانته معظم تجارب الربيع العربي، ربما يكون مرجعه اعتماد الاحتجاجات الجماهيرية اعتمادًا أكثر من اللازم على التقانات الشبكية، واستلهامها منطقها الذي يفتقر إلى القيادة، ويعوّل على قدرة الشبكات على الانتظام الذاتي. وهي الافتراضات التي يبدو أنها قد اصطدمت بمظاهر القوة الخشنة الموجود على أرض الواقع. غير أن اختبار مدى انطباق نتائج هذه الدراسة على الأوضاع في أنظمة ما بعد ثورات الربيع العربي، هو ما يستحق دراسة منفصلة، موسعة ومتعمقة في تفاصيل هذه الثورات، وهذا ما تقترح هذه الدراسة القيام به، بوصفه جزءًا من مهمات استكمال الإجابة عن التساؤلات البحثية الفرعية التي يثيرها الإشكال الرئيس لهذه الدراسة، والمتعلق بالحد الذي يمكن للتحركات الجماهيرية المدعومة تقانيًا أن تذهب إليه في تحديها أنظمة الاستبداد.

المراجع

العربية

المجتمع الشبكي بارني، دارن.. ترجمة أنور الجمعاوي. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن فوكو، ميشيل.. ترجمة علي مقلد. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1990

الأجنبية

Asian Intelligence. "Internet and Social Networking as Forces for Political Change." Political & Economic Risk Consultancy Ltd. no. 821 (February 2011). at: http://bit. ly/2JKjSXU Baumgartner, Tom, Walter Buckley & Tom Burns. "Relational Control: The human Structuring of Cooperation and Conflict." Journal of Conflict Resolution. vol. 19. no. 3 (September 1975). Behnke, Philip (ed.).  Social Media and Politics: Online Social Networking and Political Communication in Asia. Singapore: Konrad-Adenauer-Stiftung, 2010. Bellamy, Richard & Andrew Mason (eds.). Political Concepts. Manchester: Manchester University Press, 2010. Bicchieri, Cristina, Richard C Jeffrey & Brian Skyrms. (eds.). The Dynamics of Norms. New York: Cambridge University Press, 1997. Boas, Taylor C. "The Dictator's Dilemma? The Internet and US Policy toward Cuba." The Washington Quarterly. vol. 23. no. 3 (September 2000). Bociurkiw, Michael. "Revolution by Cell Phone."  Forbes. vol. 168. no. 5 (2001). Boulding, Kenneth & Elias Khalil (eds.). Evolution, Order and Complexity. Abingdon: Routledge, 2002. Burns, Alex & Ben Eltham. "Twitter Free Iran: An Evaluation of Twitter's Role in Public Diplomacy and Information Operations in Iran's 2009 Election Crisis." Paper Presented at Record of the Communications Policy and Research Forum 2009. Network Insight Institute (2009). at: https://goo.gl/zZ4kFS Burns, Tom & Walter Buckley. "The Prisoners' Dilemma Game as a System of Social Domination."  Journal of Peace Research. vol. 11. no. 3 (September 1974). Carayannis, Elias G. David F. Campbell & Marios Panagiotis Efthymiopoulos (eds.). Cyber-Development, Cyber- Democracy and Cyber-Defense. New York: Springer, 2014. Castells, Manuel et al.  The Mobile Communication Society: A Cross-Cultural Analysis of Available Evidence on the Social Uses of Wireless Communication Technology. Los

  1. Evgeny Morozov,  The Net Delusion: How not to Liberate the World? (London: Penguin, 2011), p. xiv.

Angeles: University of Southern California, Annenberg School for Communication, 2004. Castells, Manuel. Communication Power. Oxford/ New York: Oxford University Press, 2009. _______. The Rise of the Network Society: The Information Age: Economy, Society, and Culture. vol. I. Information Age Series. London: Blackwell, 1996. Chadwick, Andrew & Philip N. Howard (eds.).  Routledge Handbook of Internet Politics. Abingdon: Routledge, 2008. Croissant, Aurel. "From Transition to Defective Democratization." Asian Mapping Democracy: Democratization. vol. 11. no. 5 (December 2004). Crystal, Jill. "Authoritarianism and its Adversaries in the Arab World." World Politics. vol. 46. no. 2 (January 1994). Curran, James, Natalie Fenton & Des Freedman. Misunderstanding the Internet. London: Routledge, 2016. Dinerstein, Ana C. "Too Bad for the Facts: Confronting Value with Hope (Notes on the Argentine uprising of 2001)." South Atlantic Quarterly. vol. 113. no. 2 (2014). Eisenhardt, Kathleen M. "Building Theories from Case Study Research."  Academy of Management Review. vol. 14. no. 4 (October 1989). Ezrow, Natasha M. & Erica Frantz. Dictators and Dictatorships: Understanding Authoritarian Regimes and their Leaders. London/ New York: Continuum, 2011. Forsyth, T. "Thailand's Red Shirt Protests: Popular Movement or Dangerous Street Theatre?"  Social Movement Studies. vol. 9. no. 4 (November 2010). Freedom House. About Freedom in the World: An Annual Study of Political Rights and Civil Liberties. Report. at: http://cutt.us/UK7yQ _______. Freedom in the World (2005), Belarus. at: http:// bit.ly/2FyjXKj _______. Freedom in the World (2010) , Iran. at: http:// bit.ly/2U1cHyI _______. Freedom in the World (2011), Thailand. at: http://bit.ly/2CBL99b _______. Freedom in the World (2010), Moldova. at: http://bit.ly/2TtjHQx _______. Freedom in the World 2019, Methodology 2019. at: https://goo.gl/sFZNu4 Goggin, Gerard. Cell Phone Culture: Mobile Technology in Everyday Life. Routledge/ New York: Routledge, 2012. Howard, Philip N. & Muzammil M. Hussain.  Democracy's Fourth Wave? Digital Media and the Arab Spring. Oxford/ New York: Oxford University Press, 2013. Howard, Philip, Sheetal D. Agarwal & Muzammil M. Hussain. "The Dictators' Digital Dilemma: When Do States Disconnect Their Digital Networks?" Issues in Technology Innovation. Brooking. no. 13 (October 2011). at: https://brook.gs/2TTBgdp Jr., Joseph Nye. Understanding International Conflicts: An Introduction to Theory and History. New York: Longman, 2007. Karatzogianni, Athina. Firebrand Waves of Digital Activism 1994–2014: The Rise and Spread of Hacktivism and Cyberconflict. Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2015. Kedzie, Christopher. "Communication and Democracy: Coincident Revolutions and the Emergent Dictators." California: Rand Corporation, 1997. at: https://bit. ly/2UZNcLc Kekic, Laza. "The Economist Intelligence Unit's Index of Democracy." The Economist Intelligence Unit. at: https://goo.gl/11ajU1 Kendall, Graham, Siang Yew Chong & Xin Yao. The Iterated Prisoners' Dilemma: 20 Years On. Singapore: World Scientific, 2007.

Democracy "Questioning Elena. Korosteleva, Promotion: Belarus' Response to the Colour no. vol. Revolutions."  Democratization. (February 2012). Kreps, David M. et al. "Rational Cooperation in the Finitely Repeated Prisoners' Dilemma."  Journal of Economic Theory. vol. 27. no. 2 (August 1982). Lynch, Marc. "After Egypt: The Limits and Promise of Online Challenges to the Authoritarian Arab State."  Perspectives on Politics. vol. 9. no. 2 (June 2011). Morozov, Evgeny. The Net Delusion: How not to Liberate the World? London: Penguin, 2011. Mungiu-Pippidi, Alina. & Igor Munteanu. "Moldova's 'Twitter Revolution'." Journal of Democracy. vol. 20. no.

Oskamp, Stuart. "Effects of Programmed Strategies on Cooperation in the Prisoner's Dilemma and other Mixed-Motive Games."  Journal of Conflict Resolution. vol. 15. no. 2 (January 1971). P ă tru ţ , Bogdan & Monica P ă tru ţ (eds.). Social Media in Politics. vol. 13. Cham: Springer, 2014. Reuter, Ora John & David Szakonyi. "Online Social Media and Political Awareness in Authoritarian Regimes."  British Journal of Political Science. vol. 45. no. 1 (January 2015). Reyes, Miguel, "Rating Philippine Democratization: A Review of Democratization Metrics." Asian Democracy Review. vol. 1 (January 2012). Safranek, Rita. "The Emerging Role of Social Media in Political and Regime Change."  ProQuest Discovery Guides. (March 2012). Schedler, Andreas. The Politics of Uncertainty: Sustaining and Subverting Electoral Authoritarianism. Oxford: Oxford University Press, 2013. Shirky, Clay. "The Political Power of Social Media: Technology, The Public Sphere, and Political Change."  Foreign affairs. vol. 90. no. 1 (January 2011). Shultz, George P. "New Realities and New Ways of Thinking."  Foreign affairs. vol. 63. no. 4 (Spring 1985). Swanson, Nathan W. "Embodying Tahrir: Bodies and Geopolitics in the 2011 Egyptian Uprising." Area. vol. 48. no. 3 (September 2016). The Economist Intelligence Unit. Country Report (June 2006) , Belarus. at: http://bit.ly/2CAyjIe _______. Democracy Index 2018: Me too? Political participation, protest and democracy. Country Report (2018). at: https://bit.ly/2Cd7TLA _______. Philippines: At a Glance: 2001-0 2. Country Report (January 2001). at: https://bit.ly/2DJND57 _______. Philippines: At a Glance: 2001-0 2. Country Report (February 2001). at: https://bit.ly/2EeRMj6 _______. Philippines: At a Glance: 2001-02. Country Report (March 2001). at: http://bit.ly/2U5PR8X Trefon, Theodore. "The Political Economy of Sacrifice: Kinois & the State." Review of African Political Economy. vol. 29. no. 93-94 (September 2002). Walt, Stephen M. "Rigor or Rigor Mortis? Rational Choice and Security Studies." International Security. vol. 23. no. 4 (April 1999). _______. "A Model Disagreement." International Security. vol. 24. no. 2 (October 1999). Wood, Geof. "Staying Secure, Staying Poor: The Faustian Bargain."  World Development. vol. 31. no. 3 (March 2003). Zaphiris, Panayiotis & Chee Siang Ang (eds.). Social Computing and Virtual Communities. New York: CRC Press, 2010.