التأثير الخارجي للدولة الصغيرة وفق ا لاتجاه تحليل الشبكات حالة الأردن

سمير رمزي صلاح الدين | Samir Ramzy

الملخّص

تجادل هذه الدراسة بإمكانية ممارسة الدولة الصغيرة درجة تأثيرٍ إقليمي أكبر من بعض الدول الأكبر منها حجمًا، وتحاول التحقق من صحة هذه المقولة من خلال الاستعانة باتجاه "تحليل الشبكات" في العلاقات الدولية الذي يتعامل مع مفهوم التأثير على نحو مختلف عن المدارس التقليدية، مثل الواقعية والليبرالية، التي ذهبت في أغلبها إلى التقليل من إمكانية ممارسة الدولة الصغيرة أدوارًا مؤثرة إقليميًا مقارنة بالدول الأكبر منها. كما يُعد ا نسبيًا وغير متداول في الدراسات العربية إلى حد بعيد اتجاه تحليل الشبكات حديث. وتستعرض الدراسة تطور هذا الاتجاه وأبرز مفاهيمه وبعض نماذجه، ومن ثم تطبيقه على حالة التأثير الخارجي لدولة صغيرة مثل الأردن في الفترة 2011 - 2015، وهي الفترة التي شهدت ارتفاع حدة الأزمات الإقليمية، كما تزايدت خلالها محاولات الدول الإقليمية الكبرى ممارسة درجة كبيرة من التأثير في السياق الإقليمي. كلمات مفتاحية: العلاقات الدولية، الدولة الصغيرة، الأردن، تحليل الشبكات. This study argues that a small state can have a greater regional impact than larger states. It validates this claim by using the "network analysis" approach to international relations. This approach deals with the concept of influence differently from traditional schools such as realism and liberalism, which mostly reduced the possibility of small states to exercise regional roles compared to larger countries. The network analysis approach is relatively recent and is not widely studied in Arab research. This paper reviews the evolution of this trend and its most prominent concepts and some models before applying it to Jordan between 20112015 -. This era witnessed many regional crises and attempts by large regional states to increase their influence in the regional context. Keywords:  International Relations, Small State, Jordan, Network Analysis, Networks.

The Small State's External Impact According to the Networks Analysis Approach: The Case of Jordan

مقدمة

تتناول هذه الدراسة قضية التأثير الخارجي للدولة الصغيرة، وتحاول أن تستعرض أبرز مقولات مدارس العلاقات الدولية عن التأثير الخارجي لهذا النوع من الدول، وقد ذهبت، في أغلبها، إلى افتراض انخفاض تأثير الدولة الصغيرة مقارنةً بالدول الأكبر؛ وذلك بناءً على ضعف عناصر القوة لديها، سواء من حيث عدد السكان أو الموارد الطبيعية أو القدرة الاقتصادية أو العسكرية1، إلى حد اعتبار أحد علماء المدرسة الواقعية أن الدولة الصغيرة لا أهمية لها في السياقات الدولية والإقليمية بعد الحرب الباردة2. ومثل هذه المقولات، تحاول الدراسة انتقادها بالاعتماد على اتجاه تحليل الشبكات الاجتماعية في العلاقات الدولية، وتطبيقه على الحالة الأردنية خلال فترة الاضطرابات الإقليمية في المنطقة العربية بين عامي 2011 و 2015، وهي الفترة التي شهدت تنامي الدور الخارجي للأردن مقارنةً بدول أكبر منها نسبيًا وفقًا للمعايير التقليدية للقوة. وتجادل الدراسة بأن الدولة الصغيرة يمكنها ممارسة تأثير أكبر من دول أكبر منها نسبيًا في سياقات التفاعلات الإقليمية. وفي سبيل التحقق من صحة هذه المقولة، تقوم الدراسة بتحديد مفهوم التأثير الخارجي في العلاقات الدولية، وإثبات طبيعته التبادلية، والوقوف على تقنياته المتنوعة، كما تتناول الدراسة أبرز مقولات بعض مدارس تحليل العلاقات الدولية عن قضية التأثير الخارجي للدولة الصغيرة، وعلى وجه الخصوص مقولات المدارس الواقعية والليبرالية والبنائية والماركسية؛ ومن ثم استنتاج الأسباب التي دفعت بعض هذه المدارس إلى القول بانخفاض التأثير الخارجي للدولة الصغيرة. وتنتقل الدراسة إلى استعراض أبرز مفاهيم وفرضيات اتجاه تحليل الشبكات الاجتماعية، وهو اتجاه صاعد في تحليل العلاقات الدولية، ويحاول الاستفادة من مقولات مدارس التحليل المختلفة، وتطويرها من خلال استخدام وسائل إمبريقية للقياس؛ ومن ثم إعادة صياغة بعض المفاهيم التقليدية في علم العلاقات الدولية، ومنها مفاهيم مثل القوة والتأثير الخارجي، وهو ما سنتعرض له بأحد الأمثلة التوضيحية. وتستخدم الدراسة في قسمها الأخير اتجاه تحليل الشبكات لقياس مستوى التأثير الخارجي للأردن بين عامي 2011 و 2015 مقارنة ببعض الدول الأكبر منها؛ وجاء اختيار الأردن نظرًا إلى كونه مطابقًا لأغلب معايير الدولة الصغيرة في العلاقات الدولية، إضافةً إلى تعرض بيئته الخارجية لمتغيرات كثيرة خلال الفترة المذكورة، فرضت عليه محاولة التأثير في بيئة خارجية تتسم بتزايد عدد الفاعلين الأكبر منه إقليميًا ودوليًا، ومنها دول مثل السعودية وتركيا وإيران، وقد نجح الأردن من خلال الحفاظ على أمنه الداخلي وتحقيق الاستقرار المحلي في ظل بيئة خارجية شديدة الاضطراب.

أولا: تأثير الدولة الصغيرة وفق ا لمدارس العلاقات الدولية

يتعرض هذا المحور لمفهوم التأثير الخارجي في العلاقات الدولية، وذلك من خلال تعريف التأثير الخارجي واستنتاج أبرز فرضياته وعناصره، بما في ذلك الافتراضات المتعلقة بالتأثير الخارجي للدولة الصغيرة؛ ومن ثم ننتقل إلى عرض مقولات أبرز مدارس العلاقات الدولية عن قدرة الدولة الصغيرة على ممارسة التأثير الخارجي.

1. مفهوم التأثير الخارجي

يُعد مفهوم التأثير أحد أبعاد مفهوم القوة في العلاقات الدولية، وجوهر أي تعريف للقوة هو أنها علاقة سلوكية بين طرفين يقوم أحدهما بالتأثير في سلوك الطرف الآخر، وذلك في الاتجاهات التي تحقق أهدافه وتتوافق مع رغباته في وقت ما، أو في مجال أو أكثر، استنادًا إلى توافر قدرات تتيح للطرف الأول القيام بذلك3. فالقوة هي قدرة (أ) على دفع (ب) إلى أن يفعل (س) أو (ص)4، ويحاول أحد الأطراف التأثير في الطرف الآخر من أجل تحقيق بعض الأهداف التي لا يمكن تحقيقها من دون قيام هذا الطرف بأحد الأفعال.

  1. Jeanne A. K. Hey (ed.), Small States in World Politics: Explaining Foreign
  2. Stephen Van Evera, "Why Europe Matters, Why the Third world doesn't:
  3. Policy Behavior (Colorado: Lynne Rienner Publishers, 2003), p. 2.
  4. American Grand Strategy after the Cold War," Journal of Strategic Studies , vol. 13, no. 2 (June 1990), pp. 1-51. 3 مقدمة في العلاقات الدولية المتقدمة جهاد عودة، (القاهرة: المكتب العربي للمعارف، 2014)، ص.72 4  David Armstrong, "Why is there too much International Theory?" Australian Journal of Political Science , vol. 30, no. 2 (July 1995), pp. 356-363.

ومن ثم، فإن عملية التأثير تتطلب وجود طرفين على الأقل، ومن الصعب إيجاد حالة لا يكون فيها لأحد الأطراف القدرة على ممارسة التأثير في اتجاه الطرف الآخر. فالتأثير عملية متعددة الاتجاهات، ومهما بلغت قوة أحد الطرفين فإنه يستقبل رد فعل الطرف الآخر ويتأثر به. ومن ثم يقوم بممارسة تأثير مقابل لتحقيق أهدافه، فيعد التأثير عملية ممتدة ومتواصلة، وتتفاوت قدرة كل طرف على التأثير وفقًا للسياق الذي تتم خلاله العملية؛ إذ يُعد التأثير، على غرار القوة، مسألة نسبية تختلف وفقًا للأطراف، ووفقًا للسياقات. وعلى سبيل المثال، فإن تمتّع إسرائيل بقدرة عالية على التأثير لم يمنع التنظيمات المسلحة الفلسطينية من ممارسة درجة من التأثير المقابل. وتقودنا الطبيعة التبادلية لعملية التأثير إلى القول بتنوع تقنيات التأثير نفسها، فهناك تقنيات؛ مثل الإقناع أو التهديد أو المكافأة أو العقوبات أو استخدام القوة. ويتضح هنا أهمية القدرات في تحقيق التأثير المستهدف، فلا يحقق التأثير أي نتائج ذات أهمية سوى بالاستناد إلى إمكانيات مادية أو معنوية مختلفة، يتم تعبئتها واستخدامها كأدوات للتأثير، سواء من خلال الإقناع أو الإغراء أو التهديد أو المعاقبة، وذلك في مواجهة الأطراف المستهدف التأثير فيها؛ فمحاولة التأثير من دون امتلاك قدرات مناسبة ستؤدي إلى ظواهر صوتية فقط5. وما سبق، تحديدًا، هو الذي قاد أغلب دارسي العلاقات الدولية إلى القول بضعف التأثير الخارجي للدولة الصغيرة وليس انعدامه؛ وذلك نتيجة لضعف عناصر القوة من حيث عدد السكان أو الموارد الطبيعية أو القدرة الاقتصادية أو العسكرية. وهذا الأمر يدفع الدول الصغيرة إلى تعويض ذلك باتباع سياسة خارجية تعتمد على التكتل الاقتصادي، أو اللجوء إلى التجمع الإقليمي عوضًا عن ممارسة التأثير على نحو منفرد6، إلا أن الدفع بغياب قدرة الدولة الصغيرة على ممارسة تأثير خارجي منفرد ومتعاظم يشوبه بعض القصور، وهو ما سنتعرض له بالتفصيل في النقطة التالية.

2. التأثير الخارجي للدولة الصغيرة في مدارس العلاقات الدولية

يزخر علم العلاقات الدولية بمدارس تحليلية متنوعة، تسعى كل مدرسة منها إلى تقديم تفسيرات عامة حول آليات عمل النظام الدولي، وتفسير الظواهر المتعلقة به؛ مثل الحروب، والأزمات الدولية، وبناء السلام، ومعايير القوة والتأثير، وغيرها. فمثلً، ترتكز مدرسة الواقعية بشقيها (الكلاسيكية والبنيوية) على علاقات القوة بين الوحدات الدولية، وتنحصر الأخيرة في الدول ذات السيادة وفقًا للواقعيين. وفي المقابل تنطلق المدرسة الليبرالية من التعاون الاقتصادي بوصفه أساسًا لفهم النظام الدولي، ويتسع مفهوم الفاعلين لديها ليشمل الفاعلين من غير الدول؛ مثل الشركات المتعددة الجنسيات. أما المدرسة البنائية Constructivism فتحاول تفسير النظام الدولي من خلال النظر إليه كساحة اجتماعية، في المقام الأول، تؤدي فيه المؤثرات الاجتماعية المختلفة دورًا رئيسًا؛ منها القيم الاجتماعية والثقافية. وهنالك، أيضًا، المدرسة الماركسية التي تحاول تحليل النظام الدولي وفقًا للصراع والتنافس على الموارد الاقتصادية، ولعل أبرز اتجاهاتها هو اتجاه التبعية الذي يحلل النظام الدولي وفقًا لتقسيمه بين دول المركز والهامش من الناحية الاقتصادية، وينسحب هذا التنوع عند تصدي هذه المدارس لوحدة تحليلية كالدولة الصغيرة؛ إذ يختلف تناولها لقضية التأثير الخارجي بالنسبة إلى الدولة الصغيرة. ونجد أن مدرسة الواقعية، بشقيها، لم تستغرق في تحليل تأثير القوى الصغيرة في السياقات الإقليمية والدولية قدر استغراقها في تعظيم تأثير القوى الكبرى، والغالب أن بعض أساتذة المدرسة الواقعية البنيوية يرى أن الدول الصغيرة لا أهمية لها، سواء نظريًا أو عمليًا، في عالم ما بعد الحرب الباردة7 كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ويرى الواقعيون أن توزيع القدرات بين الوحدات الدولية هو المحدد لبنية النظام الدولي، وهو المُفسِ لتحرك الدول ونوعية سلوكها8. وفي ضوء ذلك، لجأت المدارس الواقعية إلى افتراض انخفاض تأثير الدول الصغيرة في السياق الدولي، وانصب جل تركيزها في دور القوى الكبرى؛ ما يجعل من المنهج الواقعي غير ملائم لتحليل تأثير الدولة الصغيرة. ولا يختلف الأمر كثيرًا في مقولات المدرسة الإنكليزية، ويذهب البروفيسور الإنكليزي هيدلي بول إلى تقسيم المجتمع الدولي إلى ثلاثة مستويات: القوى الكبرى Power Great القادرة على إكراه باقي الدول على احترام نفوذها وتحقيق مصالحها في أنحاء العالم، والقوى المتوسطة Power Middle، وهي أقل حجمً وتأثيرًا ونفوذًا

  1. عودة، ص 78،.84
  2. Hey, p. 2.
  3. Van Evera, pp. 1-51.
  4. Kenneth N. Waltz, Theory of International Politics (Boston: Addison- Wesley Publishing Company, 1979), pp. 102-128.

من القوى الكبرى، والقوى الصغرى أو ما أسماه هيدلي بول الدول ذات المساحة الصغيرة، وتكون محدودة النفوذ والتأثير على المستوى الدولي، إلا أنها تمارس نفوذها بناءً على موقعها الجيوسياسي المتميز، أو بتحكمها في ممرات بحرية وحيوية وضرورية ومطلوبة دوليًا، أو بامتلاكها موارد طبيعية نفيسة؛ كالنفط والذهب والألماس. ويجعل بول من القوة الصغيرة تابعة للعلاقات بين القوى الكبرى، حتى إن أمنها يتوقف على حالة توازن القوى الكبرى في النظام الدولي، وترتهن مكاسبها وخسائرها بطبيعة العلاقة بين القوى الكبرى9. ويختلف الأمر قليلً بالنسبة إلى المدرسة الليبرالية؛ إذ تذهب إلى القول إن المؤسسات الدولية والإقليمية تؤدي دورًا رادعًا أمام القوى العدوانية بما توفره من مقيدات لسلوك الدول الأعضاء10، كما ترى أن التقارب الجغرافي والثقافي يعمل كمُحفز للتعاون بين الفاعلين؛ ما يقود إلى الازدهار الاقتصادي والاجتماعي11. لكن هذه الافتراضات لا تقدم تصورًا متكاملً حول تأثير الدولة الصغيرة على نحو منفرد في المجال الإقليمي والدولي، لا سيما مع غياب تناولها لأثر أحد المحددات الرئيسة لحركة الدولة الصغيرة، كالمحدد الأمني مثلً، رغم أن الأخيرة عادةً ما تواجه بعض التهديدات الأمنية التي لا يمكن التعامل معها عبر المنظمات الدولية وحدها؛ ومن ثم يمكن القول إن المدرسة الليبرالية لم تقدم إطارًا نظريًا لمكانة الدولة الصغيرة في البيئة الإقليمية المضطربة، وهو ما ينسحب بالضرورة على تحليل التأثير الخارجي لها. في حين نجد أن مدرسة التبعية، مثلً، تذهب إلى تحديد تأثير الدولة الصغيرة في مستويات منخفضة، نظرًا إلى افتراضاتها الرئيسة التي ترتكز على سيطرة نخب الحُكم في دول المركز على نظرائها في دول الهامش12؛ فوفقًا لمقولات هذه المدرسة، نجد أن الدولة الصغيرة ما هي إلا مفعول به في أغلب السياقات الدولية والاقتصادية. ولعل أكثر المدارس التي قدمت إطارًا نظريًا لتفاعل الدولة الصغيرة مع محيطها هي المدرسة البنائية، وقد قدم رائد النظرية البنائية ألكسندر فندت إطارًا للتفكير في الهوية والمصالح كأنها بنى، فالهويات أساس المصالح؛ ما يعني أن الجهات الفاعلة تعرف مصالحها في عملية تعريف المواقف، ومن منطلق أن الهوية مسألة علائقية13. ويُفسر فندت نجاح الدول الصغيرة في الحفاظ على أمنها عبر اعتمادها على تكريس الاعتراف الدولي الجماعي بسيادتها على إقليمها14. وفي السياق نفسه، يمكن الإشارة إلى مقولات كال هولستي Holsti Kal، أستاذ العلوم السياسية بجامعة كولومبيا الأميركية، المتعلقة بتحليل الدور الخارجي، وقد قامت هذه المقولات على أساس التأثير المتبادل بين صانع القرار والبيئة المحلية والخارجية. حاول هولستي من خلال هذا الطرح أن يتصدى لبعض الإشكاليات النظرية؛ منها تحديد ما إذا كان الدور هو مجرد فئة لتصنيف سلوك السياسة الخارجية وتصنيف قرارات وسلوكات الحكومات، أم أن الأدوار هي عبارة عن متغيرات سببية في تفسير كيفية عمل النظام الدولي15، وحاول الخروج بنظرية الدور من التصنيفات التقليدية التي يقوم عليها ما يُسمى "نموذج العالم القطبي"، والتي تصنف الدول إلى "الدول القائدة" و"الدول الحليفة" و"الدول التابعة" و"الدول المنحازة." وقد كان خروجه من هذه التصنيفات التقليدية مرتبطًا بتأكيده أن هناك دورًا، بل أدوارًا لما يمكن أن نسميه الدول الصغيرة؛ إذ إن الدولة الصغيرة تقوم بعدد كبير من الأدوار، سواء في النسق الدولي أو الإقليمي، في حين تتعامل النماذج التقليدية مع الدول الصغرى باعتبارها ساحةً للتنافس بين الدول العظمى16. وترتكز نظرية الدور على عملية الإدراك الذاتي لدى صنّاع القرار، في مقابل انخفاض تركيز المنتمين إليها على مفهوم قاعدة الدور المرتبط بالبيئة الخارجية، وهذه واحدة من مشكلات تطبيق نظرية الدور في تحليل السياسة الخارجية. بعبارة أخرى، فإن المدرسة البنائية نظّرت للدولة الصغيرة على نحو يجعلها أكثر تأثيرًا في السياقات الدولية والإقليمية، مقارنةً ببقية المدارس التحليلية، إلا أن اهتمامها قد انصب في تحليل عملية صناعة القرار نفسها كمتغير مستقل، من دون أن تقدم تفسيرات عميقة تتعلق بتأثير الدولة الصغيرة في العلاقات الدولية.

  1. Hedley Bull, The Anarchical Society: A Study of Order in World Politics , 2 nd ed. (London: Macmilan Press LTD, 1995), pp. 196, 288.
  2. G. John Ikenberry, After Victory: Institutions, Strategic Restraint, and the Rebuilding of Order after Major Wars (New Jersey: Princeton University Press, 2001).
  3. Nobuo Okawara & Peter Katzenstein, "Japan and Asian-Pacific Security Regionalization, Entrenched Bilateralism and Incipient Multilateralism," The
  4. قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث عواطف عبد الرحمن،، سلسلة عالم
  5. Alexander Wendt, "Anarchy is what States Make of it: The Social Construction of Power Politics," International Organization , vol. 46, no. 2 (Spring 1992), pp. 403-407.
  6. Ibid., p. 415. 15  Kalevi Holsti, "National Role Conceptions in the Study of Foreign Policy," International Studies Quarterly , vol. 14, no. 3 (1970), pp. 233-309. 16  Ibid.
  7. Pacific Review , vol. 14, no. 2 (2001), pp. 165-194.
  8. المعرفة 78 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1984)، ص.30

ومن خلال مقارنة افتراضات ومقولات المدارس التحليلية السابقة، نجد أن هناك قصورًا في تصدي علماء العلاقات الدولية لتحليل السياسة الخارجية المتعلقة بالدول الصغيرة بصفة عامة، فهناك بالفعل بعض الدول الصغيرة التي مارست تأثيرًا كبيرًا بالنسبة إلى دول أقوى منها، ونجد أن دولة صغيرة، مثل الأردن، استطاعت أن تحافظ على أمنها في ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، من دون الاعتماد الكبير على المنظمات الدولية، وهو ما لم تتمكن من فعله بعض الدول الكبيرة في السياق الإقليمي نفسه، ويمكن كذلك ضرب مَثلٍ بممارسة دول صغيرة، مِثل الإمارات وقطر؛ فهما دولتان على درجة عالية من التأثير في السياق الإقليمي. لذا، يُعد القول بغياب، أو انخفاض، التأثير الخارجي للدولة الصغيرة مقولةً في حاجة إلى إعادة النظر. وفي ظل ترجيح بعض مدارس تحليل العلاقات الدولية لانخفاض التأثير الخارجي بالنسبة إلى الدولة الصغيرة، وعدم تقديم المدرسة البنائية لإطار واضح عن تأثير الدولة الصغيرة في مجال العلاقات الدولية، يتضح مدى الحاجة إلى تطوير نموذج تحليلي يستطيع تطوير مقولات هذه المدارس وسد الثغرات التحليلية، وهو ما نجادل في هذه الدراسة بأن اتجاه تحليل الشبكات قد يساهم في تحقيقه.

ثانيًا: اتجاه تحليل الشبكات في العلاقات الدولية

نتناول في هذه النقطة اتجاه تحليل الشبكات في العلاقات الدولية، ونلقي الضوء على أصول هذا الاتجاه التحليلي وكيفية تطوره وازدهاره في العلاقات الدولية، إضافةً إلى استعراض أبرز الفرضيات والمفاهيم التي يقوم عليها من خلال عرض نموذج تطبيقي.

1. تطور التحليل الشبكي للعلاقات الدولية

باستثناء المدرسة الليبرالية، تُ ثل مدارس "السيادة" المحسوبة على الفلسفة الوضعية تقليدًا ثابتًا في تحليل العلاقات الدولية، لا سيما منذ تأسيس كتابات جون هرتز للواقعية والمثالية السياسية، وحصوله على جائزة جمعية العلوم السياسية الأميركية في عام 1951. وتفترض هذه المدارس أن العلاقات الدولية هي علاقات تجمع وحدات ذات سيادة، وأن "الدولة القومية" هي الفاعل السياسي الرئيس17. وقد سبق هذه المدارس، اتجاه آخر ينحاز إلى أهمية الجغرافيا في فهم السياسة الدولية، وهي مدرسة الجيوبوليتيك، وبالأخص سياسة "الليبنسراوم"18 أو "المجال الحيوي"، التي أقرّ على أساسها هتلر العديد من السياسات لقتل كل من البولنديين والأوكرانيين والروس أو تهجيرهم أو استرقاقهم؛ بهدف استيطان أراضيهم والاستفادة من مواردها19. ومع ظهور بعض الفاعلين غير التقليديين في مجال العلاقات الدولية؛ مثل الشبكات الدولية الإرهابية، وتزايد نشاط هذه الجماعات مع طفرة الاتصالات وحركة نقل المعلومات، ظهرت الحاجة العلمية إلى إيجاد وسائل تحليلية جديدة في حقل العلاقات الدولية. ويعتمد تحليل الشبكات الاجتماعية في العلاقات الدولية على الاستفادة من مقولات مختلف المدارس وتطويرها؛ إذ يقوم على فرضية التشابك والتعقيد والاعتماد المتبادل في العلاقات الدولية، وهي تُعد أحد أسس المدارس الليبرالية، كما يحاول تقديم طريقة لقياس أثر هيكل العلاقات داخل الشبكة في أعضائها؛ وهو ما ترتكز عليه المدرسة الواقعية أيضًا، فضلً عن اهتمام اتجاه تحليل الشبكات بالجوانب غير المادية في العلاقات الدولية، مثل العلاقات الاجتماعية والاتصالية، وهذا ما تهتم به بعض مدارس العلاقات الدولية الأخرى؛ مثل البنائية والإنكليزية والتبعية20.

وفي ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، ظهرت أولى بوادر تحليل العلاقات الدولية من منظور الشبكة، واعتمدت الدراسات في هذا المجال على الروابط التجارية، وعضوية المنظمات الدولية، ومستوى

  1. Peter D. Hoff & Michael D. Ward, "Modeling Dependencies in International Relations Networks," Poltical Analysis , vol. 12, no. 2 (2004), pp. 160-161.
  2. كلمة ألمانية تعني أماكن الإعاشة، وقد استهدفت احتلال الأماكن ذات الثروات والموارد في شرق أوروبا تمهيدًا لاستيطانها من الألمان بعد إبادة سكان هذه المناطق.
  3. Hoff & D. Ward.
  4. نظريات العلاقات الدولية: التخصص والتنوع مجموعة مؤلفين،، تيم دان وميليا كوركي وستيف سميث (محررون)، ترجمة ديما الخضرا، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2016

التمثيل الدبلوماسي، إلا أنها عجزت عن تقديم أطر نظرية أو تنبُّئِية عن أثر الشبكات في السياسات الدولية، في حين ظهر في أواخر السبعينيات تيار قادم من علم الاجتماع يتبني التحليل الشبكي كآلية لفهم المحددات البنيوية للتفاوت الاقتصادي بين الدول، وهي اتجاهات التبعية، ولم يحظَ هذا الاتجاه باهتمام كبير من جانب علماء المدارس الأميركية. ومن ناحية أخرى، حدث تطور كبير في أدوات التحليل الشبكي قبيل رواجه بين علماء العلاقات الدولية في أواخر تسعينيات القرن الماضي، ما ساعد في توظيف تلك الأدوات لتقديم فهم أفضل للمشكلات الرئيسة في العلاقات الدولية، وازدهرت اتجاهات جديدة مثل اتجاه التحليل الشبكي في العلاقات الدولية عقب أحداث 11 سبتمبر 2011 على وجه الخصوص، بغية فهم شبكات الفاعلين من غير الدولة21.

جاء التصاعد في ظهور هذه الشبكات معبرًا عن انتقال السلطة إلى فاعلين غير الدولة، واتخذ هؤلاء الفاعلون الجدد أشكالً تنظيمية بعيدة عن الشكل الهيراركي التقليدي، إذ انتقلوا إلى التصميمات الشبكية لعصر المعلومات؛ ومنها أشكال الشبكة النجمية ذات المركز الواحد، والشبكة ذات الشكل التسلسلي المتتالي العُقد والشبكة المتعددة القنوات22. وتكمن الإضافة الرئيسة للتحليل الشبكي في انطلاقه التحليلي من منظور متسع نسبيًا؛ إذ يعتبر الشبكة مجموعة العلاقات التي تجمع بين أطراف مختلفة23، ويقدم حزمة من نظريات وأدوات تحليل لأثر هيكل العلاقات في أعضائه، ويهتم بالإجابة عن أسئلة متنوعة، منها: متى صُنعت الجماعات الإرهابية؟ وكيف يتم دعمها؟ كما يهتم بتحليل تنظيمها الداخلي، علاوةً على طبيعة التحالفات العسكرية وأثر تغيرها في مسار النزاعات الدولية، ثم إنْ كان انضمام إحدى الدول لاتفاق تجاري ما أو إحدى المنظمات الدولية أمرًا مؤثرًا في هيكل التوازن الدولي، فضلً عن الاهتمام بأفضل الطرق لحظر انتشار السلاح، وهكذا24. ويجادل هذا الاتجاه التحليلي بأن العلاقات الدولية تقوم بالضرورة على حالة من التشابك والاعتمادية؛ فإذا كانت الدولة القومية هي الفاعل الرئيس وفقًا للواقعيين، فإن العلاقات الدولية هي حاصل تفاعلاتها. وتكمن العلاقة بين نظرية الدور والتحليل الشبكي في أن هذا التحليل يُكمّل أطر التحليل البنائية للعلاقات الدولية التي تنصب بالأساس في خصائص الفاعلين، والتوازنات الدولية، ويضيف إليها الأبعاد المادية والعلاقات الاجتماعية، ما يصنع هيكلً ديناميًّا للتفاعل بين أعضاء الشبكة التي يتم تحليلها عبر وسائل للقياس، كما يضع هذا التحليل في الاعتبار مسألة تعدد الفاعلين الدوليين، وهو ما يتيح فرصة لتحليل مستوى تأثير أغلب الفاعلين، سواء الفاعلين وفقًا للمدرسة الواقعية أو الليبرالية أو البنائية، وهذا يفتح آفاقًا جديدة لإعادة النظر في المفاهيم الرئيسة للعلاقات الدولية؛ مثل القوة، والسيادة، والتأثير.

2. المفاهيم الرئيسة لاتجاه تحليل الشبكات

يفترض هذه الاتجاه أن الشبكات تعد فواعل مهمة في العلاقات الدولية؛ إذ تمثل مستوى محددًا من التفاعلات وممارسة النفوذ، وتختلف مع ترتيب المدرسة الواقعية البنيوية لهيكل القوى الدولية على أساس توزيع القدرات المادية بين الدول المختلفة، وتؤاخذه بإغفال تأثير هياكل شبكات العلاقات في أعضائها، سواء بتعريفهم كفرد أو جماعة أو منظمة، وذلك عبر تسهيل تمكينهم أو وضع عراقيل أمامهم؛ فالشبكة تُعد فاعلً في حد ذاته وفقًا للتحليل الشبكي25. وتقوم الفرضية الثانية لهذا الاتجاه على القول إن سمات الفاعلين في عملية التشبيك هي عامل حاسم في فهم مُخرجات الشبكات؛ ذلك أن الشبكات كهياكل للعلاقات، ينجم عنها نمط متكرر من التفاعلات بين أعضاء الشبكة، وهي التفاعلات التي تؤثر بدورها في سلوك الفاعلين وأفعالهم؛ ما يؤدي إلى إنتاج مخرجات محددة.

  1. Emilie M. Hafner-Burton, Miles Kahler & Alexander H. Montgomery, "Network Analysis for International Relations," International Organization , vol. 63, no. 3 (July 2009), pp. 559-592.
  2. عودة، ص.628
  3. Deborah Avant & Lindsey Heger, "The New Power Politics: Networks and Transnational Security Governance," A One Earth Future Foundation,
  4. Hafner-Burton, Kahler & Montgomery, p. 561. 25  Miles Kahler, Networked Politics: Agency, Power, and Governance (New York: Cornell University Press, 2009), pp. 3-5.
  5. Conference Report (2013), pp. 3-5, accessed on 18/3/2019, at: https://bit. ly/2UIDZXx

أما الفرضية الثالثة، فتتمثل في ارتفاع قيمة العلاقات والروابط بين الفاعلين التي تصنع هياكل تتسم بحالة من الدينامية، وهي الهياكل التي لا تقلُّ أهمية فهمها عن فهم خصائص الفاعلين في الشبكة التي تتأثر بالضرورة بحالة الهيكل26.

أ. تعريف الشبكات

يُ كن حصر محاولات تعريف الشبكات، في تعريفين رئيسين؛ أحدهما أنها مجموعة العلاقات بين مجموعة أو أكثر من العُقد Nodes. أما الآخر، فهو أنها نمط من أنماط الهياكل الاجتماعية التي تتكون من أفراد أو منظمات ترتبط ببعضها من خلال رابطة، أو أكثر، من روابط الاعتماد المتبادل27. ويهتم التحليل الشبكي بتحديد الروابط Links بين عدة نقاط أو عُقد، ويمكن أن تكون العُقد فواعل من المستقلين؛ أفرادًا أو منظمات أو دول. كما يقوم التحليل الشبكي على تحليل سمات الروابط التي تربط بين اللاعبين، بدلً من التركيز على سمات الفاعلين أنفسهم؛ وذلك بناءً على ثلاثة مبادئ رئيسة، وهي كما يلي28: يعتمد سلوك الفاعلين على بعضهم، فلا يعتبرون متغيرات مستقلة بأي حال. تنقسم الروابط بين الفاعلين إلى قنوات تنقل مواد ملموسة (مثل الأسلحة والأموال)، أو غير ملموسة (مثل القيم والمعلومات.) ينتج عن أنماط الروابط بين الفاعلين هياكل تُحدد سلوك الفاعلين، وتمنحه فرصًا وتفرض عليه قيودًا. يلاحظ، مما سبق، أن تحليل الشبكات يمكن أن يحلل أي نوع من العلاقات، بما في ذلك علاقات السوق والتنظيمات الهرمية، كما يتيح حساب ورسم الخصائص الهيكلية لأعضاء الشبكة، وللشبكة كلها، علاوةً على توقع مسارات تكوين الشبكات المختلفة ونموها وانهيارها، وتحديد تأثير الشبكة في سلوك أعضائها29، وهو ما نستعرض مثال له فيما يلي.

ب. قياس خصائص الشبكة

تُقاس قوة الروابط بالاستناد إلى حجم وتواتر التفاعلات بين طرفين في الشبكة، ويمكن أن تعبر هذه الروابط عن مختلف العلاقات (إيجابية وتعاونية، أو سلبية وعدائية)، ويُ كن أن تكون علاقات متناظرة بين وحدتين أو غير متناظرة، كما أنها ترصد الاختلاف في كثافة أحد الاتجاهات على حساب الآخر. وتتعدد مصادر الروابط؛ إذ يمكن أن تأتي على نحو مباشر عن طريق الأشخاص أو الشراكات التجارية أو شبكة من الحلفاء والمنظمات، ويُ كن كذلك أن تكون شبكات ضمنية تقوم على عامل مشترك بين أعضاء الشبكة مثل الإقليم الجغرافي، وفيما يلي نموذج تطبيقي30: من أجل تفسير طرق انشقاق الشبكات، يقوم الشكل 1() على روابط افتراضية بين سبع منظمات دولية حكومية IGOs، تتشارك في عضويتها بعض الدول على نحو مختلف. يشير العدد 1() في الجدول 1() إلى قوة العلاقة بين طرفين داخل الشبكة؛ ومن ثم تزداد قوة العلاقة كلما زادت عدد الروابط. فالعدد 4() يشير إلى قوة العلاقة التي تربط بين فرنسا وأميركا. وهكذا يعطينا توزيع الروابط على أعضاء الشبكة المختلفة صورة كاملة عنها. تُحدد طريقة توزيع الروابط بين أعضاء الشبكة خاصيتين هيكليتين رئيستين، الأولى هي قوة أو مركزية Centrality كل عضو على حدة؛ عن طريق قياس درجتها من مدى التقارب والبينية مع باقي الأعضاء، والثانية هي تحديد المجموعات الفرعية داخل الشبكة. درجة المركزية: هي مجموع العلاقات التي تربط عضوًا داخل الشبكة بباقي أعضائها، ما يقيس قدرة كل دولة على النفاذ Access إلى داخل الشبكة. درجة التقارب Closeness: تُقاس عن طريق تحديد طول الرابطة التي تجمع عضو الشبكة وباقي الأعضاء، ما يمكن أن يحدد طبيعة الزمن اللازم لأحد الأعضاء للحصول على المعلومات أو الموارد وإعادة نشرها إلى نقطة معينة في الشبكة. درجة البينية Betweenness: تقيس مدى اعتماد أعضاء الشبكة على أحد أعضائها، بسبب وقوعه ضمن مسارات متعددة لروابط الاتصال.

  1. Ibid., pp. 5-7.
  2. Ibid.; Alexander H. Montgomery, "Centrality in Transnational Governance: How Networks of International Institutions Shape Power Processes," in: Deborah Avant & Oliver Westerwinter, New Power Politics: Networks, Governance, and Global Security (Oxford: Oxford University press, 2016), pp. 27-28.
  3. Stanley Wasserman & Katherine Faust, Social Network Analysis: Methods and Applications (Cambridge: Cambridge University Press, 1994), p. 4.
  4. Peter J. Carrington, John Scot & Stanley Wasserman, Models and Methods in Social Network Analysis (Cambridge: Cambridge University
  5. Press, 2005), pp. 8-28. 30  Hafner-Burton, Kahler & Montgomery, pp. 563-570.
زوهـدجبأالمنظمة
الدول
0001111الولايات المتحدة
0011111فرنسا
1111000الصين
0100000كوريا الشمالية
1000000إيران
إيرانكوريا الشماليةالصينفرنساالولايات المتحدة
00144الولايات المتحدة
00254فرنسا
11421الصين
01100كوريا الشمالية
10100إيران

نرى في الشكل 1() أن دولة فرنسا، مثلً، تتمتع بأكبر درجة من المركزية داخل الشبكة؛ لكونها تجمع أكبر عدد من الروابط، ما يتيح لها القدرة الأعلى على التأثير، في حين تأتي كل من الولايات المتحدة والصين في المرتبة الثانية31. ومن الناحية البينية والتقاربية، نجد أن الصين تحتل المرتبة الأعلى لتمتعها بتنوع علاقاتها وروابطها مع مختلف أطراف الشبكة؛ ما يسمح لها بقدرة على النفاذ على نحو أسرع مما تستغرقه باقي الأطراف. وحتى على صعيد العلاقات الثنائية، نجد أن أقوى الروابط تجمع بين الولايات المتحدة وفرنسا، تليها فرنسا والصين وهكذا32. ومما سبق، يمكن القول إن اتجاه تحليل الشبكات يتعاطى مع العلاقات الدولية بمنظور يجعلها أكثر دينامية، ويحللها على أساس مستويات متعددة تتضمن تنوع الفواعل، ومستويات الوحدة والعلاقات الثنائية والنظام الدولي33، كما يضع معايير جديدة لتحليل قدرة كل عضو في الشبكة على ممارسة التأثير، فلا يحصرها في القدرات المادية والمعنوية، بل يضع في الاعتبار أثر هيكل العلاقات في تحديد قدرة كل طرف داخله على ممارسة التأثير، وفقًا لدرجة مركزيته أو بينيته أو نفاذه إلى داخل الهيكل، وهو ما نطبقه على الأردن خلال المحور التالي.

  1. Ibid., pp. 565-566.
  2. Ibid. الجدول)1(العضوية الافتراضية في المنظمات الدولية لبعض الدول المصدر: Emilie M. Hafner-Burton, Miles Kahler & Alexander H. Montgomery, "Network Analysis for International Relations," International Organization , vol. 63, no. 3 (July 2009), p. 546. الجدول)2(التوزيع الافتراضي لعضوية المنظمات الدولية المصدر:.Ibid
  3. Zeev Maoz, et al., "International Relations: A Network Approach," in: Alex Mintz‏ & Bruce M. Russett (eds.,)‏ New Directions for International Relations: Confronting the Method-of-Analysis Problem (Lanham: Lexington Books, 2005), pp. 48-50. الشكل)1(شبكة افتراضية لعضوية المنظمات الدولية اﻟﻮﻻﻳﺎت اﳌﺘﺤﺪة اﻟﺼ إﻳﺮان

ثالث ا: التأثير الإقليمي للأردن في ظل الأزمة الإقليمية (2011 - 2015)

افترضنا في هذه الدراسة أن اتجاه تحليل الشبكات في العلاقات الدولية يساهم في تقديم زاوية مختلفة للتعامل مع تأثير الدولة الصغيرة في التفاعلات الإقليمية، على النحو الذي يخفض من أثر المعايير التقليدية لقوة الدولة النسبية (المساحة الجغرافية، وعدد السكان، والقوّتان العسكرية والاقتصادية... إلخ) في تحديد درجة تأثيرها الخارجي، في مقابل إعلائه من موقع أحد الفاعلين داخل شبكة التفاعلات؛ فكلما زادت درجة مركزيته، زاد مستوى تأثيره داخل الشبكة. ويُعد الأردن دولة صغيرة وفقًا للمعايير المختلفة لحجم الدولة الصغيرة، سواء من حيث المساحة الجغرافية أو عدد السكان أو الاقتصاد الصغير نسبيًا، وغيرها من المعايير، وقد شهدت الفترة 2015-2011 ارتفاعًا لتأثير القوى الإقليمية والدولية في البيئة الخارجية للأردن، نظرًا إلى موجة الاضطراب التي مر بها الإقليم، والتي أثرت بدورها في نمط الإمكانات والتحالفات والسياسات خلاله34، وأنتجت بعض التهديدات للأردن؛ ومنها التهديدات السياسية والاقتصادية والأمنية. وقد أجبرت هذه المتغيرات الأردن على محاولة ممارسة تأثير في مواجهة أطراف أخرى أقوى منه نسبيًا بالمعايير التقليدية؛ وذلك على الصعيد الإقليمي، مثلً، كدولتي السعودية وإيران، خاصة مع الوجود العسكري لإيران في الجوار الأردني، علاوةً على التدخل العسكري لقوى دولية كبرى مثل روسيا، وكذلك قيام أكثر من قوة غربية بالتدخل العسكري في دول الجوار الأردني؛ في سورية والعراق تحديدًا. كما شهدت الفترة نفسها تعاظم تأثير الفاعلين من غير الدولة، مثل الجماعات الإسلامية والجهادية منها، ويساهم تحليل الشبكات في رسم صورة للتأثير الخارجي بالنسبة إلى الأردن خلال هذه الفترة، مقارنةً بالقوى الأكبر منه حجمً، وهو ما نتعرض له تفصيليًا فيما يلي.

1ً. قياس التأثير الخارجي للأردن وفق ا لاتجاه تحليل الشبكات

استرشادًا بالنموذج التطبيقي السابق، يمكننا رسم صورة تقريبية لموقع الأردن من شبكة المنظمات الإقليمية، من خلال تحديد سبع منظمات حكومية إقليمية تضم بعض دول الشرق الأوسط مع بعضها الآخر أو مع بعض الدول الأخرى، ولن يتم التفرقة بين العضوية الكاملة والعضوية المراقبة؛ نظرًا إلى أن ما يهمنا هنا هو الموقع الاتصالي في المقام الأول، وليس المشاركة في اتخاذ القرار. والمنظمات التي نتناولها هي: الاتحاد من أجل المتوسط، والأمن والتعاون في أوروبا، ومجموعة ال 77، ومجموعة ال 20، ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وجامعة الدول العربية، والمؤتمر الإسلامي. وسنراعي في ذلك أن تتضمن الشبكة بعض نماذج الدول الكبرى في الإقليم، وهي: مصر وتركيا والسعودية وإيران، إضافةً إلى نموذجين للدولة الصغيرة هما إسرائيل والأردن بطبيعة الحال. ويقوم الجدول 3() على روابط افتراضية بين الدول الأعضاء في المنظمات الدولية الحكومية السبع، ومشاركة عضوية هذه الدول فيها.

  1. سمير رمزي، "محددات دور الدولة الصغيرة في الأزمات الإقليمية: الأردن نموذجًا 2015-2011"، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة حلوان، القاهرة، 2018، ص.118-110 ﻛﻮرﻳﺎ اﻟﺸ ﻟﻴﺔ الجدول)3(الدول الأعضاء في المنظمات الإقليمية * دعت دول مجلس التعاون الأردن والمغرب إلى المشاركة في عضويته، ضمن خطة توسيعه في عام 2011، وعقدت عدة اجتماعات بين الدول الأعضاء والأردن تمهيدًا لانضمام الأردن؛ من بينها 4 اجتماعات على مستوى وزراء الخارجية في الفترة.2014-2011 المصدر: سمير رمزي، "محددات دور الدولة الصغيرة في الأزمات الإقليمية: الأردن نموذجًا 2015-2011"، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة حلوان، القاهرة، 2018، ص.108 الجدول)4(توزيع شبكة العضويات في المنظمات الإقليمية المصدر: المرجع نفسه.
جامعة الدول
العربية
المؤتمر الإسلاميدول مجلس
امملتعاون
مجموعة
الـ 20
مجموعة
الـ 77
الاتحاد من أجل
المتوسط
الأمن والتعاون
فيا أوروبا
المنظمة
اأيلدول
11*10111الأردن
1111100السعودية
0101011تركيا
0100100إيران
0000011إسرائيل
1100111مصر
مصرإسرائيلإيرانتركياالسعوديةالأردن
522346الأردن
302254السعودية
321423تركيا
202122إيران
220202إسرائيل
522335مصر

اﻟﺴﻌﻮدﻳﺔ

إﻳﺮان

من خلال الشكل 2()، يمكننا تكوين الملاحظات التالية: الدولة التي تتمتع بأكبر روابط اتصالية هي الأردن بمجموع 6 عضويات، لذا تُعد أكبر دولة مركزية داخل الشبكة الإقليمية، تليها مصر والسعودية، وتعتبر إيران وإسرائيل أقل الأطراف مركزية. تتشارك الأردن وتركيا وم رر درجة البينية بين أطراف الشبكة، فالدول الثلاث تجمعها علاقات بمختلف الأطراف، وتأتي السعودية وإيران في المرتبة الثانية، ثم تأتي إسرائيل في المرتبة الأخيرة.

إﴎاﺋﻴﻞ

اﻷردن

على صعيد العلاقات الثنائية، يجمع مصر والأردن أكبر روابط اتصالية، ثم السعودية والأردن. وتعتبر العلاقات السعودية - الإسرائيلية، والإسرائيلية - الإيرانية أضعفَ العلاقات الاتصالية خلال فترة الدراسة. يمكن القول إن الموقع الشبكي المُميز للأردن قد ساهم في نجاحه من خلال جذب المساعدات الخارجية الاقتصادية. وعلى الرغم من التعثر اللاحق لمشروع انضمام الأردن إلى مجلس التعاون، فإن جولات التفاوض أثمرت تعهد دول المجلس بمنح الأردن 5 مليارات دولار على مدى خمس سنوات.

وتفصح بيانات وزارة التخطيط والتعاون الدولي الأردنية عن زيادة ملحوظة في المساعدات الخارجية خلال الفترة نفسها؛ إذ قفز إجمالي تقديرات المنح والقروض الميسرة من 733.31 مليون دولار في مطلع عام 2011 إلى 3.0514 مليارات دولار في مطلع عام 2012، ووصلت إلى 2.667 ملياري دولار في عام 2015 35؛ ما ساهم في تعضيد الاستقرار المحلي بعد الاحتجاجات التي مر بها الأردن خلال فترة الربيع العربي. ويعود جزء من هذه الزيادة إلى نجاح الأردن - بالاعتماد على موقعه داخل شبكة المنظمات - في وضع قضية اللاجئين على الأجندة الدولية والإقليمية.

2. التأثير الخارجي في السياق العسكري

بالنسبة إلى التأثير الخارجي في سياق العمليات العسكرية، يمكننا القول إن أثر الدور العسكري للأردن قد تعاظم واتّسم بمرونة عالية، مقارنةً بالدول الأكبر الفاعلة عسكريًا في الإقليم، ويوضح الجدول)5(خريطة الفاعلية العسكرية في الإقليم، ونعني بالفاعلية هنا مدى تمتع الدولة بقدرة على التأثير في مآلات العمليات العسكرية، سواء من خلال الوجود العسكري المباشر في أماكن العمليات، أو من خلال تقديم الدعم اللوجيستي أو الفني للقوى العسكرية المختلفة، أو عبر هيئات التنسيق العسكري؛ وذلك بالتطبيق على حالات أماكن العمليات في سورية والعراق واليمن. من خلال الجدول 5()، يتضح أن فعالية الدور العسكري للأردن قد تخطت بالفعل الفاعلية العسكرية لدول أكبر منه حجمً. وتوجد القوى العسكرية الأردنية بالمعنى الذي وضعناه آنفًا للفاعلية العسكرية ضمن العمليات العسكرية في العراق وسورية من خلال التحالف الدولي، كما أنها شاركت ضمن العمليات في اليمن من خلال عضويتها في تحالف عاصفة الحزم؛ وهو وضع لا يتمتع به أغلب الدول المنخرطة عسكريًا في الإقليم. وقد يجادل البعض بأن المشاركة العسكرية الأردنية تُعد مشاركة محدودة، خصوصًا في حال مقارنتها بقوى أكبر منها حجمً كالسعودية وإيران، إلا أن موقع الأردن داخل شبكة العمليات العسكرية يتيح لها فرصة أكبر من حيث الاطلاع على انتقال الموارد والمعلومات عبر الشبكة، وهو ما يتيح لها فعالية أكبر وفقًا للمنظور الشبكي، وهذا ما يوضحه الشكل.)3(وفقًا للشكل 3()، يتمتع الأردن بدرجة مركزية أكبر داخل الشبكة الإقليمية؛ وذلك من خلال التنسيق العملياتي المشترك بين روسيا والولايات المتحدة والسعودية، وقد قام بالتنسيق أثناء هذه الفترة مع كل من روسيا والولايات المتحدة والسعودية في سورية، ومع الولايات المتحدة في العراق، ومع السعودية في اليمن. وهنا يتضح مدى تمتع الأردن بدرجة بينية أعلى نسبيًا في الشبكة من نظرائه الإقليميين الأكبر حجمً مثل السعودية، كما يجمعه تنسيق مع الولايات المتحدة في سورية، وهو ما لا يتوافر لدولة مثل إيران، وهذا يُثبت صحة الفرضية المذكورة آنفًا. ويتفق هذا، أيضًا، مع مقولات المدرسة البنائية المتعلقة باعتماد الدول الصغيرة على تكريس الاعتراف الجماعي الدولي بسيادتها الإقليمية كآلية للحفاظ على أمنها الداخلي، وهو ما وضحته الشبكة السابقة في الشكل 3() على نحو إمبريقي. وفي السياق نفسه، تجدر الإشارة إلى إدراك صانع القرار الأردني لمسألة تأثير هيكل الشبكة في الدور الإقليمي لدولته، فهي وإن كانت دولة صغيرة إلا أن لديها فرصة في ممارسة درجة تأثير مرتفعة نسبيًا فيما يتعلق بالتفاعلات الإقليمية، وهو ما نستنجه من حرص الملك عبد الله الثاني على كسب بعض العناصر التي تُعمق من مكانته في الشبكة الإقليمية. اعتمد الدور الأردني على بناء شبكة اتصال واسعة تتكون من بعض العشائر والمعارضة المسلحة في سورية والعراق، علاوةً على عناصر استخباراتية داخل الجماعات المتطرفة، والمشاركة في تدريب بعض الجيوش النظامية، مثل العراق، أو المشاركة المباشرة في عمليات عسكرية في سورية، ما تجلى في كسب الأردن لدعم خليجي ومصري وأميركي وإسرائيلي خلال هذه الفترة، كما أنه حافظ على اتصالات مفتوحة مع إيران وروسيا وحزب الله عبر علاقات جيدة نسبيًا مع هذه الأطراف36. وانعكس موقع الأردن داخل الشبكة الإقليمية على درجة تأثيره الخارجي، وقد تركز ذلك في استمالة الدول الكبرى لتحقيق أهداف السياسة الخارجية الأردنية، ما أدى في النهاية إلى نجاح الأردن في تعضيد الاستقرار الداخلي عبر عدة وسائل. فمن الناحية الاقتصادية، نجح الأردن في اجتذاب المساعدات الخارجية من بعض دول مجلس التعاون والولايات المتحدة الأميركية خلال هذه الفترة، كما نجح من الناحية العسكرية في التصدي لتهديدات الجماعات الدينية المسلحة على الحدود الأردنية، إذ حرص أغلب الأطراف الخارجية على دعم أمن واستقرار الأردن، وهو ما يوضح تعاظم التأثير الخارجي للأردن خلال هذه الفترة.

  1. المملكة الأردنية الهاشمية، وزارة التخطيط والتعاون الدولي، تقارير المساعدات
  2. الخارجية، شوهد في 2019/3/12، في: https://goo.gl/DV3K4X 36 رمزي، ص.182-161 الجدول)5(التوزيع الجغرافي للدول الفاعلة عسكريًا في الإقليم المصدر: رمزي، ص.189 الشكل)3(موقع الأردن من شبكة العمليات العسكرية الدولية في الإقليم المصدر: رمزي، ص.190
الأردنالسعوديةإيرانروسياالولايات المتحدةالدولة
مكان العمليات
10101العراق
11111سورية
11100اليمن
32312الإجمالي

خاتمة

استعرضنا في هذه الدراسة قضية التأثير الخارجي للدولة الصغيرة، وأثبتت الدراسة أنه يوجد قصور متعلق بافتراض بعض مدارس العلاقات الدولية أن التأثير الخارجي للدولة الصغيرة منخفض، وجرى إثبات ذلك عبر استخدام اتجاه تحليل الشبكات، وتطبيقه على الأثر الخارجي للأردن خلال فترة الاضطرابات الإقليمية 2015-2011، وقد شهدت هذه الفترة تعاظم التأثير الخارجي للأردن، ما انعكس على قدرته على كسب دعم بعض الأطراف الخارجية الأقوى منه نسبيًا. ووجدنا أن تحليل الشبكات قد أضاف بعض الأدوات الجديدة في تحليل أدوار القوى الكبرى والقوى الصغرى داخل الشبكة، على النحو الذي يؤدي إلى إذابة الفوارق التقليدية بين القوى الصغرى والكبرى، وذلك بسبب إعادة صياغته لمفهوم القوة التقليدي السائد في أدوات تحليل الأدوار الخارجية؛ إذ استعاض عن مفهوم القوة الشاملة النسبية ببعض المفاهيم الجديدة؛ مثل درجة المركزية، والبينية داخل الشبكة، وهو ما استعرضناه بطريقة تفصيلية خلال هذه الدراسة. وإلى جانب هذه المفاهيم التحليلية الجديدة، هناك أيضًا بعض العوامل التي أدت إلى إعادة النظر في درجة تأثير الدول الصغيرة في التفاعلات الإقليمية والدولية، ومن أبرزها ما يلي: الفاعلية37: يقدم تحليل الشبكات طريقة لتحديد مدى فعالية أحد أعضاء الشبكة، وتقوم هذه الطريقة على وضعية العضو من حركة التدفق داخل الشبكة؛ فكلما زادت قدرته على النفاذ، ازدادت هيمنته وسلطته على الشبكة؛ ومن ثم فإن الفاعلية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في المجتمع الشبكي العالمي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالعلاقات داخل الشبكة38، لذا فإن حجم أحد أعضاء شبكة ما لا يشير إلى درجة فعاليته بأي حال، وإنما العبرة بدرجة نفاذه إلى داخل الشبكة التي تتحدد وفقًا لموقعه بين أعضاء الشبكة، وليس وفقًا لحجمه مقارنةً بأحجام الآخرين. نطاق القوة: يُعد من نتائج النموذج الشبكي اتساع مفهوم القوة نفسه وإعادة تنظيمه، ويذهب مانويل كاستلز إلى القول إن نموذج الشبكة سيؤدي إلى ضعف الدولة لصالح مراكز جديدة للقوة؛ منها "شبكات رأس المال والإنتاج والاتصال والجريمة والمؤسسات الدولية، والأجهزة العسكرية التي تتجاوز المستوى الوطني، والمنظمات غير الحكومية، والحركات الدينية، وحركات الرأي العام العابرة للقوميات"، ما سيؤدي بالضرورة إلى "تحول الدولة القومية إلى مجرد عقدة في شبكة قوة أكثر اتساعًا"39. وعلى الأقل، يمكن القول إن الفاعلين التقليديين في حقل العلاقات الدولية باتوا في وضع تنافس مع بعض الفاعلين الجدد، ويعزز هذا المناخ التنافسي من فرص تغيير وضع إحدى الدول الصغيرة على هرم القوى العالمية، وإذابة الفوارق التقليدية في هرم القوى الدولية. وتمنح هذه الوضعية التنافسية للدولة الصغيرة فرصًا أوسع في تعزيز تأثير دورها الخارجي، في حال نجاحها في التعامل مع شبكات الفاعلين المختلفة، وهكذا أصبح هناك مستويات متعددة من الفاعلين، ومرونة أكثر في مجال الصراع بين الأدوار المختلفة لكل منها، لا سيما في أوقات التحول والاضطراب. أدوات تأثير جديدة: أنتج نموذج الشبكة، أيضًا، بعض وسائل التأثير الجديدة نسبيًا في تنفيذ السياسة الخارجية، وهي وسائل الاتصال الحديثة، وأدى هذا إلى إحداث تحول في السياسة الخارجية نفسها، ويرى البعض أن هذه السياسة تحولت إلى سياسة تهدف إلى إدارة المعلومات وإحكام السيطرة عليها؛ باعتبار ذلك شرطًا ضروريًا للنفاذ إلى أشكال السلطة، وهذا يعني أن النشاط السياسي أصبح مشروطًا بتوافر الحد الأدنى من النفاذ والحضور. ووفقًا لهذا، فإن من يتم استبعاده بانتظام من الحصول على المعلومات والنفاذ إلى وسائل الاتصال المتطورة، أو ينحصر دوره في مُستقبِل سلبي، سيواجه بالضرورة حالةً من التهميش السياسي والاقتصادي40. إن عامل النفاذ يوفر، أيضًا، فرصة إيجابية لمن لا يواجهون هذا التهميش المعلوماتي، وقد استطاعت بعض القوى من غير الدولة توظيفه في ممارسة دور سياسي أكثر تأثيرًا من قبلُ. وعلى سبيل المثال، شاهدنا في المنطقة العربية ظهور بعض الحركات الاجتماعية الجديدة إبان فترة الثورات العربية؛ من خلال استخدام آليات النفاذ والاتصال الحديثة، وقد استطاعت هذه الحركات أن تضاهي قوة بعض الأنظمة التي تتفوق عليها نظريًا بالمعايير التقليدية، وهو ما يسري كذلك على حالة الدول الصغيرة التي ستستطيع ممارسة دور يضاهي أدوار الدول الأكبر في حال إجادتها التعاطي مع هذه الوسائل الجديدة نسبيًا. كما يمكن القول إن تحليل الشبكات قد اهتم بتحليل العلاقة بين الدولة كفاعل سياسي والبنية المحيطة بها، من خلال التركيز على دور إحدى الدول داخل الشبكات وأثر الشبكة في ممارستها لدورها؛ وهو اتجاه من شأنه تذويب الفوارق الاعتيادية التي يعتمدها أغلب

  1. * تعني "الفاعلية" القدرة على القيام بفعل ذي هدف أو ممارسة السلطة. وتتم عادة
  2. المجتمع الشبكي دارن بارني،، ترجمة أنور الجمعاوي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي
  3. مقارنة دور الوكلاء في الحياة الاجتماعية بدور الهياكل مثل المؤسسات والمعايير.
  4. للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.45 39  Manuel Castells, The Power of Identity (Oxford: Blackwell, 1997), p. 40 بارني، ص.153

مدارس العلاقات الدولية في تحليل تأثير الدول الصغيرة والكبيرة في التفاعلات الإقليمية والدولية. وبالنظر إلى حالة الأردن، نجد أن تحليل الشبكات يقدم تفسيرات مقبولة للكيفية التي أثّر بها الأردن في السياق الإقليمي، لا سيما فيما يتعلق بالحفاظ على أمنه وتوجهاته، وذلك عبر رسم خريطة واضحة لشبكة العلاقات بين دول الإقليم وموقع الأردن منها. وقد نجح الأردن، عبر هذا الموقع، في تأمين حدوده الشمالية مع سورية، رغم انتشار نشاط الجماعات المسلحة والتدخل العسكري الإيراني والروسي، وهو ما تجلى بإقامة مناطق للتهدئة بالقرب من الحدود الأردنية. وباستثناء التدخل العسكري البري، ساهم الأردن عسكريًا في الحرب على الإرهاب بطرق متعددة، ومنها تبادل المعلومات الاستخباراتية، ما يعكس تنوع تقنيات التأثير، وقد تجلّت فعالية الدور الاستخباراتي للأردن في التكليف الدولي له؛ وذلك بوضع قائمة تشتمل على المنظمات الإرهابية في المنطقة، علاوةً على تدريب قوات الجيش العراقي، فضل عن استضافة الأردن لبعض القوات الأجنبية في إطار التحالف الدولي، حيث يوجد به قرابة 1700 من أفراد الجيش الأميركي، وقد أعلنت فرنسا فيما سبق عن وجود بعض طائراتها في الأردن بهدف محاربة الإرهاب41. وأدى هذا النشاط إلى خفض حدة التهديد الأمني للأردن، مقارنةً ببعض الدول الإقليمية الأكبر منه نسبيًا (مصر مثل.) وإجمالً، يمكن القول إن الأردن استطاع التأثير في السياق الإقليمي بما يخدم مصالحه السياسية؛ وهو ما تمثّل في حصار نشاط الجماعات الدينية المسلحة عبر الانخراط في العمليات الدولية لمكافحة هذا النشاط، واقتصاديًا عبر اجتذاب المساعدات الخارجية. ونجح الأردن في ذلك على نحو قد يفوق دولً أكبر منه إقليميًا، وهو ما يثبت صحة افتراض تحليل الشبكات من جهة أن ممارسة التأثير بات يرتهن بموقع أحد الأطراف داخل الشبكة أكثر من الارتباط بمسألة الحجم التقليدية. ختامًا، يجب أن نشير إلى أن هذه الدراسة لا تزعم أن مسألة الحجم باتت غير مهمة في ممارسة التأثير، إلا أنها باتت أقل أهمية مقارنة بموقع الدولة داخل الشبكات وفقًا لمقولات التحليل الشبكي الذي اهتم بتحليل العلاقة بين السياسة الخارجية لإحدى الدول والبنية المحيطة بها؛ وذلك من خلال التركيز على موقع إحدى الدول داخل الشبكات، وأثر الشبكة في ممارستها لدورها، وهو اتجاه من شأنه تذويب الفوارق الاعتيادية التي تعتمدها المدارس الوضعية للعلاقات الدولية في المقارنة بين التأثيرات المتوقعة لكل من الدولة الكبيرة والصغيرة.

المراجع

العربية

المجتمع الشبكي بارني، دارن.. ترجمة أنور الجمعاوي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 رمزي، سمير. "محددات دور الدولة الصغيرة في الأزمات الإقليمية: الأردن نموذجًا 2015-2011." رسالة ماجستير غير منشورة. جامعة حلوان. القاهرة،.2018 عبد الرحمن، عواطف. قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث. سلسلة عالم المعرفة 78. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1984 مقدمة في العلاقات الدولية المتقدمة عودة، جهاد.. القاهرة: المكتب العربي للمعارف،.2014 نظريات العلاقات الدولية: التخصص والتنوع مجموعة مؤلفين.. تيم دان وميليا كوركي وستيف سميث (محررون.) ترجمة ديما الخضرا. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 المملكة الأردنية الهاشمية. وزارة التخطيط والتعاون الدولي. تقارير المساعدات الخارجية، في https://goo.gl/DV3K4X:

الأجنبية

Armstrong, David. "Why is there too much International Theory?" Australian Journal of Political Science. vol. 30, no. 2 (July 1995). Avant, Deborah & Lindsey Heger. "The New Power Politics: Networks and Transnational Security Governance." A One Earth Future Foundation. Conference Report (2013), at: https://bit.ly/2UIDZXx Avant, Deborah & Oliver Westerwinter. New Power Politics: Networks, Governance, and Global Security. Oxford: Oxford University press, 2016. Bull, Hedley. The Anarchical Society: A Study of Order in World Politics , 2 nd ed. London: Macmilan Press LTD, 1995.

  1. فرنسا تدفع بحاملة طائرات لدعم الحرب على الدولة الإسلامية"، ميدل إيست أونلاين، 2015/11/5، شوهد في 2019/3/12، في: https://bit.ly/2CraNNN

Carrington, Peter J., John Scot & Stanley Wasserman. Models and Methods in Social Network Analysis. Cambridge: Cambridge University Press, 2005. Castells, Manuel. The Power of Identity. Oxford: Blackwell, 1997. Hafner-Burton, Emilie M., Miles Kahler & Alexander H. Montgomery. "Network Analysis for International Relations." International Organization. vol. 63, no. 3 (July 2009). Hey, Jeanne A. K. (ed.). Small States in World Politics: Explaining Foreign Policy Behavior. Colorado: Lynne Rienner Publishers, 2003. Hoff, Peter D. & Michael D. Ward. "Modeling Dependencies in International Relations Networks." Poltical Analysis. vol. 12, no. 2 (2004). Holsti, Kalevi. "National Role Conceptions in the Study of Foreign Policy." International Studies Quarterly. vol. 14, no. 3 (1970). Ikenberry, G. John. After Victory: Institutions, Strategic Restraint, and the Rebuilding of Order after Major Wars. New Jersey: Princeton University Press, 2001. Kahler, Miles. Networked Politics: Agency, Power, and Governance. New York: Cornell University Press, 2009. Mintz, Alex & Bruce M. Russett (eds.,)‏. New Directions for International Relations: Confronting the Method-of- Analysis Problem. Lanham: Lexington Books, 2005. Okawara, Nobuo & Peter Katzenstein. "Japan and Asian- Pacific Security Regionalization, Entrenched Bilateralism and Incipient Multilateralism." The Pacific Review. vol. 14, no. 2 (2001). Van Evera, Stephen. "Why Europe Matters, Why the Third World doesn't: American Grand Strategy after the Cold War." Journal of Strategic Studies. vol. 13, no. 2 (June 1990). Waltz, Kenneth N. Theory of International Politics. Boston: Addison-Wesley Publishing Company, 1979. Wasserman, Stanley & Katherine Faust. Social Network Analysis: Methods and Applications. Cambridge: Cambridge University Press, 1994. Wendt, Alexander. "Anarchy is what States Make of it: The Social Construction of Power Politics." International Organization. vol. 46, no. 2 (Spring 1992).