الشباب والسياسي: طبيعة التمثلات وعوامل انحسار ظاهرة الانتساب الحزبي في المجتمع المغربي
الملخّص
تبحث هذه الدراسة في ظاهرة انحسار انتماء الشباب إلى الأحزاب السياسية في المجتمع المغربي، وتحاول فهم أسباب تراجع انخراطهم في هذه الأحزاب، وذلك من خ لاا التركيز على طبيعة العلاقة بين الشباب والأحزاب السياسية، ونظرة الشباب إلى الأحزاب، وتقييمهم للعمل السياسي، وتقييم تعامل الأحزاب معهم. تستند الدراسة إلى المنهج الكيفي لفهم الظاهرة وتفاعلاتها، مع التركيز على الملاحظة بشتى أنواعها، والمقابلات الشخصية. وقد قسمت الدراسة إلى خمسة أجزاء؛ في الأول تلقي الضوء على التمثلات الاجتماعية للشباب، وفي الثاني تناقش مسألة الشباب وظواهر القطيعة والاستمرار، وفي الثالث تتحدث عن الوعي السياسي والالتزام الحزبي، وتخصص الرابع لتمثلات الشباب بوصفها انعكاسً ا للأحزاب، وتتناول في القسم الخامس الشباب بين رهاب السياسة وفقدان الثقة والإحباط. كلمات مفتاحية: الشباب، الجيل، الأحزاب السياسية، المغرب. This study examines the decline of youth membership to political parties in Moroccan society and seeks to understand the reasons for this decreased involvement by focusing on the nature of the relationship between the youth and political parties. Study is based on a qualitative approach, with emphasis on various types of observation and interviews. The study is divided into five parts the social assimilation of young people; youth and the essence of politics; political awareness and party commitment; and finally the political frustration of the youth. Keywords: Youth, Generations, Political Parties, Morocco.
Youth and Politics: The Decline of Party Membership in Moroccan society
مقدمة
تنطلق إشكالية هذه الدراسة من افتراض مركزي، مفاده أن ظاهرة انحسار انتماء الشباب إلى الأحزاب السياسية في المجتمع المغربي تجد تفسيرها في التمثلات السلبية التي اقترنت بهذه الأحزاب. ومن ثمّ، فإنّ الإشكالية المركزية تتمحور حول فهم عوامل انحسار انخراط الشباب في الأحزاب السياسية؛ إذ يمثّل ذلك أحد أهم المداخل التي من خلالها يمكن البدء في البحث عن الآليات الضرورية التي من دونها لا يمكن الحديث عن تمكين سياسي فعلي وواقعي للشباب. أما تساؤلات الدراسة فتتوزع على النحو التالي: ما طبيعة العلاقة بين الشباب والأحزاب السياسية؟ وكيف ينظر الشباب إلى الأحزاب السياسية؟ وكيف يقيّمون العمل السياسي عامة، والعمل الحزبي خاصة؟ وما القضايا التي تثير اهتمام الشباب أكثر من غيرها؟ وكيف تتعامل الأحزاب السياسية معهم؟ وما المنطق الذي يحكم علاقتها بهم؟ وهل يمتلك الشباب الوعي اللازم الذي يُخوّلهم العمل السياسي والانخراط في الأحزاب السياسية؟ وما تمثلاتهم للسياسي والأحزاب السياسية؟ وهل تحكم هذه التمثلات مواقفهم وسلوكاتهم وأفعالهم السياسية؟ وما محتوى تمثلاتهم؟ وكيف تشكلت هذه التمثلات؟ استندت منهجية الدراسة إلى المناهج والتقنيات الكيفية أساسًا، خصوصًا الملاحظة بشتى أنواعها والمقابلة. فتبنّينا المقابلة غير الموجهة بوصفها أسلوبًا لجمع المعلومات والمعطيات؛ لأن هذه التقنية تتميز بالمرونة، إذ ليس هناك ضبط أو توجيه للأسئلة؛ ما يسمح للباحث بالحصول على إجابات أشد عمقًا وتفصيلً. أما عينة الدراسة، فشملت 27 شابًّا جلّهم يتابعون دراساتهم الجامعية، إذ أنجزنا 27 مقابلة، استغرقت كل مقابلة بين 30 دقيقة وساعتين، أي بمعدل 45 دقيقة في المقابلة الواحدة. توزعت أسئلة المقابلة بين أسئلة مباشرة وأخرى غير مباشرة، وتوخّت الأسئلة المباشرة الاطلاع على مدى معرفة الشباب بالأحزاب السياسية، وعلاقتهم بها ومواقفهم منها، وتقييمهم دورها في المجتمع والحياة السياسية، وعمليات التغيير التي حصلت أو التي يمكن أن تحصل في المستقبل القريب. أما الأسئلة غير المباشرة، فكانت الغاية منها اختبار درجة الوعي السياسي عند الشباب، ومن ثمّ فإنها انفتحت على أسئلة تهم الالتزام السياسي وطرائق التعبير عنه وتجسيده في الحياة اليومية، فمثّل ذلك أهم مدخل لفهم طبيعة المشاركة السياسية لدى الشباب، خصوصًا فهم عوامل انحسار ظاهرة انخراط الشباب في الأحزاب السياسية وتفسيرها. استغرقت المقابلات التي أجريناها نحو شهرين، واكتملت أطوارها في أيار/ مايو 2017، وشملت فئات متقاربة من حيث نسب تمثيلية الذكور والإناث ومن حيث السن، فقد راوحت أعمارهم بين 19 و 27 سنة، وتوزعوا على تخصصات وشعب متنوعة ومختلفة. وهم ينحدرون من أهم المدن الرئيسة في شمال المغرب؛ ذلك أن مجريات البحث في معظمها تمّت في رحاب جامعة عبد المالك السعدي التي تستقبل شبابًا من مدن وأقاليم تقع شمال المغرب، وذلك من أجل متابعة دراساتهم الجامعية. ومن جانب آخر، فإن عينة الدراسة تمثلت في العينة القصدية؛ بحيث إن المستجيبين هم أساسًا شباب لا ينتسبون إلى أي حزب سياسي، أو على الأقل هكذا قدموا أنفسهم. أما من الناحية المنهجية، فلقد تبنّينا المنهج الوصفي التحليلي الذي يتوخى الوصف الدقيق للظاهرة أو الظواهر المراد دراستها، سواء من الناحية الكمية أو الكيفية، فالدراسة لا تقتصر على وصف الظاهرة كما هي في الواقع فقط، وإنما تتوخى الوصول إلى نتائج وخلاصات تساهم في فهم الواقع وتفسيره بغية تطويره وتغييره. لا تزعم النتائج التي أمكننا التوصل إليها من خلال هذه المقابلات أنها تمثيلية للشباب المغربي؛ فالأمر في تقديرنا يتعلق فقط بعينة اختبارية، كان الهدف منها تجميع معطيات مؤشرات تسمح لنا بتحديد توجهات الشباب ومواقفهم من السياسي عامة والأحزاب السياسية خاصة. فقد انطلقنا من اعتماد التمثلات المرتبطة بالأحزاب السياسية لدى الشباب عاملً مفسرًا لضعف انخراطهم في الأحزاب السياسية ومحدوديته. وبناء عليه، كانت المعطيات والمعلومات التي تم تجميعها متنًا، انطلقنا منها أساسًا لفهم تمثلات الشباب ورسم طبيعتها ومحتواها فيما يخص الأحزاب السياسية. اقتضت إعادة بناء هذه التمثلات ترتيب كل المعطيات والمعلومات وتصنيفها، ثم تحديدها ضمن مفاهيم تسمح بالانتقال من التعقيد الواقعي والتداخل إلى مرحلة التبسيط والوضوح. وتم بعد ذلك الانتقال إلى مرحلة التأويل والفهم، من دون أن يعني ذلك قطيعة مع هذا المتن؛ بحيث كنا نعود إليه باستمرار للوقوف على منطوقه ولغته وألفاظه. إذا كان مفهوم الشباب يبدو في كثير من الأحيان عامًّا وفضفاضًا، ويُحيل إلى حقائق ووقائع متعددة ومتناقضة، فإننا، انطلاقًا من هذا الاعتبار، حاولنا الاقتصار على الشباب الجامعي من الناحية الإجرائية. وبالفعل، فلقد مثّل الشباب الجامعيون الإطار المرجعي لتعريف الشباب خلال السنة الدولية للشباب سنة 1985، على الرغم من الملاحظات الوجيهة التي تعرض لها هذا التحديد؛ إذ أدى إلى إقصاء عدد من الفئات الشبابية1. غير أن توظيفنا مفهوم الشباب يستعين بمفهوم الجيل بالمعنى
الذي يحيل على الجانب الاجتماعي للمراهقة الذي يقترن بالحيوية والنشاط واكتمال القوة والنضج، ويقوم على قاعدة تجاوز جيل لآخر2. وفي الوقت نفسه، فإن هذا المفهوم ينفتح على مفهوم التغير الاجتماعي؛ نظرًا إلى مركزيته في عمليات التجديد والتحول والانتقال3.
أولا: التمثلات الاجتماعية بوصفها آلية لتحديد الموقف والفعل
يقوم الجزء الأكبر من حياة الأفراد والجماعات على التمثلات الاجتماعية؛ فهي تقترن باليومي والمعيش، وتتشكل من مجموعة من العناصر التي تمتلك قدرة فائقة على توجيه إدراك الفاعل ومختلف معارفه وتصوراته، على النحو الذي تحيل فيه أيضًا على الواقع بكل تجلياته وتفاصيله. فهي بهذا المعنى تبدو منغرسة عميقًا في التركيبة الاجتماعية4؛ لكونها تتميز بالعمومية والانسجام والثبات والديمومة5، بوصفها معرفة عملية تربط الفاعل بالموضوع. "فكل تمثّل يشكّل في العمق تصورًا شاملً وموحدًا لموضوع معيّ، وفي الوقت ذاته بالنسبة إلى الفاعل. وكل تمثّل يعيد بناء الواقع ليكون في الإمكان دمج الخصائص المجردة للموضوع والتجارب السابقة للفاعل مع نسق القيم والمعايير التي يؤمن بها"6. يوجه محتوى التمثلات سلوك الفاعلين ومواقفهم، ويحدد آراءهم وأفعالهم؛ "فالتمثلات ترشدنا إلى الطريقة التي تحدد مختلف الجوانب التي تهم واقع الحياة اليومية، وتشير كذلك إلى الكيفية التي من خلالها نؤوّل هذه الجوانب، ونحكم عليها ونقيمها، وإذا لزم الأمر اتخاذ موقف منها والدفاع عنه"7. يقول موسكوفيتشي: "تشير التمثلات إلى مجموعة من المفاهيم والبيانات والإيضاحات التي تنبع من الحياة اليومية، فهي تعادل الأساطير ونسق القيم في المجتمعات التقليدية، بل يمكن عدّها بمنزلة النسخة المعاصرة للحس المشترك"8. تشتغل التمثلات الاجتماعية كنسق من التأويلات المرتبطة بالواقع، فتنظم علاقات الأفراد بمحيطهم الطبيعي والاجتماعي وتعمل على تحديد سلوكاتهم وممارساتهم. فالتمثل بمنزلة مرشد في كل ما يتعلق بالأفعال؛ إذ إنه يوجّه الأفعال والعلاقات الاجتماعية، ويشكّل نسقًا أوليًّا لفك شيفرات الواقع؛ لذلك فهو يعمل على تحديد مجموعة من التنبؤات أو التكهنات والانتظارات9. لا يمكن مقاربة التمثلات إلا بصفتها صيرورة، وفي الوقت نفسه حصيلة عمليات يتداخل فيها الاجتماعي والنفسي؛ إذ إن المشكلة لا تكمن في الكشف عن الواقع في حد ذاته، وإنما في التعرف إلى الكيفيات التي سمحت بامتلاك المجموعات الاجتماعية لهذا الواقع10. وهذا بالفعل ما مثّل محور اهتمامنا. انطلاقًا من هذه التصورات المرتبطة بالتمثلات في العلوم الاجتماعية، خصوصًا في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، حاولنا اقتفاء أثر تمثلات الشباب حول الأحزاب السياسية، وقد اعتبرناها مؤشرًا أساسيًّا في تحديد الموقف والسلوك السياسيين. وفي هذا السياق، مثّل المؤشر العربي الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مدخلً مهمًّ لبناء جزء من إشكاليات هذا البحث وفرضياته. قدّم المؤشر العربي 2016 كمًّ هائلً ومتنوعًا من المعطيات والحقائق. وخلص التقرير إلى أن الانتساب إلى الأحزاب في المجتمعات العربية يتّسم بالضعف والمحدودية؛ فأكثر من نصف المستجيبين أكدوا أنهم لا ينتسبون إلى أي حزب سياسي، وفي الوقت نفسه لا يرون أن هناك حزبًا في إمكانه أن يمثلهم11؛ ما يطرح ضرورة التساؤل حول تمثلات الشباب بصدد السياسي عامة والأحزاب السياسية خاصة، ومن ثمّ التعرف إلى العوامل المتحكمة في ذلك.
ثانيًا: الشباب بين السياسي وظواهر القطيعة والاستمرارية
1. السياسة وجوهر السياسي
يختلف استخدام مفهوم السياسي عن مفهوم السياسة في هذه الدراسة؛ لأننا حينما نتكلم عن السياسي فإننا نقصد صيرورة وعملية ومجالً غير مستقر وغير ثابت، فهو في حالة من التحول والتغير، أو هو بعبارة أخرى في حالة من البناء وإعادة البناء، فجوهر السياسي
هو صراع من أجل السلطة12، يتشكل في علاقات بين عدد كبير من الفاعلين الذين تنظمهم مجموعة من الممارسات والأفعال والمعايير والقيم. لذلك، فإن هذه المقاربة تتجاوز البعد المؤسساتي، لتستحضر علاقات السلطة التي تفترض استحضار نقاط التفاعل بين مختلف الفاعلين، وعلاقة ذلك بمختلف الإستراتيجيات والممارسات والمصالح المختلفة والمتضاربة، بحيث تتعدد الأبعاد وتتداخل، ويتمايز من السياسة بصفتها مجالً محدودًا وضيقًا، يرتبط بممارسة قد تتم في إطار مؤسساتي، فتكون الدولة أحد تجلياتها، في حين أن السياسي هو مجال العلاقات الاجتماعية التي يمكن اختزالها في علاقات الهيمنة والتحكم وعلاقات الخاص والعام وعلاقات العدو والصديق والمعارض والمؤيد13. تسمح دراسة طبيعة التمثلات عبر استحضار السياسي بمقاربة أوجهه المختلفة والمتنوعة، والكشف عن عوامل انحسار ظاهرة الانتساب الحزبي في المجتمع المغربي، ومن ثمّ توضيح حدود السياسي الممكنة التي تترجم في صراع من أجل الحفاظ على أشكال السلطة والنفوذ والتحكم فيها. وهذا في العمق ما يشكل أحد أوجه الحياة السياسية؛ ذلك أن إقامة حدود للسياسي تسمح لبعض الفاعلين بوضع علاقات السلطة موضوع تساؤل جدي. وقد تعني بالنسبة إلى آخرين محاولة تقوية مصادر السلطة، كما تسمح، من جانب آخر، بمقاربة أشكال الهيمنة الممكنة وطرائق الاحتجاج عليها.
2. الشباب والجيل وظواهر التغيير
يعيش الشباب المغربي وضعًا استثنائيًّا يضعهم في صلب كل التحولات والتغيرات التي عرفها مجتمعهم. فالمغرب يمر في المرحلة الراهنة بفترة مفصلية وحاسمة من تاريخه، ونحن إزاء وضع يتميز بهيمنة عنصر الشباب على الأقل من الناحية الديموغرافية. وفي الوقت نفسه، نعاين تشكّل قطائع واضحة ومتجذرة بين جيلين: جيل ارتبط بالحركة الوطنية والكفاح من أجل التحرر وبناء الدولة المستقلة، وجيل آخر، هو الجيل الحالي الذي يمكن أن نربطه بفترة تولي محمد السادس مقاليد الحكم؛ إذ يمكن الإقرار بموت الجيل الأول أو نهايته14. تقتضي هذه التحولات في المشهد السياسي تغييرًا في الأسس التي قام عليها الخطاب السياسي وأسس الشرعية التي شُيّد عليها العمل السياسي؛ ما لا يبدو متحققًا في مستوى النخب السياسية، سواء في المستوى المحلي أو الوطني. وفي الوقت نفسه، يجد الشباب أنفسهم خارج أي تأطير سياسي أو مجتمعي؛ إذ يبدو التباعد وعدم التلاؤم كبيرين، ويصلان إلى حد الانفصال بين الجيلين؛ ذلك أن نهاية جيل الحركة الوطنية لم تؤد إلى إنتاج الشروط الموضوعية والذاتية التي في إمكانها أن تساعد على تشكّل نخب جديدة تتمتع بأسسها المختلفة في شرعية العمل السياسي، وتمتلك مصادرها الخاصة في السلطة والتأثير.
يموقع هذا الوضع الشباب في صلب عمليات التغيير، خصوصًا إذا ما استحضرنا أن فترة الشباب هي المرحلة التي يكون فيها الفرد في قمة طاقاته، وتكون الرغبة في التحرر والاكتشاف لديه في أعلى درجاتها. فهذه المرحلة تؤرخ بدايات بناء الهوية الخاصة التي من خلالها تنتظم كل العلاقات مع الذات والمجتمع؛ إذ يمكن عدّها المرحلة الأهم في كل لحظات التغيير. وهو الأمر الذي يفسر انحياز الشباب إلى المواقف والآراء والقناعات التي تكون على النقيض من تلك التي يتبناها الجيل السابق15. انطلاقًا من التصنيف الذي تبنّيناه في السابق، والذي يميز بين جيلين: جيل الحركة الوطنية والجيل الحالي الذي يمثله جيل الملك الحالي محمد السادس وزملائه في الدراسة الذين يشكلون ما اصطلح عليه بالنخبة المولوية المرتبطة بالملكية، يمكن أن نفهم - وإن كان ذلك لا يتعلق بما هو جوهري وعميق - كثيرًا من التغيرات التي أحدثها محمد السادس بوصفها تعبيرًا عن جيل جديد، والتي تستجيب لبعض من تطلعاته؛ إذ تبدو منسجمة مع المعطيات الديموغرافية والاجتماعية، خصوصًا إظهار زوجه إلى العموم، وتجسيده صورة الشاب المتماهي مع طموحات الشباب وأحلامهم، خاصة فيما يتعلق بالمظهر واللباس. غير أن ذلك يتم في إطار من الاستمرارية التي تفرضها ضرورات السلطة واستمراريتها.
تعدّ المقاربة المبنية على دورة الحياة الشبابَ أهم فاعل في حركات الاحتجاج الاجتماعي والسياسي، وتفسر مشاركتهم المكثفة في كل حراك يستهدف إحداث التغيير من خلال التحولات والتطورات التي تحصل خلال مرحلة الشباب، والتي تتوافق مع الميولات والاحتياجات التي تخص هذه المرحلة، وتؤثر في القيم والتصورات والمواقف السياسية16. برز الشباب المغربي خلال السنوات الأخيرة الماضية بوصفه قوة وفاعلً في المشهدين السياسي والاجتماعي، وذلك على الأقل في محطتين أساسيتين: تمثلت المحطة الأولى في حركة 20 فبراير التي صاحبت اندلاع ثورات الربيع العربي. أما المحطة الثانية، فانطلقت مع موت بائع الأسماك محسن فكري في شاحنة جمع النفايات، والذي نتج منه ما أصبح يعرف بالحراك الاجتماعي في الريف المغربي، ويعني مدينة الحسيمة والبلدات المجاورة لها. تشكّلت حركة 20 فبراير في عمومها الأعظم من الشباب، وكانت تعبيرًا عن سياق سياسي واجتماعي، جمع بين الاحتجاج والمطالب السياسية والاجتماعية من جهة، والانفتاح على العالم الخارجي من جهة أخرى، وذلك عبر التوظيف المكثف لشبكات التواصل الاجتماعي في كل أشكال التعبئة والحراك، خصوصًا الفيسبوك واحتلال الميادين العمومية17. بيد أن النهاية التي آلت إليها جعلت منها رأسَ مال رمزيًّا يبدو حاضرًا في التمثلات، وقابلً للتوظيف في كل لحظة، وعلامة فارقة في مسار السير الذاتية لمعظم الشباب. ومن ثمّ لم تعد حركة 20 فبراير تقترن بفعل يتحرك ويحرك الشارع، وإنما تحولت إلى شبح يتقمصه بعضهم لإخافة آخرين، أو لتمايز بعضهم من بعض؛ وذلك لأنها لم ترتبط بأي حزب سياسي، فكانت ملكًا للشعب بأكمله، خاصة الشباب منه.
3. الشباب وأفق البحث عن جيل سياسي
تشترك حركة 20 فبراير والحراك الاجتماعي في الريف المغربي في كثير من الخصائص؛ فقد كان الشباب الفاعل الأبرز والأساسي فيهما. غير أن العوامل التي تحكمت في الحراك الاجتماعي في الريف كانت عوامل داخلية بامتياز (بدأت مع موت محسن فكري طحنًا داخل حاوية نفايات)، وتمثلت في انتشار البطالة وضعف البنى الأساسية كالصحة والتعليم، تمامًا كما هو الشأن بالنسبة إلى الثورة التونسية التي اندلعت مع موت البوعزيزي حرقًا لذاته؛ فانحصر الحراك في مدينة الحسيمة والبلدات القريبة والمجاورة لها، بينما كانت حركة 20 فبراير انعكاسًا لحالة عربية اجتاحت كثيرًا من البلدان العربية.
تميز الحراك الاجتماعي في الريف ببروز مجموعة من الرموز المرتبطة به والمعبرة عنه، فبدا متحررًا من أي إطار سياسي محدد، بل على العكس من ذلك، تضمن ما يمكن عدّه نوعًا من الإدانة والرفض لكل الأحزاب السياسية. فكل التمثلات التي تشكلت حوله تميل إلى عدّه دليلً على فشل كل الأحزاب، ما يبرر تمركزه في مدينة الحسيمة والنواحي القريبة منها ضمن إيقاع خاص له مفرداته وخطاباته ورموزه؛ إذ يبدو منفصلً وليس انفصاليًّا، ما سمح ببروز رموز وقادة يعبّ ون عن هذا الحراك في ظل فراغ رهيب عنوانه غياب الثقة بين الشباب ومختلف الفاعلين أحزابًا ودولة؛ ما عقّد كل عمليات التواصل والتحاور والتفاوض. وبالفعل، نحن إزاء جيل يمتلك طاقات كبيرة، غير أن تمثلاته المرتبطة بكثير من القضايا المصيرية يلفها كثير من الغموض والالتباس، ولا تسمح له بابتكار أفق جديد أو تطويره، يقود إلى تبنّي التغيير وإحداثه، ومن ثمّ بروز جيل جديد يدافع عن مشروعه الخاص. لا يتعلق الأمر، إذًا، بجيل بالمعنى السياسي على الأقل في المدى القريب؛ ذلك أن الجيل السياسي يقوم على تعبئة كل طاقاته وتجنيدها، ويتوخى إحداث التغيير والانتقال من وضع إلى آخر على المستوى السياسي والاجتماعي، فالسن بوصفه عاملً محددًا ينبغي أن تترافق مع سلوك ومواقف جماعية18. "فكلما كانت التغييرات الاجتماعية متسارعة وسريعة، وكانت الأجيال تطور مواقفها وأجوبتها الخاصة بصدد المجتمع والسياسة بالسرعة ذاتها، فإن التجارب الاجتماعية تؤثر تأثيرًا حاسمً في عقول الشباب المرنة؛ بحيث يدركون أن نظرتهم إلى المجتمع والسياسة تختلف عن الجيل السابق. ونتيجة ذلك، يمكن
أن يتشكل وعي جيلي يعطي الأسس لانبثاق حركة جيل وبداية الصراعات البين - جيلية"19. إن المفردات والمصطلحات والعناصر التي تدخل في تشكيل العلاقة بين التغيير والجيل من جهة، وبين الشباب والأحزاب السياسية من جهة أخرى، تكشف أن تمثلات الشباب المغربي هي خليط متناقض ومتعارض، يلفّه في كثير من الأحيان الغموض والالتباس. فهي وإن كانت تحيل على جيل، فإن ذلك لا يعني أننا بصدد جيل جديد؛ فمفردات التعبير عن التغيير والتحول ليست بالوضوح التام؛ إذ إن التمايز عن الجيل السابق يبدو عندما يتعلق الأمر بالتعابير الجسدية والذوق واللباس وفي كثير من السلوكات والمواقف، لكنه لا يعلن عن أي قطيعة أو صراع مع الجيل السابق، فهو يتماهى مع كثير من رموزه، كالإشادة بمنجزات والده الحسن الثاني وبرجالات الحركة الوطنية، فتبدو عائقًا لتحرره وانعتاقه، بحيث لا يمكن تصور الحاضر والمستقبل من دون هذه الرموز، على الرغم من أنها لا تشكل امتدادًا له في السلوك والفعل؛ ما يعني أننا إزاء حالة من السكون والجمود لا تدفع إلى التغيير ولا تشجعه. يتم التعبير عن علاقة الشباب بالأحزاب بمفردات تحيل على الإقصاء والتهميش؛ ما يعني أن قنوات التنشئة السياسية تتم خارج المؤسسات الرسمية، والتي تشير، إضافة إلى ذلك، إلى أن الحركات الاحتجاجية ليست محكومة أو موجهة بوعي سياسي مؤسساتي، أو في الإمكان أن يصبح كذلك مع تطور الأحداث واكتمالها. لذلك ليس مستغربًا أن تصل كل الاحتجاجات إلى أفق مسدود، أو أنها تنطلق من هذا الأفق المسدود، بحيث ترسم مخارجه في تدخّل الملك، أو أنها تستند إليه مسبقًا، سواء على نحو معلن أو ضمني، وهي بذلك تستنسخ بغير وعي الآليات نفسها التي اعتمدتها الأجيال السابقة20. تؤكد الوقائع والمعطيات الميدانية أن نهاية جيل الحركة الوطنية ترك – ولا يزال يترك - فراغًا متعدد الأبعاد، وأن تجديد النخب لا يتم وفق آليات تسمح باحترام قواعد انتقائها كما هو الشأن في المجتمعات الديمقراطية21؛ الأمر الذي أنتج نخبًا أكثر حذرًا وأشد تخوفًا من المستقبل، وتعيش وفق تعاقد ضمني؛ إذ مقابل الولاء المطلق للملكية تتمتع هذه النخب بهامش محدود من السلطة، فيفرض هذا الوضع عليها العيش في بنية من الجمود والمحافظة22. لا يقترن ارتفاع عدد الشباب وازدياد مشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية بحدوث تغيرات سياسية حاسمة؛ ما يفرز حالة من الإحباط تقود نحو تكريس مزيد من الجمود. وليس ذلك بسبب غياب الوعي السياسي، ولكن نتيجة عدم تشكّل وعي جديد يرتبط بجيل جديد بالمعنى السياسي، يمكن أن ننعته بجيل ما بعد جيل الحركة الوطنية. يمكن أن نتكلم عن مفهوم الأجيال في كل المجالات باستثناء المجال السياسي، فأقرب توصيف يمكن تبنّيه أننا إزاء "جيل ضائع" لا ينقصه الوعي السياسي، ولكن تنقصه روح المبادرة والتجديد؛ وذلك نتيجة ارتباط نخب الأجيال السابقة بالمؤسسة الملكية، واستمرار إنتاج النخب وانتقائها خارج أي إطار مؤسساتي؛ ما نتج منه نخب تتميز بالسلبية المطلقة وتعيش وضع الرهينة، لدى السلطة المركزية أو لدى ممثليها على الصعيد المحلي23.
ثًالث ا: الشباب بين الوعي السياسي والالتزام الحزبي
يتمظهر جزء كبير من أزمة علاقة الشباب بالسياسي في غياب المشاركة السياسية، فالخطاب السياسي الرسمي والحزبي لا يتوقف عند دعوة الشباب إلى المشاركة في الحياة السياسية؛ ما يعني وجود أزمة حقيقية تقتسمها الأحزاب والدولة بدرجات متفاوتة، وتجعل ممارسة السياسة سواء بالنسبة إلى الدولة أو بالنسبة إلى الأحزاب تتم على نحو ناقص، وتفتقد الشرعية. تبدأ أزمة المشاركة السياسية عند الشباب بالامتناع عن الدخول الرسمي في السياسة، ويتمثّل في رفض التسجيل في اللوائح الانتخابية والتصويت في الانتخابات، وتنتهي بانعدام أي نوع من الالتزام السياسي، ويتمظهر ذلك بالأساس في ضعف انخراطهم في الأحزاب السياسية وغيرها من الهيئات المدنية والحقوقية. تُ ثّل اللحظة الأولى علامة فارقة في بداية انخراط الشباب في الحياة العامة. أما اللحظة الثانية، فتمثل بداية اهتمامهم بالسياسي وتشكل وعيهم السياسي. غير أن اللحظة الأولى لا تعني عدم الاهتمام بالسياسة؛ فالشباب يهتمون بالسياسة على طريقتهم الخاصة، ويتبنون جملة من المواقف والآراء، وينشغلون بالعالم الذي يحيط بهم24. تندرج ضمن هاتين اللحظتين جملة من العناصر والمكونات المتباعدة والمتداخلة التي قادتنا إلى تصنيف معطيات المقابلات التي أجريناها
مع الشباب وترتيبها وإعادة بنائها، على نحو يسمح بالإلمام بعلاقة الشباب بالسياسي. لذلك ميزنا بين بعدين رئيسين: الالتزام السياسي والانتساب الحزبي. فإذا كان الالتزام يرتبط بالوعي السياسي، فإن الانتساب الحزبي لا يعني نوعًا من الالتزام السياسي ولا يترتب عليه بالضرورة. ومن ثمّ، قد ننظر إليه على أنه لحظة مكملة للحظة الدخول الرسمي في الحياة العامة؛ ويرجع ذلك إلى أن الالتزام السياسي قد يتشكل خارج الأحزاب السياسية، بل إن المعارضة الحقيقية بدورها أصبح وجودها الفعلي خارج الأحزاب25. إذا كان الخطاب الرسمي يختزل المشاركة السياسية للشباب في العمليات الانتخابية المتمثلة في التسجيل في اللوائح الانتخابية والتصويت، ثم الانخراط في الأحزاب السياسية، فإن كثيرًا من الأبحاث والدراسات وجدت في هذا الأمر نوعًا من التبسيط؛ ذلك أن الشباب كانوا على الدوام منخرطين في السياسة ومتفاعلين مع الأحداث والقضايا السياسية26. وبالفعل، فقد تمكنّا، من خلال المقابلات التي أجريناها، من الوصول إلى الخلاصة التالية، وهي أن الشباب يتميزون في أغلبهم بنوع من الالتزام السياسي الذي يظهر في مختلف أشكال التعبير السياسي، سواء اتخذت طابعًا فرديًّا أو جماعيًّا، والتي أبانت عن درجة عالية من الوعي المدني؛ بحيث بدا ذلك بالوضوح الكافي في أساليب الاحتجاج والتظاهر والتعبير عن المواقف، من خلال الوقفات والمسيرات والاعتصامات. ومثّلت في هذا الصدد حركة 20 فبراير والحراك الاجتماعي في الريف علامتين بارزتين؛ إذ مثّل الشباب قاعدتهما الأساسية، من دون أن تكون للأحزاب السياسية أي علاقات تنظيمية أو سياسية بهما. فرضت مقاربة الانتساب الحزبي من خلال تمثلات الشباب للأحزاب السياسية معالجة مسألتين أساسيتين: المدة الزمنية التي في الإمكان أن يستمر خلالها شاب ما منخرطًا في حزب من الأحزاب الموجودة في المشهد السياسي. الدوافع والحوافز التي تفسر انخراط بعض الشباب في الأحزاب السياسية. أكدت النتائج المتعلقة بهاتين المسألتين أن انخراط الشباب في الأحزاب السياسية غالبًا ما يكون عرضيًّا ومحدودًا وموسميًّا، ويرتبط بمواعيد انتخابية أو بمؤتمرات حزبية محلية أو جهوية أو وطنية؛ ما يكشف طبيعة الدوافع الحقيقية المتحكمة في هذا الانخراط، إذ لا يتحدد بالبعد الأيديولوجي أو البرنامج السياسي والحزبي، بل يكون وسيلة لتحقيق بعض المنافع المادية، خصوصًا البحث أو المساعدة على الحصول على منصب عمل، أو ما شابه ذلك. يبدو أن الانتساب إلى الأحزاب بصفة تطوعية ونضالية، والذي ينبني على القناعة السياسية والالتزام السياسي، محدود ولا يشكل قاعدة. ويعكس هذا جزءًا من تمثلات الشباب حول الأحزاب السياسية التي تظهر بوصفها وسيلة لتحقيق بعض المكاسب والغايات المادية التي ما إن تتحقق أو يحدث العكس تنتهي وتختفي كل روابط الشباب بالأحزاب السياسية. فالانتساب إلى الأحزاب يظهر بوصفه موضوعًا قابلً للمبادلة أو التبادل. فمقابل انخراط ظرفي ومحدود، يحصل الشباب على وعود بتحقيق بعض المكاسب المادية، أو أنهم ينخرطون وفي نياتهم تحقيق هذه المكاسب، كالتمتع ببعض التسهيلات التي تسمح بالحصول على منصب عمل أو التسجيل في الماجستير أو الدكتوراه. يتسم معظم الشباب المستجيبين بنوع من الالتزام السياسي الذي ينمّ عن وعي كبير. وتظهر مؤشراته في الموقف من الأحزاب السياسية ذاتها؛ فضعف الانخراط الحزبي ومحدوديته يعبّ ان عن موقف من هذه الأحزاب وطبيعتها، ومن ثمّ فنحن إزاء وعي سياسي بالمشهد السياسي العام وبمختلف ملابساته وخيوطه. بيد أن هذا الوعي ينفلت انفلاتًا كليًّا من أي تحديد أو التزام حزبي؛ فمعظم الشباب يظهرون التزامًا سياسيًّا بكثير من القضايا الوطنية والعربية والإسلامية والعالمية، ويجسدون ذلك عبر أشكال متعددة ومتنوعة من وسائل التعبير السياسي، كالاحتجاج عبر التظاهرات والوقفات والمسيرات التي أصبحت بالنسبة إليهم تقترن بالفاعلية والجدوى، بعكس الأحزاب التي أصبحت مرادفًا للجمود والسكون. ومن ثمّ ترسخ لدى أغلبية الشباب أن التغيير لا يمكن أن يحدث من خلال الأحزاب السياسية، بل أصبح ينظر إليها بوصفها معطلة للحقل السياسي27.
رابعًا: تمثلات الشباب بوصفها انعكاسًا لطبيعة الأحزاب السياسية
يكشف تاريخ الأحزاب السياسية المغربية أنها ارتبطت من الناحية التنظيمية بزعيم واحد، يحتكر وحده كل النشاطات السياسية التي ميزت تاريخ الحزب؛ فهو الحزب، وهو الذي يجسده، وإقالته أو عزله من منصبه بوصفه أمينًا عامًا أو رئيسًا للحزب لا يتم إلا بموته
الطبيعي. بعد موته يستمر زعيمً، يحكم من خلاله وخلفه آخرون، وتقام مؤسسات تحمل أسماءهم، وتجسد علاقة الأموات بالأحياء في الفعل السياسي؛ فالفعل السياسي لا يكون فعالً ما لم يستند إلى الأموات28. هكذا ارتبط حزب الاستقلال بعلال الفاسي، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بعبد الرحيم بوعبيد، وحزب الشورى والاستقلال بمحمد حسن الوزاني، وحزب التقدم والاشتراكية بعلي يعته، والمعطي بوعبيد بحزب الاتحاد الدستوري، وأرسلان الجديدي بالحزب الوطني الديمقراطي. كرست - ولا تزال تكرس - القوانين التنظيمية للأحزاب السياسية المغربية هيمنة الأمين العام؛ فهو عضو في كل الهيئات القيادية، يرأس المجلس الوطني واللجنة المركزية والمكتب السياسي للحزب. وعلى الرغم من كل الخطابات السياسية المعلنة وكل التعديلات والتغيرات في القوانين الحزبية، فإن الأمين العام يظل الشخصية المحورية في الحزب، يحدد كل القرارات ويوجه كل اللجان والأجهزة الحزبية، ويوجه الإعلام الحزبي، بل في بعض الأحيان هو الذي يديره، فهو الذي يربط العلاقات بالمنظمات السياسية الوطنية والدولية. وباختصار، هو الذي يتحكم في كل شيء ويقرر كل شيء. فرضت هذه الخصائص التنظيمية والسياسية المميزة لواقع الأحزاب السياسية تهميشًا وإقصاءً لفئة الشباب المغاربة، ومن ثمّ لم يحدث أي استيعاب أو تفهّم لطبيعة الأجيال الحالية. فأمام استحالة أي نوع من الحراك السياسي الداخلي، أصبحت الأحزاب السياسية المغربية تعيش ضمن دوائر مغلقة، كرّست قطيعة متجذرة مع المجتمع. فالشباب الذين أسسوا الأحزاب الوطنية أصبحوا كهولً، وبدؤوا يختفون شيئًا فشيئًا، ولكنهم لم يستطيعوا أن يخلقوا جسورًا مع الأجيال الحالية التي كان من المفروض أن تخلق دينامية تسمح بتكريس التلاؤم بين التحولات الاجتماعية والانتظارات السياسية للأجيال الجديدة التي لم تعش أسئلة التحرير وأسئلة البناء المرتبط بدولة الاستقلال، ولكنها وجدت نفسها خارج السياسي وضمن واقع يقصيها من جميع النواحي اجتماعيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا. لذلك فنهاية الشرعية التاريخية والوطنية لم تسمح بتأسيس أسس جديدة لشرعيات أخرى، تمكن من استيعاب أسئلة أجيال الشباب وانتظاراتها، والتي ليست شبيهة بتلك التي ميزت الجيل السابق، ولن تكون كذلك. أصبحت الأحزاب السياسية المغربية، نتيجة هذا الوضع، تعيش حالة من الجمود والسكون، وتكونت حولها صورة سلبية، ارتبطت في أذهان معظم الشباب بأنها أبعد ما يكون عن التجديد والتحديث، ولا يمكن التعويل عليها في قيادة التغيير وإحداثه. ويمثل هذا الحكم، بالنسبة إليهم، قمة الوعي السياسي الذي يؤسس ضعف انخراطهم في الأحزاب السياسية ومحدوديته. بدأ تاريخ الأحزاب في المجتمع المغربي بثلاثة أحزاب؛ هي حزب الشورى والاستقلال، وحزب الاستقلال، والحزب الشيوعي المغربي. أما اليوم، فإن عددها أصبح يقارب 36 حزبًا. ويرجع تناسل الأحزاب بهذه الوتيرة إلى اعتبارات متعددة، غير أن أهم ما يترتب عليها أنها تقوي سلطة الملك وشرعيته، وتضعف موقف الأحزاب؛ بحيث تصبح التعددية إطارًا يضعف القدرة التفاوضية للنخب الحزبية وتأثيرها السياسي29. وبغضّ النظر عن القراءات المتعددة للتعددية الحزبية وتباينها، يمكن أن نسجل أن أغلب الأحزاب السياسية المغربية نشأت متمحورة حول شخصية رئيسة، ونادرًا ما تسمح بوجود شخصيات متنافسة؛ وهو الأمر الذي يضطر هذه الشخصيات إلى خلق كيانات حزبية منافسة30، بحيث يظهر تاريخ الأحزاب السياسية المغربية تاريخ انشقاقات بامتياز. وتأخذ ظاهرة الانشقاقات بعدين أساسيين: البعد الأول: يمكن عدّه ضرورة داخلية وذاتية، فرضتها طبيعة الأحزاب المغربية التي لا تسمح بتاتًا بتبادل الأدوار وتجديد الهياكل والقيادات؛ ما يؤدي إلى تشكيل حزب جديد من داخل الحزب القائم، ويبدأ حركة احتجاجية، فحركة تصحيحية، ثم يصبح حزبًا موازيًا للحزب القائم. البعد الثاني: وتتحكم فيه عوامل خارجية؛ ففي كثير من الحالات عملت الأجهزة المرتبطة بالدولة على تشجيع الانشقاقات في بعض الأحزاب، وذلك بهدف خلق نوع من الدينامية والحيوية السياسية التي قد تعطي الانطباع بالتجديد والانفتاح ومواكبة التغيير والإصلاح. ينعكس تعدد الأحزاب السياسية في تمثلات الشباب بصورة سلبية، خصوصًا أنها تقترن بظاهرة الانشقاقات التي لا تؤدي إلى تمايز واضح بين أقطاب وتوجهات سياسية. فكل الأحزاب السياسية تتشابه وتتطابق؛ فالفروق لا ترتبط بمشاريع مجتمعية أو برامج سياسية أو ثقافية.
يؤثر هذا الوضع في الممارسات السياسية للشباب إجمالً؛ فيجعل انتسابهم إلى الأحزاب السياسية لا ينبني على الاقتناع السياسي، ولا يترتب عليه الالتزام السياسي؛ ما يفسر الترحال السياسي عامة، ويجعل الانتساب الحزبي عرضيًّا وموسميًّا في حياة الشباب، ويدفعهم إلى تغيير انتماءاتهم سريعًا وباستمرار. لا تكتمل هذه الصورة إلا من خلال الطبيعة التي يفترضها الشباب للحزب السياسي، فهي تبدو غامضة ومن دون ملامح واضحة، وتحيل على أشخاص أكثر مما تحيل على تصورات أو مواقف. وتتجسد هذه الصورة سلسلةً متدرجة، تبدأ من قيادات مشخصنة، ترتبط بمدينة أو قرية أو جهة، وتنتهي بالأمين العام للحزب أو الرئيس؛ ما يعني أن جزءًا مهمًّ من تمثلات الأحزاب السياسية يمكن البحث عنه من خلال إعادة بناء صورة قادة الأحزاب السياسية. تربط جل الأحزاب بأشخاص محددين، ومن ثم فإن تمثلات الشباب بصدد الأحزاب تميل إلى تكريس نوع من التماهي بين الحزب وقيادته، وهو الأمر الذي سنحاول إبرازه في الفقرات التالية.
خامسًا: الشباب: من رهاب السياسة إلى فقدان الثقة والإحباط
أوضحت كل المؤشرات التي أمكننا تجميعها من خلال المقابلات التي أجريناها أن تحولً عميقًا حدث فيما يتعلق بتمثلات الشباب حول السياسي أو السياسة بصفة عامة؛ فلم نعد نلمس تلك الصورة السلبية التي انطبعت في ذاكرة معظم المغاربة حول السياسي، إذ كانت موضوع خوف وحذر ورهبة، ذلك أنها كانت تستدعي استحضار مواجهة المخزن بكل التمثلات والتصورات التي تكونت عنه في الأذهان والمخيال31، والذي يجد تفسيره في سنوات الرصاص وما رافقها من تعذيب وقمع وتنكيل. أما اليوم، فنجد معظم الشباب يبدون رغبة كبيرة في الحديث في كل المواضيع ذات الصلة بالسياسة ولا يشعرون بالخوف، ولا يُبدون أدنى تردد أو ارتباك. حاولنا أن نطرح جملة من الأسئلة غير المباشرة لفهم هذا التحول، وإن كانت غاية ما نصبو إليه فهم التمثلات المرتبطة بالأحزاب في علاقتها بالانتساب الحزبي، فتوصلنا إلى خلاصتين أساسيتين هما: الخلاصة الأولى، وتكمن في الدور الذي أدّته وسائل التواصل الاجتماعي التي ساهمت في تحرر الشباب من ثقل رقابة عدد من المؤسسات والتابوهات، واختزلت المسافات بينهم أفرادًا ومجموعات، واكتملت وسيلةً تكرس التحرر من الرقابة مع اندلاع ثورات الربيع العربي؛ فتشكلت نزعة قوية لدى معظم الشباب، اقتضت ضرورة الوجود على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي بأسمائهم الحقيقية أو تلك المفترضة، وجسدت هذه النزعة المثل الشعبي الذي أصبح متداولً بين الشباب حول الفيسبوك "(الفيسبوك عندك يغلبوك"، "الفيسبوك، احذر أن تغلب أو تهزم.)" فرض هذا الواقع الجديد انخراط الشباب في الفضاء العام، وأصبحوا أهم فاعل فيه؛ ما يفسر هذا التعامل الإيجابي للشباب مع السياسي، بعيدًا عن الخوف والحذر، بحيث تشكل لدى معظمهم في هذا الفضاء نوع من الأمن والحماية. إضافة إلى ذلك، وارتباطًا بانعكاسات الثورات العربية، تشكّل نوع من الفرز السياسي المبني على قاعدة الولاء للنظام أو معارضته؛ إذ برز في المغرب مفهوم "العيّاشة" للدلالة على أنصار النظام، أي هؤلاء الذي يرددون: "عاش الملك." فتعبير العياشة أُخذ من كلمة عاش. نتيجة هذا الفرز السياسي الذي لا يرتبط بتوجهات سياسية أو حزبية، أصبح الشباب المغاربة قادرين على تحديد مواقفهم وآرائهم السياسية؛ فهم إما مع حزب العيّاشة وإما مع حزب الشعب. فأنصار الحزب الأول يرددون: "عاش الملك"، أما أنصار الحزب الثاني فيرددون: "عاش الشعب"؛ ما ساهم في تحرر الشباب من الخوف والتردد، فسيطر هذا الفرز السياسي على كل أنواع الفرز السياسي الأخرى، وخصوصًا تلك التي تقوم على الانتماءات الحزبية، وجعل مواقف الشباب من الأحزاب السياسية تتجه نحو مزيد من السلبية، وتتميز بالوضوح والقوة، بل بالشجاعة والجرأة. الخلاصة الثانية التي تبدو أكثر إقناعًا، تتمثل في غياب الذاكرة القوية والواضحة عند الشباب المستجيبين؛ ذلك أن معظمهم يفتقرون إلى الإلمام بالتاريخ القريب لمجتمعهم وبالأحداث والوقائع التي ميزت هذا التاريخ. فمعلوماتهم تبدو عامة وفضفاضة، لا تسمح لهم بتكوين رؤية شاملة ومتكاملة عن هذا التاريخ. ويرجع ذلك إلى تشكّل قطيعة بين جيل الحركة الوطنية والأجيال الحالية، لم تسمح بخلق روابط بينهما ضمن مشروع مجتمعي يصل الماضي بالحاضر ويتوجه نحو المستقبل. فجيل الحركة الوطنية احتكر لحسابه الخاص الرمزية التاريخية والنضالية، وبموته ونهايته أصبح من الصعب إيجاد نخبة جديدة قادرة على تعبئة الأجيال الراهنة والتعبير عن تطلعاتها وأحلامها. لذلك فعلى الرغم من الوعي السياسي، فإن الشباب يبدون منفصلين عن تاريخهم ومن دون ذاكرة قوية؛ ما يفسر جزءًا من أزمة الهوية التي يتخبط فيها الشباب.
1. اقتران صورة الأحزاب السياسية بانعدام الثقة وغياب الصدقية
تكاد الصورة نفسها تتكرر عند معظم الشباب؛ فنجد انعدام الثقة وغياب الصدقية القاسم المشترك الذي يحدد صورة الحزب في أذهانهم، فهم يتصورون الحزب إطارًا يسمح بتجميع المصالح والدفاع عنها. ومن ثمّ، يعدّون كل أفعال زعماء الأحزاب السياسية وسلوكاتهم مندرجة في إطار مناورات مدروسة، الغاية منها تحقيق مصالحهم الشخصية ومصالح المقربين منهم. وبالفعل، فإن التوصيف الذي انتشر في الحراك الاجتماعي في الريف، والذي يعدّ الأحزاب السياسية بمنزلة دكاكين، يختزل على نحو كامل ومتطابق محتوى مقابلاتنا مع الشباب المستجيبين، وإن كان لا يصل إلى توصيفها بالدكاكين، إلا أنها تظهرها مجالً للبيع والشراء. يقول أحد الشباب المستجيبين: "كل الأحزاب لا تخدم المصلحة العامة؛ فزعماء الأحزاب يفكرون في مصالحهم ومصالح أقاربهم... إلخ. ولو كانوا يخدمون مصالح الشعب، فلِمَ يؤسسون هذا العدد الكبير من الأحزاب، ولمَ لا يتحدون في حزب واحد أو حزبين أو ثلاثة أحزاب؟ فكل من له مصالح يؤسس حزبه الخاص به، أو ينشق عن حزب موجود ليخدم مصالحه بشكل مباشر من خلال حزبه"32. يعكس مضمون المقابلات مع الشباب المستجيبين حقيقة واحدة يشترك فيها كل قادة الأحزاب السياسية، وهي خدمة مصالحهم والتنافس من أجل الفوز بالمناصب لهم أو لأقاربهم؛ ما كرّس فقدان الثقة بهذه الأحزاب وجرّدها من الصدقية، وأصبحت خطاباتها تقترن بالأكاذيب والأوهام التي تستهدف التضليل والخداع. يقول أحد الشباب المستجيبين: "لم أعد أثق بالأحزاب، الكلام نفسه يقال ويعاد، ودائمًا الشعب هو الضحية. يبيعون الأكاذيب والوهم، فليس هناك إنسان شريف في هذه الأحزاب. يكذبون علينا، ويعتقدون أننا لا نعرف حقيقتهم، ويعيدون الأكاذيب نفسها، ويعتقدون أننا نصدقهم[...]لا أحد يصدق ما تقوله الأحزاب أو يصرح به المسؤولون عنها"33. يشكك معظم الشباب المستجيبين في جدوى المشاركة السياسية التي تتم من خلال المؤسسات السياسية الرسمية، ويعدّون الانخراط في الأحزاب السياسية غير مؤثر على الإطلاق، ولا يمكن أن يكون حاسمً في إحداث التغيير في السياسة والمجتمع. كما أن الأحكام التي يصدرها الشباب حول زعماء الأحزاب السياسية تتسم بالسلبية؛ فهم لا يمتلكون زمام المبادرة، ولا يمكنهم أن يفعلوا إلا ما يؤمرون به. ومن ثمّ فإن الشباب المستجيبين غير راضين عن زعماء هذه الأحزاب، ويرون أن ما يقوم به هؤلاء الزعماء لا يؤدي إلى نتائج ملموسة على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي؛ ما يعني أنه لا يمكن التعويل عليهم في إحداث التغيير بالنسبة إلى أوضاعهم بصفتهم شبابًا، ويعني أيضًا أنهم ليسوا على استعداد للانخراط في أحزاب يقودها زعماء على هذه الشاكلة.
2. الأحزاب السياسية ونظام الخدمات
طور الشباب موقفًا يتسم بنوع من العقلانية تجاه الأحزاب السياسية، فالصورة السلبية التي تشكلت حول هذه الأحزاب جعلت أغلبيتهم عازفين عن الانخراط فيها والتزام النضال في صفوفها. ولكنّها أدت في الوقت نفسه إلى بروز فئة من الشباب على استعداد للتعامل مع هذه الأحزاب، بل إن بعضها يتوفر على بطاقات العضوية فيها، فهي كل ما يربطهم بالحزب. قد يبدو في الأمر كثير من التناقض مع الخطابات التي طوّرها الشباب حول الأحزاب السياسية، لكنّ تحليلً متأنيًا لهذه الخطابات وإستراتيجية هؤلاء الشباب يكشف أن الأمر يتعلق بحسابات عقلانية، وليست متناقضة مع تمثلاتهم؛ إذ تعدّ بمنزلة "عمل" يستنسخ الإستراتيجيات نفسها التي ينتهجها زعماء الأحزاب السياسية. يقول أحد الشباب: "انخرطت في حزب[...]بهدف تحقيق بعض من مصالحي الشخصية. الكل يفعل ذلك. وعندما أحقق مصالحي أمزق بطاقة العضوية. المسؤولون في كل الأحزاب يفعلون الشيء نفسه. يبحثون عن مناصب لأولادهم وعائلاتهم[...]فأنا معهم وبمجرد أن يتحقق مرادي، حتى صوتي في الانتخابات لن يفرحوا به"34. لا يترتب على الانتساب الحزبي في هذه الحالة أي نوع من الالتزام السياسي، وحتى فيما يتعلق بالتصويت في الانتخابات، وإن كان ذلك يفرض عليه جملة من الأدوار والمهمات التي يؤديها بالمعنى المسرحي، كما توضح إحدى شهادات أحد المستجيبين: "لا تربطني بالحزب أي صلات حقيقية، فأنا في وادٍ، وهم في وادٍ آخر. كل ما أقوم به أعدّه مجرد شغل أو عمل أبتغي منهم توطيد علاقاتي مع أشخاص ومسؤولين كي أحقق أهدافي، ثم مدبرها حكيم[...]فأنا حينما أختلي في المعزل، أضع ورقة فارغة"35. أمكننا من خلال تحليل إستراتيجية هذه الفئة من الشباب فيما يتعلق بالانخراط في الأحزاب السياسية أن نستنتج أن الأمر يتعلق
بحسابات عقلانية، تفترض ضمنيًّا نوعًا من الاتفاق اللامعلن بين الشباب والمسؤولين في هذه الأحزاب، والذي يقتضي مقابل انخراطهم في الحزب والقيام بجملة من المهمات والأدوار أن يحصلوا على مجموعة من الخدمات، أو التي في إمكانهم أن يقدّموها للآخرين في إطار الدعاية الانتخابية والحزبية؛ ما يسمح لهم بربط علاقات تمكنهم من تحقيق بعض المكاسب، كالحصول على عمل أو التسجيل في الماجستير أو الدكتوراه. تخضع هذه الإستراتيجيات لحسابات دقيقة ومحكمة؛ إذ طور الشباب وعيًا كبيرًا بطبيعة هذه الأحزاب، وبالكيفيات التي تمكنهم من تحقيق أهدافهم وغاياتهم. فهم يميزون في إطار الأحزاب السياسية بين تلك ما يسمح منها بتحقيق هذه العينة من الأهداف أو تلك، وما لا يمكن التعويل عليه مطلقًا؛ ذلك أن الانخراط في بعض الأحزاب قد ينطوي على مخاطر معيّنة، ومن ثمّ قد يكون عائقًا أمام تحقيق أهداف الشباب. وهكذا فطبيعة الأهداف هي التي تحدد طبيعة الحزب الذي يجب الانخراط فيه. فالبحث عن العمل يقتضي، في غالب الأحيان، الانضمام إلى الأحزاب التي تصنف على أنها يمينية أو إدارية. أما متابعة الدراسة في الماجستير أو الدكتوراه فتوجب الانضمام إلى أحزاب المعارضة؛ إذ تقدّم لهم جملة من التسهيلات من خلال علاقات الزبونية التي يؤمنها أعضاؤها وأنصارها عبر شبكات من العلاقات التي ينسجونها مع مختلف المصالح الإدارية. في كلتا الحالتين، نحن إزاء إستراتيجيتين مختلفتين ومتباينتين؛ ففي الحالة الأولى ينبغي للشباب أن يظهروا نوعًا من الولاء الكامل. وفي الحالة الثانية عليهم إظهار نوع من الالتزام والوعي السياسي الذي يفترض استثمارًا في الوقت أكبر على عكس الحالة الأولى، بحيث يكون عامل الوقت حاسمً، ومن ثمّ فالانخراط يكون محدودًا في الزمان، ويتوخى استغلال الفرص واستثمار الظروف المواتية. إن هذا التوليف الصعب بين التمثلات السلبية حول الأحزاب السياسية والقبول النسبي لنظام الخدمات التي توفرها أو يعتقد أنها توفرها يعكس علاقة جديدة بهذه الأحزاب، والتي تنظر إليها بوصفها أداة مجردة من أي طابع أخلاقي أو قيمي، ومجالً تنتعش فيه الزبونية والمحسوبية. فرضت هذه الوضعية على الشباب إعادة رسم الحدود بين كل العناصر المتناقضة، لكنها لم تبعدهم عن الاهتمام بالسياسي ولم تجردهم من الوعي السياسي، وإنما طورت لديهم إستراتيجيات متعددة تحاول استغلال نظام الخدمات المفترض عند الأحزاب السياسية؛ فقد دفعت بعضهم إلى الهجرة، ودفعت آخرين إلى ابتكار حلول أخرى، كما دفعت آخرين إلى الانحراف والتطرف والجريمة.
خاتمة
تتسم نظرة الشباب إلى الأحزاب السياسية بكثير من السلبية، لكن ذلك لا يترتب عليه غياب الوعي السياسي، والتزام قضايا المجتمع والوطن، والقضايا الكبرى في العالم العربي والإسلامي وفي العالم بأسره؛ فتمثلاتهم لا تقيم أي فوارق بين الأحزاب بوصفها أجهزة وزعمائها، بحيث يبدو كل حزب امتدادًا طبيعيًّا للزعيم السياسي، فيصعب التمييز بين الزعيم والحزب ومختلف هيئاته وأجهزته؛ ما يجعل من الحزب في أذهانهم وسيلة فحسب، تخوّل الزعيم والمقربين منه خدمة مصالحهم والتفاوض من أجلها. ويعدّ ارتفاع عددها مؤشرًا على ذلك، فكلٌ يدافع من موقعه عن مصالحه ومصالح الفئات المرتبطة به، لذلك يغيب الموقف السياسي والخط السياسي والبرنامج الحزبي المميز للأحزاب، فكل الأحزاب تتشابه وتتماثل، وتنتج الخطاب نفسه وتعيد الوعود والأقاويل نفسها. يترتب على إعادة بناء تمثلات الشباب حول الأحزاب السياسية القول إن الأمر يتعلق فعلً بوعي سياسي، يبرز بوصفه فهمً لطبيعة هذه الأحزاب ودورها وحدودها في عمليات التغيير. وبالفعل، أبان الشباب، من خلال المقابلات المطولة التي أجريناها معهم، وعيًا كبيرًا بالقضايا الكبرى التي تعنيهم بصفتهم شبابًا، أو تعني محيطهم الوطني والعربي والإسلامي والعالمي. وتجسّد ذلك في الحركات الاحتجاجية والمسيرات والوقفات التي انخرطوا فيها، ولعل أبرزها حركة 20 فبراير والحراك الاجتماعي في الريف المغربي؛ فبرز بجلاء أن أهم خاصية لانخراط الشباب في العمل السياسي أنه يتخذ طابع احتجاجٍ جماعي، ويوظف المسيرات والوقفات والاعتصامات والإضرابات، ولا يرتبط بالأحزاب السياسية مباشرة، بل قد يتضمن في كثير من الحالات نوعًا من الإدانة لها36. أما ثاني أهم خاصية، فتكمن في أن انخراط الشباب في العمل السياسي يعكس واقع التهميش والإقصاء الذي يعانونه. ومن ثمّ، فهم يستجيبون لأشدّ القضايا ارتباطًا بالحياة اليومية للمواطن المغربي كالصحة والتعليم والعمل. لذلك نجد أن كل أشكال الاحتجاج لا تأخذ بعدًا راديكاليًّا، ولا تستند إلى أي مشروع مجتمعي يربط هذه القضايا بتوجه سياسي أو توجهات سياسية تتجه نحو المستقبل. فالشباب يناضلون من أجل شعارات كبرى، تتجسد في الحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية، فيشكّل ذلك إطارًا يسعون من خلاله لتحسين شروط حياتهم واندماجهم الاجتماعي والسياسي، من دون أن يقترن ذلك بوضع النظام القائم موضع تساؤل جدي؛ فذلك قد يفتح بالنسبة إليهم الباب على المجهول، وهذا ما يخشاه الجميع. ويبقى السؤال الذي يطرح بإلحاح: كيف يمكن تجاوز حالة الجمود
والسكون التي تترافق مع أقصى درجات التوتر والتصدع، والتي لا تسمح للأحزاب السياسية بأن تكون فاعلً مركزيًّا في كل عمليات التحول والتغيير بوصفه انتقالً تنخرط فيه كل الفئات الاجتماعية، وفي طليعتها الشباب، خصوصًا خلال هذه المرحلة الراهنة؟
المراجع
العربية
بوطالب، عبد القادر. "صورة الزعيم بالمجتمع المغربي." بحث لنيل دبلوم الدراسات المعمقة. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة محمد بن عبد الله. فاس، /1995 .1996 ____.___ "اللامركزية كهندسة لمجالات الصراع والتنافس: السلطة المركزية وآليات إنتاج النخب المحلية." أطروحة دكتوراه. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة محمد بن عبد الله. فاس،.2002 _______. طبيعة السلطة السياسية وآليات التغيير بالمجتمع المغربي. تطوان: مطبعة الحمامة،.2004 الزيدي، المنجي. "أهمية مفهوم الجيل في دراسة قضايا الشباب العربي." الحياة الثقافية. السنة 27. العدد 134 (نيسان/ أبريل.)2002 شقير، محمد. "أصول الظاهرة الحزبية بالمغرب." المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي. العدد).1990(12 - 11 المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. برنامج قياس الرأي المؤشر العربي العام العربي: 2016. الدوحة: آذار/ مارس 2017. في: https://goo.gl/h6fJ1w
الأجنبية
Abric, Jean–Claude. Pratiques sociales et représentations. 5ème ed. Paris: PUF, 2003. Birnbaum, Pierre. Dimensions du pouvoir. Paris: PUF, 1984. Crête, Jean & Pierre Favre (sous-direction). Génération et politique. Paris: Les Presses de l'Université LAVAL/ Economica, 1986. Debesse, Maurice. L'adolescence. Paris: PUF, 1979. Desrues, Thierry & Miguel Hernando de Larramendi. "S'opposer au Maghreb." L'Année du Maghreb. vol. V (2009). at: https://goo.gl/uXrBJF Encyclopaedia Universalis. vol. 13. 9 ème ed. Paris: Encyclopaedia Universalis S. A., 1977. Floris, Sylvie. "les jeunes, ces anti- héros du printemps arabe." Institut Européen de la Méditerranée. (2012). at: https://goo.gl/9Mv6Qn Freund, Julien. L'essence du politique. Paris: Sirey, 1965. Jodelet, Denise (ed.). Les représentations sociales. 7 ème ed. Paris: PUF, 2003. Mannoni, Pierre. Les représentations sociales: Entre préjugés et stéréotypes. 5 ème ed. Paris: PUF, 2010. Morin, Edgar. La connaissance de la connaissance: Anthropologie de la connaissance. Paris: Seuil, 1986. Muxel, Anne. L'expérience politique des jeunes. Paris: Presses des Sciences Po, 2001. Palazzoli, Jacques. "La mort lente du mouvement national au Maroc." Annuaire de l'Afrique du Nord. vol. 11 (1972). Santucci, Jean-Claude. "Les partis politiques marocains à l'épreuve du pouvoir: Analyse diachronique et socio- politique d'un pluralisme sous contrôle." Remald. no. 24
________. "Le multipartisme marocain entre les contraintes d'un 'pluralisme contrôlé' et les dilemmes d'un 'pluripartisme autoritaire'." Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée [En ligne]. (mars 2006). at: https://goo.gl/C7SZb3 Szpakowska, janina karla. Jeunes gens: Essai de systématisation des connaissances spécifiques à la classe d'âge 13 - 25 ans. Montréal: École de bibliothéconomie et des sciences de l'information, Université de Montréal, 1988. Waterbury, J. Le commandeur des croyants: Monarchie marocaine et son élite. Paris: PUF, 1975. Zerhouni, Saloua. Jeunes et participation politique au Maroc (Rabat: IRES, 2009). at: https://goo.gl/D4DU3