"دولة الخلافة: التقدم إلى الماضي ( 'داعش' والمجتمع المحلي في العراق")
دولة الخلافة: التقدم إلى الماضي '(داعش' والمجتمع المحلي في العراق عنوان الكتاب:). المؤلف: فالح عبد الجبار. مكان النشر: الدوحة/ بيروت. سنة النشر:.2017 الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. عدد الصفحات: 463 صفحة.
"The Caliphate State: Advancing Towards the Past, ISIL and the Local Community in Iraq"
تقديم
رحل فالح عبد الجبار في 26 شباط/ فبراير 2018 رحيلً خاطفًا، في عزِّ عطائه الفكري الذي توَّجه بكتابه دولة الخلافة. وكان عبد الجبار الذي وُلد في بغداد عام 1946 قد استيقظ فيها على السياسة مبكرًا، ومرَّ فكره بمراحل مختلفة، في ضوء قراءته النقدية لتجاربه العملية، فانتقل من حزب البعث إلى الحزب الشيوعي، ثم التحق بأحد معسكرات الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، قرب عمّ ن، عام 1970، في أثناء الصراع بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الأردنية. والتجأ عبد الجبار إلى براغ، ومنها انتقل إلى بيروت، إلى أن التحق بالحركة المسلحة الكردية في كردستان العراق، بكل ما يحمله هذا الاختبار من "مخاطرة"، على صعيد الضمير الوطني، ثم عاد إلى بيروت عندما اندحرت الجبهة الكردية، بعد اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران عام 1975. وبقي منذئذ يتنقل بين السياسة والعلم والطموح الأكاديمي.
أخذ في بيروت دور الباحث والمترجم اليساري الماركسي، فانكب على إنجاز كتاب العُمر في الترجمة، ألا وهو كتاب رأس المال لكارل ماركس، في ستة مجلدات. وفي التسعينيات استقر في العاصمة البريطانية لندن، حيث نال من إحدى جامعاتها شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع، ثم انخرط من جديد في صحافة الحركة الشيوعية العربية، في مجلة النهج، وثابر على الكتابة في صفحاتها، حتى بعد أفول الاتحاد السوفياتي. عاش حياة غنية بالتجارب السياسية والشخصية، وتخطّفه في كل الأوقات عالم الفكر، ولم يتردَّد في نقد تجاربه، والاستجابة لضرورات التجديد. تهدف هذه المراجعة أساسًا إلى قراءة كتابه دولة الخلافة، بالعودة أولً إلى أبحاث عبد الجبار السابقة، ويُعدّ بعضُ ها تمهيدًا فكريًا ومنهجيًا لكتابه الأخير، وبعضها الآخر شكل محطاتٍ في تاريخه الفكري، لعل ذلك يسمح لنا بالتعرُّف إلى سيرته الفكرية؛ ثم تكشف التركيبة الهيكلية للكتاب، ونتوقف قليلً عند منهجيته التي اتبعها في تناول موضوع "داعش"، وما يتميز به من غيره من الدارسين الذين تناولوا الموضوع نفسه من قبل، ثم نتفحص الوقائع التاريخية والمحلية التي حاول أن يسبر غورها، وقد تناولنا، على وجه الخصوص، تفحُّصه تجربة داعش في تحكُّمِه في الناس والأشياء المحيطة بهم، عبر إدارته العنيفة، وهو ما سمّ ه عبد الجبار "مستعمرة العقاب الريعية"، فكشف مظاهر التسلط الوحشي لداعش في الأماكن التي استطاع الاستحواذ عليها. استعمل عبد الجبار في معالجاته طرائق علم الاجتماع السياسي، من خلال نظرة كلية إلى المجتمع في تفحص قواعد الأفكار، وحمولاته وحاضناته، ومن خلال طرائق بحثه التجريبية والإحصائية أيضًا، وبقي متحررًا من الفهم الميكانيكي للعلاقة بين الاجتماعي والفكري والمتخيّل، فاستخدم في منهجه الاجتماعي الجمع بين مقابلاته المباشرة لعينات من الناس، موضوع البحث، ثم قرأ تلك المعطيات باستخدام المنهجين التحليلي والوصفي، والعودة بها إلى سياقاتها التاريخ، مع استخدام تقنية تحليل النصوص، واتّكل في تشخيصه لتنظيم داعش على منهج الاجتماع السياسي التاريخي، فعاينه في تاريخه الفعلي، وفي علاقته بتاريخ العراق الحديث، وفي محيطه، وبالتجربة التاريخية لبناء دولة الاستبداد (دولة اللادولة)، ثم عمد إلى الربط "التحليلي بين العوامل البنيوية والعوامل الأيديولوجية والفكرية التي ساهمت في ظهور داعش"1. واتجه إلى تفنيد العلاقة الزائفة بين صعود داعش ووجود افتراضي لقاعدته الاجتماعية (حاضنته) في المناطق السنّية. وقدم وصفًا متأنيًا لحياة الناس اليومية تحت سيطرة داعش، ولا سيما في الموصل التي سيطر عليها سيطرة كاسحة عام 2014، وقد قسَّمنا موضوعات الكتاب إلى محاور رئيسة تساعد في اختراق موضوعاته وأفكاره.
أولا: بين الإخلاص لأيديولوجيا الماضي ومواكبة أسئلة الحاضر
على الرغم من الهزَّات الكبرى لليسار العالمي بانهيار الاتحاد السوفياتي، فإن عبد الجبار ثابر على التوسُّع في معرفة فقه الماركسية، فبقي
ملتصقًا به حتى الرمق الأخير، على الرغم من التجديدات التي حاول أن ينقل بها الماركسية من قفص الأيديولوجيا، إلى مجال الاجتماع السياسي التاريخي، والانفتاح على أفكار شتى من البحث ومناهجه، وإن بدا ذلك لا يخلو من الصعوبة. كان يعود، بين الحين والآخر، إلى مرابض ماركس وتلاميذه، فقدم عددًا من المراجعات النقدية للماركسية، مع الإبقاء على حافة ماركسية متجذرة في أعماقه. ويمكن ما بعد ماركس أن يُعدّ كتابه عن ماركس 2010() نموذجًا لطريقة فهم عبد الجبار لماركس، أو لما تبقى منه، لكن عبد الجبار لم يطرح السؤال الفيصل والواجب: ماذا تبقى من ماركس والماركسية بعد انهيار المنظومة السوفياتية؟ أي بعد انتهاء التجربة التاريخية الفعلية للماركسية، وإنما سأل سؤالً عامًا تقادم زمانه: "ما بعد ماركس؟." إذًا، لا ينطلق عبد الجبار من معيار تجاوز الماركسية، بل يؤكد، كأصحاب "السرديات الكبرى"، ضرورة "تجديدها"، مع التسليم بنظرياتها الأساسية (نظرية القيمة، والعمل، ونظرية فضل القيمة.) وعندما يتحدث عن إسهام ماركس في نظرية الدولة، يكتفي بالقول إن نظرية ماركس في هذا الجانب لم تكتمل، وتحتاج إلى استكمال وترميم. والحال أن ماركس لم يكابد كثيرًا في نظرية الدولة؛ فهو بسَّطها تبسيطًا شديدًا، منذ أن ربطها بصراع الطبقات، وعلى نحو أعمق بالمِلكية، فربطَ الدولةَ وجودًا وعدمًا بوجود الملكية، وبالطبقة صاحبة الملكية. وبما أن أساس سعيه يهدف إلى تقويض الاثنين معًا، الملكية والطبقات، فإن الدولةُ لديه لا تعدو أن تكون أكثر من كيان قمعي طبقي، يزول خلال المرحلة الانتقالية للاشتراكية. ومن ثم، لم يولِ ماركس الجوانب الحضارية والتنظيمية للدولة اهتمامًا في تحليله، ولا لإمكانية إجراء تحول جدي في وظائفها لمصلحة العمومية الاجتماعية، عبر الإطار الديمقراطي للحكم. وكما بينت تجربة الاشتراكية في القرن العشرين، لم يؤدّ تاريخ مصادرة الملكية والطبقة في ممارسة المنظومة السوفياتية إلى اضمحلال الدولة لمصلحة الإدارة الذاتية الاجتماعية لعملية الإنتاج والتوزيع، بل أدّى إلى ملكية الدولة العاتية التي صادرت في شموليتها الاقتصاد والمجتمع والثقافة. غير أن ذلك لم يغير من وجهة نظر عبد الجبار، ف "في التحليل الأخير، ينبغي للطبقة العاملة أن تستولي على هذه الأداة، وتحطمها، وتحل محلّها أداة سياسية جديدة، كيما يتسنى إرساء الأساس لزوال المنظم الجديد (البروليتاريا)، وأداته التنظيمية الجديدة (الدولة الاشتراكية)، أو اضمحلالها التدريجي"2. ولعل عبد الجبار ما زال يعوِّل على إمكانية اضمحلال الدولة؛ لتنبثق من خلال ذلك الاشتراكية. والحال أن ماركس يتناول الدولة من زاوية واحدة، هي محاولة الإجابة عن كيفية تدميرها في الثورة الاجتماعية، فيستغرق باحثًا في عملية الإنتاج والملكية والصراع الطبقي على حساب درس مسألة الدولة. وتعليقًا على هذا الجانب، يسوّغ عبد الجبار لماركس قصوره في إنتاج نظرية الدولة بالقول: "أعطى ماركس الأولوية في عمله التفصيلي لتحليل نمط الإنتاج بتلك الغزارة الأخاذة، وذلك التنقيب الدقيق، المتأني، المُركَّب"3، فماركس اهتم بالقاعدة الطبقية، وتحديد وظائفها الطبقية القمعية، والتنظيمية؛ لتأبيد سيطرة الطبقة السائدة، وللأفكار الداعمة لسيادتها. ويُظهِر عبد الجبار إعجابه بتحديدات ماركس للدولة؛ فهي أولً "أداة للهيمنة الطبقية والقمع الطبقي"، مع القول: "إن ماركس عدو الدولة اللدود، وداعية زوالها"، وهي، ثانيًا، "قوة مهيمنة منفصلة عن المجتمع"، ويؤكد، ثالثًا، "تاريخية الدولة." أما بالنسبة إلى كتاب فريديريك إنجلز أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة، فيرى عبد الجبار أن إنجلز "يجد صعوبة كبيرة في الربط المباشر بين نشوء الدولة، كسلطة عامة منفصلة عن الجماعة[...]وبين احتدام التناحرات الطبقية." وعلى الرغم من ذلك، يرى عبد الجبار أن "هذا الكتاب ينطوي على تطبيق جانب أساسي هام من المنهجية الماركسية العميقة"4. ويتوقف عند كتاب لينين الدولة والثورة، ليقدِّم نقدًا أكثر جرأة، لكنه لا يخلو من حذر، فيقول: "يمكن المجازفة بالافتراض أن كتاب لينين اختزل مفهوم ماركس عن الدولة إلى حقل واحد (الدولة أداة هيمنة")، ثم يعيد الأفضلية إلى ماركس نفسه، ف "لينين ألغى التمايز البنيوي المؤسساتي الذي أرساه ماركس بين الدولة ذات الأغلبية العمالية وذات المؤسسات الديمقراطية الراسخة (بريطانيا) وبين تلك التي لا تتوافر لديها هذه الشروط المحددة، كما ألغى الثنائية الممكنة للتطور التاريخي، التطور الارتقائي السلمي، والتطور القطعي الثوري"5. لعل هذا النقد مدخل لعبد الجبار لتجديد الماركسية، وانفتاحه نحو أفق الديمقراطية. ويُعزِّز عبد الجبار نقده، هذا، بمعارضته للأطروحة القائلة إن النظرية الماركسية "تتألف من ثلاثة أقسام هي: المادية التاريخية، والمادية الديالكتيكية، والاشتراكية العلمية"، فيقول إن هذا التقسيم اعتباطي وزائف، و"مستمد من مقالة لينين: مصادر الماركسية الثلاثة"، وإن
"تحويل هذا القول إلى مذهب، كان أحد منابع تقويض الماركسية"، ليقول بعد ذلك إن "النظرية الماركسية هي نظرية تحليل النظام الرأسمالي ونقده، ونظرية البحث عن الإمكانيات التاريخية لنقد الرأسمالية وتجاوزها"6؛ فوضع عبد الجبار نفسه في صف المجددين، بضمه هذه التعقيبات الأخيرة إلى مضامين ممكنة للماركسية، ومن ثم عاد مجددًا ليعزِّز انتسابه إلى الماركسية؛ بتأكيده أسس نظرية ماركس الاجتماعية: "اعتبر ماركس العلاقة بين العمل ورأس المال هي الجوهر البنيوي الذي ينبغي فهم كل العلائق الاجتماعية في إطاره"7، وبتأكيده أيضًا جدّية علم ماركس وراهنيته، بالتذكير بنظريته الاقتصادية: بنظرية القيمة - العمل، وفضل القيمة، إلى أن يقول: إن "الجوهري[...]أن نمط الإنتاج الرأسمالي، القائم على مبدأ الربح (استخلاص فائض القيمة - المطلق أولً، فالنسبي لاحقًا) لا يستطيع العيش بدون توسع (إعادة الإنتاج الموسعة) التي تتطلب توسعًا في السوق القومية والعالمية، ويتحقق عبر التجارة الدولية، بتوسط الدولة (في القرون الأولى) وخارج قيود هذا التوسط في عصر العولمة"8؛ لهذا، يصل إلى استنتاج نظري حاسم، هو تأكيد حيوية الماركسية وبقائها، وحاجتنا إليها: "إن (موت) الماركسية (المُعلن) سيُثبت زيفه في أول أزمة واسعة آتية"9، فأبقى لنفسه بطاقة المجدِّدين للماركسية، لكنه، في الممارسة النظرية، ترك مقعده فارغًا فعلً، فقد خلت أغلب أبحاثه الجدّية التطبيقية من المنهجية الطبقية الماركسية.
ثانيًا: أبحاث مهدت لكتاب "دولة الخلافة"
أصدر عبد الجبار، منذ أواسط الثمانينيات حتى رحيله عام 2018، كثيرًا من الدراسات الفكرية والسوسيولوجية، من أهمها: المادية والفكر الديني المعاصر 1985()، و معالم العقلانية والخرافة في الفكر السياسي العربي 1992()، و الدولة والمجتمع المدني في العراق 1995()، و الديمقراطية المستحيلة والديمقراطية الممكنة 1998()، و الديمقراطية: مقاربة سوسيولوجية تاريخية.)2006(وفي عام 2007، نشر دراسته في الأحوال والأهوال: عن المنابع الاجتماعية والثقافية للعنف التي درس فيها التداخل بين الميثولوجيا والثقافة الدينية والفكر الوضعي الحديث في الإطار العربي10، وفيها يرى أنه إذا كان العنف يشتبك في التاريخ، فله بذاته تاريخه، وأنماطه وأشكاله المنبثة في التاريخ. يقول عبد الجبار: "كلما أوغلنا في دروب البحث عن العنف، انتهينا إلى (الغرائز)، أو (المجتمع)، فكثرة من علماء الاجتماع والبيولوجيا تنتهي دومًا إلى هزال النتائج التي تقول إن العنف ينتمي إلى ردّ فعل (طبيعي)، وأن العدوانية (انحراف غريزي")12. وينتهي إلى تقرير ما يلي: "لا وجود للبياض (العنف) بمعزل عن الأشياء البيضاء. وينبغي الانتقال من المحمول (البياض) إلى الحامل، إلى البنية الاجتماعية - الثقافية في مجرى تحولاتها وتوتراتها. وأن الأديان والمذاهب، والقوميات والإثنيات، والطبقات والجماعات، والقيم والأيديولوجيات، هي سداة ولحمة هذه البنية، وهي في حال من النشوء والتنوع والانشطار، والتعدد، والتصادم"13، ويتابع القول: "إن هذا الانشطار والتعدد، والتحول والاختلاف إنما يؤول مآلً عنيفًا في شروط شتى[...]وأن منابع الاختلاف (وهي منابع عنف) تخترق [...]هذه المستويات[...]اختلاف في اللغة، أو الدين أو المذهب، أو الجنس أو نظام القيم، أو طرز العيش، أو اللون (العرق)، أو المهنة، أو الجنس"14. ويبقى الأمر الأساس في مسألة العنف "ليست المشكلة في (الاختلاف) بل في طريقة النظر إليه، وفي تأويله، وفي حامله الاجتماعي بقيمه وعقله"15. وقدَّم عبد الجبار دراسات تتعلق بسوسيولوجيا الدين والتدين، كانت، أيضًا، تمهيدًا مهمً لطريق دراسته دولة الخلافة، فقد أبدى شغفًا بدراسة سوسيولوجيا الجماعات الدينية والقتالية في العراق، وهو ما نراه ماثلً في عدد من أبحاثه، من قبيل كتابيه العمامة والأفندي 2012()، و الدولة: اللوثيان الجديد 2017()، اللذين كانا بمنزلة تمهيدٍ وجسر نحو دولة الخلافة، فدرس في اللوثيان الجديد الطريق المؤدية إلى عمارة الدولة التسلطية العراقية التي اكتمل بناؤها في زمن صدام حسين، ودرس في العمامة والأفندي تحول المشهد الشيعي في العراق، بشخصياته ومؤسساته، وأُسره وفئاته، واقتصاد الحياة الدينية فيه، فكان عنده بمنزلة محاولة لفهم العلاقة بين المقدس والدنيوي في مناشئ حركة الاحتجاج الدينية في العراق16، بمقارنة مضمرة، في
الأغلب، بإيران، اعتمادًا على الأدوات النظرية لسوسيولوجيا الدين، وعلى مناهج البحث الأكاديمية. في العمامة والأفندي، درس عبد الجبار أصول الوعي الذاتي لدى شيعة العراق منذ ثلاثينيات القرن العشرين، راسمً خطًا تحليليًا للحركة الشيعية، مستعملً مصطلح "التدين" بالكيفية نفسها التي يستعملها ماكس فيبر وعزمي بشارة، مقابل "الديني" و"الدين"، فأجرى تحليلً لتحولات التيارات الشيعية، بعد انقلاب 1958، ولاحظ تأثُّر الحركة السياسية الشيعة مع تمدد المكوِّن الشيعي بكثافة في المدن، وباستلهام الجدل الفقهي الذي غذّى تيارات وأحزابًا جديدة، مثل حزب الدعوة والتيار الصدري وسواهما17. إن الإسلام السياسي الشيعي، بحسب عبد الجبار، جزء من الصعود العام للإسلام السياسي في الشرق الأوسط، وهو استجابة محلية ضد التمييز الطائفي أيضًا، بمعنى أنه مزيج من الاثنين، الطائفية والأصولية18. افتتح عبد الجبار مؤلفه هذا بفرضية مفادها أن أنظار الحركات الإسلامية الشيعية تركزت تركزًا مفرطًا على ما عدته فرصة نادرة، تقدمها حرب الرئيس الأميركي جورج بوش الأب؛ لإعادة تشكيل النظام السياسي، وفي نهاية المطاف فرصة لأسلمة السلطة، أو الثأر، لما وقع على الشيعة من ظلم طائفي، فيصور في هذه المقدمة الدوافع الكبرى المحركة للحركات السياسية الشيعية العراقية التي حكمت، إلى حدٍّ بعيد، ممارستها السياسية في ظل الاحتلال، وما بعده19.
ثًالث ا: دولة الخلافة: التقدم إلى الماضي
تضمن كتاب عبد الجبار، دولة الخلافة: التقدم إلى الماضي، مقدمة وعشرة فصول، وفصلً ختاميًا، وملحقًا. تركز المقدمة على دراسة تصورات المجتمع المحلي السنِّي عن نفسه، وعن الآخر، شريكه في الوطن، فيتساءل نقديًا عما إن كان في الإمكان تصديق ما هو شائع من تصورات عن هذا المجتمع، تفترض أنه في رؤيته للعالم وفي تخيلاته عن نفسه أصبح حاضنة لداعش، وغيره من التنظيمات المشابهة، بالقدر الذي أصبح فيه منتجًا لها، وشكَّل قاعدة اجتماعية ملائمة لاستدعاء داعش؛ ليعبِّ بها عن نفسه. يستبعد عبد الجبار، بقوة، هذا التفسير ويُدينه. وفي المقابل، يُرجع المشكلة، أكثر ما يُرجعها، إلى فشل النخبة السياسة في بناء دولة المواطنة التي تحمي الجميع، وتعطيهم حقوقهم بالتساوي، فيجد في هذا المجال إطارًا تفسيريًا لبروز التيار التكفيري وأيديولوجيته، ورموزه، وأسباب انتقاله إلى فكرة "دولة الخلافة الآن" (ص. 28) وعلى هذا الأساس، يعود عبد الجبار من تحليل الدولة العراقية الفاشلة، ومن تحليل المجتمع المحلِّ العراقي في تمثُلّاته لذاته وللعالم، ومن إدراك التفاعلات بين فشل التنمية السياسية والوطنية، إلى إدراك التحولات التي أصابت علاقة الدولة، والمشروع السياسي والاجتماعي للنخبة، بالمجتمع وبالوعي الاجتماعي، لينتهي إلى تحليل آليات انقضاض داعش على المجال الاجتماعي، واستغلال فرصة فراغ السلطة، وتعرُّف آليات إدارته للأشياء والبشر، وطرائق سيطرته الوحشية عليهما. يعمل عبد الجبار، في الفصل الأول من الكتاب، على اشتغال الدولة العراقية التسلطية، وما نتج منها من اختلال العلاقات الناظمة للجماعة والأمة والهويات المتعددة، ليكشف المآل الذي آلت إليه الدولة في تفكيكها بنى المجتمع وهتك جسده وروحه، لتساعد بذلك في نمو الحركات التكفيرية، وتفاقم نشاطها وأخطارها، إلى أن تُوجَّ ذلك بإعلان الخلافة. أما في الفصلين الثاني والثالث، فيصب المؤلف جهده التحليلي على موضوع "التيار التكفيري وأيديولوجيته"، في تحوله إلى "دولة الخلافة"، فيتناول بالتحليل أيديولوجيا "الدولة الإسلامية"، والبواعث التي قادت إلى إحياء فكرة الخلافة، وتحول التيار التكفيري إلى التطبيق الفوري لشعار "الخلافة الآن." لكن التنفيذ الآني لفكرة الخلافة لم يكن وليد هذه الفكرة القديمة، "بل كان نتاج مسار السَّلَفية العراقية نفسها، نتاج الدخول العام للكادر العسكري – التكنوقراطي من الحقبة البعثية (إلى السلفية الجهادية) حين وجد في هذه الفكرة ملاذًا ومُنقذًا من 'الضلال'، والأهم: من الانحسار والنسيان" (ص. 55) واستغرق الفصل الرابع في دراسة الرموز وعلاقتها بالأيديولوجيا التكفيرية، وتحليل مخيال المجتمع المحلي السنِّي، وتفاعلاته، قبل استيلاء "الدولة الإسلامية" على المدن السنية، وبعده. ويتفحص الفصل الخامس مخيال المجتمع المحلي أمام داعش، الذي يسميه الدولة الفاشلة: "دولة اللادولة" (ص. 29) ثم ينصرف من الفصل السادس إلى الفصل العاشر إلى المعاينة الميدانية والاجتماعية، والتنقيب عن المفاهيم والأساليب والآليات التي استخدمها داعش في إنهاك المجتمع والسيطرة عليه. ثم يضيف إلى تلك الفصول،
الغنية والكثيفة، ملاحق تشرِّح ميدانيًا أحوال المجتمع المحلي في أثناء سيطرة داعش، من خلال الاستعانة بكثير من الباحثين المساعدين، ثم يختم ذلك كله بعرض مكثف لتحولات المخيال المحلي في إطار الحرب الدولية على الإرهاب التي جُرّت إلى الصراع على أرض العراق، إضافة إلى المخاوف والآمال التي تحملها القطاعات الاجتماعية المحلية. يركز الكتاب على كشف زيف الفرضية التي تعاملت مع "الجماعة السنّية على أنها الحامل الاجتماعي لتوجهات داعش" (ص. 28)، معتبرًا هذه تصورات مغلوطة في تشخيصها حال المجتمعات المحلية، وأنها تعتمد على تجزئة المشكلات، فيخلص في تحليله إلى نتيجة مهمة مفادها أن داعش ليس صورة عن المجتمع المحلِّ، ولا هو معبر عنه، أو صورة عن تمثلاته، بل إن الأمر برمته يعود إلى فشل النخبة الحاكمة في بناء دولة المواطنة التي يمكنها أن تحتضن الجميع، على تنوعهم. وقد هيأ هذا الفشل لتيار أيديولوجيا الخلافة، موجودة بذوره أصلً في المجتمعات العربية الإسلامية، أن يتصدر المشهد، مستقويًا بالتنظيم والسلاح. وفي الخلاصة، كانت الأزمة العميقة التي عاشها الاجتماع السياسي العراقي هي التي هيأت الأرضية لبروز داعش. يقول عبد الجبار: "ليست (داعش) نتاج قبول المجتمع المحلي، ولكنها تُحال إلى إطارين أساسيين: أولهما هو إخفاق الدولة في بناء مجتمع تعددي، وفي قبولها الفعلي - المؤسساتي بالتعدُّد، والثاني هو وجود تيار اجتماعي يحمل أيديولوجيا الخلافة في المجتمعات العربية الإسلامية - ومنها العراق - منذ أمد بعيد، بل إن انتقال التيار التكفيري من لحظة العنف إلى لحظة إعلان (الدولة/ الخلافة) مرهون بإخفاق الدولة العراقية في سياق احتجاج (ص المجتمع المحلي عليها" 28)؛ لذلك، تناول عبد الجبار، قبل انخراطه في الكشف عن عمارة داعش الاستبدادية - التكفيرية، الممهدات التي أسست البيئة الملائمة لصعود داعش؛ بفعل إدارة الاحتلال الأميركي للعراق، ف "ما حصل بعد عام 2003 هو انتشار تسييس الهويات المذهبية على نطاق جماهيري...[الذي] أكسب الهويات الجزئية زخمً هائلً، تزايد حين ارتبط بصراع النخب في القمة على السلطة والموارد، وذلك لحظة شروع سلطة الاحتلال في عملية تكوين الدولة الجديدة التي أقامها دون إشراك جميع أطراف المجتمع، وقام على اختلال جليٍّ، اقتصر التفاهم على تفاهم شيعي - كردي". أسس هذا لوضع ملائم لانفجار المسألة الطائفية، وتغذية السلفية الجهادية، ومن ثم، "بعث الحياة" في جسد داعش الذي كان ينمو في قلب "دولة العراق الإسلامية" التي صعدت وخبَت بين حذر المجتمع السني في مواجهة الشعور بالتضييق والتهميش، والخوف من "دولة العراق الإسلامية." من هنا، لجأ المجتمع السني إلى مشروع "الصحوة"؛ للتخلُّص من ممارسات "أبو مصعب الزرقاوي" وتلاميذه، وخيارهم الإرهابي الطائفي. ما لبث التغيُّ أن أصاب الوضع السياسي في العراق بتبوُّء نوري المالكي سدة الحكم، ثم خروج قوات الاحتلال، وشروع المالكي في نبذ "الصحوة"، ورفضه انخراطهم في المؤسسات الأمنية والعسكرية؛ فمنذ عام 2012، وهو يُعَدّ عام تحوُّل ونكوص، اغتنم تنظيم "دولة العراق الإسلامية" ما عدّه الفرصة الكبرى للعودة إلى الساحة العراقية من خلال فشل الاعتصامات التي كانت على أشدِّها في فرض استجابة الحكومة لمطالبها، فتفاقم "الغضب العاصف، واتجه الشباب إلى التحدِّي، فعملت (داعش) على الإفادة من الغضب المحلي لجذب الأهالي إلى التجنيد في صفوفها. وما لبث أن اقترن تمددها بحملة دعائية طائفية سافرة ضد الشيعة، وإعلاء شأن الهوية السنِّية" (ص. 153-154)، في حين كان المجتمع المحلِّ يبحث عن خلاص وليس عن مخلِّص.
رابعًا: الدولة الفاشلة ممرًا لداعش
يؤكد عبد الجبار، منذ البداية، أنْ ليس هناك من حاضنة شعبية استدعت صعود داعش وأمثاله من تنظيمات تكفيرية، وأن ما قاد إلى ذلك إخفاق الدولة في بناء شرعيتها على أسس تفويض سلمي ديمقراطي، ومقاومة النخب الحاكمة لأي تغيير، واستخدامها العنف السافر، وأن المشترك في الحالات كلها هو ميل الدولة القديمة (سورية) أو الجديدة (العراق) إلى الاحتكار التسلُّطي، وعجزها عن - أو اعتراضها على – القبول بالتعدد المجتمعي الهوياتي، أو القبول بالتعدد السياسي (ص 35، 36.) ويرى أن هذا يعادل القول ب "إخفاق الدولة في بناء الأمة" (ص. 36) وقد زاد الاحتلالُ الأمرَ تفاقمً، فاكتسبت الهويات الجزئية زخمً هائلً. وتزايد ذلك حين (ص ارتبط بصراع النخبة على السلطة 55.) وقد أفضت سياسات المالكي الناتجة من رغبته في احتكار السلطة إلى تفكيك المجتمع، على قاعدة تأويل مقلوب لمفهوم الأغلبية: من كونه مفهومًا سياسيًا إلى أن يكون مفهومًا ثقافيًا – طائفيًا.
فتحت هذه السياسات المجال لبروز خيارات أخرى غير عقلانية، وعنيفة، تدّعي سلوك طريق التغيير. حينها أتى داعش مسلحًا بفكرة الخلافة التي تبدو لتيار من الإسلاميين المعاصرين "رمزَ تاريخ تليد مُضيَّع، ويوتوبيا بناء تاريخ مجيد مقبل. إنها الماضي والمستقبل في اتحاد مكين. لكن علّة طلب الخلافة هي استعادة الدولة، واستعادة الدولة شرط أساس لاستعادة الإسلام نفسه. من هنا تلازُم فكرة الخلافة وفكرة الدولة، وتلازُم فكرة الدولة ومطلب الأسلمة" (ص. 55) إن الحلم بعودة الخلافة في الجناح السنّي، أو عودة المهدي في الجناح الشيعي، فكرة قديمة، تنبجس أحيانًا على حين غِرَّة، فلم تكن الخلافة في القرن التاسع عشر موضع نقاش. وحتى الإصلاحيون جمعوا بين النزعة الدستورية الحديثة والخلافة، ثم برزت المسألة على خلفية انهيار الخلافة العثمانية، فانتقلنا من الخلافة المقدسة إلى مبدأ الجمهور الدنيوي (ص. 59)، كما أن الإخوان المسلمين، وجلُّ الحركات الإسلامية، تلهج بشعار الدولة الإسلامية، لا الخلافة، باستثناء تقي الدين النبهاني (حزب التحرير) الذي تمسك بالخلافة، وبمبدأ السيادة للشريعة. وكذلك لم تكن الخلافة ذات أولوية لدى تنظيم القاعدة بقدر أولوية استهداف الولايات المتحدة الأميركية. بعد احتلال الولايات المتحدة العراق أصبح السلفي الجهادي العراقي ميالً إلى الاستحواذ على الدولة؛ لبناء دولة على أنقاض "دولة الشيعة"، ولتوجيه الجهاد ضد الاحتلال، في حين كان المجاهدون الغرباء، وعلى رأسهم الزرقاوي، يرفضون إنشاء أجهزة مركزية، ويرفضون فكرة الدولة، بحسب عبد الجبار، وكانوا أشد ميلً إلى مقارعة الشيعة؛ إذ يقول: "فكرة (الدولة الآن) و(الخلافة الآن) فكرة عراقية، وُلدت وترعرعت في الوسط التكنوقراطي العراقي: العسكري والاستخباري والمدني[...] بعد عام 2003[...]لذا فإن إعلان (دولة العراق الإسلامية) في تشرين الأول/ أكتوبر 2006، ثم إعلان دولة الخلافة في عام 2014 لم يأتِ من فراغ. إنه قران فريد بين اللحظة العراقية والموروث الأيديولوجي لفكرة الخلافة على امتداد القرن العشرين. ولعل مصرع الزرقاوي أزال عقبة (ص كبرى أمام المشروع الدولتي العراقي".)73 ونحن لا نوافق عبد الجبار على هذا الرأي؛ ذلك أن الزرقاوي وتلامذته العرب، كما يفيد كثير من الشواهد، فكَّروا في الدولة واهتموا بها؛ ولهذا السبب، كال أبو عمر البغدادي وأبو بكر البغدادي المديحَ لهم. ينتقل عبد الجبار، بعد ذلك، إلى سبر أيديولوجية داعش وفقهه، ف ىرر أن ما يجمعه مع حركات الإس ماا السياسي هو هدف "أسلمة المجتمع"، أي نقل الأفراد من جماعات أُصيب إسلامها بالخلل، ما بين الجهل والكفر، إلى الإسلام الحق أو الصحيح؛ إذ يقول: "يفسح ترابط مفهوم الأسلمة بمقولة الجاهلية مجالً رحبًا لتنوع مقاربات الحل: من التوعية والتثقيف، إلى الاغتيال والترهيب، وصولً إلى أعمال أكثر عنفًا في إطار الاستيلاء على السلطة، لحظة (ص شمول الحاكم بمقولة الجاهلية" 83.) ويصاحب ذلك مسار متشابك من مفاهيم الحاكمية والجاهلية والتكفير والجهاد، يجمع المودودي بسيد قطب بعبد السلام فرج، وصولً إلى أبي بكر ناجي، صاحب كتاب إدارة التوحش، وصولً إلى تكفير الدولة، وتجهيل المجتمع، وتقدم العلاج بحروب دينية. إن ما يُ يز داعش من هؤلاء خلو المقولات والمصادر الفكرية من مفهوم "الجاهلية"، ليحل محله مفهوم "التوحش" (أبو بكر ناجي)، و"فقه الدماء" (أبو عبد الله المهاجر)؛ فداعش يعتمد فقه الدماء و إدارة التوحش "دستورًا" له، أما كتاب فقه الدماء، فهو " يُبيح له إجازة قتل المشركين، وقتل المسلمين عَرضًا، ممن لا يجوز قتلهم، وقتل النفس (العمليات الانتحارية") (ص. 85)، منطلقًا من فرضية أن العالم بين الكفر وحدّ الردّة، وقد تحول إلى دار حرب، يبيح قتاله. وأما كتاب إدارة التوحش، فهو يصف مرحلة يسمّيها عبد الجبار "أخطر مرحلة ستمر به الأمة بعالم السياسية والإدارة العسكرية – المدنية، أي: رسم إستراتيجية عالمية – محلية للصراع، وشرح مقوماتها، وسبل تنفيذها" (ص. 87) ويرى عبد الجبار أن خلاصة الكتابين (فقه الدماء، و إدارة التوحش) تمثل "تمجيدًا للعنف الخالص، والارتقاء به إلى مرتبة فضيلة الفضائل [...]وموضوعاته الأيديولوجية هي أخلاط إسلامية - قومية، يمتزج فيها رُهاب الأجانب بالتعصّب الديني والكراهية الطائفية" (ص. 91) وهي بوصفها أيديولوجيا، لا تقتصر على كونها "منظومة أفكار لتَمَثُّل العالم وموقع الجماعة/ الفاعل فيه، ولكنها تنطوي على يوتوبيا خلَاصية أيضًا، قوامها الحلم بالآتي[...]أما الانتشار فيتحقق بعالم من الأساطير التأسيسية، أو السرديات؛ عالم هو مزيج من سرديات تاريخية مشحونة بالقدسية، وتجسيدات مادية. لكن السرديات مدعمة بالرموز" (ص. 92)؛ من قبيل الرايات السود، والعمائم السود، والبدلات السود التي ترتفع فوق القدم، مضافة إليها شعارات "باقية وتتمدد"، و"صليل السيوف"، و"الشريعة"، و"الأمة"، و"الخلافة"، مع الإحالة على الماضي المجيد: من الدولة العباسية، والنسب القرشي، والحرص على أسماء تراثية، إضافةً إلى عالم الخلافة والنبوة، مع التصاق زمن مهدوي بها، وعروض عسكرية ترمز إلى القوة والجبروت، والذبح الاستعراضي (ص. 92-99)
خامسًا: مخيال الجماعة السنية
في مقابل هذا التفكيك لعالم داعش، الغريب المرعب الأسطوري، يتعرض عبد الجبار بالتحليل والتفكيك، والاستقصاء التاريخي، والمعاينة المباشرة، للتعرُّف إلى "مخيال الجماعة السنِّية"، عشية بروز داعش، وفي أثناء تحكُّمه بالعباد، فيتمكّن، عبر ذلك، من الإجابة عن سؤال يُخيِّم في الأفق: هل هذا المخيال هو حاضنة داعش ومرضعه؟ ومن أنتج داعش وصنعه؟ وكانت إجابته عن هذا السؤال حاسمة: إن فشل النخبة السياسية في بناء دولة المواطنة هو الذي هيأ الأوضاع لولادة داعش العسيرة. إن أول ما يظهر في دراسته لهذا المخيال أنه وليد أزمة، بدايتها مع حرب الخليج الثانية، وما نتج منها من هزيمة مذلة لحكم صدام حسين التسلطي، وتدمير أميركي للعراق. هذه واجهة المشهد، ثم تراكمت الأزمات والهزائم وتلاحقت، ومعها تفاقمت مشكلات العراقيين في ظل تفاقم الاستبداد والحصار، وتوِّج ذلك بالغزو الأميركي للعراق. وعن ذلك يقول عبد الجبار: "لعل عام 1991 يشكل نقطة بداية معقولة للدراسة. فهو عام الهزيمة العسكرية في حرب الكويت التي قوّضت الدولة العراقية، وهو عام نشوب تمرُّدات مسلحة ضد الدولة البعثية" (ص. 111-112) ومن حينها ظهرت قرائن وافرة "تشير إلى أن المخيال السنِّي في المدن الكبرى[...]أخذ يتجه نحو تشكيل (هوية سنِّية)، ابتداء من ذلك العام "[...](ص. 112) وفي المقابل، كوَّن الخصوم السياسيون حكمً سلبيًا، غدت لديهم المناطق التي يشكل فيها السنة الأغلبية كأنها "موطن الشر الخالص، منها تأتي المفخخات؛ ومنها يأتي المتطرفون، ومنها تأتي عرقلة أي مشروع للتهدئة والمصالحة، ومنها جاءت 'داعش'، وفيها أُسست 'دولة (ص الخلافة"'.)112 يقدِّم عبد الجبار صورة لنشوء هذا المخيال وتطوره في سياق التاريخ المأزوم، فقد خضع بطريقة عجائبية في تاريخه التكويني، وبقي هذا التحول محتدمًا منذ عام 1991، قبل عام. وتركَّز الخوفُ 2003، على الدولة وليس منها، والخوف من قيام تمرُّد عليها. ولعله ممكن "اعتبار ذلك أول تجلٍّ للهوية المذهبية المسيَّسة، ولكن ذلك يقوم حينئذ (ص على قاعدة الهوية العلمانية للدولة" 116-115.) لكن الحال يصبح أكثر احتدامًا بعد الاحتلال الأميركي، وترتيب البيت العراقي على أسس طائفية. كان المجتمع السني حتى مجيء الاحتلال مجتمعًا متدينًا محافظًا. لكن لا توجد فيه سوى "أنوية سلفية ذات تأثير محدود[...]وبداية انتشار اللحية والدشداشة القصيرة، وشيوع استخدام المسواك" (ص. 119-120) الحصار، والحملة الإيمانية في التسعينيات، والعوز وتفكك الدولة، كل ذلك خلق تغيرات، أبرزها انهيار الأيديولوجيا العربية، والإحساس بالخطر على الدولة (ص. 121)، وجرى في المقابل "إطلاق عقال هوية مذهبية - سياسية. وبدأت تروج في المجال السياسي السنّي شعارات، من قبيل "العراق عربي أيها الصفويون"، ويُقصَد منها إدانة مباشرة لشيعة العراق بتوصيفهم غرباء. ويضيف عبد الجبار: "ثم مهد التقارب الانتقامي بين (البعث) والتكفيريين (ص لبناء هوية طائفية سنِّية محاربة".)129 ويرى عبد الجبار أن مسار الهوية انطلق عام 1991، من الدفاع عن دولة الجماعة، إلى الدفاع عن جماعة الدولة، الجماعة السنِّية، ثم انتقل إلى المعارضة المسلحة في الفترة 2004 - 2006، ثم إلى الصحوات بدعم أميركي خلال الفترة 2006 - 2008، ثم تفككت على يد المالكي في الفترة 2011 - 2012، وأخيرًا، راوح الحراك الشعبي، المتواقت مع الربيع العربي، في فلك المالكي الضيق، بلا طائل، فانتهى "هذا الوضع بسقوط المدن الكبرى بيد (دولة الخلافة) في عام 2014، وعودة (ص المجتمع السني إلى نقطة البداية".)134 كانت حقبة المالكي، بحسب عبد الجبار، بمنزلة الفيصل في التحول الذي أوصل اليأس إلى منتهاه لدى السنَّة، وهيأ لداعش اختراق المشهد، وأدى إلى هزيمة الجيش من دون خشية من عداء الجماعة السنِّية؛ إذ يقول: "حكَّم المالكي (حزبَ الدعوة) باسم الطائفية، وحكّم النخبة باسم (حزب الدعوة)، ثم حكّم مع دائرته الضيقة (ابنه أحمد وانسباؤه باسم النخبة"، وهذا قاده إلى أن يخرق "أربعة أسس للدولة-الأمة: مبدأ المشاركة[...]بوصفه أساسًا لبناء أمة غير متجانسة إثنيًا ودينيًا[...]ومبدأ الحكومة الائتلافية[...] ومبدأ النظام البرلماني[...]ومبدأ حل النزاعات ومكافحة التمرد [...]الذي يوجب زج المجتمعات المحلية" (ص. 143)، واستعبد الجميع، الزعامات الكردية والسنية وحتى الشيعية، وشخْصَن الأجهزة السلطوية بعد إلحاقها به، ثم عمل على تفكيك ترتيبات مكافحة التمرد كلها (تسريح الصحوات)، وإقامة ما يشبه الاحتلال العسكري للمحافظات السنية، ف "كانت الاعتقالات والمداهمات التعسفية زادًا يوميًا[...]وشملت الاعتقالات كثيرين من قادة (ص الصحوات" 145)، الذين حاربوا داعش. وعندما رفعت المحافظات ذات الأغلبية السنية مطالبها السلمية عام 2012، لم تجد من المالكي سوى الصد والقمع، فلقد تراجعت لديه "فكرة (ص الحوار، وتقدمت فكرة الحل الأمني" 151.) وعندما دحر
المالكي الحركات الاحتجاجية السلمية، المتواقتة مع الربيع العربي، خيَّم نوعٌ من الاحتجاج العدمي، لا يركن إلى شيء، فأصبح في عام 2015 "يتسم برفض كل شيء، رفض داعش، رفض الدولة (الشيعية)، رفض الحشد الشعبي (الشيعي)، رفض السياسيين السنَّة في المركز، (ص رفض رجال الدين، ورفض رجال الدين السياسيين".)111 في هذا الوضع المحتدم الذي يبعث على اليأس، حامت في مخيلة الجماعة السنية فكرة خلاصية مُتخيّلة، تعويضًا عن الواقع، وبديلً منه، لكن لم يخطر في مخيلتها أن تكون الجماعات السلفية الجهادية، أو تنظيم "دولة العراق الإسلامية"، فارسًا للخلاص؛ يقول عبد الجبار: "جاءت فكرة الخلاص في صورة وعد وبشارة انتشرا في الموصل وبعض مدن الأنبار بقرب نشوء ثورة شعبية يقودها (البعث) وشيوخ العشائر والعسكريون السابقون وبعض الوجهاء[...]وأن تكون كتائب الدولة الإسلامية كتيبة من كتائبها[...]التي اتَّعظت من دروس الماضي وأخطائه[...]فالمجتمع المحلي لم يتطلع إلى داعش [...]بل لو حصلت ثورة جماهيرية لا علاقة للإسلام بها، لحصلت على (ص تأييد كبير" 152.) غير أن دولة الخلافة اغتنمت الفرصة الكبرى للعودة، مع احتدام الغضب العاصف، واتجهت أمزجة الشباب نحو التحدي والعنف، وبدأت بعض الأسلحة بالظهور في ساحات الاعتصام. في هذا الوضع "استقبل المكون السني انهزام السلطة (الشيعية) بالترحاب 2014()، لم يكن يحمل هذا الترحاب معنى التأييد لبرنامج داعش ولا لخططها، كان ذلك نوعًا من التشفي بزوال متعسِّف، وهو تشَفٍّ عام، حتى عند خصوم (الخلافة)، لكن قصير الأجل[...]تشي الواقعة بمدى اليأس الذي أصاب المخيال السنِّي من حصول انفراج في أوضاع السنَّة" (ص. 133) ينطلق عبد الجبار من الفرضية الآتية: "يتوقف تشكيل الأمة في دولة في حالات المجتمعات غير المتجانسة والعراق واحد منها بلا ريب على انفتاح الفضاء السياسي والاقتصادي والثقافي على أوسع مشاركة ممكنة. وغياب هذا الفضاء المفتوح محنة كبرى، بل معضلة كبرى. ولا يهم إن كان اضطراب الدولة - الأمة ناشئًا عن انقسام إثني، أو انشطار ديني/ مذهبي، أو انقسامات قَبَلية أو جهوية، أو بعض هذه الانقسامات أو كلها، فالنتيجة واحدة، توليد كائن مُشوَّه اسمه: الدولة الفاشلة" (ص. 50) في هذه الحال، تخفق هذه الدولة في كسب الشرعية، وفي احتكار وسائل العنف مع رضا الناس به. ومن ثم، يشدّد عبد الجبار على الترابط البنيوي بين إخفاق بناء الأمة - الدولة وصعود داعش، وهو مثال تكرَّر أمام أنظار الجميع في سورية (ص. 51-52) لم تمضِ أيام على سقوط الموصل حتى شرع داعش في التجهُّم، فقدَّم للسكان برنامجه للتحكُّم والإدارة باسم "وثيقة المدينة" التي تبدأ بالتذكير بالفتوحات الربانية، وتحرير الأسرى من سجون الرافضة، والعمل لإرجاع "أمجاد الخلافة"، والأخذ بالحسنى، وبرغد العيش، والحض على صلاة الجماعة، ثم تبدأ بالوعيد والتحريمات، فتفرط في لغة العقاب، وتحرّم التعدد الفكري، وتلغي القوانين الوضعية. عمل داعش على طرد الشيعة وأفراد الإدارة، أو قتلهم، ونكّل بأتباع الديانات الأخرى، من سَبيٍ، وإكراه على الإسلام، وحض على الوشاية. وشيئًا فشيئًا، بدأت ألوان الحياة في التغير. صار الأسود والأبيض دالين على انقسام عالم الخلافة إلى قوة عقاب وقوة نصح. الأسود للمقاتلين، والأبيض لرجال الحسبة. أغلق داعش المحاكم، وتقدم بقوانينه، فأنشأ ما يُسمى "المحاكم الشرعية"، ووجد آلاف المحامين أنفسهم بلا عمل؛ كحال القضاة الذين ألصق داعش تهمة الردة بعدد كبير منهم، فأُعدموا، ليتولى عناصره وظيفة القضاء. تكاثرت التحريمات والأحكام القاسية، يرافقها المحتسب الذي يحض الناس على تجنُّب المحرمات تحت طائلة العقاب الصارم. فالحسبة هي "عين الدولة في الحياة اليومية، بل قنَّاص المخالفات. وتُنفَّذ أعمال الجلد، وأحكام القتل على تنوعه[...]ويتميز رجل الحسبة بردائه الأبيض، وشخصه مثال للجلافة والصلف والقسوة" (ص. 179) وتعرضت النساء لتحريمات أشد قسوة وتفصيلً، من حجاب ونقاب، وما إلى ذلك. ومارس داعش كراهيته لوسائل الفرجة والاتصال والستالايت، فأغلق محلاتها (ص. 179) يطلق عبد الجبار على داعش صفة "الخلافة الريعية"، فهي تعتمد على ريع النفط أساسًا، وتتميز، إلى جانب ذلك، بثلاث سمات، فهي دولة ضرائب، وغنائم، ورأسمالية لاعقلانية بدائية، مقتديًا في ذلك بماكس فيبر. أتاحت المسوحات الميدانية لعبد الجبار أن ينظم جردًا للمصادر المالية لداعش؛ فهناك الغنائم التي تمثل شطرًا كبيرًا من اقتصاد الدولة الإسلامية، وهي تشمل مصادرة الودائع النقدية من المصارف، ومصادرة مستودعات أسلحة الجيش العراقي، وتهريب الآثار والمخدرات، ونهب العقارات. لكن الشطر الأكبر من الموارد كان يتدفق من المعونات الخارجية (ص. 202-205) حاول عبد الجبار أن يقدم صورة متحركة عن تعامل داعش مع الفئات الاجتماعية المختلفة التي يطبق عليها قاعدته الفضلى في
النهب "الغنيمة" والقسر. وينطبق هذا الأمر على فئة رجال الأعمال الذين منهم مَن هرب ناجيًا بجلده، من دون انتظار مرارة التجربة تحت حكم داعش، ومنهم من أُجبر على البقاء، أو اختار البقاء. وعلى هذا، ترك أغلب رجال الأعمال (المقاولون والصناع والتجار) شركاتهم في صلاح الدين والأنبار، وبقيت في الموصل مجموعة صغيرة من المقاولين والتجار. ومن ثم، زال الفساد المستشري سابقًا، ولكن غابت فرص العمل. وازدادت نسبة التدخل في الأسعار من جانب مسؤولي الحسبة. وانهارت الأعمال الكبرى؛ بسبب النزوح والهجرة (ص. 261-263) ربما كان اهتمام داعش بدور رؤساء العشائر ومكانتهم وبالً عليهم، فلقد حرص على إبلاغ رؤساء العشائر مباشرة، ويدًا ليد، للحضور إلى ديوان البيعة؛ لبيعة الخليفة. ويختصر عبد الجبار تقرير الحال بقول يردده الأهالي: إن المنتمين إلى دولة الخلافة، من بين أبناء المحافظة، هم قلة قليلة، بضعة آلاف إزاء ملايين، وإنهم (ص من عوائل هامشية، ومن أشخاص بلا أخلاق 265.) فكان لا بد من أن يحدث صدام بين منطق القبيلة وقيمها وهويتها من جهة، وداعش من جهة أخرى. ويشير عبد الجبار إلى أن التصادم بين بقايا الشبكات القبلية، وتنظيم دولة العراق الإسلامية، أنتج حركة الصحوات المضادة لها من قبل. وتكرر الأمر مع داعش، فالشبكات القبلية تعكس مصالح المجتمع المحلي وثقافته، وهي مصالح دنيوية، سياسية واقتصادية واجتماعية، وقيم ثقافية، تقف في تضاد صارخ أحيانًا مع المنظومة الأيديولوجية للتكفيري. فالقبلي يعيش على العرف، والتكفيري يعيش على التفسير المتزمت للشريعة. والفجوة بينهما كبيرة (ص. 285-286)، فضلً عن أن "مناوأة تشدُّد (تنظيم القاعدة)، و(الدولة الإسلامية) تشدُّدًا مفرطًا في أمور الدين وتجاهلها العادات والأعراف، هي أحد منابع النزاع، ليس مع الأوساط القبلية، ولكن أيضًا رجال الدين المحليين" (ص. 287-288) وكان لا بد لداعش، ساعةَ أصبح سلطة استبدادية شمولية، من أن يولي تلقين الناس إسلامه، أو صورته عن الإسلام، عنايةً فائقةً، وهي مسألة أولاها عبد الجبار عنايته، في فصل الكتاب الأخير؛ إذ لقن داعش الناس، ولا سيما الشبان، صورته عن الإسلام، بموازاة ضبطه الجماعة المحكومة لديه بالسلاح، وبالتنظيم الإداري والأمني، فكان "هوس (دولة الخلافة) بالإدارة البيروقراطية وتنظيم العمل وحفظ الاستمارات مُفرط، يُعيد إلى الأذهان سير عمل الأجهزة البيروقراطية في ظل التوتاليتارية" (ص. 335)، وفي المقابل تقدّم دروسهم الدينية النبي محمدًا "المُرسل رحمة للعالمين باسم (الضحوك القتال)، وهو اسم، أو وصف يشير إلى مريض بالإجرام لا إلى نبي، ويقدمون الله (الرحمن الرحيم) بصورة الإله المتجهم الذي لا يبتسم إلّ عندما يرى (ص الرؤوس تتطاير بأيدي المسلمين".)348
في الختام
يعيد عبد الجبار تأكيد، بحق، أنه "كلما أمعنَّا النظر في المجتمع المحلي السُنِّي تفككت مقولة الحاضنة ل (داعش.) و[...]يُحيلنا [الأمرُ] على الدولة الفاشلة في بناء الأمة أو إعادة بنائها" (ص. 369) وينبه عبد الجبار إلى أن الخلافة لم تُعلن أيام أبي عمر البغدادي)، لكنها أُ2010-2006(علنت في ظل قيادة أبي بكر البغدادي، بعد انهيار الدولة السورية، وانسحاب الدولة العراقية عمليًا من المناطق السنية. إنها لحظة أزمة ولحظة نهوض القوى التكفيرية، بتعبيرات عبد الجبار الذي يقول إن ذلك تواقت مع تضخم فكرة الخطر الوجودي الذي يتهدد الجماعة السنِّية في المخيال الجمعي، في إثر بروز تشكيلات الحشد الشعبي (ص. 372-373) وقد تنبأ عبد الجبار بأفول تنظيم دولة الخلافة، فهو يحمل بذور موته في داخله؛ إذ كاثر الأعداء الكفيلين بخنقه: "إن (دولة الخلافة) لا مستقبل لها، وإنها خلقت لنفسها أكثر من كعب آخيل، الأول سياسة الجماعة (النقية) التي أنزلت العقاب بالسُّنة[...]فأعادت تطبيق سياستها المخفقة أيام الصحوات[...]وكعب آخيل الثاني أنها استعدَت أكبر مجموعتين إثنيتين ومذهبيتين: الأكراد والشيعة [...]وأخيرًا الطابع الريعي الطاغي على مواردها("ص 380-379.) ويختم عبد الجبار بتأكيد مفاده أنْ لا خلاص من محنته، وأزمته المستدامة، إلا بسلوك "الطريق الوسطية العابرة للطوائف. وتشكل حركات الاحتجاج في بغداد ومدن الجنوب ومدينة السليمانية دلائل جلية على هذا الطريق" (ص. 380) ويبدو أن نصيحة عبد الجبار، تلك، تصلح لكافة البلدان العربية التي أمعنت في تمزيق عرى المواطنة لشعوبها، واتخذت طريق الاستعمار المعروف ب "فرِّق تسد." الملاحظة الأساسية التي نضعها على هذا الكتاب هو أنه بالغ في تقدير وجود تيار يؤمن بالخلافة في الثقافة العربية، ففي أغلب الأوقات لم تكن الخلافة سوى حلم، أو نوع من الطوباوية، ولم تتحول إلى مشروع سياسي إلا على نطاق ضيق جدًا (تفرد بها حزب التحرير.) أما أغلب الحركات الإسلامية، فوضعتها في مجال ما بعد الإستراتيجية، وبقيت هدفًا في آخر مرمى لخططها السياسية،
وهذا ينطبق على الإخوان المسلمين. ولم يزدَد الطلبُ على هذه الفكرة، إلّ في أثناء الأزمات الكبرى التي يجد فيها الجمهور نفسه في احتباس تاريخي، يتعثَّ عليه التقدم بطرق سلمية ديمقراطية؛ لذلك بقيت الدعوة إلى الخلافة على هامش الأحداث في المنتصف الأول من القرن الماضي، في زمن دولة الاستقلال الليبرالية، وبقيت هامشية في مرحلة صعود الفكرة العربية، من الخمسينيات إلى السبعينيات. لكن مع هزيمة 5 حزيران/ يونيو 1967 شرعت الفكرة في الرواج، ثم أطلَّت بقوة في صحبة داعش مع تعاقب الهزائم والكوارث، مع الحروب التي انتهت باحتلال العراق، وفشل الدولة في حماية المواطن والوطن. وفي كل الأحوال، قدّم عبد الجبار دراسة مهمة جدًّا؛ ذلك أنه، على الأقل، أجاب بالنفي عن سؤال تردد كثيرًا، هو: هل من قاعدة اجتماعية ثابتة لداعش في الإسلام السني؟ معزِّزًا نفيه بالبراهين الحاسمة.
المراجع
عبد الأمير، شوقي. "فالح عبد الجبار المقاتل على جبهة الحياة."، 2018/5/1 في http://bit.ly/2Vj2biQ:. الفيصل ما بعد ماركس. بيروت: دار الفارابي عبد الجبار، فالح.،.2010 ________. العمامة والأفندي: سوسيولوجيا خطاب وحركة الاحتجاج الديني. ترجمة أمجد حسين. بيروت/ بغداد: منشورات الجمل،.2010 ________. في الأحوال والأهوال: عن المنابع الاجتماعية والثقافية للعنف. ط 2. بيروت: الفرات للنشر والتوزيع،.2008 عثماني، محمد. "العمامة والأفندي: سوسيولوجيا خطاب وحركات إضاءات الاحتجاج الديني.". 2018/11/1:. في http://bit.ly/2Hj9Hqj عناني، خليل. '"دولة الخلافة:' تفكيك البنية الأيديولوجية والرمزية عمران. العدد والسياسية ل 'داعش."' مجلة 24 (ربيع.)2018